← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وما الإصلاح الديني في الحقيقة إلا إصلاح عقول القائمين بالدين كالقضاة والمفاتي والحكام ولذلك كان من أهم الأعمال التي تمت في مصر على عهد نهضتها الأخيرة إنشاء مدرسة القضاء الشرعي حتى ر يقل القضاة الشرعيون في علمهم ومداركهم عن القضاة النظاميين ويتعب الأولون في إعداد نفوسهم وملكاتهم كما تعب الآخرون ويخلص الإسلام من الوصمات التي صمه بها الجاهلون به ليوقنوا أن الضعف أتى من المسلمين لا من الإسلام. أما سائر موظفي الإدارة في الأقضية فيرجعون على الجملة إلى شيء من النظام وأن كان يندر فيهم العفيف النزيه بحيث لا تكاد تعد صالحاً واحداً منهم في كل عشرة صالحين ويكثر استهتار أحدهم ويقل حسب ذكائه وشجاعته فإن كان على شيء منها وله من يحيمه في حاضرة الولاية أو عاصمة السلطنة من كبار الموظفين أغرق في أخذ نفسه به أي إغراق لأن حاميه يدفع عنه أذى أعاديه وإلا لاذ بالتقية واعتصم بالمراوغة والمصانعة والدهان لمن فوقه في المرتبة. هذا إجمال من حال حكومات الأقضية وإصلاحها منوط في الأكثر بتعيين متصرفين وولاة ممن خبروا أمور الإدارة بأنفسهم سنين طويلة وكانوا على جانب من العلم وحسن السياسة يحسنون لغة البلاد ويعرفون طبائعها حتى لا يكونوا آلة بأيدي فئة مخصوصة من الناس لا يكتبون إلا ما يملون عليهم ولا يعارضون إلا فيما لهم فيه مأرب خاص. ومتى أدرَّت الحكومة على الموظف الصغير رابتاً يكون على حد الكفاية وسألته عن عمله وراقبته في حركاته وسكناته فقل أن نظامنا الإداري دخله الإصلاح الحقيقي والافنيقي نرسف قيود الذل ونخبط على غير هدى. كل من يتجول في داخلية البلاد يرى عياناً رداءة الطرق وقلة أعمال العمران ولولا قليل من الهندسة دخلت في بناء الدور والمساكن والقرميد اللطيف الذي يزين سطوحها لأقسم من يرى تأخر هذه البلاد وما حنث بأنها لم ترتق درجة واحدة في هذا القرن عن القرون الخوالي وأنها كانت قبل ألف وألفي سنة أوسع عمراناً وأكثر سكاناً مما هي اليوم. إلى الآن لا تجد طريقاً معبدة حتى بين البلدان المهمة فإذا كان الطريق الآخذ من بيروت فصيدا فصور فصيدا فالنبطية فمرجعيون لم يزل مشعثاً متداعياً بعد أن صرف على رصفه بضع عشرات من ألوف الليرات فما هو الحال بطريق مرجعيون حاصبيا راشيا فطنا

стр. 4342

دمشق وطريق دمشق القنيطرة بانياس وهي لم يصرف عليها شيء وبقيت لا تصلح لمرور المواشي دع عنك الإنسان. وبعد فإن كنا لم نرصف طرقنا إلى اليوم فأي أعمال أخرى ترجى أن نقوم بها مثل جر المياه من المحال البعيدة لسقيا الأرضين وشفاه الأهلين أو خزنها في خزانات أو تجفيف البحيرات والمستنقعات مثل بطيحة سهل عيحا قرب ريشيا الوادي البالغة مساحتها نحو أربعة آلاف دونم وبطيحة دير العشاير في وادي التيم أيضاً وبطيحة الحولة ومستنقعات الجولان مما يؤذي صحة السكان ويؤخر عمران الأرضين والبلدان. ثم أين يد الحكومة في إنهاض الزراعة من كبوتها بإعطائها الأهلين السكك والأدوات الزراعية والبذور والغراس التي تصلح وتجود في هذه الديار الطيبة بل أين يد الحكومة تعمل على الأقل بما فيه حفظ الحالة الحاضرة حتى لا تزيد البلاد خراباً فوق خرابها وأن العين لتنبو عن النظر إلى جبالنا وآكامنا الجرداء بعد أن علمنا أنها كانت شجراء خضراء إلى ما قبل عشرات من السنين وإذا دمنا نوسعها القلع والقطع والحرق والشق فاقرأ على حراجنا السلام الأخير بعد بضعة أعوام. بلاد تكفي لإعالة الملايين من البشر وتضيق عن عيش الألوف فمتى نعقل فنعمرها حتى نقوم حاجزاً حصيناً في وجوه من يهاجرون من السوريين إلى سائر قارات الأرض ولا سيما إلى أميركا الشمالية والجنوبية. كنا نظن أن الهجرة لم تتناول سوى لبنان وما اتصل به من الجبال لأن الجبليين أقوى من غيرهم على تحمل المشاق وفطم النفس عن الراحة والرفاهية ولأن بلادهم قاحلة لا تخرج لهم على الجملة أكثر مما تخرج ولكن الأمر على عكس هذا لأن سكان السهول أيضاً مما يسهل عليهم الارتزاق من أراضيهم وقد غادرونا إلى ارض المهجر في طلب الرزق كانت الهجرة مقصورة على المسيحيين أولاً فتعدت إلى المسلمين سنييهم وشيعيهم وإلى الإسرائيليين والدروز والنصيرية والإسماعيلية وكانت لا تتخطى لبنان الغربي ولبنان الشرقي فها قد امتدت اليوم حتى أخذت تستلب من سورية حتى سكان المدن المرفهين منها مثل أهل دمشق وحلب وبيروت وطرابلس وصيدا والقدس وتساوي أبناء هذا الوطن الواحد في مغادرة مساقط رؤوسهم إلى أصقاع اعتنى فيها أفراد ولم يزل عشرات الألوف في فقر

стр. 4343

وفاقة. يهاجرون كل يوم بالعشرات حتى كادت بعض الأقاليم تخلو من شبانها كلهم فما هذا البوق الذي نفخ في سورية من غربيها إلى شرقيها ومن شماليها إلى جنوبيها حتى أسمع الصم فكاد عدد المهاجرين من أبنائنا يربو على ثلث مليون من الشبان العاملين وظل البنات عوانس في بيوت آبائهن والنساء معطلات عن التناسل حتى نشأت من ذلك مفاسد في الأخلاق لا توازيها الأرباح مهما كثرت والأمجاد مهما استطالت وربت. قلت اليد العملة بقلة الشبان في هذه الأقاليم حتى بقيت بعض الأراضي بائرة معطلة لقلة من يقوم على تعهدها وتعذر على أرباب الأملاك أن يجدوا عملة لأعمال الزراعة ولو أغلوا لهم الأجور. وأن أجرة البناء في وادي التيم لتبلغ الريالين ولا تجد بناء لا يعمل وأجرة العامل البسيط ثلاث أرباع الريال وقلما تحصل على القدر الذي تريده من أمثاله وأجرة فاعل الحراث مع الفدان ريال ونصف وقد لا تجده ولم يكتف الناس هنا ببوار أرضهم بل أن بعضهم في الحولة قلعوا بالألوف غراس التوت الجيد لأنهم لا يظفرون أيام مواسم الحرير بالقدر اللازم من اليد العاملة التي تقوم عليها وآثروا أن يزرعوا أراضيهم ما أمكن من القمح والشعير على غلات الحرير. كل هذا يجري في البلاد والحكومة لا تفكر في طريقة ناجعة تدفع عنها عوادي الهجرة التي كادت تسلب منها الروح. وأن هذا القطر الشامي الذي لا يزيد نفوسه على ثلاثة ملايين ونصف ليعز عليه أن يفارقه نحو عشر سكانه الأقوياء ولا يأتيه من المهاجرين إلا الخاملون الذين قد تعطيهم الحكومة أرضاً فيبيعونها وسكة ومحراثاً فيتخلون عنها بثمن بخس وبذاراً فيأكلونه ثم تراهم يتسولون وبنيهم في شوارع البلاد مؤثرين الراحة مع الذل الشديد على العناء مع العز الأكيد. وقد لاحظنا في سياحتنا أن كل قرية أو بلدة ليس فيها ولو بضعة من المسيحيين تكون إلى الخمول والخراب أكثر من القرى التي يكثر فيها أناس من غير المسلمين وذلك لأن جمهور المسلمين اتكلوا في الماضي على الحومة لتعلمهم وتربيهم فما استفادوا وهيهات أن يفلح قوم يعقدون رجاءهم بمن يكيفون المعارف بحسب أهوائهم ولكن المسيحيين نشطوا من عقالهم بعد حاثة الستين فتعلم أرثوذكسيهم في المدارس الروسية واليونانية وبابويهم في مدارس

стр. 4344

الفرنسيس والطليان وبرتستانتيهم في مدارس الإنكليز والأميركان والألمان وهكذا حتى جاء منهم جيل راق في الجملة ارتفع عن مستوى الجيل الآخر مسلماً كان أو درزياً أو نصيرياً أو إسماعيلياً. ومن الأسف أن القرية التي يبلغ سكانها المسلمون ألفاً لا تجد لأبنائهم مدرسة والقرية التي لا يتجاوز سكانها المئة مسيحي تشهد لهم مدرسة ومدرستين كما لا تشهد للأولين جامعاً ولا مصلى وللآخرين الكنيسة والكنيستين ثم تجد التجارة بأيدي المسيحيين يزيد غناهم كل يوم يتعاضهم ومضائهم ويزيد أخوانهم المسلمون كل يوم فقراً بتفاشلهم وتكاسلهم. نقول هذا ونحن على مثال اليقين بأن هذا القطر كسائر أقطار العالم لا ينهض إلا بنهوض السواد الأعظم من أهله وهم هنا من المسلمين وإن من أكبر دواعي الأسف أن يرحل عن هذا القطر أكثر أبنائه تعلماً ومضاءً وهم المسيحيون ولو رجعوا ورجع سائر مواطنيهم على اختلاف مذاهبهم إلى هذه الديار لعمروها وأحيوها واضطروا الحكومة بعلمهم ومطالبتهم المشروعة أن تعمر لهم الطرق وتعطيهم الامتيازات بالمشروعات العمرانية التي تعود عليهم وعلى البلاد بالخير والنماء ويكفي بأنها تخلصها من وطأة الأجنبي والدخيل فإن الكثرة قوة وكثرة العيال إحدى اليسارين.

стр. 4345

أخبار وأفكار مطبعة بدون حبر بالاتفاق وقع اختراع هذا الاختراع كما وقع اختراع كثير غيره فقد أراد مهندس إنكليزي منذ إحدى عشرة سنة أن يأخذ قطعة من النقود فتدحرجت على المنضدة فضغط عليها بدون اختيار على ورق ندي كان موضوعاً على صفحة من المعدن جعلت على موصل كهربائي غير منفرد فدهش لما رأى صورة القطعة قد طبعت طبعاً صريحاً على الورق بلون أسمر وكان الرجل ممن يحسنون معرفة الكهربائية فأخذ يبحث علمياً عن سبب هذا الطبع بالعرض فصرف عشر سنين في تطبيق هذا الاختراع على طبع الحروف وقد ذكرت إحدى المجلات العلمية المهمة أنه قد نجح مؤخراً في اختراعه فاستعاض عن الورق الندي بورق جاف مبلل بمواد كيمياوية تخلط مع الورق عندا يعمل وهذا الاختراع نافع جداً في طبع الكتب المهمة. عميان الأميركان في نيويورك سبع مدارس للعميان الفتيان يقرأ فيها الفتيات والصبيان مع المبصرين على معلمات يلقين عليهم دروساً واحدة معينة فيسأل الأعمى والبصير على السواء ولا فرق في تعليمهم إلا في الكتب والكتابة لأن العمي يقرؤون في كتب كتبت بحروف بارزة على أصول برابل وقد وقع تعديلها منذ أواخر سنة ١٩٠٩ فقربت فائدتها وأصبحت ثمراتها مضمونة قريبة فيتعلم الولد الأعمى كما يتعلم البصير ويشترك في الألعاب الرياضية والأعمال الصناعية ويحصل على معلومات أرقى مما كان يتعلم سابقاً من ثل صنع السلال والأكياس والمكانس والجوارب كما هو الحال في مدرسة العميان في مصر بل قد أخذوا يعلمونهم ما يكونون به مستخدمي تليفون وكاتبين على آلة الاختزال يتوصلون إلى الكتابة بآلة عادية وإلى الاختزال بقلم رصاص بسيط ويعلمونهم الموسيقى والبيانو والكمنجة وغيرها من آلات الطرب فيصبحون قواماً بهذا الباب ويتمرن الفتيات منهم على الخياطة وتفصيل الفساطين والأردية وعمل الأزياء والطبخ. والعميان موضع عناية خاصة من الجميع فيأخذون بأيديهم ويقودونهم إلى بيوتهم ومتى أتموا دروسهم يتكفل القوم لهم بإيجاد أعمال في التجارة والصناعة ويرسلون بأذكاهم عقلاً إلى الكليات يأخذون من علومها ما

стр. 4346

طاب لهم بحيث يخرجون ليكون منهم موظفون. فاللهم هي للمبصرين منا أسباباً كهذه حتى إذا كشفت أبصارهم وبصائرهم يفكرون في تعليم العمي. إعانة البائسين كان في فرنسا في آخر سنة ١٩٠٨ (٥١٢٠٠٠) إنسان محتاج للإعانة منهم (٣٥٤٠٠٠) شيخ تجاوز السبعين و (١٠٠. ٠٠٠) عليل و (٥٨. ٠٠٠) مريض مرضاً عضالاً ومعظم هؤلاء البائسين ابعث إليهم نظارة الأعمال والإحسان الاجتماعي مرتباتهم إلى بيوتهم وتختلف من ٥ إلى ٣٠ فرنكاً في الشهر و (٣٩) ألفاً منهم تؤويهم في أماكن إقامتها لهم كالمتشفيات وغيرها يصرف عليهم في السنة أربعة ملايين ليرة تدفع الحكومة نصفها والنصف الآخر جمعية الإحسان وفي فرنسا الآن (١٦١١٨) مكتباً لجمع الإحسان غير جمعيات الحكومة تغيث زهاء مليون من السكان. سويسرا والغرباء تحاول جمعية الاتحاد الوطني في سويسرا أن تحل مسألة الغرباء في بلادهم لأنهم داهموها ولا سيما في البلاد الواقعة على التخوم بحيث كادت تصبح منهم في أمر مريع فقد بلغ عدد الغرباء في تلك الجمهورية الجميلة ٥٦٥. ٠٢٥ شخصاً وسكان البلاد ٣. ٧٥٠. ٠٠٠ أي أن في سويسرا ١٥١ غريباً عن كل ألف وطني سويسري وفي بعض الأماكن يكون عدد الأجانب ٤٠ في المائة والغرباء في لوغانوا أكثر من السكان الأصليين وقد قررت الجمعية أن تعتبر سويسرياً كل من يخلق في أرض سويسرا من الأولاد بعد الآن. ومعلوم أن لغات سويسرا هي الألمانية والإفرنسية والإيطالية يتكلم بالأولى ٦٩ شخصاً في المائة وبالثانية ٢١ وفي الثالثة ثلاثمائة ألف شخص فقط وفيها ٥٦ ألف في المائة يدينون بالمذهب البرتستانتي و٤٢ في المائة كاثوليك. الا لكحول في أميركا في أميركا كما في أوربا جمعيات كثيرة لمقاومة المسكرات فقد وفقت إحدى جمعياتها إلى إرجاع ثلثمائة ألف رجل فقط عن عادة تناول المسكرات القبيحة ومن الغريب أن ثلاثين ألفاً منهم أسسوا لأنفسهم جمعية وقاموا ينادون بالإقلاع عن الكحول وجمعيتهم هي الجمعية الوحيدة التي كان أعضاؤها كلهم من السكيرين قبل سنين.

стр. 4347

عمران الولايات المتحدة وافق مجلس النواب الأمريكي على ميزانية سنة ٢٩١٢ فكانت ٥. ١٢٧. ٤٤٨. ٣٠٥ فرنكاً أو نحو ٢٥٠ مليون ليرة عثمانية أي نحو تسعة أضعاف الميزانية العثمانية ومن هذا المبلغ ٣٠٥ ملايين لاستهلاك الدين العام و ٧١٠ ملايين للأعمال العامة منها ٢٤٥ مليوناً لفتح برزخ باناما و ٦٣٢ مليوناً وكسر للبحرية وزهاء ٤٦٦ مليوناً للبرية. ومنذ مئة سنة لم تكن ميزانية هذه الجمهورية سوى ٤٢ مليون فرنك أو أقل من مليون ليرة عثمانية منها ١٦ مليون للجيش و ٨. ٥٠٠. ٠٠٠ للبحرية و١٦ مليوناً للدين ولكن سكان الولايات المتحدة لم يكونوا على ذاك العهد سوى سبعة ملايين نسمة فزادوا اليوم ١٣ ضعفاً في مئة سنة وزادت نفقات الحكومة ثمانين ضعفاً عما كانت. حكاية العناصر كتب جان فينو رئيس تحرير المجلة الباريزية مبحثاً في هذا المعنى جاء فيه أن اختلاط الألسن والشعوب في برج بابل ليس إلا ألعوبة للأولاد بجانب تأليف الأمم الحديثة فإنك ترى في البودقة الواسعة التي تخلق فيها الأوطان والشعوب الفروق الفيسيولوجية تنحل بسرعة مدهشة كما تنحل العقول الآتية من أطراف الكرة كلها لأن سهولة المواصلات ونشر التجارة بين الأمم وانتشار الأفكار واشتراك الكافة بها كل هذا آخذ بتقريب الأميال والحواس المدبرة للإنسانية وكل يوم يكثر اجتماع الناس ويتناول المجموع كمية أكثر من البلاد والعباد. والغالب قد انقضى دور القائلين بعلو عنصر على آخر وانحطاط عنصر عن أخيه فإن يابان قد ساوت غيرها من أمم الغرب بعد أن عقدت المعاهدات مع شعبين هما في مقدمة شعوب الحضارة الإنكليز والفرنسيين وأصبحت الصين دستورية في حكومتها وستعود إلى سكانها أخلاقهم الحربية فيضطر الناس إلى احترام ألوانهم ومعتقداتهم والزنوج سائرون على سنة النشوء بسرعة تلقي الاضطراب في نفوس أشياع المتوهمين بالعناصر والألوان وقد ارتقى الزنوج في الولايات المتحدة منذ ستين سنة ارتقاء أنسى أن أصلهم أفريقي ولكن لا يمحو سيئات جنون البشر قروناً قرن في التعقل ولا بد أن تظل الحروب الآن بين أبناء آدم إذ تصبغ أديم الأرض بالدماء بضعة أجيال أخرى ويبقى للبلاد العظيمة من حيث

стр. 4348

حضارتها الحق أن تكون قوية لئلا تفقد في حروب الغد تراثها من الحكمة والجمال. وإنَّا إذا أطلقنا اليوم كلمة عنصر فذلك لأنها أصبحت مشابهة لكلمة بلاد أو سكان البلاد فليس معنى قولنا عنصر الفرنسيين أنه كلهم من أصل غالي كما يدعي بعضهم بل قد امتزج بهم نحو ستين عنصراً وشعباً أقانت في فرنسا أو اجتازت بها فمنهم الاكيتون والبلجيكيون والغاليون والليكوريون والسميريون والنوتونيون والسويفيون والألمانيون والسكسونيون والفانداليون والسمرتيون والسبكيون والفسكونيون والفينيقيون الذين أكثروا من المستعمرات ومن جملة مستعمراتهم مدينة نيم وهي أجل مدنهم ثم العرب والسلافيون والفيندليون والتفاليون والروثنيون والاغاتيرسيون والبورغونديون والبلاسجيون والصليبيون والثيرنيون والاتروسكيون واليهود المراكشيون والأندلسيون الذين زحزحهم ديوان التفتيش عن أرضهم وديارهم ثم أن الفرنسيس الويغريون والمغول والهونسيون والاوز والخزر والابر والكومانيون وغير ذلك العناصر والشعوب مثل البولونيين والهلفتيين (السويسريين) والايبريين (الإسبانيين) وغير ذلك وربما بعض الزنوج. فوحدة الدم ليس بينها وبين ما تمتاز به أمة من الصفات الأخلاقية والعقلية بل أن امتزاج دم الشعوب بعضها ببعض تزيد في قيمة الشعوب والعناصر وما يدعيه بعضهم من أن العنصر الألماني كان اليوم أرقى من العنصر الفرنساوي لأنه حفظ في دمه شيئاً كثيراً من أصله وهو غلط ووهم لأن العنصر الآري والمدنية الآرية والجنس الآري لم توجد بل هي اختراع يكفي في تزييفه بأن قال بعضهم أن الآريين أتوا من الشرق وقال آخرون أن آسيا وغيرهم من الهند وآخرون من بكتريانيا وغيرهم من البلاد الواقعة بين بلاد أورال وبحر الشمال وادعى بعضهم أن الآريين أتوا من جنوبي غربي سبيريا وغيرهم أنهم من أواسط ألمانيا وغربيها وآخرون أنهم من الشمال وأكد غيرهم أن الآريين هم أوربيون حقاً هذه أقوال علماء اللغة فمنهم من يزعم أن الآريين أتوا من جنوبي غربي أوربا ومنهم من يقول بل من أواسط آسيا وغيرهم أنهم من الغولفا وآخرون من بحر البلطيق. وهكذا اختلف أولئك المشتغلون في ألوان الآريين وجماجمهم وقاماتهم ومدنيتهم وكيف مدنوا غيرهم وما كان عملهم وأظنهم لا يزالون مختلفين في الآريين قروناً بعد لأن الأوهام كالأكاذيب قد تطول حياتها ولا تأتي عليها الشدائد لتنسفها.

стр. 4349

وما قيل في العنصر الفرنسوي يقال في العنصر اللاتيني على الجملة فإن الفرنسيس والطليان والأسبان والبرتغاليين والرومانيين والأرجنتينيين والبرازيليين وغيرهم من الشعوب الأخرى في أميركا الوسطى كل هذه الشعوب ليست من أصل واحد بل تختلف أصولها باختلاف سحناتها وما السحنات هي التي تربي الأرواح بل أرواحنا هي التي سحناتنا وماهيته الرؤوس التي هي تجمع بين الشعوب وتوجد بينها رابطة القرابة بل حالتهم المتشابهة في الاستمتاع بالحياة والعذاب بها. ولقد كان يظن بعضهم أنه يقتضي مرور عشرة أجيال حتى يختلط شعب بآخر وتذهب من بينهما الفروق ولكن مثال الولايات المتحدة أمامنا لا يحتاج إلى عرض فكلما كانت الأمة قوية رحب صدرها وسهل عليها أن تدرس فيها الصفات الأجنبية ومنذ بضعة قرون لا تجد عنصراً خالصاً من الامتزاج بغيره ولا شعوباً تألفت من وحدات متشابهة معلومة. وما الألمان في الحقيقة ونفس الأمر سوى البولونيين والأوبورترتيين والفانديين وغيرهم من القبائل والشعوب السلافية وهم الذين ساعدوا على تأليف ذاك العنصر بل قد قال نبتسش الفيلسوف الألماني وكان من أصل بولوني أن الجرمانيين الحقيقيين قد نزحوا إلى الخارج وأن ألمانيا الحالية في مرحلة تقدمها العالم السلافي. ومثل ذلك يقال في الطليان فليسوا أبناء الرومان في الحقيقة بل فيهم أجناس كثيرة امتزجت دماؤهم بدمائهم فقد دخل فيهم السيسكانيون والليبورنيون وهم من الشعوب الأفريقية والبلاسجيون ومن تفرع منهم والاتروكسيون والسلافيون والسليتون واللونكبارديون والبيزانطينيون والفاليون والمصريون وايونان والأسبان والصقالبة واليهود والنورمانديون والعرب والبروتون والجرمان وغيرهم من العناصر والشعوب كالعنصر السامي وغيره فأين الدم الإيطالي الصرف. وإن إنكلترا على اعتزالها في جزائرها لم تنج من اختلاط غيرها بها ففيها دم زنجي ودم أفريقي وفيها السرماني والجرماني والأبيري دع عنك الفرنسيس والألمان وغيرهم ممن امتزجوا بالدم الإنكليزي حديثاً. والإسرائيليون الذين يفاخرون بطهارة دمهم لا يستطيعون إلا أن يغضوا أبصارهم حياءً أمام الحقيقة التاريخية فقد كانوا قليلاً عددهم عندما وصلوا إلى فلسطين فامتزجوا بالعرب والفيلستينيين والهيتيين وغيرهم من القبائل وأعطوا دمهم

стр. 4350

إلى كثير من الأمم وتناولوا منها دمها حتى أن شعباً تركياً برمته اسمه الشازار قد دان باليهودية وانتشرت شريعة موسى في العالم وأدخلت في مجموعها من كل العناصر. فالشعوب كالأفراد ليست كبيرة بأصولها التاريخية ولا معنى لاسمها وعددها ما دام الشك يتطرق إليهما والذي يهم في الأمم كنزها العقلي والأخلاقي وفضائلها الغيرية التي طبعت عليها أرواحهم ونور عقولهم الذي يطوف الأقطار والأمصار. وما من شعب يسمو على آخر وينحط عنه من حيث تركيبه بل أن هناك شعوباً تقل مدنيتها أو تكثر وتحسن المأتى أو لا تحسنه في جهاد الحياة والواجب على أمة تريد أن تمزج غيرها بها أن توجه عنايتها إلى أفكار الشعوب وتستميل أرواحهم. وما سعي روسيا في جعل جميع رعاياها روساً وسعي جرمانيا في جعل أهلها كذلك وسعي العثمانية في تتريك عناصرها وكل ما تعمد إليه هذه الدول من وسائل القضاء على القوميات إلا عقيمة باطلة فقد اضمحلت بوهيميا تحت السلطة النمساوية قروناً كثيرة وأخرج شعبها من عداد الأحياء ودثرت لغتها وآدابها ولكن الشعلة الضئيلة الوطنية بقيت حية تحت جبال من الرماد ولما سكنت العاصفة عاد التشك وأظهروا ذات يوم أنفسهم وعنصرهم ومقاومتهم للألمانية أكثر من ذي قبل. وجزيرة كريت الصغيرة الباسلة التعسة ستنضم عما قريب إلى يونان على الرغم من عناد الحكومة العثمانية (؟) وعمى رجال السياسة وكذلك الحال في بولونيا وفنلندا. وإن الاستيلاء على الشعوب استيلاءً وحشياً قد مضى وانقضى فالواجب استمالة القلوب واستتباع الأرواح وأن الأمل الذي يدفن في أعماق القلوب أقوى من طرقات المطارق على أجسامنا فالأمم تحيا ما دامت لا تريد أن تموت. الصحافة الإنكليزية زاد في الخمسين سنة الأخيرة نفوذ الصحافة اليومية وقوتها في المجتمعات الحديثة بحيث أصبحت إحدى الأدوات الهائلة التي ما قط استعلمت لخدمة المطامع والحاجات البشرية. فقد أصبحت السياسة والأعمال ونشر الأفكار العالية والدفاع عنها وخدمة المصالح المالية والاحتيال لها العضد العام والعامل الأكيد. فهي للمؤرخ الاجتماعي بانتشارها العجيب ودخولها يكثر في جميع أعمال الحياة الاجتماعية ذات فائدة قوية ومن تأمل آثار الصحافة في بلد وأسلوبها ومراميها يتأتى له أن يحكم حكماً معقولاً صحيحاً جداً على مميزات تلك

стр. 4351

الأمة الاقتصادية والأخلاقية وعلى درجة عقولها وضعفها وقوتها وإيغالها واسترسالها وعلوها ونزولها في سلم الاجتماع. وعلى كل جريدة أن ترضي الأميال لتحيا وتعيش وتخاطب عقل قرائها وما مجموع صحافة كل أمة إلا أثر من آثار ترقيها. وما من مبحث أفيد وأعلق بالأذهان في هذا الشأن أكثر من الارتقاء الذي حدث في الصحافة الإنكليزية فإنها مثلت الأطماع والعظمة وكل ما فكرت فيه إنكلترا واهتزت. وصحافتها أسمى من صحافة منافسيها بما فيها من الحياة واتساع العمل وكمال الأسلوب وجلاء المبادئ التي تديرها والبحث فيها درس لا نظير له للمؤرخ والصحافي. ويرجع ارتقاء الصحافة الإنكليزية إلى أسباب عديدة منها ما هو آت من عنصر الإنكليز وعقله ومنها يرجع إلى ضرورات مادية حاضرة فالصحافة الإنكليزية لا تضاهيها صحافة مثلها بمعداتها وتنظيمها المادي المنقطع القرين وما مثلها صحافة تشخص على ما يجب روح بلادها وتؤثر مثل تأثيرها في الفكر العام والمصالح العامة ولم تبرح منذ قرن تدير دفة السياسة البريطانية وتوحي إليها الخطط الواجب ابتاعها وأن إنكلترا لمدينة بقيام ملكها ومجدها لرجال صحافتها لما تنبأوا به عن جرأة لمستقبل بلادهم ولما فطروا عليه من الوطنية العاقلة على نحو ما هي مدينة بجندها ورجال سياستها. ولقد كانت منافسة صحافتها على شدتها تظل دائماً إلى الأدب شكلاً ومعنى وما قط عمدت إلى الابتذال لأنها لا تراه كذلك ولا ترى الشتائم حجة ففي كل حوار كانت تعرض الشيء ونقيضه بعدل يدهش كل من لا يعرف أخلاق الإنكليز السياسية. وقد اجتهدت الصحافة الإنكليزية زهاء قرن إلى عهد ظهور الصحف التجارية بأن وضعت نصب عينيها في كل حال المصلحة العامة قبل المصالح كلها. ومهما كان من حالة الأحزاب التي تنسب إليها جرائدهم فمديروها لا يبيعون جرائدهم من الحكومة فليس لحكومة إنكلترا نفقات سرية تصرفها للجرائد ولا في نظاراتها موظفون يعهد إليهم أن يعطوا الصحف إيضاحات فجرائدهم لا تنطق بلسان الحكومة ولا هي غير رسمية ولا نصف رسمية. والفضل في ارتقاء صحافة إنكلترا رخص أسعارها وقبل صدور جريدة الديلي ميل منذ ١٤ سنة لم يكن في إنكلترا جريدة يزيد ما يطبع منها ٢٥٠ ألف نسخة ولا تباع النسخة بأقل من عشرة سنتيمات. وجريدتا الديلي تلغراف ووالبال مال غازت وهما للطبقة العالية

стр. 4352

والوسطى لم يقرب المطبوع منهما من هذا القدر وعلى ما بذلتاه من العناية ظلتا واقفتين. وجريدتا التيمس والستندارد اللتان بمركز أدبي راق كان يتأتى لهما زيادة المطبوع منهما لو صحت عزيمتهما عليه ولكنهما لم يريا حاجة ولا رغبة في ذلك فكانتا تتحكمان في إعلاناتهما بقدر ما تستطيعان ولم تجد حاجة للاستكثار من القراء أن تسرا مع الأذواق الجديدة أو تمسا مبدئيهما وخطتيهما وإذ كانت هاتان الجريدتان تصف حروفهما بالأيدي وتطبعان على عدة ورقات من ١٢ إلى ٣٢ ورقة على ورق جيد قد يقع ثمنه قبل طبعه أغلى من القيمة التي يباع بها من الجمهور لم يكن أمامهما لكثرة المطبوع منهما إلا الإعلانات تتحكمان فيها تحكماً يسد به العجز في ميزانيتهما. ولما ظهرت الصحف التي تباع بخمسة سنتيمات على ورق رخيص مطبوعة ومصفوفة بآلات كاملة اتجهت الصحافة وجهة ثانية وتعدل بها الرأي العام والسياسة البريطانية وتأثرت الصحف القديمة في منافسة الصحف الحديثة كل التأثر وكانت تميل إلى رأي المحافظين ويقرؤها أهل الطبقة العالية أو الوسطى بخلاف الجديدة التي كانت ذات آراء متقدمة وقراءة كثيرين من العامة وخلفت جريدة الديلي ميل جريدة الايكو فظهرت الصحف الحديثة في مظهر أحسن من مظهر القديمة حسنة التحرير وافرة الأخبار كالصحف القديمة فلم تلبث أن أحرزت ثقة السواد الأعظم وإيثارها لها واقتطعت ألوفاً من قراء منافسيها حتى عجزت كثيرات من هذه عن المقاومة فانقطعت عن الصدور واضطرت أخرى مثل الديلي نيوز والديلي كرونيل أن تتخذ الأساليب الجديدة وتعدل خطتها وتنزل أمانها فجددت بذلك شبابها وأظهرت الجرائد العظمية كالتيمس والستاندارد والمورنن بوست والغلوب شيئاً من العناد وأخذن يعشن بشهرتهن القديمة وثروتهن التالدة وذلك بفضل إخلاص قرائهن الدائم لهن ولكن التيمس والستاندارد وهما مثال التدقيق المفرط والتقاليد المجسمة عادتا فجذبتا الضرورات التجارية ومالتا إلى تكثير المطبوع من لإعدادهما والميل بصحيفتيهما نحو الديمقراطية في مظهرها وبالصحافة الرخيصة تسربت إلى الجمهور أفكار جديدة نبهته إلى الحياة السياسية وقوت عزيمته فصحت إرادته على الانتفاع بها فهبط نفوذ الإشراف والطبقات الوسطى القديمة وارتفع نفوذ الاشتراكية السياسية وتحطمت الأحزاب القديمة بحيث عجزت عن البقاء أو كادت ودعت الصحف الجديدة إلى معاضدة العملة وبالغت

стр. 4353

وأكثرت في الدفاع عن قوانين التضامن والمعونة حتى كادت تضر بمصلحة الوطن كل ذلك لتستميل قلوب القوم وتستكثر من القراء وكان في مقدمة الجرائد المسموعة الكلمة في هذا الباب الساهرة على إرضاء الجمهور بالتنزل إلى درجة أفكاره جرائد الدايلي مايل والدايلي اكسبرس والمورنن ليدر التي أخذت بعد قليل من صدورها تطبع مئات الألوف. وجريدة الديلي ميل هي التي أحدثت هذا التبدل في مظهر الصحافة الإنكليزية وأفكارها وصاحبها واسمه الفرد هرمسورت يدير اليوم بنفسه أو بواسطة رجاله معظم المشروعات الصحافية في إنكلترا. بدأ مديراً لجريدة أسبوعية أسست سنة ١٨٨٨ وكانت أوشكت أن تكون إلى خطر بصنيع القائمين عليها فأورثها في أقل من سنة حياة خارقة للعادة بحيث بلغ المطبوع منها ٧٨ ألفاً بعد أن كان ١٣ ألفاً وذلك بأن فتح سباقاً بين القراء ينال فيه جوائز مالية كل من يوفق إليها كأن يضع لهم سؤالاً وهو من يقدر كم دخل مصرف إنكلترا من النقود المعدنية والذي يحزر يكون له راتب يتقاضاه طول حياته قدره ليرة كل أسبوع فاهتم الجمهور لهذه المسابقة وكانت النتيجة بعد أقل من ثلاثة أسابيع أن ارتفعت المبيعات من جريدته الأسبوعية من ٧٨ ألفاً إلى ٢٠٠ ألف. وهكذا جرى الصحافي في كل المشروعات التي قام بها بالإيداع في الأسلوب والتيقظ والبذل في سبيل إنجاحها ولما أصدر جريدة الديلي ميل في ٤ أيار سنة ٣٩٦ لم يبع منها نسخة بل أرسلها إلى الوكلاء وجعلها في المستودعات وكان يطبع منها كل يوم مائتي ألف على أسلوب كل مستحدث ولم يكتب له النجاح بعد شهر من صدور جريدته إلا لأنه عرف حاجات الجمهور ورغائبه فقد كان القوم قبله يتلون الجريدة ليقفوا على رأيها في الحوادث والرجال ويأخذوا منها وذلك بأثمان تختلف من العشرة إلى العشرين إلى الثلاثين سنتيماً يبذلونها ولا يخافون أما اليوم فإنهم يبتاعون الجريدة للوقوف على ما يجري مثل الأنباء الخارجية والحوادث المختلفة وأخبار المحاكم والآراء في الأزياء والرياضات مهما يهتم له جمهور الناس ويميل إليه أكثر من جميع المناقشات الفكرية يريد أن يتناول معلومات بأرخص الأثمان وقد نشأ هذا النشوء في الأفكار في حالة الحياة الجديدة وما تتطلبه من السرعة والمضاء ومن انتشار التعليم العام وكان الفضل لصاحب الديلي ميل الذي لاحظ ذلك قبل غيره وعرف من أين تؤكل الكتف فيه ففي جريدته مثال جديد من الفواصل بين

стр. 4354

الحوادث واختصار في النصوص وقليل من الإنشاء المكلف المدبج وكثير من الحوادث فتقدر بنظرة خفيفة أن تطلع في خمس دقائق على كل ما حدث ونقل في جريدته المقالات الافتتاحية وتكثر فيها الحياة والعنوانات تلفت النظر أبداً واللهجة أقرب إلى العامية والطبيعة والرسائل البرقية والنظرات الإجمالية مختصرة على الجملة والحوادث كثيرة فالقارئ يتلوها بسرعة غير محتاج إلى تأمل وغاية ما يلزمه قليل من الانتباه فجريدته ولا جرم جريدة رجل العمل المستعجل الجريدة التي تقرأ في المركبة والحافلة والسكة الحديدية والمرء مأخوذ بعمله وبعبارة أصح جريدته حديثة النشأة فهي تحوي جميع الأخبار التي تنشرها الصحف القديمة بتأسيسها ولكنها أجمل في الأسلوب وأقل كلفة على الجيوب أي أن ثمنها نصف ثمن أرخص الجرائد القديمة. وأما التيمس فقد أنشئت سنة ١٧٨٥ وهي صاحبة المقام الذي لا يبارى بين صحف العالم بسعة واردها وكثرة أخبارها وصحتها وشدة استقلالها وحسن تلقي آرائها وكانت في أحرج ساعات إنكلترا صوت هذه الدولة وفكرها وهي من حيث الماديات لا تجارى كبيرة الحجم تطبع على ورق ذي ١٦ إلى ٢٤ صفحة حجم كل منها أربعة أمتار مكعبة وقد حسبوا ما تحتاجه إدارتها كل صباح من الورق فكان عرضه مترين وطوله خمسمائة كيلو متر وورقها جميل متين وحروفها دقيقة حسنة التنسيق والوضع آية في تصحيحها وقد راهن أحد اللوردات على مائة جنيه بأن يخرج لها خمسين غلطة فأحدق في ستة أعداد منها حتى أحصى لها ثلاث غلطات مطبعية وفي إدارتها أربعون شخصاً إذا وقعت لأحدهم أدنى غلطة يطرد من وظيفته ويؤكدون أن أحد كبار مديريها قد أجلس في قاعة الانتظار أحد زوار إنكلترا أكثر من ساعة بينا كان يفتش عن كاتب مقالة مسؤول عنها نسي أن يضع علامة الاستفهام بيد أن قراء التيمس إذا عثروا على غلطة مطبعية لا يلبثون أن يشعروا الإدارة في الحال. ولكثرة عناية التيمس في مستنداتها ومراعاتها الذمة في نقولها وتجويد إنشائها أصبحت المجموعة التي تنشرها إدارتها كل سنة في الأحكام الصادرة أشبه بمجموعة دالوز في القوانين لا يعتمد في التاريخ إلا عليها. وأسرة ولتر هي مالكتها وقد أصبحت منذ سنة ١٩٠٨ لنقابة خاصة يرأسها أحد أبناء مالكيها الأول ولكن ألفرد هرمسورت صاحب الديلي ميل وكندي جون هما يدها العاملة وروحها المدبرة.

стр. 4355

وتجيء بعد التيمس جريدة الديلي تلغراف أنشئت سنة ١٨٥٥ وشهرتها عظيمة وهي بإعلاناتها أشهر جريدة في إنكلترا بل في أوربا وتأثيرها الأدبي والسياسي أقل من التيمس ولكن أخبارها كثيرة واسعة النطاق وهي التي اشتركت مع جريدة نيويورك هرالد وبعثت هنري ستانلي للمرة الثانية للبحث ع داود ليفنكستون الذي اهتمت له إنكلترا وكان من ذلك افتتاح الكونغو وأصقاع البحيرات العظمى في أواسط أفريقية. وجريدة المورنن بوست أول الصحف اليومية بإنكلترا أنشئت سنة ١٧٧٢ وهي لسان حال المنورين والإشراف تدعو إلى التوسع في الاستعمار وتخالفها الديلي نيوز وهي تدافع عن المسائل المهمة فقد دافعت عن إيطاليا ويونان وبلغاريا وأرمينية وارلندا وحملت على عدائهن حملات منكرة وهي الصحيفة الوحيدة التي لا تنشر أخبار المسابقات والرياضات. وجريدة الديلي كرونيل هي الجناح الأيمن للأحرار والستاندارد أسست عام ١٨٢٧ مقبولة جداً في عاصمة الإنكليز وبين الأشراف المتوسطين وأشراف الأرياف. وجريدة المورنن ليدر غريبة مقبولة من العامة بترتيبها ووضعها وكثرة مكاتيبها في الخارج كثرة لا تضاهيها فيها جريدة اللهم إلا التيمس والديلي تلغراف. ثم تجيء الصحف الأسبوعية التي تصدر يوم الأحد فمنها جريدة النيواوف دي ورلد وجريدة اللويد وكل منهما يطبع مليوناً وأربعمائة ألف نسخة. بين هذه الصحف نشر صاحب الديلي ميل جريدته فنطر نظرة بليغة فيمن تقدمه فلم ير أن يسبقهن في إنشاء جريدته ولا في رخصها ورأى أن إصدارها قبل ميعاد الصحف مما يهيئ لها قراء كثيرين خارج لوندار فقد كانت صحف هذه العاصمة تطبع بين الساعة الثانية والثالثة بعد نصف الليل وتسافر الساعة الخامسة في القطارات فتصل إلى الأماكن التي تبعد مائة كيلو متر عن لندرا وقت الفطور وإلى الأماكن البعيدة ثلثمائة واثنين وعشرين كيلو متراً حوالي الظهر فاكترى صاحب الديلي ميل قطارات خاصة لجريدته تسافر إلى الجهات المختلفة فتوزع جريدته إلى أيعد الأماكن قبل أن يتناول المطالعون جرائد ولاياتهم نفسها مخافة أن يكتفوا بهذه عن مطالعة الصحيفة اللندنية وكان لذلك يطبع جريدته قبل ساعة ثم قبل ساعتين من طبع رصيفاته وبذلك استغنى كثير من القراء خارج لندن عن سائر صحفها وبعض صحف الولايات وارتفع معدل ما يطبع من الديلي ميل بعد بضعة أشهر من ٢٥٠ ألفاً إلى ٤٧٥ ألفاً ولم يلبث أن صار ٧٠٠ ألف ولم تصل إلى السنة الثالثة

стр. 4356

حتى بلغ المطبوع منها مليون نسخة وأصبحت اليوم تطبع مليوناً ومائتي ألف نسخة في حين تطبع التيمس ٥٥ ألفاً فقط والديلي اكسبرس ٧٠٠ ألف والديلي تلغراف ٣٥٠ ألفاً والديلي نيوز ٣٠٠ ألف والمورنن ليدر ٣٥٠ والستاندارد ١٢٠ ألفاً والديلي ميرور ٩٠ ألف وجريدة إيفنن نيوز وهي فرع للديلي ميل تصدر في المساء ويطبع منها ٢٥٠ ألفاً. وقد فكر صاحب هذه الجريدة في شمال إنكلترا فرأى مدينة منشستر على ثلاث ساعات ونصف من لندار متوسطة بين بلاد إيكوسيا ونفوسها ٧٥٠ ألفاً وهي مركز تجاري مهم فأنشأ فرعاً لجريدته هناك فيها جميع ما في جريدته اللندنية من الأخبار والمقالات منها ما يرسله من لندرا مع البريد ومنها ما يرسله على لسان البرق فتخرج الديلي ميل في منشستر في الوقت الذي تصدر فيه في لندن وبذلك تسنى له أن يبيع من الجريدة الثانية مائتي ألف نسخة فيكون مجموع ما يبيع من الديلي ميل ١. ٤٠٠. ٠٠٠ وقد أصدر فرعاً لجريدته في باريوبيبغ منه عشرين ألف نسخة كل يوم وأحبت بعض منافساته أن تحذو حذوه ولكنها لم تفلح لأنه أخذ دونها المقام الأول في القاصية كما أخذه في الدانية. وأغرب من هذا وذاك أن صاحب الديلي ميل أصدر فرعاً من جريدته بحروف برايل الناتئة يصفها عميان ويطبعونها ويوزعونها وهي للعميان فيها الأخبار السياسية وغيرها تصدر مرة في الأسبوع في ١٦ صفحة وهذه الجريدة هي لخدمة الإنسانية المحضة وذكرها أجمل سطور في تاريخ الصحافة المصرية. وبانتشار الديلي ميل إلى هذا القدر أقبل أرباب الإعلانات عليها وآثروها عل غيرها ولولا ذلك ما استطاع صاحبها أن يتكبد مثل هذه النفقات واستعمل أساليب التجارة في اصطياد المعلنين فلم يكتف كغيره من أرباب الصحف أن يقصد المعلنون إدارته بإعلاناتهم بل أخذ يبعث برسله إلى التجار يقاولونهم على إعلاناتهم. والإعلان في إنكلترا أهم أسباب التجارة بدونه تقل الأرباح كما قال بعضهم بل أن امتناع الصحف يوماً واحداً عن نشر إعلانات التجارة أصعب على الأمة من وقوف السلكك الحديدية وانقطاع الأسلاك التلفونية والبرقية ويكفي أن لندن وحدها تنفق في السنة على الإعلان فقط ملياراً ونصف مليار فرنك - انتهى ما عربناه عن المجلة الباريزية وعسى أن يكون فيه لهل الصحافة العرب غناء فيطرسون على آثار الصحافة الإنكليزية الراقية.

стр. 4357

موظفو فرنسا الغالب أن فرنسا أكثر بلاد الحضارة موظفين ففيها الآن ٩٦٧٨٥٥ موظفاً على اختلاف الطبقات وإذا أضيف إليهم موظفو الجزائر وتونس وغيرهما من المستعمرات الفرنسوية يتقاضون رواتبهم من ميزانية تلك البلاد ناهز الموظفون من الفرنسيس مليون موظف فكان لفرنسا موظف واحد لكل ٣٨ مكلفاً يتقاضون في السنة ملياراً وخمسمائة وعشرة ملايين يضاف إليها ١٠٨ ملايين رواتب رجال الملكية و ١٧٠ مليوناً رواتب العسكرية. بين القاهرة والرأس عزم رجلان ألمانيان أحدهما ضابط والآخر جيولوجي أن يجتازا المسافة بين رأس الرجاء الصالح والقاهرة في السيارة (اتوموبيل) والمسافة بين البلدين عشرة آلاف كيلومتر وذلك ليتأكدا إذا كان يتأتى لهذه المركبة أن تحمل ركاباً وبضائع بين جنوبي أفريقية وشماليها وسيقطران مركبة أخرى إلى السيارة التي تقلهما وتكلف نفقات إنشائها مائتي ألف مارك على أن الخط الحديدي المنوي به ربط تينك المدينتين إحداهما بالأخرى قد تم بعضه ومؤخراً افتتح فرع من واد مدني إلى سنار وقد بلغ طوله ما مدَّ منه من الجنوب ١٥٠١ ميل (نحو ٢٤٠٠ كيلو متر) والفرع الجنوبي تسير قطاراته الآن من كبتون إلى المحل المسمى ستار أوف كونغو في مملكة الكونغو الحرة أي على مسافة ٢٣١٢ ميلاً (نحو ٣٧٠٠ كيلو متر) فيبقى بعيداً عن الخطوط بعد ٢٠٦٠ ميلاً (٣٢٠٠ كيلو متر) فيكون على هذا التخطيط طول هذا الخط كله ٥٨٧٣ ميلاً منها ٣٨١٣ ميلاً قد نجزت والقطارات تغدو فيها وتروح وستجعل لها طبقة رابعة للفقراء. سكان طرابلس احتفل في الشهر الماضي بافتتاح الخط الحديدي بين طرابلس والشام وحمص وطوله ١٠٠ كيلومترات يقف القطار في ثماني محطات ويقطع المسافة بين البلدين في أربع ساعات وهو من الخطوط العريضة مثل بعض الخطوط الحديدية في سورية وبهذا الخط أصبحت كثر من مدن الداخلية في سورية مرتبطة بالسواحل فأول ما ربط منها يافا بالقدس ثم تبعتها دمشق بيروت فحوران ثم خط حيفا ودمشق وحيفا درعا المدينة وربطت بيروت بحلب واليوم ربطت طرابلس بحمص وما والاها.

стр. 4358

كتب أولاد من مقالة لأحد العالمين من الأوروبيين أن كتاب الولد يجب أن يحوي شرطين رئيسيين أن يعجب القارئ به ويهتم له والإعجاب به يكون بما يحويه من الصور والاهتمام له يكون بما تضمنه من الموضوعات اللطيفة وهذه الصفات تحتاج لتأليف كتاب من هذا النوع إلى رجل مفنن ورجل كاتب وأن يكون كلاهما مفطورين على معرفة مخاطبة الأولاد وقلما يتوفر ذلك. وقليل في كتب الأولاد المفيد لان الأسفار التي تجعل بين الأطفال هي في العادة سقيمة الإنشاء عليلة التصوير كأن المؤلفين والمصورين يقصدون إلى إدخال السآمة على نفوس الصغار بما يكتبونه ويرسمونه على ما اتفق فالقصص التي يوردونها مملة يريدوا أن يعلموا بها بدون أن يسألوا وأن يعطوا دروساً في الأخلاق والتهذيب لا تستميل قلوبهم وليست سوى مواعظ وما أحرى تشبيهها بحقول بائرة لا تنبت فيها زهرة ولا تجد فيها ما يبعث حماسة الشبيبة نعم هي صور مضحكة يفهما الولد على حسب مداركه ولكنها لم تخرج عن كونها قصصاً عامية ينضم فيها الابتذال إلى فساد الأحكام. فارغة لا جاذب فيها تتعب قارئها إذا قرأ منها الصحف الأولى فيتخلى عنها قبل أن يتمها. فالآداب التي يدرسها الأطفال هي ولا جرم مخالفة للمقصد منها في معظم البلاد. قلنا هذه شكوى البلاد الإفرنجية من رداءة كتب الأطفال عندهم وهي ما هي فما هو الحال إذاً في مدارس البلاد العربية. تجار الأميركان لكل مخزن كبير في الولايات المتحدة مدرسة خاصة لتعليم مستخدميها وبائعيها تعليماً تجارياً خاصاً يدربون في الغالب كما يدرب الجند لان تجار الولايات المتحدة قد أيقنوا بأنه يصعب إيجاد مخازن كبرى إذا لم يكن فيها نظام مدقق ولذلك يدخلون الصبيان والبنات إلى هذه المدارس في الرابعة عشرة من سنهم فيعلمونهم في الصباح الحساب والإنكليزية ليجيدوا التكلم بها كما يعلمونهم الإفرنسية ويمرنونهم نصف ساعة على الألعاب الرياضية كل يوم لتكون حركاتهم منتظمة شأن المستخدم اللبق وفي النهار يشغلونهم في أعمال المحل ولكن بدون أن يختلطوا مع الزبن. وبعد تمرينهم ثلاثة أشهر على هذا النحو يبدأ بتعليمهم معرفة الأصناف التجارية وفي المساء يعلمونهم شيئاً من التعليم النظري فيدرسون مثلاً كيفية عمل البضائع ومحال عملها بحيث يستطيعون بعد أن يلقوا درساً مختصراً لمن تريد

стр. 4359

أن تبتاع زوجاً من الجوارب ويوقفونهم على علم النفس لان هذا العلم نافع لهم نفعه للقصي والعالم. وأمهر البائعين المرغوب فيهم هم أهل ارلندا. التلغراف اللاسلكي زيد في هذا التلغراف اختراع جديد مركوني نجح بواسطة طيارة تنقل في النهار رسائل برقية كهربائية إلى مسافة ٥٦٠ كيلو متراً وكانت رسائل التلغراف اللاسلكي حتى الآن لا تنقل إلا في الليل خاصة وبهذا الاختراع الجديد يمكن إرسالها في كل ساعة وإلى كل مكان وينحل الأشكال الذي كان ناجماً عن المخابرة التلغرافية من سفينة مبحرة مع أي محطة في الشاطئ كانت. حمى مالطية ثبت أن الحمى تنتقل في لبن الماعز وذلك لأن الحكومة منعت الحامية هناك من إعطائهم لبناً حليباً في جملة الجراية اليومية. وكان ثبت أن لبن البقر ينقل جراثيم السل ولا يفيد فيه إلا التعقيم الشديد.

стр. 4360

العدد ٦٦ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩١١

стр. 4361

حالة الجو الطقس الفواعل الطبيعية التي تؤثر فيها وتدل على ما تصير إليه لا بد أن يتلقى قراؤنا الكرام هذا الموضوع بما يستحقه من الاحتفاء بعد أن ألفتت أنظارهم إليه الثلوج التي تراكمت في هذا الشتاء على ربوع البلاد فسدَت المسالك وساقت حيوانات البر من كهوفها وأوجارها لتشارك الإنسان في مساكنه وتشاطره شظف العيش في مكامنه. وقد خُيل لمن لا إلمام لهم بالنواميس الطبيعية أن كثرة شرورنا قد كانت السبب لهذه الضربة الإلهية والحقيقة أن خطايانا كثيرة في كل سنة فلو كانت هي الداعي لذلك لاقتضى أن لا تفارقنا الضربات على مر السنين. ومما لا ريب فيه أن الممسك أزمّة السماوات والأرض بيده قد سنَّ للطبيعة شرائع تسير بموجبها وتنتج معاً ما نشاهده من الظواهر الفلكية والتقلبات الجوية التي تختلف باختلاف اتجاه هذه الفواعل وكيفية ارتباطها معاً واجتماعها أو تفرقها على ما سنبينه. ومع أن العلوم والمعارف هي ومجموع اختبارات البشر لا تزال قاصرة عن إيضاح معظم ما تتوق النفس لمعرفته مما لا يزال وراء حجاب الغيب فإنها قد كشفت لنا الشيء الكثير عن أسرار الطبيعة حتى صارت الميتيورلوجيا أو الظواهر الجوية علما جزيل المنفعة للملاح والزراع والتاجر وغيرهم من أرباب المهن والحرف. وقد تبين من درس طبيعة الهواء والنور والحرارة وحركات الأرض ومهابّ الرياح والجاذبية وغير ذلك أن تقلبات الجو وظواهره بين صحو ومطر وحر وبرد الخ خصوصاً عن اتحاد أفعال السبع قوات الآتي بيانها: ١) دورة الأرض اليومية على محورها. ٢) دورة الأرض السنوية في فلكها. ٣) الجاذبية التي تشد الهواء إلى الأرض. ٤) قوة التباعد عن المركز الناجمة عن دورة الأرض على محورها وعن قوة استمرار حركة الهواء. ٥) قوة دقائق المادة المعروفة بالحرارة والنور والالفة والكيمية والكهربائية، وقوة الإشعاع التي تصل إلينا من الشمس، وجميع الاختلافات والتقلبات الموقعة على عرض الأماكن وحركتي الأرض اليومية والسنوية.

стр. 4362

٦) فقد الحرارة بالإشعاع من الأرض والهواء. ٧) اختلاف تمدد الأجسام باختلاف توزيع الحرارة في الهواء لتوقف ذلك على مركز القارات والاقيانوسات وعلى وجود أبخرة سهلة التكشيف كالتي تكون ممزوجة بقارات لا تنفك عنها وعلى النتروجين والأوكسجين اللذين يتركب منهما معظم قارة الهواء. فأدنى تغيير في هذه القوات أو كيفية عملها يحدث تغييراً فيما يحيط بنا. ويتعب علينا التنبؤ بالدقة عن حالة الجو لأننا لا نزال نجهل ما وراء كرتنا الأرضية من الفواعل. ولكننا نعلم أن قوة ما تنتقل دائماً من الشمس إلينا بسرعة جاذبية الثقل وتتخلل الهواء المحيط بنا وبها يعلل تكوّن الشفق وذلم أن هذه القوة المسماة ليونس وإلكترونات متى تكهربت تنحرف عن سيرها المستقيم حالما تخالط الهواء وترسم منحنيات لولبية الشكل. وعندما تتصل هذه الدقائق ببعض الغازات من مثل الكربتون يستنير الغاز فيكون من ذلك النور الشفق الذي يشاهد في الأماكن القريبة من القطبة الشمالية أكثر من غيرها كأعالي اسوج ونروج وشمال كندا وغيرها. أما الغيم والمطر والثلج والبرد وسائر متعلقاتها فتكون بالطريقة الآتية: تلقي الشمس أِعتها على مياه الاوقيانوسات والأبحر والبحيرات وما ماثلها من المستودعات المائية فتسخن الهواء الملامس لها ولليابسة وتبخر الماء فيخفف ويصعد في الهواء المشبع رطوبة إلى الطبقة التي يتكون فيها الغيم ويتمدد الهواء بالحرارة أيضاً فيصعد بقوة يدفع بها الهواء المجاور لها من الجهات الأربع. ومعنى هذا الدفع أنه ينفق شيئاً من حرارته كلما صعد ودفع ما يجاوره حتى يبرد أخيراً وتغلب فيه الرطوبة فيبتدئ أن يتكاثف بشكل الغيم أو السديم. وهذا التكاثف إنما يتم بالتفافه حول ذرات الغبار ودقائق الإلكترونات التي تقدم ذكرها فتكسى هذه الذرات بالرطوبة كما يكسى في الصيف ظاهر إبريق زجاجي ملآن ثلجاً. وعلى ذلك فكلما زاد الغبار في الجو زاد تكاثف الغيم وقل المطر الذي لا يعطل إلا من أواسط الغيم أو فقلبه حيث الغبار قليل وذلك بعد أن يضغط على الغيم والهواء الأعلى منه وشرط في أن الغيم أن يكون مكهرباً بارداً إلى درجة تكون الندى. فمن غيمة كبيرة يكونها الهواء الرطب حول دقائق المادة قد يوجد جزءُ صغير فقط خال من الغبار فيتمدد بسرعة كافية لتكوين ماء المطر.

стр. 4363

ومن هذا يتضح أن إطلاق المدافع الكبيرة في الهواء إذ وصل دخانه بما فيه من الدقائق إلى مساواة الغيم يحدث غيما ويمنع وقوع المطر لان المطر لا يسقط إلا من قلب الغيوم حيث يقل الغبار أو يخلو بتاتاً. أما إذا سقط المطر وكان الهواء بارداً جداً فإنه يجمد. فإذا كان الهواء يهب من جميع الجهات لعب فيه ودوَّره فيسقط برداً وإلا فإذا سكن الهواء سقط عطباً كنتف القطن وهو الثلج الذي تكسى به قمم الجبال وسائر الأماكن العالية الباردة. ولمعرفة أوقات سقوط المطر أو الثلج يجب أن ندرس مهاب الرياح وعلاقة البرد من كلف الشمس ومغنطيسية الأرض وغير ذلك مما يصعب معرفته بالدقة. غير أن الآلات التي اخترعت حديثاً للدلالة على حالة الجو وهي البارومتر والثرمومتر أي مقياس ضغط الهواء ومقياس الحرارة كثيراً ما تدل على حدوث الأمطار والزوابع بالضبط قبل وقوعها بزمن يختلف من ١٢ إلى ٢٤ ساعة وما ذلك إلا لتأثرها بضغط الهواء ومبلغ ما فيه من الحرارة والرطوبة التي تقل اتكثر تبعاً للفواعل العديدة الطبيعية كما بيناه آنفاً. فرطوبة هواء الهند مثلاً تأتي من بعد شاسع أي من جهة الجنوب الغربي للاقيانوس الهندي وهواء أوربا يؤثر في أفريقية وهواء جنوب أفريقية يؤثر في آسيا وهكذا فكأن الهواء كرة مرنة ينتقل فعل الفواعل على أحد جوانبها إلى كل جانب ولذلك فجونا عرضة للتأثر من الأعلى أي من الفلك الذي ورداء حدود الهواء ومن القطبتين ومن جانبي خط الاستواء فلا يكاد يفعل فيه فاعل إلا ويظهر تأثير ذلك في مجموعه. ولهذه الأسباب لا يمكننا معرفة أوقات الأمطار والثلوج واشتداد الحر والبرد وغير ذلك إلا إذا عرفنا تأثير جميع الفواعل والمؤثرات في اتحاد العالم. وهذا ما يسعى العلماء لرصده ومعرفته حسبما تمكنهم الأحوال. وقد لا يمر بنا زمن طويل حتى تصير نبوات العلماء موضوع ثقة القوم فيعرف الناس جهات الرياح وأوقاتها وأزمان سقوط المطر والثلج بضبط يكاد يقرب من كنه الحقيقة. وفي أوربا وأميركا الآن معاهد خاصة فلكية تنبئ بتغيير حالة الجو أنباء جزيلة النفع للإنسانية. وعما قريب تتفتح عيون الناس في آسيا فيختطون هذه الخطة العلمية ويجاورون القوم في حياتهم العمرانية. بيروت // خليل سعد

стр. 4364

السراسرة أو الزرازرة (١ - تمهيد) من أحسن ما يفيد اللغويين والكتاب والمعربين وأصحاب نادي دار العلوم تتبع الألفاظ الدخيلة في العربية ومعرفة الأصل الذي أخذت منه. فإن التنقيب عن هذا الأمر يكفينا مؤونة وضع بعض المصطلحات الجديدة مع وجودها عندنا. هذا فضلاً عن منع كثير من الألفاظ عن التسرب إلى لغة قريش الفصيحة وحبس مواد اللغة عن أن يعيث فيها عائث والذب عن حياضها ومناهلها الراقية وتخفيف حمل الحافظة لكثرة ما توقر في هذه الأيام بنشر الصحف المختلفة الموضوعات. وخفاً من أن تنوء بأثقالها فتبهض. ولهذا فأحسن واسطة تتخذ في هذا الباب أن يسعى إلى إقفاله بأقرب وقت وأخصر طريق يسعى في تحقيق أصول الألفاظ الدخيلة حتى تعاد إلى نصاب معانيها التي وضعت فيها ويحافظ على المعاني التي نقلت إليها في لغة العرب. وقد اهتديت في أبحاثي إلى بعض هذه الحروف وتحقيق أصلها من ذلك كلمة سرسور. (٢ - حقيقة اللفظة نقلاً عن اللغويين) السراسرة جمع سرسور قال محيط المحيط: الزرزار (أو الزردار) (قلت: كذا بدال مهملة قبل الألف): البطرك (كذا. والأصح البطريق لأن العرب خصت لفظة بطرك أو بطريك أو بترك أو بتريك أو بطريرك بالرئيس الديني الذي هو فوق رئيس الأساقفة بخلاف البطريق فإنها قد وردت عندهم بمعنى البطرك وبمعنى كبير الشرفاء من الروم والرومانيين أي بكلا المعنيين) زرازرة (أو زرادرة). كلام المحيط وقال قزميرسكي: ; ' وقال فرريتاك: زرزارج زرزارة: ثم زاد في الاوقيانس: زروارج زروارةً. وفي التاج: الزرارزة البطارقة كبراء الروم وجمع زرزار بالكسر. وفي التكملة: الزراورة البطارقة. ولم يذكر الكلمة اللغوي الإنكليزي لين صاحب مد القاموس. وممن أغفل ذكرها صاحب الصحاح والمصباح وأساس البلاغة والنهاية ومختصرها. لا بل وصاحب لسان العرب أيضاً وهذا في منتهى العجب لأن الكتاب ضخم في عشرين مجلداً وقد حوى ألفاظاً دون الزرزار شأناً ومع ذلك فقد أهملها إلا أنه قال في مادة س ر ر: السرسور: الفطن العالم. وأنه لسرسور مال أي حافظ له. أبو عمرو: فلان سرسور مال وسوبان مال: إذ كان حسن القيام عليه عالماً بمصلحته. أبو حاتم: يقال فلان سرسوري وسرسورتي: أي حبيبي وخاصتي. ويقال: فلان سرسور هذا الأمر: إذا كان قائماً به.

стр. 4365

ويقال للرجل: سرسر: إذا أمرته بمعالي الأمور. النص. ولم ينبه على أن السرسور هو تصحيف زرزار. ومن ثم فإنك لا ترى في لسان العرب أثراً لهذه الكلمة الأخيرة بالمعنى الذي أشار إليه اللغويون. أما السرسور فقد ذكرها جميع اللغويين أصحاب المطولات قال في التاج: السرسور: بالضم. الفطن العالم الدخال في الأمور بحسن حيلة. . . وعن أبي حاتم: الحبيب. . . إلى آخر النص الذي ذكره صاحب اللسان. وقد نقل أصحاب دواوين اللغة كلام أبي حاتم فلا حاجة إلى إيراد جميع نصوصهم الآخذين عنه عبارته هذه بدون تغيير وقد ذكرناها. وأما صاحب محيط المحيط فقد غلط في قوله زرادرة بالدال بعد الألف وإنما هي بالواو وقال في التكملة: البطارقة الواحد زورار كما نقلناه فويق هذا. ولم ينبه أحد من لغويي العرب إلى أنها من أصل أعجمي وأما الإفرنج فلا أعرف منهم إلا فرنكل إذ قال أنها من أصل فارسي أو آرامي قال: سفير: سيسار وفيها لغة وهي سرسور. والعربي إذا رأى كلتا اللفظتين: الزرزار والسرسور لا يتوقف في أن يقول أنهما من أصل واحد وهو: الزور مكررة مع تصحيف فيكون معناها: رئيس الرئيس أي الرئيس الكبير. لأن الزور هو الرئيس وليس الأمر كذلك ولا سيما الزرزار لأنهم شرحوها بمعنى البطريق أو الكبير من الروم. فلا يمكن أن تكون الكلمة إلا رومية أي لاتينية وهي أي سنسور ثم صحفها العرب وتلاعبوا بلغاتها كما فعلوا بلغتهم فتولدت منها ألفاظ كثيرة مرجعها إلى واحدة. وقلبهم النون رآها هين مستغاض في كتبهم والشواهد فيه لا تعد ولا تحد حتى في الألفاظ العربية الفصيحة كما قالوا في ريح ساكرة: ريح ساكنة. وقالوا الزون والزور. والواو والوكن. والهبور والهبون (العنكبوت) وتأسر عليه وتأسن وما فيه حبربر ولا حبنبر. والمركوس والمنكوس. إلى غير هذه من الألفاظ وعليه قالوا في سنسور: سرسور. ومن العرب من كان يقلب السين زاياً منقوطة ويجعل الالف المفخمة أي الإفرنجة تارة ألفاً وطوراً واواً كما في صلاة وصلوة. وحياة وحيوة. فقالوا على هذا القياس زرزار. ولعل الأصح أن اللفظة أول ما وردت في كلامهم جاءت مجموعة بصورة زنازرة أو زرزارة ثم توهموا مفردها زرزار حملاً لها على مادة عربية وكان السرسور أو السنسور من ولاة القضاء عند الروم وكان من وظيفته إحصاء أبناء الرعية الرومانية وتقدير أموالهم

стр. 4366

وتدبير بيت المال أو خزينة المملكة. ثم امتدت سطوتهم حتى بلغت شأواً بعيداً في النفوذ وشأواً خطيراً في السلطة حتى قلد الزرازرة نقابة أشراف الروم فصارت وظيفتهم كوظيفة نقيب الأشراف عند المسلمين في عهدنا هذا. بل وأوغلوا في السطوة حتى قلدوا أمر مراقبة الآداب وتنزيل الأشراف عن مناصبهم العليا وإبعاد شيوخ المجلس الأكبر عن مناصبهم بل وربما طردوهم من المجلس طرداً لا مرد لهم إليه. وكانت هذه الوظيفة مقيدة بالبطارقة لا غير. ومن ذلك تعريف العرب للزرازرة بمعنى البطارقة. ثم أرخي عنان جوداها فقبض عليه صهواً كل من كان أهلاً للعلى وإن كان من السوقة. على أن أصح وجه اللفظ هو السرسور كما جاءت في أغلب كتب الأئمة إلا أنها وردت عندهم بالمعنى الفرعي لا بالمعنى الأصلي أي إنها جاءت بالمعنى الثالث الذي انتقلت إليه في الرومية واشتهرت به في عهد صدر الإسلام لأنهم قالوا في تفسيرها: الفطن العام الدخال في الأمور. وإن قيل لنا: إن سرسور هو تعريب سيرسور واصل معناه الشعبان فرحاً. (كتاب الألفاظ الفارسية المعربة تأليف السيد أدي شير ص ٨٩). قلنا: لا يقول هذا الكلام إلا من أراد الهزء والسخرية بأهل العلم والتحقيق وإلا أي مناسبة بين هذين المعنيين. وكيف سمى الروم صاحب مقام من أهل المراتب العليا عندهم باسم فارسي. تلك أضحوكة من الأضحوكات المبكيات. هذا فضلاً عن أن العقل يأبى مثل هذا الوضع الغريب والتأويل البعيد العجيب ولا سيما أن جميع اللغويين متفقون على أن الزرازرة هم البطارقة أي علية أشراف الرومان. والسراسرة هم الفطنون العلماء الدخالون في الأمور كأن العرب جعلت لكل فرع من المعنى فرعاً من اللفظ تفنناً وتمييزاً لفظاً من لفظ وهم كثيراً ما يفعلون ذلك. هذا وتأويل السرسور بالمعنى الذي عقده بناصيته أهل اللغة يوافق كل الموافقة للتآويل المختلفة التي جاءت بها لفظة تعني ما يأتي: (١) الذي ينتقد مسلك الناس وأعمالهم. (٢) الذي ينتقد مؤلفات المصنفين وما وقع فيها من الأوهام والأغلاط. (٣) أحد عمال الحكومة تقيمه على فحص الكتب والجرائد والمجلات وهو الذيس سماه كتاب هذا العهد بالمراقب. (٤) وسرسور الدروس عندهم القيم بشؤونها وبحفظ قوانينها. (٥) وسرسور المصرف

стр. 4367

(البنك) سرسور شركة تجارةٍ وقد فوض إليه تحقيق أعمال المدبرين والمقيمين بشؤونها. وهذا كله يصح فيه معنى السرسور على موجب ما أثبت معناه اللغويون أي الفطن العالم والحسن القيام على المال العالم بمصلحته. هذا ما أردنا إيراده بخصوص اللفظة وأصلها ومعناها عند العرب سابقاً ومعناها عند الإفرنج في عهدنا هذا. وإمكان دخول مختلف معانيها في لغتنا إذ الجامعة بين شعبها موجودة عندنا أيضاً وهذا كله من منافع الوقوف على أصول الألفاظ والبحث عن انسلالها في لغتنا. بقي علينا أن نذكر ما يتعلق بهذه اللفظة في أمرها في التاريخ فنقول: (٣ - السرسور في التاريخ) كانت إقامة رتبة السرسور أو السنسور في الطبقة الأولى عند أمة الرومان. وكان ينتخب أصحابها انتخاباً إلى زمن محدود مضروب. وإذا قلدها واحدهم أصبحت سلطته توازي سلطة القنصل مع أن هذه السلطة هي ابنة تلك لا غير. وكان يقام السرسور في الأصل لتعداد النفوس كما يدل عليه اللفظ نفسه سنسور مركبة من سنس والأداة الدالة على الصاحبية والسنس هو تعداد النفوس ومن بعد ذلك امتدت سيطرته إلى إصلاح الأخلاق وتهذيب ضروب الجماعات وطبقاتها. ومن ثم كان يشارف السوقة والبطارقة حتى إذا أخذوا بشيء وجب عليهم أن يزكوا أنفسهم كلما اقتضت الحال أو دعاهم السرسور أن يتبينوا ما يعزى إليهم. ولم تكن وظيفة أو رتبة أو منصب من مقامات الدولة الرومية إلا وتخضع لسلطة السرسور أو الزرزار. ومما كان يكلف به السهر على كل ما يتعلق بالمصالح العامة كالجسور والأقنية والأبنية العامة والقناطر والمعابر إلى غيرها. وكانت هذه السطوة أو السلطة تعلو في الشعب الروماني بقدر ما كانت تنحط وتهوي في مجلس شيوخهم على أنهم لم تأخذ بالانحطاط إلا لما دب الفساد إلى الأمة كلها وسرى إلى الخاص منهم والعام سراً وجهراً حتى فشا في السراسرة أنفسهم ولقد كان للقب الزرزار من الشرف الرفيع ما حدا بقيصر وسائر الانبراطرة أن يتسموا به ويتخذوه لأنفسهم. وأما في بلاد اليونان فإن الزرازرة لم يفوزا بما حظي به من النفوذ زملاؤهم الرومانيون فإن زرازرة أثينة واسبرطة لم يقلدوا ذلك اللقب إلا تقليداً أدبياً ليس إلا. وقد بقي الزرزار حتى في عهد بعض جمهوريات إيطالية الأخيرة كجمهورية البندقية مثلاً ثم انقرض بانقراضها.

стр. 4368

كان أول دخول هذا اللقب عند الرومانيين في نحو سنة ٣١٠ من تاريخ رومية أي سنة ٤٤٤ قبل الميلاد. وكان قد لاحظ مجلس رومه الأعلى أن القناصل الذين كان من دأبهم الاشتغال بتسيير الوفود العسكرية كانوا يستطيعون أيضاً أن يحافظوا على أعمال الأفراد الخاصة فكان أول من ارتقى إلى هذه الدرجة العليا اثنان من البطارقة على ما رواه طيطس ليفيوس. ' وكانت مدة مقامهم بادئ بدءٍ خمس سنوات ينتخبونهم في مجالسهم الكبرى يسمون هذه المجالس مجالس القوامسة أو مجلس الزرازرة فقد قال أحدهم وقو ق. اسكونيوس بدبانس يعاد انتخاب الزرازرة كل خمس سنوات وهذه عبارته اللاتينية. إلا أن هذه المدة الطويلة وسوست في صدر الذين تقلدوها ما بكدر خواطر القناصل ويقلقها فقصرها الدقططور مامرقس أميليوس فأنزلها إلى مدة ١٨ شهراً فامتعض من ذلك الزرازرة وانتقموا من صاحب هذا الإصلاح بمحو اسمه من قبيلته وتقييده بين عداد دافعي الخراج. وكان من اللازم في بادئ الأمر لمن يريد الحصول على هذه المرتبة العليا أن يكون المترشح لها من أصل شريف. إلا أن هذا القيد لم يدم إلا مئة سنة ثم عدل لأن القناصل كانوا يؤخذون من سواد السوقة فساوَوا أولئك بهؤلاء. وأول من أخذ من ظهراني الشعب هوك. مرطيوس روتيليوس فانه علا وصار دِقططوراً ثم رقي فصار زرزاراً مع منليوس نفليوس ومع الزمان سنّ المدير الأعظم أو الدقططور ق. ب. فيلون سنة ومما جاء فيها أنه يجوز انتخاب السرسور من الرعية. والتاريخ يفيدنا أن ق. بمبيوس وق. متلس قلدا لازرزارية وهما من السوقة وذلك سنة ٦٢٢ من تأسيس رومة. ولم يكن من الضروري قبل الحرب الفونية الثانية أن يكون المترشح ممن مارس أمراً من أمور القضاء الأكبر ليصبح أهلاً للزرزاربة بما أن طيطس ليفيوس بكر أن بيبلوس بيفينوس كراس لم يكن إلا أمير ابنية فانتخب زرزاراً وحبراً أعظم معاً. إلا أنهم بعد ذلك العهد لم يعودا يرقون إلى هذه الرتبة إلا من كان قنصلاً في السابق. ولم يكن لجوز لواحد أن يكون زرزاراً غير هـ، مرة واحدة في حياته إن كنت ممن وقف على ماء كتبه فاليرس مكسيمس تتذكر بأنه قال عن م. روتيليوس أنه من بعد أن أقيم زرزاراً للمرة الثانية وبخ الشعب توبيخاَ شديداً على

стр. 4369

قلة احترامه لسنة أجدادهم إذ رأوا أن من المناسب تقصير مدة هذا القضاء لأنهم تحققوا أن من بقي بيديه عنان هذه السلطة مدة مديدة يصبح قهاراً عسوفاً عضوضاً ومن ثم غدا انتخاب الزرزار للمرة الثانية مخالفاً لسنن السلف وقد قال بلينيوس الأصغر أن من يوسد الزرزاربة للمرة الثانية عليه أن يأباها حباً بالمنفعة العامة. وكان سلاَّ أبطل الزرزاربة إلى وقت إلا أن أوغسطس قيصر أزالها بتاتاً. وكان القياصرة يزاولون بأنفسهم ما كان مترتباً على الزرازرة إلى عهدة اسبسيانس. وبعد وفاة هذا العاهل دُثر أثر هذا القضاء المطلق حتى لم يبق منه إلا الاسم. وحاول الإمبراطور دقيوس إعادته فلم يفلح. وممن اشتهر بالزرازية قاطو أو قاطون حتى غلب عليه لقب الزرزار وعرف به. وقد اعتمدنا فيما كتبناه على عدة أسفار لعدة كتاب من روم اولاتين وفرنسويين وإنكليز. بغداد سلتسنا

стр. 4370

رسائل الانتقاد تابع لما سبق هذا امرؤ القيس أقدم الشعراء عصراً. ومقدمهم شعراً وذكراً. وقد اتسعت الأقوال في فضله اتساعاً لم يغز غيره بمثله حتى أن العامة تظن بل توقن أن جواد شعره لا يكبو وحسام نظمه لا ينبو. وهيهات من البشر الكمال. ومن الآدميين الاستواء والاعتدال. يقول في قصيدته المقدمة. ومعلقته المفخمة: ويوم دخلتُ الخدر خدر عُنيزة ... فقالت لك الويلاتُ إنك مُرجلي فما كان أغناه عن الإقرار بهذا وما أشك غفلته عما أدركه من الوصمة به وبذلك أن فيع أعداداً كثيرة النقض والبخس منها دخولاً متطفلاً على من كره دخوله عليه. ومنها قول عنيزة لك الويلات وهي قوله لا تقال إلا لخسيس. ولا يقابل بها رئيس. فإن احتج محتجٌ بأنها كانت أرأس منه قيل له لم يكن ذلك لأن الرئيسة لا تركب بعيراً يدرج أو (يموت) إذا زاد عليه ركوب راكب بل هو بعير فقير حقير فإن احتج لأنه بأنه صبر على القول من أجل أنها معشوقة قيل له وكيف يكون عاشقاً لها من يقول لها: فمثلك حُبلى قد طرقت ومُرضعاً ... فألهيتها عن ذي تمائم مُحول وإنما المعروف للعاشق الانفراد بمعشوقته واطراح سواها كالقسيسين في ليلى ولبنى وغيلان بمية وجميل بثينة وسواهم كثير. فلم يكن لها عاشقاً بل كان فاسقاً. ثم أهجن هجنه عليه. وأسخن سُخنه لعينيه. إقراره بإتيان الحبلى والمرضع. فأما الحبلى فقد جبل الله النفوس على الزهد في إتيانها. والإعراض عن شأنها. منها أن الحبل علة وأشبه العلل بالاستسقاء. ومع الحبل كمود اللون. وسوء الغذاء. وفساد النكهة. وسوء الخلق وغير ذلك ولا يميل إلى هذا من له نفس سوقي. دع نفس ملوكي. وأعجب من هذا أن البهائم كلها لا تنظر إلى ذوات الحمل من أجناسها. ولا تقرُب منها حتى تضع أحمالها. أو تفارق فصلانها. ثم لم يكفه أن يذكر الحبلى حتى افتخر بالمرضع وفيها من التلويث بأوضار رضيعها. ومن اهتزالها واشتغالها عن أحكام اغتسالها. وقد أخبر أن ذا التمائم المحول متعلق بها بقوله فألهيتها عن ذي تمائم محول وأخبر إنها ظئر ولدها لا ظئر له ولا مرضع

стр. 4371

سواها فدل بذلك على أنها حقيرة وقيرة. ومثل هذه لا يصبو إليها من له همة وهذه الصفات كلها تستقذرها نفس الصعلوك والمملوك. وقد قال أيضاً في موضع آخر من هذا الباب من قصيدة أخرى: سموتُ إليها بعد ما نام أهلها ... سُمو حباب الماء حالاً على حال فقالت لحاك الله أنك فاضحي ... ألست ترى السمار والنار أحوالي حلفت لها بالله حافة فاجرٍ ... لناموا فما أن حديث ولا صالي فأخبر ههنا أنه هين القدر عند النساء وعند نفسه برضاه قولها لحاك إله فحصل على لحاك الله من هذه ولك الويلات من تلك فشهد على نفسه أنه مكروه مطرود غير مرغوب في مواصلته. ولا محروص على معاشرته. ولا مرضي بمشاكلته. ثم أخبر عن نفسه أنه رضي بالحنث والفجور. وهذه أخلاق من لا أخلاق لها. ثم أقرّ في مكان آخر من شعره بما يكتمه الأحرار. ولا ينم بفتحه إلا الأوضاع الأشرار فقال: ولما دَنَوت تسديتها ... فثوباً نسيتُ وثوباً أَجُرْ وأي فخرٍ في الإقرار بالفضيحة على نفسه وعلى حيه واين هذا من قول يعقوب الخزيمي: ولا أسأل الولدان عن وجه جارتي ... بعيداً ولا أرعاه وهو قريب وإنما سهل عليه كل هذا حرصه على ما كان ممنوعاً منه وذلك أنه كان مبغضاً إلى النساء جداً. مفروكاً ممن ملك عصبتها لأسباب كثيرة ذكرت. وكل من حرص على نيل شيء فمنع منه فعلاً. ادعاه قولاً. وله أشباه فيما أتاه. يدعون ما ادعاه. إفكاً وزوراً وكذباً وفجوراً. منهم الفرزدق وهو القائل: هما دلياني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره فهذا أول كذبة ولو قال من ثلثين قامة لكان كاذباً لتقاصر الارشية عن ذلك وقد قرعه جرير في قوله تدليت تزني من ثمانين قامة ... وقصرت عن باع العلى والمكارم وكان مغرماً بالزنا مدعياً فيه. منها ما شهر به من النميمة بمن ساعده. والادعاء على من باعده. منها دمامته ومنها اشتهاره. والمشهور يصل إلى شهوة يتبعها ريبة. فكان يكثر في شعره من ادعاء الزنا. واستدعاء النساء وهن أغلظ عليه من كبد بعير. وأبغض فيه وأهجى

стр. 4372

له من جرير. وخذ أطرف هؤلاء الأجناس. وهو سحيم عبد بني الحسحاس. أسيود في شمله. دنسة قملة. لا يواكله الغرثان. ولا يصاليه الصرد العريان. وهو مع ذلك يقول: وأقبلن من أقصى البيوت يعدنني ... نواهد لا يعرفن خلقاً سوائيا يعدن مريضاً هن هيجن ما به ... ألا إنما بعض العزائد دائيا توسدني كفاً وتحتو بمعصمٍ ... عليَّ وترمي رجلها من ورائيا فأنت تسمع هذه الأسود الشن وادعاءه. وتعلم لو أن الله أخلى الأرض. فلم يبق رجلاً في الطول ولا في العرض. لم يكن هذا الزنمة الزلمة عند أدراك السودان إلا كبعرة بعير. في معر عير. والممنوع من الشيء حريص عليه. مدع فيه. والمدع بما يهواه. كاتم له مستغن ببلوغ مناه. ودليل على ذلك أن المرقش الأكبر كان من أجمل الرجال وكانت للنساء فيه رغبة. وشدة محبة. وكان كثير الاجتماع بهن. والوصول إليهن وله في ذلك أخبار مروية ولم يكن في أشعاره صفة شيء من ذلك. فحسبك بذلك صحة على ما قلناه. فان قال قائل إنما وصفت عن امرئ القيس عيوباً من خلقه لا في شعره قلنا هل أراد بما وصف في شعره إلا الفخر. فإن قال لم يرد ذلك وإنما أراد إظهار عيبه قلنا ما أحمق الناس إذاً هو. وإن قال نعم الفخر قلنا فقد نطق شعره بقدر ما أراد وترجم وترجم عنه قريضة بأقبح الأوصاف فأي خلل من خلال الشعر أشد من الانعكاس والتناقض. وكل ما يخزي من الشعر فهو من أشد عيوبه قال ومن كلام امرئ القيس المخلخل الأركان. الضعيف الأسمكان. المتزلزل البنيان. قوله: أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في أثرهم منحدر وشاقذ بين الخليط الشطر ... وممن أقام من الحي هر وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر فانت تسمع هذا الكلام الذي لا يتناسب. ولا يتواصل ولا يتقارب ولا يحصل منه معنىً ولا فائدة سوى أن السامع يدري أنه يذكر فرقة من أحباب لكن ذلك عن ترجمة معجمه. مضطربة منقلبة. سأل عن الخيام أمرخ هي أم عشر وليست الخيام مرخاً: تراه إذا ما جئته متبهللاً ... كأنت تعطيه الذي أنت سائله مدح بها شريفاً أي شريف فجعل سروره بقاصده كسروره بمن يدفع شيئاً من عرض الدنيا

стр. 4373

إليه وليس من صفات النفوس العارفة السامية والهمم الشريفة العالية إظهار السرور إلى أن تهلل وجوههم وتسر نفوسهم بهبة الواهب ولا شدة الابتهاج بعطية المعطي بل ذلك عندهم سقوط همة وصغر نفس وكثير من ذوي النفوس النفيسة والأخلاق الرئيسة لا يظهر السرور متى رزق مالاً عفواً بلا منة منيل ولا يد معط مستطيل لأنه عند نفسه أكبر منه ولان قدر المال يقصر عنه فكيف أن يمدح ملك كبير كثير القدر عظيم الفخر بأنه يتهلل وجهه ويمتلئ سروراً قلبه إذا أعطى سائله مالاً وهذا نقض البناء ومحض الهجاء والفضلاء يفخرون بضد هذا قال بعضهم: ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جزع من صرفه المتقلب وإنما غر زهيراً وغر المستحسن بيته هذا ما جبلوا عليه من العطاء وما جرت به عاداتهم من الرغبة في الهبات والاستجداء وليس كل الهمم تستحسن ذلك ولا كل الطباع تسلك هذه المسالك. قال أبو الريان: وقال زهير أيضاً يمدح سادة من الناس فذمهم بأنواع الذم وأكثر الناس على استحسان ما قال أظن كلهم كلهم على ذلك وهو قوله: على مكثريهم حق من بعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل فأول ما ذمهم به إخباره أن فيهم مكثرين ومقلين فلو كان مكثروهم كرماء لبذلوا لمقليهم الأموال حتى يستووا في الحال ويشبهوا في الكرم والحال الذين قال فيهم حسان: الملحقين فقيرهم بغنيهم ... والمشفقين على اليتيم المرمل المرمل القليل المال وأرمل الرجل إذا قل زاده وكما قال غيره: الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي وكما قال الخرنق: الخالطين لجينهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر فهذا كله وأبيك غاية المدح النقي من القدح ثم استمع ما في هذا البيت سوى هذا من الخلل والزلل قال: على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل ففي هذا القسم الأول عيوب على المكثرين. منها أنهم ضيعوا القريب كما قدمنا ودعوا حق

стр. 4374

الغريب وصلة الرحم أولى ما بدئ به ومن مكارم العرب حميتها لذوي أنسابها وذبها عن أحسابها والأقرب فالأقرب وما فضل عن ذلك فللأبعد ثم أخبر أن المكثرين ليس يسمحون بأكثر من الاستحقاق بقوله: على مكثريهم حق من يعتريهم ومن أعطى الحق إنما أنصف ولم يتفضل بما وراء الإنصاف والزيادة على الإنصاف أمدح ثم أخبر في البيت أن المقلين على قدر قصور أيديهم أكرم طباعاً من مكثريهم على قدرهم في قوله: وعند المقلين السماحة والبذل والبذل مع الإقلال مدح عظيم وإيثار والسماحة إعطاءُ غير اللازم فمدح بشعره هذا من لا يحظى منه بطائل. وذم الذين يرجو منهم جزيل النائل وهذا غاية الغلط في الاختيار وفي ترتيب الأشعار ولزهير غير هذا من السقطات لولا كلفة الاستقصاء هذا على اشتهاره بأنه أمدح الشعراء. وأجزل الوافدين على الأشراف والأمراء وسيتعامى المتعصب له عن وضوح هذا البيان وسينكر جميع هذا البرهان ويجعل التفتيش عن غوامض الخطأ والصواب استقصاء وظلماً ومطالبة وهضماً وزعم أن جميع الشعر لو طلب هذه المطالة لبطل صحيحه وانعجم فصيحه والباطل الذي زعم والمحال الذي به تكلم فالسليم سليم والكليم كليم وإنما سمع المسكين أن أملح الشعر ما قلت عباراته. خاصة مثل قانون الجمعيات وقانون الجماعات. وقانون التجارة وكتاب الشركات من قانون المجلة. نعم كل القوانين تبحث هما يتولد من الاجتماع والاتحاد لأن موضوعها كناية عن المعاملات وهذه لا تكون بين فرد واحد مطلقاً بل على الأقل بين شخصين. إذاً يمكن تقسيم القوانين التي تبحث عن الاجتماعات إلى قسمين الأول ما يبحث عن المعاملات المعتادة والمتكررة مثل قانون مجلة الأحكام العدلية ومنها ما يبحث عن اجتماع قسم خاص من الخلق ولكنه أيضاً كالأول معتاد مثل قانون التجارة البري والبحري وقلما يتولد من هذا القسم ما يكدر الراحة العامة ولذلك لا تجد لموظفي الإدارة الملكية به علاقة مباشرة أما القسم الثاني فهو يبحث عن الاجتماعات التي لا تكون معتادة ومتكررة وقد يمكن

стр. 4375

أن تكون في بعض الأحايين من الأمور العظيمة والمخلة بالأمن العام مثل الاجتماعات التي تقع لأجل الاحتجاج على عمل من أعمال الحكومة. ولهذا وضع قانون الاجتماعات دفعاً لكل محظور. ثم هناك اجتماعات منظمة ومتكررة لاستحصال أمر مقرر عند المجتمعين ولما كان من الممكن أن يكون هذا الاجتماع مغايراً لسياسة الحكومة ربطته أيضاً بقانون وسمته قانون الجمعيات. وهو غير قانون الاجتماع. أعتقد اعتقاداً جازماً بأن هذا التذبذب الإداري المشهود الآن ناشئ عن أمرين الأول عدم حصول ملكة الإدارة عند رجال الإدارة والثاني جهل الشعب حقوقه وواجباته. وبعد فإن القانون عبارة عن مجموعة عادات راسخة في الذهان ولذلك لا تقبل الحكومات الاعتذار بجهله ولكن ذلك فيما إذا كان هذا القانون مجموعة عادات الأمة المكلفة بتطبيقه لا مجموعة عادات أمة أخرى لا تستطيع أن تفهمه فضلاً عن تطبيقه. ولو فرضنا الشعب شخصاً وأردنا إلباسه لباس شخص آخر لما أمكنه اكتساؤه ولظهر لأول وهلة بشاعة هذا اللباس المادي. وهكذا القوانين التي لا توافق مزاج الأمة فمن فقدان ملكة الإدارة وإشباع الذهن بوجوب التفرنج ونفرة الأمة من هذا الحال وجهلها القانون تظهر شرارة الاختلاف وحينئذٍ ينسى الموظف الخدمة العامة ويصبح آلة انتقام لمن يعاكسه والأمة أيضاً تقابله وهناك ما هناك والعياذ بالله. فلإزالة هذه الحال أرى الحاجة ماسة كل المساس لترجمة القوانين العربية حتى تكون أمتنا عارفة حقوقها مراعية واجباتها. ولما كانت الترجمة وحدها لا تكفي بالنظر لأن القوانين تكون مختصرة على الأغلب ومبنية على نظريات العلماء ومستندة على القوانين الأخرى ارتأيت أن أشرح ما أظنه محتاجاً للشرح، أقدمه لقراء المقتبس الشهر بعد الشهر. المادة الأولى: الجمعية هي كناية عن أشخاص عديدين وحدوا معلوماتهم ومساعيهم لوقت غير محدود لاستحصال مقصد معلوم غير مقاسمة الأرباح. إيضاح - لو كان القصد من توحيد المساعي استحصال الربح لقيل للمجتمعين وقتئذٍ شركة عوضاً عن جمعية. ثم معنى (لوقت غير محدود) كما هو مذكور في ضمن المادة وهو لفريق الجمعية عن الاجتماع. لأن هذا يحصل بغتة ويزول سريعاً. سواء كان مرتباً أو غير مرتب أما الجمعية

стр. 4376

فهي اتفاق أشخاص عديدين بصورة الترتيب ولوقت غير محدود لاستحصال أمر معلوم. وقصارى القول أن الاجتماع يقع لأمر وقتي مثل الاحتجاج على عمل ما أو إلقاء محاضرة وينتهي عند انتهاء الاحتجاج أو إتمام إلقاء المحاضرة. ويكون مرة واحدة. أما الجمعية فاجتماعاتها تدوم وتتكرر. وقد مر في المتن كلمة (أشخاص عديدين) بدون تعيين العدد المطلوب. وهذه مسألة مهمة. والأغرب أن القانون ساكت عنها كل السكوت. والغالب أنه تركها لاجتهاد مأموري الإدارة. فلذلك نتحرى أقوال علماء أصول الإدارة الملكية والأوامر التي تصدر من مراجعها ودلالة القوانين الأخرى. يقول بعضهم أن اجتماع ثلاثة أشخاص بدون إعلام الحكومة ممنوع وبعضهم يقول يجب أن يكون العدد تسعة وبعضهم يقول أحد عشر والكل متفق على أن الحد الأعظم هو العشرون. وبعضهم يقول أن الحرس يتألف غالباً من شرطي وثلاثة أنفار درك وهؤلاء لا يقدرون على تفريق أكثر من ستة عشر شخصاً بالصورة الجبرية فلذلك يجب أن الحد الأعظم المسموح قانوناً ستة عشر وما زاد فهو ممنوع ومجلبة للجزاء. أما الأوامر فهي ضيقة جداً لأنها تعين حد الممنوع باجتماع عشرة أشخاص حتى أن الورقة المختومة بأحد عشر ختماً ترد ولا تقبل. وأما دلالة القوانين الحاضرة فتدل على أن حد الاجتماع ثلاثة أشخاص. وهذه المادة الأولى من قانون تعطيل الأشغال تقول إذا حصل اختلاف بين العملة وصاحب المشروع المالي فينتخب العملة من بينهم ثلاثة أشخاص للوكالة عنهم كلهم. وهذا يدل على أنه لو انتخب العملة أكثر من ذلك لما جاز اجتماعهم استناداً على المادة السادسة من قانون الجمعيات. والمادة الثالثة من قانون الجماعات. وهناك دلالة أخرى أيضاً وهي كذلك مستفادة من قانون تعطيل الأشغال وصراحة مادته الثالثة وهي: ما دام العملة ينتخبون ثلاثة وكلاء وصاحب العمل ينتخب ثلاثة من قبلة ونظارة النافعة تعين واحداً لرئاستهم إذاً يستنتج بأن عدد الاجتماع هو سبة أشخاص. ويا ليت واضع القانون عين هذا العدد وأراحنا من هذه الظنون. وسد لنا باب هذا الاختلاف الذي ربما قامت القيامة بولابه جمعاء منن أجله. كما نرى بأن الاختلافات تنشأ

стр. 4377

من أقل الأمور تفاهة ثم تنمو وتكبر. سألت مرة متصرفاً عالماً ومدققاً اسمه جمال بك عن قصد واضع القانون من هذا السكوت وترك هذا الأمر المبهم مبهماً فقال لي إن القصد من ذلك هو افتراض واضع القانون بأن مأموري الإدارة أذكياء بعيدو النظر سريعو الانتقال ولذلك لم يرد تقييدهم بل ترك الأمر لفراستهم وهل تستطيع أن تنكر عليّ بأنه قد يمكن أن يتولد من اجتماع ثلاثة أشخاص من أرباب النفوذ المزورين الذين لا يخجلون وديدنهم ظلم الفقير وتلويث سمعة الشريف أضرار أكثر من اجتماع ثلاثمائة شخص آخرين ولهذا السبب ترك واضع القانون هذا الأمر بدون تحديد حتى يتسنى لمأمور الإدارة الضرب على أمثال هؤلاء الشياطين. المادة الثانية: ليس تأليف الجمعيات متوقفاً على استحصال رخصة من الحكومة إلا أنه يجب إخبار الحكومة عقب تأسيس الجمعية وفاً للمادة السادسة. أيضاً - ليس في هذا الكون شيء بلا مبدئ ومنتهى مطلقاً وهذا المبدأ والغاية يسمى حداً لما بينهما. نعم للأفراد الحرية بتأليف الجمعيات إلا أن لهذه الحرية حداً وهو عدم الاتفاق على شيء يخل بالراحة العامة أو ما يعاكس سياسة الحكومة وإدارتها. فلهذا يجب إخبار الحكومة عقب تأسيس الجمعية بتأليفها كما سيأتي في المادة السادسة من هذا القانون. مر في المتن أنه يجب إخبار الحكومة عقب تأسيس الجمعية على كل حال ولكن القانون لم يعين هذه المدة أيضاً بل تركها لاجتهاد مأموري الإدارة وأما العلماء فيعينون لهذا الإخبار مدة أسبوع. وبعضهم مدة أربع وعشرين ساعة. وبعضهم قال بوجوب الإخبار حين افتراق الأعضاء وختام المذاكرة وهذا هو الصحيح دفعاً لكل طارئ وهو أقرب لمآل هذا القانون وأنفع لمؤسسي الجمعية. لأن المادة السادسة من قانون الجمعيات تقول أنه يجب إخبار موظفي الإدارة الملكية بمجرد التأسيس لها ثم سرعة الإخبار أوفق لمصلحة المؤسسين للجمعية إذ لو فرضنا بأن الجمعية تألفت يوم الجمعة وأعطي القرار بالإخبار عنها يوم الأحد واستدل البوليس عل وجودها يوم السبت لجاز له منعها وجوزي المؤسسون بالجزاء المدرج في المادة الثانية عشرة من هذا القانون استناداً على دلالة المادة السادسة. مر بالمتن أن تأليف الجمعية لا يتوقف على أخذ رخصة الخ ومعنى هذا أن مأموري الإدارة الملكية مضطرون أن يرخصوا بتأليف أي جمعية كانت خلا ما هو مذكور في المادة

стр. 4378

الثالثة والرابعة والخامسة. إذاً هذا الإخبار المطلوب بمقتضى المادة السادسة لا يتضمن الاستئذان بل لأجل التنبيه فقط. وبمجرد الإخبار يعطى للمخبر علم وخبر بموجب المادة المذكورة وهذا إجباري. وهذا يتضمن الاعتراف بوجود الجمعية ولا يسوغا لمأموري الإدارة التعلل بإعطاء هذا العلم والخبر. المادة الثالثة: ممنوع تأليف الجمعيات التي تكون مبنية على أساس غير مشروع مغايرة لأحكام القوانين الموضوعة وللآداب العامة أو مؤسسة على أساس الإخلال بحدود الدولة الملكية أو تغيير شكل الإدارة الحاضرة أو تفريق العناصر العثمانية سياسياً وتحتوي هذه المادة على قيود ستة وإليك تشريحها: إيضاح - منع القانون تأسيس الجمعيات القائمة على أسس ستة. وأباح جميع مقاصد الجمعيات التي هي غير داخلة ضمن هذه الستة أنواع. أولاً - مغايرة أحكام القوانين: الأرض التي لا تزرع ثلاث سنين تعد محلولة وتؤخذ من المتصرف بهاما لم يدفع بدل المثل فإن دفع فبها وإن لم يدفع فتباع بالمزاد من غيره بموجب المادة الثامنة والستين من قانون الأراضي. فلو أراد أناس تأليف جمعية لأجل منع هذا الحكم القانوني فلا يسوغ لهم تأليف جمعية لهذا المقصد. وحينئذٍ لا يأخذون علماً وخبراً من مأمور الإدارة الملكية وإن أسسوا فتمنع وفقاً للمادة الثانية عشرة من قانون الجمعيات. ثانياً - مخالفة الآداب العامة: لا يعطى علم وخبر بموجب المادة السادسة لمؤسسي جمعية تود ترويج عادة جلوس النساء في محال القهوة. لأن آدابنا الإسلامية لا تسمح بذلك. ثالثاً - العبث بحدود الدولة: هذا شيء مفهوم وغني عن الإيضاح. رابعاً - الإخلال بالأمن العام ولو بالواسطة: الطلاق عندنا شرعاً جائز فلو فرضنا أنه تألفت جمعية لمنعه لاقتضى منعها لأن مثل هذه الأعمال تؤدي إلى كسر خاطر المسلمين وبالنتيجة ربما تؤدي لما لا تحمد عقباه. فإذا أدى تأليف الجمعية والحالة هذه لإخلال الأمن العام مباشرة أو بالواسطة فهو بالحكم سيان في نظر مأموري الإدارة. خامساً - تغيير شكل الحكومة الحاضرة: وهذا أيضاً ممنوع لأنه ليس من خصائص الجمعيات بل من خصائص المجلسين. سادساً - تفريق العناصر: وهذا أيضاً ممنوع وغني عن التشريح.

стр. 4379

المادة الرابعة: ممنوع تأليف الجمعيات السياسية على أساس القومية والمعنونة بعنوان الجنسية. إيضاح - الكلام هنا من شأن المبعوثين ولذلك أمرُّ به بدون أن أنظر فيه. المادة الخامسة: يجب أن لا تكون سن من يود الالتحاق بإحدى الجمعيات أقل من عشرين عاماً وأن لا يكون محكوماً عليه أو محروماً من الحقوق المدنية. إيضاح - هذه المادة تبحث في شروط من يود أن يكون عضواً لإحدى الجمعيات وهي ثلاثة: الشرط الثاني - أن لا يكون محكوماً عليه بجناية والقصد من هذا الشرط الترهيب منن الأفعال الجنائية لأن القوانين هي كناية عن ناظم للأخلاق والجناية هي الحبس في الكورك مؤقتاً أو مؤبداً والحبس في إحدى القلاع والنفي المؤبد والحرمان من المأموريات والسقوط من الحقوق المدنية. الشرط الثالث - أيضاً وضعت للقصد السالف الذكر والحقوق المدنية كناية عن (١) الحرمان من الاستخدام في الحكومة. (٢) أن يكون محروماً من الحقوق البلدية مثل عدم استخدامه بأمر رسمي في بلده أو عد ملته عند أبناء صنعته. (٣) أن لا يكون معلماً. (٤) أن لا يستخدم في تحقيق أمر من الأمور. (٥) أن لا تقبل له شهادة. (٦) أن لا يكون وصياً. (٧) أن لا يحمل السلاح. وهذا بموجب المادة الثالثة والحادية والثلاثين من قانون الجزاء. الشرط الأول - هذا داري خوفاً من أن تكون الجمعيات مجمع أولاد. المادة السادسة: تأليف جمعيات خفية ممنوع منعاً باتاً. وعند تأسيس جمعية من نوعها يجب في الحال إعطاء بيان لناظر الداخلية في فروق ولأكبر مأمور ملكي خارجها محتوياً على عنوان الجمعية ومقصدها وعلى مركز إدارتها واسم الكلفين بإدارتها ومهنهم وشهرتهم ومحال إقامتهم ويجب أن يكون هذا البيان مختوماً وممضياً. وحينئذٍ يعطى علم وخبر بمقابل هذا البيان. ولا بد من ربط نسختين مختومتين بختم الجمعية الرسمي لهذا البيان ثم بعد أخذ العلم والخبر يعلن مؤسسو الجمعية وجودها ويجب على الجمعيات إخبار الحكومة عن التعديلات التي يجرونها بنظامها الأساسي أو فيما يتعلق ببيئة إدارتها أم محل إقامتها

стр. 4380

وإما حكم التبديلات والتعديلات تجاه شخص ثالث فهو يعتبر من يوم الإخبار بهذه التبديلات والتعديلات للحكومة ويجب قيد هذه التعديلات والتبديلات في سجل خاص لإبرازه عند كل طلب يقع من مأموري العدلية والملكية. إيضاح - الجمعية الخفية هي التي ليس معها علم وخبر من مأمور الإدارة سواء كان في الأستانة أو في الولايات لأن القسطنطينية أيضاً أصبحت اليوم ولاية كسائر الولايات ولها والٍ يقوم مقام ناظر الداخلية. يجب أن يحتوي البيان أولاً على عنوان الجمعية لنفوذ حكم المادة الرابعة. وثانياً على مقصدها وهذا لأجل مراعاة المادة الثالثة. وثالثاً على مركز إدارتها وهذا لأجل التفتيش وفقاً لحكم المادة الثامنة عشرة. ورابعاً عل اسم الأعضاء وصنعتهم ومحل إقامتهم وهذا أيضاً لمراقبة أحوالهم ولتنفيذ أحكام المادة السادسة والثانية أي مراقبة الحكومة لكل ما يجري بداخل المملكة. وخامساً على نسختين من نظامها الأساسي لتبقى واحدة عند مأمور الإدارة والأخرى عند مأموري الشرطة. والعلم والخبر لأجل دفع الشبهة بأنها جمعية خفية. المادة السابعة - يجب أن يكون لكل جمعية هيئة إدارة مؤلفة من شخصين على الأقل وإذا كان لها شعب ينبغي أن تكون لها هيئة إدارة في مركز كل واحدة منها. ثم يقتضي مسك دفتر عند كل هيئة لأجل قيد: (١) هوية أعضاء الجمعية وتاريخ دخولهم إليها. (٢) مقررات هيئة الإدارة ومفاوضاتهم وتبليغاتهم. (٣) وقيد واردات الجمعية ونفقاتها بحسب الأفراد. ويقتضي إبراز هذا الدفتر لمأمور العدلية والملكية عند كل طلب. المادة الثامنة: للجمعية التي تتألف وفقاً للمادة السادسة الحضور للمحاكم بصفة مدعي ومدعى عليه بالواسطة راجع المادة التاسعة وأما واردات الجمعيات فهي بقطع النظر عما تمدها به الحكومة أولاً كناية عن الحصة النقدية التي يدفعها الأعضاء المشروط عدم تجاوزها الأربعة والعشرين ليرة سنوياً. ثانياً المحل الخاص بإدارة الجمعية واجتماع أعضائها. ثالثاً بمقدار ما يلزمها من الأموال غير المنقولة لأجل مقصدها وعملها هذا يجب أن يكون وفقاً للنظامات الخاصة بمثل هذه المسائل وممنوع عمل الجمعيات بالأموال غير المنقولة عدا ما ذكر. إيضاح - كل حرف من هذه المادة مبني على قصد إداري وسياسي بعيد بآن واحد ولا
следующие страницы →