← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5916–5943 · переход к 5921.

стр. 5916

الوسيلة"، قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: "علي وفاطمة والحسن والحسين", لكن قال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه حديث غريب منكر من هذا الوجه. وعند ابن أبي حاتم من حديث عليٍّ أيضًا: أنَّه قال على منبر الكوفة: أيها الناس, إنَّ في الجنة لؤلؤتين, إحداهما بيضاء, والأخرى صفراء، فأمَّا البيضاء فإنها إلى بطنان العرش, والمقام المحمود من الؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسِرَّتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك، هي لإبراهيم ﵇ وأهل بيته. وهي أثر غريب كما نبَّه عليه الحافظ بن كثير أيضًا. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

стр. 5917

[الضحى: ٥] قال: أعطاه في الجنة ألف قصر, وفي كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والدم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، ومثل هذا لا يقال إلّا عن توقيف، فهو في حكم المرفوع.

стр. 5918

خاتمة: عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليَّ من نفسي، إنك لأحبك إليَّ من أهلي، وإنك لأحبَّ إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك, وإذا ذكرت موتي

стр. 5919

وموتك, عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يردّ عليه النبي ﷺ شيئًا، حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] رواه أبو نعيم عن عائشة، وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: لا أعلم بإسناد هذا

стр. 5920

الحديث بأسًا. كذا نقله ابن القيم في "حادي الأرواح". وذكره البغوي في "معالم التنزيل" بلفظ: نزلت -يعني: الآية- في ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وكان شديد الحبِّ لرسول الله ﷺ ، قليل الصبر عنه, فأتاه ذات يوم، وقد تغيِّر لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما غَيِّرَ لونك"؟ فقال: يا رسول الله، ما بي وجع ولا مرض، غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة, فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا. فنزلت هذه الآية.

стр. 5921

وكذا ذكره ابن ظفر في "ينبوع الحياة", لكن قال: إن الرجل هو عبد الله بن زيد الأنصاري, الذي رأى الأذان. وليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم في الجنة؛ بحيث يتمكَّن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية.

стр. 5922

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله, متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟ " قال: لا شيء, إلّا أني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ : "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر, وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم.

стр. 5923

وفي الحديث الإلهي الذي رواه حذيفة -كما عند الطبراني بسند غريب- أنه تعالى قال: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" الحديث. وفيه من الزيادة على حديث البخاري: ويكون

стр. 5924

من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة". فلله درها من كرامة بالغة، ونعمة على المحبين سابغة، فالمحب يرقى في درجات الجنات على أهل المقامات؛ بحيث ينظر إليه كما ينظر إلى الكوكب الغابر في أفق السماوات؛ لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه، ومعيته معه، وإن المرء

стр. 5925

مع مَنْ أحب، ولكلِّ عملٍ جزاء، وجزاء المحبَّةِ المحبّةُ والوصول والقرب من المحبوب. رؤيت امرأة مسرفة على نفسها بعد موتها فقيل لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لها, فقيل لها: بماذا؟ قالت: بمحبتي لرسول الله ﷺ وشهوتي النظر إليه، نوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحي أن نذله بعتابنا، بل نجمع بينه وبين من يحبه. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] وإن طوبى اسم شجرة في الجنة, غرسها الله بيده، وتنبت الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء

стр. 5926

سور الجنة، وإن أصلها في دار النبي ﷺ ، وفي دار كل مؤمن منها غصن، فما من جنة من الجنات إلّا وفيها من شجرة طوبى؛ ليكون سر كل نعيم، ونصيب كل ولي من سرّه ﷺ ، وأنه ﷺ ملأ الجنة، فلا ولي يتنعَّم في جنته إلّا والرسول متنعِّم بتنعمه؛ لأن الوليّ ما وصل إلى ما وصل إليه من النعيم إلا باتباعه لنبيه ﷺ ، فلهذا كان سر النبوة قائمًا به في تنعمه, وكذلك إبليس ملأ النار، فلا عذاب لأحد من أهلها إلّا وإبليس -لعنه الله- سر تعذيبه, ومشارك له فيه. وفي "البحر" لأبي حيان عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] قيل: هي عين في دار رسول الله ﷺ تفجر إلى

стр. 5927

دور الأنبياء والمؤمنين. وإذا علمت هذا، فاعلم أنَّ أعظم نعيم الجنة وأكمله التمتع بالنظر إلى وجه الرب ﵎، ورسوله ﷺ ، وقرة العين بالقرب من الله ورسوله, مع الفوز بكرامة الرضوان التي هي أكبر من الجنان وما فيها، كما قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

стр. 5928

ولا ريب أنَّ الأمر أجلَّ مما يخطر ببال أو يدور في خيال، ولا سيما عند فوز المحبين في روضة الأنس وحظيرة القدس بمعية محبوبهم, الذي هو غاية مطلوبهم, فأيّ نعيم وأيّ لذة وأيّ قرة عين وأيّ فوز يداني تلك المعية ولذاتها، وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية الله ورسوله نعيم، فلا شيء والله أجلَّ ولا أكمل ولا أجمل ولا أجلى ولا أحلى ولا أعلى ولا أغلى من حضرة يجمتع فيها المحبّ بأحبابه في مشهد مشاهد الإكرام؛ حيث يتجلَّى لهم حبيبهم ومعبودهم الإله الحق ﷻ خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف، فينفقه عليهم نور يسري في ذواتهم, فيبهتون من جمال الله، وتشرق ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس، بحضرة الرسول الأرأس، ويقول لهم الحق ﷻ : سلام عليكم عبادي، ومرحبًا بكم أهل ودادي، أنتم المؤمنون الآمنون، لا خوف عليكم

стр. 5929

اليوم ولا أنتم تحزنون, أنتم أوليائي وجيراني وأحبابي, إني أنا الله الجواد الغني، وهذه داري قد أسكنتموها، وجنتي قد أبحتكموها، وهذه يدي مبسوطة ممتدة عليكم، وأنا ربكم أنظر إليكم، لا أصرف نظري عنكم، أنا لكم جليس وأنيس، فارفعوا إليّ حوائجكم, فيقولون: ربنا حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم, والرضى عنا, فيقول لهم ﷻ : هذا وجهي فانظروا إليه, وأبشروا فإني عنكم راضٍ, ثم يرفع الحجاب ويتجلَّى لهم, فيخرون سجَّدًا, فيقول لهم: ارفعوا رءوسكم, فليس هذا موضع سجود يا عبادي، ما دعوتكم إلّا لتتمتعوا بمشاهدتي، يا عبادي قد رضيت عنكم, فلا أسخط عليكم أبدًا.

стр. 5930

فما أحلاها من كلمة، وما ألذَّها من بشرى، فعندها يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن, وأحَلَّنا دار المقامة من فضله, لا يمسنا نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إنَّ ربنا لغفور شكور،

стр. 5931

وهذا يدل على أن جميع العبادات تزول في الجنة إلّا عبادة الشكر والحمد والتسبيح والتهليل، والذي يدل عليه الحديث الصحيح، إنهم يلهمون ذلك كإلهام النفس، كما في مسلم من حديث جابر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ويأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتمخَّطون ولا يبولون, ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحًا

стр. 5932

كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس" يعني: إن تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس، فليس عن تكليف وإلزام، وإنما هو عن تيسير وإلهام، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا بُدَّ له منه ولا كلفة ولا مشقة في فعله، وكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة. وسر ذلك أن قلوبهم قد تنوّرت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبَّته ومخاللته, فألسنتهم ملازمة لذكره، وقد أخبر الله تعالى عن شأنهم في ذلك بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقوله تعالى:

стр. 5933

﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ، وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 5934

قال مؤلفه وجامعه أحمد بن الخطيب القسطلاني -عامله الله بما يليق بكرمه: فهذا آخر ما جرى به قلم المدد، من هذه المواهب اللدنية, وسطرته يد الفيض من المنح المحمدية، وذلك وإن كثر لقليل في جنب شرفه الشامخ، ويسير مما أكرمه الله به من فضله الراسخ, ولو تتبعنا ما منحه الله به من مواهبه، وشرف به من مناقبه، لما وسعت بعض بعضه الدفاتر، وكانت دون مرماه الأقلام

стр. 5935

وجفت المحابر، وضاقت عن جمعة الكتب، وعجزت عن حمله النجب. وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف وإلى الله أضرع أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم, مخلصًا من شوائب الرياء ودواعي التعظيم، وأن ينفعني به والمسلمين والمسلمات, في المحيا وبعد الممات، سائلًا من وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته، وجبل على الإنصاف سريرته، أن يصلح بحلمه عثاري وزللي، ويسد بسداد فضله خطئي.

стр. 5936

وخللي، فالكريم يقيل العثار، ويقبل الاعتذار، خصوصًا عذر مثلي، مع قصر باعه في هذه الصناعة، وكساد سوقه بما لديه من مزجاة البضاعة، وما ابتلي به من شواغل الدنيا الدنية، والعوارض البدنية، وتحمّله من الأثقال التي لو حملها رضوى لتضعضع, أو أنزلت على ثبير لخشع وتصدّع، لكنني أخذت غفلة الظلام الغاسق،

стр. 5937

والليل الواسق، فسرقته من أيدي العوائق، والليل يعين السارق، واستفتحت مغالق المعاني بمفاتيح فتح الباري، واستخرجت من مطالب كنوز العلوم نفائس الدراري، حامدًا الله تعالى على ما أنعم وألهم وعلّم ما لم أكن أعلم, مصليًا مسلمًا على رسوله محمد أشرف أنبيائه، وأفضل مبلغ لأنبائه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه

стр. 5938

وخلفائه صلاةً لا ينقطع مددها، ولا يفنى أمدها. والله أسأل أن ينفع به جيلًا بعد جيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل, وأستودع الله تعالى نفسي وديني وخواتيم عملي، وما أنعم به عليَّ ربي، وهذا الكتاب، وأن

стр. 5939

ينفعني به والمسلمين، وأن يردني وأحبابي إلى الحرمين الشريفين على أحسن وجه وأتمه، وأن يرزقني الإقامة بهما في عافية بلا محنة، وأن يطيل عمري في طاعته، ويلبسني أثواب عافيته، ويجمع لي وللمسلمين بين خيري الدنيا والآخرة، ويصرف عني سوءهما، ويجعل وفاتي ببلد رسوله، ويمنحنا من المدد المحمدي بما منحه

стр. 5940

عباده الصالحين مع رضوانه، ويمتِّعنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم, من غير عذاب يسبق، فإنه سبحانه إذا استودع شيئًا حفظه، والحمد لله وحده, وصلى الله على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5941

قال مؤلفه ﵀: وقد انتهت كتابة النسخة المنقول منها النسخة المباركة النافعة -إن شاء الله تعالى- في خامس عشر شعبان المكرم, سنة تسع وتسعين وثمانمائة, وكان الابتداء في المسوّدة المذكورة ثاني يوم قدومي من مكة المشرفة،

стр. 5942

صحبة الحاج في شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم. آمين. بعونه تعالى تَمَّ الكتاب.

стр. 5943

الفهرس: * النوع السابع من عبادتاته ﵊ في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته ٣ * المقصد العاشر: الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه ٧٠ * الفصل الثاني: في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ١٧٧ * الفصل الثالث: في أمور الآخرة ٢٦٤ * خاتمة ٤١٥