← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال: أعد، فأعدت، فرمى لي بكيس، فتبسمت، فقال: ما يضحكك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، لهذا الصوت حديث أعجب منه، فحدثته الحديث فضحك، ورمى إلي الكيس الرابع، وقال: لا تكذب قول السوداء، فرجعت بأربعة آلاف دينار. يعتل لرؤيتها أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ بالشام، حدثنا علي بن أيوب القمي، حدثنا محمد بن عمران، حدثنا عمر بن داود العماني، حدثني محمد بن علي بن الفضل بن المديني، حدثني الحسين بن علي المهلبي مولى لهم يعني الكرابيسي، أخبرني مسدد، حدثني عبد الوهاب في ما أحفظ أو غيره قال: كان زياد بن مخراق يجلس إلى إياس بن معاوية. قال: ففقده يومين أو ثلاثة، فأرسل إليه، فوجده عليلاً. قال: فأتاه، فقال: ما بك؟ فقال له زياد: علة أجدها. قال له إياس: والله ما بك حمّى، وما بك علة أعرفها، فأخبرني ما الذي تجد؟ فقال: يا أبا وائلة تقدمت إليك امرأة، فنظرت إليها في نقابها حين قامت من عندك، فوقعت في قلبي فهذه العلة منها. جرح تعز مراهمه ولي من أثناء قصيدة: وَشَرْبِ هَوىً دارَتْ عَلَيهِم كؤوسُه ... حِثاثاً، فكلُّ طائرُ القَلبِ هَائِمُهْ فلمّا انتَشَوْا عُلُّوا بكَأسِ تَفَرُّقٍ، ... فَنَغّصَ حُلوَ الشَّهدِ منهُ عَلاقِمُهْ رَمَى رَشأٌ من وَحشِ وَجْرَةَ مَقتَلي، ... وكنتُ على مرّ اللّيَالي أُسَالِمُهْ فَلَمْ يُخطِ سَوْدَاءَ الفُؤادِ بِسَهمِهِ، ... فَيَا لَكَ من جُرْحٍ تَعِزُّ مَرَاهِمُهْ

стр. 352

؟ قتيل الهوى أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بالشام، حدثنا علي بن أيوب، حدثنا محمد بن عمران، أخبرني يوسف بن يحيى بن علي المنجم عن أبيه، حدثني محمد إدريس بن سليمان بن يحيى عن أبيه قال: كان المؤمل بن جميل بن يحيى بن أبي حفصة شاعراً غزلاً ظريفاً، وكان منقطعاً إلى جعفر بن سليمان بالمدينة ثم قدم العراق، فكان مع عبد الله بن مالك الخزاعي، فذكره للمهدي، فحظي عنده، وهو القائل: قُلْنَ: مَن ذا؟ فقلتُ: هذا اليَما ... ميُّ قَتيلُ الهَوَى أبو الخطّابِ قلنَ: باللهِ أنتّ ذاكَ يَقينَاً، ... لا تَقُلْ قَوْلَ مازِحٍ لعّابِ إن تكنه حَقّاً، فأنتَ مُنَانَا ... خالِياً كنتَ أوْ معَ الأصْحابِ قال فسمي قتيل الهوى، وهو القائل: أنَا مَيتٌ مِنْ جَوَى الحُ ... بّ، فَيَا طِيبَ مَمَاتِي أنْدبُوني، يَا ثِقَاتِي، ... وَاحضرُوا اليَوْمَ وَفَاتي ثمّ قُولُوا عِنْدَ قَبرِي: ... يَا قَتِيلَ الغَانِياتِ قال وله أيضاً: إنّا إلى اللهِ رَاجِعُونَ، أمَا ... يَرْهَبُ مِنْ رَامَ قَتْلِيَ القَوَدَا أصْبَحْتُ لا أرْتَجي السُّلُوَّ، وَلا ... أرْجُو مِنَ الحُبّ رَاحَةً أبَدَا إني إذا لَمْ أُطِقْ زِيَارَتَكُمْ، ... وَخِفتُ مَوْتاً لِفَقْدِكُمْ كَمَدَا أخْلُو بذِكرَاكُمْ فَتُؤنِسُنِي ... فَلا أُبَالي أنْ لا أرَى أحَدَا

стр. 353

ميت يتكلم أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق بقراءتي عليه، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم بن بيان البزاز الزبيبي، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني يحيى بن أيوب أن فتىً كان يعجب به عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: إن هذا الفتى ليعجبني، وإنه انصرف ليلةً من صلاة العشاء، فمثلت له امرأة بين يديه، فعرضت له بنفسها، ففتن بها، ومضت فاتبعها حتى وقف على بابها، فلما وقف بالباب أبصر وجلي عنه، ومثلت له هذه الآية: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "، فخر مغشياً عليه، فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت، فلم تزل هي وجارية لها تتعاونان عليه حتى ألقتاه على باب داره. وكان له أب شيخ كبير يقعد لانصرافه، كل ليلة، فخرج، فإذا مر به ملقى على باب الدار لما به، فاحتمله فأدخله، فأفاق بعد ذلك، فسأله أبوه: ما الذي أصابك يا بني؟ قال: يا أبت لا تسألني، فلم يزل به حتى أخبره، وتلا الآية. وشهق شهقة خرجت معها نفسه؛ فدفن فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال ألا آذ نتموني بموته؟ فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان، ولمن خاف مقام ربه جنتان، فأجابه الفتى من داخل القبر: قد أعطانيهما ربي يا عمر.

стр. 354

وسواس خالد الكاتب أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران النحوي مكاتبة، حدثنا ابن دينار، أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني قال: كان خالد الكاتب، وهو خالد بن يزيد، ويكنى أبا القاسم، من أهل بغداد، وأصله من خراسان، وكان أحد كتاب الجيش، فوسوس في آخر عمره، وقيل: إن السوداء غلبت عليه، وقال قوم: بل كان يهوى جاريةً لبعض الملوك ببغداد، فلم يقدر عليها، وولاه محمد بن عبد الملك العطاء بالثغور، فخرج، فسمع في طريقه منشداً ينشد، ومغنية تغني: مَن كان ذا شَجَنٍ بالشامِ يَطلبُهُ، ... فَفي حِمَى الشامِ لي أهلٌ وَلي شجنُ فبكى حتى سقط على وجهه مغشياً عليه، ثم أفاق مختلطاً، واتصل ذلك حتى وسوس وبطل. قال ولخالد مما غني به: يا تَارِكَ الجِسْمِ بلا قَلْبِ؛ ... إن كنتُ أهوَاكَ فما ذَنبي؟ يا مُفرَداً بالحُسنِ أفرَدتَني ... مِنكَ بطُولِ الهَجرِ وَالحبّ إن تكُ عَيني أبصَرَتْ فتنةً، ... فَهَلْ على قَلبيَ من عَتْبِ حَسِيبُكَ اللهُ لِمَا بي كمَا ... أنّكَ في فِعلِكَ بي حَسبي

стр. 355

في تيه الحب ولي من أثناء قصيدة: عَجبَتْ أُمُّ خالدٍ إذْ رَأتْ سُحْ ... بَ جُفُوني، في فَيضِهِنّ، رُكامَا ثمّ نَادَتْ أترابَهَا، إذْ رَأتْ إنْ ... سَانَ عَيْني، في مَائِها، قد عَامَا يَا سُلَيْمَى، يَا هِنْدُ، يَا فا ... طِمَ، يَا أُمَّ مالكٍ يَا أُمَامَا مَا لإنْسانِ عَيْنِهِ يُكثِرُ الغَسْ ... لَ بِفَيّاضِ مَائِهَا استِحْمَاما؟ قُلنَ: لا عِلمَ عندنا غَيرَ أنّ المَرْ ... ءَ في تيهِ حُبّكُمْ قَدْ هَامَا أبو ريحانة والجارية السوداء أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن علي الشروطي بالشام، أخبرنا رضوان بن عمرو الدينوري قال: حدثنا الحسين بن جعفر العبدي قال: حدثنا أبو قتيبة سالم بن الفضل الأدمي، حدثني محمد بن موسى الشامي، سمعت الأصمعي يقول: مررت بالبصرة بدار الزبير بن العوام، فإذا أنا بشيخ أبو ولد الزبير، يكنى أبا ريحانة، على باب الزبير، ما عليه إلا شملة تستره، فسلمت عليه، وجلست إليه أحدثه، فبينا أنا كذلك إذ طلعت علينا جارية سوداء تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها ثم قال: يا ستي جمعة، غني لي صوتاً! فقالت: إن مواليّ أعجلوني. قال: لا بد من ذلك. قالت: أما والقربة على كتفي فلا. قال: فأنا أحملها. فأخذ القربة فحملها على عنقه واندفعت، فغنت: فُؤادي أسيرٌ لا يُفكّ، ومُهجَتي ... تَقَضّى، وَأحزَاني عَلَيكَ تَطولُ

стр. 356

وَلي مهجَةٌ قَرْحى لطولِ اشتياقها ... إلَيكَ، وَأجفاني عَلَيكَ هُمُولُ كَفَى حَزَناً أني أمُوتُ صَبَابَةً، ... بدائي، وَانصَارِي عَلَيكَ قَليلُ وكُنتُ إذا ما جِئتُ جِئتُ بِعِلّةٍ، ... فأفنَيتُ عِلاّتي، فَكَيفَ أقُولُ؟ قال: فطرب الشيخ، وصرخ صرخة، وضرب بالقربة الأرض فشقها، فقامت الجارية تبكي وقالت: ما هذا جزائي منك يا أبا ريحانة، أسعفتك بحاجتك وعرضتني لما أكره من مواليّ؟ قال: لا تغتمي، فإن المصيبة علي دخلت دونك. وأخذ بيدها واتبعته إلى السوق، فنزع الشملة، ووضع يداً من قدام ويداً من خلف، وباع الشملة، وابتاع بثمنها قربةً، وقعد على تلك الحال. ورجعت، فجلست عنده، فاجتاز به رجل من الطالبية، فلما نظر إليه وإلى حالته عرف قصته، فقال: يا أبا ريحانة! أحسبك من الذين قال الله : " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ". فقال: لا يا ابن رسول الله، ولكني من الذين قال الله تعالى فيهم: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " فضحك منه العلوي، وأمر له بألف درهم وخلعة. أتراك تعذب عبدك أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرني سلامة بن عمر النصيبي، حدثنا أحمد بن جعفر أبو بكر، حدثنا العباس بن يوسف الشكلي قال: قال سعيد بن جعفر الوراق، قال عنبسة الخواص: كان عتبة الغلام يزورني، فبات عندي ليلة، فقدمت له عشاءً، فلم يأكله، فسمعته يقول: يا سيدي إن تعذبني، فإن لك محب؛ وإن ترحمني، فإني لك محب.

стр. 357

فلما كان في آخر الليل شهق شهقة، وجعل يحشرج كحشرجة الموت، فلما أفاق قلت له: يا أبا عبد الله!؟ ما كان حالك منذ الليلة؟ قال: فصرخ، ثم قال: يا عنبسة، ذكر العرض على الله، ، قطع أوصال المحبين، ثم غشي عليه، ثم أفاق، فسمعته يقول: سيدي أتراك تعذب عبدك؟ ؟ لا محبوب إلا الله وأخبرنا أبو بكر أيضاً، حدثني يحيى بن علي الطيب العجلي، سمعت عبد الله بن محمد الدامغاني يقول: سمعت الحسن بن علي بن يحيى بن سلام يقول: قيل ليحيى بن معاذ: يروى عن رجل من أهل الخير قد كان أدرك الأوزاعي وسفيان، أنه سئل: متى تقع الفراسة على الغائب؟ قال: إذا كان محباً لما أحب الله مبغضاً لما أبغض الله، وقعت فراسته على الغائب. فقال يحيى: كلّ محبُوبٍ، سِوَى اللهِ، سرَفْ ... وَهُمُومٌ وَغُمُومٌ وَأَسَفْ كلّ محبُوبٍ، فَمِنْهُ خَلَفٌ، ... ما خَلا الرّحمنَ ما منهُ خَلَفْ إنّ للحُبّ دَلالاتٍ، إذا ... ظهرَتْ من صَاحِبِ الحبّ عُرِفْ صَاحِبُ الحُبّ حَزِينٌ قَلبُهُ، ... دائمُ الغُصّةِ مَحزُونٌ دَنِفْ هَمُّهُ في اللهِ لا في غَيْرِهِ، ... ذاهِبُ العَقلِ وَباللهِ كَلِفْ أشعَثُ الرّأسِ خَمِيصٌ بطنُهُ، ... أصْفَرُ الوَجنَةِ والطَّرْفُ ذَرّفْ دَائِمُ التّذكارِ مِنْ حُبّ الذي ... حُبُّهُ غَايَةُ غَايَاتِ الشّرَفْ

стр. 358

فإذا أمعنَ في الحُبِّ لَهُ، ... وَعَلاهُ الشّوْقُ من داءٍ كثفْ باشرَ المحرَابَ يَشكُو بثَّهُ، ... وَأمَامَ اللهِ مَوْلاهُ وَقَفْ قَائماً قُدّامَهُ مُنْتَصِباً، ... لَهِجاً يَتْلُو بآياتِ الصُّحُفْ رَاكِعاً طَوْراً وَطَوْراً ساجداً ... باكياً وَالدّمعُ في الأرضِ يَكِفْ أوْرَدَ القَلبَ على الحُبّ الّذي ... فِيهِ حُبُّ اللهِ حَقّاً، فَعَرَفْ ثمّ جَالَتْ كَفُّهُ في شَجَرٍ ... أنبَتَ الحُبَّ، فَسمَّى واقتَطَفْ إنّ ذا الحُبَّ لمن يُعى لَه، ... لا لدارٍ ذاتِ لَهوٍ وَطُرَفْ لا وَلا الفِرْدَوْسُ لا يألَفُهَا، ... لا وَلا الحَوْرَاء من فوْقِ غُرَفْ دمع وتسهاد ولي من أبيات: وَمُنْكِرَةٍ مَا بي من الوَجْدِ وَالأسَى، ... وَلي شاهِدانِ: فَيضُ دمعي وتَسهادي فَقُلتُ: إذا أنكَرْتِ مَا بي، فسائلي، ... إذا راحَ عَني، يا ابنَةَ القَومِ، عُوّادي ليلى ومجنونها أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا ابن المرزبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن دأب، حدثني رجل من بني عامر يقال له رياح بن حبيب قال: كان في بني عامر من بني الحريش جارية من أجمل النساء، وأحسنهن، لها عقل وأدب، يقال لها ليلى ابنة مهدي بن ربيعة بن الحريش، فبلغ

стр. 359

المجنون خبرها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صباً بمحادثة النساء، فعمد إلى أحسن ثيابه، فلبسها وتهيأ بأحسن هيئة، وركب ناقةً له كريمة، وأتاها، فلما جلس إليها وتحدث بين يديها، أعجبته، ووقعت بقلبه. فظل يومه يحدثها وتحدثه حتى أمسى، فانصرف، فبات بأطول ليلة من الليلة الأولى، وجهد أن يغمض، فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول: نَهارِي نَهارُ النّاسِ، حَتى إذا بَدَا ... ليَ اللّيلُ هَزّتْني إلَيكِ المَضَاجِعُ أُقَضّي نَهارِي بالحَديثِ، وَبالمُنى ... وَيَجمَعُني وَالهَمَّ، باللّيلِ، جَامعُ وأدام زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه، فيتحدث إليه غيرها، وكان يأتيها كل يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع، حتى إذا أمسى انصرف. وإنه خرج ذات يوم يريد زيارتها، فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء، فتطير من لقائها فأنشأ يقول: وكيفَ ترَجّي وَصْلَ ليلى، وَقد جَرَى ... يجدُّ القُوَى من لَيلَ أعسرُ حاسرُ صَديعُ العَصَا جدبُ الزّمانِ إذا انتَحى ... لوَصلِ امرِئٍ لم يُقضَ منه الأوَاطرُ ثم صار إليها من غدٍ، فلم يزل عندها. فلما رأت ليلى ذلك منه وقع في قلبها مثل الذي وقع لها في قلبه، فجاء يوماً كما كان يجيء، فأقبل يحدثها، وجعلت هي تعرض عنه بوجهها وتقبل على غيره، كل ذلك تريد أن تمتحنه، وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ذلك منها اشتد عليه، وجزع حتى عرف ذلك فيه، فلما خافت عليه، أقبلت كالمشيرة إليه، فقالت: كِلانَا مُظهِرٌ للنّاسِ بُغضاً، ... وكلٌّ عندَ صَاحِبِهِ مَكينُ

стр. 360

فسري عنه، وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأنا معطية الله عهداً إن أنا جالست بعد هذا يومي رجلاً سواك حتى أذوق الموت، إلا أن أكره على ذاك. قال: فانصرف في عشيته، وهو أسر الناس بما سمع منها، فأنشأ يقول: أظُنّ هَوَاهَا تَاركِي بِمَضَلّةٍ ... من الأرْضِ، لا مالٌ لديّ، وَلا أهلُ وَلا أحَدٌ أُفضِي إلَيْهِ وَصِيّتي، ... وَلا وَارِثٌ إلا المَطِيّةُ وَالرّحلُ مَحا حُبّها حُبَّ الأُلَى كُنّ قبلَها ... وَحلّت مكاناً لم يكن حُلّ من قبلُ زيارة الطيف ولي من قصيدة: بَعَثَتْ خادِمَها نَحوِي، وَقَدْ ... أبصَرَتْ حَبْلَ الهَوَى مُنْصَرِمَا تَتَرَثّى ليَ مِنْ وَشكِ نَوىً، ... فَتَكَت فِينَا، وبَينٍ ظَلَمَا وَتَقُولُ: الصّبرُ أوْقَى جُنّةً، ... فَادّرِعْ صَبْرَكَ، أوْ مُتْ كرمَاَ وَتَزَوّدْ نَظَراً تَحْيَ بِهِ، ... لَستَ في أهلِ الهَوَى مُتّهَمَا قُلتُ: زَادِي شُرْبَةٌ مَثْلُوجَةٌ ... مِنْ ثَنَاياكِ، فقد مسّ الظَّما فاسمَحي لي، يا ابنَةَ العمّ، بهَا، ... وَاجعَلي إبرِيقَهَا مِنكِ الفَمَا فَتَمَلّتْ غَضَباً، وَاختَمَرَتْ ... بحَيَاءٍ، زَادَ جِسمي سَقَما ثم قالتْ: كنتَ يا صَاحِبَنَا ... قَبلَ هَذا عِندَنَا مُحتَشَما إنّ ثَوْبَ الصَّوْنِ والعِفّةِ مِنْ ... دُونِ ما تَطلبُهُ مِنّا حِمَى لَيسَ بَعدَ اليَوْمِ إلاّ طَيْفُنَا، ... يَمتَطي اللّيلَ، إذا مَا أظلَمَا قلتُ: يا هَذي هَبي الطّيف سَرَى، ... أيَزُورُ الطّيفُ إلاّ النُّوَّمَا؟

стр. 361

جارية حاضرة الذهن أخبرنا القاضيان أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسين التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: حدثنا أبو عمر بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أبو عبد الله التميمي، حدثني أبو الوضاح الباهلي عن أبي محمد اليزيدي قال: قال عبد الله بن عمر بن عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير: خرجت أنا ويعقوب بن حميد بن كاسب قافلين من مكة، فلما كنا بودان لقيتنا جارية من أهل ودان، فقال لها يعقوب: يا جارية! ما فعلت نعم. فقالت: سل نصيباً. فقال: قاتلك الله، ما رأيت كاليوم قط أحد ذهنا، ولا أحضر جواباً منك. وإنما أراد يعقوب قول نصيب في نعم، وكانت تنزل ودان: أيَا صَاحِبَ الخَيماتِ من بَطنِ أرْثَدٍ ... إلى النّخلِ من وَدّانَ! ما فعَلتْ نُعْمُ أُسائِلُ عَنها كلَّ رَكْبٍ لَقيتُهُمْ، ... وَمَا لي بهَا مِنْ بَعدِ مَكّتِنَا عِلْمُ صفراء السوداء أخبرنا ابن التوزي والتنوخي قالا: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف قال: وذكر بعض الرواة عن العمري: كان أبو عبد الله الحبشاني يعشق صفراء العلاقمية، وكانت سوداء، فاشتكى من حبها، وضني حتى صار إلى حد الموت، فقال بعض أهله لمولاها: لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الحبشاني، فلعله يعقل إذا رآها؟ ففعل، فلما دخلت عليه صفراء قالت: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير ما لم تبرحي. قالت: ما تشتهي؟ قال: قربك. قالت: فما تشتكي؟ قال: حبك. قالت: أفتوصي بشيء؟ قال: نعم! أوصي بك إن قبلوا

стр. 362

مني. فقالت: إني أريد الانصراف. قال: فتعجلي ثواب الصلاة علي. فقامت فانصرفت، فلما رآها مولية تنفس الصعداء ومات من ساعته. سمنون الكذاب أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بقراءتي عليه بالشام، سمعت أبا نعيم الحافظ يقول: سمنون هو ابن حمزة الخواص، أبو الحسين، وقيل أبو بكر، بصري سكن بغداد، ومات قبل الجنيد، وسمى نفسه سمنون الكذاب، بسبب أبياته التي قال فيها: فَلَيسَ لي في سِوَاكَ حَظٌّ، ... فكَيفَ مَا شِئتَ فَامتَحنّي فحصر بوله من ساعته فسمى نفسه سمنون الكذاب. من شعر سمنون أنبأنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، وحدثنا الخطيب عنه، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري، أنشدني علي بن أحمد بن جعفر أنشدني ابن فراس لسمنون: وكانَ فُؤادِي خَالِياً قَبلَ حُبّكُمْ، ... وكانَ بذِكرِ الخَلْقِ يَلهُو وَيَمزَحُ فَلَمّا دَعَا قَلْبي هَوَاكَ أجابَهُ، ... فَلَستُ أرَاهُ عَنْ فِنَائِكَ يَبْرَحُ رُميتُ بِبَينٍ مِنك إنْ كُنتُ كاذِباً، ... وَإنْ كُنتُ في الدّنيَا بِغَيْرِكَ أفرَحُ وَإنْ كانَ شَيءٌ في البِلادِ بأسرِها، ... إذا غِبْتَ عَنْ عَيْني، بعَينيَ يملُحُ فإنْ شئتَ وَاصِلْني، وَإن شئتَ لا تصِلْ، ... فَلَستُ أرَى قَلبي لِغَيركَ يَصْلُحُ

стр. 363

وأخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، حدثنا الحسن بن أبي بكر قال: ذكر أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد أن سمنون المجنون أنشده: يا مَن فُؤادي عَليهِ مَوْقُوفُ، ... وكلُّ هَمّي إلَيهِ مَصرُوفُ يا حَسرَتي حَسرَةً أمُوتُ بهَا، ... إنْ لمْ يكُنْ لي إلَيكَ مَعروفُ مساكين أهل العشق أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن الحسين وأبو القاسم علي بن المحسن بن علي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني جعفر بن علي اليشكري، أخبرني الرياشي، أخبرني العتبي قال: دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان، فقال له: هل عشقت يا نصيب؟ قال: نعم! جعلني الله فداءك، ومن العشق أفلتتني إليك البادية. قال: ومن عشقت؟ قال: جاريةً لبني مدلج، فأحدق بها الواشون، فكنت لا أقدر على كلامها إلا بعين أو إشارة، فأجلس على الطريق حتى تمر بي فأراها، ففي ذلك أقول: جَلستُ لهَا كَيْمَا تَمرّ لعَلّي ... أُخَالِسُها التسليمَ، إنْ لمْ تُسَلِّمِ فَلَمّا رَأتْني وَالوُشاةَ تَحَدّرَتْ ... مَدَامِعُها خَوْفاً وَلمْ تَتَكَلّمِ مساكينُ أهلُ العشق ما كنتُ أشترِي ... حَياةَ جَميعِ العاشِقِينَ بِدرْهَمِ

стр. 364

دعا باسم ليلى أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ، رحمه الله تعالى، حدثنا عبد الغني بن سعيد، حدثنا جعفر بن هارون بن زياد قال: وحدثني هلال بن العلاء، حدثني عياض بن أحمد السلمي قال: كنت أجلس إلى الأصمعي فما سمعته سئل فقال حتى أنظر، أو ما أعرفه. قال: وسمعته يقول: كنت مع جعفر بن يحيى في زورق فسمع هاتفاً يهتف باسم جارية، فقال: إن هذا الهاتف يهتف باسم جارية قلبي، فأنشدني في ذا شيئاً، فأنشدته: وداعدعا إذ نحن بالخيف مِن مِنىً، ... فَهَيّجَ أحزَانَ الفُؤادِ وَما يَدرِي دَعَا باسْمِ لَيلى غَيرِها، فَكَأنّمَا ... أطَارَ بلَيلى طَائراً كَانَ في صَدْرِي فأعطاني عشرة آلاف درهم. ؟ المجنون في مكة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف قال: قال أبو عمرو الشيباني: لما ظهر من المجنون ما ظهر ورأى قومه ما ابتلي به، اجتمعوا إلى أبيه وقالوا: يا هذا! قد ترى ما ابتلي به ابنك، فلو خرجت به إلى مكة فعاذ ببيت الله الحرام، وزار قبر رسول الله ﷺ ، ودعا الله تعالى، رجونا أن يرجع عقله، ويعافيه الله، فخرج أبوه حتى أتى به مكة، فجعل يطوف به ويدعو الله، ، له بالعافية. وهو يقول: دَعا المُحرِمونَ اللهَ يَستَغفِرُونَهُ، ... بمَكّةَ، وَهناً، أن تُمَحَّى ذنوبُها وَنَاديْتُ أنْ يا رَبِّ أوّلُ سُؤلَتي ... لِنَفسِيَ لَيلى ثمّ أنتَ حَسِيبُهَا

стр. 365

فإنْ أُعطَ لَيلى في حيَاتي لا يَتُب ... إلى الله خَلقٌ تَوْبَةً لا أتوبُهَا حتى إذا كان بمنىً نادى مناد من بعض تلك الخيام: يا ليلى، فخر قيس مغشياً عليه، واجتمع الناس حوله، ونضحوا على وجهه الماء، وأبوه يبكي عند رأسه، ثم أفاق وهو يقول: وَداعٍ دَعا، إذْ نحنُ بالخَيفِ من منىً، ... فَهَيّجَ أشوَاقَ الفُؤادِ وَلَمْ يّدْرِ دَعَا باسْمِ لَيلى غَيرِها، فَكَأنّمَا ... أطَارَ بلَيلى طائراً كانَ في صَدرِي ؟ الله يا سلام ولي من غزل قصيدة أولها: بَينَ الأرَاكِ وَبَينَ ذِي سَلَمِ ... ألقيت خوف نواك بالسلم ومنها: الله يا سلام في رجل ... أبقَيتِهِ لحماً عَلى وَضَمِ أعدتْ جفونُكِ جِسمَه فرمَتْ ... بفُتورِها فِيهِ وَبالسَّقَمِ وَرَمَيتِهِ بِسِهَامِ بَينِكِ إذ ... عَيّرْتِهِ بالشّيبِ وَالعَدَمِ فحَدا رِكابُ مُناهُ نحوَ فَتىً ... ذِي همّةٍ تَعلو على الهِمَمِ

стр. 366

نأت دار من تهوى أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن أحمد الفقيه، حدثنا محمد بن يحيى الصولي أبو بكر، حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: هجر محمد بن إسحق بن إبراهيم جاريةً له كان يخرجها معه إلى أسفاره، وحدث له خروج، فجعلت تغني وتبكي، وهو مستمع: نَأت دارُ مَن تَهوَى، فَما أنتَ صَانِعُ؛ ... أمُصْطَبَرٌ للبَينِ أمْ أنتَ جَازِعُ؟ فإنْ تَمنَعُوني أنْ أبُوحَ بحُبّهَا، ... فَلَيسَ لقَلبي من جَوَى الحُبّ مانعُ قال: فدخل فترضاها وأخرجها معه. قتلته بالسحر أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف قال: قال إسحق بن منصور: حدثني جابر بن نوح قال: كنت بمدينة الرسول ﷺ ، جالساً عند بعض أهل السوق، فمر بي شيخ حسن الوجه حسن الثياب، فقام إليه البائع فسلم عليه، وقال له: يا محمد! أسأل الله أن يعظم أجرك وأن يربط على قلبك بالصبر. فقال الشيخ مجيباً له: وكانَ يَميني في الوَغَى وَمُسَاعِدي، ... فأصْبَحتُ قَد خانَت يميني ذِرَاعُها وَأصْبَحتُ حرّاناً من الثُّكلِ حَائِراً، ... أخَا كَلَفٍ ضَاقَتْ عليّ رِبَاعُهَا فقال البائع: أبشر يا أبا محمد، فإن الصبر معول المؤمن، وإني لأرجو أن لا يحرمك الله الأجر على مصيبتك.

стр. 367

فقلت له: من هذا الشيخ؟ فقال: رجل منا من الأنصار من الخزرج، فقلت: وما قصته؟ قال: أصيب بابنه، وكان به باراً قد كفاه جميع ما يعنيه، وقام به، وميتته أعجب ميتةٍ. قلت: وما كان سبب ميتته، وما كان خبره؟ قال: أحبته امرأة من الأنصار، فأرسلت إليه تشكو حبها وتسأله الزيارة، وتدعوه إلى الفاحشة. قال: وكانت ذات بعل، فأرسل إليها: إنّ الحَرَامَ سَبيلٌ لستُ أسلُكُهُ، ... وَلا أمرُّ به ما عشتُ في النّاسِ ألغي العتابَ، فإني غَيرُ مُتّبِعٍ ... ما تَشتَهينَ، فكُوني مِنهُ في يَاسِ فلما قرأت الأبيات كتبت إليه: دَعْ عَنكَ هذا الذي أصبَحت تذكرهُ، ... وَصِرْ إلى حَاجَتي يا أيّها القاسِي دَعِ التّنَسُّكَ إنّي غَيْرُ نَاسِكَةٍ، ... وَلَيسَ يَدخُلُ ما أبدَيتَ في رَاسِي قال: فأفشى ذلك إلى صديق له، فقال له: لو بعثت إليها بعض أهلك فوعظتها وزجرتها رجوت أن تكف عنك. فقال: والله لا فعلت ولا صرت في الدنيا حديثاً، وللعار في الدنيا خير من النار في الآخرة، وقال: العارُ في مدّةِ الدّنيَا وَقِلّتِهَا، ... يَفنى وَيَبقى الذي بالنّار يؤذِيني وَالنّارُ لا تَنقَضِي ما دامَ بي رَمَقٌ، ... وَلَستُ ذا ميتةٍ فيها، فتُفنيني لكنْ سأصْبرُ صَبرَ الحُرِّ مُحتَسِباً، ... لَعَلّ رَبي مِن الفِرْدَوسِ يُدنيني قال: وأمسك عنها، فأرسلت إليه: إما أن تزورني، وإما أن أزورك، فأرسل إليها: اربعي أيتها المرأة على نفسك، ودعي عنك التسرع إلى هذا الأمر. قال: فلما أيست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر، فجعلت لها الرغائب لتهيجه. قال: فعملت لها فيه. قال: فبينا هو ذات ليلة جالس مع أبيه، إذ خطر ذكرها بقلبه وهاج به أمر لم يكن يعرفه، واختلط، فقام من بين يدي أبيه مسرعاً فصلى واستعاذ

стр. 368

وجعل يبكي والأمر يتزايد، فقال له أبوه: يا بني ما قصتك؟ فقال: يا أبت! أدركني بقيد فما أرى إلا وقد غلب علي. قال: فجعل أبوه يبكي ويقول: يا بني حدثني بالقصة، فحدثه بقصته، فقام إليه فقيده وأدخله بيتاً، فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور، ثم هدأ ساعة عند الباب، فإذا هو ميت، وإذا الدم يسيل من منخره. ميتان وامرأة حرى أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بالشام بقراءتي عليه، أخبرنا علي بن أبي علي البصري، حدثنا الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، حدثنا جحظة قال: كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، فاستؤذن عليه للزبير بن بكار حين قدم من الحجاز، فلما دخل عليه أكرمه وعظمه، وقال له: لئن باعدت بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب، وإن أمير المؤمنين ذكرك، فاختارك لتأديب ولده، وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت من الثياب وعشرة بغال تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسر من رأى. فشكره على ذلك، وقبله، فلما أراد توديعه قال له: أيها الشيخ! أما تزودنا حديثاً نذكرك به؟ قال: أحدثك بما سمعت أو بما شاهدت؟ قال: بل بما شاهدت؟ فقال: بينا أنا في مسيري هذا بين المسجدين، إذ بصرت بحبالة منصوبة فيها ظبي ميت، وبإزائها رجل على نعشه ميت، ورأيت امرأة حرى تسعى، وهي تقول: يا خَشْنُ، لوْ بَطَلٌ، لكنّهُ أجَلٌ، ... على الإثاية، ما أودى بكَ البَطَلُ

стр. 369

يا خَشنُ قَلقَلَ أحشائي وَأزْعَجها، ... وَذاكَ يا خَشنُ عندي كلُّه جَلَلُ أمسَتْ فَتَاةُ بَني نَهدٍ عَلانِيَةً، ... وَبَعلُها في أكفّ القَوْمِ يُبتذَلُ قَد كنتُ رَاغبَةً فيهِ أضَنُّ بِهِ، ... فحان من دون ضَنِّ الرّغبةِ الأجلُ قال: فلما خرج من حضرته قال لنا محمد بن عبد الله بن طاهر: أي شيء أفدنا من الشيخ؟ قلنا له: الأمير أعلم. فقال: قوله: أمست فتاة بني نهد علانيةً أي ظاهرة، وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل هذا. أسود وسوداء أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو الفضل قاسم بن سليمان الإيادي عن عبد الرحمن بن عبد الله قال: أخبرني مخبر أنه رأى أسود ببئر ميمون وهو يمتح من بئر، ويهمس بشيء لم أدر ما هو، فدنوت منه، فإذا بعضه بالعربية وبعضه بالزنجية، ثم تبينت ما قال، فإذا هو: ألا يا لا ئِمي في خُبّ رِئمٍ، ... أفِقْ عن بعض لومك لا اهتديتا أتأمرني بهجرَةِ بعضِ نَفسِي؟ ... مَعاذَ اللهِ أفعَلُ مَا اشتَهيتَا أُحِبُّ لحُبّها تَثْليمَ طُرّاً، ... وَتَكَعةَ وَالمَشكَّ وَعينَ زَيتَا فقلت: ما هذه؟ قال: رباع كانت لنا بالحبشة كنا نألفها. قال قلت:

стр. 370

أحسبك عاشقاً. قال: نعم! قلت: لمن؟ قال: لمن إن وقفت رأيته. فما لبثنا ساعة أن جاءت سوداء على كتفها جرة، فضرب بيده عليها، وقال: ها هي هذه. قال: قلت له: ما مقامك ههنا؟ قال: اشتريت، فأوقفت على هذا القبر أرشه، فأنا أبرد من فوق، وربك يسخن من أسفل. جبال الحب أنبأنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، رحمه الله تعالى، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المعمري، أنشدنا أبو محمد جعفر بن محمد الصوفي أنشدني بعض إخواننا لأبي بكر محمد بن داود الفقيه: حَمَلتُ جِبالَ الحُبّ فِيكَ، وَإنّني ... لأعجزُ عَن حَملِ القَميصِ وَأضْعُفُ وما الحُبّ من حُسنٍ وَلا من سَماحةٍ، ... وَلِكنّه شيءٌ به الرّوح تَكْلَفُ نياق القرشي أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال بالتاريخ، حدثنا عبد الواحد بن علي بن الحسين، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى حدثنا المساحقي عن أبيه أنه خرج ساعياً في بني عامر، فأتاه مجنون بني عامر، فٍساله أن يكلم له عمه، فأبى أن يزوجه، فأمر المساحقي للمجنون بقلائص، فوهبها له وأبى أن يقبلها، ثم أنشأ يقول: تَركتُ قَلائِصَ القُرَشيّ لمّا ... رَأيتُ النّقضَ مِنهُ للعُهُودِ

стр. 371

بقاء العاشقين عجيب أنبأنا الجوهري، أنشدنا أبو عمر بن حيويه، أنشدنا محمد بن عبد الله الكاتب، أنشدني محمد بن المرزبان: لّئِنْ كنتُ لا أشكُو هَوَاكِ فإنّني ... أخُو زَفَرَاتٍ، وَالفُؤادُ كَئيبُ وَإنْ كانَ قلباً فيكِ يَضْنى صَبابَةً، ... وَقد مَرِضَتْ من مُقلَتَيكِ قلوبُ فما عجبٌ موتُ المُحبّينَ في الهَوَى، ... وَلَكن بَقَاء العَاشِقينَ عَجيبُ وفاة جميل أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري، أخبرنا الصولي، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما حضرت الوفاة جميلاً بمصر قال: من يعلم بثينة؟ فقال رجل: أنا، فلما مات صار إلى حي بثينة فقال: بَكَرَ النَّعيُّ وَمَا كَنَى بجَميلِ، ... وَثَوَى بمصرَ ثَوَاءَ غيرِ قَفولِ بَكَرَ النَّعيُّ بفارِسٍ ذِي نَهمَةٍ، ... بطلٍ، إذا حُمِلَ اللّوَاءُ مُديلِ فسمعته بثينة، فخرجت مكشوفةً تقول: وَإنَّ سلُوِّي عَنْ جَميلٍ لَساعَةٌ ... من الدّهرِ ما حانَت وَلا حان حِينُها سَوَاءٌ عَلينا يا جَميلُ بن مَعَمرٍ، ... إذا مُتّ، بأساءُ الحَياةِ وَلينُها

стр. 372

الهوى ينسي الأكل أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، حدثنا أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا ابن الأنباري، أخبرنا أبو العباس قال: مر رجل بجميل، فأضافه، وخبز خبزةً من مكوك، وثردها في لين وسمن، قال: ثم أتاه بها، فجعل الرجل يحدث جميلاً عن بنت عم له بحبها، ويأكل حتى أتى على الخبزة، فقال جميل: وَقَد رَابَني من جَعفَرٍ أنّ جَعفَراً ... يُلّحُ على قُرْصِي، وَيَبكي عَلى جُملِ فَلَوْ كنتَ عُذرِيَّ العلاقَةِ لم تَكُنْ ... بَطِيناً وَأنْساكَ الهَوَى كَثرةَ الأكلِ لا تقتليه ولي من أثناء قصيدة أولها: أدِرِ المُخَدَّرَةَ العُقَارَا، ... فاللّيلُ قد أرْخى الإزَارَا يا جَارَتي بِرُصَافَةِ ال ... مَهْدِيّ لَمْ تَرْعَي جِوَارَا رُدّي عَلى المُشْتَاقِ قَلْ ... باً هَائِماً بِكِ مُستَطَارَا لا تَقْتُليهِ، فَقَوْمُهُ ... لا يَتركُونَ، الدّهرَ، ثَارَا

стр. 373

شعر على تكة أخبرنا أبو الحسين علي بن عمر الحربي المعروف بابن القزويني الزاهد، رحمه الله تعالى، فيما أذن لنا في روايته، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: كتبت عازم على تكة حرير كانت تتعصب بها: إنّ العُيونَ التي في طرْفِها مَرَضٌ ... قَتَلنَنا، ثمّ لمْ يُحيينَ قَتلانَا يَصرعْنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ به، ... وَهنّ أضْعَفُ خلقِ اللهِ أرْكانَا شعر على عصابة وأخبرنا علي بن عمر أيضاً، أخبرنا عمر بن حيويه، أخبرنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت غليل على عصابتها: مَا ضَرّ مَن صَيّرَني حُبُّهُ ... قَرِينَ أحزَانٍ وَوَسْوَاسِ لَوْ أنّهُ فَرّجَ عَنْ كُرْبَتي ... بأسطُرٍ في شرّ قِرْطَاسِ تضن بتسليمة ولي من قصيدة رجز أولها: لا تَحسَبُوا أني مَلُولٌ سَالي، ... لا أعرِفُ الهَجرَ مِنَ الوِصَالِ حتى عَلِقتُ من بني هِلالِ ... جَارِيةً حَسنَاءَ كالتِّمْثَالِ صَامِتَةَ السِّوَارِ وَالخَلخَالِ، ... جَامِعَةً للصَّوْنِ وَالجَمَالِ

стр. 374

تَرْنُو بِعَينِ رَشَإٍ غَزَالِ، ... رِيقَتُها أشهَى من الجِرْيالِ قَد زَادَ في حُبّي لهَا بَلبَالي، ... لِحاظُها أمضَى منَ النِّصَالِ تَرْمي القُلُوبَ ثمّ لا تُبالِي، ... من قَتَلَت هَوىً من الرّجَالِ وَمَا دَمُ العُشّاقِ بالحَلالِ، ... سَألتُهَا عَشِيّةَ التّرْحَالِ تَسلِيمَةً، فَلَمْ تُجِبْ سؤالي، ... وَأعرَضَت إعراضَ ذِي مَلالِ أعشق من كثيِّر عزة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني عبد الله بن محمد الطالقاني، أخبرني السري بن يحيى الأزدي عن أبيه عن المفضل بن الحسن المخزومي قال: دخل كثيِّر عزة على عبد الملك بن مروان، فجعل ينشده شعره في عزة، وعيناه تذرفان، فقال له عبد الملك: قاتلك الله يا كثير! هل رأيت أحداً أعشق منك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، خرجت مرةً أسير في البادية على بعير لي، فبينا أنا أسير إذ رفع إلي شخص، فأممته، فإذا رجل قد نصب شركاً للظباء، وقعد بعيداً منه، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: ما أجلسك ها هنا؟ قال: نصبت شركاً للظباء، فأنا أرصدها. قلت: إن قمت له لديك فصدت أتطعمني؟ قال: إي والله. قال: فنزلت فعقلت ناقتي، وجلست أحدثه فإذا هو أحسن خلق الله حديثاً، وأرقه وأغزله. قال: فما لبثنا أن وقعت ظبية في الشرك، فوثب ووثبت معه فخلصها من الحبال، ثم نظر في وجهها ملياً، ثم أطلقها، وأنشأ يقول: أيَا شِبهَ لَيلَى لَن تُرَاعَي، فإننّي ... لكِ اليَوْمَ من بينِ الوُحوش صَديقُ

стр. 375

ويَا شبهَ لَيلى لَنْ تَزَالي بِرَوْضَةٍ ... عَلَيكِ سَحَابٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ فَما أنا إذ شَبّهتُها ثمّ لم تَؤبْ ... سَليماً عَليها، في الحَياةِ، شَفِيقُ فَدَيتُكِ من أسرٍ دَهَاكِ لحُبّها، ... فأنتِ لَليلى مَا حَييتِ طَلِيقُ ثم أصلح شركه، وعدونا إلى موضعنا، فقلت: والله لا أبرح حتى أعرف أمر هذا الرجل، فأقمنا باقي يومنا فلم يقع شيء، فلما أمسينا قام إلى غار قريب من الموضع الذي كنا فيه وقمت معه فبتنا به، فلما أصبح غدا فنصب شركه، فلم يلبث أن وقعت ظبية شبيهة بأختها بالأمس، فوثب إليها ووثبت معه، فاستخرجها من الشرك ونظر في وجهها ملياً ثم أطلقها، فمرت، وأنشأ يقول: اذهَبي في كلاءَةِ الرّحمنِ، ... أنتِ مِني في ذِمّةٍ وَأمَانِ تَرْهبيني؟ وَالجِيدُ مِنك كليلى، ... وَالحَشا وَالبُغَامُ وَالعَينانِ لا تَخافي بأنْ تُفاجَيْ بسُوءٍ ... ما تَغَنّى الحَمامُ في الأغصَانِ ثم عدنا إلى موضعنا فلم يقع يومنا ذلك شيء، فلما أمسينا صرنا إلى الغار، فبتنا فيه، فلما أصبحنا عدل إلى شركه، وغدوت معه، فنصبه، وقعدنا نتحدث وقد شغلني، يا أمير المؤمنين، حسن حديثه عما أنا فيه من الجوع، فبتنا نتحدث إذ وقعت في الشرك ظبية، فوثب إليها ووثبت معه، فاستخرجها من الشرك، ثم نظر في وجهها وأراد أن يطلقها فقبضت على يده وقلت: ماذا تريد أن تعمل؟ أقمت ثلاثاً كلما صدت شيئاً أطلقته. قال: فنظر في وجهي وعيناه تذرفان وأنشأ يقول: أتَلحَى محِبّاً هائِمٌ القلبِ أن رَأى ... شَبيهاً لمَن يهوَاهُ في الحَبلِ مُوثَقَا

стр. 376

فَلَمّا دَنَا مِنهُ تَذَكّرَ شَجوَهُ، ... وَذّكّرَهُ مَن قد نأى فَتَشَوَّقَا قال أبو بكر: وبيت آخر ذهب علي، فرحمته والله، يا أمير المؤمنين، فبكيت لبكائه ونسبته، فإذا هو قيس بن معاذ المجنون، فذاك والله أعشق مني يا أمير المؤمنين. وشاية الطيب ولي من ابتداء قصيدة: طَرَقَتْ، وَالظّلامُ قد مدَ سِترَا، ... تَتَخَطّى إليّ سَهْلاً وَوَعرَا وَالكَرَى قَد سَقَى سُلافَتَه السُّمّ ... ارَ صِرْفاً، فَطَرّحَ القَوْمَ سُكرَا كتَمتْ خشيةَ الرّقيبِ خُطاهَا، ... فَوَشَى الطيّبُ بالمَليحَةِ نَشرَا هَتَكتْ بُرْقُعَ العِتَابِ وَثَنّتْ ... مِنهُ نظماً يُذكي الغَرَامَ وَنثرَا ثمّ قالت: وَقد جَلَتْ غُرّةً رَدّ ... تْ بأضْوَائها دُجى الليل فجرَا أيّها المُدّعي هَوَانا، وَأنّا ... قد سَلَبنا كرَاهُ صَدّاً وَهَجرا أتُرَى ما قَرَأتَ أخبَارَ مَجنُو ... نِ بَني عامرٍ وَعرْوَةِ عَفرَا وَجَميلٍ وَقَيسِ لُبنى وَخَلْقٍ ... من بَني عُذرَةٍ يَزِيدُونَ كُثرَا تَدّعي حبَّنا بغَيرِ شُهُودٍ؛ ... قلتُ: هذه الدموع تشهدُ قَطرَا وَاستَهَلّت مدامعي، فَرَثَتْ لي، ... إذ رَأتْني حُرِمتُ في الحُبّ صَبرَا وَسَقتني من رِيقِها العذبِ كأساً ... كانتِ الشَّهدَ لذّةً وَالخَمرَا

стр. 377

أم سالم والغزال أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، رحمه الله تعالى، حدثنا محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن خلف، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا أبو غسان المديني، أخبرني عبد العزيز بن أبي ثابت، أخبرني رجل من التجار قال: اشترى أبو زبان الهرمي ظبياً من المصلى بدرهمين ثم أخذ بيدي، حتى إذا كنا بالحرة أطلقه وقال: ما كان ليؤسر شبه أم سالم، ثم أنشأ يقول: ألا يا غَزَالَ الرّملِ بَينَ الصّرَائِمِ ... ألا لا، فَقَد ذكَرتَني أمَّ سَالمِ لكَ الجِيدُ والعَينانِ منها وَحُوّةُ ال ... شّفَاهِ وَقد خالفَتهَا في القَوَائِمِ إبراهيم بن المهدي وجارية عمته أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن بندار الشيرازي بقراءتي عليه في المسجد الحرام بين باب بني شيبة وباب النبي تجاه الكعبة، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن لآل الهمذاني، أخبرنا أحمد بن حرب الجيلي عن بعض مشايخه قال: اختفي إبراهيم بن المهدي زمن المأمون عند بنت عصمة بنت أبي جعفر عند هربه من المأمون لشدة طلبه له، وكانت تكرمه غاية الكرامة، وتلطفه بالطرائف، وتتفقده في أوقاته، ووكلت به جاريةً يقال لها ملك، وكانت قد أدبتها، وأنفقت عليها الأموال، وكانت مغنيةً حاذقة، راويةً للأشعار، بارعة الجمال، حسنة القد، عاقلة؛ وقد كانت طلبت منها بخمسين ومائة ألف درهم؛ فكانت تلي خدمة إبراهيم، وتقوم على رأسه، وتتفقد أموره، فهويها، وكره أن يطلبها من عمته، وأن يفجعها بها، وتذمم من ذلك، فلما اشتد وجده بها، وغلب حبها عليه، وسكر فهيجه السكر أيضاً، أخذ عوداً وغنى بشعر له فيها، وهي واقفة على

стр. 378

رأسه والغناء له: يا غَزَالاً لي إلَيْهِ ... شَافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيهِ وَالّذي أجلَلتُ خَدّي ... هِ، فَقَبّلتُ يَدَيه بأبي وَجْهَكَ مَا أكْ ... ثَرَ حُسّادِي عَلَيْهِ أنَا ضَيْفٌ، وَجَزَاءُ الضَّ ... يفِ إحسَانٌ إلَيْهِ فسمعت الجارية الشعر، وفطنت لمعناه لرقتها وظرفها، وكانت مولاتها تسألها عن حالها وحاله في كل يوم، فأخبرتها في ذلك اليوم بما في قلبه منها، وبما سمعت منه من الشعر والغناء، فقالت لها مولاتها: اذهبي فقد وهبتك له! فعادت إليه، فلما رآها أعاد الصوت، فأكبت عليه الجارية فقبلت رأسه، فقال لها: كفى! فقالت: قد وهبتني مولاتي لك، وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم. موت المجنون في الوادي أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن الهيثم القرشي، حدثني العباس بن هشام عن أبيه هشام بن محمد بن السائب الكلبي أن رجلاً من أهل الشام كان له أدب، وأنه ذكر له المجنون، وأخبر بخبره، فأحب أن يراه، وأن يسمع من شعره، فخرج يريده، حتى إذا صار إلى حية سأل عنه، فأخبر أنه لا يأوي إلى مكان، وأنه يكون مع الوحش، قال: فكيف لي بالنظر إليه؟ قيل: إنه لا يقف لأحد حتى يكلمه إلا لداية له هي التي كانت ربته، فكلم دايته وسألها، فخرجت معه تطلبه في مظانه التي كان يكون فيها في البرية، فطلبوه يومه ذلك، فلم يقدروا

стр. 379

عليه، ثم غدوا في اليوم الثاني يطلبونه، فبينا هم كذلك إذ أشرفوا على واد كثير الحجارة، وإذا به في ذلك الوادي ميت، فاحتمله الرجل ودايته حتى أتيا به الحي، فغسلوه وكفنوه ودفنوه، فقال الرجل: قد كنت أقدر أن أسمع منه شيئاً من شعره ففاتني ذلك فأنشدوني من شعره شيئاً أنصرف به، فأنشدوه أشياء كتبها، وانصرف. لو بلي البين ببين أخبرنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون قراءة عليه، أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أبي علي الأصبهاني، أخبرنا سعد بن الحسن الصوفي، أنبأنا عبد المؤمن، حدثنا الحسن بن أبي الفضل أنشدنا هبة الله بن الحسن لنفسه: حتى مَتى يَا قُرّةَ العَينِ، ... تُعّذِّب المُدْنَفَ بالبَينِ ما أقتلَ الشوْقَ لأهلِ الهَوى ... وَأقرَبَ البَينَ منَ الحَينِ لَوْ بُلِيَ البَينُ بِبَينٍ لمَا ... فَرّقَ مَا بَينَ المُحِبَّينِ أوْ ذاق طعمَ الوَصلِ يوماً لما ... شَتّتَ شَمْلاً بَينَ إلْفَينِ غراب البين وأخبرنا أحمد بن الحسن على أثره، أخبرنا محمد بن الحسن الأصبهاني، أنبأنا وليد بن معن المؤدب: أنشدنا أبي لأبي الحسن البرمكي: أتَرْحَلُ عَمّن أنتَ صَبٌّ بذِكرِهِ ... وَتشكو غرَابَ البَينِ؟ هذا هوَ الظلمُ وَما لغُرَابِ البينِ بالبَينِ فِطنَةٌ؛ ... وَما لغُرابِ البَينِ بالمُلتقَى عِلمُ

стр. 380

امرأة على قبر ولدها أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي في ما أجاز لنا، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الرصافي، حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، حدثنا محمد بن موسى بن حماد، حدثني أبو عبد الله العدوي، حدثني الحسين، سمعت أبي يقول: سمعت مصعباً يقول: قرأت على لوحين على قبرين: أمُغَطّى مني على بَصَرِي في الحُبْ ... بِ أمْ أنتَ أكمَلُ النّاسِ حُسنَا وَحَديثٌ ألَذُّهُ هُوَ مِمّا ... يَنعَتُ النّاعتون يُوزَنُ وَزْنَا ورأيت امرأةً عند القبرين، وهي تقول: بأبي لم تمتعك الدنيا من لذتها، ولم تساعدك الأقدار على ما تهوى، فأوقرتني كمداً، فصرت مطيةً للأحزان، فليت شعري كيف وجدت مقيلك، وماذا قلت وقيل لك؟ ثم قالت: استودعتك من وهبك لي، ثم سلبني أسر ما كنت بك. فقلت لها: يا أمه! ارضي بقضاء الله، ، وسلمي لأمره! فقالت: هاه نعم! فجزاك الله خيراً، لا حرمني الله أجرك، ولا فتنني بفراقك. فقلت لها: من هذا؟ فقالت: ابني، وهذه ابنة عمه، كان مسمى بها وهي صغيرة، فليلة زفت إليه أخذها وجع أتى على نفسها فقضت فانصدع قلب ابني فلحقت روحه روحها فدفنتهما في ساعة واحدة. فقلت: فمن كتب هذا على القبرين؟ قالت: أنا. قلت: وكيف؟ قالت: كان كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين فحفظتهما لكثرة تلاوته لهما، فقلت: ممن أنت؟ فقالت: فزارية. قلت: ومن قائلهما؟ قالت: كريم ابن كريم، سخي ابن سخي، شجاع ابن بطل، صاحب رئاسة. قلت: من؟ قالت: مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن يقولهما في امرأته حبيبة بنت أبي جندب الأنصاري. ثم قالت:

стр. 381

وهو الذي يقول: يا مُنزِلَ الغَيثَ بَعدَمَا قَنَطوا ... وَيا وَليَّ النّعماءِ وَالمِنَنِ يكونُ ما شِئتَ أنْ يكونَ وَما ... قدّرْتَ أن لا يكونَ لم يَكُنِ لوْ شِئتَ إذ كان حبُّها غَرضاً، ... لم تُرِني وَجههَا، وَلم تَرَني يا جارةَ الحَيّ كنتِ لي سَكَناً، ... إذ ليس بعضُ الجيرانِ بالسكنِ أذكرُ من جارَتي وَمَجلِسِها ... طَرَائِفاً من حَديثِها الحَسَنِ وَمن حَديثِ يَزِيدُني مِقَةً، ... ما لحَديثِ المَوْموقِ من ثَمَنِ قال: فكتبتها، ثم قامت مولية، فقالت: شغلتني عما إليه قصدت لتسكين ما بي من الأحزان. هذي الخدود وأنشدت لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي، وقد لقيت المذكور بالإسكندرية منذ خمس وعشرين سنة، ابتداء قصيدة له: هذي الخُدُودُ، وَهذه الحَدَقُ، ... فَلْيَدْنُ مَنْ بفُؤادِهِ يَثِقُ لَو أنّهُمْ عَشِقُوا لمَا عَذّلُوا، ... لكِنّهُمْ عَذَلُوا وَمَا عَشِقُوا عَنُفُوا عَليّ بِلَوْمِهِمْ سَفهاً، ... لوْ جُرّعوا كأسَ الهَوَى رَفِقوا ليسَ الفُؤادُ مَعي فأعلَمَ مَا ... قد نَالَ منه الشْوقُ وَالقَلَقُ مَا الحُبُّ إلاّ مَسلَكٌ خَطِرٌ، ... عَسرُ النّجاةِ، وَمَوْطئٌ زَلَقُ

стр. 382

المطبوع على الكرم أخبرنا أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قراءة عليه وأنا أسمع، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا أبو القاسم الصائغ، حدثني أسد بن خالد، حدثني قبيصة بن عمر بن حفص المهلبي عن أبي عبيدة النحوي قال: كنا نأتي رؤبة بن العجاج، فربما أعوزنا مطلبه فنطلبه في مظانه، وكان للحارث بن سليم الهجيمي، وهو أبو خالد بن الحارث، مجلس يؤلف، وكان رؤبة ربما أتاه، فطلبته يوماً، فأتيت مجلس الحارث، فتحدث القوم، وتحدث الحارث قال: شهدت مجلس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، فأتى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فقال يا أمير المؤمنين! أتيتك مستعدياً. فقال: على من؟ قال: موسى شهوات. قال: وما له؟ قال: سمع بي، واستطال في عرضي، قال: يا غلام! علي بموسى! فأتي به، فقال أمير المؤمنين: سمعت به واستطلت في عرضه. قال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين، ولكني مدحت ابن عمه، فغضب هو. قال: وما ذاك؟ قال: يا أمير المؤمنين علقت جاريةً لم تبلغ ثمنها جدتي، فأتيته، وهو صديقي، فشكوت ذلك إليه، فلم أصب عنده في ذلك شيئاً، فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوت إلى ذلك. قال: تعود إلي، فتركته ثلاثاً ثم أتيته، فسهل من أمري، فما استقر المجلس حتى قال: يا غلام! قل لقيمي وديعتي! ففتح باباً بين بابين، فإذا أنا بجارية، فقال لي: هذه بغيتك؟ قلت: نعم! فداؤك أبي وأمي! قال: اجلس! يا غلام قل لقيمي ظبية نفقتي. فأتي بظبية فنثرت بين

стр. 383

يديه، فإذا فيها مائة دينار، وليس فيها غيرها، فردت في الظبية ثم قال: عتيدتي التي فيها طيبي! فأتي بها، فقال: ملحفة فراشي! فأتي بها، فصير ما في الظبية وما في العتيدة في حواشي الملحفة، وقال لي: شأنك بهواك، واستعن بهذا عليه. قال فقال أمير المؤمنين: فذاك حين تقول ماذا؟ فقال: أيا خالداً! أعني سعيدَ بنَ خالدٍ ... أخا العُرْفِ لا أعني ابنَ بنتِ سعيدِ وَلكِنّني أعني ابنَ عائِشَةَ الّذي ... أبُو أبَوَيْهِ خَالِدُ بنُ أَسيدِ عقيدُ الندى ما عاشَ يَرْضَى به الندى ... فإنْ ماتَ لم يرضَ النّدَى بعَقيدِ دَعوهُ دَعُوهُ إنّكم قد رَقَدتُمُ، ... وَما هوَ عن أحسابكمْ برَقُودِ قال: فقال: يا غلام علي بسعيد بن خالد! فأتي به، فقال: يا سعيد! أحق ما وصفك به موسى؟ قال: وما هو، يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك، يا أمير المؤمنين. قال: فما طوقك ذاك؟ قال: الكلف. قال: فما حملتك الكلف؟ قال: دين، والله يا أمير المؤمنين، ثلاثين ألف دينار، قال: قد أمرت لك بها وبمثلها وبمثلها، وثلث مثلها. فلقيت سعيد بن خالد، بعد حين، فأخذت بعنان دابته، فقلت: بأبي وأمي! ما فعل المال الذي أمر لك بن سليمان أمير المؤمنين. قال: ما علمك به؟ قال: كنت حاضر المجلس يومئذ. قال: والله ما استطعت أن أملك منه ديناراً ولا درهماً، قال: فما اغتاله؟ قال: خلةٌ من صديق أو فاقةٌ من ذي رحم.

стр. 384

نقش الشعر على الخواتم أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، أخبرنا عبد الوهاب بن عيسى بن أبي حية قال: نقشت مغنية على خاتمها: مَا أنصَفوا، حَجبوكَ أوْ حَجَبوني، ... مَهمَا أذَوْكَ، فبالأذَى طَلبوني قال ونقشت مغنية أخرى على خاتمها: أحببَتُ مَنْ يَهوَاني ... برُغمِ مَنْ يَنهَاني ونقشت أخرى على خاتمها: كَفَى بصَبٍّ عَشِقْ ... يَدعو بقَلبٍ حَنِقْ ونقشت أخرى: سَمَاجَةٌ بمُحِبٍّ خانَ عاشِقَهُ، ... ما خانَ قَطُّ محِبُّ يعرفُ الكَرَمَا ونقشت أخرى: قَلبانِ في خاتَمِ الهَوَى جُمِعَا، ... فأرْغَمَ اللهُ أنفَ مَنْ قَطَعَا ونقشت أخرى: يَا حَبيبي مِنْ شَقَائِي وَشُومي، ... أنتَ للنّاسِ جَميعاً حَبِيبُ ونقشت أخرى: أنا إن مُتُّ فالهوى داءُ قلبي، ... فبِداءِ الهَوَى يموتُ الكِرامُ ونقشت أخرى: تَمَنّيْتُ القِيَامَةَ لَيسَ إلاّ ... لألقَى مَن أُحِبّ على الصِّرَاطِ ونقشت أخرى: لا تُنكِرَنّ تَذَلّلي، ... فالحبّ يلعبُ بالكرَامْ

стр. 385

قلب على شعل أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، لمحمد بن عون الكاتب: غَنِيَتُ بمِشيَتِها عَنِ الأغصَانِ، ... حَسنَاءُ يَلعَبُ حُبُّهَا بجَنَاني وَبَدَتْ تَفضّ العَتبَ عن خاتامِه، ... وَتَجُولُ فِيهِ بِناظِرٍ وَلِسَانِ رِفقاً بقَلبٍ قَلّ مَا قَلّبتِه ... إلاّ عَلى شُعَلٍ مِنَ النّيرَانِ صوني ما تبقى ولي ابتداء قصيدة: طَرَقَت بعدَ هَجعَةٍ أمُّ وَرْقَا، ... خَوْفَ وَاشٍ وَحَاسِدٍ يَتَوَقّى ثمّ فَضّتْ خَتْمَ العِتَابِ وَقَالتْ: ... أنتَ لوْ كنتَ عاشِقاً مُتَّ عِشقَا مِثلَ ما ماتَ مِنْ بَني عُذرَةَ كُلْ ... لُ صَحيحِ الهَوَى فغُودرَ مُلقَى قَتَلَ الحُبُّ قَيسَ لُبنى وَمجنُو ... نَ بَني عَامِرٍ وَأمرَضَ خَلقَا وَتَحَدّى كُثيّراً وَجَميلاً، ... وَلَقيَ مِنْهُ عُرْوَةُ كُلِّ مَلقَى قُلتُ: عِندي على هَوَاكِ شُهُودٌ: ... أدمُعٌ مُستَهلّةٌ، لَيسَ تَرْقَا وَسَلي عَنْ أضَالِعي زَفَرَاتٍ، ... ما تُلاقي مِنْ حَرّهنّ وَألقَى أنتِ ضَيّعتِ جُلَّ قَلْبيَ بالهَج ... رِ، فَصُوني بالوَصْلِ مَا قد تَبَقّى

стр. 386

المغنيات ونقشهن الشعر أخبرنا ابن القزويني، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت مغنية على خاتمها: الحُبُّ أسقَمَني، والحُبُّ أضْنَاني، ... وَالحُبُّ أنحلَني، وَالحُبُّ أبلاني ونقشت أخرى: فإنْ تَضرِبوا جَنبي وَظَهري كلَيهما، ... فَلَيسَ لِقَلبٍ بَينَ جَنْبيَّ ضَارِبُ ونقشت مذنب جارية الحسن بن علي على قميص لها: كأنّ رُوحي إذا ما غبتَ غائِبَةٌ، ... فإنْ تَعُدْ ليَ عَادَت لي إلى بدَني ونقشت أخرى: مَنْ صَحّحَ الحُبَّ لأحبابِهِ، ... أعَانَهُ اللهُ عَلى مَا بِهِ ونقشت مخارق جارية القطيني على جبينها: لا عَدِمتُ الهَوَى، وَلا من هَوِيتُ، ... وَبَقي مَنْ هَوِيتُ لي وَبَقِيتُ ؟ لا فرج الله عني وأخبرني أبو الحسن القزويني أيضاً إجازة، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت شبل، وكانت تعشق ناشئاً: لا فَرّجَ اللهُ عني إنْ مَدَدْتُ يدي ... إلَيْه أسألُهُ مِنْ حُبّهِ الفَرَجَا

стр. 387

أعرابي حذاء الكعبة أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد، حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثني ابن بكار قال: وحكى العذري، أخبرنا الحسن بن جعفر بن سليمان الضبعي قال: كنت لا أكاد أمر في طريق ولا في حاجة إلا ومعي ألواح، فحججت فرأيت أعرابياً تقدم حتى قام حذاء الكعبة ثم قال: تفهموا عني، واحفظوا مقالتي، ثم رفع صوته فقال: ألا يَا مَنْ لعَينٍ قَد عَصَتْني، ... وَقَلْبٍ قَدْ أبى إلاّ الحَنِينَا وَنَفسٍ لا تَزَالُ الدّهرَ تَهفُو ... كأنّ بها لِما تَهفُو جُنُونَا أُحِبُّ الغانياتِ، وَلَيسَ قَلبي ... بِسَالٍ مَا بَقيتُ وَما بَقينَا وَجُملٌ، ما علِمتُ، غَرِيمُ سوء، ... تُمَنّينَا وَتَمْطُلُنا الدّيُونا فرآني وأنا أكتب ما ينشد، ثم قلت له: ويحك! هذا هو الخسران المبين؛ أتفعل هذا في مثل هذا الموضع؟ قال: بل الخسران المبين ما أنت فيه؛ أنا معذور مسلوب العقل، جئت مستجيراً بربي لما أجد من قلبي، وأنت تكتب بلايا العاشقين مؤثراً لها في هذا الموضع، تنح عني لا قدس الله روحك! يموت بكل يوم أخبرنا أبو محمد الجوهري، رحمه الله تعالى قراءة عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني إسحق بن محمد، حدثني أبو معاذ النميري قال: لقي مجنون بني عامر الأحوص بن محمد الأنصاري، فقال له: حدثني حديث عروة بن حزام! قال: فجعل الأحوص يحدثه وهو يسمع، حتى

стр. 388

فرغ من حديثه، فأنشأ المجنون يقول: عَجِبتُ لعُرْوَةَ العُذرِيِّ أمسَى ... أحَادِيثاً لِقَوْمٍ بَعدَ قَوْمِ وَعُرْوَةُ مَاتَ مَوْتاً مُستَرِيحاً، ... وَهَا أنا ذا أمُوتُ بكلّ يَوْمِ عفا الله عنها وبإسناده قال: أنشدنا محمد بن خلف، أنشدني القحذمي للمجنون: أقُولُ لإلفٍ ذاتَ يَوْمٍ لَقِيتُهُ ... بمكّةَ، وَالأنضَاءُ مُلقى حِبالُها برَبّكَ أخبرني ألَمْ تَأثَمِ التي ... أضرّ بجسمي من زَمانٍ خَيالُها؟ فقال: بلى وَالله سوْفَ يمَسُّهَا ... عَذابٌ وَبَلوَى في الحيَاةِ يَنالُها فقلتُ: وَلم أملِك سَوَابقَ عَبرَةٍ ... سَرِيعٍ على جيبِ القميص انهمالُها: عَفا اللهُ عنها ذَنبَها وَأقالَها، ... وَإن كان في الدّنيا قَليلاً نَوَالُها لا مات ولا عوفي أخبرنا الأمير السيد أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، حدثنا أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا أبو بكر بن دريد، حدثنا الرياشي قال: قال عركن بن الجميح الأسدي: كان لي صديق من الحي، وكان شاباً جميلاً، يعشق ابنة عم له، وكانت له محبة، وكانت هيبة عمه تمنعه أن يخطبها إليه، فحجبت عنه، فكان يأتيني، فيشكو شوقه إليها، فما لبث أن مرض عمه مرضاً أشفى منه، فكان الفتى يدخل إليه، وابنته عند رأسه تمرضه، فيستشفي بالنظر إليها، ثم يخرج إلي مسروراً جذلاً، إلى أن برأ عمه فأنشأ يقول:

стр. 389

أبكي مِنَ الخَوْفِ أن يبرَا فَيحجُبَها ... وَلَستُ أبكي على عمّي من الجَزَعِ لا ماتَ عمّي وَلا عُوفي منَ الوَجَعِ ... وَعَاشَ ما عاشَ بينَ اليَأسِ وَالطَّمعِ فخطبت الجارية، فزوجها أبوها غيره، فجاءني الفتى، فقال: ودعني وداعاً لا نتلاقى بعده! فناشدته، فإذا الجزع قد حال دون فهمه، فقلت: فأين تذهب؟ فقال: اذهب ما وجدت أرضاً؛ ونهض، فكان آخر العهد به، وقد التمسه عمه في آفاق البلاد، فما قدر عليه ولم يطل عمر الجارية بعده. الموت في الحب جميل أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر الحزبي، رحمه الله تعالى أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت كلثم على فص خاتمها: لا غفر من هجر. ونقشت خليدة الحيرية: الموت في الحب جميل. حبذا نجد أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: وذكر محمد بن حبيب عن هشام بن محمد الكلبي وغيث الباهلي وأبي عمرو الشيباني عن ابن دأب عن رياح، حدثني بعض المشايخ قال: خرجت حاجاً حتى إذا كنت بمنى إذا جماعة على جبل من تلك الجبال، فصعدت إليهم، فإذا معهم فتى أبيض حسن الوجه، وقد علاه اصفرار، وبدنه ناحل، وهم يمسكونه. قال: فسألتهم عنه، فقالوا: هذا قيس الذي يقال له المجنون، خرج به أبوه لما بلي به، يستجير له ببيت

стр. 390

الله الحرام، وقبر محمد، ﵊، فلعل الله يعافيه. قلت لهم: فما بالكم تمسكونه؟ قالوا: نخاف أن يجني على نفسه جناية تتلفه، قال: وهو يقول: دعوني أتنسم صبا نجد. فقال لي بعضهم: ليس يعرفك، فلو شئت دنوت منه، فأخبرته أنك قدمت من نجد وأخبرته عنها، قلت: نعم، أفعل، فدنوت منه. فقالوا له: يا قيس، هذا رجل قدم من نجد. قال: فتنفس حتى ظننت أن كبده قد تصدعت، ثم جعل يسائلني عن موضع فموضع وواد فواد، وأنا أخبره وهو يبكي، ثم أنشأ يقول: ألا حَبذَا نَجدٌ وَطيبُ تُرَابِهِ ... وَأرْوَاحِهِ إنْ كانَ نجدٌ على العَهدِ ألا لَيتَ شِعرِي! هل عُوَارَضَتي قَنَا ... بطُولِ اللّيالي قَدْ تَغَيَّرَتَا بَعدي وَعَنْ جارَتَينَا بالنَّثِيلِ إلى الحِمَى، ... على عَهدنا أم لم تَدومَا على العَهدِ وَعَن عَلَوِيّاتِ الرِّيَاحِ إذا جَرَتْ ... برِيحِ الخُزَامَى هل تَهُبُّ على نجدِ وَعَنْ أُقحُوانِ الرَّملِ مَا هُوَ صَانعٌ ... إذا هُوَ أثرَى لَيلَةً بثَرىً جَعْدِ ظبية بشاة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، أخبرنا محمد بن خلف، أخبرني أبو بكر العامري عن عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني عن أبي بكر الوالبي قال: ذكروا أن المجنون برجلين قد صادا عنزاً من الظباء فلما نظر إليها دمعت عيناه وقال: يا هذان! خلياها، فأبيا عليه. فقال: لكما مكانها
следующие страницы →