Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
في جميع بلاد الحضارة اليوم تنشأ جمعيات ومنتديات ومتاحف للبقاء على الجمال وإنهاضه من كبوته في المحال التي لا أثر له فيها فمن جمعيات لوقاية المناظر الجميلة القديمة وإبقاء رونق المدن والقرى والدساكر على حالها ومن جمعيات لإبعاد البشاعة عن مناظر المدن والإهابة بها إلى الجمال ومن أخرى لتنشيط الهندسة والنقش وغيرها لتجويد لعب الأولاد حتى تتربى فيهم ملكة الجمال والشعور به وفي إنكلترا وفرنسا تنشأ مدن كالحدائق بتربيتها ومن معارض تقام للصناعات النفسية ومن جمعيات لتنشيط زواج جميلات الصورة من النساء بجميليها من الرجال ليكون الجمال والكمال في أولادهم صنوين ومن جمعيات تعني بتحسين الجنس البشري ففي باريز جمعية تسعى إلى نقض عهود الزواج التي يكون منها أولاد ناقصون في خلقهم موهون في تراكيبهم وهكذا يدعون إلى الجمال ويعلمونه ناشئهم فأي عملاً لنا في الشرق مثل لك.
أدبيات يابان
كتب أحد الباحثين من الإنكليز أن المرأة اليابانية كانت ممتازة بقريحتها الأدبية منذ عهد بعيد فكانت منذ القرن الثامن مشهورة بمعرفتها معنى الحياة وسهولة التعبير بلغة أدبية مختارة ولكن لم يكن يتفق وجود النساء الكاتبات ولا يتفق وجودهن إلا في قصور الملوك ثم جاء دور هيان (٨٠٠ - ١١٨٦) فكان العصر الذهبي للمرأة اليابانية وقد ارتقى تسع نساء إلى عرش الملك فامتزن بحكومة عاقلة متسامحة فكان بلاط الملك معهداً يتعلم فيه النساء ويتهذبن والظاهر أن أحسن التآليف الأدبية التي نشرت في ذاك القرن قد خطتها أنامل النساء ثم أتى دوريدو فاضمحلت دولة الآداب وكذلك الحال من سنة ١٦٠٨ - ١٨٦٧ فقد أطفأت في خلالها حياة المرأة العقلية. وظهرت المرأة اليابانية من سباتها إلى منذ أربعين سنة ونهضت للتعلم نهضة الشمير الخبير ففي سنة ١٨٧١ بدأ النهضة النسائية بذهاب الفتيات اليابانيات يتعلمن في أميركا فنشأت عن ذلك حركة مهمة بحيث بلغ عدد الطالبات اليوم ٣٢ ألفاً ومعظمهن يدرسن الآداب. وفي يابان عدد كبير من الجرائد والمجلات يشارك النساء في تحريرها كل المشاركة ولهن مجلة سمينها مجلة القرن العشرين جعلنها لسان الحزب الراقي من النساء يطالبن فيها لبنات حواء بالحرية وحق الانتخاب. وزعمية أديبات يابان اليوم البارونة ناكاجيما وهي كاتبة سياسية معتبرة.
стр. 4412
النصرانية والوثنية
حكمت يابان على رجل اسمه كوتوكو بدعوى أنه من الفوضويين فقام أنصار الحرية وقعدوا قائلين أن لبعض رجال الدين يداً في مقتله كما كان لهم في مقتل فرير المصلح الأسباني. قالت المجلة الباريزية: ليس كوتوكو كما صورة خصومه بل هو كاتب وأخلاقي وكتابه الأخير الذي سماه نسخ المسيح قد أحدث رنة كبرى بين الطبقة المستنيرة في يابان وكان المؤلف عدواً للنصرانية يجاهرها العداء ولذلك عاداه المرسلون من جميع الطوائف. وهو من تلامذة المصلح الياباني ناكاشومن وتأليفه الأخير في نفي مجيء المسيح ذهب فيه مذهب الأستاذ دروس ولم يعمد إلى القذف في كتابه بل جعله سفر علم وبحث واستنتج فيه أن المسيح ﵊ لم يثبت ظهوره في التاريخ وحث مواطنيه أن لا يتخلوا عن دين بوذا وكنفوشيوس ليدينوا بمذهب أسس على الوهم والوثنية (كذا).
مميزات المجانين
عُني اثنان من الأطباء بالمقابلة بين المجانين من الرجال والنساء وبين العقلاء من الجنسين فثبت لهما بعد أن نظرا في ستمائة شخص أن طول المجانين قصير في الأغلب وكذلك النصف الأعلى منهم بخلاف أعضاء النصف الأسفل فإنها عادية ففي مئة رجل عاقل وجدوا أن الرجلين كبيرتان ٥١ مرة وصغيرتين ١٨ مرة بخلاف أرجل المجانين فإن في ٥٥ رجلاً كبيرة ٢٤ رجلاً صغيرة وبالعكس في المرأة ففي مثل امرأة عادية ٥٢ ذات أرجل صغيرة و ٢٣ ذات أرجل كبيرة وفي مئة معتوهة ٥٤ كبيرات الأرجل و ١٨ صغيراتها ورؤوس الرجال العاقلين أقل طولاً في الأكثر منها في المجانين والمرأة العاقلة تمتاز على الجملة بطول الرأس بخلاف المعتوهة فإنها صغيرته مستطيلته ومعظم رؤوس الرجال العاقلين قليلة العرض بخلاف المجانين عريضوها أما النساء العاقلات فميتزن إجمالاً بعرض الرأس المتوسط أو بكبره والمعتوهات بصغر عرض الرأس. والمعتوهون والمعتوهات كبار الآذان.
التمثيل بباريز
بلغت مداخيل دور التمثيل في باريز سنة ١٩١٠ ٥٧ مليون فرنك أي بزيادة عشرة ملايين عن السنة التي قبلها وكانت الزيادة أولاً للأوبرا ثم للأوبرا كوميك ثم للكوميديا الفرنسوية ثم
стр. 4413
للأوديون ثم لغيرها من دور المثيل المدهشة المتقنة.
العاملون في الأمم
نشرة وزارة العملة الإنكليزية إحصاءً بالعملة في جميع البلاد المتمدنة فكان عدد العاملين في النمسا ٥١ ونصف في المائة وعددهم في فرنسا ٥١ وربع في كل مئة و ٥٠ في إيطاليا و ٤٦ في البلجيك و ٤٤ في ألمانيا و ٤٥ في إنكلترا و ٣٥ في الولايات المتحدة.
الجلد الصناعي
اخترع منذ سنين أحد المخترعين جلداً صناعياً وثبت الآن غناؤه في مسابقة اللجنة الزراعية في مدينة ترني من إيطاليا ونال مخترعه الجائزة وهذا الجلد عبارة عن غمس قماش من القطن بمواد دهنية زلالية دابغة والأحذية التي تصنع به تقاوم كالجلد الطبيعي ولها مرونته وطول صبره والحذاء المعمول من هذا الجلد الصناعي يكلف مع أجرته أربعة فرنكات ويباع بستة عند التجار وهو نافع للفقراء والعملة خاصة
صرعى الحروب
ذكر بعضهم أن لحكومات تقل في العادة معلوماتها عن الحروب ونتائجها المدهشة وهكذا لا يعرف إلا القليل من كثير ممن فقدتهم فرنسا في الثورة الأولى وتأسيس حكومة نابليون فقد كانت جنود نابليون أوربا فاجتازت ألمانيا وبولونيا وهولاندة وأسبانيا وسويسرا والبرتغال وإيطاليا وكرواسيا ودلماسيا وترك في ساحة الوغى مئات الألوف من الأشلاء فهلك من الفرنسيس في حرب أسبانيا التي دامت خمس سنين ٤٧٣ ألفاً وفي حرب روسيا ٣٨٠ ألفاً ولا يعلم بالتحقيق عدد من هلك في معركة واترلو ومن المحقق أن الجيش العامل كان مليوناً وثلاثمائة ألف من الفرنسيس هلك معظمه. كل هذا ونابليون لا يهتم بمن يهلك حتى قال له مترنيخ السياسي النمساوي ذات يوم: ماذا تعملون متى هلك هؤلاء الشبان؟ فأجابه نابليون: لا أدفع فلساً لأجل حياة مليون من البشر. وقال نابليون لناربون أحد قواد فرنسا. إن حملة روسيا قد استلبت من رجالي ثلاثمائة ألف رجل هذا خلا من قتل من الألمان. قال من ننقل عنه أن فكرة الفتوح - بقطع النظر عن الحروب المدنية والدينية وحروب الاستقلال - كان زمناً طويلاً العامل الوحيد في الحملات العسكرية وقد نسي الناس في الغالب ما صحبها من الفظائع التي لا نفع فيها ولا محيص منها ولم تعلن للجمهور مخافة
стр. 4414
أن يسقط تأثير الحكومات فيهم. وقد قالوا أن التاريخ يعيد نفسه وأنا أرى أن التاريخ لم يعرف على حقيقته حتى يردد ونشره بين الناس جلياً مسلسلاً بالروايات الأكيدة أعظم نافخ في بوق السلام بين الأنام.
قلنا أما نحن فلا نعلم بأي وجه يغالي بعضهم في تكبير نابليون في العيون بأعماله وهو الذي قتل من قتل من البشر وكلف قومه لا أقل من ثلاثة ملايين من الرجال الأقوياء ومثلهم من سائر الأمم أو أكثر ولكن أنصار الملكية في فرنسا وفي مقدمتهم رجال الدين يموهون على العقول لينفروا الناس من حكم أنفسهم بأنفسهم وتكون لهم السيطرة على الإرادات والنفوس.
مجلة فريدة
بدا لجلٍ كاتب ومصور من أهل قرية في جوار سبرنجفيلد من أعمال ولاية ايلينوا في الولايات المتحدة أن ينشئ لأهل قريته مجلة خاصة بهم فريدة في أسلوبها ورسومها وشعرها ونثرها وكلها مما خطته براعته وريشته فأصدر منها عدداً واحداً وطبع منه سبعمائة نسخة بقدر عدد سكان القرية يريد بها أن يعلم أولئك الفلاحين ذوق الفنون والآداب ومن جملتها الشعر. يعلمهم به ويهذبهم وقد كانت الصور التي صورها في هذا العدد كأنها ناطقة تتكلم وتعلم مشفوعة بقصص تشرح مكانتها فمنها ما يمثل صورة شيطان الرذيلة خضع لسلطان المرأة المريبة ولطفها الساحر. ومن الصور التي صورها صورة قارب جذبه التيار في عرض البحر فمزق قلوعه وتلاعبت به الأمواج والرياح من كل جانب يشير به إلى قرية تتقاذفها الأهواء من فساد أخلاق وشرب مسكر وغير ذلك من الموبقات وهناك رسوم احتفالات ومواكب نشر الشعب أعلامها وقد كتبوا عليها مواعظ ونصائح في عمل الخير وحفظ الصحة وحسن التدبير وقد زاد المجلة رونقاً شعر صاحبها الذي ينبه الشعور ورأى أن نشر مثل هذه الصحيفة أفيد لبني قومه من موعظة يسمعونها في أبرشيتهم فيطير صداها في الفضاء.
الاستقلال المادي
نشر أحد رجال المجر كتاباً في حالة المجر الاقتصادية قال فيه أن السبب في ارتقاء هنغريا في مادياتها قلقها الدائم على استقلالها عملاً بقول ذاك الوطني المجري الكبير: إن كل ما
стр. 4415
تسلبنا إياه الشدة يتيسر للزمان المسالم والأحوال الموافقة أن تعيده إلينا ولكن الحقوق التي نتخلى عنها بصنعنا نفقدها إلى الأبد بدون أن نأمن رجعتها.
وعلى هذا شمر المجريون عن ساعد الجد وأعادوا قاحل أرضهم حدائق غلباً وحقولاً ممرعة وتلك المراعي التي يضل فيها الغنم أصبحت الآن تربى قطعاناً من البقر بحيث زاد عددها مليون رأس منذ عشر سنين وإن بلاد المجر كانت وما زالت بلاداً زراعية وستظل كذلك ومن الأرض تستخرج أهم مواد ثروتها على أنها بفضل جد الأفراد والحكومة بلغت في الصناعات شأواً بعيداً يحسدها عليه أرقى الأمم بحيث قدر صناعها بثلثمائة وعشرين ألفاً من أصل عشرين ميلوناً سكان المجر كلهم وقد جاوز محصولها السنوي ملياري فرنك فقدرت الزيادة في ثماني سنين بخمسين في المائة فلله ما يعمل الجد والعلم المادي ولا غرو بعد هذا إذا كان للماديات تأثير قوي في المعنويات.
الصين الجديدة
قلق الأوربيون لنهضة الصين الحديثة فمن قائل أن الخطر منها يوشك أن يتناول الأوربيين قريباً ومن قائل بان العهد ذلك بعيد الآن وقد انتدبت الجمعية الجغرافية في باريز عالماً ثقة ليدرس الحالة في بلاد الصين وعاد فكتب كتاباً في هذا الشأن قال فيه أن الخطر الأصفر ليس قريب الوقوع كما يدعي بعضهم وإن اليوم الذي يقوم الصينيون فيه ويقولون: آسيا للآسياويين بعيد ومتى حان يحيق الخطر بالقرب فالأقرب من الأوربيين (أي الفرنسيس في التونكين) كما وقع ليابان في استيلائها على كوريا ومحاولتها الأخذ بخناق منشوريا قال وإن السواد الأعظم من أبناء السماء ليحافظون على التقاليد القديمة كل المحافظة يقدسون أجدادهم ويكتوبن بخطوط صعبة يستحيل أن تنتشر بواسطتها مدنية وربما كان الإفرنج النازلون في بلاد الصين السبب الأعظم في كره الصينيين للغربيين على نحو ما جرى في ثورة البوكسر سنة ١٩٠٠ فثارت البلاد على الأجانب بدون استثناء وهذه العداوة المتأصلة هناك تجعل في نشوء الصين وما هو يبطئ كما يظن فمنذ سنين قليلة كانت تمتنع الصين من إنشاء سكك حديدية ثم أعطت امتيازات لأناس من الأجانب وعادت فابتاعت منهم ما مدوه من الخطوط لئلا تكون لهم حجة في بلادها ونظامها العسكري حديث العهد وهو سائر سير نجاح وأوربا تحسن صنعاً إذا عاقت ارتقاء الصين في الجندية لا كما تعمل الآن فيقدم
стр. 4416
تجارها لها ما تريد من عدة برية وبحرية من أحسن الأنواع.
أكبر سد
يبنون الآن على نهر المسيسبي بأميركا في شلال الرهبان بين مونترز وكشكوك أعظم سد في العالم يحوي خزاناً تنشأ منه قوه ١٥٠ ألف حصان وطول هذا السد ١٤٠٠ قدم وسعته ٤٣ وعلوه ٣٧ وهو من الحجر ويكون طول الخزان ٥٦ كيلو متراً وسعته الوسطى كيلومترين.
الاكتشافات المقبلة
ذكرت مجلة أدلة الترقي أن أديسون المخترع الأميركاني المشهور مقتنع كل الاقتناع بان حجر الفلاسفة التي شغل كثيراً من المغرمين بالكيمياء القديمة لتحويل المعادن إلى ذهب سيكشف في المستقبل فيستطيع الإنسان أن يسك نقوداً ودنانير على ما يشاء من الحجارة والمعادن وبذلك يختل نظام الحالة المالية في العالم وأنه لا يمضي زمن حتى تخترع أدوات زراعية تتحرك بالكهربائية بقوة خارقة للعادة فتحرث الأرض وستلفها (تشوفها) وتبرها وتقلع حشيشها وتسقيها وتحصدها وتكدسها وتدرسها وأن الفلاح في المستقبل سيكون عالماً بالنبات وطبيعياً وكيمياوياً وتكون أدوات ابن الأرض في الأيام المقبلة عبارة عن سلسلة مفاتيح ومحركات كهربائية.
قال ولا ينتهي القرن إلا ويحل الفولاذ محل الخشب في صنع أثاث البيوت. فقد كان القرن التاسع عصر الورق فإذا انتهى القرن العشرون لا يبقى للورق من أثر ولا يعرف بماذا تصر الصرر إذ ذاك ولا على ماذا تطبع الصحف والمجلات أما الكتب فهو يرى أنها ستطبع على أوراق من معدن النيكل على ثخانة واحد من خمسة من الألف من الميليمتر.
الأسر السويدية
ملك الأسرة في السويد عبارة عن ارض زراعية أو بحديقة ينشأ في جوار القرى لا يتجاوز هذا الملك ١٥ ألف فرنك ويتأتى إحداث هذا الملك بمعاونة الحكومة أو بمعاونة شركات أسست لهذا الغرض فالحكومة تقرض مالاً لمن يريد أن يقتني ملكاً من هذا القبيل بفائدة ٣ في المئة وكسراً وتقرض الشركات بفائدة ٤ في المئة وقد كان لإحدى الشركات إلى آخر سنة ١٩٠٩ - ١٥٥ فرعاً من فروع مصارفها وأعضاؤها ٥٤٩٠ عضواً أقرضت
стр. 4417
٢٢٩٧٣٠٥ كوروناً تعاون الأفراد على الاغتناء وترفع الشقاء عن الفقراء وهذا من أفضل ما سمع به باب التضامن الاجتماعي.
سكر جديد
استخرج سكر جديد من جذع الخيزران الأبيض ويوجد فيه بكثرة وقد سمي فرباسكوس
حبوب السوجا
السوجا نبات يزرع بكثرة في آسيا الشرقية ولا سيما في منشوريا ويحمل إلى أوربا أخضر أو حبوباً أو حلويات وقد بلغ المحمول منه في السنة الأخيرة زهاء مائتي ألف طن ويستعمل اليابانيون هذا النبات في تغذية الحيوان والإنسان. وخبز السوجا يحتوي على مواد مقوية أكثر من خبز الحنطة وأقل مادة نشوية منه وفيه من المواد الدهنية عشرة أضعاف ما في خبز الدقيق وينفع خاصة المصابين بالبول السكري.
نواب الأمم
كندا أقل الأمم نواباً ففي مجلس نوابها ٢١٤ نائباً وللمجلس النيابي العثماني ٢٧٤ نائباً ولليابان ٣٦٩ نائباً للولايات المتحدة ٣٩١ ولألمانيا ٣٦٩ ولأسبانيا ٤٠٦ ولروسيا ٤٤٢ ولإيطاليا ٥٠٨ ولفرنسا ٥٩٤ ولمجلس العموم في إنكلترا ٦٧٠ ولكننا لا ندري أي المجالس النيابية أحسن عملاً.
الجراحة في بابل
اكتشفوا في حفريات حديثة في أرض بابل اكتشافاً له مكانة سامية في تاريخ الاجتماع وهو عبارة عن حجر كتبت عليه كتابة برد تاريخها إلى نيف وأربعة آلاف سنة وفيها ذكر لأجور الجراحين وقد جاء في هذان الأثران أن أجور الأعمال الجراحية كانت معتدلة بالنسبة لهذه الأيام. فكان الجراح يتناول أجرة الساق المكسورة نحو ثمانية فرنكات ونصف وأجرة قلع السن والضرس ٣ فرنكات وثلاثة أرباع وأجرة العملية الجراحية بالمبضع ١٥ فرنكاً. وكانت العقوبات التي تحل بغير الماهرين من الجراحين فاحشة جداً فإذا أساء الجراح القيام بعملية جراحية تقطع يداه.
مكتبة لندرا
стр. 4418
من أفيد الطرق في إعارة الكتب لنشر المعارف ما جرت عليه مكتبة لندرا من إعارة الكتب إلى من يشاء إلى حي يشاء على أن يردها أو لا يردها إذا شاء وفي أي وقت شاء وقد جربت هذه الطريقة منذ قام بإنشاء المكتبة كارلايل الإنكليزي المشهور فأسفرت عن نجاح أكيد بعد سبعين سنة من إنشائها لأنه قلما يضيع لهذه المكتبة كتاب وإذا ضاع فإنها تستعيض عنه في الحال غير آسفة عليه لأن كتبها غير نادرة ولا تجليدها نفيس والذين يفضلون على هذه المكتبة بعض الملوك والأفراد والعلماء المشاهير وقد كان ما لديها من المجلدات سنة ١٨٤٣ - ١٥ ألف مجلد فأصبح الآن مئات الألوف.
أفريقية الجديدة
كتب أحدهم في مجلة الطبيعة أن تغييراً كبيراً طرأ على أفريقية منذ خمس وعشرين سنة وذلك باتصال الخط الحديدي من رأس الرجاء الصالح إلى القاهرة حتى كانكا سنة ١٩١٠ ويرد تاريخ استعمار أفريقية إلى سنة ١٨٧٠ أيام اكتشفت معادن الماس في كمبرلي وقد أنفق الذين اغتنوا منها معظم أموالهم في عمران الترنسفال وردوسيا وتسهيل السبل إلى بلوغ الكونغو البجيكية من جهة الجنوب والدور الثاني من استجار الاستعمار الأفريقي يرد إلى سنة ١٨٨٧ عندما اكتشفت مناجم الذهب في ويتواتر ساند التي هي اليوم أعظم مناجم العالم ولا تنس معادن القصدير والفحم الحجري والحديد في بلاد الترنسفال وامتد الخط الحديدي من الرأس إلى القاهرة فبلغ ردوسيا وكثت بذلك صادرات الذهب منها ومتى وصل الخط إلى كاتانغا سهل استخراج النحاس والمأمول أن تجاري أفريقية بما يستخرج من نحاسها بلاد أميركا كما جارتها بالمستخرج من ذهبها ولكن من الأسف العظيم أنه كله يستخرج لغير أبنائها.
مدرسة الضعفاء
قام جماعة من الجنس اللطيف تحت رئاسة الآنسة روزلا سنة ١٩١٩ في مدينة بوسطون بأميركا وأسسن في إحدى حدائق المدينة حديقة للأطفال المصابين بضعف في القوى كفقر الدم وغيره. ولما رأت إدارة المعارف نجاح المدرسة والفوائد التي تنجم عنها أوعزت إلى اللجنة بأن تربط مدرستها بمدارس الشعب وعينت لها الدكتور هارينكستون مستشارا صحياً في لجنة إدارة المدرسة فهي كناية عن حديقة واسعة بجانبها عدة غرف يلتجئ إليها التلامذة
стр. 4419
إذا تعكر صفاء الجو وفي إحدى تلك الغرف يحضر طعام التلامذة وبرنامج المدرسة اليومي كما يأتي:
الساعةالدقيقة (١) اجتماع التلامذة في المدرسة ٨٤٥إفرنجيةرحلة صغيرة خارج السورمن ٩١٠إفرنجيةإلى ١٠٣٠إفرنجية (٢) أشغال هادئة كالغناء ومحادثات قصص تتعلق بحفظ الصحة وغيرهامن ١٠٣٠إفرنجيةإلى ١١٠٠إفرنجية (٣) ألعاب جسمية كالكرة والعدو والقفزمن ١١٠٠إفرنجيةإلى ١٢٠٠إفرنجية (٤) تمثيل رواياتمن ١٢٠٠إفرنجيةإلى ١٢٣٠إفرنجية (٥) تناول الغداءمن ١٢٣٠إفرنجيةإلى ١٣٠إفرنجية (٦) قيلولةمن ١٣٠إفرنجيةإلى ٣٠٠إفرنجية (٧) رقصمن ٣٠٠إفرنجيةإلى ٣٣٠إفرنجية (٨) ألعاب عقلية مثل ألغازمن ٣٣٠إفرنجيةإلى ٤٠٠إفرنجية (٩) طعام خفيفمن ٤٠٠إفرنجيةإلى ٤١٥إفرنجية (١٠) الانصراف إلى بيوتهممن ٤١٥إفرنجيةوكل أسبوع يستحمون مر ويركبون مرة في سفن في البحر لاستنشاق الهواء والتلامذة صبيان وبنات تختلف سنهم بين السادسة والعاشرة وجلهم من عائلات فقيرات وأما الطعام الذي يتناولونه في المدرسة فمؤلف من الخبز والزبدة والسمك والبيض والبقول والفواكه واللبن وشيء من الحلويات في بعض الأحيان وفي هذه السنة فحص التلامذة ووجدوا أن أجسامهم قويت وعقولهم نمت وشعورهم سما فلا غرابة في ذلك لمن أمعن في البرنامج السالف الذكر لأن المدرسة لم تهمل أجسام التلامذة كما أنه لم تهمل عقولهم وشعورهم. ملخصاً عن جريدة السورفي الأميركية.
تصوير الكتب
اخترع أحد البلجيكيين آلة تصوير يأخذ بها ما يشاء من الكتب والأوراق التي يراد حفظها دون أن تشغل محلاً فسيحاً فهي تنقل الصحيفة إلى جزء من أربعين من حجمها الأصلي وسيكون لهذه الآلة شأن في نقل المخطوطات النادرة.
مستقبل الأولاد
قام في ليفربول في إنكلترا جماعة وأسسوا جمعية غايتها مساعدة الصبيان والبنات بعد خروجهم من المدرسة في الحصول على عمل يضمن لهم مستقبلهم وهي تبذل جهدها لمنع الأولاد من الاستخدام في الأعمال المحدودة التي لا تحتاج لإتعاب فكر كتوزيع البرقية
стр. 4420
والبريدية أو أن يكونوا مستخدمين في إحدى الحوانيت وهي تبحث في ميل الولد فتضعه في محل يوافق ميله.
رقي الصين الصناعي
مما يدل على رقي الصنائع الحديثة في الصين أن حكومتها ستصنع بعد الآن ما تحتاجه من المعدات الحربية كالأسلحة وغيرها في معامل في بلادها.
قوة الماء في سويسرا
من المحقق أن سويسرا تستعمل قوة الماء لتحريك آلات المعامل أكثر من كل البلاد بالنسبة لسعة أرضها فالقسم من البلاد الواقع في جبال الألب يستعمل الآن قوة ١. ٢٠٠. ٠٠٠ حصان وهو يزداد في استعمال هذه القوة سنة عن سنة ففي سنة ١٩٠٨ كان ما أنشأه من الآلات إلى قوة ٤٠٠. ٠٠٠ حصان وأما في سنة ١٩١٠ فقد كان ما أنشأته من الآلات يحتاج إلى قوة ٧٠٠. ٠٠٠ حصان لإدارتها.
العمي والحرف
أُنشئ معرض في مدينة نيويورك تحت رعاية جمعية مساعدة العميان فيها لإظهار ما يمكن أن يقوم به من فقد حاسة النظر من الأعمال النافعة فافتتح المستر تافت رئيس الولايات المتحدة المعرض مع جماعة من أركان البلاد وأعجبوا بما قام به العمي من الأعمال كالضرب على الموسيقى والنجارة وحياكة المكانس والسلل وتنجيد الفرش والكي والكتابة المختزلة والكتابة عل الآلة الطابعة إلى غير ذلك من الصناعات اليدوية. وكان محل إعجاب المتفرجين تمثيل فصل من وراية لصوص مدينة البندقية لشكسبير الشاعر الإنكليزي قام بتمثيلها جماعة من معهد العميان في بنسلفانيا فتقدم عدد من البنات ورقصن برشاقة باهرة وتقدم بعض الصبيان بألعاب رياضية ابتهجت لها قلوب الحاضرين وهم أيضاً فاقدو البصر كإخوانهم. عن جريدة المراقب الأميركية.
محصول الذهب
بلغت قيمة ما استخرج من الذهب في العالم كله سنة ١٩١٠ - ٤٥٠. ٨٣٢. ٠٠٠ ريال أميركي ويقدر محصوله في عشر السنين الأخيرة بثمانية أضعاف ما يستخرج سنة ١٩٠٠.
стр. 4421
المطالبات بحقوقهن
كثير من النساء في لندرا يطلبن المساواة بالرجال في حق الانتخاب وقد أبين أن يعدن أنفسهن في دفتر النفوس إذ يعتبرن أن ليس للحكومة حق في عدهن من سكان البلاد لأنه لا يسمح لهن بحق الانتخاب وحاولن الهرب من وجه مأمور النفوس يوم الإحصاء.
كبر القدم والرياضة
وجد أحد معامل الأحذية في الولايات المتحدة أن معدل قياس أحذية النساء التي اشتغلها في السنة الأخيرة كان ٥. ٥ بينما كان معدل قياس ما صنعه منذ عشر سنين ٤. ٥ وبعد البحث وجد أن سبب الزيادة كان انتشار الألعاب الرياضية بين النساء في تلك البلاد وأن معدل طولهن ووزنهن قد زادا زيادة ظاهرة.
هرباً من الثلوج
ستنشئ إحدى شركات السكك الحديدية في الولايات المتحدة نفقاً تحت جبال السيرانبوادا ويكون طول ذلك النفق ستة أميال يكلف ١. ٠٠٠. ٠٠٠ ريال وذلك هرباً من الثلوج التي تطم الخط فيمتنع القطار عن المسير بضعة أيام وقت الشتاء فعسى أن تعمد شركة حديد بيروت - دمشق إلى احتذاء هذا المثال فتحفر النفق في حمانا بجبل لبنان فقد حالت الثلوج في هذا العام خمسة وأربعين يوماً دون سير القطارات.
стр. 4422
العدد ٦٧ - بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩١١
стр. 4423
البكتيريا
البكتريا والباشول أو الميكروبات كلمات حديثة الوضع للدلالة على الأحياء الصغيرة التي كشفها مؤخراً المجهر المسمى بالميكروسكوب.
وهذه الأحياء ليست حييوينات كما يتبادر إلى الذهن من تسميتها بالأحياء بل نباتات في منتهى الصغر فلا ترى بالعين المجردة لأن معظمها خالٍ من الكلوروفيل أي المادة الخضراء التي تتلون بها النباتات فضلاً عن تناهيها في الصغر حتى لا يمكن لأحد من الناس بصراً أن يرى أكبرها بدون أن يستعين بالآلة المعظمة أو المجهرة وهي الميكروسكوب أو المجهر الذي ظهر إلى عالم الوجود في القرن الماضي. وذلك فالعلماء الذين عاشوا قبل القرن التاسع عشر لم يعلموا شيئاً عن عالم الأحياء هذه التي أصبح درسها الآن علماً قائماً برأسه كثير الفوائد للإنسان والحيوان من قبل الوقاية الصحية والفوائد الزراعية على ما سيجيء في هذه المقالة التي ضمناها زبدة أبحاث العلماء ذوي الاختصاص حتى سنتنا الحاضرة.
صفة البكتيرا وماهيتها وانتشارها: هي أحياء نباتية ذات خلية أو حويصلة واحدة شفافة اللون غالباً، مستديرة أو أسطوانية أو مستطيلة الشكل تبعاً لأنواعها، تنمو بالانقسام الآتي فتمتاز عل غيرها بفقد القوة التناسلية العادية ويخلو جرثومها من النواة. ومعدل قطر حجم جرثومتها الحويصلية نحو جزء من ألف من الميليمتر. والمليمتر جز من ألف من المتر.
وهي قديم العد جداً كما تدل على ذلك آثارها في الأحافير المتحجرة في عصر تكوين الفحم الحجري وما قله. وتود في البرك والأنهر والبحار، وتكثر في المراحيض وكوم الزبل، وفي التراب، وحيث تلقى المواد العضوية فتتعفن، وفي جميع السوائل كالدم واللبن والبيرا والماء على أنواعه، وفي المواد الغذائية الجامدة كاللحم والخضر وغيرهما. وكل مادة من هذا القبيل إذا ظلت مدة معرضة للهواء تنتابها البكتيريا وتتوالد فيها بسرعة وكثرة هائلة. ولذلك فهي منتشرة في كل مكان تحت سطح الأرض وعليه وفي الهواء وداخل الأجسام الحية. فهي عالم يعاشرنا ويعد بملايين الملايين ولم نكن نعلم عنه شيئاً يذكر حتى أواسط القرن الماضي.
ويقل انتشار هذه الأحياء في الأعالي والبلدان المفتوحة الجوانب خصوصاً ي الشمال حيث تقل جداً بالقرب من القطبة الشمالية وتعدم بتاتاً. وينقى منها هواء الأبحر والأقيانوسات
стр. 4424
لأنه في تقلبه كثيراً ما يلامس الماء فيلقيها فيه ولذلك فهواء البحار أقل نقلاً للمرض والعدوى به. وكلما ارتفعنا به في الجبال قل وجوها حتى تكاد تفقد على علو٦٠٠ متر فما فوق ذلك. ولهذا السبب تنسب مناعة أهل الجبال على بعض الأمراض كالهواء الأصفر وغيره مما لا تنقل ميكروباته إلا محمولة على ذرات الغبار التي تقل جداً في هواء الأماكن المرتفعة.
وتعيش الميكروبات على الحيوانات في درجات مختلفة من الحرارة. والنبات أقل ملاءمة لنموها لما فيه من السوائل الحامضة. إلا أنها تكثر أيضاً في الجذور والأغصان ذات الغدد تحت الأرض وفوقها. وهي تكثر في القناة الهضمية إلا حيث تجتمع المفرزات الحامضة لأن الحامض عدوها ولذلك يحسن معاطاته في أوقات انتشار الأوبئة. وقد علق بعض العلماء مكان كبرى على استعمال اللبن الرائب لما فيه من الحامض حتى نسب طول الحياة إلى طول استعماله غذاء.
تولد الميكروبات ونموها فعلاً: تتولد الميكروبات بالانقسام الذاتي فتتخذ أشكال أنواعها المتعددة بين مستدير وضمني وخيطي الخ. والمعتاد أن يكون انقسامها عرضاً لا طولاً فتنشق كالبراءة إذا نصفناها بالشق طولاً.
وقد امتحن بعضهم سرعة تولد هذه المخلوقات الصغيرة فزرع حويصله خويطية منها في مرق الساعة ١١ صباحاً وكانت أشبه شيء بنقطة ترسم برأس إبرة فتضاعفت بعد ساعة بالانتفاخ وأفرخت عن الساعة ٣. ٥ بعد الظهر وصارت عشرة أضعاف حجمها الأصلي عند الساعة ٨. ٥ اتخذت شكلاً مستطيلاً معقداً وعند نصف الليل كان قد بلغت ١٢ عقدة كل منها حويصلة مستقلة. وبعد ذلك بدأت تنقسم عند ثلثها الأعلى انقساماً جانبياً بشكل قضبان دقيقة.
وهذا الانقسام كثيراً ما يحدث في بعض الأنواع بعد نصف ساعة من زرعها وما يشتق منها يعود فينقسم أيضاً بمثل هذا الوقت فيبلغ عدد ما يتولد منها في ٢٤ ساعة ملايين الملايين كما لا يخفى على الحساب. وبعد هذا الإيضاح نعلم شدة الخطر جلياً من كثرة تولد الميكروبات الضارة داخل الجسم بمثل هذه السرعة. ولا يكون على الجسم خطر منها إلا إذا كانت من الأنواع التي تترك في الدم مفرزات أو بقايا سامة أي لا تلائم بطبيعتها الدم
стр. 4425
لاختلاف مادة عن مادتها اختلافاً عظيماً.
أما فعل البكتيريا في الجماد والأحياء فعلى غاية الشأن. لأنها هي التي تخمر العجين والخل والخمر وسائر المشروبات وتعدل المواد السائلة من دم وماء فتضر أو تنفع تبعاً لكيفية هذا التعديل وهي التي تفتت الصخور وتسحل وجه الأرض وتساعد على نمو النبات وحياة الحيوان بل قد عدها بعضهم أصل جميع الكائنات العضوية. إليك أخص فعلها في الحيوان والنبات والجماد.
فعلها في الحيوان: أهم أفعال الميكروبات بالنظر إلى حياة الحيوان ما تحدثه من المنفعة والضرر. فهي تفيد الحيوان من أوجه عديدة لا يتسع المقام لإيرادها هنا بالتفصيل ويكفي لتقدير نفعها مكانة وجودها في الماء الذي نشربه لأنه إذا خلا منها بالتقطير صار ضاراً وإذا خلت مياه أي نبع منه خلواً تاماً منها انقلبت سماً نافعاً كما يعلم ذلك من اختبار الينابيع الشديدة الصفاء في بعض أنحاء العالم فانه تضر شاربيها ضرراً بليغاً إذا انتفى منها وجود الميكروبات.
وقد ثبت بعد امتحانات باستور أن لا حي يتولد من غير الحي ولذلك فلا يفسد اللحم ولا تختمر السائلات على أنواعها إلا بفعل هذه الميكروبات ومفرزاتها. فهي التي تهيئ لنا ما نتمتع به من المشروبات المختمرة كالخمر والبيرا واللبن الرائب والجبن والزبدة وغيرها مما لا يحيط به العد. فلو فرضنا فقد هذه الميكروبات فجاة لانقلبت أحوال المعيشة انقلاباً يهولنا تصوره. لأنها هي التي يتم بواسطتها الاختمار والتعفن ودبغ الجلود وتحضير النيل والتبغ وسائر ما له اتصال برغد العيش خصوصاً انتماء الزرع كما سيجيء. فمعظمها نافع لذات الحياة.
غير أن بعضها يفرز في الدم مادة سامة فيمرض أو يهيئ للمرض. وقد ثبت الآن أن جميع الأمراض وفي جملتها القروح والبثور وغيرها مسبب عنها. ولا نستثني من ذلك العلل الناجمة عن فعل حييوينات ضارة.
وبعد كشف كيفية هذه الميكروبات صار من السهل شفاء الجراح بحفظها سليمة من الفساد وما الفساد إلا فعل هذه المخلوقات الصغيرة في الدم. فكل ما يميتها من الأدوية والعقاقير يسمى مطهراً لأنه يمنع إفساد الدم.
стр. 4426
وميكروبات الأمراض تختلف كثيراً في شكلها ومدة حياتها. فمنها ما هو ضمي الشكل كميكروب الكوليرا ومنها ما هو بيضوي أو مستدير أو غير ذلك. وبعضها لا يعيش بضعة أيام كميكروب الكوليرا الذي علم أنه يموت بعد أسبوع من ولادته أو أقل من ذلك. وغيره كميكروب الخناق أو الدفتيريا قد يعيش سنة كاملة. وميكروب السل يعمر أيضاً وتساعده المواد الحامضة على الفتك بالناس ليس لأن الحامض يلائم طبعه بل لأنه يهدم جدران الخلايا الرئوية المسلولة كما أعادتها التغذية المقوية إلى حالة كلسية. ولذلك فلا يجوز للمسلول تناول الأطعمة الحامضة مطلقاً. وإذا اقتصر على الأغذية القلوية ساعد الطبيعة على شفائها.
فعلها في النبات: في التربة أنواع من البكتيريا لا تعيش إلا على المواد النباتية كما أنه يوجد غيرها مما يعيش على المواد المعدنية. فميكروبات النبات تتناول من الهواء المادة الكربونية فتمثلها أي تهضمها وتقتات بها فتفصل بذلك النيتروجين وتبثه في جذور النبات. ومنها أنواع تحل الماء والهواء إلى عناصرهما فتسهل على النيات الاغتذاء بما يلائمه من هذه العناصر.
ومما يستحق الذكر من أن أفعالها أن بعضها يعمل عكس عمل الآخر فيتكون من هذه الأعمال دورة في تكييف المواد الغذائية تشبه الدورة المائية التي تم تبخير الشمس لمياه الأبحر وغيرها فتصعد المياه إلى الجو حيث تنعقد مطراً يعود إلى الأرض فيتبخر ثانية ويصعد ثم يعود وهكذا. وعلى هذا المنوال تحول أنواع البكتيريا المواد النشادرية في التربة إلى نيترات نباتية يتناولها الحيوان بعد تحولها إلى بروتيد ثم تعيدها البكتيريا إلى نشادر ثم إلى نيترات وهكذا كأن بيدها قياد العناصر الغذائية تصرفها طبقاً لنواميس حفظ الوجود.
وفي التربة نوع من البكتيريا الخيطية الشكل تدخل أهداب جذور النباتات القرنية كالفول السوداني وتخترق نسيجها فتشله فتكوِّن عقاً أو غدداً تغذيها بالنتروجين. وهذا هو سر تولد البطاطا وسائر الأثمار التي تحت الأرض والغدد العفصية في السنديان. وهي التي تنخر قصب السكر وغيره.
وقد عني الألمان بتربية الأنواع البكتيرية التي تخصب بعض النباتات وسموها بكتيريا النتروجين لكثرة ما تقدمه من هذا العنصر لتغذية النبات. وربى غيرهم غيرها مما يحسن
стр. 4427
به نمو الورد والقمح والقطاني وغير ذلك فتفعل فعل السماد الزبل الطبيعي.
وطريقة استعمالها أنهم يربون أنواع البكتيريا في مادة تلائم نموها ثم ينقعون بهذه المادة البذار أو يذرون منه في التربة المواد زرعها فيقبل الزرع إقبالاً غريباً. وفي هذه أكثر عواصم أوربا وأميركا الآن مستودعات لبيع هذا اللقاح البكتيري فما على المزارعين عندنا إلا أن يحذوا حذو مزارعي البلدان الراقية فيستفيدون ويفيدون البلاد.
فعها في الجماد: أي المواد غير الآلية. من البكتريا أنواع إنما تعيش على الجماد كالصخور والمعادن على اختلاف أجناسها فيكون لها المكانة المهمة في بنائها وهدمها مما يشبه الدورة المائية المذكورة آنفاً. فبكتيريا الكبريت مثلاً تفعل هذا الفعل بتوليدها الكلتسيوم الذي تحوله إلى تجبسيوم ثم إلى كبريت ثم تحله وتعيده إلى سيرته الأولى. ويقال مثل ذلك عن بكثير الصخور والحديد وسائر المعادن. وتعد التربة لتكون صالحة لأن يغتذي منها النبات ولأن يغتذي من هذا الحيوان ثم تعود مفرزات هذا وبقاياه إلى التربة. فهي أول ممثل لأقدم أشكال الحياة المجهزة بقوة تحول عادمات الحياة إلى أشكال حيوية. ولذلك فلها المقام الأول في إنشاء الحياة على سطح كرتنا الأرضية حتى عدها بعضهم أول جرثومة حية في الوجود كان لها شأن على وجه البسيطة.
وفوق ذلك كله قد اتضح أنها هي التي تحدث الحرارة بشدة حركاتها عند تنضيد التبغ بعضه فوق بعض وعند تكويم القطن والتبغ الخ حتى لقد تحدث اشتعال بعض هذه المواد إذا ساعدتها حرارة الطبيعة.
وهي التي يضيء بها سطح البحر لأنها تؤكسد الهيدروجين المفصفر في الماء كما تؤكد الكحل في الخمر فينقلب خلاً.
خلاصة: نحن عائشون في وسط عوالم خفية عن النظر تدعى البكتيريا أو الميكروبات. ومعظمها نافع للإنسان بما يحدثه من التغيرات المفيدة في الجوامد والسوائل. ويمكن اتقاء الضار منها بتلقيح الجسم بسم مخفف منها كمصل الدفتيريا ولقاح الجدري وغيرهما. وإن هذه الأحياء تعيش في درجات متفاوتة من الحر والبرد. فبعضها يعيش في قلب الثلج وبعضها يبقى حياً في حرارة تبلغ أكثر من مئة درجة بمقياس سنتيغرادولذلك يجب اتقاؤها بالحيطة الصحية التي قاعدتها الذهبية أحفظ يديك وصن شفتيك.
стр. 4428
ولنا من أجسامنا من كريات الدم البيضاء خير واقٍ من كثير من الميكروبات الضارة لأن هذه الكريات تبتلعها فتمنع انتشارها وتوليد السم بمفرزاتها.
وقد علم أن التعب والجوع الشديد والتعرض للبرد جميع هذه تقلل من مناعة الجسم فتزيده تعرضاً لفعل البكتيريا السامة. وإن الحوامض تخفف فتكها بكريات الدم الحمراء.
بعض الناس يمتنعون على بعض الأمراض لعدم وجود إلفة كيمية بين خلايا أجسامهم وبين سم البكتيريا وهذا هو السر في نجاة الكثيرين من فعل الأوبئة في حين وقوع غيرهم فريسة لها.
ويقال إجمالاً أن درس طبائع البكتيريا وإخضاعها لقوة الإنسان في كثير من الحالات من حسنات النصف الأخير من القرن الماضي الذي فتح باباً واسعاً للتوغل في البحث البكتيري الذي لا بد أن ينتهي إلى كشف حقائق نافعة تدهش العقول بما تحدثه من الانقلاب في سير العمران وترقية حياة الإنسان.
بيروت // خليل سعد
стр. 4429
أبيات العادات
يقف الناظر في دواوين الأدب ومجاميع الشعر والأخبار على أبيات غامضة المعنى يشكل عليه فهمها يسميها علماء الأدب بأبيات المعاني. وقد عنوا قديماً بجمعها وتدوينها وشرح معانيها وتفسير مستغلقها إلا أن يد الضياع تلاعبت بتلك المؤلفات فلم يصل إلينا منها إلا القليل ولم نقف على هذا النوع من الشعر إلا مبعثراً مفرقاً في تضاعيف الأسفار المختلفة. أذكر أنني كنت أراجع مرة في شرح القاموس مع الأمير محمود سامي باشا البارودي فمر بنا قول القائل:
فوردت مثل اليماني الهزهازْ ... تدفع عن أعناقها بالإعجاز
فلم يتكشف لنا معناه مع إطالة الرواية وإجهاد الفكر إلا بعد أن سألنا عنه أستاذنا الإمام الشنقيطي ﵀ فقال هذا من أبيات المعاني يذكر إبلاً وردت غديراً كالسيف الصقيل في الصفاء وقوله تدفع عن أعناقها الخ يعني أنها كثيرة الألبان ممتلئة الضروع وضروعها في إعجازها فإذا نزل الضيوف بصاحبها قراهم من لبنها فأغنى ذلك عن نحرها فتكون دفعت عن أعناقها بإعجازها قال وتمام الرجز (أعيت على مُقصدنا والرجاز) انتهى.
وقد عثرت على ضرب آخر من الشعر إن لم يكن من هذا النمط فهو منه قريب رأيت أن أجمع ما تيسر لي منه وأسميه (بأبيات العادات) وهي أبيات ظاهرة اللفظ والمعنى إلا أنها غامضة من جهة القصد والمرمى فلا يفهم مراد قائليها إلا بمعرفة عادة من عادات العرب أو مزعم من مزاعمهم بني عليه البيت كقول الخنساء في رثاء أخيها معاوية:
فلا والله لا تسلاك نفسي ... لفاحشة أتيتَ ولا عقوق
ولكني رأيت الصبر خيراً ... من النعلين والرأس الحليق
فليس في ألفاظ البيتين لفظ غريب غير مفهوم كما أن معناهما ظاهر في غاية الوضوح وإنما الإشكال في مرادها بالنعلين والرأس الحليق فإذا عرفنا أن العادة كانت عند نساء العرب إذا أصبن في حميم أن يحلقن رؤوسهن وتأخذ الواحدة منهن نعلين في يديها تصفق بهما وجهها زال عنها الإشكال واستبان لنا القصد. وفي معنى بيتي الخنساء قول عبد مناف بن ربع الهذلي:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلها ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباً ... من بطن حَلية لا رطباً ولا نقدا
стр. 4430
إذا تأوب نوْح قامتا معه ... ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
وهو نوع مستملح من الشعر لم أرهم اعتنوا بجمعه اعتنائهم بأبيات المعاني. فمنه قول زهير ابن أبي سلمى:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطبع العوالي ركبت كل لهذم
الزجاج بالكسر جمع زج بالضم وهي حديدة تكون في سافلة الرمح واللهذم السنان ويكون في عاليته وظاهر المعنى أن من أبى الصلح ذللته الحرب أو من لا يقبل الأمر الصغير اضطر إلى قبول الكبير والبيت مع صلاحه لهذا المعنى فإنه يتضمن شيئاً آخر من عاداتهم وذلك أن الفئتين من العرب كانتا إذا التقتا في القتال سددت كل واحدة منهما زجاج الرماح نحو صاحبتها ثم يسعى الساعون في الصلح فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما الرماح واقتتلتا بالأسنة.
(ومن أبيات العادات) قول النابغة الذبياني:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السمّ نافع
يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
السليم الملدوغ وكانت عاداتهم كما في لسان العرب وشرح الديوان أن يضعوا في أيدي الملدوغ شيئاً من الحلي لئلا ينام فيدب السم في جيده فيقتله. ومثله قول الآخر:
فبت معنَّى بالهموم كأنني ... سليم نفى عنه الرقاد الجلاجل
قلت وغريب تقارب بعض العادات عند الأمم فقد حكة لي شيخ مسن من الجراكسة أن من عاداتهم في بلادهم أنهم لا يدعون الجريح ينام لئلا يموت عل زعمهم فيجعلون حوله من يقرع على طست أو قدر من النحاس ليوقظه كلما أغفى ولا يزالون يتناوبون ذلك حتى يتم شفاؤه.
(ومن أبيات العادات) قول الربيع بن زياد في مالك بن زهير العبسي:
من كان مسروراً بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
فإن مراده أن من كان شامتاً مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا وهن على هذه الحال ليعلم أننا أخذنا بثأره فلا يشمت به وذلك لأن العرب كانت تندب قتلاها بعد إدراك الثأر وقد
стр. 4431
حكى التبريزي أقوالاً أخرى في البيتين تخرجهما عما نحن فيه.
(ومنها) قول الكميت:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفي من الكلب
جاء في معاهد التنصيص قال ابن الأعرابي: كانت العرب تقول أن من أصابه الكلب أو الجنون لا يبرأ منه إلا أن يسقى من دم ملك فهو يقول أن ممدوحيه أرباب العقول الراجحة ملوك وأشراف ومثله قول القاسم بن حنبل من شعراء الحماسة:
بنات مكارم وأًساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاءُ
وقد حكة التبريزي في شرحه نحواً مما حكاه ابن الأعرابي ثم قال وقيل في دوائه أن تشرط الإصبع الوسطى من يسرى رجل شريف ويؤخذ من دمه قطرة على تمرة فيطعم المعضوض فيبرأ وقيل أنه يسعط به انتهى. ومثله قول عبد الله بن الزبير (بفتح الزاي وكسر الباء) الأسدي في عبد الله بن زياد:
من خير بيت علمناه وأكرمه ... كانت دماؤهم تشفي من الكلب
وقول عبد الله بن قيس الرقيات:
عاودتي النكس فاشتفيت كما ... تشفي دماءُ الملوك من كلب
وقول ابن عباس الكندي لبني أسد في قتلهم حجر بن عمرو:
عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم ... تريقون تاموراً شفاءً من الكلب
التامور هنا الدم. وكلهم اقتصروا على ذكر الكلب وقد جمع الفرزدق بينه وبين الجنون فقال:
ولو تشرب الكلبى المراضى دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدلف
وذكر الجنون عاصم بن فرية الجاهلي فقال:
وداويته مما به من مجنة ... دام ابن كهال والنطاسي واقف
وقلدته دهراً تميمة جده ... وليس لشيء كاده الله صادف
صادف بمعنى صارف. قال الجاحظ وكان أصحابنا يزعمون أن قولهم دماءُ الملوك شفاء من الكلب على معنى أن الدم الكريم هو الثأر المنيم وأن داء الكلاب على معنى قول الشاعر:
стр. 4432
كلب من جس ما قد مسه ... وأفانين فؤاد مختبل
وعلى معنى قولهم (كلب بضرب جماجم ورقاب) فإذ كلبَ من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب وليس أن هناك دماً في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم ابن الفرية (والنطاسي واقف) لكان ذلك التأويل جائزاً انتهى كلامه. قلت وقد تظرف البحتري فقال يهنئ من انتصد وأخرجه مخرج هذا الزعم عند العرب:
ليهنك البرءُ مما كنت تأمله ... وليهنك الأجر عقبى صائب الوصب
لئن فصدت ابتغاء البر من سقم ... فقد أرقت دماً يشفي من الكلب
(ومن أبيات العادات) قول القائل:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل
النمل هنا جمع نملة وهي قرحة تخرج في الجسد ولو لم يكن البيت مبنياً على عادة لهم لما كان معنىً لافتخاره ممن لا يخطون على تلك القروح ولكن مراد الشاعر أننا لنا بمجوس نتزوج الأخوات لزعم العرب أن ابن امجوسي إذا كان من أخته وخط بيده على النملة أبرأها كذا في كتابات الجرجاني صاحب اللسان والعلامة ابن القيم في كتابه الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان أن ذلك من زعم المجوس أنفسهم. قلت لا مانع أن يكون انتقل منهم إلى العرب فاعتقدوه وأضافوه إلى مزاعمهم في الجاهلية كما انتقلت ليعضهم أشياء من التمجس عن الفرس.
(ومنها) قول سبرة بن عمرو الفقعسي:
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من ذلّ عليك قُراقر
ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يُخان إماء والإماء حرائر
وذلك لأن الحرائر كن في مثل ذلك الوقت يتشبهن بالإماء في كشف وجوههن ليزهد فيهن فيأمن السبي كما في شرح الحماسة للتبريزي وقال أيضاً في تفسير قول عمرو بن معد يكرب:
لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدَّا
وبدت لميس كأنها=بدر السماء إذا تبدى
إن المعنى كاشفة عن وجهها كأنها قد أرسلت نقابها ودلّ على هذا بقوله كأنها بدر السماء
стр. 4433
إذا تبدى فعلت ذلك إما للتشبه بالإماء حتى تأمن السباء أو لما تداخلها من الرعب انتهى. قلت وليس من هذا ما أنشده الاشنانداني في كتاب معاني الشعر لذي الخرق الطهوي أو لغيره:
ولما رأين بني عاصم ... ذكرن الذي كن أُنسينه
فوارين ما كنَّ حسرنه ... وأخفين ما كنَّ أبدينه
لأن معناه كما فسره أنهن نساءٌ قد سبين فنسين الحاء وأبدين وجوههن فلما رأين بني عاصم أيقن أنهن قد استنفذن فراجعن حياءهن فسترن ما كن أبدينه انتهى.
(ومنها) قول عنترة:
تركتُ جريَّة المعمري فيه ... شديد العير معتدل شديد
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يُفقد فحقَّ له الفقود
يقول تركه وفيه سهم شديد العير والعير الناتئُ وسط النصل والبيت الثاني بني على عادة كانت لهم وهي أن الرجل منهم كان إذا رمى بسهم وأراد سلامة الرمية منه رقى سهمه وإذا أراد الإهلاك لم يفعل ذلك.
(ومنها) قول كبشة أخت عمرو بن معد يكرب:
أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم أفالاً وأبكراً ... وأترك في بيت بصعدة مظلم
البيت الأول مخروم وصعدة مخلاف من مخاليف اليمن والمعنى أن هذا المرثي أرسل يقول لقومه بلسان الحال لا تأخذوا بدل دمي عقلاً أي دية وتتركوني في قبرٍ مظلمٍ تريد بذلك تحريضهم على أخذ الثأر ولا يفهم من ظاهر قولها بيت مظلم إلا حكاية الحال لأن القبر لا يكون إلا مظلماً ولكن الأمر ليس كذلك بل هو مبني على ما كانوا يزعمون أن قبر المقتول لا يزال مظلماً حتى يثأروا به فإن فعلوا أَضاء.
(ومنها) قول جرير يرثي قيس بن ضرار:
أظن انهمال الدمع ليس بمنتهٍ ... عن العين حتى يضمحل سوادها
وحقَّ لقيس أن يباح له الحمى ... وأن تُعقر الوجناءُ إن خف زادها
وهو مبني على عادة لهم وهي أن الرجل كان إذا مرَّ بقبر رئيس وهو في صحبة أحب أن
стр. 4434
ينوب عن المقبور في الضيافة وإذا لم يساعده من الطعام ما يدعو الناس إليه عقر ناقته إكراماً له. ولما قتل ربيعة بن مكدم كان لا يمر بقبره أحد من العرب إلا عقر عليه دابة أو بعيراً حتى مر به شيخ كبير فقال لا أعقر ناقتي ولكن أرثيه مكان ذلك ورثاه بقوله:
لا بعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
نفرت قلوصي من حجارة حرة ... بنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنه ... شريب خمر مسعر لحروب
لولا السفار وبعد خرق مهمة ... لتركتها تحبو على العرقوب
فكان أول من ترك العقر عليه.
(ومنها) قول الحطيئة:
قد ناضلوك وسلوا عن كنانتهم ... مجداً تليداً ونبلاً غير إنكاس
قال التبريزي في شرح الحماسة أراد بالمجد التليد أن الشجاع منهم كان إذا أسر فارساً مذكوراً فمنَّ عليه جزّ ناصيته وجعلها في كنانته. وفسره ابن أبي الإصبع في كتابه بديع القرآن تفسيراً آخر فقال معنى هذا البيت لا يعرفه إلا من عرف عادة العرب إذا منّوا على أسير أعطوه نبلاً من نبلهم عليها إشارة تدل على أنها لأولئك القوم لا تزال في كنانته فقال الحطيئة لهذا الممدوح الذي عناه بهذا المدح أن عداك لما فاخروك سلوا عن كنانتهم نبلك التي أعطيتها لهم حين مننت عليهم تشهد لك بأنهم عتقاؤك فكان هذا مجداً تليداً لك لا يقدرون على جحده تثبته لك هذه النبل التي ليست بإنكاس يعني الصائبات التي لا تنكس إذا ناضلت بها عن العرض وهذا غاية المدح للمدوح ونهاية الهجاء لعداه إذا خبرناهم مع معرفتهم بفضله عليهم يفاخرونه بما إذا أظهروه أثبت لهم الفضل عليهم وهذا غاية الجهل منهم والغباوة انتهى كلامه.
(ومنها) قول سحيم عبد بني الحسحاس:
فكم قد شققنا من رداء منير ... ومن برقع عن طفلة غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد برقع ... دواليك حتى كلنا غير لابس
جاء في شرح شواهد الجمل أن العرب كانت تقول أيّما امرأة أحبت رجلاً فلم يشق برقعها وتشتق هي رداءه فسد ما بينهما انتهى. ويروى (إذا شق برد شق بالبرد مثله) وحكوا أن
стр. 4435
العرب كانت تزعم أن المتحابين إذا شق كل واحد منهما ثوب صاحبه دامت مودتهما ولم تفسد.
(ومنها) قول عمر بن أبي ربيعة:
أهيم بها في كل مُمسى ومصبح ... وأكثر دعواها إذا خدرت رجلي
لأنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا خدرت رجله وذكر من يحب أو دعاه ذهب خدرها. ومثله لجميل:
وأنت لعيني قرة حين نلتقي ... وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي
(ومنها) قول الأعشى:
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق
روى الثعالبي في فقه اللغة بتبن بدل قت. واليحموم فرس كان للنعمان بن المنذر والسنق في الدواب بمنزلة التخمة في الإنسان وليس في ظاهر معنى البيت ما يستحسن بل قال فيه بعض من لا يعرف عاداتهم أن القيام على الفرس والاعتناء بعلفه حتى يكاد يتخم ليس مما تمدح به السوقة فضلاً عن الملوك ومراد الشاعر وراء كل هذا لأنه بناه على عادة كانت لملوك العرب وذلك أنه بلغ من حزمهم ونظرهم في العواقب أن أحدهم لا يبيت إلا وفر سه موقوف بسرجه ولجامه بين يديه قريباً منه مخافة عدو بفجوه أو حالة تصعب عليه فكان للنعمان فرس يقال له اليحموم يتعاهده كل عشية وهذا ما تتمادح به العرب من القيام بالمحيل وارتباطها بأفنية البيوت كما في العقد الفريد. وقد ذكر الأعشى اليحموم أيضاً في قوله:
أو فارس اليحموم يتبعهم ... كالطلق يتبع ليلة البهر
يعني بفارسه النعمان وقال لبيد:
والحارثان كلاهما ومحرق ... والتبعان وفارس اليحموم
(ومنها) قول الشاعر:
كفاك الله يا عصم بن لأي ... خيال بني أبيك وهم عيام
إذا مروا بجيزك لم يعوجوا ... ولو غطى سبيلهم الظلام
عيام أي شهاوى إلى اللبن وبجيزك يعني بنواحيك جمع جيزة بالكسر. وكان من عادتهم أن
стр. 4436
الرجل كان يحمل حبلاً ويسترفد عشيرته إذا أعطى الشاة والحاشية من الإبل ربطها بالحبل كذا في معاني الشعر للأشنانداني أقرب لأبيات المعاني منه لأبيات العادات.
(ومنها) قول الآخر يصف حماراً:
يلوي مجامع لحيه فكأنه ... لما تمخط في السحيل نقيب
نقيب أي منقوب الحنجرة وكان من عادة العرب إذا اشتد الزمان نقبوا حنجرة الكلب أو غلصمته ليضعف صوته فلا يسمع الضيف صياحه فشبه نهيق هذا الحمار بصياح الكلب النقيب. وفي اللسان إن ذلك كان يفعله البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف باستماع نباح الكلاب. وأنشد الأشنانداني في معاني الشعر:
تجاوبن إذ برّكن والليل غاسق ... تعاوي منقوبات حيي محارب
وقال في تفسيره المنقوبات الكلاب كانوا إذا اشتد الزمان نقبوا لسان الكلب لئلا يسمع نباجه يقول فهذا الإبل كأنها منقوبات يصف إبلاً معيبة فهي ترغو رغاءً ضعيفاً.
(ومنها) قول الآخر:
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدع
فظاهر معناه أنه لشدة شوقه لمن في الحي أكثر التلفت نحوه حتى وجعته عنقه. ولكن الراغب الأصفهاني في محاضراته حمله على عادة كانت لهم وهي زعمهم أن المسافر إذا خرج فالتفت لم يتم سفره قال فالتفاته لأنه كان عاشقاً فأحب أن لاي تم سفره ليرجع إلى من يحب.
(ومنها) قول بشر بن أبي خازم (بالخاء المعجمة والزاي):
تظل مقاليت النساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
المقاليت جمع مقلاة بالكسر وهي التي لم يبق لها ولد. والبيت مبني على ما كانت تزعم أن المقلات إذا وطئت رجلاً كريماً قتل غدراً عاش ولدها كذا في اللسان.
(ومنها) قول متمم بن نويرة في أخيه مالك:
لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
وكان المنهال قتل ملكاً والرداء هنا السيف وكانت العادة عند الرعب إذا قتل الرجل منهم رجلاً مشهوراً وشع سيفه عليه ليعرف قاتله كما في اللسان.
стр. 4437
(ومنها) قول القائل:
فقأت لها عين الفحيل تعيفا ... وفيهن رعلاءُ المسامع والحامي
أنشده الجاحظ في البيان والتبيين والفحيل بفتح فكسر الفحل الكريم وأنشد أيضاً:
وهب لنا وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران
وأنشد أيضاً:
فكان شكر القوم عند المنن ... كيَّ الصحيحات وفقءٌ الأعين
وكلها مبنية على عادة كانت لهم ذكرها الجاحظ وهي أنهم كانوا إذا بلغت إبلهم ألفاً فقؤا عين الفحل فإن زادت فقؤا عينه الأخرى قال فذلك المفقأ والمعمي. وفي مادة (عمى) من اللسان قال الأزهري وقرأت بخط أبي الهيثم في قول الفرزدق:
غلبتك بالمفقئ والمعمى ... وبيت المحتبى والخافقات
قال فخر الفرزدق ف هذا البيت على جرير لأن العرب كانت إذا كان لأحدهم ألف بعير فقأ عين بعير منها فإذا تمنت ألفان عماه وأعماه فافتخر عليه بكثرة ماله قال والخافقات الرايات انتهى ما في اللسان. قلت إذا كان معنى البيت على ما فهمه أبو الهيثم كان الصواب أن يكون المفقأ بصيغة اسم المفعول لا بصيغة اسم الفاعل. وقد روى البيت في مادة فقأ (بالمفقئ والمعنى) بالنون ونقل المصنف عن الليث أن العرب كانت في الجاهلية إذا بلغ إبل الرجل ألفاً فقأ عين بعير منها وسرحه حتى لا ينتفع به ثم حكى عن الأزهري أن معنى المفقئ في هذا البيت ليس على ما ذهب إليه الليث وإنما أراد الفرزدق قوله لجرير:
ولست ولو فقأت عينك واجداً ... أبا لك أن عد المساعي كدارم
انتهى. قلت القول ما ذهب إليه الأزهري لما سيرد عليك والظاهر أن الذي حمل الليث على أن يفهم في المفقئ ما فهم كون المعنى يطلق على جمل كان أهل الجاهلية ينزعون سناسن فقرته أي حروفها ويعقرون سنامه لئلا يركب ولا ينتفع بظهره بفعل ذلك الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة ليعرف أنه مميء فظن الليث أن الفرزدق أراده فحمل المفقئ عليه وكان وجهه على ما فهم أن يرسم أيضاً بصيغة اسم المفعول كما قدمنا.
والصواب في معنى البيت ما ذكره صاحب اللسان في مادة (عنا) نقلاً عن ابن سيده أن مراد الفرزدق بالمفقئ بيته في جرير المتقدم ذكره ومراده بالمعنى (ضبط بكسر النون) قوله
стр. 4438
له:
تعنى يا جرير لكل شيء ... وقد ذهب القصائد للرواة
فكيف ترد ما بعمان منها ... وما بجبال مصر مشهرات
ونقل عن الجوهري أن مراده بالمعنى قوله:
فإنك إذ تسعى لتدرك دارماً ... لأنت المعنى يا جرير المكلف
قلت عليه ويصح ضبط المعنى في بيت الفرزدق بالفتح. قال وأراد بالمجتبى قوله:
بيت زرارة محتبٍ بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم ... أبداً إذا عد الفعال الأفضل
وأراد بالخافقات قوله:
وأين يقضي المالكان أمورها ... بحق وأين الخافقات اللوامع
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
أي غلبتك بأربع قصائد منها هذه الأبيات وعلى هذا لا يعد البيت من أبيات العادات وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان سبب لخلاف واستطار شرره بين بعض الأدباء بمصر.
(ومن أبيات العادات) قول آدم مولى بلعنبر:
وان أراد جدل صعب أرب ... خصومة تنقي أوساط الركب
أطلعته من رتب إلى رتب
من رجز يقوله لابنه أنشده الجاحظ في البيان والتبيين وقد يسأل لمَ كانت هذه الخصومة لنقب الركب فالجواب أنه كان من عاداتهم إذا تخاصموا جثوا على الركب.
(ومنها) قول عتيبة بن بجير المازني من شعراء الحماسة:
ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... إلى كل صوت فهو في الرحل جانح
فقلت لأهلي ما يغام مطية ... وسارٍ أضافته الكلاب النوابح
فقالوا غريب طارق طوحت به ... متون الفيافي والخطوب الطوارح
وهذا مبني على عادة وهي أن الرجل من العرب كان إذا ضل وتحير في الليل فلم يدر أين البيوت أخرج صوته على مثل النباح فتسمعه الكلاب وتظنه كلباً فتنبح فيستدل بنباحها ويهتدي إلى المكان. ومثله ما أنشده أبو علي القالي في أماليه:
стр. 4439
ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
رفعت له ناراً ثقوباً زنادها ... تليح إلى الساري هلم ال قدري
وأنشد أيضاً في معناه:
ومبدٍ لي الشحناء بيني وبينه ... دعوت وقد طال السرى فدعاني
يعني كلباً نبح له فنبح فاهتدى به فكأنه دعاه بنباحه. والأبيات في هذا المعنى كثيرة لا فائدة من سردها في هذه العجالة. وفي معنى استنبح أيضاً كلب الرجل يكلب من باب ضرب واستكلب أنشد ابن سيده في المخصص على الأول:
وداعٍ دعا بعدما أقفرت ... عليه البلاد ولم بكلب
وأنشد صاحب اللسان على الثاني: ونبح الكلاب لمستكلب:
(ومنها) قول لبيد:
ولقد حميت الحي تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
الفرط بضمتين الفرس المتقدمة السريعة والمعنى أنني توشحت بلجام هذه الفرسوهو مبني على عادة ذكرها التبريزي في شرح المعلقات وهي أن الفرسان كان أحدهم يتوشح لجام فرسه ليكون ساعة يفزع قريباً منه وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه ويخرج منه يده. ومنه قول زياد بن حمل من شعراء الحماسة:
ليست عليهم إذ يغدون أردية ... إلا جياد قسي النبع واللجم
(ومنها) قول القائل:
قلبت ثيابي والظنون تجول بي ... وترمي برجلي نحو كل سبيل
فلأيا بلأي ما عرفت جليتي ... وأبصرت قصداً لم يصب بدليل
لأن عاداتهم كانت إذا ضل رجل منهم في فلاة قلب قميصه وصفق بيديه كأنه يومي بهما إلى إنسان يزعمون أنه إن فعل ذلك اهتدى. هذا ما تيسر لي جمعه الآن فإن ظفرت بشيء بعد ذلك ألحقته به.
القاهرة // أحمد تيمور
стр. 4440
الشرطي والورق
اللغوي إذا عثر على لفظة وقف على أصلها ومعدنها ومأتاها يقر عيناً ويطيب نفساً ويثلج صدراً كأنه وقع على كنزٍ ثمين. ومن أغرب الأمور أن المستشرقين يبذلون شطراً صالحاً من أوقاتهم لتتبع معرفة أصول جميع الكلم السامية ولا سيما العربية. ولا نرى من أبناء العرب من يعني بمثل هذا الأمر؟ وإذا رأيت نفراً يكتبون في هذا الموضوع من الناطقين بالضاد فلا تراهم يخرجون عما جاء في كتب الأجداد الأولين ولا يوردون من الكلام إلا ما تناقله الخلف عن السلف بدون أن ينتقدوا كلام القائل ولا ينعموا النظر فيه إذا كان مصيباً في رأيه هذا أو مخطئاً فترى كتبنا اللغوية الحديثة لا تخرج عن كتب الأقدمين ولو تقدم هذا العلم عند باحثي الإفرنج من اللغويين المستشرقين تقدماً عظيماً وظهر بمظهر النور في الدياجي.
فإلى متى نبقى في هذه الحالة المفزعة في قالب الجمود أو الخمود والركود؟ ألم يحن الآن الذي نكسر فيه قيود الأسر والرق ونطلق نفسنا من هذه السلاسل الضخمة التي بقينا راسفين فيها إلى يومنا هذا؟ بلى. لقد حان بل لقد فات الوقت كما فاتنا في أمور جمة ونحن في غفلة عنها وذهول.
على أن بعض كتاب العصر أخذوا يتابعون علماء الغرب المولعين باللغات الشرقية في أبحاثهم وآرائهم ومذاهبهم وهبوا يجارونهم وأي مجاراة حتى كادوا يفوقونهم في بعض الأبحاث. بيد أن بعضهم قاموا يقلدونهم تقليداً أعمى حتى أنهم إذا رأوا أن غريباً قال بقول من لم يعد الشرقي يتجاسر على مخالفة رأيه ظناً منه أن الإفرنج إذا أوتروا القوس أغرقوا فيها ولا يتركون لمن ينزع فيها من بعدهم منزعاً كما لا يبقون له منزعاً. وهذا وهم ظاهر لكل ذي عينين إذا ما أراد أن يتروى في الأمر أدنى تروٍ.
هذا ولنا نحن عدة شواهد إثباتاً لقولنا هذا. وهي وإن كان يطول سردها جميعاً إلا أنه لا يجدر بنا أن لا نذكر منها بعضاً إثباتاً لقولنا وإظهاراً للحق. فهذه كلمة شرطي أو شرطة فإن اللغويين قد ذهبوا فيها مذاهب. فمنهم من قال بأنها عربية فصحى ومنهم من أنكر أصلها هذا وجماعة ذكرت أنها من معدن رومي أو لاتيني ومنهم من خالف هذه الآراء وها نحن ذا نورد بعض الشواهد.
قال في القاموس: الشرطة بالضم واحد الشرط كصرد وهم أو لكتيبة تشهد الحرب وتتهيأ
стр. 4441
للموت وطائفة من أعوان الولاة م وهو شرطي كتركي وجهني. سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها. وإلى هذا الرأي ذهب السيد المرتضى. فزاد على ما سبق: قاله الأصمعي. وقال أبو عبيدة: لأنهم أعدوا (أي أعدوا أنفسهم لذلك وأعلموا أنفسهم بعلامات). وبمثل هذا القول قال صاحب لسان العرب بل وجميع أصحاب المعاجم اللغوية بدون أن يشذ واحد منهم وتابعهم في ذلك لغويو الإفرنج أصحاب المعاجم العربية الإفرنجية كغوليوس وفريتاغ وقزميرسكي ولين وغيرهم.
على أن هذا الرأي لا يمكن أن يتمسك به اللغوي. والسبب هو: لو كان الحرف مأخوذاً من الشرط لقالوا فيه شارط كضابط مثلاً من الضبط. أو مشترط كملتزم. أو نحو ذلك من المشتقات الدالة على الفاعلية لا شرطي بضم ففتح أو بضم فسكون بل وكيف قالوا الشرطة. فلا شك أن اللغوي المتتبع حقائق الأصول ودقائق الفصول لاي قنع بهذا القول غير المعقول. فهي ولا جرم لمن الألفاظ الدخيلة وقد انتبه لها المستشرقون. وأول من ذهب إلى هذا الرأي فرنكل الألماني صاحب كتاب الألفاظ الآرمية في اللغة العربية إذ قال: والأحسن إني أحب أن يقول علماء العربية أنها كلمة مصرية يونانية أو لعلها اليونانية وتأثره في ذلك الأب لامنس اليسوعي في كتاب الفروق إذ يقول: من المحتمل أن يكون معرباً عن مثل كردوسة.
قلنا: وهذا أيضاً لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن هذه اللفظة الأجنبية إن كانت مصرية أو يونانية أو رومية محضة فهي لا تدل إلا على طائفة أو جماعة من العسكر أو الجند ولا ترد بمعنى المفرد. والحال إن صح هذا الكلام عن الشرطة فلا يصح عن الشرطي فيجب أن تكون اللفظة الأصيلة المنقولة عنها مفردة ليصح فيها التعريب أو النقل عنها بصورة المفرد. وهذا يصح إذا قلنا أنها تعريب اليونانية وبالفرنسية أو وهي بمعنى الشرطي العربية كما أن الشرطي هي تعريب ويراد بها كتيبة الزحف أو الجيش الزاحف الذي يشهد الحرب ويتيهأ للموت. أو من بمعناها.
ومن هذا القبيل كلمة ورق والرقة المراد بهما الدراهم المضروبة. فقد قال الفيروزأبادي: الورق مثلثة. وككتف وجبل: الدراهم المضروبة ج أوراق ووراق كالرقة.
وزاد صاحب التاج: قال ابن سيده: وربما سميت الفضة ورقاً. يقال أعطاه ألف درهم ورقة
стр. 4442
لا يخالطها شيء من المال غيرها. وقال أبو الهيثم: الورق والرقة: الدراهم خاصة. وقال شمر: الرقة: العين ويقال هي الفضة خاصة. ويقال الرقة الفضة والمال. عن ابن الأعرابي. . . إلى آخر ما هناك من الكلام الدال على أن الورق عندهم من الأصل العربي الفصيح الصريح حتى أنه لم يخطر على بال لغويي العرب أنها دخيلة على لسانهم. وتابعهم في ذلك لغويو الإفرنج أيضاً أصحاب المعاجم العربية ولم يرتابوا في عجمتها أو في عربيتها إذ قلدوا العرب في أغلب الأحيان عند نقلهم المعاجم إلى لغتهم.
وأول من تنبه لعجمتها في العربية فرنكل اللغوي الألماني المذكور ذكر أنها من الآرامية (برق) أو من الحبشية رقة. قلت: وفي كلتا اللغتين لم ترد اللفظة في الأصل على ما يدل أنها بهذا المعنى في أول وضعها بل يحتمل أن اللغتين أخذتا هذا المعنى عن العرب أنفسهم.
وممن قال بعجمتها أيضاً الأب لامنس اليسوعي في كتاب الفروق ص ٢٦٠ في الحاشية وهذا نص كلامه: (أي الورق بمعنى الدراهم المضروبة) ثلاث لغات أخرى (كذا والأصح أربع لغات أخرى): وَرق. ورق. وِرق (وزد عليها: ورَق ككتف) ولا أحسبه عربياً ولم يوجد في الكتاب القديم. . (كذا لو تروى لما قال هذا القول. لأن لفظة الورق وردت في شعر ثمامة السدوسي وفي الحديث وفي شعر خالد بن الوليد وفي كلام كثيرين من الأقدمين عند مطالعة دواوينهم.).
أما الصحيح عندي أن الورق من الفارسية تعريب بره بباء فارسية مثلثة رقيقة في الأولى ثم راء وفي الآخر هاء غير منقوطة. ويقال فيها أيضاً باره بمعناها. ويراد بها مطلق القطعة وتخصص بقطعة الفضة المضروبة كما هو معنى الباره عندنا قبل خمسين سنة. ثم عوض عن الباره الفضية ببارة نحاسية وبقي الاسم عليها وإن تغيرت المادة التي أخذت منها.
هذا وأنت تعلم أن الهاء الفارسية في الآخر تنقل إلى القاف أو الكاف أو الجيم أو الهاء في العربية. وقد صرح بذلك أغلب اللغويين كما في بابونج ويرذعة وبورَق ونيزك وأصلها بابونه وبرزعة وبوره ونيزه وأما الباء المثلثة التحتية الفارسية فتكون إما رقيقة. وإما فخيمة وإما رقيقة وفخيمة فإن كانت رقيقة فتنتقل إلى الواو بالعربية أو الباء الموحدة
стр. 4443
التحتية كما في بابوج وواشق أصلها بابوج وباشه وإذا كانت مفخمة فتكون فاء في العربية كما في فارس وأصفهان وإن كانت بين المفخمة والمرققة فهي تكون تارة بالباء وطوراً بالواو وأخرى بالفاء مثل قبان فيقال فيها قبان وقفان. قال الأصمعي: قفان: قبان بالباء التي بين الباء والفاء أعربت بإخلاصها فاء وقد يجوز إخلاصها باء لأن سيبويه قد أطلق ذلك في الباء التي بين الفاء والباء (التاج في قفف) ومعنى قفان كل شيء: جماعة واستقصاء معرفته.
وعليه قالوا في بره: ورق. وفي باره: بارة. لكن لما توهم العرب أن الورق مشتق من ورق بل وأنها مصدر ورق أجازوا فيها الوجهين فقالوا فيها ورق ورِقة كما قالوا وعد وعدة.
وأغرب من هذا أنهم جمعوا رقة على رقين كما قالوا في إرة: إرين. وقوم من العرب توهموا الجمع مفرداً فوزنوه على فعيل بفتح الأول فقالوا: الرقين وفسروه بالدرهم والرقيم ولعل الرقيم ورد بهذا المعنى أيضاً تصحيفاً للرقين بالنون وهم يكثرون مثل هذا الإبدال في آخر الألفاظ كقولهم: الأيم والأين. الغيم والغبن. أسود قاتم وقاتن. الحزم والحزن. البنان والبنام. القعم والقعن. ومثل هذه الألفاظ تعد بالمئات.
فانظر حرسك إله كيف يتلاعب العرب بالألفاظ وكيف تتسع اللغة عندهم. وكيف يبعد مجرى الكلام عن ينبوعه ومصدره وكاد ينسيك الأصل الذي أُخذ عنه. كل ذلك من الأسرار الغامضة يتلذذ بالاطلاع عليها كل من له ذوق بهذه اللغة الشريفة البعيدة الغور.
وإذ قد اطلعت على أصل لفظة الورق وعلى أنها من الفارسية علمت علم اليقين أن معناها كل قطعة من قطع المسكوكات كما تقول بالفرنساوية ثم أطلقت على دراهم الفضة أو على مطلق الدراهم أن فضية أو ذهبية أو نحاسية بشرط أن تكون قطعة معدن مضروب لا غير.
هذا ما أردنا إيراده في هذا الباب ولنا عدة شواهد من هذا القبيل.
بغداد // ساتسنا
стр. 4444
رسائل الانتقاد
تابع لما سبق
قال أبو الريان ومن شر عيوب الشعر كلها الكسر لأنه يخرجه عن نعته شعراً وليس مما يقع لمن نُعت بشاعر. فأما الاقواء. والسناد. والأكفاء. والزحاف. وصرف ما لا ينصرف فكل ذلك يستعمل الآن السالم من جميع ذلك أجمل وأفضل قال ومن عيوبه المذمومة مجاورة الكلمة ما لا يناسبها ولا يقاربها مثل قول الكميت:
حتى تكامل فيها الدل والسنب
وكما قال بعض المتأخرين في رثاء:
فإنك غيبت في حفرة ... تراكم فيها نعيم وحور
وإن كان النعيم والحور من مواهب أهل الجنة فليس بينهما في النفوس تقارب. ولا لفظة تراكم مما يجمع بين الحور ولا النعيم. ومثله قول بعضهم:
والله لولا أن يقال تغيرا ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا
لعاد تفاح الخدود بنفسجاً ... لثمي وكافور الترائب عنبرا
فالتفاح ليس من جنس البنفسج لأن التفاح ثمرة والبنفسج زهرة. وقد أجاد في جمعه بين الكافور والعنبر لأنهما من قبيل واحد. ولو قال:
لعاد ورد الوجنتين بنفسجاً=لثمي وكافور الترائب عنبرا
لأجاد الوصف. وأحسن الرصف. لكون الورد من قبيل البنفسج. فهذا النوع فافتقد. وهذا الشرع فاعتمد.
قال أبو الريان ولفضلاء المولدين سقطات مختلفات في أشعارهم أُذاكرك منها في أشياء لتستدل بها على أغراضك لا لطلب الزلات. ولا لاقتفاء العثرات. كان بشار تتباين طبقات شعره فيصعد كبيرها. ويهبط قليلها كثيرها. وكذلك كان حبيب ابن أوس الطائي فإذا سمعت جيدهما كذبت أن رديهما لما. وإذا صح عندك أن ذلك الردي لهما أقسمت أن جيدهما لغيرهما. قال ومما يعاب من الشعر الافتتاحات الثقيلة مثل قول حبيب أول قصيدة:
هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعوماً فقدماً أدرك الثأر أو طالبه
ومثل قول ديك الجن أول قصيدة:
كأنهايا كأنه خلل الخ ... لة وقف الهلوك إذ بغما
стр. 4445
فابتدأ هو وحبيب بمضمرات على غير مظهرات قبلها وهو رديء قال ويعاب أيضاً الافتتاحات المتطير بها. والكلام المضاد للغرض كابتداء قصيدة أبي نواس التي أنشدها الفضل بن يحيى خالد البرمكي يهنيه ببنيانه الدار الجديدة فدخل إليه عند كمالها وقد جلس للهناء والدعاء وعنده وجوه الناس فأنشده:
أربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي
فتطير الفضل من ذلك ونكس رأسه وتناظر الناس بعضهم إلى بعض ثم تمادى فختم الشعر بقوله:
سلام على الدنيا إذا ما فُقدتمُ ... بني برمك من رائحين وغادي
فكمل جهله وتمم خطأه وزاد القلوب المتوقعة للخطوب سرعة توقع. وأضاف للنفوس المتوجعة بذكر الموت شدة توجع. وأراد أن يمدح فهجا. ودخل ليسر فشجا قال وقريب من هذا ما وقع للمتنبي في أول شعر أنشده كافوراً:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
فهذا خطاب بالكاف بفتح ولا سيما في أول لقية. وفي ابتداء واستعطاف ورقية. وفي هذا البيت غير هذا من العيوب سنذكره بعد.
ووقع مثل هذا من قبح الاستفتاح في عصرنا وذلك أن بعض الشعراء أنشد بعض الأمراء في يوم المهرجان فقال:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... وجه من أهوى ووجه المهرجان
فأمر بإخراجه واستطار بافتتاحه وحرمه إحسانه قال أبو الريان ولو كان هذا الشاعر حاذقاً لكان إصلاح هذا الفساد أيسر الأشياء عليه وذلك بأن يعكس البيت فيقول:
وجه من أهوى ووجه المهرجان ... أي بشرى هي لا بل بشريان
قال ويبج جداً الإتيان بكلمة القافية معجمة لا ترتبط بما قبلها من الكلام وإنما هي مفردة لحشو القافية كقول بعضهم:
فبلغت المنى برغم أعاديك ... وأبقاك سالماً رب هود
فأنت ترى غثاثة هذه القافية وإله تعالى رب جميع الخلق وكل شيء فخصَّ هوداً ﵇ وحده لضعف نقده وعجزه عن الإتيان بقافية تليق وتحسن.
стр. 4446
قال ويقبح أيضاً الجفاءُ في النسيب على الحبيب والتضجر ببعده. وغلظة العتاب على صده. كقول أبي نواس:
أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير
فان كنت لا خلاً ولا أنت زوجة ... فلا برحت منا عليك ستور
وجاورت قوماً لا تزاور بينهم ... ولا قرب إلا أن يكون نشور
فلم أسمع بأوحش من هذا النسيب. ولا أخشن من هذا التشبيب. وذلك قوله إن لم تكوني لي زوجة ولا صديقة فلا برحت منا ستور للتراب عليك. ولا كان جارك ما عشنا نحن إلا الموتى الذين لا يتزاورون ولا يتواصلون إلى يوم النشور على أن كلامه يشهد عليه بأنه شاك وإنما المعروف في أهل الرقة والظرف. والمعهود من أهل الوفاء والعطف. أن يفدوا أحبابهم بالنفوس. من كل مكروه وبوس. فأين ذهبت ولادته البصرية وآدابه البغدادية. حتى اختار الغدر على الوفاء. وبلغت به طباعه إلى أجفاء الجفاء. فاعلم هذا وإياك أن تعمل به.
قال ومن عيب الشعر السرق وهو كثير الأجناس. في شعر الناس. فمنها سرقة ألفاظ. ومنها سرقة معان. وسرقة المعاني أكثر لأنها أخفى من الألفاظ ومنها سرقة المعنى كله. ومنها سرقة البعض. باختصار في اللفظ وزيادة في المعنى وهو أحسن المسروقات. ومنها مسروق بزيادة ألفاظ وقصور عن المعنى وهو أقبحها. ومنها سرقة محضة بلا زيادة ولا نقص والفضل في لك للمسروق منه ولا شيء للسارق كسرقة أبي نواس في هذه القصيدة التي ذكرنا معنى أبي الشيص بكماله. قال أبو الشيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
فسرقة الحسن بكماله فقال:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فهذا على أن بيت أبي الشيص أحلى وأطبع ومع حلاوته جزالة. وقد ذكر عن الحسن أنه قال ما زلت أحسد أبا الشيص على هذا البيت حتى أخذته منه وسرقة المعاصر سقوط همة. وبهذه القصيدة يناضل أصحاب الحسن عنه ويخاصمون خصماءه مقرين بأن ليس له أفضل منها. ولا لهم إلى سوى هذه القصيدة معدل عنها. فقس بفهمك واعمل فكرك على ما وصفناه من أبواب السرقة ما وجدته في أشعار لم أذكرها يظهر لك جميع ما وصفناه. ويبدو
стр. 4447
لك جميع ما رسمناه. قال ومما يقع في عيوب الشعر ويغفل الشاعر عنه ويجوزه الأمر فيه لصغر جرم العيب وسلامة اللفظ لذي احتبي فيه ثم يكون ذلك سبب غفلة النقاد أيضاً عنه مثل قول المتنبي:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
فضع هذا الكلام على أنه إنما شكا داءَه ووصفه بالعظم فعاد شاكياً نفسه وجعلها أعظم الداء لأنه أراد كفى بدائك داءً فغلط وقال كفى بك داءً فصار كفى بالسلامة داءً فالسلامة هي الداء يريد طول البقاء سبب للفناء. وقال الله تعالى وكفى بنا حاسبين فالله هو أعظم شهيد فجعل المتنبي نفسه أعظم الداء ولم يرد إلا استعظام دائه وإصلاح هذا الفساد. وبلوغه إلى المراد. أن يقول:
كفى بالمنايا أن تكن أمانيا ... وحسبك داء أن ترى الموت شافيا
فيعود الداء المستعظم كما أراد تزول خشونة ابتدائه. وشدة جفائه. إذ خاطب للممدوح بالكاف فجعله داء عظيماً في أول كلمة سمعها منه. وقد تأدب خواص الناس وكثير من عوامهم في مثال هذا المكان فهم يقولون عند مخاطبات بعضهم بعضاً بما يخشن ذكره قلت للأبعد يا كذا أو كذا للأبعد.
ومن عيوب هذا القسم أيضاً أن قائله قصد إلى سلطان جديد وإلى مكان يحتاج فيه إلى التعظيم والتفخيم وقد صدر عن ملك نوه به أعني سيف الدولة وأغناه بعد فقره وشرفه ورفعه. وأدنى موضعه. فورد كل كافور هذا في مرتبة شريفة. وخطة منيفة. فجعل بجهله يصفه في أول بيت لقيه به أنه في حالة لا يرى منها المنية. أو يرى المنية أعظم أمنية. وعلم كافور بذكائه ووصول أخبار الناس إليه أنه في حالة خلاف ما قال وأنه كفر النعمة من المنعم عليه وأراه أن جميع ما عامله به من الجاه الواسع. والغنى القاطع حقير لديه. صغير في عينيه. فعلم كافور في هذا الوقت أنه ممن لا تزكو لديه الصنيعة وإن عظمت. ولا تكبر في عينيه المواهب وإن جسمت. ولم يكن في خلق كافور من الصبر على اتساع البذل. ولا من الرغبة في أهل الآداب والفضل ما عند سيف الدولة من ذلك فزهد فيه بعد رغبة وعلله بالقليل. وشاوقه بالجزيل. ورأى المتنبي أن الأسود ليس له في قلبه من الحب والقرب ما له عند سيف الدولة فلم يدل عليه ولا كثر من التعتب والعتاب ما يعطفه عليه
стр. 4448
فأضاع وضاع. وكان يتوقع الإيقاع. ولكفران النعم نقم. ثم نجاه ركوب ظهر الهرب وأقبل يعترف لسيف الدولة بالذنوب. وكان لحنه وشعره شريفين. وعقله ودينه ضعيفين. ومع ذلك فسقطاته كثيرة إلا أن محاسنه أكثر وأوفر. والمرء يعجز لا المحالة. وكان يميل إلى تعقيد الكلام ويعتمد على علمه بقبحه فيقول من ذلك ما يصف به ناقته:
فعبيت تسئد مسئداً في نيها ... أسادها في المهمة الأنضاء
يقول في المدح:
أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
ويقول في بيت آخر من قصيدة أخرى يمدح بها والبيت لا يتعلق بشيء مما قبله فيما يظهر ولا فيما بعده بشيء:
كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاومت من لم تقاوم
ومثل هذا كثير وهذه الأجناس من أبيات وإن ظهرت معانيها بعد استقصاء. وأطاعت غوامضها بعد استعصاء. فهي مذمومة السلك وإن اطلعت منها على أجزل الإفادة فكيف إذا حصلت منها على السلامة بلا زيادة. وكان أيضاً يغفل عن إصلاح أشياء من كلامه على قرب ذلك من الفهم. مثل قوله يرثي أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب
فجعل يا أخت خير كناية عن اشرف النسب والكناية لا تكون إلا لعلل تتسع فيها التهم لأن الكناية ستر وتعمية فنا بال شرف النسب يورى عنه تورية المعائب. ويكنى عنه والتصريح به من المفاخر والمناقب. وقد غفل عن إصلاح هذا بلفظ فصيح. ومعنى صحيح. قد كاد يبرز من الجنان. إلى طرف اللسان. وهو لو فطن إليه:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... غنى بهذا وذا عن أشرف النسب
قال أبو الريان وهذه الجملة التي أثبت لك فيها ما دخل على الشعراء المحيدين من التقصير والغفلة والغلط وغير ذلك كافية ومغنية عن إيراد ذلك وإن لقيتها بجودة بحث وصحة قياس. لم تحتج إلى كشف عيوب أشعار الناس. ولعل قائلاً يقول مال على هؤلاء وترك سواهم لميله على من بكت. ولتفضيله من عنه سكت. فقل لمن قال ذلك الأمر، عل خلاف ما ظننت لم أذكر إلا الأفضل فالأفضل. والأشهر فالأشهر. إذ كانت أشعارهم هي المروية.
стр. 4449
فالحجة بهم وعليهم هي القوية. فقد نقلته علي من ميلي عليهم. إلى ميلي بالحق إليهم قال أبو الريان فأما نقد المستحسن فتمثيله لك يعظم ويتسع لكثرته فلا يسعنا إيراده ولكن ما سلم من جميع ما أوردناه فهو في حيز السالم. ثم تتسع طبقات الجودة فيه. وأحسن منه ما اعتدل مبناه. وأغرب معناه. وزاد في محمودات الشعر عل سواه. ثم يمدح الأدون فالأدون بمقدار انحطاطه إلى حيز السلامة. ثم لا مدح ولا كرمة.
قال محمد فقلت لله درك يا أبا الريان فما ألين جانبك. وما أقرب غائبك. وما ألحح طالبك. وما أسعد صاحبك. فقال أنجح الله مطالبك. وقض مآربك. وصفى من القذى مشاربك. وبث الحواضر والبوادي مناقبك.
تمت المقامة المعروفة بمسائل الانتقاد
بلطف الفهم والاقتصاد
والحمد لله أولاً وآخراً وصلاته على نبيه سيدنا محمد وآله وسلامه
стр. 4450
نفس المرأة
انصرفت أفكار الباحثين إلى درس طبائع المرأة ومميزاتها الجنسية وخلائقها الخاصة على أثر ما كان من نهوض المرأة لمباراة الرجل في ميدان الاقتصاد وتشوقها بعد ذلك إلى مشاركته في الحقوق السياسية فتوفر على هذا البحث جماعة من العلماء الأعلام عنوا بتمحيصه وتجريده مما لصق به من خرافات الأقدمين وأوهامهم جارين على أسلوب علمي لا يدع مجالاً للظن والشبهات العالقة بآراء الأقدمين والسادلة على الحقيقة ستاراً من الغلو ينهض بالمرأة إلى مستوى الملائكة أو يحطها إلى دركات الجحيم ومن الغريب أننا لا نجد باحثاً تصدى للموضوع إلا زعم أنه بين حقيقة المرأة وكشف عن أسرار نفسها على أن معظمهم جهلوا طبائعها الأصيلة وخواصها المميزة فجاءت أبحاثهم مهزعة فاسدة المقدمات والنتائج ولم يفرق بعضهم بين صفاتها الخلقية وبين الصفات العارضة التي اكتسبتها في أحوال خاصة.
وربما اتفق العلماء أن رأوا المرأة في حال الضعف أو الخوف أو الاحتيال أو الرياء فزعموا أن هذه الصفات من طبائعها الخلقية وانتقلت هذه المزاعم إلى الأخلاف في الأجيال المتوالية فهي لا تزال تستنكف أو تعجب اليوم بطبائع في المرأة أتت عليها سنة النشوء والارتقاء فبدلتها أو محتها. ولقد مرت على المرأة عصور وهي بعيدة عن الحياة الفكرية والعملية تراد على الطاعة العمياء لوليها فكانت أشبه بالأطفال غير أن الزمان تغير والمرأة تبدلت وبقي معظم علماء النفس واقفين عند الآراء القديمة يحسبونها رقيقة غاية حياتها خدمة الرجل.
تملصت المرأة من آثار الجمود وشاركت الرجل في الحياة العملية وتركت في زوايا القرون صفاتها القديمة وتخلقت بأخلاق جديدة فلا تصح فيها آراء المغالين في اعتبارها ولا المغرقين في امتهانها.
ولا بد للباحث أن يتساءل هل للمرأة صفات نفسية خاصة بها تميزها عن الرجل وما هي تلك الصفات الجنسية التي لا يؤثر فيها مركزها الاقتصادي والاجتماعي؟
يقول علماء الحياة باختلافات جوهرية بين الخليتين اللتين تولد الحياة من انضمامهما وأن شروط الحياة متوفرة في الخلية المذكرة أما الأنثوية فهي هادئة شديدة الاحتفاظ بقوتها العضوية وهذه الصفات تبدو آثارها في الأحياء وكلما ارتقى الجنس البشري كانت
следующие страницы →