← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سم الطوابع رأى بعض كبار الأطباء أن في تندية صمغ طوابع البريد باللسان ضرراً لا يقل عن التسمم بحال وأنه ثبت بتتبع حوادث كثيرة أن أناساً أصيبوا بأمراض وانحراف في صحتهم لأنهم يبلون الطوابع بريقهم ويقال أن أسباباً كيماوية حملت ذاك الطبيب على القطع بسم الطوابع ولاسيما الإنكليز منها لأنها معمولة بصفار (الكروم) (معدن يتكون منه اللون اللامع) أو كرومات الرصاص ومن رأي الطبيب أن لا تلقى الطوابع في أيدي الأطفال لأن وجهها أيضاً يحتوي على مادة سامة فإذا وضعوها على ألسنتهم تسمموا بها.

стр. 422

سير العلم نشوء الرسائل انتدبت بعثة علمية من كلية مدينة شيكاغو للبحث في خرائب بابل فوفقت إلى اكتشاف ألفي لوح كتبت بالخط المسند البابلي يرد تاريخ معظمها إلى خمسة آلاف سنة قبل المسيح. وقد جعلت هذه الألواح على أشكال شتى من الطول والعرض فكانت صورة أقدمها عهداً كصورة البرتقالة رسم عليها الكاتب بخط غليظ حروف الكتابة ثم حفظها في الشمس ولم يلبث هذا الشكل السمج أن استبدل به غيره وجعلت الرسائل تكتب على أطرٍ مسطحة مستديرة. وفي نحو سنة أربعة آلاف ق. م توصل البابليون إلى استخدام الرسائل المسطحة القائمة الزوايا أو المربعة ولم يتحولوا عنها بعد. ومن الغريب أن شكل القرميد في الهندسة أيضاً جرى في نشوئه على مثال الرسائل فكان جانب القرميد بادئ بدءٍ مسطحاً محدباً ثم بدا للقدماء أن جعلوها مسطحة من جميع جوانبها. وهنا مجال ليقال أن ما نراه من آثار الارتقاء فنتخيله قد تم في نصف ساعة قد أتت عليه القرون حتى شهدناه على ما هو عليه وقد وجد أولئك العلماء في جانب تلك الألواح القائمة الزوايا التي كانت تستعمل في الكتابة بضعة الألواح جعلت لأغراض أخرى مثل الألواح التي يكتب عليها الأطفال لعهدنا وكانت مدورة. ومن أغرب أشكال هذه الألواح ما استعمل منها للمراسلة بين المتباعدين منذ سنة ٢٤٠٠ ق. م فقد كانت من الخزف يكتب عليها ما يراد تسطيره على العادة حتى إذا نقشت كلها تغطي بغطاءٍ رقيق من الخزف أيضاً بحيث يكون المكتوب في مأمن من اطلاع أحد عليه ثم يختم المرسل رسالته بخاتمه أو يكتب عليها بعض الكلمات تكون عليها عنواناً ثم يجففها في الشمس أو في تنور. وأنت خبير بما يقتضي هذا العمل من النصب والزمن بحيث لم يكن لأحد أن يبعث رسالته إلا في أحوال اضطرارية وبواعث قوية - قالته مجلة الطبيعة. الاشتراكية في العالمين بحث عالم في مجلة المجلات الأميركية في امتداد الاشتراكية في أميركا كما انتشرت في أوربا فقال أنها اليوم في العالم الجديد قليلة الأنصار والدعاة ولكنها انتشرت انتشاراً هائلاً في النمسا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا وإسبانيا ففي ألمانيا ٣. ٠٠٨. ٠٠٠ اشتراكي وفي

стр. 423

فرنسا ١. ١٢٠. ٠٠٠ اشتراكي وفي النمسا ٧٨٠. ٠٠٠ اشتراكي وفي البلجيك ٥٠٠. ٠٠٠ اشتراكي وفي الولايات المتحدة ٤٤٢. ٤٤٠ اشتراكي وفي استراليا ٤٤١. ٢٧٠ ويبلغ عدد الاشتراكيين في العالمين القديم والجديد (أوربا وأميركا) ٧. ٦٠١. ٣٨٤ اشتراكياً يصدرون ٦٣٨ جريدة منها ٧٧ يومية. القوة الكهربائية قالت المجلة الفرنسية: أخذ انتقال القوة الكهربائية يدعو إلى قلب كيان الصناعة من حين إلى آخر وخصوصاً في البلاد التي يتأتى لها الحصول على قوة محركة عظيمة بفضل انحدار المياه فيها. وهذا من شأن بلاد السويد ونروج فإن لهما من ذلك الحظ الوافر ولذا لم يغفل أهل تينك البلدين عن استخدام ما خصتهم به الطبيعة من الشلالات فرأت مدينة لوند أن تستخدم بعض شلالاتها من نهر لاكا لتجهيز الكهربائية لعدة بلاد في جنوب السويد كما تجهزها لمدينة لوند نفسها وتألفت نقابة دنمركية لابتياع هذه الشلالات واستثمارها. أما نهر لاكا فينبع من جبال سامالاند ويجتاز هالاند فينتهي إلى لاهولم ويتألف منه في مجراه شلالان عظيمان أحدهما واسمه ماجفوس علوه زهاء ثمانية أمتار وثانيهما اسمه كاتفوس ينحدر من علو عشرة أمتار. وستقيم تلك النقابة محطات كهربائية بالقرب من ذينك الشلالين فتنقل الكهربائية بالسلك البحري إلى مدينة هلسنكبورغ على الشاطئ الجنوبي من السويد ومن هناك تنتقل بالسلك من تحت البحر وتمر بأورسند إلى بلاد الدنمرك وهذه الطريقة في نقل القوة الكهربائية بالسلك البحري من مملكة إلى أخرى سيكون منها وسيلة جديدة لانتشار الصناعة الكهربائية لجمعها بين أطراف بلاد السكاندينافيا من حيث الشؤون الاقتصادية. الخطوط الحديدية كان طول السكك الحديدية في العالم في نهاية سنة ١٩٠٣، ٨٥٩. ٣٥٥ كيلومتراً منها ٤٣٢. ٦١٨ في أميركا أو ٣٣٤. ٦٣٤ في الولايات المتحدة وحدها وفي أوربا ٣٣٠. ٤٢٩ وفي آسيا ٧٤. ٥٤٦ وفي استراليا ٢٦. ٧٢٣ وفي إفريقية ٢٥. ٠٣٩. وطول خطوط ألمانيا ٥٤. ٤٢٦ وروسيا في أوربا ٥٣. ٢٥٨ وفرنسا ٤٥. ٢٢٦ والإمبراطورية الهندية ٤٣. ٣٨٢ وأوستربا والمجر ٣٨. ٨١٨ وبريطانيا العظمى وايرلندا ٣٦. ١٤٨

стр. 424

وكندا ٣٠. ٦٩٦ ولبلجيكا المقام الأول في كثرة الخطوط الحديدية بالنسبة لمساحة أرضها ففيها ٢٣١ كيلومتر في كل مائة كيلو متر ثم تجيء حكومة ساكس ودوقية باد والألزاس لورين وبريطانيا وايرلندا وروسيا ونروج. سرعة المناطيد نشرت إحدى الجرائد البلجيكية المنصرفة إلى البحث في المناطيد (البالونات) جدولاً قالت فيه أن العارفين بتسيير المناطيد في الأجواء لا يشكون في المسافة المعينة التي تقطعها على نسبة قوة الهواء وسرعة المنطاد وإليك الجدول في سيرها: في الثانية في الساعة متركيلومتر ريح خفيف ٠. ٥١. ٨٠٠ نسيم ساكن ١. ٠٣. ٦٠٠ ريح معتدلة ٢. ٠٧. ٢٠٠ ريح متوسطة ٥. ٥١٩. ٨٠٠ ريح شديدة ١٠. ٠٣٦. ٠٠٠ ريح شديدة جداً٢٠. ٠٧٢. ٠٠٠ عاصفة٢٢. ٥٨١. ٠٠٠ عاصفة كبيرة ٢٧. ٥٩٧. ٠٠٠ إعصار ٣٦. ٠١١٩. ٠٠٠ إعصار شديد ٤٥. ٠١٦٢. ٠٠٠ الطول والثقل عرض على جمعية علم الحياة الفرنسية بحث في طول الأولاد وثقلهم تبين منه أن الذكور والإناث ليسوا على معدل واحد في أجسامهم بالنسبة لأعمارهم فالبنات إلى التاسعة من عمرهن أصغر جرماً من الأولاد ووزنهن أقل ومن التاسعة إلى الثانية عشرة يتقدمن على الأولاد في الطول والوزن ومن الثانية عشرة يفقنهم في الطول وفي الخامسة عشرة ينحططن عنهم في الثقل وعند ذلك يبدو بين الجنسين فرق محسوس.

стр. 425

الصحة في ألمانيا بلاد ألمانيا من أحرص الأمم الغربية على مداراة الصحة والنظر في المواليد والوفيات ويؤخذ من الإحصاءات التي قدمت إلى مؤتمر السل الدولي ف يتلك البلاد أن الوفيات بهذا المرض قلت ٣٨ في المائة منذ سنة ١٨٧٥ فإن المصاح التي أنشئت لهذا الغرض ولجأ إليها المسلولون قد شفي فيها ٣٤ في المائة فقد مرض في خلال سنة ١٩٠٥ زهاء ٢٦. ٦٠٠ مريض أغلبهم من العملة وبذلت شركات ضمان الحياة الألمانية من سنة ٩٠١ إلى سنة ٩٠٥ نحو ٤٨ مليون فرنك لمقاومة هذا المرض الخبيث وأسست هذه الشركات ٣٦ مستشفى فيها ٢. ١١١ سريراً للنساء و٥٤١ سريراً للأطفال وأسست هذه الدور الصحية تحت رعاية إمبراطورة ألمانيا. المجهر الجديد المجهر لفظة وضعها بعض المعاصرين للمكرسكوب تلك النظارة التي ترى بها الأشياء التي لا ترى بالعين المجردة وقد اخترع اثنان من أهل العلم مجهراً يرى فيه ما لم يكن يرى من قبل بأعظم المجاهر وأقواها وسماه اولترا مكرسكوب ومعنى اولترا المتجاوز الحد إذ يرى بهذا المجهر الذرات التي هي ديامتر من أربعة ملايين من الميليمتر على أن المجاهر القديمة لا يتمكن بها من رؤية ما هو ثلاثة من عشر الألف من الميليمتر. تقليد اليابانيين ذكرت إحدى مجلاتهم أن الأمة اليابانية غدت في نشوئها الاجتماعي تقلد الأوربيين حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل ولم تقتصر في تقليدها أهل الغرب في أفكارهم ومناحيهم فقط بل قلدتهم في كل فرع من فروع العادات والأخلاق حتى أصبح القوم يستعملون في المدن الكبرى كطوكيو واوزاكا بطاقات البريد وأفرطوا في استعمالها في مراسلاتهم حتى نفذت من المخازن وأيدي الباعة وتناول التقليد نزوع اليابانيين في العهد الأخير إلى لبس أزياء الأوربيين وألبستهم حتى أن من كانوا منذ سنين يحرصون على ألبستهم اليابانية القديمة غدوا اليوم يلبسون اللباس الإنكليزي والفرنسي بل والروسي وتعدى التقليد سكان المدن إلى سكان الريف والقرى وأخذ أبناء الشمس المشرقة يعتاضون عن أعيادهم القديمة بالاحتفالات الغربية ويستخدمون (البيانو) بدل (الكمنجة) وسائر أدوات الطرب القديمة وقد

стр. 426

بدأ هذا التقليد قبل حرب اليابان والروس الأخيرة بيد أنه أصبح على أتمه بعد أن وضعت الحرب أوزارها وهكذا تأخذ يابان عن الغرب وتعطيه سنة الله في خلقه. القطن الصناعي اخترع في إيطاليا قطن يستخرج من ألياف شجر الصنوبر بعد أن يقلع عن الخشب لحاؤه ويجهز تجهيزاً كيماوياً ميكانيكياً. الدوار كثرت اختراعات الأدوية الواقية من دوار البحر ورأى أحد الألمان أخيراً أن الجلوس على كرسي يكون مقعده معرضاً لاهتزازات سريعة عمودية منحرفة تنشأ عن محرك موضوع تحت الآلة ومناط بالمجرى الكهربائي في السفينة مما يدفع عن الإنسان عواقب الدوار ومبدأ هذا الاختراع أن الدوار ألم عصبي يقل ثم يزول باهتزازات المقعد. أداة الصياد كانت الأشرعة وحبائل الصيد وحبال المراكب معرضة للتلف بسرعة فاخترع في نروج طريقة لطول بقائها ومتانتها وهي أن تغطس في ماءٍ ممزوج بخلاصة البلوط الأميركي الذي يستعمل للصباغ وتبقى ٤٨ ساعة ثم تنشف وتغطس في محلول آخر مؤلف من ماءٍ وبيكورمات البوتاس وملح النحاس وتبقى ساعتين أو ثلاثاً فتقوى بذلك على أنواع الصدمات وتظل متينة. مستشفى نباتي أقيم في بروملي على مقربة من لندن منذ نحو ثلاث سنين مستشفى يطبب فيه المرضى على اختلاف أدوائهم وتعمل فيه أهم العمليات الجراحية وهو بإدارة الدكتور أولدفلد وثلاثة من معاونيه ومما امتاز به هذا المستشفى على سواه أن تدبير الطعام يجري فيه على الطريقة النباتية أي طريقة الاقتصار على النباتات والبقول دون اللحوم والشحوم ويعتمد في المداواة على أصناف منوعة ولكنها لا تخرج عن حد الثمار من مثل التفاح والكمثرى والتوت الإفرنجي والبلح والخوخ وغيرها والدقيق والحمص والعدس والخس والبطاطس والسمن واللبن والجبن والبيض والعسل وهذا المستشفى بناءٌ عظيم عبارة عن عدة قاعات

стр. 427

فسيحة ومكان خاص بلعب الكرة تحيط به حديقة غناء يتنزه المرضى فيها سحابة النهار وزلفاً من الليل إذا كان الهواء موافقاً. وإذا لم يحب المريض أن يتعرض للهواء كل التعرض يأوي إلى الرواق حيث يجد الريح بليلةً بما يحيط به من الخضرة. ومن خصائص المداواة بالهواء أن يعمد المرضى بحسب طبيعة المرض إلى الاستظلال بشجرة يختارونها من كمثرى أو تفاحة أو غيرهما مما يلائم حالة المرض. قالت المجلة التي ننقل عنها ولم يمت في هذا المستشفى إلى اليوم سوى مريضين أحدهما طفل دخله وهو مدنف وثانيهما شيخ مسن جداً. ورق الأريقي الأريقي نبات ويسمى بالفرنسية لابرويير وقد صنع منه في ألمانيا ورق يرجى أن ينافس الورق المعمول من الخشب عما قريب والأريقي ينبت بكثرة في إقليم لونبورغ من بلاد ألمانيا وسوف يحل الورق الجديد محل القديم وسيستعمل أيضاً في صنع الألبسة والأحذية الصحية والصدر الشتوية التي يستعاض بها عن الأنسجة الصوفية. اكتشاف زحاف اكتشفت على عمق عشرين متراً في أرض صلصالية من معمل للقرميد بجوار بتربورغ من أعمال إنكلترا اكتشاف يهم المشتغلين بعلم مطمورات الأرض من النبات وغيره (باليونتولوجيا) وهو عبارة عن بقايا أعظم الزحافات المدفونة حتى الآن واستدل من هيكل عظامها على أنه لا يقل طول هذه الزحافة عن خمسة أمتار وجسمها أشبه بالتمساح ولكن له ذنب طوله متر أو يزيد. والمظنون أنه لم يكن لهذا الحيوان أرجل وأنه كان له أعضاءٌ تشبهها ولو لم تكن تلك الزحافة بلا رأس لعرفت في الحال حقيقتها والعلماء يبحثون للوصول إليها.

стр. 428

مقالات المجلات طول البقاء بحث الأستاذ رومبرغ في المجلة الألمانية عما ينبغي للإنسان أن يقوم به حتى يطول عمره فقال أن النوم أحسن الوسائط لتسكين الأعصاب فقد كان العالم فيرشو الألماني يشتغل إلى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد منتصف الليل وفي الساعة التاسعة يبدأ دروسه فلا ينام إلا غراراً ولكن هذا لا يقاس عليه لأنه من الشذوذ. قال أن موت الأولاد في الطفولة والأمراض المعدية والسل هي من الأسباب الرئيسة في قلة السكان وضعف نسل الإنسان وإن الإرادة أجدى الطرق في إطالة حبل الحياة. الشرقيات وكيتي نقلت المجلة الفرنسية عن مجلة لاكونتا مبوراري رفيو الإنكليزية خلاصة مبحث مهم لكاتبه يوسف علي نقد فيه حياة كيتي ووصف اشتغاله بلغات الشرق وعلومه فقال أن هذا الشاعر الألماني الكبير لم يكتف بالتوفر على دراسة الآداب الشرقية دراسة المولع بالموسيقى مثلاً بل درسها درس متبحر فدقق في تاريخ الشرق وأساطيره وأخلاقه وتقاليده على ما يفهم من الشروح التي علقها على ديوانه وكان منذ صباه مغرماً بقراءة أسفار أنبياء إسرائيل ثم أولع بتلاوة ديوان حافظ والقرآن تلاوة مستفيد لا تلاوة متفكه. المرأة في الأجيال القديمة نشرت المجلة الآسيوية بحثاً للمسيو رفيلو ابتدأه بقوله ينبغي أن يقسم تاريخ الإنسانية إلى دورين أحدهما قامت فيه الأخلاق بتأليف الشرائع وثانيهما غيرت فيه الشرائع الأخلاق ومثل للدور الثاني بشريعة حمورابي في بلاد الكلدان وبرعمسيس الثاني وبوخوريس وأماسيس في مصر وبيلكورك وصولون في يونان وبالمشرعين العشرة في الرومان. فبين المؤلف حال المرأة في زواجها وإرثها وحقوقها على عهد كل مشرع من هؤلاء المشرعين المدنيين كل ذلك بالاستناد إلى نصوص مقبولة وألفاظ من لغات أولئك الأقوام بنى عليها حكمه واستنتاجه. ترويض الجسم بالتنفس المقتطف - إذا أراد الإنسان أن يتمرن على التنفس بالحجاب الحاجز (الصدر مسيج

стр. 429

بالأضلاع ومسدود من أسفله بعضلة مصفحة هي الحجاب الحاجز وهو على شكل قبة) فليضطجع على الأرض وليحرك بطنه ما استطاع عند التنفس وليمنع صدره عن الحركة ما استطاع بضغط أضلاعه بيديه وبعد أن يتمرن على ذلك مدة ليضع على بطنه كيساً من الرمل لا يزيد ثقله على أربعة أرطال مصرية وليعد التجربة. والتمرن على التنفس بأسفل الصدر يكون والإنسان واقف أو مضطجع أو جالس على كرسي ووجهه نحو ظهر الكرسي فإذا كان واقفاً أو مضطجعاً فليضع يديه على أضلاعه السفلى بحيث تتماس أطراف الأصابع وليتنفس طويلاً وليمنع بطنه وترقوتيه من الحركة ما أمكن. والتنفس بأعلى الصدر يكون بإطالة النفس وإجهاد الأضلاع العليا وإبقاء البطن ساكناً على قدر الإمكان مع عقد اليدين على الرأس. ويمكن التنفس برئة واحدة فإذا أردت التنفس بالرئة اليمنى مثلاً فارفع اليد اليمنى فوق رأسك وضع اليد اليسرى في إبطها وانحن عليها ثم تنفس وافعل عكس ذلك إذا أردت التنفس بالرئة اليسرى فقط. ومن الطرق التي أوصى بها الدكتور هري كمبل لتمرين الجسم بالتنفس قوله (١) قف منتصباً وتنفس تنفساً طويلاً عميقاً ثم اخرج النفس ببطءٍ وسهولة وحاول ما استطعت أن لا تحرك بطنك (٢) اخرج النفس من صدرك وأنت تنحني إلى الأمام ثم تنفس تنفساً بطيئاً (٣) تنفس تنفساً طويلاً ثم اخرج النفس وأنت تنحني إلى الأمام (٤) قف مفرشخاً وخذ نفساً طويلاً حرك به بطنك ما استطعت من غير أن تحرك صدرك ثم اتبع ذلك بزفير سهل بطيءٍ (٥) اجلس على الأرض وضع يديك في حضنك وانحن إلى الأمام ما وسعك ذلك وخذ نفساً عميقاً من بطنك وفمك مطبق ثم ارفع رأسك رويداً رويداً وضع يديك فوق رأسك وخذ نفساً عميقاً من صدرك ولا تتجاوز مدة ذلك كله ست ثوان ثم اخرج نفسك متنهداً في ثانية واحدة. وينبغي أن يكون الهواء نقياً والجسم مجرداً من كل ما يعوق سير الدورة الدموية مثل القبات الضيقة والزنانير والمشدات وسار الأربطة وأن يكون الفم مطبقاً فيمر الهواء في الأنف منقى من الغبار مسخناً. أغلاط المولدين الضياء - فيه بحث مطول جليل في أن المجمع على صحته من اللغة هو كلام أهل الجاهلية ومن تلاهم من المخضرين ممن نشأ قبل عهد الإسلام وهو الذي جمعه أصحاب

стр. 430

المعجمات العربية من القرآن والشعر وأثبتوه في مصاحفهم ويلحق به ما تلقوه عمن بقي لعهدهم من العرب الخلص أي الذين لم يختلطوا بالأعجام وهم أهل البادية وأما ما سوى ذلك من كلام المولدين وهم أهل الأمصار فالمقبول منه ما كان قائله من علماء العربية فإذا أتى باللفظة المحدثة جاء بها على أسلوب العرب وطريقتها. وبعد أن أورد ما وقع لبعض المولدين من أصحاب المعاجم والدواوين والأدباء من الأغلاط في الشعر غالباً مما لا يكاد يخلو منه ديوان من دواوين المولدين ليوجب بذلك التثبت عند النقل عنهم قال أنهم لم يكونوا أبعد من أهل هذا العصر عن الخطأ واللحن وإن تقدم زمانهم قال ومما ذكرنا في هذا الفصل تعلم مرادنا بما طالما حثثنا عليه من التزام طريقة العرب في الوضع والقصد من ذلك إنما هو الحرص على وحدة أسلوب اللغة وتواطؤ قديمها وحديثها على وجوه من الوضع لا تنافر بينها ولا تباين وهذا إنما يكون بمتابعة سنة الواضع في صوغ القوالب اللفظية وتفريع بعض المعاني من بعض بحيث تتوفر المجانسة بينها ويتهيأ رد كل فرع إلى أصله وهو ما يشف عنه صنيع الواضعين الأولين فيما نقل إلينا من ألفاظهم إلا ما شذ من ذلك. تأديب الأحداث المشرق - نشر الوصية المعزوة إلى أفلاطون وهي مترجمة بقلم إسحاق بن حنين الناقل المشهور على عهد الخلفاء العباسيين جاء فيها: أيها الأخوة المحبون للعلم اسمعوا واحفظوا وصاتي فإني كأحدكم كنت لما أحببت العلم فإني كاتب لكم مقالة سهلة أبين لكم المدخل إلى العلم بكل صناعة نظيفة التي يتنعم بها ويلذها كل محب متعلم فأول ذلك أن تكونوا طاهرين لا عيب فيكم قبل أن تشرعوا في هذا العلم فإنه لا يجب أن تتقرب الأشياء الطاهرة إلى الأشياء الدنسة ولا الأشياء الدنسة إلى الأشياء الطاهرة ولا تعلموا الذين ليسوا طاهرين بل الذين هم أطهار أبرار طهارة حسنة ولا يقرب ذو العيب الدنس من المبرئ من الدنس وليعلم أنه لا يستطيع مكيال من ماءٍ عذب صاف لطيف يقاوم جب حمأة منتنة ولا تقوى العين الرمدة على خرق شعاع الشمس. لا يكون أدب النفس في بدن قد استجنَّ فيه الجهل والشره لأقبح أقبح بالعاقل من أن يوسم نفسه عند الناس بالعقل ويأمرهم به وهو خلو منه صفر الأدب مرتكب للمآثم. قال وينبغي للأحداث أن يأخذوا طرفاً من الأسباب التي يحتاج

стр. 431

إليها في تدبير الحروب وترتيب الصفوف وتعلم المثاقفة والرمي والمصارعة والطلب والهرب من غير استهانة ولا إنهاك فيه وليتعودوا ركوب الخيل وجريها والعمل بالسلاح. وينبغي أن ينظروا في الموسيقى فإنه من التعاليم الأربعة (وهي التصوير ونحت التماثيل والموسيقى والرقص) حتى يقفوا على المناسبات وتأليف اللحون وأصناف ما ينسب إليها من العود والمعرفة بسائر آلات الموسيقى وأفضلها الأرغن التي عليها ثمانون وتراً مهيأة على الطبائع الأربع.

стр. 432

العدد ٩ - بتاريخ: ١٨ - ١٠ - ١٩٠٦

стр. 433

صدور المشارقة والمغاربة جول سيمون ١٨١٤_١٨٩٦ كان سيمون مثل كثير من رجال الإدارة في الإسلام جامعاً بين العلم والسياسة يشبه بعلمه وعقله يحيى بن خالد وزير الرشيد ويحيى بن أكثم وزير المأمون ولسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر ويعقوب بن كلس وزير العزيز بالله الفاطمي والصاحب بن عباد وزير بني بويه وأبي بكر بن زهر الأندلسي وزير المصامدة وابن سينا وزير شمس الدولة صاحب همذان وعبد الملك بن سعيد وزير يحيى بن غانية الملثم ملك الأندلس وأبو القاسم الحسين بن المغربي وزير العبيديين وصاحب ديار بكر وميافارقين والقاضي الفاضل وزير صلاح الدين يوسف وغيرهم من الأفراد في العلم والرئاسة على اختلاف في الطباع والبقاع. لكن هؤلاء الأعاظم تمكنوا من العلم ونشأوا على معاطاة الأعمال بفضل عقولهم وقوة ولوعهم ومترجمنا هذا نشأ وسط أمة منورة ترغب في التعليم والتهذيب وتنشط القائمين بأمرهما فكان له من جودة طريقة العلم أعظم سبب يوصله إلى غاية الفضل والفضيلة. ولد صاحب الترجمة من أبوين فقيرين في إحدى قرى مقاطعة لوريان إحدى العمالات الفرنسية فلما ترعرع دخل المدرسة وناهيك بما يقاسيه أبناء المعوزين في المدارس للقيام بحاجاتهم المدرسية وأداء أجور الدراسة. بيد أن فقره لم يثن من عزمه ودرس في مدرستي لوريان وفان اللتين درّس فيهما بعد. ولما أتم الدراسة عين أستاذاً في مدرسة رين عام ١٨٣٢ ومازال يتقلب في التعليم من دار علم إلى دار علم حتى انتهى إلى مدرسة السوريون الباريسية الكبرى وعهد إليه تدريس الفروع الحكمية العالية وظل طول هذا الدهر حليف فاقة اضطرته أن يشغل أوقات فراغه من التدريس في مؤازرة الصحف وتأليف الكتب فقضى في ذلك تسع سنين أتته بأجزل الفوائد. وقد بدأ أولاً يؤازر في مجلة بريتان ثم في مجلة العالمين ومازال يؤازر في الجرائد والمجلات طول حياته فقد ذكروا أنه ساعد في كتابة جريدة البريس والسيكل وكان مديراً لهذه من سنة ١٨٧٥ إلى سنة ١٨٧٧ وأدار شؤون الغولوا من سنة ١٨٧٨ إلى سنة ١٨٨١ والماتين والفيغارو والطان

стр. 434

والديبا وغيرها من الجرائد والمجلات ومنها مجلة البيوت. قالوا أن الأحوال توجد الرجال وهو قول يصدق على سيمون كما يصدق على غيره فلو لم تطرأ على فرنسا طوارئ سياسية هائلة لظل سيمون يعلم في المدارس ويكتب في الصحف وينشر الكتب ولكن حب بلاده دعاه إلى الدخول في غمار السياسة فخطب في قاعة السوربون بعد سقوط الحكومة الملكية سنة ١٨٥١ داعياً إلى الحكم الجمهوري فقال وهو مما اشتهر به كثيراً: ما جئت لألقي عليكم درساً في الأخلاق بل جئت وعامل الواجب يدفعني أن أكون لكم مثالاً تجرون عليه لا أن ألقنكم درساً تحفظونه. جئت لأقول لكم أن غداً تجتمع فرنسا وتلتئم منتدياتها لتندد بما أحدثته الحكومة أو لتقر عليه. أما أنا فأصرح على رؤوس الأشهاد بأنه إذا لم ير الراؤون غير رأي واحد يناقض الآراء ويكون إلى التنديد فأنا أكون صاحب هذا الرأي لا غيري. فكانت هذه الجملة المأثورة سبباً في تنحيته عن التدريس في السوربون واضطر إلى الاعتزال في نانت زمناً انقطع فيه إلى الأبحاث التاريخية. وبعد فإن الثورة الفرنسية الثانية (١٨٤٨) هي مبدأ دخول سيمون في السياسة فعين بعدها بقليل وزيراً للمعارف والأديان والفنون الجميلة وكان أكبر همه إصلاح التعليم فوضع مشروع التعليم الابتدائي الإجباري ثم استقال ولما كان في مجلس الشيوخ عني أيضاً بمسائل العلم وحاول أن يحول دون نشوب الحرب بين فرنسا وبروسيا فلم يفلح ولما انتخب سنة ١٨٦٣ عضواً في المجلس التشريعي استمال بما رزقه من شدة العارضة وقوة البيان قلوب من كانوا عليه إلباً حتى صاروا من أعز أنصاره فعرفه قومه بأنه من أشد أعوان الفقيرات من النساء وداعية الحرية الدينية ومصلح حال العملة والعلم والتعليم. وعين أيضاً عضواً في المجمع العلمي الباريسي وهو المجمع المؤلف من أربعين عالماً من كبار علماء الفرنسيين وسنة ١٨٧٦ تولى رئاسة الوزارة كما تولى رئاسة عدة جمعيات وحفلات سياسية وعلمية وأدبية. هذا هو الرجل العظيم الذي جمع في جنبيه العلم والعمل فكان العلم والتهذيب أكبر دافع له إلى مقاومة أنصار الباطل والصبر على المكاره فيما يلقاه من فقر وقلة ولم يتنازل عن مبدأه الذي ثبت عليه طول حياته. وأنت ترى بهذا النظر أن لسيمون من حيث السياسة والعلم شركاء ونظراء ليسوا بقلائل في كل أمة مرتقية لهذا العهد وإنما سمت منزلته من

стр. 435

عداه بالأخلاق الفاضلة والتفاني في خدمة الإنسانية والمدنية. عاش من شق القلم وظل كذلك طول حياته بعد أن خطبته المناصب ورقي درجات العلى ولو أسف قليلاً للتنازل عن مذهبه في الأخلاق لأصبح في رئاسة الجمهورية وعد من كبار ساسة الأرض كما هو من أكبرهم في العلم والعمل ولقضى حياة طيبة خصوصاً في أخريات أيامه فقد ذكروا أنه كان يكتب في الصحف ليعيش بما يكتب حتى أن إحدى الصحف الكبرى نشرت مقالة من قلمه كان بعث بها في خلال مرضه ليأخذ أجرتها فصدرت يوم وفاته. يعد سيمون من مؤسسي الجمهورية الثالثة الحالية ومن أشد أنصار التكافل الاجتماعي كما يعد رأساً في الكتابة والخطابة. وكتبه ومقالاته وخطبه ومقاماته تعد بالمئات وأول كتاب نشره الواجب والدين الطبيعي والحرية الدينية والحرية السياسية والحرية المدنية وهذه الكتب الثلاثة الأخيرة موضوع واحد قسمه ثلاثة أقسام وأراد بها تعليم الجمهوريين وتنشئتهم على حب الجمهورية واشرابها قلوب الأمة. ونشر أيضاً عدة كتب مثل كتاب الفلسفة والطبقة العاملة والمدرسة وإصلاح التعليم الثانوي والوطني الصغير وموت سقراط والفلسفة الإسكندرية والمرأة في القرن العشرين والتعليم المجاني الإجباري وغير ذلك من الأعمال العلمية النافعة وكلها دالة على روح فاضلة ونفس شريفة طاهرة تألم للظلم وتطمع في الإهابة بالإنسانية إلى حظيرة التعاضد والتكافل وتنزع إلى إصلاح حال البائسين اليائسين. والناظر في كتبه يقرأ فيها أحسن ترجمة لحياته فقد كان على ما يظهر منها متديناً تديناً معقولاً مازجته الحكمة والاعتدال فصح أن يدعى فيلسوفاً إلهياً وهو ممن نحتاج إلى أمثالهم في مثل هذا القرن الذي قل الاعتدال في أهله فمن متدين غر جاهل لا يدري من أحوال العالم شيئاً ومن متعلم ينكر كل ما يقره المتدينون ويعد حطة عليه أن يتنزل إلى ما لا يفيد بزعمه. ألا أكرم برجل كسيمون بل أكرم ببلاد رفعته من حضيض قرية حقيرة كان فيها فلاحاً خاملاً إلى منصة العلم والوزارة فصار عضواً عاملاً في أمته بل أكرم بمبادئ صالحة وعلم صحيح سار على منهاجها فعف عن مالها وعاش عيشة حرية بمن يكتب في الحرية الحقيقية ويدعو الناس إليها عاش عيشة من وافق علمه عمله فكان العالم العامل والسياسي

стр. 436

المحنك والغيور الصادق والنزيه المستقيم والحكيم العاقل. وقد كافأته أمته بأن نصبت له تحت رعاية الجمهورية تمثالاً في باريس خطب في الاحتفال به عظماؤهم في يونيو سنة ١٩٠٣ ورددوا أعماله وتأثيراته في عالم السياسة والعلم وأثنوا خصوصاً على طيب أخلاقه وفضيلته العملية.

стр. 437

ملكة العربية اللغات من أحكم الصلات بين البشر ومن أقوى عوامل النهوض والارتقاء وعلى نسبة انتشار لغة الأمة يكون نفوذها في سياستها وآدابها وصناعاتها وكل أمة زهدت في لغتها أو تخلت عنها ولم تجر في ترقيتها مع الزمن تغلب على أمرها ويفنى كيانها. يقول أحد العارفين إذا استعبدت أمة ففي يدها مفتاح حبسها ما احتفظت بلغتها. وكان نابليون يقول علموا الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن. وباللغة قامت الوحدة الأميركية والإيطالية واليونانية والألمانية والصربية والرومانية والبلغارية فنجت هذه الأمم بلغاتها من استعباد عداتها. جاء القرآن على ما فيه من قواعد التشريع والاعتبار بالأمم الخالية حاوياً قاعدة من أهم قواعد العمران وأعني بها الدعوة إلى توحيد اللغة فقضى على كل مسلم على اختلاف الأجناس أن يتعبد بالقرآن ويتلوه بلغته الأصلية فانتشرت بذلك العربية في القاصية والدانية وأخذ ابن الصين يتفاهم مع ابن مراكش بالعربية على بعد الديار. ولقد قامت الحكومات الإسلامية على اختلاف لغاتها بهذه اللغة وجعلتها لغة دواوينها وكتبت بها رسائلها وخطبها ومراسيمها. فجعلت حكومات الفرس والديلم والترك والبربر والكرد والجركس لغة العرب لغتها ولم تتخلف عن هذه القاعدة في العصور المتأخرة إلا بعض الحكومات جعلت كل منها لغة أسرتها المالكة لغة رسمية لبلادها فاستغرب هذا منها حتى خاصة أهلها. كان يرجى لمصر أن تكون كعبة العربية في العهد الأخير يحج إليها الطلاب من أقطار العالم لو جاء بعد محمد علي رأس الأسرة الخديوية من أنجز العمل الذي كان وضع أساه وتوفر على تعهد النبتة التي غرسها وأعوانه من الإفرنج في بث ملكة العربية ونقل العلوم الضرورية إليها من لغات الأعاجم ولو دامت تلك النهضة سائرة سيرها الأول لكان لمصر حضارة عربية صرفة لم تمازجها عجمة الإفرنج. نعم إن تعلم لغة قوم تحببهم إلى نفس المتعلم في الغالب فمن تعلم الفرنسية كان محباً للفرنسيين ومن أحكم الإنكليزية شغف بالإنكليز ومن شدا الألمانية أعز الألمان ولكم رأينا أوربياً تعلم العربية فأصبح يكرم العرب ويغار على مصلحتهم وآدابهم وبلادهم ولا غيرة ابنها العربي البحت.

стр. 438

أقول هذا وأنا على يقين من أن لغة القرآن قد خدمها علماء المشرقيات من الغربيين أكثر من خدمة خاصتها ورؤساء حكوماتها لها فطبعوا لها من نفائس الكتب وأمهاتها وأقاموا لها محافل ودروساً وسافروا في تعلمها وبذلوا في سبيلها البذول منذ وجهوا وجهتهم قبل المدنية الإسلامية حتى أن أول الكتب التي طبعت بعد اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر للميلاد كانت كتباً عربية من مؤلفات ابن شينا والرازي وابن رشد وغيرهم من فلاسفة الإسلام. ودامت تلك الروح تسري في جسم الحضارة الغربية حتى صار اليوم من علمائهم المختصين بدراسة لغتنا من يحسنون التكلم والتأليف فيها إحسان خاصتنا لها رأيت منهم الأميركي والإنكليزي والألماني والفرنسي والنمساوي والأسوجي والهولندي والروسي وكلهم محل الدهشة والاستغراب وشهدت من حميتهم وغيرتهم على لغة القرآن ما لا أجد بعضه عند كثيرين من خاصتنا. وليس في أهل الإسلام اليوم مثل أهل فارس عناية بالعربية وآدابها لأنهم لم ينسوا فيما احسب أن تعلمها من الدين وأن من ناهضها ووضع السدود في سبيل سيرها فكأنما ناهض الدين وعاق دعوته عن الانبعاث ولذلك كان تعلمها عندهم على حصة موفورة. وقد يجيد متعلمهم فهمها وكتابتها إجادة العربي القح. ولا عجب فللفرس في تاريخ النهضة الإسلامية القديمة أثر مشكور على غابر الدهور. ومع أن التعليم في مصر غداً إنكليزياً والأساس الذي قامت عليه نهضة العربية في أوائل القرن الماضي ترك وبني على غيره لا تزال العربية بالنظر لوحدة اللغة في القطر ولما وقر في النفوس من أن الأزهر أعظم مدارس الإسلام في الأرض وأن فيه جهابذة علماء ولما ينفخه فيها نوابغ البلاد المهاجرين إليها - مع كل هذا لا تزال مصر موطن العربية من هذا الشرق العربي وفيها تصدر أهم المطبوعات والصحف العربية. لا يبعد أن يكون لها شأن غير شأنها الحاضر في المستقبل القريب وإن قل تخرج النوابغ من أبنائها وإحكامهم ملكة اللسان العربي الإحكام الذي يسهل عليهم التأليف والإنشاء والخطابة وقرض الشعر والتمييز بين صحيح الكلام وفاسده. وكانت قويت ملكة العربية في سورية بما قام في بيروت من المدارس الكبرى منذ أربعين سنة ولما استبدلت تلك المدارس اللغات الإفرنجية باللغة العربية وجعلوها لغة التدريس

стр. 439

والخطاب عاد حب لغات الأعاجم فاستحكم من النفوس خصوصاً بعد أن أيقن كثيرون من أهل الفئة التي هي أجرأ السوريين على الهجرة للاتجار والكسب أن العربية لا يأتي تعلمها بمال يعود على صاحبه بالرفاهية فلا تنفع في الماديات نفع اللغات الأوربية لهم في ذلك. اللهم إلا تلك الفئة الفاضلة من كتاب السوريين في أميركا ممن أنشأوا الصحف وأخذوا يسعون جهدهم في بث ملكة اللسان العربي بين المهاجرين في مهاجره كما يعنى مهاجرة الألمان في الاحتفاظ بلغتهم في وسط بلاد الولايات المتحدة. قلت أن ملكة العربية ضعفت في بلاد الشام ويكفي أنك تجتاز البلد والبلدين ولا تجد من يحسن الكتابة والقراءة بلا غلط بل أنك لتستقرئ حال المائة ألف نسمة في حواضر مدن الشام ولا تجد فيها خمسة يكتبون على وجه الصحة. وهكذا الحال في العراق ونجد والحجاز واليمن. وللشعر في هذه الأقطار الأخيرة أثر من الآثار القديمة أكثر من النثر ولا عبرة بالأفراد فهم لا يتجاوزون عدد الأنامل في هاتيك الديار التي كان يعد رجالها بالمئات في العصور السالفة. والأفراد ليسوا معياراً في هذا الباب. ومن أهل الأقطار التي يعنى أهلها بالعربية على عجمتهم مسلمو قافقاسيا والهند فإن تدريس العربية في مدارسهم وكتاتيبهم شائع كل الشيوع وهم معتقدون أن في تعلمها تعلم الدين. من أجل هذا رأينا كثيرين من أهل النهضة فيهم في العهد الأخير طافوا بلاد الشرق العربي للبحث عن طريقة سهلة تمكن ناشئتهم من إحكام العربية في أقرب مدة ومن أيسر السبل ولما يئس بعضهم من وجود بعض أفراد توفرت فيهم هذه الشروط من أبناء جامعتهم ليغنوا الغناء المطلوب عمدوا إلى اختيار أساتذة هم في الأصل أعاجم على نحو ما فعلت كلية عليكدة في الهند وأقامت إنكليزياً يعلم العربية على طريقة اللغات الأوربية تسهيلاً على المتعلمين من أبنائها. وحال القطر التونسي فيما أرى من إحكام ملكة العربية حال سورية حذو القذة بالقذة ولعل الناشئة المتمكنة من آداب القوم يكثر عددها فيعملون وجرائدهم ومجلاتهم وجمعياتهم على النظر في ترقيتها بينهم أما الجزائر ومراكش فما أخالهما يعرفان من العربية إلا بقدر ما يعرف منها أهل مالطة أو أكثر بقليل. دع أهالي شنقيط فإنهم أعظم أهل الأرض عناية بالعربية وحفظاً لدواوين شعرائها وخطبائها فقد تجد الطفلة تحفظ من أسفار الأدب ما لا

стр. 440

عهد للخاصي به عندنا ولكن نظرهم في الأدب والشعر نظر مجرد لا محل للعمل فيه. وهناك بلا إسلامية كزنجبار ورأس الرجاء وجاوه وبعض مدن الصين وأفغانستان وبخاري فإنها ضعيفة في عربيتها ضعف الترك فيها. وبعد فإن من رأى توفر الغربيين على دراسة العربية يكاد يوقن بأن هذه اللغة لا تحيا إلا على أيدي هؤلاء الإفرنج فقد جعلوا لها المقام الأول بين اللغات الشرقية ولم يحسبوها من اللغات الميتة وأحيوا من مآثر الأسلاف ما يبيض الوجوه وينعي على الإخلاف وناءهم وتقاعسهم. وأقدر الأمم الغربية على تلقف العربية فيما أحسب الشعب الجرماني فإن فيه رجالاً يلفظون ويكتبون على مثال كتاب العرب أنفسهم ويليهم في باب العناية بها على ما أرى الإنكليز والأمريكان والنمساويون والفرنسيون والهولنديون والروسيون والطليان والأسبان. وكان الفرنسيين فيما مضى في مقدمة الأمم بالاشتغال بالعربية ولاسيما في عصر العالمين دي ساسي وكاترمير فأصبحوا اليوم في وسطها. ولا يبعد إذا دام الفرنجة على تعهد هذا اللسان بطبع كتبه ودراسة أصوله وفروعه أن يهاجر أبناؤنا إلى بلادهم بعد ليتلقوه عنهم إذا دمنا على خمولنا وتخلفنا. ولولا بعض كتب قديمة تحيا بالطبع اليوم لقلنا بالنظر لما نراه من ندرة المطبوعات العربية العلمية أنه سيجيء يوم نأخذ فيه عن الإفرنج حتى أصول ديننا. ومن الأسف أن جماع ما ينشر من تآليفنا منذ سنين لا يتعدى الروايات والهزليات أما كتب الجد كالفلسفة والتاريخ والرياضة والطبيعة والاقتصاد والاجتماع فلا محل لها من الإعراب في جملة أعمالنا. ولعل العربية في هذه الديار لا تمنى بما منيت به في سائر الأقطار فيكثر في أبنائها المتأدبون بآدابها وإن قل عدد النوابغ أي يعم تعلمها أكثر مما يخص. وعندي أن الرجاء معقود على الأكثر بالمجلات والجرائد إذا صرفت العناية بإنشائها واختيار موضوعاتها فهي هي المدرسة الكبرى للأمة وتأثيراتها متصلة باتصال صدورها وهي تبعث على المطالعة أكثر من الكتب. ومادام القرآن يتلى بلسان العرب فسيبقى أثر له في البلاد الإسلامية كافة وتضعف ملكته الحقيقية بضعف العمل به من دراسة آدابه.

стр. 441

الملاهي وأدوات الطرب عند الأندلسيين من العرب ذكر المقتبس في الصفحة ٢٩٨ من هذه السنة نصاً للشقندي في أدوات الطرب التي كانت معروفة في عهد المؤلف في اشبيلية. إلا أن بعض أسماء تلك الملاهي لا توجد في دواوين لغتنا ولا ذكر لها في كتب أهل الفن. ولما كنت قد كتبت رسالة في هذا الموضوع وكنت قد أصلحت فيها نص الشقندي إجابة لطلب أحد الأدباء إذ أن النساخ قد أفسدوا بقلمهم ما غمض من تلك الألفاظ رأيت الآن أن أدرج هذا الإصلاح وأشرح تلك الكلمات العويصة لتعم الفائدة. فأقول: أما الخيال وهو أول أدوات الطرب التي ذكرها الشقندي فهو تمثال معضَّى يتخذه أهل اللهو في ألعابهم ويحركونه حركات مختلفة مضحكة بخيط أو بزنبرك خفي وهو الذي يسميه البعض بالكركوز أو العيواظ وبالفرنسية قال في شفاء الغليل في مادة بابه ص ٥٠ وبابه إحدى بابات الخيال أما الخيال جعفر الراقص وأما لخيال الأزاد وجعفر اسم الذي اخترع الخيال الراقص. والكريج (وصحيح روايته والكرج) وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكررن ويفررن ويثاقفن وهي من آلات الرقص (عن ابن خلدون في المقدمة ص٣٧٤ من طبعة بيروت الأولى) وبالفرنسية يسمى الكرج ; أما العود فمعروف فلا حاجة إلى زيادة تعريفه وبالفرنسية أما الروطة فلا ذكر لها في كتب اللغة وهي معربة عن الأندلسية أو وهي ضرب من الرباب كان يتخذها الشعراء المتجولون ليوقعوا عليها ألحانهم وأغانيهم وأول من اتخذها الغلطيون. وهي بالفرنسية أو والرباب مذكورة في معاجم اللغة فلتراجع وبالفرنسية وكذلك القانون فهو أشهر من أن يذكر وبالفرنسية أما المؤنس فهو قربة يركب فيها مزمار يتخذها أهل البادية في ملاهيهم وأغلب ما تكون في مزمارين. ولعل اللفظة من أصل إسباني يقابلها بالفرنسية أو وهذه اللفظة العربية لا

стр. 442

توجد في كتب اللغة إلا أنها اليوم مشهورة في بلاد العرب بهذا المعنى. والكثيرة مصفحة عن كيثرة وهي في القديم نوع من الرباب ويراد بها اليوم ضرب من السنطور تنقر أوتارها بالإصبع. والفنار (وصحيح روايتها القثار) هي بالفرنسية ويراد بها آلة ذات ستة أوتار ولها يد مقسومة إلى أنصاف ألحان مركب عليها دساتين. والزلامي: نوع من المزمار وهو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين منفردتين كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ بواسطتها إليها وتصوت بنغمة حادة يجري فيها من تقطيع الأصوات من تلك الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشبابة (عن ابن خلدون بحرفه في ص٣٧٠ من الكتاب المذكور) والزلامي تصحيف الزنامي نسبة إلى زنام وهو زمار مشهور كان هند هارون الرشيد يضرب به المثل في حسن صناعته. قال الشريشي: زنام هو الذي استنبط الناي وهو المزمار الذي تدعوه عامتنا في المغرب الزلامي صحفوه بإبدال نونه لاماً وإنما هو زنامي. أما الشقرة والنورة فقد عرفهما المؤلف نفسه بقوله: وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه. والبوق أيضاً معروف. وقد ذكره ابن خلدون في المقدمة ص٣٧٠ بقوله: وهو بوق من نحاس أجوف في مقدار الذراع يتسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم وينفخ فيه بقصبة صغيرة تؤدي الريح من الفم إليه فيخرج الصوت ثخيناً دوياً وفيه أبخاش أيضاً معدودة وتقطع نغمة منها كذلك بالأصابع على التناسب فيكون ملذوذاً. ثم تطرق الشقندي إلى ذكر أصناف الملاهي والرواقص وحسن انطباعهن وصنعتهن وإنهن أحذق خلق الله باللعب. ومن أنواع ألعابهن اللعب بالسيوف وهو معروف. والدك (وصحيح الرواية الدكر بذال مهملة مكسورة بعدها كاف ساكنة) هو نوع من الرقص أو اللعب يعرفه الزنج والحبش ولا يزال الزنج في البصرة يلعبونه في عهدنا هذا وهو النوع المسمى بالفرنسية

стр. 443

وإخراج القرى. (وصحيح الرواية وإخراج القزى بزاي في الوسط جمع قزة كعزى جمع عزة. والقزة الحية) هو نوع من اللعب يعمد المشعوذ أو اللاعب إلى كيس أو جراب ويريه للحاضرين أنه فارغ وبعد أن يتلو عليه بعض الآيات يخرج منه حيات أو قزى أو حبالاً أو خيوطاً وغير ذلك. وكل هذا من أعمال المشعوذين يستلزم خفة عجيبة ومهارة غريبة في اللاعب وربما أخرج من الكيس محابس وخواتم وحلقاً ونحو ذلك. والمرابط. يعني وإخراج المرابط وهو جمع مربط وهو ما يربط به الدابة. والمعنى واضح مما تقدم شرحه. والمتوجه. والأصح الفتوخة وهي جمع فتْخة أو فتخة وهي خاتم كبير يكون في أصابع اليد والرجل أو حلقة من فضة كالخاتم لا فص فيها فإذا كان فيها فص فهو الخاتم. ومن ثم فيكون إخراج الفتوخ من قبل إخراج القزى والمرابط. هذا ما أردنا إيضاحه في هذا الباب حرصاً على كلام المؤلف من التصحيف والتحريف وربك فوق كل علم عليم. بغداد أحد قراء المقتبس

стр. 444

الفرس معربة عن كتاب تاريخ الحضارة دين زردشت إيران - بين نهري دجلة والسند وبحر الخزر والخليج الفارسي صقع عظيم يعرف ببلاد إيران تبلغ مساحته خمسة أضعاف مساحة فرنسا أو تزيد ولكن معظمه مجدب قاحل فهو يتألف من صحارى رمال محرقة ومن أنجاد باردة قارسة تشقها أودية عميقة شجراء وتحيط بها جبال شاهقة. وإذ حيل بين الأنهار وجريها فهي لا تسير إلا ريثما تضيع في الرمال أو في بحيرات مالحة. ويشتد هواء هذه البلاد ويتقلب فيكون حراً في الصيف وقراً في الشتاء وقد يجتاز من يهبط هذه البلاد من منطقة تبلغ درجة حرارتها نحو ٣٢ تحت الصفر إلى منطقة حرارتها ٤٥ سنتغراداً بمعنى أن تلك البلاد جمعت إلى برد سيبيريا حرارة السنغال. وهناك تعصف الرياح الزعازع فتفعل في الأجسام فعل الحسام. بيد أن الأودية وضفاف الأنهار مخصبة منبتة. وهذه البلاد هي ولا جرم مصدر الدراق وشجر الكرز ومستنبت الثمار والمراعي. الإيرانيون - سكنت بلاد إيران قبائل من الآريين (القاطنين ببلخ أي بكتريا وهي الوطن الأصلي للجنس الآري) كانوا كسائر أبناء هذه البلاد جنساً من الرعاة المسلمين المحاربين. ولقد كان الإيرانيون يقاتلون على ظهور الخيل ويطلقون السهام ويلبسون ألبسة من الجلد يجعلونها وقاية على أبدانهم من هواء بلادهم الشديد. زردشت - عبد الإيرانيون أولاً ما عبده قدماء الآريين من قوى الطبيعة وخصوصاً الشمس ميترا وقام بين أظهرهم حكيم اسمه زردشت (مه أباد وله كتب كثيرة منها ما له علاقة بالشريعة ثم ظهر زردشت وأصلح هذا الدين) ويدعوه الإفرنج زرواستر فأصلح ديانة الإيرانيين بين القرن العاشر والسابع قبل الميلاد ولم يبلغنا من أخباره غير اسمه. الزاندافستا (الزندو بازندوافستا) - لم يبق شيءٌ مكتوب يؤثر عن زردشت ولكن تعاليمه المؤلفة بعده بزمن طويل قد حفظت في الزاندافستا أي الشريعة والإصلاح وهو كتاب الفرس المقدس. وقد كتب هذا السفر بلغة قديمة لم يفهمها اتباع هذا المذهب أنفسهم ودعوناها أي الإفرنج بازند وكانت تنقسم على ما ورد في أساطيرهم إلى إحدى وعشرين

стр. 445

نسخة كتبت على اثني عشر ألف جلد ثور ضم بعضها إلى بعض بأسلاك من الذهب وأبادها المسلمون لما فتحوا بلاد فارس واحتفظت بعض أسرات إيرانية بتعاليم زردشت وأخلصوا دينهم له فلجأوا إلى بلاد الهند فحفظ فيها أخلافهم المدعوون بارسيس تلك الديانة القديمة. وقد وجد عندهم سفر تام من الزاندافستا وقطع من الكتابين الآخرين. أورمزد هرمز وهرمس واهريمن رمز إلى العقل والنفس وعند العامة إله الخير والشر هذه ديانة زردشت على نحو ما ورد في تلك الكتب إلا أن هرمز الذي يدعوه الإفرنج أورمزد وهو الديان الذي لا يخفى عليه شيءٌ خلق العالم والقوم يصلون له بهذه الألفاظ: أدعو الخالق هرمز واحتفل بشعائره فإنه النور والضياء عظيم رحيم كامل شبهم ذكي جميل سامٍ طاهر يعرف العلم الصحيح مصدر اللذة وهو الذي برأنا وصورنا وأطعمنا وإذ كان على جانب من الصلاح لم يخلق إلا ما هو كذلك وما يرى في العالم من شر فقد برأه رب الشر الكرامانيو أي روح العذاب وندعوه أهريمن (وديو أي شيطان). الملائكة والشياطين - يقف أهريمن الشقي المخرب قبالة هرمز البارئ الحليم ولكل منهما طائفة من الأرواح فجنود هرمز هم الملائكة المطهرون يازاستا وجنود أهريمن شياطين خبثاء (ديو) ويسكن الملائكة في الشرق في ضوء المشرق والشياطين في الغرب في ظلمات الشفق وكلا الجيشين لا يزالان في حرب دائمة والعالم ساحة قتالهما لأن كليهما حاضر في كل مكان فيسعى هرمز وملائكته إلى الاحتفاظ بالخلق وإسعادهم وصلاحهم ويطوف أهريمن وشياطينه حولهم لإهلاكهم وسوء طالعهم وطلاحهم. خلائق هرمز وأهريمن - كل حسنة في الأرض هي من صنع هرمز وتستخدم للخبر فالشمس والضياء اللذان يطردان الليل والكواكب والشراب المخمر الذي يتراءى كأنه صوءٌ سيال والماء المروي للإنسان والحقول المزروعة التي تغذيه والأشجار التي يستظل بها والحيوانات الأهلية والكلب والطيور منها خصوصاً ما يعيش منها في الضوء ولاسيما الديك لأنه يبشر بالنهار هذه كلها برأها هرمز. وعلى العكس ينبعث كل ما يضر من أهريمن فيكون شراً مثل الليل والجفاف والبرد والقفر والنباتات السامة والشوك والحيوانات الكاسرة والأفاعي والحلمات الطفيلية (كالبعوض والبراغيث والبق) والحشرات التي تعيش في الجحور المظلمة كالضبان والعقارب والضفادع والجرذان والنمل - وهكذا تنبعث الحياة

стр. 446

والطهارة والحقيقة والعمل وكل ما حسن في عالم الأخلاق من هرمز. والموت والقذارة والكذب والكسل وكل ما خبث وساء ينبعث من أهريمن. العبادة - مصدر العبادة والأخلاق من هذا الاعتقاد فعلى المرء أن يعبد رب الخير ويناضل عنه. يقول هيرودتس: أن من عادة الفرس أن لا يقيموا هياكل ومعابد ومذابح للأرباب ويعدُّ من أتى ذلك كافراً بالنعمة لأن هذه الأمة لا تعتقد اعتقاد اليونان من أن للأرباب صورة على نحو صورة البشر. وأن هرمز ليبدو بهيئة النار أو الشمس ولذا يحتفل الفرس بعبادتهم في الخلاء على الجبال أمام موقد مشتعل فينشدون الأناشيد تمجيداً لهرمز ويذبحون له الحيوانات (كذا) دليلاً على عبادته. الأخلاق - ناضل الإنسان عن هرمز محسناً لعمله مقبحاً لعمل أهريمن فيجاهد في الظلمات وهو يمد النار بالحطب الجاف والعطور ويجاهد في القفر بحرث الأرض وابتناء البيوت ويجاهد حيوانات أهريمن بقتل الحيات والضباب والحلمات الطفيلية والحيوانات الكاسرة ويجاهد الدنس وذلك أنه يتطهر ويدفع عنه كل ما مات وخصوصاً الأظافر والشعور وحيثما وجدت الشعور والأظافر المقصوصة فهناك يجتمع الشياطين والحيوانات القذرة. ويجاهد الكذب جارياً على قدم الصدق. قال هيرودتس أن الفرس يستقبحون الكذب وهو عندهم عار وسبة كما أنهم يكرهون الاستدانة لأن المديون يكذب بالضرورة. ويجاهد الموت وذلك بالزواج والاستكثار من الولد. جاء في الزاندافستا ما أقبح البيوت التي حرمت من النسل والذراري. الجنائز - متى مات الإنسان تعود جثته إلى رب الشر ولذلك يقتضي إنقاذ الدار منها لا بإحراقها فإنها تنجس الدار ولا بدفنها فإنها تنجس الأرض ولا بإغراقها فإنها تنجس الماء ومن فعل ذلك فيكون قد تلطخ بحمأة القذارة أبد الدهر. وطريقة الفرس في دفن موتاهم تختلف عن غيرهم من الأمم فيجعلون الجثة في مكان عال مكشوفة جبهتها نحو السماء مثقلة بأحجار ثم يركنون إلى الفرار خشية من الشياطين لأنها تجتمع بزعمهم في أماكن الدفن حيث مأوى المرض والحمى والقذارة والرعب والشعور القديمة وعندها تجيء الكلاب والطيور وهي من الحيوانات الطاهرة فتطهر الجثة بافتراسها. مصير الأرواح - تنفصل روح الميت عن جسده وفي اليوم الثالث من موتها يؤتى بالروح

стр. 447

على الصراط (شنيواد) المؤدي إلى الجنة ماراً فوق هاوية جهنم فيسأل هرمز الروح عندئذ عن حياتها السالفة فإن كانت محسنة تعضدها الأرواح الطاهرة وأرواح الكلاب وتأخذ بيدها لاجتياز الصراط ويدخل بها إلى مقام السعداء (برودس أي فردوس) فيهرب الشياطين لأنها تتجافى عن روح الأرواح التقية أما روح الشرير فتصل على العكس من ذلك إلى الصراط ضعيفة لا يأخذ أحد بيدها ويلقي بها الشياطين في الهاوية ويتناولها روح الشر ويقيدها في قعر الظلمات. طبيعة الديانة الهرمزية أو الهرمسية المزدية - نشأت هذه الديانة في بلد يشتد فيه الاختلاف والتناقض ففيها الأودية الباسمة بزرعها والأراضي البائرة المحزنة والواحات الرطبة والقفار المحرقة والحقول والسهول الرملية بحيث تتراءى قوى الطبيعة فيها كأنها في حرب عوان أبداً. وهذا الجهاد الذي يمثل للفارسي فيما يحيط به قد اتخذه شريعة العالم. وهكذا تألفت ديانة خالصة من الشوائب تدفع بالإنسان إلى العمل والفضيلة على حين قد انتشر هذا الاعتقاد بالشيطان والجن في الغرب وشغل شعوب أوربا كافة بالأوهام. المملكة الفارسية الماديون - سكنت بلاد إيران عدة قبائل ولم يشتهر من بينها سوى الماديين والفرس خيم الماديون في غرب بلاد فارس وهم أقرب إلى الآشوريين ولذلك كان على أيديهم خراب نينوى وبلادها ٦٢٥ ولكن لم يلبثوا أن استغرقوا في الترف وأنشأوا يتخذون ثياباً مسدولة ويألفون البطالة ويعتقدون اعتقادات خرافية شأن الآشوريين بين الساقطين ومازالوا على ذلك حتى امتزجوا معهم أي امتزاج. الفرس - أما الفرس فكانوا في الأنحاء الشرقية (والجنوبية) واحتفظوا بأخلاقهم وديانتهم وشدتهم. يقول هيرودتس: أن الفرس لا يعلمون أولادهم إلى سن العشرين غير ركوب الخيل ورمي النشاب وقول الصدق. قورش اوسيروس اوكيخسرو - قام رئيسهم قورش حوالي سنة ٥٦٠ وخلع ملك الماديين (الذي هو جده لأمه) وجمع تحت لوائه شعوب إيران كافة ففتح بهم ليديا وبابل وجميع بلاد آسيا الصغرى. ويروى لهذا الملك قصة فصلها هيرودتس في تاريخه تفصيلاً شافياً قال أنه دعا نفسه في بعض ما زبره على الأحجار بقوله أنا قورش ملك الكتائب والعظمة والاقتدار

стр. 448

أنا ملك بابل وسومير وأكاد ملك الأقاليم الأربعة وابن كمبيز (كيكاوس) وسلطان سوزيان. رسوم بيستون - أهلك كمبيز بكر أولاد قورش أخاه سمرديس وفتح مصر (على قول اليونان) علمنا ذلك مما اتصل بنا من الرسم الذي مثل فيه ذلك ولا تزال ترى إلى اليوم في تخوم الفرس وسط سهل أفيح صخرة هائلة نحتت نحتاً عمودياً علوها ٤٥٠ متراً وهي صخرة بيستون وهناك حروف ناتئة على الحجر تمثل ملكاً متوجاً ويده اليسرى على قوس وهو يدوس أسيراً وتسعة أسرى آخرون واقفون أمامه وقد قيدهم بنفسه. وكتبت ترجمة حياة الملك في رسم بثلاث لغات فقد أعلن الملك داريوس دارا ذلك فقال: هذا ما قمت به قبل أن أغدو ملكاً فقد كان كمبيز بن قورش من بني جنسنا يحكم هنا قبلي وكان له أخ لأبيه وأمه واسمه سمرديس فقتل ذات يوم كمبيز أخاه سمرديس ولا علم للقوم بما جنته يداه. ثم وجه كمبيز وجهته نحو مصر وبينما هو نازل فيها ثار به الشعب وكان قد أصبح الكذب مألوفاً إذ ذاك في تلك البلاد وفي بلاد مادي وسائر العمالات فقام موبذان كان حاضراً إذ ذاك اسمه غوماتا وخدع الأمة بقوله: أنا سمرديس بن قورش وعندئذ انتفض الشعب اجمع وانصرفوا نحوه متخلين عن كمبيز. ثم قضى كمبيز نحبه بجراح جرح نفسه به وبعد أن أتى غوماتا ما أتى من هذه الحيلة واستلب من كمبيز بلاد الفرس ومادي وسائر الأقطار جرى في الخطة التي شاءها فصار ملكاً على هذه البلاد وحاكماً متحكماً في أهلها. فخافه الشعب لظلمه وكان لا يستنكف من قتل الأمة عن بكرة أبيها لئلا تنكشف حيلته ويعرف القوم أنه لصيق بسمرديس بن قورش ودعي في نسبه وقد أظهر للملك داريوس هذه الخديعة ولم يكن أحد في بلاد الفرس ومادي يجرأ على استرجاع تاج الملك من هذا الموبذان غوماتا. قال دارا بعد أن قدم ما سلف وعندئذ تقدمت ودعوت الرب هرمز فأعانني بالتوسل به وكان في صحبتي ناس ذوو إخلاص وصدق فأعانوني على قتل غوماتا وخاصة رجاله فأصبحت ملكاً بمشيئة هرمز واستعدت الملك الذي كان بنو قومنا سلبوه وأرجعته إلى حوزتي وأخذت أعيد المذابح التي طوى بساطها الموبذان غوماتا وذلك لأني كنت مخلصاً للأمة وأعدت الأناشيد والاحتفالات المقدسة إلى سابق عهدها. واضطر دارا بعد أن ضرب ذاك الدخيل غوماتا ضربة قاضية أن يقاتل عدة زعماء ثائرين فقال لقد قاتلت تسع عشرة مرة وغلبت تسعة ملوك.

стр. 449

المملكة الفارسية - علم بما مضى أن دارا أخضع المملكة المختلسة وأعاد مملكة الفرس وقد وسع نطاقها بفتح تراس تراثياً وهي اليوم بلاد البلغار والروملي وولاية من الهند. وكان ينضم تحت لوائه شعوب الشرق أجمع من ماذيين وفرس وآشوريين وكلدانيين ويهود وفينيقيين وسوريين وليديين ومصريين وهنديين فكان سيف سطوته يحمي الأصقاع الواقعة بين نهر الدانوب الطونة غرباً ونهر الأندوس (السند) شرقاً وبين بحر الخزر شمالاً إلى شلالات النيل جنوباً. مملكة لم يعهد لها مثيل في الضخامة (١٢٠ مملكة) بيد أن قبيلة جاءت بعد واستولت على تركة الممالك الآسيوية بأجمعها. أقيال الفرس - قلما يعنى ملوك الشرق بأمر رعاياهم إلا ليستنزفوا أموالهم ويمتهنوا في سبيل سلطانهم أبناءهم وينالوا مديحهم وثناءهم وما قط أخذوا أنفسهم بالنظر في شؤون من يحكمونهم. وكان شأن دارا في هذا المعنى شأن سائر ملوك الشرق ترك كل قبيل في بلاده يحكم نفسه على ما يشاء ويشاء هواه محتفظاً بلغته ودينه وشرائعه وأحياناً برؤسائه وسادته من قبل. على أنه كان يعنى بتنظيم دخل المملكة الذي يتقاضاه من رعاياه فقسم بلاده إلى عشرين حكومة سماها إمارة. وكان في كل حكومة شعوب مختلفة كل الاختلاف سواء كان بلغتها أو بعاداتها ومعتقداتها وكان على كل حكومة أن تؤدي مسانهة خراجاً معيناً بعضه نقد ذهب وفضة وبعضه غلات ونواتج قمح وخيل وعاج فيتقاضى حاكم كل مقاطعة أو قيلها ممن وسد إليه أمرها الخراج ويبعث به إلى مولاه الملك. دخل المملكة - بلغ مجموع دخل الملك ثمانين مليوناً بسكة زماننا ما عدا خراج الغلات. وإذا اعتبرنا قيمة النقود في ذاك العصر فإنها تعادل ستمائة مليون جنيه في أيامنا. وكان الملك ينفق هذا على حكومته وجيشه وخاصته وبذخ قصره ويبقي عنده كل سنة سبائك عظيمة من العين يدخرها في صناديقه وكان ملك الفرس مثل سائر المشارقة يرى امتلاك الكنوز العظيمة من دواعي الأبهة والتمجد. السلطان الأعظم - لم يكن في العالم أغنى ولا أقدر من ملك الفرس فقد كان اليونان يدعونه السلطان الأعظم. (ملك الملوك شاهنشاه) وكان له كسائر ملوك الشرق سلطة مطلقة على رعاياه كافة فرساً كانوا أم غيرهم من سائر الشعوب الخاضعة لعرشه. وأنت ترى فيما ذكره هيرودتس كيف كان كمبيز يعامل أعظم سادات قصره: سأل يوماً بريكستاسب (بري

стр. 450

كشتاسب أي روح العظمة) وكان ابنه يسقيه ماذا تقول الأمة في أمري؟ فأجابه: مولاي أنهم يثنون على محامدك أطيب الثناء ولكنهم يذهبون إلى أن لك ميلاً قليلاً للخمر قال كمبيز وقد استشاط غضباً من هذا: اعلم إذا كان الفرس يقولون حقاً وصدقاً. فإذا أنا رميت بسهمي قلب ابنك الذي تراه واقفاً أمامك في هذا البهو فذلك أن الفرس لا يعرفون ما يقولون. وما هو إلا أن أعد قوسه وضرب ابن بريكستاسب فخر الفتى صريعاً فجاءه الملك ينظر أين أصابه سهمه فرآه قد أصماه ومزق حشاه. فاستفز السرور الملك وقال لوالد الغلام وهو ضاحك: لقد رأيت بهذا أن الفرس قد أضاعوا رشدهم فقل لي هل عهدت أحداً يطلق السهم إطلاقي له فيصيب الغاية على ما رأيت من الرشاقة. فقال بريكستاسب لا أعتقد أيها المولى أنه في وسع الرب نفسه أن يرمي النبال مثلك في الدقة والاعتدال. أعمال الفرس - أدى شعوب آسيا في كل دور من أدوارهم جزية للفاتحين وخضعوا للظالمين والغاشمين فنفعهم الفرس كثيراً بأن كفوا بعضهم عن مقاتلة بعض وأزالوا من بينهم أسباب الشجناء وذلك لأنهم أخضعوا كل الشعوب لرئيس واحد. وكان عهدهم عهد سلام لم تعهد فيه مدن تحرق ولا ديار تخرب ولا سكان تذبح أو تؤخذ زرافات وأفواجاً لتستعبد. مدينتا سوس وبرسوبوليس - عني ملوك الماديين والفرس بإقامة القصور على نحو ما كان يقيم ملوك أشور. وأحسن ما اتصل بنا خبره من تلك القصور قصور دارا في سوس وبرسوبوليس وقد حفر المسيو ديولافوا الفرنسي خرابات سوس فعثر فيها على نقوش وقرامد مزينة بالمينا تبين ارتقاء الصنائع إذ ذاك وقد بقيت من قصر البرسوبوليس خرائب عظيمة وقد نحت في صخر الجبل سطح عظيم قام عليه القصر وهو يوصل إليه بسلم واسع بانحدار قليل بحيث كان يتأتى لعشرة فرسان أن يصعدوه معاً. النقش الفارسي - حذا نقاشو الفرس حذو الآشوريين في إقامة قصورهم فتجدها في برسوبوليس كما تجدها في بلاد أشور سقوفاً متسعة السطوح يحرسها أسود من الحجر والنقوش الناتئة تمثل صيوداً واحتفالات. وقد أحسن الفرس في إتمام نموذجاتهم في ثلاثة أشياء وذلك بأن استعملوا الرخام عوضاً عن القرميد وجعلوا في الردهات سقفاً بالخشب المصور وأنشأوا أعمدة خفيفة على شكل جذوع الأشجار في أقصى ما يعلم من الحذاقة

стр. 451

واللطف وهي من أعلى من محيطها باثنتي عشرة مرة. ولذلك جاءت نقوشهم أجمل أثراً وأوقع في النفوس من نقوش بلاد أشور. وقلما نجح الفرس في الصنائع ويظهر أنهم كانوا أحشم شعوب ذاك العصر وأطهرهم وأشجعهم وكانت وطأة حكمهم في آسيا مدة قرنين أقل جوراً مما عرف من ضروب الحكومات وكانوا أميل إلى الرفق بمن يحكمون.

стр. 452

خواطر سائح لا نخال أحداً من الناطقين بالضاد يجهل مكانة الأستاذ العالم الشيخ عبد المحسن الكاظمي البغدادي نزيل القاهرة ورسوخ قدمه في الشعر بعد أن حمل المؤيد والمنار قصيدته العينية الشهيرة إلى الأقطار التي يتكلم أهلها بالعربية ولقد أتحفنا حفظه الله بالقصيدة الآتية أرسلها إلى صديق له جواباً عن قصيدة وقد ضمنها ما رآه واختبره في رحلته من - أبو شهر - أحد الثغور الفارسية إلى القاهرة وهي كما يراها قراء المقتبس تصورات عصرية بأسلوب بدوي متين وسبك محكم رصين وهذه هي: جوىً أودى بقلبك أم وجيبُ ... غداة حدا بك الحادي الطروبُ بعدت عن الديار وصرتَ تدعو ... على البعد الديارَ ولا مجيب رحلت وأنت للعلياءِ صاد ... تحوم على الموارد أو تلوبُ وخلفت المنازل آنساتٍ ... سروب الغيد تتبعها سروب تشق حشاك من كلف عليها ... وتأنفُ أن تشقَّ لك الجيوب وتسحب كالأنيس فضول برد ... وفي برديك ذو شجن كئيب تشدُّ الرحل من بلد لأخرى ... وما لمناك من بلد تصيب وتبلو الناس فرداً بعد فرد ... وما في الناس إلا ما يريب كأنك ترود مرعى كل أنس ... ومرعى الإنس في الزورا خصيب وفي مصر أراك وأنت لاهٍ ... وقلبك في العراق جوىً يذوب فكم والى مَ تنجب ثم تبكي ... ولا يجدي البكاء ولا النحيب وتشرب ماَء جفنك وهو ملح ... ووردك بالحمى عذب شروب كأن الدمع بنطف وهو قان ... عصارةُ كرمة والجفن كوب دع الأنفاس تصعد محرقات ... وخل الدمع من علقٍ يصوب لقد بان الخليط فلا خليط ... وقد بعد الحبيب فلا حبيب فلا تتكلفنَّ لي التصابي ... ولا تسم الحشا ما لا يثيبُ فلا حلوان في عينيَّ تحلو ... ولا طيب الجنينة لي يطيب وما في ذا الحمى لي من حميم ... بصحبته ألذُّ واستطيب ورب أخ رماه البين عني ... بعيداً وهو من قلبي قريب

стр. 453

أناديه ولم أرَ من أنادي ... وأسأله النوال فلا يجيب أقول له وقد أحصى ذنوبي ... من الحسنات أن تحصى الذنوب يعاتبني وقلب الحرّ أدرى ... بما تطوي الأضالع والجنوب ويزعم أنني ثمل طروب ... وما أنا ذلك الثمل الطروب أخيّ أعر مناديك ابن سمع ... يصيخ إلى الدعاء ويستجيب عساك ترد من ذا العتب عني ... لنفسك أو إلى العتبى تثوب أراك أرتبت من حالات نفسي ... وما في النفس من حال يريب أعد نظراً تجد عذري صريحاً ... وعذر المرءِ آونة مشوب فما كانت قطيعتنا جفاءً ... فيوهم ظنك الحلمُ الكذوب فكن مني على ثقة وحول ... ظنونك أن بارقها خلوب فما أنا من تغيره الليالي ... وتثنيه الحوادث والخطوب ينوب بهاك لي عن كل حسن ... وما عن حسن وجهك من ينوب إذا ما عنَّ ذكرك لي تنزت ... له كبدي وطار بها الوجيب أعيذك من جوى شبت لظاه ... ببينك واستمرَّ لها الشبوب وأشفق أن أبثك بعض ما بي ... وبعض الغيب يعلمه اللبيب أؤمل أوبة مما تقضى ... واعلم ما تقضى لا يؤوب فمن عبثت بنا نطف التصابي ... ومالت للقبول بنا الجنوب فبينا تجمع الشملَ الأغاني ... إذا بالشمل فرقه نعيب بنفسي ما بنفسك يوم شطت ... (أبو شهر) وسرت ولا صحيب أقمنا برهة والفجر طفل ... بطلعته قرون الليل شيب وسرنا والهموم لها انسياب ... علينا والظلام له دبيب وعجنا راكبين اليم فلكاً ... وهل أغني الفوارس ذا الركوب بواخر من بنات الماء شماً ... على هام السحاب لها سحوب تحلق كالعقاب بنا وتهوي ... هويّ الطود أوهته الخطوب ولم يرعِ الحشا منا ومنها ... صعود بالعواصف أو صبوب

стр. 454

تكفُّ الموجَ وهو بها محيط ... نزاع النفس لاقتها شعوب ومن عجب على الأمواه تطفو ... وبين ضلوعها أبداً وجيب بلغت بها قرارة كل لج ... بعيد القعر لؤلؤهُ رطيب هنالك شمت لألاَء اللآلي ... ولم تعبث برونقها الثقوب وجزت به أقاصي كل ثغر ... تسيب به المخاوف ما تسيب وظلت أجزّ لمة كل ليل ... له الولدان من هول تشيب وأرضِ جزتها من بعد أرض ... سباسبها المريعة والسهوب أعوج بحارها طوراً وطوراً ... أجوب من الموامي ما أجوب إلى أن قادني أملي لمصر ... قياد الجامحات وهنّ لوب وجاذبني إليها الشوق حتى ... سلست وراض مصعبي الجذيب إذا بالنيل رقراق الحواشي ... قريب النيل جارفه عزيب إذا ما سال سال بكل شعب ... وسالت في أباطحه الشعوب كأن عليه من ذهب مذاب ... مزيج باللجين ولا مذيب وما أحلى الجزيرة من محل ... ترفّ على جوانبه القلوب تحفّ بها رياض طيبات ... يطيب بنشرها الأرج المطيب عليها تصدح الورق ارتياحاً ... ويشدو في رباها العندليب وألفيت البلاد طغت خمولاً ... ودب بأهلها الكسل الدبوب وأسواق البطالة عامرات ... ووادي الموبقات بها عشيب وفيها من سمات الخصب لفظ ... يفاه به ومعناه جدوب وماءُ العز أدركه نضوب ... بها أو كاد يدركه النضوب بقاصمة الفقار رمى قراها ... ولما يخطها الرامي المصيب وهل أبقى لها إلا بقايا ... حشاً بليت كما بلي الشعيب فلا ينفك ينهبها وكل ... بها من حيث لا يدري نهيب فقمت مغاضباً شعباً فشعباً ... وكل جوارحي منها شعوب أيا أهل الحمية كيف أضحى ... حماكم وهو من عزّ حريب

стр. 455

أليس الشرق بالإشراق أحرى ... وأجدر منه بالغرب الغروب فما لطنوبكم قصرت وطالت ... من الغربي فوقكم طنوب تطول جبالكم منها الروابي ... وتعلو هامكم منها العجوب رضيتم بالقعود على الدنايا ... ومنهجكم إلى العليا لحيب ترومون الفخار على الأعادي ... وعن خطط الفخار لكم نكوب وترجون الخلاص من احتلال ... وعار الاحتلال بكم لصيب كما يرجو الفريس خلاص نفس ... وقد علقت من الأسد النيوب أتيت لأستطب فزاد سقمي ... وقد يفضي إلى الداءِ الطبيب لها بقية

стр. 456

النشوء العقلي والاجتماعي في مصر أخذ التقدم يرتقي في مصر بعد أن كانت مثل جميع البلاد الإسلامية لقلة العلم والزهد في معاناة الحياة التجارية تقول أن الحياة الدينية والمدنية شيءٌ واحد وأن في القرآن والسنة أحكام الحياتين وفي مضامينهما جميع القوانين. أما الأديان السماوية الأخرى فقد رأت من الضرورة الفصل بين السلطة الزمنية والروحية ولم يتسن للإسلام أن يشذ عن هذا القانون. ومن تأمل ما جرى في مصر منذ خمسين سنة فقط وقاس ما نتج من دخول التمدن إلى هذا القطر خلال هذه المدة يدرك بأن النشوء يكون على أتمه بعد قليل وأن هذا التغيير يجري تحت طي السكون جارياً في مجراه الطبيعي من دون إكراه ولا إعنات. ومع هذا ظنَّ كثير من المفكرين بأن البلاد الإسلامية تبقى بعيدة عن التمدن. حملهم على هذا الظن ما رأوه من شدة تحمس المسلمين لدينهم وخضوعهم لما أمر به القرآن خضوعاً أعمى. وحجة أهل الإسلام في هذا الباب أن التمدن الإسلامي لما كان منشراً أكثر من غيره كانت العقائد سالمة لم تمس وراسخة لم تزعزع إلا أنه يقال لهم أن علماء العرب في تلك العصور لم يكونوا يدرسون سوى علوم مقررة قام بها تمدن الشعوب الأخرى ولم يقتربوا من الكتب التي حوت علوماً غيرها أو من المصنفات الأدبية والصناعية التي تفتح على العقل باباً جديداً. على أن التمدن العربي لم تعهد له طفولية إذ ولد كاملاً وبلغ رشده في قرنين فكان من الإسلام كما كان من سائر الأديان أن عدل من امتداد تأثيرات الذكاء وتقهقره في آن واحد وذلك مما لا يتأتى أن يجدد اليوم عهده. لأن تحاكك البلاد الإسلامية بالعنصر الأوربي وانتشار العلم وضروريات الحياة الجديدة ستؤدي ولا جرم إلى تحرير العقول من قيودها وتنتهي بفصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية لا محالة على نحو ما نرى من سرعة النشوء الذي بدأ الآن يظهر في مصر آخذاً نحو المدنية الحديثة. ومما لا شك فيه أن الإسلام بعيد أن يضمحل الآن بل أنه على العكس ينتشر ويزداد أشياعه ويتجدد له أنصار حتى في أوربا وأميركا حيث تجد له الآن طوائف من المسلمين ولكن هذا السير سيكون أبطأ من ذي قبل ويقوم المسلم بفروضه الدينية سراً. نعم يكون للمسلم كما

стр. 457

للمسيحي لعهدنا حياتان إحداهما ظاهرة والثانية باطنة ولا تكون الثانية سبباً في التشويش على الأولى. يقول المسيو هوداس من علماء المشرقيات من الفرنسيين إن المتعلمين يحبون أن يريحوا عقولهم بعض الراحة وذلك بأن يتناسوا أن لهم عقولاً. ولذلك تبقى الأديان الرئيسة في أوربا سنين كثيرة بعد على حالة ملائمة بعض الملائمة. فنشوء الجنس الإسلامي لا مناص من وقوعه لأنه يجري بطبيعة الحال والدين لا يكون عائقاً له في بادئ الأمر لأن جميع الديانات في الأصل تعمل كأنها أعنة تحول دون كل تقدم على أن اليهودية والنصرانية اللتين لهما تعاليم ضيقة وهما أقل حرية من الدين الإسلامي لم يحولا دون نشوء الأجناس الأوربية. يمثل الإسلام صورة مجتمع ديمقراطي فلا يعوقه عائق من سلطة الأشراف ولا عائق من سلطة رجال الدين ولا عائق من البابوية أي ليس فيه رئاسة دينية. وهذه العوائق هي من الأسباب المؤخرة فلا يخشى منها أن تؤثر في نشوء العنصر الإسلامي. ومنذ سقوط الدولة العباسية أصبح الخلفاء لا يجمعون في شخصهم وحدهم بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية الدينية والسياسية وأخذت الشعوب الإسلامية تنمو وتنتشر في أطراف العالم بأسره ولا تخضع لسلطان واحد. ولقد عرف التعصب في جميع الأديان وأعني بالتعصب ذاك الإحساس الذي يحمل صاحبه على الجهاد دفاعاً عن دينه وحفظ التاريخ حوادث هائلة من هذا القبيل لكل طائفة من طوائف أهل الأديان وردد ما سكرت به من حب الغلبة وبسطة السلطان أما الإسلام فعلى العكس من ذلك ظهرت فيه مظاهر التسامح أكثر من غيره مما يرجع الفضل فيه أسباب خاصة بالإقليم الذي قامت في وسطه تلك الديانة أو هو خاصة من خواص العنصر الذي دان بها. وكان الداعي إلى المذابح التي أهرقت فيها الدماء في هذا الدور الجديد من الهجرة بواعث سياسية لا بواعث دينية. والدليل على ذلك أنك تجد في الشرق عناصر مسيحية كما فيه عناصر إسلامية وترى فيه الجامع مجاوراً للكنيسة والمسلم يعيش مع المسيحي وصلاتهما حسنة ومنافعهما متبادلة. وليس في الشرق ما يعد خطراً على نشوء الأمة الإسلامية السريع سوى جهل السواد الأعظم ممن لم يرزقوا حظاً من الذكاء يكفي لتكبير عقولهم فيراقبون

стр. 458

أعمال رؤسائهم مراقبة فعالة ويعارضون إذا دعت الحال إلى معارضة سوء استعمال الأحكام. ونذكر من الأسباب التي تؤخر سير التقدم إلى الأمام قلة الاتفاق بين المصري المسلم والمصري غير المسلم. فإن الأول لا يعترف للثاني بأن يقول عن نفسه أنه مصري ويزعم أن مصر له دون غيره. نهم إن المسلمين أكثر عدداً ولكن المسلمين مع غير المسلمين في مصر من حيث التهذيب العقلي ومن حيث وجود طبقة عالية يكادون يتعادلون ويتوازون وكذلك نفوذ الطائفتين وتأثيراتهما. وأقول هذا وأنا على يقين من أن التعصب الإسلامي غير ممتد الرواق في مصر بحيث يحول دون سير المسلمين نحو الارتقاء وإذا فرض وجوده بقوة التقاليد فالتربية تكفي لإزالته. قلت أن الإسلام بعيد عن أن ينافي التمدن بل هو على العكس دين يسمح لمنتحله أن يقصد إلى الارتقاء مطلق الحرية والتصرف. ومن المعلوم أن المسلمين ليسوا تابعين لإمام واحد وأنه ليس من ضرورة في الدين أن يتبعوا خليفة واحداً يتولى السلطة السياسية والسلطة الدينية فتوسيد الأمر إلى رجل يجمع بين السلطتين متعذر في الإسلام. وإني لأعرف من الإنكليز والأمريكان من دانوا بالإسلام فما عاقتهم وطنيتهم الإنكليزية والأميركية عن التفاني في نصرة دينهم الجديد فتراهم خاضعين لحكوماتهم ونظامات أمتهم عاملين بشعائر الدين الذي انتحلوه. كان للعلم مقام جليل بين المسلمين بحيث كان من يعرف القراءة والكتابة يعد من الطبقة الراقية ويحترمه الناس ويبجلونه. وليس لرجال الدين عند المسلمين وأعني بهم العلماء والأئمة ما لأمثالهم عند أهل النصرانية. بل تؤلف تلك الفئة في الإسلام من جميع الناس على السواء مهما كانت طبقتهم. فإذا أحرزوا قسطاً من العلم يخضع لهم الناس وإن لم يكن في أيديهم شهادات تؤذن بأن لهم حق التسلط عليها. والباعث الثاني على نشر التمدن بين المسلمين اختلاطهم بأوربا فإن كل من رأوا انتشار التمدن المصري وقدروا تأثير السياحات إلى أوربا حق قدرها وعرفوا ما ينتج من اختلاط المسلم بغيره في هذه السياحات يتجلى له الشوط البعيد الذي قطعته الأمة المصرية والتقدم الذي سعى إليه هؤلاء السائحون فصح أن يدعوا من الممهدين لسبيل الحضارة والتمدن.

стр. 459

والفرق في الحقيقة بين هؤلاء السائحين وبين المقيمين في البلاد جوهري محسوس إذ أن السياح سواء كانت رحلتهم للنزهة أو التجارة قد غيروا شكل البلاد وكان منهم أن جعلوا مصر اليوم تخالف مصر منذ ستين سنة وبين هذين الدورين بون شاسع كما لا يخفى على الناظر البصير. ومن يجرأ أن يشبه بلاد الجزائر اليوم بالجزائر قبل أن يفتتحها الفرنسيين؟ ومثل ذلك يلاحظ في جميع البلاد الإسلامية حتى أن مراكش لتمس بإصبعها المدنية الرافعة في جوارها أعلامها. وساكن الشاطئ أسمى عقلاً ومدنية من ساكن الداخلية لأنه يختلط على الدوام بالعناصر الراقية وينال بذلك علماً لا يناله سكان الوسط. اعتبر ذلك في أوربي يتوغل في داخلية مراكش فإن المسلمين يسبونه ويشتمونه. وإذا كان الأوربي في صحبة مراكشي تهذبت نفسه بالاختلاط بالأجانب فإن هذا يحاول أن يشرح للأوربي خطأ ابن دينه مستدلاً على دعواه بجهل مواطنه وأنه مازال على الفطرة متعصباً ومتشبعاً بأفكار أمته القديمة. وبعد فإن تهذيب المرأة سيكون من أعظم العوامل في المدنية الإسلامية. ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نعترف بأن ما تم من الارتقاء لبعض الطبقات المنورة في المسلمين كان الباعث الأكبر عليه تأثير تربية المرأة. لأن الشريعة المحمدية خولتها من الشعور ما تعرف به كرامتها لتكون مستقلة ولأن محمداً صلوات الله عليه أراد إنهاض المرأة من سقوطها الذي كانت فيه قبل الإسلام فتسامح بتعدد الزوجات. ومن المحقق أن أسباباً شديدة كانت تقضي بنيلهن هذا الامتياز. ذلك أن في تعدد الزوجات مضاعفة الأمة ونموها وتكثير سواد الموحدين مما حسن أثره في هذه الأمة. نعم كان تعدد الزوجات من الدواعي إلى تجنب الفسق فاستطاعت بذلك المرأة التي تحدثها نفسها بمن في خارج بيت زوجها أن تجد لها من الشرع نصيراً يجعلها في حل من التزوج ممن تحب. وبهذا لم يعهد بين المسلمين الزواج غير الشرعي ورفع عنهم عار التسري واضطروا إلى احترام الأبكار في بيوت غير بيوتهم. والدليل على هذا بأنه منذ قل تعدد الزوجات في البلاد التي نال أهلها نصيباً من التعلم أصبحت بيوت الفجور مملوءة بالوطنيات المسلمات بعد أن كان أهلها من غير بنات البلاد وقامت بيوت العهر الوطنية تجاري مواخير الدخلاء وتتغلب عليها.

стр. 460

ظلت المرأة المسلمة راضية بما قسم لها من مال زوجها بعد وفاته إلى أن استنارت بقيس من المعرفة فأنشأت تدرك بأن حظها هذا يسجل عليها بأنها دون الرجل في المنزلة. وإنا لنلاحظ اليوم أن الرجل المسلم في البلاد المتحضرة لا يتزوج بغير زوج واحدة وقلما كانت الزوج فيما مضى تقضي أوقاتها مع زوجها بل تبقى في خدرها ولا تخرج منه إلا محجبة مبرقعة ولا تزور غير النساء إذ لا يزورها غيرهن فتخلصت المرأة اليوم من هذه العادات وهذا الزوج مهما بلغ من تدينه يتسامح مع زوجه لتخرج لمقابلة الناس على الطريقة الأوربية. وهذا مما أحدث في الرجل أيضاً أحسن تأثير لأنه بالاختلاط المتواصل مع المرأة في البيت أخذت أخلاقه تتدمث وعواطفه تلطف وترق واقتبست المرأة المسلمة بما عرفت به من الرقة المعهودة عن المرأة الأوربية - لما نزلت هذه بلاد الشرق مع زوجها الموظف - أساليب الانبساط والبهجة اللذين ما كان زوجها يجدهما من قبل إلا في البيوت الأوربية. ومن الغريب أن تعدد الزوجات الذي كان في القديم خاصاً بالغني أصبح لعهدنا عادة من عادات الفقير لأن هذا يستخدمهن آلات ينتفع بها في أموره المعاشية فإذا كان له عدة زوجات يكن له بمثابة أجيرات يحرثن أرضه ويزرعن زرعه ويوفرن عليه ماله فلا يحتاج بهن إلى أيدي العامل والزارع. لا جرم أن تعليم المرأة المسلمة سيكون من الدواعي الرئيسة في نشوء العنصر الإسلامي ويساعدها على ذلك فقدان الرئاسة الدينية عند المسلمين وخلاص المسلمة من التأثيرات السيئة التي ترجع بها القهقرى إذا تولى بعض أمرها أحد خدمة الدين. وهنا نلم بالارتقاء الاقتصادي في المسلمين لأنه أحدث تغييراً في حالتهم. فقد ظلوا قروناً كثيرة بعيدين عن الحركة الاقتصادية محتفظين بتقاليدهم في متاجرهم فكان منهم لما رأوا تكاثر الأعمال المالية أن عقدوا الصلات التجارية مع غيرهم من الشعوب. وأي واسطة أحسن في قلب العادات القديمة من المراباة. فقد كان المسلمون لا يقولون بجمع رؤوس أموالهم وقلما كانوا يستدينون بالربا فأنشأوا اليوم يستدينون بالربا ولكنهم لا يدينونه فنجحت بذلك أعمالهم وأخذوا يملكون أموالاً طائلة اضطرتهم إلى استثمارها والمسلمون اليوم يتعاطون جميع أعمال المصارف والخصم. وإنك لترى الآن في مصر شركات عظيمة
следующие страницы →