Полный текст (313 стр.). Показаны 281–313 · переход к 286.
стр. 281
شيئاً. وجعلت تعتذر إليه. فلم يصدقها. وجعل ينقرها حتى ماتت. فلما جاءت الأمطار ودخل الشتاء تندى الحب وامتلأ العش كما كان. فلما رأى الذكر ذلك ندم. ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال: ما ينفعني الحب والعيش بعدك إذا طلبتك فلم أجدك، ولم أقدر عليك، وإذا فكرت في أمرك وعلمت أني قد ظلمتك، ولا أقدر على تدارك ما فات. ثم استمر على حزنه فلم يطعم طعاماً ولا شراباً حتى مات إلى جانبها. والعاقل لا يعجل في العذاب والعقوبة، ولا سيما من يخاف الندامة، كما ندم الحمام الذكر. وقد سمعت أيضاً أن رجلاً دخل الجبل وعلى رأسه كارة من العدس فوضع الكارة عن ظهره ليستريح. فنزل قرد من شجرة فأخذ ملء كفه من العدس وصعد إلى الشجرة. فسقطت من يده حبة فنزل في طلبها فلم يجدها. وانتثر ما كان في يده من العدس أجمع. وأنت أيضاً أيها الملك عندك ستة عشر ألف امرأة تدع أن تلهو بهن وتطلب التي لا تجد؟؟! فلما سمع
стр. 282
الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت قد هلكت. فقال لإيلاذ: لم لا تأنيت وتثبت؟ بل أسرعت عند سماع كلمة واحدة فتعلقت بها، وفعلت ما أمرتك به من ساعتك؟ قال إيلاذ: إن الذي قوله واحد لا يختلف هو الله الذي لا تبديل لكلماته ولا اختلاف لقوله. قال الملك: لقد أفسدت أمري وشددت حزني بقتل إيراخت. قال إيلاذ: إثنان ينبغي لهما أن يحزنا: الذي يعمل الإثم في كل يوم، والذي لم يعمل خيراً قط: لأن فرحهما في الدنيا ونعيمهما قليل. وندامتهما إذ يعاينان الجزاء طويلة لا يستطاع إحصاؤها. قال الملك: لئن رأيت إيراخت حيةً لا أحزن على شيءٍ أبداً. قال إيلاذ: اثنان لا ينبغي لهما أن يحزنا: المجتهد في البر كل يوم، والذي لم يأثم قط. قال الملك: ما أنا بناظرٍ إلى إيراخت أكثر مما نظرت قال إيلاذ: اثنان لا ينظران: الأعمى والذي لا عقل له. وكما أن العمى لا ينظر السماء ونجومها وأرضها ولا ينظر القرب والبعد، كذلك الذي لا عقل له لا يعرف الحسن من القبيح ولا المحسن من المسيء. قال الملك: لو رأيت إيراخت لاشتد فرحي. قال إيلاذ: اثنان
стр. 283
هما الفرحان: البصير والعالم. فكما أن البصير يبصر أمور العالم وما فيه من زيادة ونقصان والقريب والبعيد، فكذلك العالم يبصر البر والإثم، ويعرف عمل الآخرة، ويتبين له نجاته، ويهتدي إلى صراط المستقيم. قال الملك: ينبغي لنا أن نتباعد منك يإيلاذ ونأخذ الحذر ونلزم الاتقاء. قال إيلاذ: اثنان يجب أن نتباعد منهما: الذي يقول لا بر ولا إثم ولا عقاب ولا ثواب ولا شيء على مما أنا فيه، والذي لا يكاد فيه يصرف بصره عما ليس له بمحرم ولا أذنه عن استماع السوء، ولا قلبه عما تهم به نفسه من الإثم والحرص. قال الملك: صارت يدي من إيراخت صفراً. قال إيلاذ: ثلاثة أشياء أصفار: النهر الذي ليس فيه ماء، والأرض التي ليس فيها ملك، والمرأة التي ليس لها بعل، قال الملك: إنك يا إيلاذ لتلقي الجواب. قال إيلاذ: ثلاثة يلقون بالجواب: الملك الذي يعطي ويقسم من خزائنه، والمرأة المهداة التي تهوى من ذوي الحسب، والرجل العالم الموفق للخير.
стр. 284
ثم إن إيلاذ لما رأى الملك أشتد به الأمر، قال: أيها الملك إن إيراخت بالحياة. فلما سمع الملك ذلك اشتد فرحه. وقال يإيلاذ: إنما منعني من الغضب ما أعرف من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي بعلمك ألا تكون قد قتلت إيراخت. فإنها وإن كانت أتت عظيماً وأغلظت في القول فلم تأته عداوة ولا طلب مضرة، ولكنها فعلت ذلك للغيرة. وقد كان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأتحمله، ولكنك يا إيلاذ أردت أن تختبرني وتتركني في شك من أمرها. وقد أخذت عندي أفضل الأيدي. وأنا لك شاكر. فانطلق فأتني بها. فخرج من عند الملك فأتي إيراخت وأمرها أن تتزين ففعلت ذلك. وانطلق بها إلى الملك. فلما دخلت سجدت له. ثم قامت بين يديه. وقالت: أحمد الله تعالى ثم أحمد الملك الذي أحسن إلي: قد أذنبت الذنب العظيم الذي لم أكن للبقاء أهلاً بعده، فوسعه حلمه وكرم طبعه ورأفته، ثم أحمد إيلاذ الذي آخر أمري، وأنجاني من الهلكة،
стр. 285
لعلمه برأفة الملك وسعة حلمه وجوده وكرم جوهره ووفاء عهده. وقال الملك لإيلاذ: ما أعظم يدك عندي وعند إيراخت وعند العامة: إذ قد أحييتها بعد ما أمرت بقتلها: فأنت الذي وهبتها لي اليوم: فإني لم أزل واثقاً بنصيحتك وتدبيرك. وقد ازددت اليوم عندي كرامة وتعظيماً. وأنت محكّمٌ في ملكي تفعل فيه بما ترى، وتحكم عليه بما تريد. فقد جعلت ذلك إليك ووثقت بك. قال إيلاذ: أدام الله لك أيها الملك المُلكَ والسرور. فلست بمحمود على ذلك. فإنما أنا عبدك. لكن حاجتي ألاّ يعجل الملك في الأمر الجسيم الذي يندم على فعله، وتكون عاقبته الغم والحزن. ولا سيما في مثل هذه الملكة الناصحة المشفقة التي لا يوجد في الأرض مثلها: فقال الملك بحق قلت يا إيلاذ، وقد قبلت قولك، ولست عاملاً بعدها عملاً صغيراً ولا كبيراً، فضلاً عن مثل هذا الأمر العظيم الذي ما سلمت منه، إلا بعد المؤامرة والنظر والتردد إلى ذوي العقول ومشاورة أهل المودة
стр. 286
والرأي. ثم أحسن الملك جائزة لإيلاذ، ومكّنه من أولئك البراهمة الذين أشاروا بقتل أحبائه فأطلق فيهم السيف، وقرت عين الملك وعيون عظماء أهل مملكته، وحمدوا الله وأثنوا على كباريون بسعة علمه وفضل حكمته: لأنه بعلمه خلّص الملك ووزيره الصالح وامرأته الصالحة.
باب اللبوة والإسوار والشغبر
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثلاً في شأن من يدع ضرّ غيره إذا قدر عليه لما يصيبه من الضرّ، ويكون له فيما ينزل به واعظ وزاجر عن ارتكاب الظلم والعداوة لغيره. قال الفيلسوف: إنه لا يقدم على طلب ما يضر الناس وما يسوءهم إلا أهل الجهالة والسفه وسوء النظر في العواقب من أمور الدنيا والآخرة، وقلة العلم
стр. 287
بما يدخل عليهم في ذلك من حلول النقمة، وبما يلزمهم من تبعة ما اكتسبوا مما لا تحيط به العقول. وإن سلم بعضهم من ضرر بعض بمنية عرضت له قبل أن ينزل به وبال ما صنع: فإن من لم يفكر في العواقب لم يأمن المصائب، وحقيق ألا يسلم من المعاطب. وربما اتعظ الجاهل واعتبر بما يصيبه من المضرة من غيره، فارتدع عن أن يغشى أحداً بمثل ذلك من الظلم والعدوان، وحصل له نفع ما كفَّ عنه من ضرر لغيره في العاقبة، فنظير ذلك حديث اللبوة والإسوار والشغبر. قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أن لبؤة كانت في غيضة، ولهما شبلان، وأنها خرجت قي طلب الصيد وخلفتهما في كهفهما، فمرّ بهما إسوار فحمل عليهما ورماهما فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، وانصرف بهما إلى منزله، ثم إنها رجعت. فلما رأت ما حلّ بهما من الأمر الفظيع اضطربت ظهراً لبطن وصاحت
стр. 288
وضجّت. وكان إلى جانبها شغبر. فلما سمع ذلك من صياحها قال لها: ما هذا الذي تصنعين؟ وما نزل بك؟ فأخبريني به. قالت اللبؤة شبلاي مرّ بهما إسوار فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، ونبذهما بالعراء. قال لها شغبر: لا تضجِّي وأنصفي من نفسك، واعلمي أن هذا الإسوار لم يأت إليك شيئاً إلا وقد كنت تفعلين بغيرك مثله، وتأتين إلى غير واحد مثل ذلك، ممن كان يجد بحميمه ومن يعز عليه مثل ما تجدين بشبليك. فاصبري على فعل غيرك كما صبر غيرك على فعلك: فإنه قد قيل: كما تدين تدان. ولكل عمل ثمرة من الثواب والعقاب. وهما على قدره في الكثرة والقلة. كالزرع إذا حضر الحصاد أعطى على حسب بذره. قالت اللبؤة: بين لي ما تقول، وأفصح لي عن إشارته. قال الشغبر: كم أتى لك من العمر؟ قالت اللبؤة: مائة سنة. قال الشغبر: ما كان قوتك؟ قالت اللبؤة: لحم الوحش. قال الشغبر: من كان
стр. 289
يطعمك إياه؟ قالت اللبؤة: كنت أصيد الوحش وآكله. قال الشغبر: أرأيت الوحش التي كنت تأكلين، أما كان لها آباء وأمهات؟ قالت: بلى. قال الشغبر: فما بالي لا أرى ولا أسمع لتلك الآباء والأمهات من الجزع والضجيج ما أرى وأسمع لك؟ أما أنه لم ينزل بك ما نزل إلا لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكيرك فيها، وجهالتك بما يرجع عليك من ضرها. فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشغبر عرفت أن ذلك مما جنت على نفسها، وأن عملها كان جوراً وظلماً، فتركت الصيد، وانصرفت عن أكل اللحم إلى الثمار والمسك والعبادة. فلما رأى ذلك ورشان الذي كان صاحب تلك الغيضة وكان عيشه من الثمار. قال لها: قد كنت أظن أن الشجرة عامنا هذا لم تحمل: لقلة الماء، فلما أبصرتك تأكلينها، وأنت آكلة اللحم، فتركت رزقك وطعامك وما قسم الله لك،
стр. 290
وتحولت إلى رزق غيرك فانتقصته، ودخلت عليه فيه؛ علمت أن الشجر العام أثمرت كما كانت تثمر قبل اليوم، وإنما أتت قلة الثمر من جهتك. فويل للشجر وويل للثمار وويل لمن عيشه منها! ما أسرع هلاكهم إذا دخل عليهم في أرزاقهم، وغلبهم عليها من ليس له فيها حظ ولم يكن معتاداً لأكلها! فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الورشان تركت أكل الثمار وأقبلت على أكل الحشيش والعبادة. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما انصرف بضرٍ يصيبه عن ضرِّ الناس، كاللبؤة التي انصرفت لما لقيت في شبليها عن أكل اللحم ثم عن أكل الثمار بقول الورشان، وأقبلت على النّسك والعبادة. والناس أحق بحسن النظر في ذلك: فإنه قد قيل: ما لا ترضاه لنفسك لا تصنعه لغيرك: فإن في ذلك العدل: وفي العدل رضا الله تعالى ورضا الناس.
стр. 291
باب الناسك والضيف
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله، ويطلب غيره فلا يدركه: فيبقى حيران متردداً. قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض الكرخ ناسك عابدٌ مجتهدٌ. فنزل به ضيفٌ ذات يومٍ، فدعا الناسك لضيفه بتمر: ليطرفه به. فأكلا منه جميعاً. ثم قال الضيف: ما أحلى هذا التمر وأطيبه! فليس هو في بلادي التي أسكنها، وليته كان فيها! ثم قال: أرى أن تساعدني على أن آخذ منه ما أغرسه في أرضنا: فإني لست عارفاً بثمار أرضكم، هذه ولا بمواضعها. فقال له الناسك: ليس لك في ذلك راحة: فإن ذلك يثقل عليك. ولعل ذلك لا يوافق أرضكم، مع أن بلادكم كثيرة الأثمار فما حاجتها مع كثرة ثمارها إلى التمر مَعَ وخامته وقلة موافقته للجسد؟ ثم قال له الناسك: إنه لا يعد حكيماً من طلب ما لا يجد. وإنك سعيد الجدِّ إذا قنعت بالذي تجد، وزهدت فيها لا تجد. وكان هذا الناسك يتكلم
стр. 292
بالعبرانية. فاستحسن الضيف كلامه وأعجبه، فتكلف أن يتعلمه؛ وعالج في ذلك نفسه أياماً. فقال الناسك لضيفه: ما أخلقك أن تقع مما تركت من كلامك، وتكلفت من كلام العبرانية، في مثل ما وقع فيه الغراب! قال الضيف: وكيف كان ذلك؟
قال الناسك: زعموا أن غراباً رأى حجلة تدرج وتمشي، فأعجبته مشيتها، وطمع أن يتعلمها. فراض على ذلك نفسه، فلم يقدر على إحكامها، وأيس منها، وأراد أن يعود إلى مشيته التي كان عليها: فإذا هو قد اختلط وتخلع في مشيته، وصار أقبح الطير مشياً. وإنما ضربت لك هذا المثل لما رأيت من أنك تركت لسانك الذي طبعت عليه، وأقبلت على لسان العبرانية، وهو لا يشاكلك، وأخاف ألا تدركه، وتنسى لسانك، وترجع إلى أهلك وأنت شرّهم لساناً: فإنه قد قيل: إنه يعد جاهلاً من تكلف من الأمور ما لا يشاكله، وليس من عمله ولم يؤدبه عليه آباؤه وأجداده من قبل.
стр. 293
باب السائح والصائغ
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثلاً في شأن الذي يضع المعروف في غير موضعه، ويرجو الشكر عليه. قال الفيلسوف: أيها الملك إن طبائع الخلق مختلفة. وليس مما خلقه الله في الدنيا مما يمشي على أربع أو على رجلين أو يطير بجناحين شيء هو أفضل من الإنسان، ولكن من الناس البر والفاجر. وقد يكون في بعض البهائم والسباع والطير ما هو أوفى منه ذمة، وأشد محاماة على حرمه، وأشكر للمعروف، وأقوم به، وحينئذٍ يجب على ذوي العقل من الملوك وغيرهم أن يضعوا معروفهم مواضعه ولا يضعوه عند من لا يحتمله. ولا يقوم بشكره، ولا يصطنع أحداً إلا بعد الخبرة بطرائقه، والمعرفة بوفائه ومودته وشكره. ولا ينبغي أن يختصوا بذلك قريباً لقرابته، إذا كان غير محتملٍ للصنيعة، ولا أن يمنعوا معروفهم ورفدهم للبعيد، إذا كان يقيهم بنفسه وما يقدر عليه: لأنه يكون
стр. 294
حينئذٍ عارفاً بحق ما اصطنع إليه مؤدياً لشكر ما أنعم عليه، محموداً بالنصح معروفاً بالخير، صدوقاً عارفاً، مؤثراً لحميد الفعال والقول. وكذلك كل من عرف بالخصال المحمودة ووثق منه بها، كان للمعروف موضعاً، ولتقريبه واصطناعه أهلاً: فإن الطيب الرفيق العاقل لا يقدر إلى مداواة المريض إلا بعد النظر إليه والجس لعروقه ومعرفة طبيعته وسبب علته، فإذا عرف ذلك كله حق معرفته أقدم على مداواته. فكذلك العاقل: لا ينبغي له أن يصطفي أحداً، ولا يستخلصه إلا بعد الخبرة: فإن من أقدم على مشهور العدالة من غير اختبار كان مخاطراً في ذلك ومشرفاً منه على هلاك وفساد. ومع ذلك ربما صنع الإنسان المعروف مع الضعيف الذي لم يجرب شكره، ولم يعرف حاله في طبائعه فيقوم بشكر ذلك ويكافئ عليه أحسن المكافأة. وربما حذر العاقل الناس ولم يأمن على نفسه أحداً منهم.
стр. 295
وقد يأخذ ابن عرس فيدخله في كمه ويخرجه من الآخر، كالذي يحمل الطائر على يده، فإذا صاد شيئاً انتفع به، ومطعمه منه. وقد قيل: لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر صغيراً ولا كبيراً من الناس ولا من البهائم، ولكنه جدير بأن يبلوهم، ويكون ما يصنع إليهم على قدر ما يرى منهم. وقد مضى في ذلك مثل ضربه بعض الحكماء. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة احتفروا ركية فوقع فيها رجل صائغ وحية وقرد وببر، ومر بهم رجل سائح فأشرف على الركية، فبصر بالرجل والحية والببر والقرد ففكر في نفسه، وقال: لست أعمل لآخرتي عملاً أفضل من أن أخلص هذا الرجل من بين هؤلاء الأعداء. فأخذ حبلاً وأدلاه إلى البئر فتعلق به القرد لخفته فخرج. ثم دلاه ثانية، فالتفت به الحية فخرجت. ثم دلاه ثالثاً فتعلق به الببر فأخرجه. فشكرن له صنيعه. وقلن له: لا تخرج هذا الرجل
стр. 296
من الركية: فإنه ليس شيء أقل شكراً من الناس ثم هذا الرجل خاصةً. ثم قال له القرد: إن منزلي في جبل قريب من مدينة يقال لها: نوادرخت. فقال له الببر: أنا أيضاً في أجمة إلى جانب تلك المدينة. قالت الحية: أنا أيضاً في سور تلك المدينة. فإن أنت مررت بنا يوماً من الدهر، واحتجت إلينا فصوّت علينا حتى نأتيك فنجزيك بما أسديت إلينا من معروف. فلم يلتفت السائح إلى ما ذكروا له من قلة شكر الإنسان، وأدلى الحبل، فأخرج الصائغ، فسجد له، وقال له: لقد أوليتني معروفاُ. فإن أتيت يوماً من الدهر لمدينة نوادرخت فاسأل عن منزلي: فأنا رجل صائغ لعلي أكافئك بما صنعت إلي من معروف. فانطلق إلى مدينته وانطلق السائح إلى جانبه. فعرض بعد ذلك أن السائح اتفقت له الحاجة إلى تلك المدينة، فانطلق، فاستقبله القرد، فسجد له وقبّل رجليه. واعتذر إليه، وقال: إن القرود لا يملكون شيئاً، ولكن اقعد حتى آتيك. وانطلق القرد، وآتاه بفاكهة
стр. 297
طيبة، فوضعها بين يديه، فأكل منها حاجته. ثم إن السائح انطلق حتى دنا من باب المدينة فاستقبله الببر، فخرّ له ساجداً وقال له: إنك قد أوليتني معروفاً. فاطمئن ساعة حتى آتيك. فانطلق الببر فدخل في بعض الحيطان إلى بنت الملك فقتلها، وأخذ حليها، فأتاه بها، من غير أن يعلم السائح من أين هو. فقال في نفسه: هذه البهائم قد أولتني هذا الجزاء، فكيف لو قد أتيت إلى الصائغ فأنه إن كان معسراً لا يملك شيئاً فسيبيع هذا الحلي فيستوفي ثمنه. فيعطيني بعضه، ويأخذ بعضه، وهو أعرف بثمنه. فانطلق السائح فأتى إلى الصائغ. فلما رآه رحب به وأدخله إلى بيته. فلما بصر بالحلي معه، عرفه وكان هو الذي صاغه لابنة الملك.
فقال للسائح: اطمئن حتى آتيك بطعام فلست أرضى لك ما في البيت. ثم خرج وهو يقول: قد أصبت فرصتي: أريد أن أنطلق إلى الملك وأدله على ذلك، فتحسن منزلتي عنده. فانطلق إلى باب الملك، فأرسل
стр. 298
إليه: إن الذي قتل ابنتك وأخذ حليها عندي. فأرسل الملك وأتى بالسائح فلما نظر الحلي معه لم يمهله، وأمر به أن يعذب ويطاف به في المدينة، ويصلب. فلما فعلوا به ذلك جعل السائح يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطعت القرد والحية والببر فيما أمرنني به وأخبرنني من قلة شكر الإنسان لم يصر أمري إلى هذا البلاء، وجعل يكرر هذا القول. فسمعت مقالته تلك الحية فخرجت من جحرها فعرفته، فاشتد عليه أمره، فجعلت تحتال في خلاصه. فانطلقت حتى لدغت ابن الملك، فدعى الملك أهل العلم فرقوه ليشفوه فلم يغنوا عنه شيئاً. ثم مضت الحية إلى أخت لها من الجن، فأخبرتها بما صنع السائح إليها من المعروف، وما وقع فيه. فرقت له، وانطلقت إلى ابن الملك، وتخايلت له. وقالت له: إنك لا تبرأ حتى يرقيك هذا الرجل الذي قد عاقبتموه ظلماً. وانطلقت الحية إلى السائح فدخلت عليه السجن، وقالت له: هذا الذي كنت نهيتك عنه من اصطناع المعروف إلى هذا الإنسان: ولم تطعني. وأتته بورق ينفع
стр. 299
من سمِّها. وقالت له: إذا جاءوا بك لترقي ابن الملك فاسقه من ماء هذا الورق: فإنه يبرأ. وإذا سألك الملك عن حالك فاصدقه: فإنك تنجوا إن شاء الله تعالى. وإن ابن الملك أخبر الملك أنه سمع قائلاً يقول: إنك لن تبرأ حتى يرقيك هذا السائح الذي حبس ظلماً. فدعا الملك السائح، وأمره أن يرقي ولده. فقال: لا أحسن الرقي، ولكن اسقه من ماء هذه الشجرة فيبرأ بإذن الله تعالى. فسقاه فبرئ الغلام. ففرح الملك بذلك: وسأله عن قصته، فأخبره. فشكره الملك، وأعطاه عطية حسنة، وأمر بالصائغ أن يصلب. فصلبوه لكذبه وانحرافه عن الشكر ومجازاته الفعل الجميل بالقبيح. ثم قال الفيلسوف للملك: ففي صنيع الصائغ بالسائح، وكفره له بعد استنقاذه إياه، وشكر البهائم له، وتخليص بعضها إياه، عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر، وأدب في وضع المعروف والإحسان عند أهل الوفاء والكرم، قربوا أو بعدوا لما في ذلك من صواب الرأي وجلب الخير وصرف المكروه.
стр. 300
باب ابن الملك وأصحابه
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فإن كان الرجل لا يصيب الخير إلا بعقله ورأيه وتثبته في الأمور كما يزعمون، فما بال الرجل الجاهل يصيب البلاء والضر؟. قال بيدبا: كما أن الإنسان لا يبصر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه، كذلك العمل، إنما هو بالحلم والعقل والتثبت، غير أن القضاء والقدر يغلبان على ذلك. ومثل ذلك مثل ابن الملك وأصحابه. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: زعموا أن أربعة نفر اصطحبوا في طريق واحدة، أحدهم ابن الملك والثاني ابن تاجر والثالث ابن شريف ذو جمال والرابع ابن أكار. وكانوا جميعاً محتاجين،
стр. 301
وقد أصابهم ضرر وجهد شديد في موضع غربة لا يملكون إلا ما عليهم من الثياب. فبينما هم يمشون إذ فكروا في أمرهم وكان كل إنسان منهم راجعاً إلى طباعه وما كان يأتيه منه الخير: قال ابن الملك: إنما أمر الدنيا كله بالقضاء والقدر، والذي قدر على الإنسان يأتيه على كل حال، والصبر للقضاء والقدر وانتظارهما أفضل الأمور وقال ابن التاجر: العقل أفضل من كل شيء وقال ابن الشريف: الجمال أفضل مما ذكرتم.
ثم قال ابن الأكار: ليس في الدنيا أفضل من الاجتهاد في العمل فلما قربوا من مدينة يقال لها مطرون، جلسوا في ناحية منها يتشاورون: فقالوا لابن الأكار: انطلق فاكتسب لنا باجتهادك طعاماً ليومنا هذا. فانطلق ابن الأكار، وسأل عن عمل إذا عمله الإنسان يكتسب فيه طعام أربعة نفر فعرّفوه أنه ليس في تلك المدينة شيء أعز من الحطب، وكان الحطب منها على فرسخ. فانطلق ابن الأكار فاحتطب طناً من الحطب، وأتى به المدينة
стр. 302
فباعه بدرهم واشترى به طعاماً وكتب على باب المدينة: عمل يوم واحد إذا أجهد فيه الرجل بدنه قيمته درهم. ثم انطلق إلى أصحابه بالطعام فأكلوا. فلما كان من الغد: قالوا ينبغي للذي قال إنه ليس شيء أعز من الجمال أن تكون نوبته. فانطلق ابن الشريف ليأتي المدينة، ففكر في نفسه وقال: أنا لست أحسن عملاً فما يدخلني المدينة؟ ثم استحيا أن يرجع إلى أصحابه بغير طعام، وهمّ بمفارقتهم. فانطلق حتى أسند ظهره إلى شجرة عظيمة، فغلبه النوم فنام. فمر به رجل من عظماء المدينة فراقه جماله وتوسم فيه شرف النِّجَّار فرقَّ له ومنحه خمسمائة درهم. فكتب على باب المدينة: جمال يوم واحد يساوي خمسمائة درهم. وأتى بالدراهم إلى أصحابه. فلما أصبحوا في اليوم الثالث، قالوا لابن التاجر: انطلق أنت فاطلب لنا بعقلك وتجارتك ليومنا هذا شيئاً. فانطلق ابن التاجر
стр. 303
فلم يزل حتى بصر بسفينة من سفن البحر كثيرة المتاع قد قدمت إلى الساحل، فخرج إليها جماعة من التجّار يريدون أن يبتاعوا مما فيها من المتاع. فجلسوا يتشاورون في ناحية من المركب، وقال بعضهم لبعض: ارجعوا يومنا هذا لا نشتري منهم شيئاً حتى يكسد المتاع عليهم فيرخصوا علينا، مع أننا محتاجون إليه، وسيرخص. فخالف الطريق وجاء إلى أصحاب المركب، فابتاع منهم ما فيه بمائة ألف دينار نسيئة وأظهر أنه يريد أن ينقل متاعه إلى مدينة أخرى. فلما سمع التجار ذلك خافوا أن يذهب ذلك المتاع من أيديهم، فأربحوه على ما اشتراه مائة ألف درهم، وأحال عليهم أصحاب المركب بالباقي، وحمل ربحه إلى أصحابه وكتب على باب المدينة: عقل يوم واحد ثمنه مائة ألف درهم. فلما كان اليوم الرابع قالوا لابن الملك: انطلق أنت واكتسب لنا بقضائك وقدرك.
فانطلق ابن الملك حتى أتى إلى باب
стр. 304
لمدينة فجلس على متكأ في باب المدينة، واتفق أن ملك تلك الناحية مات ولم يخلف ولداً ولا أحداً ذا قرابة. فمرّوا عليه بجنازة الملك ولم يحزنه وكلهم يحزنون. فأنكروا حاله وشتمه البواب، وقال له: من أنت يا هذا؟ وما يجلسك على باب المدينة ولا نراك تحزن لموت الملك؟ وطرده البواب عن الباب فلما ذهبوا عاد الغلام فجلس مكانه. فلما دفنوا الملك ورجعوا بصر به البواب فغضب وقال له: ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع؟ وأخذه وحبسه. فلما كان الغد اجتمع أهل تلك المدينة يتشاورون فيمن يملكونه عليهم، وكلٌّ منهم يتطاول ينظر صاحبه، ويختلفون بينهم. فقال لهم البواب: إني رأيت أمس غلاماً جالساً على الباب، ولم أره يحزن لحزننا، فكلمته فلم يجبني، فطردته عن الباب. فلما عدت رأيته جالساً فأدخلته السجن مخافة أن يكون عيناً. فبعثت أشراف أهل المدينة إلى الغلام فجاءوا به، وسألوه عن حاله، وما أقدمه
стр. 305
إلى مدينتهم. فقال: أنا ابن ملك فويران، وإنه لما مات والدي غلبني أخي على المُلكْ، فهربت من يده حذراً على نفسي حتى انتهيت إلى هذه الغاية. فلما ذكر الغلام ما ذكره من أمره عرفه من كان يغشى أرض أبيه منهم، وأثنوا على أبيه خيراً. ثم إن الأشراف اختاروا الغلام أن يملكوه عليهم ورضوا به. وكان لأهل تلك المدينة سنة إذا ملكوا عليهم ملكاً حملوه على فيل أبيض، وطافوا به حوالي المدينة. فلما فعلوا به ذلك مرّ بباب المدينة فرأى الكتابة على الباب فأمر أن يكتب: إن الاجتهاد والجمال والعقل وما أصاب الرجل في الدنيا من خير أو شر إنما هو بقضاء وقدر من الله . وقد ازددت في ذلك اعتباراً بما ساق الله إلي من الكرامة والخير. ثم انطلق إلى مجلسه فجلس على سرير ملكه وأرسل إلى أصحابه الذين كان معهم فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع الوزراء، وضمّ صاحب الاجتهاد إلى أصحاب الزرع،
стр. 306
وأمر لصاحب الجمال بمالٍ كثير ثم نفاه كي لا يفتتن به. ثم جمع علماء أرضه وذوي الرأي منهم وقال لهم: أما أصحابي فقد تيقنوا أن الذي رزقهم الله من الخير إنما هو بقضاء الله وقدره، وإنما أحب أن تعلموا ذلك وتستيقنوه، فإن الذي منحني الله وهيأه لي إنما كان بقدر، ولم يكن بجمال ولا عقل ولا اجتهاد. وما كنت أرجو إذ طردني أخي أن يصيبني ما يعيشني من القوت فضلاً عن أن أصيب هذه المنزلة، وما كنت أؤمل أن أكون بها: لأني قد رأيت في هذه الأرض من هو أفضل مني حسناً وجمالاً، وأشد اجتهاداً وأسد رأياً، فساقني القضاء إلى أن أعتززت بقدر من الله، وكان في ذلك الجمع شيخ فنهض حتى استوى قائماً، وقال: إنك قد تكلمت بكلام كامل عقل وحكمة، وإن الذي بلغ بك ذلك وفوز عقلك وحسن ظنّك، وقد حققت ظننا فيك ورجاءنا لك. وقد عرفنا ما ذكرت،
стр. 307
وصدقناك فيما وصفت. والذي ساق الله إليك من المُلكِ والكرامة كنت أهلاً له، لما قسم الله تعالى لك من العقل والرأي. وإني أسعد الناس في الدنيا والآخرة من رزقه الله رأياً وعقلاً.
وقد أحسن الله إلينا إذ وفق لنا عند موت ملكنا وكرّمنا بك. ثم قام شيخ آخر سائح فحمد الله وأثنى عليه وقال: إني كنت أخدم وأنا غلام قبل أن أكون سائحاً، رجلاً من أشراف الناس. فلما بدا لي رفض الدنيا فارقت ذلك الرجل، وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين، فأردت أن أتصدق بأحدهما، وأستبقي الآخر، فأتيت السوق، فوجدت مع رجل من الصيادين زوج هدهد، فساومت فيهما فأبى الصياد أن يبيعهما إلا بدينارين، فاجتهدت أن يبيعنيهما بدينار واحد فأبى. فقلت في نفسي: أشتري أحدهما وأترك الآخر. ثم فكرت وقلت لعلهما يكونا زوجين ذكراً وأنثى فأفرق بينهما، فأدركني لهما رحمة
стр. 308
فتوكلت على الله وابتعتهما بدينارين وأشفقت إن أرسلتهما في أرض عامرة أن يصادا، ولا يستطيعا أن يطيرا مما لقيا من الجوع والهزال، ولم آمن عليهما الآفات. فانطلقت بهما إلى مكان كثير المرعى والأشجار بعيد عن الناس والعمران، فأرسلتهما، فطارا ووقعا على شجرة مثمرة. فلما صارا في أعلاها شكرا لي، وسمعت أحدهما يقول للآخر: لقد خلصنا هذا السائح من البلاء الذي كنا فيه، واستنقذنا ونجّانا من الهلكة. وإنا لخليقان أن نكافئه بفعله. وإنّ في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة دنانير. أفلا ندله عليها فيأخذها؟ فقلت لهما: كيف تدلانني على كنز لم تره العيون وأنتما لم تبصرا الشبكة؟ فقالا: إن القضاء إذا نزل صرف العيون عن موضع الشيء وغشّى البصر وإنما صرف القضاء اعيننا عن الشرك ولم يصرفها عن هذا الكنز. فاحتفرت واستخرجت البرنية وهي
стр. 309
مملوءة دنانير، فدعوت لهما بالعافية، وقلت لهما: الحمد لله الذي علّمكما ما لم تعلما، وأنتما تطيران في السماء، وأخبرتما ما تحت الأرض. قالا لي: أيها العاقل، أما تعلم أن القدر غالب على كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يتجاوزه. وأنا اخبر الملك بذلك رأيته: فإن أمر الملك أتيته بالمال فأودعته في خزائنه. فقال الملك ذلك لك، وموفّر عليك.
باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين
وهو باب من يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه. قال الملك للفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثلاً في شأن الرجل الذي يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه. قال الفيلسوف: إن مثل ذلك مثل الحمامة والثعلب ومالك الحزين. قال الملك: وما مثلهن؟
стр. 310
قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة ذاهبة في السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس تلك النخلة، فلا يمكن أن تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض إلا بعد شدة وتعب ومشقة: لطول النخلة وسحقها، فإذا فرغت من النقل باضت ثم حضنت بيضها، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه بقدر ما ينهض فراخها، فيقف بأصل النخلة فيصيح بها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها. فبينما هي ذات يوم قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك الحزين: يا حمامة، ما لي أراكي كاسفة اللون سيئة الحال؟ فقالت له: يا مالك الحزين، إن ثعلباً دهيت به كلما كان لي فرخان جاء يهددني ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك الحزين: إذا أتاكِ ليفعل ما تقولين فقولي له:
стр. 311
لا ألقي إليك فرخي، فارقَ إلي وغرر بنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت عنك ونجوت بنفسي. فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على شاطئ نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم صاح كما كان يفعل. فأجابته الحمامة بما علمها مالك الحزين. قال لها الثعلب: أخبريني من علمك هذا؟ قالت: علمني مالك الحزين. فتوجّه الثعلب إلى مالكاً الحزين على شاطئ النهر، فوجده واقفاً. فقال له الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رأسك؟ قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رأسك. قال: أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل ناحية فأين تجعله؟ قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن تجعله تحت جناحك؟ ما أراه يتهيأ لك. قال: بلى: قال: فأرني كيف تصنع؟ فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم الله علينا. إنكن تدرين في ساعة واحدة مثل
стр. 312
ما ندري في سنة، وتبلغن ما لا نبلغ، وتدخلن رؤسكن تحت اجنحتكن من البرد والريح. فهنيئاً لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل الطائر رأسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة دقت عنقه. ثم قال: يا عدوي نفسه، ترى الرأي للحمامة، وتعلمها الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ثم أجهز عليه وأكله. فلما انتهى المنطق للملك والفيلسوف إلى هذا المكان سكت الملك. فقال له الفيلسوف: أيها الملك عشت ألف سنة، وملكت الأقاليم السبعة، وأعطيت من كل شيء سبباً، مع وفور سرورك وقرة عين رعيتك بك، ومساعدة القضاء والقدر لك، فإنه قد كمل فيك الحلم والعلم. وزكا منك العقل والقول والنية، فلا يوجد في رأيك نقص، ولا في قولك سقط ولا عيب. وقد جمعت النجدة واللين، فلا توجد جباناً عند اللقاء، ولا ضيق الصدر عندما ينوبك من الأشياء. وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل بيان
стр. 313
الأمور، وشرحت لك جواباً ما سألتني عنه منها فأبلغتك في ذلك غاية نصحي، واجتهدت فيه برأيي ونظري ومبلغ فطنتي، التماساً لقضاء حقك وحسن النية منك. بأعمال الفكرة والعقل. فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة مع أنه ليس الآمر بالخير بأسعد من المطيع له فيه، ولا الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح، ولا المعلم للخير بأسعد من متعلمه منه. فافهم ذلك أيها الملك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.