Полный текст (670 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(وأن لا يعتقد فرضاً) معيناً (من فروضها سنة) بخلاف المبهم، كأن اعتقد أن واحداً من الركوع والاعتدال سنة، فلا يضر؛ إذ لم يفعل ركناً مع اعتقاده سنيته، بل مع التردد في ذلك، وهو لا يضر، وبخلاف ما لو أن جميع مطلوباتها فروض، أو أن بعضها فرض، وبعضها سنة، ولم يقصد بفرض معين السنة .. فتصح ولو من عالم عند (حج)، واعتمد (م ر) هذا في العامي.
وأمَّا العالم .. فلا بد من تمييزه فرائضها من سننها، إلا أن يعتقد فرضية جميع أفعالها.
والعالم هنا: من اشتغل بالعلم زمناً تقتضي العادة أن يميز بين الفرض والسنة.
والعامي بخلافه.
واعتمد (حج) أن ترك تعلم ما يجب عليه ليس بكبيرة؛ لصحة عبادته مع تركه، وخالفه (م ر) كشيخ الإسلام وغيرهما، ولا يضر قصد الركن بالشرط وعكسه.
(و) السادس: (الطهارة عن الحدث) الأصغر والأكبر بماء أو تراب، فإن عجز عنهما .. صلى فاقد الطهورين وأعاد، كما مر.
فإن صلى بغير طهر مع وجود أحدهما عالماً عامداً .. لم تنعقد صلاته وعليه الإثم، أو ناسياً .. أثيب على قصده لا فعله إلا ما يتوقف على طهر كالذكر، وكذا القراءة من غير نحو جنب.
(فإن سبقه) حدثه غير الدائم أو أكره عليه، وبالأولى ما لو تعمده ( .. بطلت) صلاته وإن كان فاقد الطهورين؛ للخبر الصحيح: "إذا فسا أحدكم في صلاته .. فلينصرف وليتوضأ، وليعد صلاته".
ويسن لمن أحدث في صلاته أو قبلها قرب إقامتها أن يأخذ بأنفه، ولينصرف؛ ستراً على نفسه، ولئلا يخوض الناس فيه.
ويؤخذ منه أنه يسن ستر كل ما يوقع الناس فيه، كما لو نام عن صلاة الصبح فتوضأ بعد طلوع الشمس .. فيوهم أنه يصلي الضحى.
وتبطل أيضاً بكل مناف عرض له بلا تقصير، وتعذر دفعه حالاً، كتنجسه برطب، وتطيير الريح ثوبه، وكأن حركه غيره ثلاثاً متوالية، فإن أمكن دفعه حالاً، كأن كشف
стр. 212
عورته ريح، وكذا حيوان كآدمي على ما قاله (ح ل)، أو تنجس نحو ردائه فألقاه، أو نفض النجس اليابس لا بنحو كمه حالاً .. لم يضر، ويغتفر هذا العارض؛ لقلته بخلاف الرطبة، واليابسة التي لم يلقها حالاً، أو نفضها بمحمولة ككمه، فيضر.
ولا يرد ما مر أنه لا يضر قلب ورق القرآن بنحو عود؛ لأن الحمل هنا أغلظ، بدليل أنه لا يحرم حمل حامل المصحف، ويضر حمل حامل النجاسة.
وإنما ضر ملاقاة نحو ثوبه للنجس، ولم يضر سجوده على ما لا يتحرك بحركته؛ لأن المعتبر هنا أن لا يكون شيء مما ينسب إليه ملاقياً للنجس ونحو الثوب منسوب إليه، والمعتبر هناك سجوده على قرار، وبعدم تحركه بحركته هو قرار.
ولو صلى على نحو ثوب على نجس، وارتفع برجله المبتلة أو غيرها، فإن انفصل عن رجله حالاً ولو بتحركه .. لم يضر، وإلا .. ضر.
(و) السابع: (الطهارة عن الخبث) الذي لا يعفى عنه (في الثوب) وغيره من كل محمول له، أو ملاق لمحموله (والبدن) ومنه داخل الفم والأنف والعين وإن لم يجب غسلها في الجنابة؛ لأن النجاسة أغلظ (والمكان) الذي يلاقيه بدنه أو محموله في صلاته؛ للخبر الصحيح: "تنزهوا عن البول، فإن عامة عذاب القبر منه" وثبت الأمر باجتناب النجس، وهو لا يجب في غير الصلاة، فتعين فيها. والأمر بالشيء نهي ضده، والنهي يقتضي الفساد.
نعم؛ التضمخ بالنجس لغير حاجة حرام في بدن وثوب.
(ولو تنجس) بغير معفو عنه (بعض ثوبه أوبدنه) أو مكانه الضيق (وجهله) في جميعه ( .. وجب غسل جميعه)؛ لتصح صلاته معه، إذ ما بقي جزء بلا غسل .. فالأصل بقاء النجاسة، وإنما لم ينجس ما مسه رطباً؛ لأنه لا تنجيس إلا بيقين، فإن علم انحصار النجس في محل منه ككمه .. لم يجب إلا غسله.
(ولا يجتهد) وإن كان النجس بأحد كميه؛ لتعذر الاجتهاد في العين الواحدة. فلو فصل أحدهما .. جاز الاجتهاد فيهما، فإن ظن أحدهما هو النجس .. غسله، ويقبل خبر الثقة بأن هذا هو النجس، ولو شق الثوب لم يجتهد؛ لاحتمال كون الشق في محل النجاسة.
стр. 213
وخرج بتقييد المكان بالضيق: ما لو اتسع، بأن زاد على قدر موضع صلاته، فيندب الاجتهاد، وله أن يصلي فيه بدون اجتهاد إلى أن يبقى قدر النجس.
(ولو غسل نصف) أي: بعض (متنجس) كثوب تنجس كله أو بعضه، واشتبه (ثم باقيه) بصب الماء عليه، لا في نحو جفنة، وإلا .. لم يطهر منه شيء؛ لأن طرفه الآخر نجس مماس لماء قليل غير وارد، فينجسه ( .. طهر كله إن غسل) الباقي مع (مجاوره) من المغسول أولاً.
(وإلا) يغسل المجاور ( .. فيبقى المنتصف) بفتح الصاد (على نجاسته)؛ لأنه رطب ملاق لنجس دون ملاقيه، لأن نجاسة المجاور لا تتعدى لما بعده، وإلا لتنجس السمن الجامد كله بالفأرة الميته فيه، وهو خلاف النص.
(ولا تصح صلاة من يلاقي بعض بدنه، أو) محموله من (ثوبه) أو غيره (نجاسة) في جزء من صلاته (وإن لم يتحرك بحركته)؛ لنسبته إليه.
ولو انغرزت إبرة ببدنه واتصلت بدم كثير ولم تستتر .. لم تصح صلاته إن أمكن إخراجها بلا مشقة؛ لأنه حامل متصلاً بنجس.
ولو ضرب عقرب في صلاته .. لم يضر، أوحية .. ضر؛ إذ الحية يعلو سمها في ظاهر البدن، والعقرب تفرغه في الباطن، وخرج بـ (محموله): نحو سرير على نجس، فتصح صلاته عليه إذا لم يلاق النجس ببدنه ولا محموله.
(و) لا تصح (صلاة قابض) أو شاد أو حامل ولو بلا قبض ولا شد (طرف) نحو (حبل على نجاسة) أو على ملاقيها، كأن شد بقلادة نحو كلب، أو بمحل طاهر من سفينة تنجرُّ بجره بحراً أو براً وفيها نجاسة، أو من حمار حامل لها (وإن لم يتحرك بحركته)؛ لحمله متصلاً بنجس.
قال الكردي: (وحاصل المعتمد: أنه إن وضع طرف الحبل بغير شد على جزء طاهر من شيء متنجس كسفينة متنجسة، أو على شيء طاهر متصل بنجس كساجور
стр. 214
كلب .. لم يضر مطلقاً، أو وضعه على نفس النجس ولو بلا نحو شد .. ضر مطلقاً، وإن شده على الطاهر المتصل بالنجس .. نُظر إن انجر بجره .. ضر، وإلا .. فلا، ثم قال: قال في "الإيعاب": تعبيره -أي: "العباب"- بالجر أولى من تعبير "الجواهر" بيتحرك بحركته؛ إذ مجرد الحركة لا أثر لها) اهـ
وخرج (بقابض) وما بعده: ما لو جعله المصلي تحت قدمه، فلا يضر وإن تحرك بحركته، كما لو صلى على بساط مفروش على نجس، أو بعضه الذي لا يماسه نجس، ولو حبس بمحل نجس .. صلى فيه، وتجافى عن النجس قدر إمكانه، ولا يضع جبهته على الأرض ويعيد.
(ولا يضر محاذاة النجاسة) لبدنه أو محموله في الصلاة (من غير إصابة) لها (في ركوع أو غيره) وإن تحرك بحركته، كبساط يصلي عليه وبطرفه خبث؛ لعدم ملاقاته لها ونسبته إليه.
نعم؛ تكره الصلاة مع محاذاتها في إحدى جهاته الست، بحيث يعد محاذياً لها عرفاً.
(وتجب إزالة الوشم)؛ لحمله نجاسة تعدى بحملها؛ إذ هو غرز الإبرة إلى أن يدمى، ثم يذر عليه نيلة أو كحل أو نحوهما، فإن امتنع .. أجبره الحاكم وجوباًً، كرد المغصوب، ولا تصح صلاته قبل إزالته، وينجس ما لاقاه مع رطوبة، وإنما يحرم وتجب إزالته بشروط:
الأول: أن لا تكون فيه منفعة، فإن كانت فيه منفعة ولم يقم غيره مقامه .. جاز.
الثاني: أن يكون من هو فيه تجب عليه الصلاة، وإلا بأن كان نحو مجنون .. لم تجب إزالته حتى يفيق.
الثالث: أن يكون حياً، فلا تجب إزالته عن ميت.
الرابع: إنما تجب إزالته (إن لم يخف) منها (محذوراً من محذورات التيمم) السابقة كبطء برء، وإلا .. لم تجب إزالته وإن تعدى به، فإن لم يتعد به .. لم تجب إزالته مطلقاً عند (م ر).
وفي "التحفة": يجب إن لم يخف حصول مشقة وإن لم تبح التيمم، وحيث لم تجب إزالته يعفى عنه ولا ينجس ملاقيه.
стр. 215
الخامس: أن لا يكتسي بجلد رقيق، وإلا .. لم تجب إزالته على من لم يتعد به؛ لمنعه من مماسة النجاسة حينئذٍ.
ولو وصل عظمه أو ربطه أو دهنه بنجس .. جرى فيه أحكام الوشم.
ولو وصله بعظم آدمي ولو حربياً عند (م ر) .. وجب نزعه إن وجد غيره، ولم يخف محذور تيمم ولم يمت.
ولو وصلت المرأة شعرها بشعر نجس أو شعر آدمي ولو من شعرها .. حرم، ولو بإذن حليلها؛ لأن من كرامته أن لا يستعمل بل يدفن، أو وصلته بشعر طاهر من غير آدمي .. جاز بإذن حليلها، أو بخيوط حرير أو نحوه .. جاز ولو بغير إذن حليل.
(ويعفى عن محل استجماره) بما يجزئ من حجر ونحوه، وكذا ما يلاقيه من الثوب -عند (م ر) - في حق نفسه وإن انتشر بعرق ما لم يجاوز الصفحة والحشفة؛ لمشقة اجتناب ذلك مع حل الاقتصار على نحو الحجر.
أما لو حمل مستجمراً، أو أمسكه، أو أمسك به المستجمر، أو من به نجس ولو معفواً عنه .. لم تصح صلاته.
وكحمل المستجمر: حمل حيوان مذبوح ولو مأكولاً، وغسل ما بظاهره من نحو الدم، أو أدمياً ميتاً، أو بيضة مذرة استحالت دماً، أو قارورة ختمت على نحو دم ولو برصاص، أو مائعاً فيه ميتة لا دم لها سائل؛ إذ لا حاجة لجميع ذلك.
أما حمل الحي .. فلا يضر إن لم يعلم نجاسة بظاهره، ولا نظر لنجاسة باطنه؛ لحمله ﷺ أمامه بنت بنته في الصلاة؛ إذ لا يترتب على نجاسة الباطن حكم حتى تتصل بالظاهر، أو يتصل بها ما بعضه بالظاهر.
(و) يعفى (عن طين الشارع) أي: محل المرور إن لم يكن شارعاً، كدهليز حمام وما حول الفساقي (المتيقن نجاسته) ولو بمغلظ وإن مشى حافياً، وإن كانت برجليه رطوبة وفي غير وقت مطر، وكطينه: ماؤه؛ لعسر تجنبها.
وخرج (بالطين): عين النجس وإن عم الطريق عند (حج)، قال: لندرة ذلك، وبكونه من الشارع ما لو تلطخ نحو كلب به، ونفضه على إنسان، وكذا لو رش الأرض المتنجسة سقاء مثلاً فطار منه شيء على إنسان .. فلا عفو، وإنما لم يعف عن المغلظ فيما لا يدركه الطرف وفي دم الأجنبي؛ لأنه لا تعم به البلوى، بخلافه هنا.
стр. 216
(و) إنما يعفى عن ذلك في ثوب وبدن وإن انتشر بعرق لا في المكان كالمسجد، و (عما يتعذر) أو يتعسر (الاحتراز عنه غالباً) بأن لا ينسب صاحبه إلى سقطة أو كبوة أو قلة تحفظ وإن كثر، ولا يبعد أن اللوث في جميع أسفل الخف وأطرافه قليل، بخلاف مثله في الثوب والبدن، بدليل قوله كغيره:
(ويختلف بالوقت وموضعه من الثوب والبدن) فيعفى في زمن الشتاء وفي الذيل والرجل عما لا يعفى عنه في زمن الصيف، وفي اليد والكم.
وكطين الشارع طين غيره المتنجس إذا عم الابتلاء به، فيعفى عن طين أرض الحراثة وإن كثر؛ لعموم البلوى به، وعن تراب المقبرة في القليل، وأما غير متيقن النجاسة .. فالأصل طهارته.
وجزم النووي بطهارة ماء الميازيب المشكوك في نجاستها.
نعم؛ لو تحققت نجاسته .. عفى عنه.
وأفتى الزيادي بالعفو عن رماد النجس على الخبز المعمول بالنار من نحو البعر وإن قدر على عمله بطاهر.
وأفتى ابن صلاح بطهارة الأوراق التي تعمل وتبسط رطبة على الحيطان المعمولة برماد نجس.
قال (ع ش): ومثلها -أي: الأوراق- الحوائج، أي: الثياب ونحوها المنشورة على تلك الحيطان، أي: كما يعفى عن الآجر المعمول بالنجاسة ولا ينجس ملاقيه، وعن التنانير ونحوها المعمولة بالسرجين، وعن رشاء البئر، ومحل النزح منه المتنجسين، ويجوز حمل الخبز المعمول في التنانير المعمولة بالسرجين في الصلاة، كما قاله الخطيب خلافاً لـ (م ر).
(وأما دم البثرات) -جمع بثرة- وهي: خراج صغير (و) دم (الدماميل والقروح) أي: الجراحات (والقيح والصديد) وهو ماء رقيق مختلط بدم أو دم مختلط بقيح (منها) أي: القروح (ودم البراغيث والقمل والبعوض والبق) ونحوها مما لا نفس له سائلة (و) دم (موضع الفصد والحجامة وونيم الذباب) أي: روثه، ومثله بوله
стр. 217
(وبول الخفاش) وروثه (وسلس البول، ودم الاستحاضه، وماء القروح، والنفاطات المتغير ريحه) أما ما لايتغير به .. فطاهر ( .. فيعفى عن قليل ذلك) حيث لم يخالطه أجنبي (و) عن (كثيرة) رطباً وجافاً في بدن وثوب، وكذا مكان في دم برغوث وبول وروث خفاش وذباب، وإن تفاحش وانتشر بعرق ونحوه وجاوز البدن إلى الثوب، وطبَّق الثوب الملبوس لحاجة؛ لعموم البلوى بذلك، فيعفى عنه بثلاثة شروط:
أن لا يختلط بأجنبي.
ولا يجاوز محله الذي استقر فيه عند الخروج وإن لم يستقر دم جرح رأسه إلا في قدمه، لكن للثوب الملاقي للبدن حكمه.
ولا يحصل بفعله قصداً، فإن اختل شرط من ذلك .. عفى عن قليله فقط في غير المختلط بأجنبي، أمَّا المختلط به .. فلا يعفى عن شيء منه.
قال في "التحفة": ومحله في الكثير، وإلاَّ نافاه ما في "المجموع" عن الأصحاب في اختلاط دم الحيض بالريق في حديث عائشة أنه مع ذلك يعفى عنه.
(إلا إذا فرش الثوب الذي فيه ذلك) المعفو عنه (أو حمله لغير ضرورة) أو لحاجة، وصلى فيه ( .. فيعفى عن قليله) فقط، وهو ما يعسر الاحتراز عنه، ويختلف باختلاف البلاد والأوقات.
قال في "الأسنى": وذكروا له تقريباً في طين الشارع وهو ما لا ينسب صاحبه إلى سقطة أو كبوة أو قلة تحفظ (دون كثيره) وهو ما ينسب صاحبه لما ذكر، بخلاف ما لو لبسه لتجمل أو نحوه وإن كان زائداً .. فيعفى حتى عن كثيره.
وخرج (بالأجنبي) -وهو ما لم يحتج لمماسته- نحو ماء طهر وشرب وتنظيف وتبرد وتنشيفٍ احتاجه، وما سقط على المعفو عنه من مأكول ومشروب .. حال تعاطيه، وما صب في الأمعاء لإخراج ما فيها، وماء بلل رأسه عند حلقه، ومماسة آلة نحو فصد لنحو ريق أو دهن، وسائر ما يحتاج إليه، فليس بأجنبي، فلا يضر مخالطة المعفو عنه له.
قال الشرقاوي: (ولو رش بدنه أو ثوبه المتنجس بمعفو عنه .. عفي عنه عند
стр. 218
الرشيدي، وهذا كله بالنسبة للصلاة لا لنحو مائع، فلو وقع الملوث بذلك فيه .. نجسه إن لم يحتج إليه، فلو أدخل يده لإخراج ما في إناء وهي متلوثة بذلك .. لم يضر إن كان ناسياً، وإلا .. تنجس، وهذا ما اعتمده شيخنا الحفني، خلافاً لمن أطلق العفو) اهـ
والذي أطلق العفو هو (م ر)، ويفهم أيضاً من كلام غيره، وأنت خبير بأن هذا مما يحتاج إليه، وقد مر: أنه لا يضر.
قال في "التحفة": (بل أطلق بعضهم المسامحة في الاختلاط بالماء، واستدل له بنقل الأصبحي عن المتولي، والمتأخرين ما يؤيده، وقال أيضاً: وفي "المجموع" التصريح بأنه لا يضر اختلاط الدم بالريق قصداً، وبه يتأيد قول المتولي: لايؤثر اختلاط الدم المعفو عنه برطوبة البدن) اهـ
ويعفى عن قليل دم المنافذ عند (حج)، قال الرشيدي: (وهو أولى بالعفو من المختلط بنحو ماء طهر) وخرج بقولي: ولم يجاوز محله ما جاوزه، فهو أجنبي، ولا يعفى إلا عن قليله، كما قال:
(ويعفى عن قليل دم الأجنبي) وهو: ما أصابه من غيره أو من نفسه لكن بعد استقراره كأن دميت يده اليمنى، وانتقل منها دم لليسرى، فما انتقل إلى اليسرى أجنبي.
نعم؛ المنتقل من الجرح إلى ما حاذاه من الثوب ليس بأجنبي (غير) دم (الكلب والخنزيز) وفرع أحدهما؛ لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو، فيقع في محل المسامحة وإن لطخ نفسه به عمداً ولو لغير حاجة عند (حج)، ويجتهد عند الاشتباه في قلته وكثرته، فإن لم يتأهل .. رجع إلى ثقة يجتهد له فيه، ويعتبر في اجتهاده الزمان والمكان، فما رأى أنه مما يغلب التضمخ به ويعسر الاحتراز عنه .. فقليل، وإلا .. فكثير.
ولو شك أهو قليل أو كثير؟ فله حكم القليل ولو تفرق في محال ولو جمع كان كثيراً .. فله حكم القليل عند الإمام، واعتمده (م ر).
وإنما لم يعف عن قليل البول في غير سلس مع أن الابتلاء به أكثر؛ لأنه اقذر وله محل مخصوص.
стр. 219
أمَّا دم الكلب والخنزير .. فلا يعفى عنه هنا؛ لغلظه، وإنما عفى عنه في طين الشارع؛ لعموم البلوى به فيه، لا هنا.
وخرج بقولي أيضاً: ولم يحصل بفعله ما لو حصل المعفو عنه بفعله، فإنما يعفى عن قليله، كما قال: (ولو عصر البثرات أو الدماميل أو قتل البرغوث) أو نحوه في ثوبه أو بدنه، أو نام في ثوبه لغير حاجة، وكان ممن لا يعتادون النوم في ثيابهم ( .. عفى عن قليله فقط) على المعتمد؛ إذ لا كثير مشقة في تجنبه حينئذٍ، وإنما لم ينظروا لكون دم الفصد والحجامة بفعله؛ لأن الضرورة في ذلك أقوى منها في دم نحو البرغوث وعصر الدمل، ولو مرت نحو القملة بين أصابعه .. فالأقرب عدم العفو؛ لكثرة مخالطة الدم للجلد فلا ضرورة، بخلاف قتلها بغير مرت، ولو رعف في الصلاة .. لم تبطل وإن تلوث بدنه ما لم يكثر.
(ولا يعفى عن جلد البرغوث ونحوه) مما لا نفس له سائلة في بدن ولا ثوب ولو بمكة ونحوها أيام ابتلائهم بالذباب، وأفتى بالعفو فيه: الحافظ ابن حجر حينئذٍ.
والصيبان وجلد القمل يعفى عنهما في تضاعيف الخياطة إن لم يعلم بجلد القمل؛ لعسر تفتيش الثوب لذلك كل وقت.
وفي "القلائد": ولو ضرب حية أو عقرباً فخرج منه ماء حياتها .. فهو طاهر كلحمه حياً.
وبينت في "الأصل" عن "فتوى حج": أن هزال اللحم المضني كاللحم وإن قرب من لون الدم، فإن تحقق أن حمرته أو صفرته من الدم الذي على اللحم .. فهو نجس، لكن يعفى عنه، وأمَّا ما يتقاطر من الكبد مما يشبه الدم بعد اشتوائها .. فطاهر، أو قبله، فإن كان بلون الدم .. فنجس، وإلا .. فلا.
(ولو صلى بنجس) لا يعفى عنه (ناسياً أو جاهلاً) به، فإن علمه أثناءها .. قطعها وتطهر عنه واستأنفها، أو بعدها ( .. أعادها) متطهراً عنه وجوباً في الوقت أداءً إن أدركه، وإلاَّ .. فبعده قضاءً على التراخي؛ إذ لا تقصير منه، وإنما وجبت الإعادة؛ لأن الطهارة من باب المأمورات، وهو لا يؤثر فيه الجهل والنسيان، بخلاف المنهيات، والقديم لا قضاء، ورجحه في "المجموع".
стр. 220
وعلى الأول: لو مات قبل التذكر .. فلا مؤاخذة؛ لرفعها عن الخطأ والنسيان.
ولو شك هل أصابه النجس قبل الصلاة أو بعدها .. فلا قضاء؛ إذ الأصل في كل حادث تقديره بإقرب زمن، بخلاف ما لو تيقنه وشك في زواله قبلها .. فيعيد؛ إذ الأصل عدم زواله، ولو أخبره عدل بنحو كشف عورته .. لزمه قبوله، أو بنحو كلام مبطل .. فلا؛ لأن فعل نفسه لا يرجع فيه لقول غيره، ومحله فيما لا يبطل سهوه؛ لاحتمال أنَّ ما وقع منه سهو، أمَّا هو كالفعل الكثير .. فينبغي قبوله.
(الشرط الثامن: ستر العورة) عن العيون من إنس وجن وملك، فلا تصح مع عدم سترها مع القدرة عليها ولو خالياً أو في ظلمة؛ لآية (خُذُوا زِينَتَكُمْ) [الأعراف:٣١].
قال ابن عباس: المراد بها الثياب في الصلاة، فأطلقت الزينة والمسجد وأريد الثياب والصلاة، ولإجماعهم على الأمر بالستر في الصلاة.
والأمر النفسي بالشيء نهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد في العبادة والمعاملة إن رجع إلى ذات الشيء كصلاة الحائض؛ لاختلال شرطها، وهو الطهر، أو إلى لازمه كالصلاة في الأوقات المنهي عنها؛ لرجوع النهي إلى لازم الصلاة وهو الأوقات الفاسدة اللازمة لها، بخلاف النهي عن الشيء لخارج عنه كالنهي عن الوضوء بالماء المغصوب، فالنهي راجع إلى الغصب، وهو أمر خارج عن الوضوء غير لازم له، فلم يقتض الفساد، فإن عجز عنها بالطريق السابق في التيمم -فيلزمه سؤال عارية، وقبول تافه كطين- صلى عارياً عند اليأس منها وإن لم يضق الوقت عند (حج)، وأتم ركوعه وسجوده ولو بحضرة من يحرم نظره إليه، ولا إعادة.
ومن العجز أن يجد السترة متنجسة، أو يحبس بمحل نجس ولا معه سواها، فيفشها ويصلي عارياً ولو نفلاً، ولا إعادة، ويلزمه سترها خارج الصلاة ولو في الخلوة، لكن الواجب فيها ستر سوأتي الرجل والأمة، وما بين سرة وركبة حرة فقط، إلا لأدنى غرض كتبرد، فيجوز كشفها ولا يجب سترها عن نفسه، لكن يكره نظره لسوأته بلا حاجة.
وحكمة الستر والطهارة فيها ما جرت به عادة مريد التمثل بين يدي كبير بهما، والمصلي مريد التمثل بين يدي ملك الملموك، فهو أولى بهما.
وفائدة الستر في الخلوة أن يراه الله متأدباً، ولأن مكانه لا يخلو عن ملك وجن.
стр. 221
و (العورة) لغة: النقص، والشيء المستقبح، وسمي المقدار الآتي بها؛ لقبح ظهوره.
وتطلق شرعاً: على ما يحرم نظره، وهو جميع بدن المرأة ولو أمة وإن انفصل، كشعرها المبان؛ فإنَّ ذلك يحرم نظره على الرجال، وجميع بدن الرجل؛ فإنه يحرم نظره على النساء.
ويذكرون هذا في النكاح وعلى ما يجب ستره في الصلاة، وهو المراد هنا، كما قال:
(وعورة الرجل) أي: الذكر ولو قناً وصبياً غير مميز فيما إذا أحرم عنه وليه وطاف به (و) عورة (الأمة) أي: من فيها رق ولو مكاتبة أو, مبعضة وأم ولد (ما بين السرة والكبة) وإن تدلى عنهما، كسلعة وشعر أصلهما فيها وتدلى عنها؛ للخبر الحسن: "غظ فخذك؛ فإن الفخذ عورة".
ويجب أيضاً ستر جزء منهما؛ ليتحقق ستر العورة، وقيس بالذكر الأمة، بجامع أن رأس كل غير عورة.
(و) عورة (الحرة) والخنثى الحر ولو غير مميزين (في صلاتها) وصلاته (وعند الأجانب) ولو خارجها (جميع بدنها) وبدنه حتى باطن القدم، وهو مما يغفل عنه في السجود (إلا الوجه والكفين) ظهراً وبطناً إلى الكوعين، فيجب سترهما؛ لأنهما غاية لما يجب ستره، فينتهي إلى الكوعين؛ لقوله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور:٣١] أي: ما يغلب ظهوره، وهو: الوجه والكفان؛ للحاجة لكشفها.
تنبيه: لا منافاة بين ما قدمته من أنَّ عورة الحرة: جميع بدنها، وبين ما ذكر المصنف من أنها عورة حتى عند الأجانب: ما عدا الوجه والكفين؛ لأن المراد من الأول: ما يحرم نظره وإن لم يكن عورة، ومن الثاني: ما هو عورة حقيقية.
وعليه: فيجب عليهما سترهما خوف الفتنة على المعتمد.
(و) زيد لها عورتان:
إحداهما: (عند محارمها) الذكور ومملوكها المسلم العفيف إن كانت عفيفة، وعند
стр. 222
النساء وفي الخلوة: (ما بين السرة والركبة).
ثانيتهما: ما لايبدو عند المهنة عند الكافرات، والخنثى كالأنثى، إلاَّ أنَّه لو ستر جميع بدنه إلا وجهه وكفيه ودخل الصلاة، ثم انكشف شيء من غير ما بين سرته وركبته .. لم يضر؛ لأن تحققنا الانعقاد، وشككنا في المبطل، ولا بطلان بالشك، قاله الخطيب، قال: (وهذا الفتوح من العزيز الرحيم، فتح الله على من تلقاه بقلب سليم) اهـ، ونحن تلقيناه بقلب سليم.
(وشرطه الساتر) ثلاثة: كونه: يشمل المستور لبساً أو نحوه.
وكونه: (ما) أي: جرماً وكونه (يمنع) إدراك (لون البشرة) أي: في مجلس التخاطب لمعتدل بصر، ولو حكى الحجم، كسروال ضيق وإن كره، أو لم يستر حجم الأعضاء، ككونه طيناً (وإن) لم يُعْتَدْ به الستر، ككونه (ماء كدراً) أو, صافياً تراكمت خضرته حتى منع الرؤية، أو حفرة أو خابية ضيقي الرأس وإن وجد ثوباً؛ لحصول المقصود بذلك، بخلاف ما لا يشمله، كما قال.
(لا خيمة ضيقة) بحيث أحاطت بأعلاه وجوانبه (وظلمة) وما لاجرم له كأثر صبغ لا جرم له وإن ستر البشرة؛ إذ لا يعد ذلك ساتراً عرفاً، ولا جرم يحكى لون البشرة كزجاج ومهلهل؛ إذ مقصود الستر لا يحصل به، وتتصوّر الصلاة في الماء في صلاة جنازة، والمومئ ومن يخرج عنه للسجود.
(ولا يجب الستر من أسفل) في الصلاة ولا خارجها.
وتردد في "الإمداد" في رؤية ذراع المرأة من كمها المتسع إذا أرسلته.
وفي "التحفة": لم تصح مع ذلك؛ لعدم عسر تجنبه، ولأنها رؤية من الجانب لا من أسفل، واستقرب في "الإيعاب" عدم الضرر.
ولو رئيت عورته في سجوده لارتفاع ذيله على قدميه، أو من ثقب قي دكة صلى عليها .. لم يضر؛ إذ هي رؤية من أسفل.
(ويجوز) له (ستر بعض العورة بيده) أو بيد غيره حيث لا نقض، بل يجب ما لم يجد غيره يستره به وعلى الوجوب بيده فيبقيها -عند الخطيب- في السجود؛ لأن ستر العورة متفق عليه بين الشيخين، ووضع الكفين في السجود مختلف فيه، وعند (م ر):
стр. 223
يجب وضعها في السجود؛ لأن الستر إنما يجب على القادر، وهو عاجز حينئذٍ.
وعند (حج): يتخير؛ لتعارض الواجبين، ويجب ستر بعض عورته بما وجده، وتحصيله قطعاً وإن اختلفوا في وجوب تحصيل ماء لا يكفيه لطهره؛ لأن المقصود منه رفع الحدث، وفي تجزيه خلاف.
وهنا المقصود الستر، ولا خلاف في تجزيه.
(فإن وجد) المصلي أو غيره (ما يكفي سوأتيه) أي: قبله ودبره، سميا بذلك؛ لأن كشفهما يسوء صاحبهما ( .. تعين لهما)؛ لفحشهما، وللاتفاق على أنهما عورة (أو) وجد كافي (أحدهما .. فيقدم قُبُلَه) وجوباً؛ لبروزه ومقابلته في الصلاة للقبلة، والدبر مستور بالأليتين غالباً.
والمراد بـ (القبل والدبر): ما ينقض مسه الوضوء.
وظاهر كلامهم: أن بقية العورة سواء وإن كان ما قرب إليهما أفحش، لكن تقديمه أولى.
ولا يجوز لمن فقد السترة غصبها ولو للصلاة، بخلاف الطعام في المخمصة؛ لصحة صلاته عارياً بلا إعادة.
نعم؛ إن احتاج ذلك لنحو حرٍّ أو برد .. جاز.
ولو أوصى بثوب لأولى الناس، أو وقفه عليه .. قدمت به المرأة؛ لفحش عورتها ثم الخنثى ثم الأمرد، ويقدم الحرير على المتنجس في الصلاة، والمتنجس يقدم خارجها.
ويستحب للذكر أن يلبس أحسن ثيابه ويتقمص ويتعمم ويتطيلس ويرتدي ويتزر أو يتسرول، ولو اقتصر على ثوبين .. فقميص مع رداء، أو إزار أو سراويل أولى من رداء مع إزار أو سراويل ومن إزار مع سراويل، ويلتحف بالثوب الواحد إن اتسع، ويخالف بين طرفيه، فإن ضاق .. ائتزر به، وجعل شيئاً على عاتقه ولو نحو حبل؛ لكراهة الصلاة بدون ذلك، بل نقل السمهودي عن السبكي عن الشافعي: أنه يجب، واختاره؛ لخبر: "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء".
ويسن للمرأة كالخنثى في الصلاة: ثوب سابغ لجميع البدن، وخمار سابغ، وملحفة كثيفة.
وإتلاف الثوب في الوقت، وبيعه كالماء، أي: حرام، ولا ينعقد؛ للعجز عن
стр. 224
تسليمه شرعاً، ويقدم الثوب على الماء؛ لدوام نفعه، ولأن للماء بدلاً، بخلافه.
(ويزر) -ندباً- جيب (قميصه) قبل إحرامه، أو يستره ولو بلحيته أو يده (أو يشد وسطه) -بفتح السين على الأصح- (إن كانت عورته تظهر) له أو لغيره منه (في ركوع أو غيره) فإن لم يفعل .. صح إحرامه، ويجب عليه ستره عند ركوعه، فإن لم يسترها .. بطلت صلاته.
ولو استعار ثوباً، فأحرم بالصلاة فيه ثم طلبه صاحبه أثناءها .. أتم عارياً ولا إعادة، أو فرشه على نجس .. لم يكن لصاحبه الرجوع فيه قبل فراغها؛ لفساد صلاته بذلك، وفي (حج)، و (م ر) خلاف في ذلك، فليراجع.
(الشرط التاسع: استقبال) عين (القبلة) أي: الكعبة أو بدلها، وليس منها الحجر ولا الشاذروان؛ لأن كونهما منها ظني، وهو لا يكتفي به في القبلة.
وفي "التحفة" عن "الخادم": (المراد بالعين: أمر اصطلاحي، وهو سمت البيت وهواؤه إلى السماء، والأرض السابعة، والمعتبر مسامتتها عرفاً لا حقيقةً، وكونها بالصدر في القيام والقعود، وبمعظم البدن في الركوع والسجود، ولا عبرة بالوجه إلا ما مرَّ في مبحث القيام) اهـ
ولا بد في استقبالها من كونه: يقيناً بمعاينة، أو مس، أو بأمارة تفيد ما يفيد هذين، وهذا فيمن لا حائل بينه وبينها، أو ظناً في من بينه وبينها حائل؛ لآية: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة:١٤٤] أي: عين الكعبة، أي: بدليل (أنه ﷺ ركع ركعتين في وجه الكعبة، وقال: "هذه القبلة") فالحصر فيها دافع لحمل الآية على الجهة، وخبر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" محمول على أهل المدينة ومن سامتهم.
وقال الشرقاوي: ("الجهة" عند اللغويين: العين، وإطلاقها على غير العين مجاز. والمراد بالمسجد الحرام: الكعبة، بخلافه في غير هذا الموضع من القرآن، فمتى أطلق فيه .. فالمراد به جميع الحرم) اهـ
والمراد بالصدر: جميع عرض البدن، فلو استقبل طرفها فخرج شيء من العرض لا من غيره كطرف يد عن محاذاته .. لم تصح، بخلاف مستقبل الركن، فمستقبل بجميع
стр. 225
العرض لمجموع الجهتين، ومن ثم لو كان إماماً .. امتنع التقدم عليه في كل منهما.
(إلا في صلاة شدة الخوف) وما ألحق به فرضاً ونفلاً، كما يأتي. وصلاة عاجز عن الاستقبال كمريض لا يجد من يوجهه، ومربوط بخشبة، وغريق، ومصلوب، فيصلي بحسب حاله ويعيد. (وإلا في نفل السفر المباح) أي: الجائز، فيشمل ما عدا الحرام، ولا بد من شروط القصر الآتية إلا طول السفر، فيجوز التنقل ولو بنحو عيد لا معادة، وصلاة صبي فرضاً وإن كانا في الحقيقة نفلاً في سفر قصير.
وضبطه الشيخ أبو حامد بميل ونحوه، والقاضي والبغوي بأن يخرج إلى محل لا يسمع منه نداء الجمعة، وبينهما تقارب، والأخير أحوط لزيادته؛ وذلك لما صح من: (أنه ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به)، أي: في جهة مقصده، ولأن بالناس حاجة بل ضرورة إلى الأسفار، فلو كلفوا الاستقبال .. لتركوا أورادهم أو معاشهم؛ لمشقته فيه.
أما الفرض ولو نذراً أو جنازة .. فلا يصليه راكباً ولا ماشياً وإن استقبل وطال سفره؛ لأن الاستقرار شرط له.
نعم؛ من خاف من نزوله مشقة شديدة، أوخوف فوت رفقة إن توحش .. صلى راكباً بحسب حاله وأعاد عند (م ر).
وفي "التحفة": ويحمل القول بالإعادة على من لم يستقبل، أو لم يتم الأركان.
ويجوز فعله على سرير يحمله رجال وزورق جارٍ وأرجوحة، وعلى دابة واقفة أو سائرة ولجامها بيد مميز؛ ليكون سيرها منسوباً إليه بحيث لا يتحول عن القبلة إن أتم الأركان، لا على مقطورة مطلقاً، ونظر في "الفتح" في الأخيرة.
وإذا جاز التنفل راكباً (فإن كان في) ما يسهل فيه الاستقبال وإتمام الركوع والسجود وحدهما أو مع غيرهما، كأن كان في (مرقد) كهودج (أو سفينة .. أتم) وجوباً (ركوعه وسجوده) وسائر الأركان، أو بعضها إن عجز عن الباقي (واستقبل) وجوباً؛ لتيسر ذلك عليه، ومحل ذلك في غير ملاح السفينة.
أما هو، وهو من له دخل في سيرها، بأن يختل سيرها إذا اشتغل عنها ولو من
стр. 226
ركابها .. فلا يلزمه التوجه في جميع صلاته، ولا إتمام الأركان، بل يلزمه التوجه في التحرم فقط إن سهل كراكب الدابة، وألحق بالملاح مسير الدابة وبعضهم حامل السرير (وإن لم يكن في) نحو (مرقد ولا سفينة) مما يسهل فيه ما مر.
(فإن كان راكباً) على ما لا يسهل فيه الاستقبال، وإتمام الأركان أو بعضها كدابة ( .. استقبل) وجوباً (في إحرامه فقط إن سهل عليه) لنحو وقوفها أو سهولة انحرافها.
أمَّا إذا سهل في جميع صلاته دون إتمام شيء من الأركان، أو سهل إتمام الأركان دون الاستقبال في جميع صلاته .. فلا يجب غير الاستقبال عند التحرم إن سهل؛ لوقعه أول الصلاة، فيجعل ما بعده تابعاً له؛ (لأنه ﷺ كان إذا سافر وأراد أن يتطوع .. استقبل بناقته القبلة، فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه).
نعم؛ الواقفة لا يصلي عليها ما دامت واقفة إلا إلى القبلة، لكن لا يلزمه إتمام الأركان، فإن سافر لغرض .. أتم لجهة مقصده.
(وطريقه) أي: جهة مقصده لا عينه وإن لم يسلك طريقه، ولا يضر انحرافه عن جهة مقصده في منعطفات الطريق (قبلته في باقي صلاته) بالنسبة لمن سهل عليه التوجه للقبلة في التحرم، وفي جميعها بالنسبة لغيره؛ للخبر السابق، والعبرة بوجهه وإن ركب مقلوباً، وكالنفل في ذلك سجدة تلاوة وشكر.
ولو انحرف عن صوب طريقه لا إلى القبلة .. بطلت صلاته إن علم وتعمد واختار، وإلاَّ بأن انحرف جاهلاً أو ناسياً أو لغلبة دابته .. فلا إن عاد عن قرب، ويسجد للسهو إلا في النسيان عند (حج)، فهو مستثنا من قاعدة: (ما أبطل عمده يسجد لسهوه).
ولو أحرف قهراً .. بطلت صلاته؛ لندرته.
(ويومئ الراكب) وجوباً إن لم يضع جبهته في إيماء السجود على نحو السرج (بركوعه وسجوده) وإيماء السجود (أكثر) أي: أخفض من إيماء ركوعه وجوباً إن أمكنه؛ ليتميز عنه، ولا يلزمه وضع جبهته على نحو السرج، ولا بذل وسعه في الإنحناء؛ للمشقة.
(وإن كان) المسافر (ماشياً .. استقبل) القبلة (في الإحرام والركوع والسجود).
стр. 227
ويتمهما (و) في (الجلوس بين السجدتين)؛ لسهولة ذلك عليه، بخلاف الراكب، ولا يمشي إلا في قيامه.
ومنه: الاعتدال وتشهده وسلامه؛ طول زمنها.
فلا بد في ترك القبلة في السفر من كونه مباحاً، ومن ترك الأفعال الكثيرة لغير حاجة، ودوام السفر، ودوام سيره، وعدم وطئه نجاسة غير معفو عنها عمداً -مطلقاً- أو خطأ في نجاسة رطبة لا يابسة او خطأ للجهل مع مفارقتها حالاً، فأشبه ما لو وقعت عليه فنحاها حالاً، ولا معفو عنها كطين شارع وذرق طير، ولا إن أوطأ أو وطئت دابته نجاسة ولو رطبة أو بالت؛ لأنه لم يلاقها.
نعم؛ لو كان عنانها بيده .. بطت إلا إن وطئتها يابسة وفارقتها حالاً، كالماشي.
(ومن صلى) فرضاً أو نفلاً (في الكعبة واستقبل من بنائها شاخصاً ثابتاً) كعتبة أو باب مردود، أو على سطحها مستقبلاً شيئاً ثابتاً فيها، كعصاً مسمرة أو مبنية فيها، وتراب مجموع من أجزائها، أو شجرة، وقد ارتفع جميع ما ذكر (قدر ثلثي ذراع) آدمي تقريباً أو أكثر وإن بعد عنه ( .. صحت صلاته) وإن خرج بعض بدنه عن الشاخص؛ لأنه متوجه ببعضه جزءاً منها، وبباقيه هواءها تبعاً.
ولو زال الشاخص أثناء صلاته .. اغتفر عند الخطيب كزوال الرابطة، وخالفه (م ر)، بخلاف ما دون ثلثي ذراع، ونحو حشيش وعصا مغروزة فيها؛ لأنه لا يعد من أجزائها عرفاً، فلا تصح الصلاة إليه.
وإنما جاز استقبال هوائها لمن هو خارجها وإن ارتفع عليها كعلى جبل أبي قبيس؛ لأنه يعد عرفاً مستقبلاً لها بخلاف من هو فيها، لأنه في هوائها، فلا يسمى عرفاً مستقبلاً له، فاندفع تشنيع بعض الحنفية غفلة عن رعاية العرف المناط به ضابط الاستقبال اتفاقاً، قاله في "التحفة".
ولو استقبل بعضاً منها قدر ثلثي ذراع، لكن لم يحاذ أسفله كخشبة معترضة بين ساريتين .. صحت صلاته إن كانت صلاة جنازة، بخلاف غيرها فلا تنعقد؛ لعدم استقباله في بعضها قاله (م ر)، لكن المعتمد الانعقاد مطلقاً، ثم عند عدم الاستقبال تبطل.
стр. 228
(ومن أمكنه) أي: سهل عليه بلا مشقة لا تحتمل عادة (مشاهدتها) أي: الكعبة، كأن كان في المسجد الحرام أو خارجه ولا حائل، أو أخبره بها عدد التواتر، أو, بنى محرابه على مشاهدتها ( .. لم يقلد) أي: لم يأخذ بقول غيره فيها ولو عن علم ما لم يبلغوا عدد التواتر.
وإنما جاز الأخذ بقول الغير في المياه ونحوها، وأخذ الصحابة بقول المخبر عنه ﷺ مع إمكان اليقين بالسماع منه؛ لأن المدار في القبلة لكونها أمراً حسياً على اليقين، ولذا لا يكتفي بكون الشاذروان منها؛ لأنه منها لا يقيناً، بخلاف الأحكام ونحوها.
فعلم أن من بالمسجد في ظلمة أو أعمى لا يعتمد إلا المس، أو خبر عدد التواتر.
نعم؛ إن لم يمكنه لمسها إلا بمشقة لنحو كثرة الصفوف أو الزحام .. أخذة بخبر من يشاهدها، ويكفيه لمس بعض المصلين.
قال بعضهم: (ولو كان في بيته مثلاً، ولا يمكنه مشاهدتها إلا بصعود السطح .. فلا يلزمه) اهـ، وهو ظاهرعند من يكتفي بمطلق المشقة، أمَّا من قيدها بالمشقة التي لا تحتمل عادة .. فلا.
وفي معنى رؤية الكعبة رؤية موقفه ﷺ الثابت تواتر لا آحاداً، فإنه في رتبة الخبر عن علم ورؤية القطب بعد الاهتداء إليه، ومعرفته يقيناً وكيفية الاستقبال به، ورؤية الجم الغفير في الصلاة.
(فإن عجز) عن علمها وما في معناه ولو لحائل بنى لحاجة ( .. أخذ) وجوباً (بقول ثقة) في الرواية بصير ولو أمة، لا فاسق أو صبي، وإن وقع في القلب صدقة وقُبل قوله في نحو الصوم؛ إذ الصلاة يحتاط لها أكثر، ولدخول الاجتهاد في الوقت وهو أقوى من خبرغير الثقة.
(يخبر عن علم) كقوله: هذه الكعبة، ولا يكلف صعوداً لرؤيتها ولو ثلاث درج، ولا دخول مسجد؛ للمشقة كما قاله (ع ش)، أو رأيت الجم الغفير يصلون هكذا، أو القطب ههنا، وهو يعرف دلالته .. ومثل خبره رؤية محراب كثر طارقوه، ولم يطعن فيه عالم بالمواقيت أو من ذكر مستنداً، وإلا .. فلا يعتمد.
نعم؛ يجوز الاجتهاد فيه يمنة ويسرة، إلاَّ ما ثبتت صلاته ﷺ فيه لا يجوز الاجتهاد فيه مطلقاً.
стр. 229
قال الشرقاوي: وفي معنى الخبر عن علم بيت الإبرة المعروف، ويعتمد قول صاحب المنزل إن علم ان إخباره عن علم، ولا يجوز الاجتهاد معه.
وفي (ب ج): وعليه سؤال صاحب المنزل، ولا يجتهد إن أخبره عن علم.
(فإن فقد) إخبار الثقة وما في معناه بأن، لم يجده في محل يجب طلب الماء منه، أو لحقته مشقة لا تحتمل عادة في سؤاله، أو السعي إليه ( .. اجتهد) بصير وجوباً بأن يستدل على القبلة (بالدلائل) وهي ستة: الأطوال، والأعراض مع الدائرة الهندسية، والقطب، والكواكب، والشمس، والقمر، والرياح، وهي مرتية في القوة كما ذكر، وأصول الرياح جمعت في قوله [من الكامل]:
شملت بشام والجنوب تيامنت ... وصبت بشرق والدبور بمغرب
وكل ريح انحرفت عن هذه الاصول يقال لها نكباء.
والقطب عند أهل الهيئة: نقطة تدور عليها الكواكب، وهي وسطها.
وعند الفقهاء: نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي، ففي مصر يكون خلف أذن المصلي اليسرى، وفي العراق خلف أذنه اليمنى، وبأكثر اليمن قبالته مما يلي جنبه الأيسر، وبالشام وراءه، وهذا تقريب، وإلا .. فبعض تلك النواحي تختلف.
وبالجملة: فقد تحررت القبلة في غالب بلدان المسلمين وقراها في مساجدهم وغيرها.
ولا يجب تعلم دلائل القبلة إلا فيما لم تتحرر فيه القبلة من نحو بدو وقرية من لا يبالي بدينه، والسفر الذي يقل فيه العارفون بالقبلة.
فغير العالم بها يتعين عليه فيما ذكر تعلم أدلتها إن قدر على التعلم، ولا عارف بها معه، بأن لا يجد مريد الصلاة من يخبره بالقبلة إلا بمشقة، وليس بين قرى متقربة بها محاريب معتمدة.
ولا يجوز له لتقليد إلاَّ إن ضاق لوقت ويعيد.
وإن قدر على التعلم ولم يتعين عليه .. تخير بين التقليد، وأن يتعلم ويجتهد.
وإن لم يعلم الأدلة، ولم يقدر على تعلمها .. قلد وجوباً كما قال:
стр. 230
(فإن عجز) عن الاجتهاد (لعماه) أي: لعمى بصره (أو عمى بصيرته .. قلد ثقة عارفاً) بالأدلة يجتهد له كالعامي في الأحكام، فإن صلى بلا تقليد .. قضى وإن صادف القبلة.
(فإن تحير) المجتهد بأن لم يظهر له شيء لنحو تعارض أدلة، أو اختلف على أعمى مجتهدان وإن ترجح أحدهما عنده ( .. صلى كيف شاء)؛ لحرمة الوقت وإن لم يضق، وجوز زوال تحيره فيه عند (حج).
ولا يجوز للمجتهد التقليد وإن تحير؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً. (ويقضي) أي: ومتى ظهرت له القبلة .. أعاد صلاته في الوقت أداءً إن أدركه، وقضاءً إن لم يدركه؛ لأنه عذر نادر ولا يدوم.
(ويجتهد) في القبلة وجوباً إن لم يكن ذاكراً لدليل الأول، ويسأل المجتهد الأعمى (لكل فرض) عيني أداءً وقضاءً ولو منذورة ومعادة وإن لم يفارق محله؛ سعياً في إصابة الحق ما أمكن؛ إذ لا وثوق ببقاء الظن الأول، والاجتهاد الثاني إن وافق الأول .. فزيادة، وإلا .. فهو لا يكون غالباً إلا بالأقوى، والأخذ بالأقوى واجب.
وخرج بـ (القبلة): الثوب، فلا تجب إعادة الاجتهاد فيه، كما مر.
فعلم أن مراتب القبلة: العلم بنفسه، ثم الإخبار عن علم، ثم الاجتهاد، ثم التقليد.
وإذا صلى باجتهاد نفسه أو باجتهاد مقلده (فإن تيقن) هو أو مقلده (الخطأ فيها) معيناً ولو يمنة أو يسرة بمشاهدة أو إخبار ثقة (أو بعدها .. استأنفها) وجوباً ولو قضاءً بعد الوقت، سواءً تيقن الصواب أم لا، لكنه لا يفعل المقضي إلا إذا تيقنه.
(فإن) لم يتيقنه، بل (تغير اجتهاده) إلى أرجح ( .. عمل بالثاني) لا فيما مضى، بل (فيما يستقبل) فإن كان في الصلاة .. فيتحول إلى ما ظنه الصواب وهكذا، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بالاجتهاد .. صحت صلاته، لكن إن ظهر له الصواب مقارناً للخطأ، وإلا .. بطلت؛ لمضي جزء منها إلى غير قبلة محسوبة له.
أمَا إذا كان الاجتهاد الثاني أضعف .. فكالعدم، وكذا المساوي على المعتمد، (ولا قضاء للأول) من الاجتهادين، ولا لغير الأخير من الاجتهادات؛ لأن الاجتهاد لا ينتقض بالاجتهاد، والخطأ غير معين.
стр. 231
ومثل ذلك ما لو صلى أربع صلوات لأربع جهات كذلك، ثم عرف القبلة، ولم يدر عين ما أداه لغيرها .. فلا يلزمه إعادة شيء، قال في "التحفة": وقيل يقضي؛ لاشتمال صلاته على الخطأ قطعاً، فليس هنا نقض اجتهاد باجتهاد، واختاره جمع؛ لظهور مدركه، والتعليل إنما يظهر في أربع صلوات.
(الشرط العاشر: ترك الكلام) عمداً مع علم التحريم، وتذكر الصلاة، وعدم الغلبة لا بقرآن وذكر ودعاء وقربة واجابته ﷺ ، فتبطل بغير ذلك ولو حديثاً قدسياً، ونحو إنجيل ومنسوخ تلاوة، وإن خوطب به ما لا يعقل كـ (يا أرض)، ولو لمصلحة الصلاة أو كرهاً؛ لخبر مسلم: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام)، وخبر معاوية بن الحكم لما شمت العاطس في الصلاة، فقال له ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، وإنما لم يأمره بالإعادة؛ لعذره بقرب عهده بالإسلام.
(وتبطل) الصلاة (بنطق حرفين) متوالين بالقيود السابقة وإن لم يفهما، لكن لا يضر زيادة ياء قبل (أيها النبي) في التحيات كما مر، فلا تبطل بغير متوالين وإن كثرت نحو ت ث ج؛ لعدم كونه كلاماً.
(أو حرف مفهم) عند المتكلم نحو (ف) و (ق) و (ع) من الوفاء والوقاية والوعاية؛ لأنه كلام لغة وعرفاً، وإن أخطأ بحذف هاء السكت.
أمَّا غير المفهم .. فلا تبطل به الصلاة ما لم ينطق به بقصد النطق بحرفين؛ إذ الشروع في المبطل مبطل.
(أو) حرف (ممدود)؛ لأنه بحرفين.
وتبطل الصلاة بجميع ما ذكر (ولو) حصل (بتنحنح، وإكراه)؛ لندرته فيها (وضحك) وتثاؤب (وبكاء) ولو من خوف الآخرة (وأنين، ونفخ من الفم، والأنف) إن تصور، وعطاس وسعال في الكل.
والمراد حصل بواحد منهما حرفان، أو حرف مفهم، فلا يضر صوت لا حرف فيه، وإن أفهم وتكرر، أو قصد به محاكاة صوت بعص الحيوانات، كأن نهق أو صهل ولو لغير حاجة ما لم يقصد به اللعب.
стр. 232
(ويعذر في يسير لكلام) عرفاً، وهو ست كلمات عرفية فأقل؛ أخذاً من حديث ذي اليدين، كما بينته في "الأصل".
(إن سبق لسانه) إليه، كالناسي بل أولى (أو نسي) أنه في الصلاة، كأن سلم معتقداً كمال صلاته، فتكلم يسيراً عمداً، أو ظن بطلان صلاته بكلامه ناسياً، فتكلم يسيراً.
(أو جهل التحريم) فيما تكلم به فيها وإن علم تحريم جنسه، وهذا إن عذر.
إمَّا بخفاء تحريم ما أتى به بحيث يجهله أكثر العوام كالتنحنح، فإنه يجهل أكثرهم بطلان الصلاة به، وتكبير المبلغ بقصد الإعلام؛ لأن العامي إنما يجب عليه تعلم المسائل الظاهرة دون الخفية، فلا تقصير منه فيه فعذر، ولو شك في كون ما تكلم به من الظاهر أو ن الخفي .. فكالخفي.
وأمَّا بكونه من الظاهر (وهو قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء) أي: عمن يعرف ذلك، بأن لا يجد مؤنة توصله إليه؛ وذلك لحديث ذي اليدين؛ لأنه ﷺ تكلم معتقداً أنه ليس في صلاة، وذو اليدين كان جاهلاً تحريم الكلام في الصلاة.
وخرج (بنسيان الصلاة): نسيان تحريم ما أتى به، وبجهل التحريم ما لو علمه وجهل كونه مبطلاً، فتبطل صلاته فيهما.
ولو سلم إمامه فسلم، ثم سلم الإمام ثانياً، فقال له المأموم: قد سلمت قبل هذا، فقال: سلمت ناسياً للصلاة على النبي صى الله عليه وسلم مثلاً .. لم تبطل صلاة المأموم؛ لقلته مع ظنه أنه ليس في صلاة، فيسلم بعد أن يسجد للسهو؛ لوقوع كلامه بعد انقضاء القدوة.
وكما يعذر بما مر أيضاً بالغلبة، كما قال: (أو حصل) أي: اليسير من الكلام (بغلبة ضحك أو غيره) كبكاء وغيره مما مر بجامع عدم التقصير في كل.
وخرج (بغلبة): ما لو قصده، كأن تعمد السعال لما يجده في صدره، فحصل منه حرفان مثلاً من مرة، أو ثلاث حركات متوالية، فتبطل به الصلاة، وهذا خصوصاً في شربة التنباك كثير.
نعم؛ إن صار نحو السعال مرضاً مزمناً، بحيث لم يخل منه زمناً يسع الصلاة بلا نحو
стр. 233
سعال .. فلا بطلان ولا قضاء وإن شفي، كمن به حكة لا يصبر معها على عدم الحك، ولا يلزمه انتظار الزمن الذي يخلو فيها عن ذلك في الأخيرة، وقياسها الأولى وإن كان ظاهر "النهاية" اللزوم فيها، وقياس الأولى أيضاً: عدم لزوم الانتظار لمن يهتز لنحو برد.
ولو تنحنح إمامه، فظهر منه حرفان .. لم تجب مفارقته ما لم تدل قرينة على عدم عذره، أو لحن لحناً بغير لمعنى في الفاتحة .. لم تجب مفارقته حالاً، ولا عند الركوع إذا لم يجوز كونه أمياً، بل له انتظاره، كما لو قام لخامسة.
(ولا يعذر) كما في "المجموع" وإن خالفه جمع (في) الكلام (الكثير) وهو ما زاد على ست كلمات عرفية (بهذه الأعذار) المتقدمة من التنحنح وما بعده إلى هنا، بل تبطل صلاته؛ لأنه يقطع نظمها، ولأن السبق والنسيان والغلبة في الكثير نادرة.
(و) قد (يعذر) فيه، وذلك (في التنحنح لتعذر القراءة الواجبة) أو غيرها من الأركان القولية كالتشهد.
ونازع في "التحفة": بأن الكثير لا يغتفر؛ للغلبة التي لا محيص عنها، فبالأولى لقراءة التي له محيص عنها بالسكوت حتى يزول، وألحق في "الزبد" السعال بالتنحنح، وأقره الشهاب الرملي.
وخرج بـ (الواجبة): المسنونة كالجهر، فلا يغتفر له.
(ولو نطق) المصلي (بنظم القرآن) أو ذكر (بقصد التفهيم) كقوله لمن استأذنه في الدخول، أو في أخذ شيء: باسم الله، أو: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم:١٢]، أوكتنبيه إمامه أو غيره بنحو سبحان الله، وكالفتح على إمامه والتبليغ ولو من الإمام.
(أو أطلق) فلم يقصد بنطقه شيئاً مع وجود قرينة تصرفه إليها ( .. بطلت صلاته).
أمَّا الأول .. فظاهر، وأمَّا الثاني .. فلأن القرينة المقارنة سوق اللفظ تصرفه إليها ما لم ينو صرفه عنها، فلا يكون المأتي به قرآناً ولا ذكراً حينئذٍ، بل بمعنى ما دلت عليه تلك القرينة، كـ (الله أكبر) من المبلغ فإنها بمعنى ركع الإمام وهكذا، ولا بد في كل مرة من النية، فإن أطلق ولو في واحدة .. بطلت صلاته، وفيه صعوبة، واكتفى الخطيب بالنية في الأولى فقط.
стр. 234
وعلى كلًّ لا تبطل به صلاة الجاهل؛ لأنه خفي، بل اعتمد السبكي والأذرعي وغيرهما أن كل ما لا يصلح لمكالمة الآدميين -كالتسبيح والتهليل، وكما لا يحتمل غيرالقرآن كـ"الإخلاص"- لا تبطل به على كل التقادير.
أمَّا إذا قصد القراءة وحدها أو الذكر وحده أو مع نحو التفهيم .. فلا بطلان؛ لبقاء ما تكلم به على موضوعه، وكذا مع الإطلاق عند جمع.
وخرج بـ (نظم القرآن): مغير النظم كـ (يا إبراهيم سلام كوني) ما لم يقصد بكل كلمة القراءة على حيالها مع فصلها، وكذا مع وصلها، كما في "الغرر" وغيرها، وفي "الأصل" هنا بسط.
(ولا تبطل) الصلاة (بالذكر والدعاء) الجائزين ولو بمستحيل عادة؛ لمشروعيتهما فيها، ومن ثم لو أتى بهما بالعجمية مع إحسانه العربية أو لا من إحسانها وقد اخترعها، أو كانا محرمين كالذكر بألفاظ لا يعرف معناها، وكالدعاء لجميع المسلمين بمغفرة جميع ذنوبهم .. بطلت صلاته.
وشرط عدم إبطالهما أن لا يقصد بهما تفهيماً وحده، وأن لا يطلق، وأن يكونا في غير نحو صدقت، المتقدم في القنوت و (بلا خطاب) لمخلوق غير النبي ﷺ فيهما نحو (الله يغفر لك) ولو لميت.
وأن، يكون الدعاء بلا تعليق: كـ (اللهم اغفر لي إن شئت)، وإلا .. بطلت، بخلاف خطاب الله ورسوله ولو في غير تشهد، فلا يضر.
واستثنى في: "الأسنى": خطاب ما لا يعقل والميت والشيطان، فلا يضر على ما بينته في "الأصل".
(ولا) تبطل (بالتلفظ بقربة) بالعربية حيث لا تعليق ولا خطاب مضر، وتوقفت على التلفظ بها، وذلك (كـ) التلفظ بـ (العتق والنذر) أي: نذر التبرر لا اللجاج، وكالوصية والصدقة وسائر القرب المنجزة، وعتمد (م ر) البطلان بما عدا النذر؛ لأن المناجاة لا تتحقق إلا فيه كـ (لله علي كذا).
وفي "الإيعاب": أنها تبطل بلفظ التصدق؛ لأنه لا يحتاج فيه إليه.
وأجيب بأنه وإن لم يحصل به تمام الملك يحصل به سببه، ولا تبطل بإجابته ﷺ بقول ولا فعل، ويقتصر على قدر الحاجة وإن كثر.
стр. 235
وتجب إجابة الأبوين في نفل إن تأذيا بعدمها، وتبطل.
وتحرم في فرض وتبطل.
(ولا) تبطل (بالسكوت الطويل) ولو (بلا عذر) وإن نام ممكناً.
تنبيه: الذكر: ما تضمن الثناء على الله تعالى. والدعاء: ما تضمن حصول شيء وإن لم يكن نصاً فيه نحو: (كم أحسنت إليَّ وأسأت وأنا المذنب).
ولو قال: السلام، أو الغافر، أو النعمة بقصد القرآن أو اسم الله في الأولين .. لم تبطل، أي: إن قدر تمام الجملة، وقد يشكل ما مر في شرح البسملة: أن المقدر ليس بقرآن.
وليس من الذكر: "قال الله"، بخلاف "صدق الله" فهو ذكر.
ولو قرأ الإمام: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:٥]، فقالها المأموم، أو قال: استعنا بالله .. لم تبطل إن قصد تلاوة أو دعاء.
وإنما لم تبطل بنحو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة:٥] في قنوت عمر وإن لم يقصد به نحو دعاء؛ إذ لا قرينة فيه تصرفه عن موضوعه، وثم قرينة إجابته للإمام تصرفه لذلك.
ولو قصد الثناء بـ (استعنا بالله) .. لم تبطل عند (حج)؛ لاستلزامه الثناء، كما: كم أحسنت إلىَّ.
ولو قرأ شخص: (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) [الأحزاب:٦٩] فقال: برئ والله .. لم يضر، لكن نظر فيه في "القلائد".
(ويسن لمن نابه شيء) في صلاته (أن يسبح) بقصد الذكر وحده، أو مع التفهيم (إن كان رجلاً، و) أن (تصفق المرأة) والخنثى ولو خاليتين عن الرجال الأجانب، والأولى (بـ) ضرب (بطن كف على ظهر أخرى) سواء اليسرى واليمنى؛ لخبر: "من نابه شيء في صلاته .. فليسبح، فإنه إذا سبح .. التفت إليه" وإنما التصفيق للنساء، فلو صفق الرجل وسبح غيره .. كان خلاف السنة.
ولو كثر التصفيق وتوالى .. أبطل عند (حج)، ولا يضر حيث قصد به الإعلام ولو مع اللعب، أو أطلق إن لم يكن متوالياً، فإن قصد به اللعب وحده .. بطلت ولو بواحدة.
стр. 236
ولو صفقت بخارج الصلاة بضرب بطن على بطن .. كره ولو بقصد اللعب عند (حج).
(الشرط الحادي عشر: ترك) تعمد زيادة ركن فعلي، وفعل فاحش، أو بقصد اللعب وحده، أو شرع به في مبطل، وترك (الأفعال الكثيرة) بقيودها الآتية.
(فلو زاد) فيها (ركوعاً أو غيره من الأركان) الفعلية لغير قتل نحو حية ( .. بطلت) صلاته (إن تعمده) ولم يكن للمتابعة ولو بحركة واحدة وإن لم يطمئن فيه؛ لتلاعبه.
قال في "التحفة": (ومنه أن ينحني الجالس إلى أن تحاذي جبهته ما أمام ركبتيه، ولو لتحصيل توركه أو افتراشه المسنون؛ إذ المبطل لا يغتفر للمندوب، بخلاف الانحناء لقتل نحو حية؛ لأنه لخشية ضرره صار بمنزلة الضروري، وسيأتي اغتفار الكثير للضرورة، فأولى هذا) اهـ
وخالفه (م ر)، وغيره في كون هذا لانحناء المذكور مبطلاً، بخلاف زيادة ما هو من جنس أفعالها المسنونة كرفع اليدين أو الواجبة لكن سهواً، كزيادة ركعة سهواً، وزيادة ركن قولي أو فعلي للمتابعة، فلا تبطل بشيء من ذلك.
وكذا لا تبطل بزيادة قعود عهد غير ركن بقدر الجلوس بين السجدتين بعد الاعتدال وقبل السجود، أو بعد سجدة التلاوة، بخلافه قبل نحو الركوع؛ لأنه لم يعهد. ولو سجد على خشن أو يده، فانتقل عنه لغيره بعد رفع رأسه مختاراً .. فيتجه -أخذاً من قولهم: وإن لم يطمئن- بطلان صلاته عند (حج).
وخرج بمختاراً: ما لو سجد على نحو شوكة .. فلا تبطل برفعه، ويلزمه العود؛ لوجود الصارف، وهو: رفعه للتأذي بالشوكة، ولو هوى لسجدة تلاوة .. فله تركه، ويعود للقيام وجوباً.
(أو فعل ثلاثة أفعال متوالية) بأن لا يعد عرفاً كلٌّ منقطعاً عما قبله، سواء كانت من ثلاثة أعضاء كحركة يديه ورأسه، أم من عضوين (كثلاث خطوات) متوالية وإن كانت وإن كانت بقدر خطوة أم من عضو واحد، كثلاث مضغات (أو حكات) توالت مع تحريك كفه.
ولو شك في فعل، أكثير هو أم قليل؟ فكالقليل، أو هل توالى أم لا؟ فكغير المتوالي.
стр. 237
وإنما بطل الفعل الكثير في غير شدة خوف ونفل سفر، و (في غير) حك؛ لأجل (جرب) وقمل ونحوهما من كل فعل ضروري بحيث لا يقدر على تركه، أمّا مع هذه الثلاثة .. فلا تبطل الصلاة بالفعل الكثير.
ومن الضروري أيضاً: الصيال عليه من آدمي أو نحو حية، فلا تبطل في الأفعال؛ لدفعه وإن كثرت، بل له ذلك في نحو قتل الحية وإن لم تصل عليه، وكما تبطل الصلاة بفعل واحد حصل به زيادة ركن فعلي تبطل أيضاً به بقصد اللعب، أو بقصد أن يفعل ثلاثة متوالية.
(أو) إن فحش كأن (وثب وثبة فاحسة) وهي التي فيها انحناء بكل البدن.
وقضيته: أن لنا وثبة غير فاحشة، فلا تبطل بها الصلاة، وهي التي لا يكون فيها ذلك، لكن قال غير واحد: أنها لا تكون إلا فاحشة.
(أو ضرب ضربة) أو رفس رفسة (مفرطة .. بطلت) صلاته؛ لمنافاة ذلك للصلاة، لكثرته أو فحشه وإشعاره بالإعراض عنها (سواء كان عامداً) في فعله ما ذكر غير زيادة الركن الفعلي، لما مر أنه لا يضر سهوه (أو ناسياً) له، أو جاهلاً بحرمته وإن عذر؛ لندرة ذلك فيها ولقطعه النظم، بخلاف القولي، ولذا فرقوا بين عمده وسهوه.
وقيل: لا يضر ذلك سهواً أو جهلاً، وعذر به؛ لقصة ذي اليدين: (أنه ﷺ قام بعد أن سلم من ركعتين، ومشى إلى ناحية في المسجد).
وأجابوا بأنه يحتمل أنه كلما أخذ خطوتين .. وقف، وهذا احتمال في غاية البعد.
ولذا قال النووي في "شرح مسلم": تأويل حديث ذي اليدين صعب.
والخطوة -بفتح الخاء-: المرة، وبضمها: ما بين القدمين، وهو المراد في صلاة المسافر.
وتحصل بمجرد نقل الرجل لأمام أو غيره، فإذا نقل الثانية .. حسبت ثانية.
ويؤيده: أن حركة اليدين على التعاقب أو المعية حركتان.
وفي " الإمداد": أنّ نقل الأخرى إلى مساواة الأولى، خطوة واحده، ويؤيده: أن ذهاب اليد ورجوعها ووضعها ورفعها، حركة واحدة، والأول أصح.
والمعتمد: أن نقل الرجل لجهة العلو ثم السفل خطوة، قاله (ب ج).
(ولا يضر الفعل القليل) الذي ليس بفاحش ولا بقصد اللعب ولا شرع به في ثلاث.
стр. 238
ومنه: الحركة والحركتان، كخطوتين وإن اتسعتا؛ لأنه ﷺ فعل القليل، وأذن فيه فخلع نعليه في الصلاة، ووضعهما عن يساره، وحمل أُمامة، وغمز رجل عائشة في السجود، وأشار برد السلام، وأمر بقتل الأسودين في الصلاة.
وبدفع المار ولأن المصلي يعسر عليه السكون على هيئة واحدة في جميع الصلاة، فعفي عن القليل، لكن يكره لغير حاجة.
(ولا) يضر أيضاً (حركات خفيفات وإن كثرت) وتوالت، لكنه خلاف الأولى لغير حاجة (كتحريك الأصابع) مع قرار كفه، وقيل: ولو مع تحركها؛ لأن أكثر اليد ساكن، وكحلٍّ وعقدٍّ وإن لم يكن لغرض، وتحريك نحو جفنه ولسانه وأذنه؛ لأنها تابعة لمحالها المستقرة.
(الشرط الثاني عشر: ترك) المفطر، فتبطل مع التعمد، وعلم التحريم بوصول مفطر جوفه وإن قل ولم يؤكل. ولو كعود دخل في نحو أذنه.
وترك نحو (الأكل والشرب) أي: إيصاله عيناً لجوفه ولو سهواً أو جهلاً أو كرهاً وإن لم يفطر بذلك؛ لإشعاره بالإعراض عنها، ولأن لها هيئة تذكر بها، بخلاف الصوم.
(فإن أكل قليلاً ناسياً أو جاهلاً بتحريمه) وعذر بما مر ( .. لم تبطل) صلاته؛ لعذره.
نعم؛ تبطل بثلاث مضغات توالت ولو ناسياً أو جاهلاً، كما مر.
(الشرط الثالث عشر: أن لا يمضي ركن قولي) كالفاتحة (أو فعلي) كالاعتدال (مع الشك في التحرم) أي: في تكبيرة الإحرام، أو في النية، كأن تردد في أصل النية أو في جزء من أجزائها، أو شرط من شروطها، أو هل نوى ظهراً أو عصراً؟
(أو يطول زمن الشك) أي: التردد فيما ذكر، أو لم يعد ما قرأه مع الشك وإن لم يمض معه ركن ولا طال زمنه؛ لانقطاع نظم الصلاة بذلك، ولندرة مثل ذلك في الثانية، ولتقصيره بترك التوقف إلى التذكر في الأولى؛ إذ كان يمكنه الصبر عن القراءة حال الشك
стр. 239
إلى التذكر مع عدم إعادة ما قرأه مع الشك في الثالثة، فتبطل بما ذكر وإن كان جاهلاً، بخلاف من زاد ركناً ناسياً؛ إذ لا حيلة له في النسيانً.
أمَا لو تذكر قبل مضي ركن وقبل طول الزمن وأعاد ما قرأه مع الشك .. فلا بطلان؛ لكثرة عروض مثل ذلك.
قال الشرقاوي: (وطوله بأن يسع ركناً، وقصره بأن لا يسعه، كأن خطر له خاطر وزال سريعاً).
وخرج بتعبيره بـ (الشك): ما لو ظن أنه في صلاة أخرى، فتصح وإن أتمها على ذلك فرضاً كانت أو نفلاً.
ويؤخذ من ذلك أنه لو قنت قي سنة الصبح ظانّاً أنها الصبح .. لم يضر وإن طال الزمن، أو مضى ركن مع ذلك الظن.
(الشرط الرابع عشر: أن لا ينوي قطع الصلاة، أو يتردد في قطعها) حالاً أو بعد مضي ركعة -مثلاً- ولو بالخروج إلى صلاة أخرى في غير ما يأتي.
وكالتردد في قطعها: التردد في الاستمرار فيها، فتبطل في الجميع؛ لمنافاته للجزم المشروط دوامه فيها كالإيمان، ولا مؤاخذة في الوسواس القهري، وهو الذي يطرق الفكر بلا اختيار.
وخرج بـ (نية قطعها): نية الفعل المبطل، فلا تبطل بها حتى يشرع فيه؛ إذ لا ينافي ذلك النية، لا يقال: نية المبطل نية لقطعها؛ لأنا لا نسلم كون نية المبطل نية لقطعها، بل الثانية لازمة للأولى، وذلك المبطل لا ينافي الجزم بنفسه، بل يلازمه، فلم تؤثر نيته حتى يشرع فيه، بخلاف نية القطع فمنافية للنية بنفسها، فأثرت وإن لم يشرع فيه.
والحاصل: أن المنافي للنية، كالتعليق والتردد ونية القطع، يضر حالاً، ومنافي الصلاة إنما يضر عند وجوده، وأن نية القطع والتردد تبطل الإيمان والصلاة اتفاقاً، ولا تبطل النسك اتفاقاً، ولا الصوم والاعتكاف وما مضى من الوضوء على الأصح، ويحتاج الباقي منه لنية جديدة.
والفرق: أن الصلاة أضيق باباً، ومثلها الإيمان بل أولى.
(الشرط الخامس عشر: عدم تعليق قطعها بشيء) ولو محالاً عادياً -كصعود السماء-
стр. 240
لا عقلياً كجمع الضدين كالطول والقصر لشيء واحد في وقت واحد؛ إذ التعليق ينافي الجزم حتى بالمستحيل عادةً؛ لإمكان وقوعه، بخلاف المستحيل العقلي؛ لعدم إمكانه، وهذا في التعليق القلبي.
أمَا اللفظي: فمبطل مطلقاً، ولكن قد علم مما مر.
السادس عشر: أن لا يصرف صلاته لصلاة أخرى فتبطل بذلك.
نعم؛ قد تنصرف نفلاً مطلقاً، وذلك كأن ظن دخول وقت فأحرم بفرضه، فبان عدم دخوله، أو صلى ما ظنه عليه، فبان أنه ليس عليه، أو أحرم بفرض قاعداً، وهو قريب عهد بالإسلام ونحو ذلك، وفي نفي مقيد أحرم به قبل وقته جاهلاً، فتنقلب صلاته فيما ذكر نفلاً مطلقاً، ولا يلزم من بطلان الخصوص بطلان العموم.
نعم؛ يسن لمنفرد رأى جماعة أن يقلب فرضه نفلاً مطلقاً، لا معيناً.
فتبطل بشرط كون صلاته ثلاثية أو رباعية، وأن لا يقوم إلى الثالثة، فإن كان في ثنائية أو قام لثالثة .. لم يسن بل يجوز، فيسلم في الأولى من ركعة، ليدرك الجماعة، فإن خشي فوت الجماعة لو قلبها .. ندب قطعها، ويصلي جماعة، وأن يتسع الوقت، وإلا .. حرم قلبها، وأن لا يكره الاقتداء بإمام الجماعة، وأن لا يرجو جماعة غيرها، وإلا .. جاز القلب فيهما، وأن تكون الجماعة مطلوبة، فلو كانت صلاته فائتة والجماعة القائمة في حاضرة .. حرم القلب.
ومن الشروط أيضاً للصلاة -بمعنى التحرز عن المبطل- عدم تطويل الركن القصير عمداً، واقتداء بنحو امرأة، وغير ذلك.
* * *
(فصل): في مكروهات الصلاة .
(يكره) لكل مصل (الالتفات) فيها (بوجهه) بغير قصد لعب، وإلا .. بطلت يميناً أو شمالاً، وقيل: يحرم؛ لخبر: "لايزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت .. أعرض الله عنه"، وصح أنه اختلاس من الشيطان.
أمَا بصدره .. فتبطل (إلا لحاجة) .. فلا يكره، بل قد يسن، كالالتفات إلى معصوم يخاف عليه.
стр. 241
ومثله الإشارة، فتكره إلا لحاجة كرد سلام بيد أو رأس.
(ورفع البصر إلى السماء) وغيرها مما علا؛ لخبر: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في الصلاة، لينتهن أو لتخطفن أبصارهم".
(وكف شعره أو ثوبه) بنحو تشمير كمه أو شد وسطه، لخبر: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعراً ولا ثوباً".
وحكمته: أن ذلك يمنع من سجودها معه، وينافي الخشوع والتواضع.
ومن ثم كره كشف الرأس فيها، أو إحدى المنكبين والاضطباع.
(ووضع يده على فمه بلا حاجة)؛ للنهي الصحيح عنه، ولمنافاته لهيئة الخشوع.
أمَّا لحاجة .. فيسن كما للتثاؤب؛ لخبر صحيح فيه.
وهل يضع اليمنى أو اليسرى؟ قال (م ر): اليسرى، و (حج): يتخير، والسنة تحصل بكلًّ سواء ظهر الكف أو بطنها.
فال بعض الحفاظ: نهي في الصلاة عن مسح الحصا والجبهة من التراب والنفخ وتفقيع الأصابع وتشبيكها والسدل وتغطية الفم والأنف.
(ومسح جبهته) قبل السلام، أما بعده .. فيسن.
(وتسوية الحصا) ونحوه (في محل سجوده)؛ للنهي، ولأنه ينافي الخشوع كما فيما قبله.
(والقيام على رجل) واحدة (وتقديمها) على الأخرى (ولصقها بالأخرى)؛ لمنافاته الخشوع، ولا بأس بالاستراحة على أحدهما لنحو طول قيام.
قال في "الإحياء": نهي عن الصفين والصفد في الصلاة، والصفد: اقتران القدمين معاً، والصفن: رفع إحدى الرجلين، لكن يسن الصفد للمرأة.
(والصلاة حاقناً) بالنون أي: بالبول (أو حاقباً) بالباء أي: بالغائط (أو حازقاً) لأي: بالريح؛ للنهي عنها مع مدافعة الأخبثين.
ويسن تفريغ نفسه قبل الصلاة وإن خاف فوت الجماعة، وهذا (إن وسع الوقت) وإلا .. وجبت الصلاة مع ذلك؛ لحرمة الوقت إلاَّ أن يخاف ضرراً .. فتحرم.
стр. 242
(ومع توقان الطعام) أي: المأكول والمشروب، وكل ما اشتغل به قلبه، بحيث يختل خشوعه لو قدمها عليه كوطء حليلته؛ للأمر بتقديم العشاء، وياكل ما يتوفر معه الخشوع، فإن لم يتوفر إلا بالشبع .. شبع، وهذا (إن وسع) الوقت (أيضاً) وكان المتوق إليه حاضراً، أو قريباً من الحضور، وإلا .. صلى فوراً وجوباً؛ لما مر.
(وأن يبصق) بالصاد والزاي (في غير المسجد) ولو خارج الصلاة (عن يمينه)؛ للنهي عنه، بل عن يساره؛ إكراماً لملك اليمين، ولأن ملك اليسار يتنحى عنه في الصلاة إلى فراغها، فالبصاق حينئذٍ إنما يقع على القرين، وهو شيطان الشخص الذي يولد بولادته، ويموت بموته، وهذا في غير مسجده ﷺ ، وحيث لم يكن إنسان عن يساره، وإلا .. بصق عن يمينه؛ احتراماً لهما وإن تردد في "التحفة" في مسجده ﷺ ؛ لأنه أحق بالاحترام من الأنسان الذي عن يساره مع جزمه بأنه لا يبصق عن يساره الذي في ناحيته إنسان.
وإطلاقهم يشمل الطائف، فيبصق عن يساره وإن كانت الكعبة عن يساره.
نعم؛ إن أمكن أن يطأطئ رأسه فيبصق لجهة السفل لا يميناً ولا شمالاً .. فهو أولى (أو قبالته) وإن، لم يكن من هو خارج الصلاة مستقبلاً عند (حج).
(ويحرم في المسجد) البصاق إن اتصل بشئ من أجزائه وإن لم يكن في صلاة ولا مستقبلاً، بل يبصق في نحو ثوبه وإن وقع على نجس معفو عنه، ويحك بعضه ببعض؛ لخبر: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" أي: إن أمكن.
أمَّا ما لا يمكن كالمبلط .. فتجب إزالتها منه، ولا يكفي دلكها فيه. والمعنى أن دفنها يقطع الإثم لا أصله، ويجب على من علم بمستقذر في مسجد إخراجه وإن، عين شخص لإزالته منه.
(وأن يضع يده) اليمنى أو اليسرى (على خاصرته) لغير حاجة؛ للنهي عنه، وأنه راحة أهل النار، وأن الشيطان أهبط من الجنة كذلك.
(وأن يخفض رأسه) أو يرفعه عن ظهره (في ركوعه) وإن لم يبالغ؛ لما مرَّ.
ويكره ترك السورة في الركعتين الأولتين من كل صلاة، وترك تكبير الانتقالات،
стр. 243
وأذكار ركوع واعتدال وسجود وجلوس بين السجدتين والأبعاض؛ لتأكدها، وللخلاف في وجوب بعضها.
(وقراءة السورة في) الركعة (الثالثة والرابعة) من الرباعية، والثالثة من المغرب.
ولعل مراده بالكراهة في هذه خلاف الأولى، قال الكردي: [١/ ٢٠٠]: خلاف الأولى، وخلاف السنة شيء واحد على المعتمد، ومقابله يفرق بينهما، وهو ظاهر "شرح الشيخ" حيث قال: (والمعتمد أن قراءتها فيهما ليست خلاف الاولى، ولا خلاف السنة، بل ليست بسنة) أي: بل مباحة. اهـ
فمن يدخل خلاف الأولى في المكروه، كما هو عادة المتقدمين .. يقولون: مكروه كراهة غير شديدة، وهو خلاف الأولى، وكراهة شديدة، وهو: المكروه.
ومن فرق بينهما، كما في "جمع الجوامع: .. قال: ما نهي عنه غير جازم، فإن كان مخصوصاً، كما في خبر: "إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، وخبر: "لا تصلوا في أعطان الإبل" .. فمكروه.
أو غير مخصوص، بل استفيد من الأمر كالنهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها؛ إذ الأمر بالشيء نهي عن تركه .. فخلاف الأولى.
قال المحلي: فالخلاف في شئ أمكروه هو، أو خلاف الاولى؟ اختلاف في وجود المخصوص فيه، كصوم يوم عرفة للحاج خلاف الاولى.
وقيل: مكروه؛ لحديث أبي داوود وغيره: "أنه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" اهـ، أي: من قال: إنه مكروه .. قال: سببُ الكراهة النهي المخصوص في خبر أبي داوود، ومن قال: إنه خلاف الأولى .. قال: سببه: النهي لمأخوذ من فطرة ﷺ بعرفة، ونحن مأمورون باتباعه في الفطر، والأمر بالفطر نهي عن ضده، وهو الصوم.
فإذا علمت ما تقرر .. ظهر لك أن قراءة السورة في الثالثة والرابعة ليس مكروهاً.
وأما كونه خلاف الأولى .. فإن قلنا بالمعتمد من عدم سنها فيهما وأن الاتباع تركه فيهما .. فهي خلاف الاولى؛ لما مر في صوم يوم عرفة، ولأنا مأمورون باتباعه، والأمر بالشيء نهي عن ضده.
فقول (حج) في "الشرح"، و"الإمداد": إن قراءتها فيهما ليست خلاف السنة،
стр. 244
بل ليست سنة، فيه نظر؛ لأنه كون قراءتها مباحة، ولا طلب فيها بفعل ولا كف، وليس كذلك، بل المطلوب فيها الكف؛ للاتباع، والمباح لا طلب فيه فعلاً ولا تركاً.
فالوجه أن خلاف السنة وخلاف الأفضل مرادفان لخلاف الأولى.
نعم؛ قد يكون خلاف الأفضل مستحباً أيضاً كالأفضل، كالإقعاء المسنون في الصلاة، فإنه وإن كان مسنوناً فالافتراش أفضل منه، فهو وإن كان مستحباً خلاف الأفضل، بل وخلاف الأولى، كما في: "كاشف اللثام" للكردي، فهو داخل في حيز المنهي عنه؛ لما في الإتيان به من ترك الأفضل وإن كان مسنوناً في نفسه.
أمَّا إن قلنا بسنية قراءتها في الأخيرتين كما هو مقابل الأظهر في "المنهاج"، وثبت في "صحيح مسلم" .. فلا كلام في سنيتها، فضلاً عن كونها غير سنة، هذا ما ظهر، فليتأمل.
(إلا لمن سبق بالأولى والثانية) أو أحدهما ( .. فيقرؤها) أي: السورة (في الأخيرتين) من صلاة الإمام؛ لأنهما أوليا صلاته، فإن لم يتمكن من قراءتها فيهما .. قرأها في أخيرتيه؛ لئلا تخلو صلاته عنها، وكسبقه بالأولتين ما لو لم يتمكن من قراءة السورة فيهما .. فيقرأها في أخيرتيه إن تمكن، ولو سبق بالاولى فقط أو لم يتمكن من قراءة السورة فيها .. قرأها في الثانية والثالثة.
أمَّا إذا تمكن من قراءتها ولم يقرأها .. فلا يتداركها لتقصيره.
ومحل ذلك حيث لم تسقط عنه، تبعاً للفاتحة أو بعضها، وإلا .. فلا يتداركها، ومرَّ أن المأموم إذا فرغ من فاتحته قبل ركوع إمامه أنه يقرؤها ولو في الأخيرتين.
(والاستناد إلى ما تسقط بسقوطه)، للخلاف في صحته حينئذٍ، ومحله إن سمي قائماً، وإلا بأن أمكنه رفع قدميه .. فلا تصح؛ لأنه معلق لا قائم.
(والزيادة في جلسة الاستراحة على قدر) أقل (الجلوس بين السجدتين، وإطالة التشهد الأول، والدعاء فيه، وترك الدعاء في الأخير) كما مر فيها.
стр. 245
(ومقارنة الإمام في أفعال الصلاة) أو أقوالها؛ للخلاف في صحة صلاته حينئذٍ، وهذه الكراهة ونحوها من كل مكروه من حيث الجماعة تفوت فضلها، لكن نقل المناوي عن السيوطي: أن فضيلة التضعيف -وهوعود بركة الجماعة بعضهم على بعض- لا تفوت وإن فاتت فضيلة الجماعة.
وعليه: فينبغي أن يطلب الجماعة التي كثرت وتوفر صلاحها؛ ليعظم التضعيف.
(والجهر في موضع) ندبِ (الإسرار، والإسرار في موضع) نَدبِ (الجهر والجهر) للمأموم (خلف الإمام) في غير ما يندب له فيه خلفه، كما مر في التأمين؛ وذلك لمخالفته الاتباع المتأكد في ذلك.
(ويحرم) على المصلي حيث لا عذر (الجهر) في الصلاة وخارجها (إن شوش على غيره) من مصل أو قارئ وغيرهما؛ للضرر، ويؤخذ بقول المتشوش ولو فاسقاً؛ إذ لا يعرف إلا منه، وهذا إن اشتد التشويش، وإلا .. فهو مكروه، وبه يجمع الخلاف، أما من له عذر، كأن كثر اللغط فاحتاج للجهر، ليأتي بالقراءة على وجهها .. فلا كراهة ولا حرمة.
(وتكره الصلاة) أيضاً (في المزبَلة) -بفتح الموحدة أجود من ضمها- موضع الزبل (والمجزرة) موضع الجزر، أي: الذبح؛ لصحة النهي عنها، ولمحاذاة النجاسة فيهما؛ لأنه بفرشه طاهراً عليها يحاذي النجاسة، ومحاذاتها مكروهة، كما مر.
(و) في (الطريق في البناء) أو الصحراء وقت مرور الناس فيه ولو احتمالاً؛ لأنه يشغله، ومن ثم كان استقباله كالوقوف فيه حيث لم يبعد عنه، بحيث إنه لو نظر إلى محل سجوده فقط .. اشتغل بمرورهم، وكذا يقال لو صلى تجاه نحو شباك.
وتكره أيضاً في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد، وفي الوادي الذي نام فيه ﷺ ، وهو وادي القرى شآم المدينة.
(و) في (بطن الوادي مع توقع السيل) ونحوه: من كل محذور كحية؛ لخشية
стр. 246
الضرر، وانتفاء الخشوع ومحله -فيما مر ويأتي- إن اتسع الوقت للخروج مما ذكر وفِعلِ الصلاة ولم يخش فوات جماعة، وإلا .. صلى فيه وحيث لم يتحقق الضرر، وإلا .. وجب الخروج منه وتأخير الصلاة.
(و) في (الكنيسة) وهي متعبد اليهود، و (البيعة) وهي متعبد النصارى -بفتح الباء- ونحوها من أماكن الكفرة، بل يحرم دخولها إن منعوه، أو كان فيها صورة محرمة.
(و) في (المقبرة) -بتثليث الباء وفيه كلام في "الأصل"- إن لم تنبش، أو نبشت وصلى على حائل طاهر؛ للخبر الصحيح: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" مع النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والعلة محاذاة النجاسة تحته ولو بأجزاء الميت، فاستوى فيها المنبوشة وغيرها، وما تحته وما أمامه، أو بجانبه، بل قال (حج) و (م ر): (ولو دفن ميت بمسجد .. كانت الصلاة فيه مكروهة) اهـ.
ويؤخذ من ذلك أنها لا تكره بمقبرة من لا تأكل الارض أجسادهم كالأنبياء والشهداء، وفيه كلام في "الأصل".
(و) في (الحمام) ولو جديداً عند (حج)، أو مسلخته؛ للخبر المتقدم، ولأنه محل كشف العورات والشياطين.
ومثله: كل محل معصية أو غضب، كأرض ثمود، وكل موضع غير مأهول، كالمفازات والشعوب والأرحبة الخراب، وكل موضع يتشوش فيه الإنسان أو يتخوف؛ لأنه مأوى الشياطين.
(و) في (عطن الإبل) ولو طاهراً، وهو ما تنحى إليه إذا شربت؛ ليشرب غيرها، فإذا جمعت .. سيقت منه إلى المرعى، أو لتشرب ثانياً؛ للخبر الصحيح: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين" وجميع مباركها كالعطن، فالكراهة في أعطان الإبل لعلتين، وفي محال غيرها لعلة، وهي النجاسة إن كانت نجسة (و) على (سطح الكعبة)؛ لأنه خلاف الأدب.
(و) في (ثوب) أو إليه، أو عليه (فيه تصاوير، أو شيء) آخر (يلهيه) كخطوط؛ للخبر الصحيح: أنه ﷺ صلى وعليه ثوب ذات أعلام فلما فرغ قال: "ألهتني هذه"، قال (حج): وزَعْمُ عدم التأثر بها حماقة، وظاهرٌ أن هذا في البصير.
стр. 247
وكالثوب كل ما يشتغل به قلبه، كآدمي يستقبله.
(والتلثم) للرجل، (والتنقب) لغيره؛ للنهي عن الأول، والقياس عليه في الثاني.
(وعند غلبة النوم) والغضب؛ لفوات الخشوع.
وإنما لم تقتض الكراهة فيما ذكر الفساد كالكراهة للزمان؛ لأن لشارع جعل للصلاة أوقاتاً مخصوصة لا تصح في غيرها، ولم يجعل لها مكاناً مخصوصاً، فكان الخلل في الزمان أشد منه في الأمكنه، فالنهي فيها ليس راجعاً لذات العبادة، ولا للازمها، فلم يقتض الفساد، بل ولا يمنع أصل الثواب، كما في "فتاوى م ر"، وبقي من المكروه أمور، منها:
الإقعاء، كما مر، والصلاة خلف أقلف، وموسوس، وولد زنا، وافتراش السبع في السجود، والإسراع بأن يقتصر على أقل الواجب وغيرها.
* * *
(فصل: يستحب) لكل أحد (أن يصلي) ويسجد لنحو تلاوة (إلى شاخص) من نحو عمود أو جدار وإن لم يقصد الاستتار به، لكن يشترط عدم الصارف، فإن عَسُرَ عليه .. فإلى نحو عصا، وهي أولى، أو متاع يجمعه.
ولا بد من كون طول جميع ما ذكر: (قدر ثلثي ذراع) بذراع الآدمي المعتدل هنا وفيما يأتي فأكثر وإن لم يكن له عرض و (بينه) أي: وبين أصابع قدميه عند (م ر)، وعقبيهما عند (حج) في القائم، وبين أليتي الجالس (وبينه) أي: الشاخص (ثلاثة أذرع فما دون، فإن لم يجد) بأن عسر، أو تعذر عليه ما مر ( .. بسط مصلى) كسجادة -بفتح السين، وكسرُها لحن- (أو خطَّ خطاً) قبالته طولاً -وهو أولى- أو عرضاً، والارتفاع معتبر في الجميع كما في "المنهج"، وفي الثلاثة الأول كما في "التحفة"، وظاهرِ هذا المتن، والقربُ بثلاثة أذرع في الجميع، لكن العبرة في الخط والمصلى بأعلاهما، فإن بعد أعلاهما أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يكف.
стр. 248
ولو صلى على نحو فروة طولها ثلثا ذراع .. حرم المرور على الفروة فقط.
ولو طال المصلى أو الخط بأن كان بينه وبين أعلاه أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يعتبر.
(ويندب) للمصلي وغيره ممن ليس في صلاة (دفع المار) بينه وبين سترته (حينئذٍ) أي: حين استتاره بمعتبر مما مر، حيث لم يخش ذهاب خشوعه، ولم يقصر بنحو وقوفه بطريق.
(ويحرم المرور) بينه وبين سترته المعتبرة (حينئذٍ) أي: حين إذ استتر بسترة معتبرة، وإن لم يجد المار طريقاً إلا لضرورة كخوف محذور عليه أو على غيره.
بل اعتمد الإسنوي ما نقله الإمام عن الأئمة: أن له المرورَ حيث لا طريق غير ما بين المصلي وسترته.
أمَّا سن الاستتار بترتيبه السابق؛ فللاتباع في الإسطوانة والعصا مع أخبار كثيرة، منها: خبر أبي داوود: "إذا صلى أحدكم .. فليجعل أمام وجهه شيئاً، فإن لم يجد .. فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا .. فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه" أي: في إكمال صلاته، وقاسوا المصلى بالخط وقدموه عليه؛ لأنه أظهر في المراد.
وما اقتضاه المتن من جعل العصا في رتبة الجدار، والخط في رتبة المصلى .. تبع فيه الإسنوي، والمعتمد ماقدمته، ويكفي في أصل السنة مقابلته لجزء منها وإن قل.
والأفضل: جعل السترة بحيث تحاذي أحد حاجبيه الأيمن أو الأيسر وهو الأولى عند المدابغي، قال: لأن الشيطان يأتي من جهته.
وقال (ع ش): الأيمن أولى؛ لشرفه، ولأن الشيطان إذا رأى السترة .. لا يأتي بالكلية، وهذا لا يتأتى في الجدار والمصلى، إلا أنه يمكن في الجدار بأن يفصل طرفه أو شيء من وسطه، كما هو مشاهد. وإنما سن جعلها يمينه أو يساره؛ لكراهة الصمد إليها، للنهي عنه، لكن لو صمد إليها .. لم تخرج عن كونها سترة معتبرة، ولو لم يمكن إلا الصمد إليها .. فلا كراهة.
وأمَّا سن الدفع .. فللخبر الصحيح: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه .. فليدفعه، فإن أبى .. فليقاتله، فإنما هوشيطان".
ويؤخذ منه أنه يلزمه تحري الأسهل فالأسهل في الدفع، كما في الصائل، وليحذر من دفعه بثلاث حركات متوالية؛ فإنها مبطلة.
стр. 249
وأمَّا حرمة المرور .. فلخبر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي -أي: المستتر كما أفاده الحديث السابق- ماذا عليه من الإثم .. لكان أن يقف أربعين- أي: سنة كما في رواية- خير له من أن يمر بين يديه".
والخبر الدال على عدم الحرمة ضعيف، ولو رآه مستتراً بالأدون، فشك في تقصيره بالاستتار به .. حرم المرور.
وكل صف سترة لمن بعده عند (حج).
تنبيه: العبرة في الدفع باعتقاد المصلي، وفي حرمة المرور باعتقاد المار.
ولم يجب الدفع، وإن كان من باب النهي عن المنكر؛ للاختلاف في تحريم المرور، ولأن الإنكار إنما يجب حيث لا خوف فوت مصلحة أو وقوع في مفسدة، وهنا يؤدي إلى فوات الخشوع، قاله (م ر).
لكن قال (حج): (علة الدفع مركبة من: عدم تقصير المصلي، وحرمة المرور، فلذا لايدفع المراهق؛ لعدم الحرمة عليه) اهـ
ولو تعارض الرداء والسترة .. قدمت إن كان مستور العاتقين، وإلا .. سترهما وإن فاتت، أو الخشوع والسترة، أو الصف الأول .. قدم الخشوع عليهما، أو الصف الأول والسترة .. قدِّم.
ويحرم المرور مع السترة في جميع الأحوال (إلا إذا صلى في قارعة الطريق) أو درب ضيق، أو باب مسجد، أو نحو ذلك (وإلا لفرجة) تركت (في الصف المتقدم) أو سعة بحيث لو دخلها .. لوسعته معهم بلا مشقة، أو استتر بما يشتغل به قلبه كامرأة ورجل استقبله، أو لم تستجمع سترته الشروط المتقدمة .. فلا يحرم المرور ولو في محل سجوده، لكنه خلاف الأولى، ويحرم حينئذٍ الدفع.
ولو صلى بلا سترة فوضعها غيره بين يديه ولو بلا إذنه .. اعتد بها، زاد في "الفتح": إن نوى الاستتار بها.
ويجوز المنع من الوقوف في حريم المصلي أو القارىء، وهو قدر ما يسجد فيه.
وحيث منعنا المرور بين يدي المصلي، فهل يجوز مد نحو اليد فيه حال عدم سجوده؟ قال في "القلائد": نعم، ونقل (ب ج) عن (ع ش) المنع.
* * *
стр. 250
(فصل:) في سجود السهو وما يتعلق به.
واقتصروا على تقييده بالسهو للغالب، وإلا .. فيكون أيضاً للعمد، كما يأتي.
(يسن) متأكداً (سجدتان للسهو) أي: للخلل الواقع في الصلاة غير الجنازة، وفي سجدة تلاوة وشكر، ولا مانع من جبر الشيء بأكثر منه، فإنه عهد، كما في ترك كلمة من نحو القنوت، وفي إفساد يوم بجماع؛ وذلك للأحاديث الآتية ولم يجب؛ لأنه لم ينب عن واجب، بحلاف جبرانات الحج.
وإنما تسن (بأحد أسباب ثلاثة)، بل خمسة:
ترك بعض، ونقل قولي غير مبطل، وزيادة فعل يبطل عمده فقط، والشك في ترك بعض، وإيقاع فعل مع التردد في زيادته.
فإن سجد لغير ذلك .. بطلت صلاة غير الجاهل المعذور بنحو قرب عهد بالإسلام، كما في "التحفة"، لكن في "الفتح": ولو مخالطاً لنا.
ويمكن شمول الأول للأخيرين بأن يراد به ترك المأمور به الشامل للأبعاض يقيناً أو شكاً، وللتحفظ.
وجعلها في "المنهاج" شيئين: ترك مأمور به الشامل للأبعاض والتحفظ، أو فعل منهي عنه ولو احتمالاً.
فيشمل: ما يبطل عمده كنقل الفعلي، وما لا يبطل عمده كنقل القولي، كالفاتحة، والقيام إلى ركعة مع الشك، أهي رابعة أم خامسة؟
فهي منهي عنها احتمالاً؛ لاحتمال أنها خامسة، وبفرض أنها رابعة يسجد؛ لترك التحفظ المأمور به، فلم يخرج عنهما.
(الأول: ترك كلمة) أو حرف (من التشهد الأول) ولو عمداً.
والمراد به: اللفظ الواجب في التشهد الأخير دون ما يسن فيه، فلا سجود بتركه؛ وذلك لما صح (أنه ﷺ تركه ناسياً، وسجد قبل أن يسلم).
وقيس بالنسيان العمد، بل خلله أكثر، ولو صلى التسبيح أو راتبه نحو الظهر أربعاً وترك التشهد الأول .. سجد إن قلنا: إنه سنة حينئذ.
следующие страницы →