← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المرض عمن لدغوا بدون شعور منهم مدة سنين ولكن دون الوصول إلى هذا التدبير الصحي أهوال يتعذر عدم المبالاة بها مادام الأهلون يمانعون في إجرائها كل الممانعة ولذا ما برح النوام ينتشر فيهلك من يهلك ويسلم منه بالاتفاق من يسلم. إعارة الكتب في إحدى المجلات الروسية أنه أُسست منذ خمس سنين خزانة كتب في بلدة نيجني نوفكرود ليطالع فيها صغار المزارعين والحفاة العراة من الفقراء المنقطعين عن الأعمال فكانت رغبة المطالعين مصروفة أولاً إلى تلاوة الصحف ويليها الروايات وكتب التقاويم والرحلات والزراعة وانه أعير في هذه الحقبة من الزمن ١٧٥ ألف عارية لم يفقد منها سوى مجلدين مما يؤيد أن للكتب من قلوب الشعب الروسي مقاماً جليلاً وإن كان بعضهم يقول بسلب أرباب الأملاك أملاكهم. موظفو الأمريكان نشرت إحدى الصحف الروسية بحثاً مستفيضاً في وصف الموظفين في الولايات المتحدة فقالت أنهم يبلغون مليون موظف ومنهم ١١٧ ألف من حراس المدن يقبضون في الشهر من ٦٠ إلى ١٠٠ دولار أي من ثلثمائة إلى خمسمائة فرنك وأن للموظفين حقوقاً في النفوذ لا تشبه حقوق أمثالهم في بعض الممالك الأوربية. آثار ثيبة في بعض المجلات الطليانية بحث في المكتشفات الأثرية المهمة التي عثر عليها في ثيبة تلك المكتشفات التي تساعد خاصة على توضيح الأشكال المهم في مصادر الفلسفة اليونانية المتولدة من الفلسفة المصرية.

стр. 72

مقالات المجلات المجلات الإفرنجية المرأة الشرقية في مجلة إنكليزية بحث في المرأة عند الأمم قالت فيه كاتبته في الجزء المختص منه بالمرأة الهندية والصينية واليابانية: أن النسوة في تلك البلاد الشرقية قد نزعن ما طالما قيده بهن الرجال من القيود وأنهن أنشأن جمعيات في ترك العادة المتبعة في بلادهن من تضييق أرجل البنات منذ ولادتهن بالأحذية الضيقة مخافة أن يغادرن بيوت أزواجهن إذا كبرن. وأن حالة النساء اليابانيات كادت تكون إلى السعادة. وللمرأة الحق في اليابان أن ترفض اقترانها مثلاً بزوج ينتخبه لها أهلها وأنها ترى أن تكون تربيتها متفقة مع تربية قرينها ومع أن الطلاق يسهل في برمانيا فقلما يتطلبه أحد الزوجين وأن للمرأة وحدها تربية ولدها والزوج طوع أمر زوجه يأخذ عنها نصائح وينتفع بما تلقيه عليه من الأحكام قالت الكاتبة: ولذلك كان نساء برمانيا أسعد النساء طراً. والمرأة في كوريا هي القوة الاقتصادية العظمى في البلاد. نوابغ الرجال في إحدى المجلات الإنكليزية بحث في الأجناس والأفراد رأى فيه صاحبه أن النابغة هو الذي تنجح به الطبقات على اختلاف أشكالها وارتأى أنه يحكم على جنس من أجناس البشر من صلاته مع الأفراد ولم يفصل فصلاً صريحاً بين فطرة الأفراد وفطرة المجتمع. وهذا الرأي أشبه برأي كارلايل الإنكليزي القائل بأن الأفراد هم العالم بأسره وبهم عليه يحكم. مكتبة الإسكندرية في إحدى المجلات الفرنسية مقالة للمسيو البرسيم أحصى فيها أعداء الكتب وعد من جملة من أحرقوا الكتب بالنار عمر بن الخطاب ﵁ أمر عامله بمصر أن يحرق مكتبة الإسكندرية لما فتحت. قالت الجريدة بيد أن ما نسب إلى هذا الإمام من الأمر بإحراق خزانة الإسكندرية لا أصل له إذ لم تكن المكتبة موجودة على عهده. وعدَّ في جملة أعداء الكتب النساء لأنهن لا يشفقن عليها ويمزقن جلودها ليجعلنها صرراً أو رزماً. وسننشر

стр. 73

رسالة في حريق المكتبة الإسكندرية بياناً للحقيقة التاريخية. المجلات العربية التمثيل العربي الهلال - بحث في أصل التمثيل قال فيه إنه شرقي المنشأ ظهر في الهند والصين واليابان وظهر في اليونان والرومان. وأن القدماء استخدموا التمثيل لمقاصد دينية ولإخضاع الشعب وتربيته ومن رأيه أن التمثيل قبل الإسلام لم يكن اللهم إلا إذا اعتبر ما كان العرب يقومون به في الكعبة وحولها من الطواف والرقص من قبيل التمثيل. وعدّ من التمثيل الديني ما يقوم به الشيعة من تمثيل مقتل الحسين كما عدّ ما يجربه بعض أرباب الطرق من التمثيل الديني أيضاً. وقال أن أول من أدخل التمثيل بالعربية مارون النقاش من أهل بيروت سنة ١٨٥٥ أدخله إلى بيروت وعمه سليم النقاش أول من مثل الروايات العربية في مصر سنة ١٨٦٧. اختلاف الشرائع وغرائبها أنيس الجليس - نقلت بحثاً عن صحيفة إفرنجية قالت فيه: من الأحكام المستغربة حكم أصدرته إحدى مدن إنكلترا تمنع به ثقب عيدان الكبريت على حيطان المنازل في الشوارع وجعلت القصاص على من خالف ذلك غرامة وسجناً. وحرمت إحدى مقاطعات أميركا التدخين فمنعت من حمله وعدت ذلك ذنباً عظيماً وهو حكم يذكر بأحكام القرون الماضية إذ كان مدخن التبغ يجلد في إنكلترا أو سواها ويناله السجن والعذاب. ومنعت إحدى مقاطعات أميركا تعاطي الشراب في الأندية الجامعة ولم تسمح به في المنازل إلا لواحد فقط مخافة أن يشربا فيعربدا. وأصدرت إحدى شركات السكك الحديدية بأميركا أمراً بمنع التقبيل في محطاتها لأنه يضيع به الوقت فتتأخر القطارات. وفي بعض ممالك أوربا يمنع البصق في الشوارع ومن مستغرب الأحكام في أميركا حكم يقضي على كل رجل وامرأة وغلام بأن يذهب إلى الكنيسة ثلاث مرات على الأقل في الأسبوع. علوم الدعاة المنار - في مقالة دعوة اليابان إلى الإسلام أن الداعية ينبغي له فهم الكتاب العزيز

стр. 74

والاطلاع على السنة ومعرفة ما فيها من حكم التشريع ومعرفة السيرة النبوية وتاريخ الإسلام والبصيرة في علم الاجتماع والتاريخ العام والإلمام بسائر العلوم العصرية والاطلاع على ضروب الأساليب المدنية وغير ذلك. محمد علي الكبير المقتطف - ما برح يكتب في تاريخ محمد علي الكبير وهو في الحقيقة بحث في تاريخ سورية ومصر في أوائل القرن الماضي وجل اعتماد كاتبه على تاريخ الجبرتي وتاريخ مشاقة وكلاهما ثقة. وما أحلى اعتراف مشاقة بأنه كان يساعد إبراهيم باشا وخصومه معاً على حسب طاقته واعتذر عن نفسه بأن خدمة إنكلترا واجبة عليه لأنه من مأموريها. شواذ الخلق الضياء - شواذ الحلق هو كل ما شذ عن المألوف في نوعه بزيادة أو نقص في أعضائه أو اختلاف في بعض أشكاله أو تخاذل في خلقته وهو أن لا يكون بعض أعضائه مناسباً لبعض غرابةٍ في منظره بأن يتجاوز الحد في الضخامة أو الدمامة. قسمها بعضهم إلى أربعة أنواع الشذوذ البسيط وهو ما كان في عضو واحد أو جهاز واحد أو حالة واحدة من أحوال التركيب والشذوذ المركب وهو ما يتناول عدة أعضاء من الجسم ولكنه لا يمنع شيئاً من الوظائف والشذوذ المتداخل وهو في الغالب يرى من الظاهر ويكون باجتماع أعضاء الجنسين أو بعض مميزاتهما في شخص واحد والشذوذ بحده وهو ما يشوه الأشكال الظاهرة إلى ما يخالف شكل بقية النوع وهو في الغالب يؤثر على وظائف الأعضاء بحيث تتعذر الحياة في خارج جوف الأم.

стр. 75

نفاضة الجراب أسعار الأشعار قال الوهراني لبعض أصحابه وقد فارقه من الشام إلى مصر: فاجتمع يوماً ببعض المعارف الراسخين في المعارف، فسأله عن أسعار الأشعار فأخبره عنها بالكساد، والفساد، وعن أهلها بالحراف، والانحراف، وقال: كل كلام مسجوع، لا يسمن ولا يغني من جوع، وصاحب القصيد، كالباسط ذراعيه بالوصيد، وما عند الأمراء، أخسُّ من ذقون الشعراء، فلو بشر أحدهم بشار وهنأه ابن هانئ، وقصده أبو العلاء، ونزل به صريع الدلاء، ومدحه الدؤلي بداليته، والطائي بطائيته، والوأواء بواويته، لما أجازوه على ذلك بجوزة، ولا أثابوه بثوب خليع، ورد أمس الذاهب أهون عليه من أخذ ذهبه، وخلع الأكتاف أهون من خلعه، وحنوط الغاسل أقرب من حنطته، والشعرى أقرب من قرطه، والتبن مثل التبر. الشاعر والشعير كتب سبط ابن التعاويذي - الشاعر المطبوع الذي يقول فيه ابن خلكان أنه لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه في جودة الشعر ورقة المعاني ودقتها (٥٥٣) - إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر وهو من أبناء مواليه يطلب منه شعيراً لفرسه. مولاي يا من له أياد ... ليس إلى عدها سبيل ومن إذا قلت العطايا ... فجوده وافر جزيل إليه إن جارت الليالي ... نأوي وفي ظله نقيل إن كميتي العتيق سناً ... له حديث معي طويل كان شرائي له فضولاً ... فاعجب لما يجلب الفضول ظننته حاملاً لرحلي ... فخاب ظني به الجميل ولم أخل للشقاء أني ... لثقل أعبائه حمول فإن أكن عالياً عليه ... فهو على كاهلي ثقيل ازحل كالبوم ليس فيه ... خير كثير ولا قليل ليس له مخبر حميد ... ولا له منظر جميل وهو حرون وفيه بطئ ... ولا جواد ولا ذلول

стр. 76

لا كفل معجب لراءٍ ... إذا رآه ولا تليل مقصر إن مشى ولكن ... إن حضر الأكل مستطيل يعجبه التبن والشعير ال ... مغسول والقت والقصيل إذا رأى عكرشا رأيت الل ... عاب من شدقه يسيل وليس فيه من المعاني ... شيء سوى أنه أكول فهب له اليوم ما تسنى ... وهبه من بعض ما تنييل ولا تقل إن ذا قليل ... فالجل في عينه جليل

стр. 77

العدد ٢ - بتاريخ: ٢٦ - ٣ - ١٩٠٦

стр. 78

صدور المشارقة والمغاربة كارلايل ولد سنة ١٧٩٥م وتوفي سنة ١٨٨١ هو أحد فلاسفة القرن الماضي في بلاد الإنكليز وأوحد رجال القلم وأرباب التاريخ منهم. كان أهله من صغار المزارعين فبعثوا به إلى كلية ادمبرغ المشهورة فامتاز فيها بالرياضيات وبذَّ فيها أترابه ولما أتم سني الدراسة عين معلماً في إحدى المدارس إلا أن صناعة التعليم لم ترقه فاقتصد شيئاً من الدراهم يستعين بها على درس الحقوق واللاهوت في الكلية المشار إليها. ثم تخلى عنهما وأخذ بأهداب الآداب والانكباب على خدمتها. وكان يقول إن الآداب هي البيعة الوحيدة التي تحشر في حجرها جماعة المؤمنين في القرون الحديثة. ويعني بذلك تشبيه الكاتب بواعظ يبشر بأفكاره ويبثها في كل مكان وزمان. أخذ كارلايل يؤازر من أول أمره في إنشاء إحدى الموسوعات وينشر المباحث النافعة في بعض المجلات ويدرس الألمانية وآدابها وقد نقل عنها شيئاً إلى الإنكليزية ثم اضطر إلى معاودة صناعة التعليم قياماً بأود عياله. وكان في خلال ذلك ترجم شعر شيلر الألماني فلم يحز قبول العلماء وأهل الأدب. تزوج كارلايل بفتاة ايكوسية عرفت بعقلها وجمالها بيد أنها كانت تشكو كل الشكوى من سكوته وأثرته. ولم يكن زواج العالم سعيداً لضيق ذات اليد وعموم الحاجة وأشياء داخلية هو الأصل فيها. ولقد كتب سنة ١٨٣٥ أن الأدب لم يأته بفلس منذ ثلاثة وعشرين شهراً ومع هذا كان من الثبات والانكماش آية الآيات، وغاية الغايات. وفي تلك السنة أتم الجزء الأول من كتابه الثورة الفرنسية وبعث بمسودته إلى ستوارت ميل الكاتب المشهور ينظر فيها فما هو إلا أن جاءه كتاب منه يقول فيه: إن خادمة له خرقاء ألقت بكتابه إلى النار فأصبح رماداً تذروه الرياح. فكاد كارلايل يجن بهذا النبأ حتى أنه ظل ثلاثة أيام لم يأكل ولم يشرب وطاش عقله حتى هام على وجهه في الفلاة وبقي ثلاثة أشهر لا يعي على شيء إلا ما كان من تصفحه بعض الروايات على سبيل الفكاهة. ثم عاود كتابة ما سلف له في هذا الموضوع معزياً نفسه بقوله: لعل الأقدار أرادت أن تعاملني في كتابي كما يعامل الأستاذ تلميذه إذا فرض عليه فرضاً ولم يجد فيه فيقول: عد إلى كتابته ثانية لأنه لا يصلح.

стр. 79

ولما أتم موضوعه كان الطابعون يخطبون ما كتب من كل صوب وارب يريد كل منهم أن يستأثر بما كانوا لا يرتاحون إلى النظر فيه منذ سنين لقلة شهرة صاحبه. وكتب المترجم به مقالات في انتقاد المجتمع الإنكليزي تحزب في بعضها للألمان. وكان بعد عودته إلى لندن يخطب في الأدب والتاريخ ويقيم الحفلات لذلك. ونقد ما حصل من ارتقاء التمدن المزعوم وصنف عدة كتب منها تاريخ فردريك الثاني الألماني وفيه يدرس تلامذة المدارس الجندية الألمانية تاريخ فردريك. ويقول أميرسون الفيلسوف الأميركاني أن كتابه هذا هو أبدع ما كتب من الأسفار التي تشف عن عقل وفضل. أبدع كارلايل في كتابة التاريخ على طريقة حديثة على عكس سائر الكتاب فهو يضم شتاته على نسق مقدمات العلوم وطريقته أن يعول على من ساعدتهم العناية الربانية فكانوا خيرة قومهم وخاصة بني جلدتهم. ومن رأيه أن لكل عصر مزاياه وأهواؤه وحاجاته ومفاسده تتجسد في بطل من الأبطال. وأن للرجال الحق وحدهم أن يحكموا العالم ويصرفوه تحت أمرهم. فللقائد كرومفل ونابليون أن يكونا وحدهما مثال الرجولية الحقيقية. قال وإن كل مجتمع يرأسه ضعاف العقول ينتهي بالانحلال. وعلى هذا الفكر بنى طريقته في الفلسفة التاريخية - هذه زبدة ما ورد في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى وغيرها في ترجمة هذا الرجل العظيم.

стр. 80

الصحافة العربية مضت نحو ثمانية عقود من السنين منذ أنشئت أول صحيفة عربية أنشأها محمد علي الكبير في هذه العاصمة وسماها الوقائع المصرية وأنشأ رفاعة الطهطاوي أول مجلة علمية سماها روضة المدارس. دامت الوقائع إلى اليوم وانقطع نشر الثانية بعد أن صدرت أربع عشرة سنة. وما لبثت الصحافة أن ولدت ونمت في أرض سورية ثم انتقلت إلى مصر في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن ودبت فيها ودرجت. فكأن الله خص مصر بأن تزكو تحت سمائها الأعمال العلمية كما تزكو تربتها بالأعمال الزراعية. وما برحت الآمال معقودة بأن تبلغ الصحافة عما قليل أشدها ورشدها لتضاهي صحافة الأمم الراقية في موضوعاتها وتأثيراتها إذ أن العقلاء يذهبون إلى أن صحافتنا مازالت حالها على ما انتهت إليه غير متناسبة مع عمرها الطويل. والمعمر في الأعم من حالاته يشتد ساعده وزنده وتقوى ملكة عقله وعلمه بكثرة تجاربه وأسباب رويته. ولا خير في أمة لا يقوم بشؤونها شيوخ تفاخر بأعمالهم مفاخرتها بعقولهم وطول أعمارهم. لا جرم أن تخلف الصحافة عن بلوغ مراقي الفلاح الحقيقي لأول أمرها ناجم عن كونها نشأت وسط أمة لا تعترف بالعلم إلا لرؤساء الأديان وهؤلاء لا يعدون من العلم في شيء إلا ما بحث في الأخرويات أو الزهديات أو الجدليات. وبين ظهراني أدباء يزعمون أن الأدب عبارة عما ألفوه من مد إطناب الإطناب في إطراء الكبراء والأسخياء وأرباب المظاهر والاغتراف من بحر المديح بالطويل العريض. وبين كتاب لا يعتقدون الكتابة إلا فيما اصطلحوا عليه من كتابة الصكوك والعقود والمواثيق. وبين عظماء موقنين بأن رؤساء الدين والعلم والأدب اتباع لهم. هكذا كان العلم والأدب في دور الصحافة الأول. ولا يفوتك العلم بأن من تنبهوا لها كانوا يشاكلون قومهم بعض المشاكلة في أدبهم وأخلاقهم لأنهم أبناء ذاك الوسط الذي هم بعض أفراده وسلالة تلك الطينة الشرقية التي جبلت بيد الضعة وصهرت بقطران المسكنة. ويعلم الباحثون في عقول الفصائل البشرية أن الشرقي ذكي مفطور على حب التقليد خصوصاً إذا تهيأت له الأسباب فقد نجد المصري أو السوري يتعلم شيئاً من لغات الغربيين فلا يعتم أن يقلدهم في مناحيهم وأطوارهم أما من ذهب إلى بلادهم ودخل مدارسهم فإنه يكون مثلهم إلا القليل. غير أن تقليدنا الغربيين في صحافتهم قد أبطأ وكان من حقه أن يتقدم كل تقليد. ذلك أن المجلات الدورية على ما في أكثرها من

стр. 81

المحاسن والفوائد لا يزال بعضها يعرف بالتقليد ويكتب بلسان التقية على أن العالم لا دين له ولا نزعة. أما الجرائد السياسية فتكاد تكون نمطاً واحداً في إنشائها وأخبارها. ناهيك بما في بعضها من التضارب في الآراء والمذاهب. ولو خلت من هذه الشائبة وكان لها مواد وافرة تستعيض بها عن تجسيم الأخبار وبناء قبة من حبة لكان فيها خير ذخر ينفع العقول ويقودها إلى مهيع السداد وجواد الأسعار. وليس العلم كالسياسة في مسائل المغالطة والسفسطة فإن جوزهما فريق في السياسة حباً بالمصلحة فإنهما لا يسوغان في العلم بحال من الأحوال. يعيب المغاربة على المشارقة تقلبهم في مآربهم وحركاتهم. وهذا التقلب محسوس في بعض جرائدنا فإنها كدوارة الهواء في الأفكار تنتسب اليوم إلى حزب وتستميت في الدفاع عنه حتى إذا لم تصادف من ورائه مغنماً أو تؤنس من أهله فتوراً تنقلب عليه وتنسى اليوم ما ذكرته أمس. وليس معنى هذا أني لا أقول بالأحزاب فإن الاختلاف بين الناس ضروري على شريطة أن يخلص صاحب المبدأ في أقواله وأفعاله ويعتقد صحته ويتفانى في نصرته دون أن يغمط حق خصمه ويغض منه. وحبذا لو طرحت مسائل التشيع للأحزاب جانباً واشتغل أرباب الجرائد السياسية في بث أدب وفضيلة وتأييد كلمة حق نافعة. وما التحزب للأحزاب لو أنصفنا إلا ضربٌ من ضروب الخراب وكل بيت ينشق على نفسه يخرب. وما أشبه بأهل البصيرة أن يخففوا من هذه النغمة فقد ضربوا على وترها أعواماً والحال ما استحالت، والأقوال ما نجعت، بلى ازدادت النفوس اشمئزازاً والصدور إيغاراً. ومن سوء طالع هذه البلاد أن معظم بنيها لا يرون الأمور بل لا يريدون أن يرونها إلا من جهة واحدة. ومن الغريب دعوى بعضهم في أن غير هذه البضاعة في العلم والسياسة لا تنفق في سوق الأمة لأنها ما فتئت في الجهالة غارقة والصحيح أن التاجر الماهر يصرف ضروب السلع في معرض بضاعته إذا أجاد مصنوعاته وأحسن بياعاته. ألا ترى إلى رواج أنواع من الصحف ما كان يحلم برواجها. تهيأ لها الرواج عندما صحت عزائم القائمين بها وأخلصوا القصد في نشرها ولا يضر العمل الصالح إذا تصدى بعض ضعاف العقول إلى التزهيد في خطته فما قط اجتمعت كلمة العامة والخاصة على استحسان شيء وكذلك لا يضر الصحف

стр. 82

ويحول دون انتشارها وما يوعز به بعض أنصار التقليد في العلم إلى اليوم من الرغبة عن مطالعتها لأنها مفسدة منقصة فإن أمثال هؤلاء المثبطين عن كل جديد نافع هم الحلمة الطفيلية في العمران، وكل من حال دون أسباب العلم والعرفان، هو العضو المؤوف في جسم الإنسان. زار صديق لي من كتاب الصحف منذ سنين رجلاً ذا شهرة طائلة موسوماً بشعار العلم في إحدى المدن الكبرى وله من التلامذة والمريدين صنوف فعرفه إليه بعضهم وقال له: هذا فلان منشئ الجريدة الفلانية. فقال وما هي الجريدة. فأنشأوا يشرحونها له حتى فهمها ولكن بعد أن بحّ صوت الشارح في شرحه لمحدثه عن معنى الجريدة وهو يستغرب وجود شيء في العالم يعرف بهذا الاسم. فانقلب صاحبنا من لدن ذاك الرجل مغرباً في الضحك متعجباً من أناس في مثل هذا العصر جاهلين بأحوال العالم إلى هذا الحد بعيدين عن حوادث الأيام. وعندي أن أمثال هذا الرجل لا يفيد الصحف تنشيطه وتثبيطه. والمعارف اليوم كسيل جارف تودي بمن لا يجاري الدهر ويمشي مع الأيام والجامدون كثار في كل جيل وقبيل وليسوا هم المطالبين برواج بضاعة القلم أو المقصودين بالنفع من المكتوب. ولئن يهدي الله بهذا صعلوكاً صغيراً خير من إضاعة الوقت في ممارسة شيوخ الجمود وكهوله وشبانه. وكلما تأملت الصحف وآراء طبقات الناس فيها استنتج أن من توفروا على نشرها أول النهضة كان معظمهم من العامة الذين لا يحبون من الجرائد غير ما تأتي به من الربح المادي وبعبارة أخرى كانوا تجاراً لا أصحاب دعوة إلى إصلاح أو إرادة في بث علم وفضيلة، وسماسرة أقوال، لا صيارفة عقول، وجهابذة جربذة لا جهابذة أفعال. دع عنك سيد الصحفيين في الدور الأول أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب في الأستانة فإنه أحسن الاضطلاع بوظيفة الصحافي وتمت على يده حسنات كثيرة من خدمة اللغة والأدب والعلم والسياسة لأن غرضه لم يكن مادياً محضاً. وأن ما نراه اليوم من ارتقاء بعض الصحف السياسية فالفضل له فيه لأنه واضع أساسها الحقيقي وما نراه من انحطاط بعضها فمنشأوه أولئك العامة الذين أنشأوا الجرائد في الدور الأول وغرضهم الدنيا من أي الطرق أتت وما نشهده من ارتقاء بعض المجلات فمصدره رفاعة الطهطاوي في مجلته روضة المدارس

стр. 83

وما منزلة رفاعة في العلم بخافية على دارس تاريخ النهضة العلمية في هذه الديار. ولقد قامت بعد ذاك العهد مئات من الصحف الإخبارية والعلمية ثم سقطت وانتشرت ثم انتثرت شأن كل نهضة في أولها خصوصاً في بلاد يغلب على أهلها القول حتى إذا حقت كلمة الفعل تضاءلت نفوسها أبنائها وأعوزهم الثبات والصبر. وما عهد في تاريخ الحياة الاجتماعية أن عملاً نجح فيه صاحبه دون التشبث بأهداب عامة أسباب النجاح وتهيئة المعدات الضرورية من علم وعمل ومال ورجال اللهم إلا في الشرق فإن معظم من ينجحون فبالاتفاق هذا وقد نفعت الصحف على قلة نصرائها في تنوير العقول وتحسين ملكة المنثور والمنظوم فانتقل زمرة من العامة بإدمان مطالعتها من طور العامية إلى طور العالمية. ولكم كانت الجرائد والمجلات باعثة على تعلق بعضهم بالمطالعة حتى صارت لهم عادة وجبلة وفتحت لهم طريق البحث والدرس. وسقياً ليوم تتأصل فيه الحرية الحقيقية في أخلاق الأمة فتذكر المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ورعياً لعهد نرى فيه لقادة الأفكار من تعليمهم الحر ما يلتزمون به القصد فلا إلى تفريط ينهجون ولا في الإفراط يسترسلون. وقد خطب حاكم الهند منذ مدة متخرجي المدرسة الجامعة بكلكتا فقال أن المبالغة من شأن جرائد تلك البلاد فهلا خطب فينا من يحسن وصف جرائدنا هذه. وبعد فهذا رأي مولع بالصحف على اختلاف ضروبها منذ صغره بل خاطر صحافي خدم الصحافة سنين كثيرة صرح به على جليته غير مدالس ولا مؤالس والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

стр. 84

تأثير الآداب للآداب معان كثيرة فمعناها اللغوي حسن الأخلاق وفعل المكارم وأطلقه المولدون في الإسلام على علوم العربية وأعني به هنا المنظوم والمنثور من الكلام ومنزلته من الفصاحة والبلاغة ليفعل في الأرواح فعل الراح. ولكل أمة أدب بحسب اصطلاحها ورسوم لغتها يطرب به عامتها فضلاً عن خاصتها وتثار به الأحقاد وتحرك الحفائظ وتدعى به إلى سبل السلام والوئام ويدلها على مواقع السداد والسؤدد ويذكرها بأيامها وأيام النازلين بقربها والقاصين عنها وهو على الجملة مسبر للوقوف على الحاضر والغابر ومهماز يدفع إلى العمل بعد القول ومثار كل فضيلة رافعة ومنار كل نجح عاجل أو آجل. لابد في كل نهضة دينية كانت أو مدنية أن تتقدمها الآداب ويتفانى أبناؤها في حبها شهد بذلك تاريخ الأمم جمعاء. ألا ترى أن أديب القبيلة في الجاهلية كان يتدفق من لسانه معين البلاغة فتفعل كلماته في قبيلته يعقد بها سلمها ويشهر حربها ويعدد مفاخرها ومآثرها ويدون تاريخها وأيامها وإن سوق الأدب عند العرب لما نفقت وكثر تغاليهم في نقلها وإنشادها وأصبحت بينهم للبلاغة دولة، ولجوامع الكلم تأثير وصولة، نزل القرآن فأدهش بإعجازه البلغاء، وأسكت ببيانه مصاقع الخطباء، وتأدب رجال الخطابة والكتابة بآدابه وتبيانه فزاد تأثير الشعراء والخطباء أكثر من ذي قبل حتى كان أهل الحكم يحاذرون فلتات ألسنهم فيوسعون لهم من برهم ما يقطعونها به. ولما أخذت الآداب موقعها من النفوس ونالت حظها من العناية ونضجت ثمرتها حتى كادت تذبل عرف العرب أن كيانهم لا يقوم بالآداب وحدها وسلطتهم لا تأمن البوائق ببنات الأفكار وإن دور الأقوال انقضى حكمه وجاءت النوبة للأفعال ونضبت مادة البيان ومست الحاجة إلى البرهان فأنشأوا إذ ذاك يتوفرون على الأخذ من كل علم يزيد في سعادتهم ويضمن لهم الراحة الدنيوية كما ضمن لهم الدين الراحة الأخروية وكان من أمر علوم الأمم وتناقلها بين ظهرانيهم ما كان من حسن الأثر وخدمة الحضارة والغضارة. وهكذا لو بحثت في تاريخ كل أمة لألفيت الآداب روادها، إلى مسالك إسعادها، وقوادها، إلى ذرى رقيها وإصعادها، كان هذا شأن الفرس واليونان والرومان في القرون الماضية بل وشأن الترك والعرب في القرون الحديثة فإنهم لم ينبغ لهم في التاريخ والسياسة وفنون الحرب والطبيعة والرياضة والفلسفة رجال أحرياء بالاعتبار بالنسبة لمحيطهم وأسبابهم

стр. 85

حتى نبغ بينهم أهل آداب أمثال منال وضيا وناجي والأبياري والفاروقي والأسير والأحدب واليازجي وكرامة والجندي والهلالي ومراش والشدياق والبربير وأمثالهم ممن بيضوا الصحف بما سودوه في القرطاس من رائع آدابهم وفيض قرائحهم وخفة أرواحهم. وقر زعماء الأدب في الصدور بما نفثوه من صدرهم أكثر من العلماء والمفننين بما خدموا به العلم والمدنية من نتاج عقولهم المستنيرة وما ذاك والله أعلم إلا لأن الأدباء يكتبون للعامة والخاصة معاً أما العلماء فيكتبون للخاصة فقط. وشأنهم في هذا شأن أهل العلم والاختراع مع أرباب الأموال في الغرب لعهدنا فإن الأول يتعبون في الإبداع فلا يتمتعون بغير جزء طفيف من أعمالهم الشاقة الطويلة ويجيء أرباب المال فيجنون الثمرة غضة يانعة. قال بلونشلي الألماني في كتابه السياسة ما تعريبه: للآداب في أفكار الطبقة المنورة تأثير أعظم من تأثير العلم إذ أن لجمال الشكل والصورة وقعاً كبيراً في النفس أكثر من العلوم التي هي في الغالب قضايا غثة باردة وأن كتب شكسبير وولتير سكوت معروفة أكثر من كتب باكون ونيوتن وأن التمدن الفرنسي ينسب إلى راسين ومولير أو فولتير أكثر منه إلى بوفون ولابلاس ودوبين. وإن كيتي وشيلر قد نورا وحمسا طبقات أكبر من التي نورها كانت والإخوان هومبولد وليسنغ قد أثرا بروايتهما في ناتان أكثر من روايات لاوكون. قال لي أحد ساسة الألمان يوم زار الإمبراطور غليوم الثاني بلاد الشام أندري لم أحب مليكنا السلطان صلاح الدين يوسف حتى قصد دمشق لزيارة ضريحه وفاخر بأنه بات في مدينة عاش فيها من كان أعظم أبطال العصور السالفة قلت لا علم لي بذلك قال لأنه قرأ في صباه رواية وأظنه قال لشاعرنا شيلر تضمنت سيرة صلاح الدين ووقائعه فأشرب قلبه حبه وراح ما لقنه في العاشرة يبرز أثراً من آثاره وهو في الأربعين. قلت وهذا ملك عظيم في الحديث أثر فيه شاعر أمته أحسن تأثير على أنه الأدب يلطف الشعور ويحسن العواطف ولقد كان جد هذا الإمبراطور فريدريك الكبير لما عزم على إنهاض أمته من كبوتها يوعز إلى الشعراء بواسطة بعض وزرائه أن ينظموا قصائد حماسة ترقق الإحساس وتكبر النفوس وتدعوها إلى المعالي فكانت هذه القصائد سبباً في إنهاض ألمانيا ووحدتها على ما قيل.

стр. 86

وإليك مثالاً من تأثير الآداب في القديم قال معاوية بن أبي سفيان اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم فلقد رأيتني يوم الهزيمة وقد عزمت على الفرار فما ردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري: أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي لا دفع عن مآثر صالحات ... واحمي بعد عن عرض صحيح

стр. 87

البشر والشعوب معرب عن الفرنسية علم خصوصيات الشعوب - يعمر الأرض ناس قلما يتشابهون، يختلفون بالطول وهيئة الأعضاء والرأس وسيماء الوجه ولون العيون والشعور ويتباينون باللغات والذكاء والإحساس. وبهذا التمايز ينقسم سكان المعمور إلى عدة أقوام تدعى أجناساً. فالجنس مجموع ناس يتماثلون ويباينون جنساً آخر وما يمتاز به جنس عن غيره من العلامات العامة ويسمى طبائع وأخلاقاً هو الذي يتألف منه مجموع خواصه. فيعرف الجنس الزنجي مثلاً بجلد أسود، وشعور مجعدة، وأسنان بيضاء، وأنف أفطس، وشفاه خنس، وفك ضخم. ويدعى درس أحوال الأجناس وما يتشعب عنها ايتنوغرافيا أي علم خصوصيات الشعوب. وهو علم لم يرتق بعد لحداثة وضعه وما برح مشوشاً منتشراً لكثرة مجموع خواص البشر وصعوبة التمييز بينها أحياناً. الأجناس - أخص الأجناس الجنس الأبيض وهو يسكن أوربا وشمالي إفريقية وغربي آسيا. والجنس الأصفر ينزل في آسيا الشرقية ومنه الصينيون والمغول والترك والمجر. ومن دخل أوربا منهم من الفاتحين فبشرته صفراء وعيونه خرز مقطبة ووجناته ناتئة ولحيته خفيفة. والجنس الأسود يقطن أواسط إفريقية وهم الممتازون بأديم أسود وأنف أفطس ووفرة كالصوف. والجنس الأحمر يستوطن أميركا ومنهم هنود القارة حمر الأديم سبط الشعور. الشعوب المتحضرة - يُعدُّ أهل الجنس الأبيض من المتحضرين إلا قليلاً أما سائر الأجناس فقد زلوا على حالة الهمجية والبربرية كما كان الناس قبل زمن التاريخ. قامت الشعوب المتمدنة على تخوم قارتي آسيا وإفريقية فقام المصريون في وادي النيل والكلدان في سهل الفرات. وكلهم أهل فلح وحرث ألفوا الإقامة وجنحوا للسلم. أديمهم مشبع، وشعرهم قصير أثيث، وشفاههم مبرطمة، ولا يعلم على التحقيق من أين منبعثهم. ولم تتفق آراء العلماء على تسميتهم فيدعونهم تارة كوشيين وأخرى شاميين. وقد انسالت من جبال آسيا بين القرن العشرين والخامس والعشرين ق. م عصابات من الرعاة أهل غارة وزعماء فتنة فانتشروا في أطراف أوربا كافة وفي غرب آسيا. ويقسمهم العلماء إلى قسمين آريين وساميين.

стр. 88

الآريون والساميون - ليس بين هذين الجنسين من علامة خارجية جلية فكلاهما من الجنس الأبيض: اهليلجية سحناتهم، متناسبة أعضاؤهم، صافية جلودهم، أثيثة شعورهم، نُجل عيونهم، رقيقة شفاههم، منتصبة أرنبتهم، وهم في الأصل رعاةٌ من سكان الجبال يألفون الارتحال والقتال. ساميّهم من أرمينية، وآريّهم من وراء جبال حملايا وهم يمتازون بالعقل واللسان خاصة امتيازهم بالديانة قديماً. وقد وقع الاتفاق على تسمية الشعوب التي تتكلم لغة آرية بالآريين وهم الهنود والفرس في آسيا. والروم والطليان والأسبان والجرمان والسكنداويون والسلافيون (الروس والبولونيون والصرب) والسلت في أوربا. والساميون هم الشعوب التي تتكلم لغة سامية وهم العرب واليهود والسوريون ومما ينبغي أن يعلم أن بعض الشعوب تتكلم لغة آرية أو سامية وليست من الآريين والساميين في شيء كما أن الزنجي قد يتكلم الإنكليزية وليس فيه عرق من الإنكليز. وربما عددنا كثيراً من الأوربيين في مصاف الآريين وليست أصولهم في الواقع إلا من جنس غلب عليه الآريون فاقتبس لغاتهم على نحو ما اقتبس الفرس لغة العرب أيام غلبوهم على أمرهم. فهذان الاسمان الآري والسامي يطلقان اليوم على فريقين من الشعوب وليسا جنسين حقيقيين. ولا بأس أن يقال بناء على هذا المعنى أن الشعوب المرتقية كانت كلها سامية وآرية فنشأ من الساميين الفينيقيون رجال البحار واليهود رجال الدين والعرب رجال الحرب فسار فريق من الآريين إلى الهند وانصرف آخر إلى أوربا فنشأت منهم تلك الأمم التي كانت ولا تزال في مقدمة العالم. ولقد امتاز الهنود في القديم بآرائهم العالية الفلسفية أو الدينية واليونان بإيجاد الصنائع والعلم والفرس والرومان بتأسيسهم في الشرق والغرب مملكتين عظيمتين من أضخم الممالك التي نشأت في الأيام الخالية. ويبدأ تاريخ الحضارة بالمصريين والكلدانيين حتى إذا كان القرن الخامس والعشرون للميلاد يصير عبارة عن تاريخ الشعوب الآرية والسامية.

стр. 89

التاريخ الأساطير - نقلت أساطير الأولين عن روايات متسلسلة طالما تحدث الناس بها قبل أن يدونوها لذلك تراها مشوبة بحكايات وخرافات. فتحدث اليونان أن أقدم أبطالهم أبادوا الغيلان وقاتلوا الجبابرة وكافحوا الآلهة وزعم الرومان أن روملس ربته ذئبة ورفع إلى السماء وقص جماع الشعوب عن طفوليتهم أساطير من هذا القبيل لا ثقة بها عند التمحيص مهما قدم عهدها. التاريخ - يبدأ التاريخ حقيقة لدن وجود أخبار صحيحة دونها أهل ثقة وعلو سماع. وليس هذا الدور واحداً في الكلام على الأمم كلها فتاريخ مصر يبدأ قبل ثلاثة آلاف سنة ق. م وتاريخ اليونان يكاد لا يتعدى الثمانمائة سنة ق. م وليس لألمانيا تاريخ يعرف إلا في القرن الأول للميلاد ويعرف تاريخ روسيا منذ القرن العاشر وليس لبعض القبائل المتوحشة إلى اليوم تاريخ في نشأتها. تقاسيم التاريخ الكبيرة - يبدأ تاريخ الحضارة بأقدم شعب متمدن وينتهي بأيامنا فمعنى القرون الماضية الدور العريق في القدم جداً ومعنى القرون الحديثة الدور الذي نحن فيه. التاريخ القديم - يبدأ التاريخ القديم بالأمم القديمة المعروفة من المصريين والكلدانيين أي من نحو ثلاثة آلاف سنة ق. م ويعم شعوب الشرق من هنود وفرس وفينيقيين ويهود ويونان ورومان وينتهي حوالي القرن الخامس ب. م بسقوط المملكة الرومانية. التاريخ الحديث - يبدأ التاريخ الحديث بأواخر القرن الخامس عشر زمان اختراع الطباعة واكتشاف أميركا وبلاد الهند ونهضة العلوم والصنائع ويلمُّ بذكر شعوب الغرب خاصة من أسبان وطليان وفرنسيين وألمان وروس وأمريكان. القرون الوسطى - هي عبارة عن عشرة قرون مضت بين القرون القديمة والحديثة فلا هي قديمة لما اعتور الحضارة القديمة من الاضمحلال ولا هي حديثة لأن التمدن الحديث لم يتكون بعد. وهذا ما يدعى بالجيل المتوسط. مصادر تاريخ الحضارة القديمة - ليس في الوجود اليوم آشوريون ولا يونان ولا رومان فقد بادت الشعوب القديمة كافة وما خلفوه من العاديات هي فهرست نستفتيه للبحث عن أديانهم وأخلاقهم وصنائعهم. والعاديات هي الكتب والرسوم والآثار واللغات. هذه عدتنا في دراسة الحضارة القديمة وهي تدعى مصادر لأنا نستقي منها معلوماتنا. والتاريخ القديم

стр. 90

يتفرع من هذه الأصول. الكتب - وضع القدماء الكتب أيام عرفوا الكتابة فكان لبعضهم مثل الفرس واليهود والهنود كتب مقدسة وخلف الرومان واليونان تواريخ وقصائد وخطباً ومقالات فلسفية. وقلما نجد في الكتب المواد اللازمة لمباحثنا إذ ليس لدينا كتاب آشوري ولا فينيقي أما ما بقي من أسفار الشعوب الأخرى فتافه جداً. ولقد كان القدماء يكتبون ولكن أقل منا ولذلك كانت تآليفهم أندر ولم يكن لهم من كل مصنف إلا نسخ قليلة لما أن الحال كانت تقضي باستنساخها كلها باليد وقد دثر غالب هذه النسخ أو ضاع أو تعذرت قراءة ما بقي منه ويسمى علم حلها باليوغرافيا أي علم الخطوط والكتابات القديمة. المعاهد - أقامت الشعوب القديمة لأنفسها معاهد مثلنا من مثل معابد لأربابها وقصور لملوكها وقبور لموتاها وقلاع وجسور وقنوات وأقواس نصر. ولقد تهدم كثير من هذه المعاهد واستؤصل وتجزأ بيد العدو أو بيد سكان البلاد ومنها ما لم تقوَ الغير على تقويض دعائمه وما فتئت ماثلة للعيان متداعية مثل القصور العتيقة لانقطاع الأيدي عن تعدها. وقد بقيت بقية يعلم منها ما كانت عليه سالفاً. ومازال بعض هذه المعاهد فوق التراب كالأهرام في مصر ومعابد ثيبة وجزيرة فيلا وقصور البرسبوليس في فارس والبارتينون في اليونان والكوليزة في رومية والبيت المربع وجسر الحرس في فرنسا. وإن السائح لعهدنا لينظر إلى هذه الآثار نظره لأثر حديث. وقد ردم أغلب هذه المعاهد على التدريج بتراب أو رمل أو فتاة أرضية وأنقاض فينبغي تخليصها من هذا الساف الكثيف أو حفر أرضها وكثيراً ما تكون عميقة للغاية. ولم يعثر على القصور الآشورية إلا بخرق آكام وتلال. وقد حفرت حفرة عمقها اثنا عشر متراً للوصول إلى قبور ملوك ميسينا. وبعد فإن عفاء هذه الخرائب لم يكن بصنع الدهر وحده فللبشر اليد الطولى في ذلك. ولم يكن القدماء ليتعبون مثلنا في التقدير والقياس لإقامة البناء. وما عنوا بنزع الردم من أماكنه بل كانوا يركمون الأنقاض ويبنون عليها ولا ينزعونها حتى إذا أشرف البناء الجديد على السقوط تنضم أنقاضه إلى أطلال أخواتها القديمة وهكذا تتألف طبقات عديدة من الأنقاض. وقد جاز أحد السياح المدعو شيلمان بحفرة في مكان مدينة طروادة خمس طبقات من الأطلال إذ كان ثمة خمس مدن خربة كلها وأعتقها على عمق خمسة عشر متراً. وما برحوا

стр. 91

يعثرون في رومية في الأحايين على ثلاث بنايات منضدة بعضها فوق بعض وقد تراكمت عليها الأطلال فعلا التراب في سفح التلال بضعة أمتار. بقيت مدينة برمتها لم تمسسها طوارق الحدثان وذلك بحادث طبيعي جرى عام ٧٩ للمسيح وهو أن بركان فيزوف في إيطاليا قذف سيلاً من الحمم مائعة أمطرت رماداً فانكشفت للحال مدينتان رومانيتان كانتا مدفونتين وهما هيركولانوم وبومبيه. وكانت الأولى تحت الحمم السائلة والثانية تحت الرماد. وقد أحرقت الحمم المتاع وغشاها الرماد وحفظها من الهواء فبقيت سالمة. وكلما أزيح الرماد تظهر مدينة بومبيه للأعين على نحو ما كانت عليه منذ ثمانية عشر قرناً. وإنك لترى في بلاطها بعد مجرات العجلات وآثار سير المركبات وصوراً خطت بالفحم في الحيطان ونقشاً وأثاثاً وماعوناً وخبزاً وجوزاً وزيتوناً في الدور والمساكن وهياكل عظام من دهمتهم الكارثة مبعثرة مبددة. وبهذا عرف القارئ أن الآثار والمعاهد تفيدنا كثيراً في الوقوف على حالة الشعوب القديمة. ويدعى علم الأزمنة القديمة أركيولوجيا. الرسوم - نعني بالرسوم كل ما يشمل الخطوط عدا الكتب فمعظم الرسوم زبرت على الحجر وحفر بعضها في صفائح من القلز ووجد منها في مدينة بومبيه ما زبر على الجدران بالأصباغ أو بالفحم. وأن بعض هذه الرسوم لتمثل تذكارات وقائع أو رجال كما هو جار الآن عند الإفرنج فيما يقيمونه من تماثيلهم وبناياتهم. وهكذا نرى الإمبراطور أغسطس دوَّن حياته على معهد انسير ومعظم هذه الرسوم عبارة عن كتابات زبرت على القبور ويماثل بعضها الإعلانات لعهدنا فتحتوي على قانون أو نظام تراد إذاعته بين القوم. ويدعى علم الرسوم ابيكرافيا. اللغات - تفيد اللغات التي نطقت بها الشعوب القديمة في بيان تاريخهم فإذا فهم الباحث كلمات من لغتين مختلفتين ينجلي له أحياناً أن أصل هذين اللسانين واحد ويسجل بأن الشعوب التي تتكلم بها خرجت من نبعة واحدة. ويدعى علم اللغات لينكستيك. النواقص - لا يذهبن ذاهب إلى أن الكتب والمعاهد والأطلال واللغات تكفي للإحاطة بتاريخ القرون السالفة فإن فيها تفاصيل جمة يمكن الاستغناء عنها وما ترغب نفوس الباحثين في استبطان حقيقته قد يعز عليها ويفر منها. وما برح العلماء يحفرون ويحلون

стр. 92

ويظفرون كل يوم بأطلال ومعاهد لم تعرف من قبل وقد بقيت مع هذا نواقص وسيبقى كذلك أبد الدهر.

стр. 93

الأمية في الغرب ليس لدينا ما يركن إليه من الإحصاءات في نسبة عدد الأميين في بلاد الغرب إلى المتعلمين من أبنائهم إذ أن إحصاء اليوم قد لا ينطبق عليه إحصاء غدٍ. والذي علم بالتحقيق أن الممالك الأوربية الصغرى كالدانمرك والبلجيك وهولندا واسوج ونروج وسويسرا هي أكثر أهل أوربا انغماساً في التعليم وأقل أهلها أميين حتى أن عدد هؤلاء بالنسبة إلى المتعلمين يكاد لا يذكر ويكفي أنه لا يوجد في سويسرا غير شخص واحد أمي في كل ألفين من السكان ذكورهم وإناثهم. ولئن كان التعليم إجبارياً في بعض الممالك الكبرى بأوربا وأميركا فلا يزال عدد الأميين يذكر فيها وفرنسا هي في مقدمة الدول العظمى بقلة أمييها وكثرة متعلميها ومنوريها. وجميع الدول شاعرة بوجوب التعليم تتفنن كل يوم في بثه على أساليب لم يكن يحلم بها اليونان والرومان ولا العرب ولا غيرهم من الأمم العظيمة التي كان لها شأن في بعض أزمان التاريخ. وقد ارتقت المدارك في الغرب حتى أصبح ما كان يدعو إليه خاصته في أوائل القرن الماضي قضية مسلمة عند الخاصة والعامة في أوائل هذا القرن وصار عليه الفتوى والعمل. كل ذلك بفضل أهل العلم منهم وعلى حسب سنة الترقي قال: بنتام ذهب بعض قادة الأمم إلى أن انتشار المعارف مضر وظنوا بأن قيمة الناس تعلو بمقدار نقصهم في المعارف وأنه كلما نقصت معارفهم غابت عنهم معرفة الأشياء التي تبعثهم على الضرر أو علمهم بوسائل فعله. وهو غلط فإن انتشار المعارف ما كان ولن يكون سبباً في ازدياد الجرائم ولا مسهلاً لارتكابها ولكنه نوع الطرق في اقترافها فاستعملت وسائل أقل ضرراً من التي كانت قبلها. لنفرض أن الأشرار يستفيدون من كل أمر وأنه بقدر معارفهم يسهل عليهم الضرر فهل نتيجة ذلك بقاء الناس جميعاً في ظلمات الجهل ولو كان خيار الناس وشرارهم منقسمين إلى نوعين ممتازين كالأمة البيضاء والأمة السوداء لقصرنا المعارف على الأولى وأبقينا الثانية في الجهل لكن تعذر ذلك وملازمة الخير للشر في الشخص الواحد تدعونا إلى القول بجعل الكل تحت نظام واحد فإما جهل مطبق للجميع وإما علم للجميع ولا وسط بينهما. على أن الدواء في الضرر نفسه لأن المعارف لا تساعد الأشرار على شرورهم إلا إذا اختصوا بها لكن إذا عمت سهل على غيرهم أن يعرفوا حبائلهم فيسقط تأثيرها. ألا ترى أن

стр. 94

الأمم في أزمان الجهل ما كانت تعرف من السميات إلا ما تسقي به أسنة رماحها ولكن الأمم المتمدنة عرفت جميع أنواع السميات وعرفت أيضاً كيف تقابلها بما يدفع ضررها. كل إنسان يمكنه أن يفعل جريمة ما وذو المعارف وحده هو الذي يتمكن من وضع قانون لمنعها وكلما قصرت معارف المرء صار ميالاً إلى فصل منفعته عن منافع الغير وكلما ارتفعت مداركه وسمت معارفه علم الجامعة بين المنفعتين. وبعد فإن من نالوا غايتهم حقيقة بجعل أممهم في حضيض الجهل إنما نالوها بنشر الأوهام وإذاعة الأغلاط فيهم ولقد كان أولئك الرؤساء أنفسهم طعمة في هذه السياسة الحرجة إذ صارت الأمم التي استمرت في السقوط تحظر قوانينها عليها أن تصعد في مراقي التقدم فريسة الأمم التي ارتقت معارفها فارتفعت قيمتها عليها. لأن الأولى شبت في الجهل وشابت في الطفولية تحت قيادة قوم أطالوا زمان خمولها ظناً بأنه يسهل عليهم تملكها لذلك سهلت تلك الأمم فتح أبوابها للطالبين إذ لا فرق عندها بين حاكمها والجديد فهي خاضعة وأولئك يحكمون. هذا ما قاله المتشرع الإنكليزي وقال روبرتسون: كان الإفرنج في القرون الوسطى أميين لا يقرؤون ولا يكتبون فكان الأعيان لا يحسنون توقيع الكتب الصادرة عنهم فيكتفون برسم الصليب عليها بدلاً من التوقيع وقد شوهد كثير منها في الأزمنة الأخيرة بعضها صادر عن الملوك وبعضها عن الأعيان كما ذكر دوكنج بل وجد في القرن الرابع عشر أن أعظم أكابر عصرهم وقوادهم مثل دوغسقلين رئيس الجيوش الفرنسية أمياً. وكان معظم القديسين أرباب المناصب الدينية والدنيوية لا يحسنون كتابة أسمائهم على المقررات في المجالس وكان أعظم امتحان يجري على من يروم أن يتقلد وظيفة سؤاله عما إذا كان يحسن قراءة الإنجيل والمكاتبات ويفسر معناها كلمة كلمة. ولطالما كان الملك الفريد الأكبر يشكو من أنه لا يوجد في البلاد الواقعة بين نهري هومبير والتايمس أحد من القديسين يفهم الدعوات القديسية بلغتها الأصلية ويتمكن من ترجمة العبارات السهلة من اللاتينية. وسبب ذلك ندرة الكتب وعدم انتشارها وذلك أن الرومانيين كانوا يكتبون كتبهم على جلود مصقولة أو على رق قشر البردي ويقال له أيضاً ورق النيل لأنه كان يأتي إليهم من مصر ولما كان ورق البردي أرخص كان استعماله عندهم أكثر من

стр. 95

الجلود. وبعد أن فتح المسلمون بلاد مصر انقطعت الصلات بين أهل مصر وأهل إيطاليا وغيرهم عن أمم أوربا فاضطر الناس أن يكتبوا جميع الكتب على الجلود فأصبحت نادرة. وقد مضت القرون على أوربا والكتابة والكتب نادرة عزيزة في كل أقطارها حتى أن لويز الحادي عشر لما استعار من جمعية الطب البشري بباريس مؤلفات الفخر الرازي أحد فلاسفة المسلمين اضطر أن يرهن مقداراً جسيماً من أعلاقه. وقصارى القول فقد أصبح الأوربيون بعد أن كان علماء الشرع والتاريخ منهم ينادون بما ينادون به على نحو ما تقدم آنفاً يعلمون اليوم ابن الزارع والتاجر والعامل والعالم والموظف ما لا غنية له عنه في هذه الحياة الدنيا من الكتابة والقراءة والحساب ومبادئ الجغرافية والتاريخ والشريعة البسيطة. وفي فرنسا مثلاً يتعلم الجميع إلا أنه ينقطع ناس تفردوا بالذكاء ومن كان أهلهم في سعة من العيش يستطيعون معها الإنفاق على أولادهم يدرسون الدروس العالية كالطب والصيدلة والمحاماة والهندسة والعلم والأدب وخدمة الحكومة بيد أن علماء الفرنسيين يشكون اليوم - وأي أمة لا تشكو من حالها حباً بالازدياد من الارتقاء - من المتعلمين على هذا النمط وأنهم فائضون عن الحاجة وينادي علماؤهم بأنهم لو ألغوا درس اليونانية واللاتينية القديمتين وكفوا بنيهم مؤونة ترجمة سوفقلس وفيرجيل وأنهم لو استعاضوا عنها بأن ذهبوا مثلاً إلى المستعمرات وزرعوا قصب السكر وباروا الألمان والإنكليز في الشؤون الاقتصادية لكان أنفع لهم وأجدى على مجتمعهم. يقولون أن شهادة العالمية (بكالوريا) التي سماها أحد ظرفاء الفرنسيين جلد حمار قد أخرتهم عن اللحاق بالأمم وقد غشي على بصائر بعض العقلاء منهم فصاروا لا يرون الفضل والعقل إلا فيمن درس هذه الدراسة إلا أن أهل النقد منهم يقولون أن من أسس معملاً توفرت فيه الأعمال وجرت على أتمها وكثرت فيه الاختراعات والتفنن وتاجراً أسس بيتاً تجارياً نجح فيه ليس في نظر المجتمع الإنساني دون ذاك العالم الذي يحمل شهادته في العلم والأدب بل هو فوقه. وما صح منذ نحو ثلاثين سنة للفرنسيين لا يصح لهم أن يتعاطوه اليوم والحياة الاجتماعية في تبدل مستمر والحضارة تصير من يوم إلى يوم حضارة صناعية علمية. وقد قال جول سيمون أحد فلاسفة الفرنسيين ينبغي أن نكون أبناء أحرياء بهذا العصر كما قال العرب خلقوا أولادكم بغير أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير

стр. 96

زمانكم.

стр. 97

الغناء المصري الغناء صوت النفس وهو في كل أمة صورة آدابها وأخلاقها وعاداتها فبينا ترى الوحشيَّ في مفازة تمشي الرياح بها حيرى مولهة وهو يتغنى بذكر الشمس والماء والشراب والعربيَّ تحت القبة الزرقاء يتغنى بذكر البدر والليل والخيل إذا أنت بالحضري وهو آمن في سربه مطمئن في عقر داره لا يخشى زئير الأسد ولا يتطلب الغيث وقد احتفت به الغواني والغيد، والجواري والعبيد، وهو يرتع في خمائل البساتين، يتجرع كؤوس الهناء، ويتغنى بذكر الجمال، والتيه والدلال، والرقيب والعذال، والعتاب والوصال، وترى الجنديَّ يتغنى بذكر الحروب، ويترنم بأغاني الوغى، ويطرب لوقع السيوف على السيوف، كما يطرب الحضري لوقع الصنوج على الصنوج، أو لدق الأنامل على الأوتار والدفوف. والغناء قديم وجد مع النفس لأن الإنسان ما لبث لما أخذه بصره جمال هذه الكائنات وجلال ذلك الخلق البديع أن تحركت عواطف نفسه فحركت عقيرته بأصوات الغناء. ولقد بلغ الغناء العربي شأواً بعيداً فلم يكد يستقر الملك لبني العباس حتى قربوا أهل الشعر وأرباب الغناء. فكانت مجالسه عندهم تفاخر مجالس الحكمة والشعر. وكان للغناء بلابل تغرد فتطرب، وتشدو فترقص. أقام الرشيد ببغداد قصراً على ضفاف دجلة فكان إذا أرقته الهموم يقصد ذلك القصر ويدعو إليه إبراهيم الموصلي ويضاء ذلك القصر البديع ويهب نسيم الليل حاملاً عطر الأزهار فيندفع المغني يحرك الأوتار فترقص الأسماك في أمواه دجلة طرباً وتشاركه البلابل في التغريد. ومن لنا بمجلس من مجالس الأنس بالأندلس وقد ضربت علينا قبة من البلور ينحدر الماء من جانبيها وحولنا الخرد العين وبيننا مائة القد تضم إلى صدرها ابن الطرب وهو يئن من لمس أصابعها تارة ويتأوه آهة المتيم المعمود طوراً وهي تنشد: ما لذَّ لي شرب راح على رياض الأقاح لولا هضيم الوشاح إذا أسى في الصباح أو في الأصيل أضحى يقول ما للشمول لطمت خدي وللشمال هبت فمال غصن اعتدال ضمه بردي مما أباد القلوبا يمشي لنا مستريباً يا لحظه رد ثوباً ويا لماه الشنيا برد غليل صب عليل

стр. 98

لا يستميل فيه عن عهدي ولا يزال في كل حال يرجو الوصال وهو في الصد وإعجاب الناس في مصر بالغناء شديد وليس هذا الإعجاب لجمال في الشعر الذي يتغنى به ولكنه لبراعة المغني في التوقيع وحذقه في الضرب على الأوتار فإنه لا يلبث أحدهم أن يرفع صوته حتى تخال أنه يدق على صنج فؤادك أو ينقر على أوتار قلبك. وأهل مصر وغيرهم في الطرب بغنائهم سواء لأنه لا تزال فيه روح الغناء القديم الذي كان يتغنى به الكهنة في الهياكل والمعابد ولا يبعد أن تكون تلك الأنغام أقرب الأنغام إلى النفس وأدناها من الجنان. ولقد يسأم المصري غناء الإفرنج وهم يرفعون أصواتهم حتى تكاد تبلغ عنان السماء ثم يخفضونها حتى توشك أن تكون أخفى من دبيب النمل وهم بين هذا وذاك يلبسونها ثوب الرقة والخشونة فتكون وسطاً بين الصياح والنهيق. ولكنه لا يسأم الغناء المصري وهو يرفل في حلل تلك الأنغام البديعة التي تأخذ بمجامع القلوب وتستهوي الأفئدة قبل الأسماع. وليس المصريون أمة حرب فيتغنون بالشعر الحماسي الذي يستفز النفوس ويهيج العواطف ويحرك الشجاعة الكامنة في الأفئدة ولسنا أمة بحارة فنتغنى بذكر الصرصر العاتية والبرق الخاطف والرعد القاصف والرياح العواصف ولسنا أمة عاملة نتغنى بذكر البخار والكهرباء والنار والماء بل نحن أمة مكسال آمنة مخلدة إلى الراحة خيراتها كثيرة وأمواهها غزيرة، نساؤنا طرب، وحياتنا لهو ولعب فلم لا نتغنى منشدين يعيش ويعشق قلبي ... رق الدلال والتيه سلطان زمانه حبي ... يأمر وينهى فيه القاهرة محمد لطفي جمعة

стр. 99

فتيان يؤلفون تناقلت الصحف الدورية في الغرب هذه الأيام رأياً للمسيو إميل فاغي من رجال العلم في فرنسا وأحد الأعضاء الأربعين في المجمع العلمي الباريسي قال فيه: أنه لا ينبغي للكاتب أن ينشر ما كتب لينفع به الناس قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره وما هو قبل هذا السن إلا معلم نفسه وممرن قلمه. وقد أذكرني هذا الرأي بأن في أمتنا من نبغوا قبل بلوغهم تلك المدة المعينة وأفادوا واستفادوا من ثمرات عقولهم. ولا يحضرني الآن من أهل الغرب إلا اسم الشاعرين الإنكليزيين كيت وشيلي اللذين قضيا في نحو الثلاثين من عمرهما وقد راق شعرهما كثيراً من الناقدين. أما في الشرق العربي فقد توفي ابن المقفع صاحب كليلة ودمنة وغيره من الكتب الممتعة وهو في السادسة والثلاثين. وتوفي سيبويه وهو لم يتجاوز الأربعين وقد برز في النحو حتى كان من لا يحفظ كتابه لا يعد بشيء في علم الإعراب. وفي مثل هذا السن توفي بديع الزمان الهمذاني صاحب الرسائل والمقامات البديعة. ولم يستكمل ابن سينا ثماني عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها من أصول الدين والأدب والطبيعي والرياضي والطب وعلم الأوائل ومات في الثالثة والخمسين وقد فاق الأوائل والأواخر. وابتدأ الشريف الرضي يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل. وألف ابن سبعين كتاب بدء المعارف وهو ابن خمس عشر سنة. واقرأ ابن الأعلم النحو قبل أن يلتحي. وكتب سليمان ابن وهب للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة ثم لايتاخ ثم لاشناس ثم ولي الوزارة. وقال السلامي الشاعر الشعر وهو ابن عشر سنين وأول شيء قاله وهو في المكتب بدائع الحسن فيه مفترقه ... وأعين الناس فيه متفقه سهام ألحاظه مفوقة ... فكل من رام لحظه رشقه قد كتب الحسن فوق وجنته ... هذا مليح وحق من خلقه واستظهر الوزير أبو القاسم المغربي من أهل القرن الرابع القرآن العزيز والكتب المجردة في النحو واللغة ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم ونظم الشعر وتصرف في النثر وبلغ من الحظ ما يقصر عنه نظراؤه من حساب المواليد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه الكاتب وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة واختصر كتاب إصلاح

стр. 100

المنطق فتناهى في اختصاره وأوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شيء من ألفاظه وكان ذلك قبل أن يستكمل سبع عشرة سنة. ونظم الوزير إسماعيل بن حبيب النظم الفاتق والنثر الرائق قال في. . .: وأبو جعفر بن الأبار هو الذي صقل مرآته، وأقام قناته، وأطلعه شهاباً ثاقباً، يرسلك به إلى فنون الآداب طريقاً لا حباً، وله كتاب سماه بالبديع في فصل الربيع جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة أعرب فيه عن أدب غزير، وحظ من الأدب موفور، وتوفي وهو ابن اثنين وعشرين سنة واستوزره داهية الفتنة ورحى المحنة قاضي اشبيلية عباد جد المعتمد ولم يزل يصغي إلى مقاله ويرضى بفعاله وهو ما جاوز العشرين إذ ذاك وأكثر نظمه ونثره في الأزاهر وذلك يدل على رقة نفسه. هذا ومن يستقر التاريخ يجد أمثلة كثيرة للنوابغ قبل السن الذي ضربه الكاتب الفرنسي على أن النفع إذا لم يحصل ممن بلغ الرشد فأحر به أن لا يحصل أصلاً وحصول النفع الحقيقي من ثمرات أعمال الكاتب قد لا يكون في الثلاثين ولا في الأربعين من عمره ولذلك قيل إذا بلغ الفتى عشرين عاماً ... ولم يفخر فليس له افتخار

стр. 101

الجنون بالكتب الغالب أن عشاق الكتب كعشاق الجمال أو هم أضل سبيلاً، فتراهم هائمين خاملين لا يعون على شيء في الأرض ولا يحفلون بعظائم الأمور فضلاً عن صغارها، يحملون الكتب روحهم وراحهم وريحانهم، بل فروضهم ونوافلهم وأحاديثهم وأشغالهم. وكل شيء إذا جاوز الحد انقلب إلى الضد. وكذلك الحال بعاشق الأسفار فربما جوَّز لنفسه السرقة ولكن سرقة الكتب بل وربما أفتى بحل ذلك لمن يستفتيه. ولقد قرأت فصلاً لأحد كتاب الفرنجة فآثرت تلخيصه كما يلي: أقر أحد عشاق الكتب يوماً في إنكلترا عن نفسه واسمه ديبدن (١٧٧٦_١٨٤٧) أنه همّ يوماً أن يسرق وحمد لله على أن خلا بنفسه في خزانة كتب ستراسبورغ ولم تحدثه نفسه بسرقة كتاب منها. وكان خطر على بال رجلين في إنكلترا أن يطبعا لأنفسهما خاصة كتاباً يكون آية في طبعه ووضعه وصوره وورقه وتجليده ولم يطبعا منه غير نسختين. فما كان إلا كلا ولا حتى حدثت أحدهما نفسه بأن يذهب لي دار صاحبه ويستأثر دونه بالنسخة فيسرق بعض صورها حتى تكون نسخته هي التي يرجع إليها فراح في غياب صاحبه إلى زوجه وطلب إليها أن تريه النسخة لغرض بدا له فدفعتها إليه وجعل يقلبها مهتماً بأمرها ثم استغفلها فمزق بعض صور الكتاب وجعلها في جيبه وانصرف فلما عاد صاحبه ارتاب في مجيء صاحبه وقلب أوراق الكتاب فرأى ما فعله فرفع عليه قضية حكمت له فيها جمعية الكتب بألفي جنيه تعويضاً. وقد راودت أحد هؤلاء الغلاة يوماً نفسه أن يحرق مكتبته بعد أن زار مكتبة الدوك دومال ابن لويز فيليب أحد ملوك فرنسا المتوفى سنة ١٨٩٧ إذ مزق الحسد والطمع والغيرة أحشاء ذاك الرجل. بيد أن العريق في محبة الكتب الحقيقي هو محب الآداب أيضاً وعضد المعارف فيغتبط إذا ظفر غيره بكتب لم يسعده الحظ بمثلها ويأمل أن يكون من ورائها مغنم كبير للمطالعين والدارسين. ومن غرائب هؤلاء العشاق غليوم بودي (١٤٦٧ - ١٥٤٠) قال إنه اغتنم الفرصة يوم عرسه فمر بكتبه قبل أن يبني بعرسه ومع هذا رزق بنين وبنات وهو الذي يروى عنه أن خادمه جاءه يوماً وهو يلهث فقال أن لسان اللهيب أخذ يندلع على البيت وكان أمام كتبه بالطبع فأجابه قل لزوجي وهلا تعرف أنني لا أتداخل في أمور المنزل. وأغرب من هذا ما أجراه أدرين تورنيب من مشاهير اليونان وأحد فلاسفة القرن السادس

стр. 102

عشر (١٥١٢ - ١٥٦٥) فإنه نسي يوم عرسه الذي يقضى عليه بأن يجتمع في يومه بالناس. وكذلك كان أمر فردريك مورل لجون من علماء فرنسا المشتغلين وكان يبحث في أخبار ليبانيوس السفسطائي اليوناني فجاءه رسول يقول له أن زوجته تريد أن تكلمه بضع كلمات وكان يحبها حباً جماً فقال له دعني الآن انظر هاتين الكلمتين لكن المهلة التي طلبها طالت واسبطرت فبعثت إليه برسول آخر قال له إن زوجتك كادت تفارق الحياة فحوقل وامتدح منها وردد بعض مآثرها وسيرتها الصالحة وعاد يغوص في بحر كتبه. ومات القس كوجي (١٦٩٧ - ١٧٦٧) حزناً لأنه أكره على بيع كتبه. ويروى مثل ذلك عن سكاليجر العالم الطلياني المتوفى سنة ١٥٥٨ وباترو الفقيه الفرنسي المتوفى سنة ١٦٨١ فقد قال الأول إن رمت أن تصاب بأعظم خطوب الأرض فبع كتبك تلق الشقاء ومن رام أن يجمع على رأسه ضروب البلايا صفقة واحدة فما عليه إلا أن يبيعه كتبه. ورأى يعقوب غوبيل (١٥٦٤) من مشاهير فرنسا مكتبته نهب أيدي الضياع والسلب في فتنة عصابات الكاثوليك فمات يائساً بائساً. وحزن العالم الكتبي كولنه دورافل الفرنسي حزناً ولا حزن يعقوب على يوسف لما رأى كتب الأبرشية تطفو على نهر السين وكان يقدر قيمتها حق قدرها لأنه رتبها وبوبها. واضطرت الحاجة اللغويَّ برونك من ستراسبورغ (١٧٢٩ - ١٨٠٣) أن يبيع جانباً من مكتبته واشتد حزنه عليها حتى كان إذا ذكر أمامه مؤلف اقتناه وباعه في جملة ما أباعه تنحدر عبراته على خديه طوعاً كرهاً. واضطر الأمير كاميراتا في القرن التاسع عشر أن يبيع أسفاره في المزاد العلني ولم تكد توزع على مبتاعيها حتى انتحر بيده وقال بيدي لا بيد عمرو. ويقرب من ذلك ما فعله الكونت لابيدويير فإنه توهم أن كتبه أتعبته فباعها فما هو إلا يوم وليلة حتى عاد يشتريها ثانية بكل مرتخص وغال فأشبه في حاله ولداً مبذراً غادر بيت أبيه. وحدث أن أحد الأميركيين المستر بريان وهب إحدى المكاتب مجاميع نفيسة من روايات نادرة فلم تمض أيام حتى عاد إلى قيم المكتبة يطلب إليه أن يرى كتبه فأخذ يحدق بها ويصوب في جلودها ويصعد فظن القيم أن صاحبه ينوي أن يسترجع ما وهب ولكن راح المسكين فانتحر بعد يومين وعزَّ عليه أن يفعل فعلته قبل أن يودع محبوباته قديماً ويرعى

стр. 103

لهن ذمامهن. ومات المركيز شالابر في القرن التاسع عشر قانطاً مخفقاً لكونه لم يتمكن من ابتياع نسخة من التوراة ثمينة. قيل إنه كان في محفظة جعلت في جلدها أوراق مالية بأربعين ألف فرنك فعثر عليها الكتبي لما اشتراها من صاحبتها فأعادها إليها. وقضى بيترارك (١٣٠٤_١٣٧٤) في مجلسه ولما استبطأه أصحابه أطلوا عليه فوجدوه ميتاً والكتاب في حجره. وكذلك مات الصحافي ارمندبرتين (١٨٠١_١٨٥٤) مدير جريدة الديبا وكان له مجاميع من أجمل القنيات والكنوز ذكروا أنه مات بين كتبه عقيب وفاة حليلته فوجدوه ماسكاً بكتاب كانت هي تحبه في حياتها فجاء الموت وهو على هذه الحال. ومات المؤلف يعقوب برونه (١٧٨٠_١٨٦٧) وهو على كرسيه وبين كتبه بعد أن عمر طويلاً ولا شغل له غير الدرس والتبحر. وقضى الجماعة موبللي منذ نحو نصف قرن وكانت مكتبته تساوي مائة ألف فرنك ولم يوجد عنده من الدراهم ما يكفي نفقات دفنه. ومن عشاق الكتب من سقطوا عن سلالم مكاتبهم فقضوا نحبهم ومنهم اييرت (١٧٩١_١٨٣٤) من غلاة الكتب في درسد والمركيز مورانت (١٨٠٨_١٨٦٨) الإسباني وروفر وغيرهم. والمؤرخ الكاتب تيودور مومسان الألماني (١٨١٧_١٩٠٣) ذهب إلى خزانة كتبه ذات يوم والشمعة بيده فسرى لهيبها إلى لحيته البيضاء وقضى بعد شهر متأثراً. وأعجوبة المولعين بالأسفار انطون ماكليابيشي (١٦٣٣_١٧١٤) من مدينة فلورنسا فقد خدم لأول أمره في دكان فاكهانية وأخذ ينظر في الأوراق التي تصر بها الفاكهة فوقع في نفسه أن يتعلم القراءة فاتصل بكتبي ولم يعدم من يدرسه ويعلمه وكان ذا ذاكرة قوية ما حفظ شيئاً ونسيه وحفظ من أسماء الكتب ومظانها حتى أصبح عبارة عن مكتبة سيارة ثم اتصل بالغراندوق كوسم الثالث وجعله قيماً على كتبه ولم تكن هذه الكتب لتشفي مطامعه بل أخذ يطالع فهارس المكاتب الأوربية مطبوعها ومخطوطها ويسأل كبار العلماء السياح عن نوادرها حتى صار يعرف كل دقيق وجليل من أحوال الكتب وكانت له طريقة غريبة في المطالعة فإذا أخذ كتاباً لم يكن طالعه من قبل ينظر في اسمه وفهرسته ومقدمته وتقدمته ويتصفح أوائل فصوله وبعد دقائق يقول لك رأيه في موضوع الكتاب والمصادر التي أخذ منها مؤلفه ولا ينسى ذلك على الدهر. ولم تكن له عناية بهندامه ونظام معيشته بل كان في ليله ونهاره مستغرقاً في أسفاره لا يخرج إلا إلى مكتبته. وكان أعلى بيته وأسفله ومدخله

стр. 104

وحجره ونوافذه كلها ملأى بالكتب. وهو غريب في خموله حتى كان يأكل في الغالب بيضاً وخبزاً وماء - والخبز والماء أكل العلماء كما قيل - ولطالما سرق له خدامه وخدام جيرانه دراهم من خزانة بقربه كان يضع فيها البيض والدراهم معاً وقد أراده البابا والملك أن يتمثل بين أيديهما فتجاهل ما أمرا به وعاش على كسله إحدى وثمانين سنة وأوصى بمكتبته لبلده وكانت تبلغ ثلاثين ألف مجلد وجعل لها مورداً تعيش به ومازالت معروفة به إلى الآن.

стр. 105

الميت الحي تكاد عيوني تقرأ الغيب في الدجى ... وتسمع أذني فيه ما تضمر النمل وما أنا من قوم تهون نفوسهم ... عليهم إذا خانتهم الصحب والأهل فلي من مضائي رفقة وعشيرة ... فلا سيد ينأى ولا صاحب يسلو فيا حظ لا تسعد ويا خل لا تزر ... ويا دهر لا تعدل ويا عيش لا تحل فما هاجني سخط ولا كفني رضا ... ولا ساءني ظلم زلا سرني عدل وما قتلتني الحادثات وإنما ... حياة الفتى في غير موطنه قتل وما أبقت الدنيا لنا من جسومنا ... على بأسنا ما يستقيم به الظل ولولا اختلاف الناس ما قال قائل ... عجبت لفرع لا يشاكله أصل فهل أرشدت تلك النمال إلى الحجى ... وهل أرضعت بالشهد في كورها النمل يحار الفتى في عيشه ومماته ... فأولها جهل وآخرها جهل وقلت وقد سألني (حافظ إبراهيم) لِمَ لم تتزوج يا خليلاً وأنت خير خليل ... لا تلم راهباً بغير دليل أنا ليل وكل حسناء شمس ... فاجتماعي بها من المستحيل القاهرة محمد إمام العبد

стр. 106

سيئات القرن الماضي التسمم بالتبغ هو أيضاً من الجراحات الاجتماعية التي صيرها هذا العصر نغارة. فالتبغ هو ذاك المسلي الذي يستعمله الجندي والملاح والزارع والصانع والعامل والعالم. يدفع ببعضهم إلى العمل ويسكن في بعضهم شيئاً من انفعالات النفس. ومن العجيب أن الأوربي الذي ذهب إلى أميركا يبث نور المدينة في عقول برابرتها قد أسفَّ إلى الأخذ عنهم فاقتبس منهم عادة التدخين مع علمه أنهم دونه في الذكاء والعلم. فقد نقل الإسبانيون سنة ١٥٦٠ عادة التبغ من المكسيك إلى لشبونة ومنها انتقلت إلى الديار الأوربية فأولعت النفوس بها. حتى إنه ليصرف على التدخين وما يلحقه من الثقاب (الكبريت) والعلب والغلايين والورق والأنابيب مبالغ جسيمة لو صرفت في تطهير المدن الكبرى وترقية المعارف العمومية وإنشاء دور لعجزة العملة لأتت المجتمع الإنساني بفوائد لا تقدر ولئن كان الضرر المشاهد من التدخين أقل من ضرر المسكر فإن مما لا يختلف فيه اثنان أن إدمان التدخين يحدث اضطرابات في القلب وضعفاً في البصر قلما تشفى إلا بالإقلاع عن هذه العادة السيئة. والأمراض الزهرية إحدى رذائل هذا القرن فإنها هاجمت طبقات المجتمع كله من الفتى اليافع إلى الشيخ الهرم ومن مرضع سليمة إلى طفل ورث عدواه من أبيه وأمه فهواشد فتكاً في إفساد الجنس البشري من عامة الأوبئة التي انتابت المجتمع في أدوار الحقب. ومادام الجهاد في الحياة يتزايد كل آن وطرق العيش تتصعب فإن أسباب الزواج الشرعي تقل ويقل الراغبون فيه بل ومادامت الخدمة العسكرية لا مناص منها في سن مخصوصة من أيام الشباب فإن من العبث منع أسباب الفجور ليضرب دون هذا المرض الوبيل بأسداد منيعة. وزاد انتشار السل الرئوي في الخمسين سنة الأخيرة فأصيبت به طبقات الناس على اختلافهم في البلاد المتمدنة وقد شوهد أنه يفعل في الغالب بالجند في ثكنهم والعاملين في معاملهم والسجناء في حبوسهم لأن الاختلاط الشديد هو من أهم أسباب انتقال العدوى والمصابون بالسل هم بين العشرين والخمسة والعشرين من عامة الوفيات في سائر الأمراض ويصيب الشبان والشيوخ غالباً. ومما يساعد على كثرة فتكه ماعدا انتقاله بالوراثة سوء العناية بالصحة كما هو المشاهد في البلاد الكبيرة فإن الأقدام تزدحم في الأحياء الضيقة والبيوت المظلمة التي لا تنفذ إليها الشمس ولا يتجدد فيها الهواء فتحدث في

стр. 107

الأجسام ما تحدث. أضف إلى هذا كمية الغذاء وكيفيته على النحو الذي يتناوله العملة مما لا نسبة بيته وبين الأعمال الشاقة التي يتعاطونها ويقتضي لها من معوضات القوة ما يكفي ويشفي. ومن الأوصاب التي شاعت في النصف الأخير من القرن في بلاد التمدن أمراض من دواعيها الاضطراب في التغذية والإكثار من الطعام وتدعى بلسان الطب ديستروفيك وهي على أشكال فمنها الرثية أو وجع المفاصل وأوجاع تصيب المثانة وتجعل فيها عسراً. وتجد المصابين بها زرافات كل سنة يغتسلون بالمياه المعدنية في فيشي وكارلسباد. وكان القدماء يظنون أن هذا المرض خاص بالأغنياء إلا أنه تبين مؤخراً أنه ما خص طبقة واحدة من الناس. ومما عمت به البلوى من الأمراض في عهدنا وسببه الغذاء سلس البول السكري. مرض وإن اختلفت الأقوال في أسبابه فإنها لا تعدو أن تكون تأثرات أخلاقية مضنية واضطرابات وحصر للذهن عظيم وعمل عقلي مفرط وأوصاب طبيعية طويلة وأرق وقلة إغفاء. وكل ما يضعف الوظائف الدماغية ويصرف كثيراً من قوة الأعصاب. ومعظم من يختلفون إلى المياه المعدنية يستشفون بها هم من العلماء والساسة والماليين وأرباب الصنائع والأشغال والصيارف ممن حملوا أنفسهم فوق طاقتها. وهناك كثير من الأمراض الحديثة التي جاءت مع الحضارة وهي من مفسدت الدم كالخنازير وأنواع الفقر الدموي وغيرها. فكما أن الكوليرا انتقلت إلى أوربا من آسيا فكذلك نقل أهل أوربا إلى أميركا وآسيا وجزء من إفريقية الحمى التيفوئيدية فإنها وإن عرفها القدماء باسم حمى خبيثة عفنية لم تعرف في أوربا إلا في سنة ١٨٢٠. وقد انتشرت الدفثيريا أو الخناق في هذه السنين انتشاراً وبيلاً حتى صار مرض الدفثيريا إحدى المصائب المهلكة للأطفال يشترك في التلقيح بجراثيمها أبناء القرى والمدن معاً وذلك لما يبذل من القوى العصبية في جهاد الحياة وبفضل تعدد طرق المواصلات واختصار الأبعاد فتنقل جراثيم عدواها بسرعة من البلاد الموبوءة بها إلى البلاد السليمة منها. والنزلات قد اشتدت وطأتها كثيراً وصارت وبائية وافدة تفتك فتكاً ذريعاً.

стр. 108

المومياء المصرية لحكمة غابت عن الباحثين حنط قدماء المصريين جثث موتاهم وجعلوها مومياء منذ نحو سبعين قرناً. عثر علماء الآثار المصرية على أكثرها في نواويس ومدافن ووضعوا بعضها في المتاحف ودور العاديات لتشهد لتلك الحضارة القديمة بالرسوخ والارتقاء. ولم يكتف المصريون بتحنيط الملوك والملكات والعظماء والعظيمات والأولاد والنساء والعبيد والإماء بل تناولت أيديهم بالتحنيط ضروباً من الحيوانات تعد بألوف ألوف الألوف كشف أكثرها فاستعمل في تسميد الأرض وتزبيلها. وقد أخذ المسيو ماسبرو مدير مصلحة الآثار المصرية طائفة من هذه الحيوانات والطيور المحنطة ودفعها إلى علماء من أهل الأخصاء فتعاورتها الأيدي بالبحث والعيون بالنظر والأفكار بالتأمل. وألف اليوم عالمان طبيعيان من مدينة ليون كتاباً في الحيوانات الخاصة بهذا القظر فمما قالاه فيه: لقد ظفر في مدافن الحيوانات بأنواع من القرد والكلب وابن آوى والهر والجرذ والضب والثور والظبي والغنم والعنز وغيره وبضروب من الطيور ونحو ثلاثين نوعاً من الجوارح وأكلة الحشرات والثمرات والتماسيح والحيات والأسماك وحيوانات لا فقار لها من ذوات الصدف. ثبت للباحثين الموما إليهما أن حيوانات اليوم لم يختلف شكلها وخلقها عن الحيوانات التي حنطت قبل ستين قرناً إذ ما من مشتغل بالعلوم الطبيعية إلا ويأتيك بأمثلة كثيرة من الحيوانات التي لم تتغير خلقتها منذ مئات من القرون بل منذ ألوف. وهناك ضرب من ضروب الحيوانات يدعى بلسان الحيوان (براشيوبود) يرد عهده إلى أقدم عصور العالم. ومعلوم أنه لا يتأتى حدوث القلب والإبدال في سحنات الإنسان والحيوان إلا بتغيير البيئة والمحيط ولما لم تتغير طبائع هذا القطر منذ ألوف من السنين فلا يعجبن القارئ لما أكده العالمان الفرنسيان من بقاء الحيوان على وتيرة واحدة منذ قرون. كان الهر مقدساً عند قدماء المصريين ولذلك عثر على كثير منه محنطاً وقد تجد بين القططة ما ولد حديثاً وما هي أجنة في بطون أمهاتها. والهر المصري نوعان داجن ووحشي وهذا هو الذي كانوا يحنطونه ويقدسونه. وبعد فقد قدس المصريون اللقلق لأنه يأكل الهوام التي كانت تغير على شواطئ النيل وكان من هذا اللقلق الأبيض والأسود وعثر على كثير من الأسود في المدافن القديمة محنطاً أما

стр. 109

الأبيض فانقرض منذ مائة سنة وهو موجود في الحبشة بكثرة ولعل النيل كان يأتي به. وقدس المصريون الغنم وهو نوعان ادعى بعضهم أن أحدهما جاء من آسيا على نحو ما جرت العادة أن ينسب لهذه القارة كل نوع من إنسان وحيوان ونبات وتوصف بأنها مبعث جماع الحضارة ومهد الكائنات. اتفقت الأديان وبعض الفلاسفة وجملة من الأساطير على أن الشرق مقيل أرقى الكائنات الحية. إلا أن العالمين الباحثين أثبتا بالبرهان أن هذه الحيوانات نشأت في قارة إفريقية على أن الملك سنفرون لما خرب النيل الأعلى وأتى من السودان بسبعة آلاف رجل وامرأة ومائتي ألف بقرة وغنمة جاء بالغنم المدعو لونجيب إلى هذه البلاد من السودان. وفي هذا الكتاب بحث في تحنيط البقر - وبقرة بني إسرائيل صفراء فاقع لونها تسر الناظرين - وكان يظن أن بعض البقر المصري جاء من آسيا وبعبارة ثانية من سورية إلا أنه وجد منه هنا ما يماثله ودثر بعضه. ومن رأيهما أن البقر الذي حنطه قدماء المصريين كان من البقر الهندي ذي السنامين الموجود منه إلى الآن بكثرة في سهول مصر العليا. وقصارى القول فإن الباحث في تاريخ الإنسان والمؤرخ والطبيعي يرون في كتاب هذين العالمين مادة لطيفة في الكائنات بهذه البلاد وهذه المباحث طافحة بالفوائد في تاريخ الحضارة خاصة وتاريخ الكائنات عامة.

стр. 110

صحف منسية شعر ابن حزم قال الفقيه أبو عبد الله الحميدي قال كان لشيخنا الفقيه أبي محمد بن حزم في الشعر والأدب نفس واسع وباع طويل وما رأيت أسرع بديهة منه وشعره كثير وقد جمعته على حروف المعجم ومنه ما كتبت عنه هل الدهر إلا ما رأينا وأدركنا ... فجائعه تبقى ولذاته تفنى إذا امكنت فيه مسرة ساعة ... تولت كمر الطرف واستخلفت حزناً إلى تبعات في المعاد وموقف ... نود لديه أننا لم نكن كنا حصلنا على هم وإثم وحسرة ... وفات الذي كنا نقر به عينا حنين لما ولى وشغل بما أتى ... وغم لما يرجى فعيشك لا يهنا كأن الذي كنا نسر بكونه ... إذا حققته النفس لفظ بلا معنى قال وله أيضاً من قصيدة خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن بشير يفخر فيها بالعلم ويذكر أصناف ما علم يقول فيها أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجد على ما ضاع من ذكري النهب ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غروان يستوحش الكلف الصب فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب فكم قائل أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه ما تجيء به الكتب هنالك يدرى أن للبعد قصة ... وأن كساد العلم آفته القرب فوا عجباً من غاب عنهم تشوقوا ... له ودنو المرء من دارهم ذنب وإن مكاناً ضاق عني لضيق ... على أنه فيح مذاهبه سهب وإن رجالاً ضيعوني لضيع ... وإن زماناً لم أنل خصبه سغب ومنها في الاعتذار في مدح نفسه ولكن لي في يوسف خير أسوة ... وليس على من بالنبي ائتسى ذنب يقول وقال الحق والصدق إنني ... حفيظ عليم ما على صادق عتب
следующие страницы →