Полный текст (555 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وبُلَهْنِيَةِ أهلِها المُخصِبينَ. فاقتَعَدْتُ مَهْرِيّاً. واعْتقلْتُ سمْهَرياً. وسِرْتُ تلفِظُني أرضٌ الى أرضٍ. ويجذِبُني رفْعٌ منْ خفْضٍ. حتى بلغْتُها نِقْضاً على نِقضٍ. فلمّا أنخْتُ بمغْناها الخصيبِ. وضربْتُ في مرْعاها بنَصيبٍ. نوَيْتُ أن أُلْقيَ بها جِراني. وأتّخذَ أهلَها جيراني. الى أنْ تحْيا السّنَةُ الجَمادُ. وتتعهّدُ أرضَ قوْمي العِهادُ. فواللهِ ما تمَضْمَضَتْ مُقلَتي بنوْمِها. ولا تمخّضَتْ ليْلَتي عن يومِها. دونَ أن ألفَيْتُ أبا زيدٍ السَّروجيَّ يجولُ في أرجاء نَصيبينَ. ويخبِطُ بها خبْطَ المُصابينَ والمُصيبينَ. وهوَ ينثُرُ منْ فيهِ الدُرَرَ. ويحتلِبُ بكفّيْهِ الدِّرَرَ. فوجدْتُ بها جِهاديَ قد حازَ
стр. 177
مَغنَماً. وقِدْحيَ الفَذّ قد صار توْأماً. ولم أزلْ أتْبَعُ ظِلّهُ أينَما انبَعَث. وألتَقِطُ لفظَهُ كلّما نفثَ. الى أنْ عراهُ مرضٌ امتدّ مَداهُ. وعرَقَتْهُ مُداهُ. حتى كادَ يسلُبُه ثوبَ المَحْيا. ويسلّمُهُ الى أبي يَحْيى. فوجدْتُ لفَوْتِ لُقياهُ. وانقِطاعِ سُقْياهُ. ما يجدُهُ المُبعَدُ عن مرامِهِ. والمُرضَعُ عندَ فِطامِهِ. ثمّ أرْجِفَ بأنّ رهْنَهُ قد غلِقَ. ومِخْلَبَ الحِمامِ بهِ قد علِقَ. فقَلِقَ صحْبُهُ لإرْجافِ المُرْجِفينَ. وانثالوا الى عَقوَتِهِ مُوجِفينَ:
حَيارى يميدُ بهمْ شَجْوُهُمْ ... كأنّهمُ ارتَضعوا الخندَريسا
стр. 178
أسالوا الغُروبَ وعطّوا الجُيوبَ ... وصكّوا الخدودَ وشجّوا الرّؤوسا
يودونَ لوْ سالمَتْهُ المَنونُ ... وغالَتْ نفائِسَهُمْ والنّفوسا
قال الرّاوي: وكنتُ في مَنِ التفّ بأصْحابِه. وأغذّ الى بابِه. فلمّا انتهيْنا الى فِنائِه. وتصدّينا لاستِنْشاء أنْبائِهِ. برزَ إليْنا فتاهُ. مُفترّةً شفتَاهُ. فاستَطْلَعناهُ طِلْعَ الشيخِ في شَكاتِهِ. وكُنْهَ قُوى حرَكاتِهِ. فقال: قدْ كان في قبْضَةِ المرْضَةِ. وعرْكَةِ الوعْكَةِ. الى أنْ شفّهُ الدّنَفُ. واستشفّهُ التّلَفُ. ثمّ منّ اللهُ تَعالى بتقويةِ ذمائِهِ. فأفاقَ منْ إغمائِهِ. فارْجِعوا أدراجَكُمْ. وانْضوا انزِعاجَكُمْ. فكأنْ قد غَدا وراحَ. وساقاكُمُ الرّاحَ. فأعْظَمْنا
стр. 179
بُشْراهُ. واقترَحْنا أنْ نَراهُ. فدخَلَ مؤذِناً بِنا. ثمّ خرَج آذِناً لنا. فلَقينا منْهُ لَقًى. ولِساناً طلْقاً. وجلسْنا مُحدِقين بسَريرِهِ. محدّقينَ الى أساريرِه. فقلّبَ طرْفَهُ في الجَماعةِ. ثمّ قال: اجْتَلوها بنتَ السّاعةِ. وأنشَد:
عافانيَ اللهُ وشُكْراً لهُ ... منْ عِلّة كادتْ تُعَفّيني
ومنّ بالبُرْء على أنّهُ ... لا بُدّ منْ حتْفٍ سيَبْريني
ما يتَناساني ولكنّهُ ... الى تقضّي الأُكْلِ يُنْسيني
إنْ حُمّ لمْ يُغْنِ حَميمٌ ولا ... حمَى كُلَيْبٍ منْهُ يحْميني
وم أُبالي أدَنا يومُهُ ... أم أُخّرَ الحَينُ الى حينِ
فأيُّ فخْرٍ في حَياةٍ أرى ... فيها البَلايا ثمّ تُبْليني
стр. 180
قال: فدعَوْنا لهُ بامتِدادِ الأجلِ. وارتِدادِ الوجَلِ. ثمّ تداعَيْنا الى القِيامِ. لاتّقاءِ الإبْرامِ. فقالَ: كلاّ بلِ البَثوا بَياضَ يومِكُمْ عِندي. لتَشْفوا بالمَفاكَهَةِ وجْدي. فإنّ مُناجاتَكُمْ قوتُ نفْسي. ومَغْناطيسُ أُنسي. فتحرّيْنا مرْضاتَهُ. وتحامَيْنا مُعاصاتَهُ. وأقبَلْنا على الحَديثِ نمْخُضُ زُبْدَهُ. ونُلْغي زبَدَه. الى أنْ حانَ وقتُ المَقيلِ. وكلّتِ الألسُنُ منَ القالِ والقيلِ. وكان يوْماً حاميَ الوَديقَةِ. يانِعَ الحَديقَةِ. فقال: إنّ النّعاسَ قدْ أمالَ الأعْناقَ. وراودَ الآماقَ. وهو خصْمٌ ألَدُّ. وخِطْبٌ لا يُرَدُّ. فصِلوا حبْلَهُ بالقَيْلولَةِ. واقْتَدوا فيهِ بالآثارِ المنقولةِ. قال الرّاوي: فاتّبعْنا ما قالَ. وقِلْنا وقالَ. فضربَ اللهُ على الآذانِ. وأفرَغَ السِّنَةَ في الأجْفانِ. حى خرَجْنا منْ حُكْمِ الوجودِ. وصُرِفْنا
стр. 181
بالهُجودِ. عنِ السّجودِ. فما استيْقَظْنا إلا والحرُّ قدْ باخَ. واليومُ قد شاخَ. فتكرّعْنا لصَلاةِ العَجْماوَينِ. وأدّيْنا ما حَلّ منَ الدّينِ. ثمّ تحثْحَثْنا للارْتِحالِ. الى مُلْقى الرِّحالِ. فالتَفَتَ أبو زيدٍ الى شِبلِهِ. وكان على شاكِلَتِه وشكْلِهِ. وقال: إني لإخالُ أبا عَمْرَةَ. قد أضْرَمَ في أحشائِهِم الجَمرَةَ. فاسْتَدْعِ أبا جامِعٍ. فإنّهُ بُشرى كُلّ جائِعٍ. وأردِفْهُ بأبي نُعَيمٍ. الصّابِرِ على كلّ ضيْمٍ. ثمّ عزّزْ بأبي حَبيبٍ. المُحبَّبِ الى كلّ لَبيبٍ. المقَلَّبِ بينَ إحْراقٍ وتعْذيبٍ. وأهِّبْ بأبي ثَقيفٍ. فحبّذا هوَ منْ أليفٍ. وهلْمُمْ بأبي عوْنٍ. فما مثلُهُ منْ عوْنٍ. ولوِ استحْضَرْتَ أبا جميلٍ. لجَمّلَ أيّ تجْميلٍ. وحَيَّ هلَ بأمّ القِرَى. المذَكِّرةِ بكِسْرى. ولا تتناسَ أمّ جابِرٍ. فكمْ لها منْ ذاكِرٍ. ونادِ
стр. 182
أمّ الفرَجِ. ثمّ افتِكْ بها ولا حرَجَ. واختِمْ بأبي رَزينٍ. فهُو مسْلاةُ كلّ حزينٍ. وإنْ تقْرُنْ بهِ أبا العَلاء. تمْحُ اسمَكَ من البُخَلاء. وإيّاكَ واستِدْناءَ المُرْجفَينِ. قبلَ استِقلالِ حُمولِ البَينِ. وإذا نزَعَ القوْمُ عنِ المِراسِ. وصافَحوا أبا إياسٍ. فأطِفْ علَيْهِمْ أبا السَّرْوِ. فإنّهُ عُنْوانُ السّرْوِ. قال: ففَقِهَ ابنُهُ لَطائِفَ رُموزِهِ. بلَطافَةِ تمْييزِهِ. فطافَ عليْنا بالطّيّباتِ والطِّيبِ. الى أنْ آذَنَتْ الشّمسُ بالمَغيبِ. فلمّا أجْمَعْنا على التّوديعِ. قُلْنا لهُ: ألمْ ترَ الى هذا اليومِ البديعِ؟ كيفَ بَدا صُبحُهُ قمْطَريراً. ومُسْيُهُ مُستَنيراً؟ فسجَدَ حتى أطالَ. ثمّ رفَعَ رأسَهُ وقالَ:
لا تيْأسَنْ عندَ النُّوَبْ ... منْ فرْجَةٍ تجلو الكُرَبْ
فلكَمْ سَمومٍ هبّ ث ... مّ جرَى نسيمً وانقَلَبْ
стр. 183
وسَحابِ مكْروهٍ تن ... شّا فاضْمَحَلّ وما سكَبْ
ودُخانِ خطْبٍ خِيفَ منْ ... هُ فما استَبانَ لهُ لهَبْ
ولَطالَما طلَعَ الأسى ... وعلى تَفيئَتِه غرَبْ
فاصْبِرْ إذا ما نابَ روْ ... عٌ فالزّمانُ أبو العجَبْ
وترَجّ منْ رَوْحِ الإل ... هِ لَطائِفاً لا تُحْتَسَبْ
قال: فاستَمْلَيْنا منْهُ أبياتَهُ الغُرّ. وواليْنا للهِ تَعالى الشُكْرَ. وودّعْناهُ مسرورينَ ببُرْئِهِ. مَغْمورينَ ببِرّهِ.
تفسير ألفاظ ما تضمنته هذه المقامة من كلمات لغوية وكنى طفيلية وكنايات صوفية
قوله (ذات العويم) يعني به الزمان المتقادم. ومثله ذات الزمين و (السمهربة) الرماح وفي تسميتها بذلك قولان. أحدهما أنها سميت لصلابتها من قولهم اسمهرّ الشيء إذا اشتد وقيل أنها منسوبة إلى سمهر زوج رديئة وكانا جميعاً يقومان الرماح بسوق هجر فنسبت إليهما وقوله (نقضاً على نقضٍ) أي مهزولاً على مهزول. و (الجران) باطن العتق وقيل منه يعمل السياط وقوله (فضرب الله على الآذان) أي أيامنا ومنه قوله فضربنا على آذانهم في الكهف أي أعماهم وقيل في تفسيره منعناهم وقوله (تكرما لصلاة العجماوين) أي غسلنا أكارعنا عن الوضوء. والعجماوان صلاتا الظهر والعصر سميتا بذلك لإسرار القراءة فيهما. وقوله (هلمم) أي قل هلمّ وهي تأتي بمعنى هات وبمعنى أقبل والأفصح أن يوجد
стр. 184
لفظها مع المذكر والمؤنث والاثنين والجمع وبه نطق القرآن في قوله تعالى والقائلين لإخوانهن هلمّ إلينا. ومن العرب من يقول للمذكر الواحد هلمّ وللاصنين هلماً وللجبمع هلموا. والمؤنث الواحدة هلمي وللاثنين هلما وللجمع هلما وللجمع هلممن وقوله (حي هل) أي عجّل وأسرع يقال حيّ هل بفلان بتسكين اللام وفتحها وتنوينها وبإثبات النون معها ومنه قول ابن مسعود في عمر ﵁ إذا ذكر الصالحون فحيّ هلاً بعمر. وفي حيّ هل لغات أخر أضربنا عن ذكرها إذ ليس هذا موضع استيفاء شرحها. فهذا تفسير الألفاظ اللغوية. وأما تفسير الكني الطفيلية والكنايات الصوفية (فأبو يحيى) كنية الموت و (أبو عمرة) كنية الجوع ويكنى أيضاً أبا مالك و (أبو جامع) والخوان و (أبو نعيم) الخبز الحواري و (أبو حبيب) الجدي (وأبو ثقيف) الخل و (أبو عون) الملح و (أبو جميل) البقل و (أم القرى) السكباج و (أم جابر) الهريسة و (أم الفرج) الجوذات و (أبو رزين) الخبيص و (أبو العلاء) ال فالوذق (كذا في الأصل) و (أبو إياس) الغسول و (المرجفان) الطست والإبريق و (أبو السرو) البخور
المقامة الفارقيّة
حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: يمّمْتُ ميّافَارِقينَ. معَ رُفقةٍ مُوافِقينَ. لا يُمارونَ في المُناجاةِ. ولا يدْرونَ ما طعْمُ المُداجاةِ. فكُنتُ بهِمْ كمَنْ لمْ يرِمْ عنْ وَجارِهِ. ولا ظعَنَ عنْ أليفِهِ وجارِهِ. فلمّا أنخْنا بها مطايا التّسْيارِ. وانتقلْنا عنِ الأكوارِ. الى
стр. 185
الأوْكارِ. تواصَيْنا بتَذْكارِ الصُحْبَةِ. وتناهَيْنا عنِ التّقاطُعِ في الغُربَةِ. واتّخذْنا نادِياً نعتَمِرُهُ طرَفَي النهارِ. ونتَهادَى فيهِ طُرَفَ الأخْبارِ. فبَينَما نحنُ بهِ في بعضِ الأيامِ. وقد انتظَمْنا في سِلكِ الالتِئامِ. وقفَ علَيْنا ذو مِقْوَلٍ جريّ. وجرْسٍ جهْوَريّ. فحَيّا تحيّةَ نفّاثٍ في العُقَدِ. قنّاصٍ للأسَدِ. والنّقَدِ. ثمّ قال:
عِنديَ يا قومُ حديثٌ عَجيبْ ... فيهِ اعْتِبارٌ للّبيبِ الأريبْ
رأيتُ في رَيْعانِ عُمْري أخا ... بأسٍ لهُ حدُّ الحُسامِ القَضيبْ
يُقْدِمُ في المَعْرَكِ إقْدامَ منْ ... يوقِنُ بالفَتْكِ ولا يسْتَريبْ
فيُفْرِجُ الضّيقَ بكَرّاتِه ... حتى يُرى ما كان ضَنْكاً رَحيبْ
ما بارَزَ الأقْرانَ إلا انْثَنى ... عنْ موقِفِ الطّعْنِ برُمحٍ خضيبْ
стр. 186
ولا سَما يفتَحُ مُستَصْعِباً ... مُستَغْلِقَ البابِ مَنيعاً مَهيبْ
إلا ونودِي حينَ يسْمو لهُ ... نصْرٌ منَ اللهِ وفتْحٌ قَريبْ
هذا وكمْ من ليلَةٍ باتَها ... يَميسُ في بُرْدِ الشّبابِ القَشيبْ
يرتَشِفُ الغِيدَ ويرشُفْنَهُ ... وهْوَ لدى الكُلّ المُفَدّى الحبيبْ
فلم يزَلْ يبتَزّهُ دهرُهُ ... ما فيهِ منْ بطْشٍ وعودٍ صَليبْ
حتى أصارَتْهُ اللّيالي لَقًى ... يَعافُهُ منْ كان منهُ قَريبْ
قد أعجزَ الرّاقيَ تحْليلُ ما ... بهِ منَ الدّاء وأعْيا الطّبيبْ
وصارَمَ البيضَ وصارَمْنَهُ ... من بعدِ ما كانَ المُجابَ المُجيبْ
وآضَ كالمنْكوسِ في خَلْقِهِ ... ومَنْ يَعِشْ يَلقَ دواهي المَشيبْ
وها هُوَ اليومَ مُسَجّى فمَنْ ... يرْغَبُ في تكْفينِ ميْتٍ غَريبْ
ثمّ إنهُ أعلنَ بالنّحيبِ. وبكى بُكاءَ المُحبّ على الحَبيبِ. ولما رقأتْ دمعَتُهُ. وانْفثأتْ لوْعَتُهُ. قال: يا نُجعَةَ الرّوادِ. وقُدوَةَ الأجْوادِ.
стр. 187
واللهِ ما نطَقْتُ ببُهْتانٍ. ولا أخبَرْتُكُمْ إلا عنْ عِيانٍ. ولوْ كان في عَصايَ سيْرٌ. ولغَيمي مُطَيْرٌ. لاستأثرْتُ بما دعَوْتُكُمْ إليْهِ. ولما وقْفتُ موقِفَ الدّالّ علَيْهِ. ولكنْ كيفَ الطّيرانُ بلا جَناحٍ. وهلْ على منْ لا يجِدُ منْ جُناحٍ؟ قال الرّاوي: فطفِقَ القومُ يأتَمِرونَ. في ما يأمُرونَ. ويتخافَتونَ. في ما يأتُونَ. فتوهّمَ أنهُم يتمالَؤون على صَرْفِهِ بحِرْمانٍ. أو مُطالَبَتِه ببُرْهانٍ. ففرطَ منهُ أنْ قال: يا يلامِعَ القاعِ. ويَرامِعَ البِقاعِ. ما هذا الارْتِياء. الذي يأباهُ الحَياء؟ حتى كأنّكُمْ كُلّفْتُمْ مشَقّةً. لا شُقّةً. أوِ استُوهِبتُمْ بلدَةً. لا بُرْدَةً. أو هُزِزْتُمْ لكِسوَةِ البيْتِ. لا لتَكْفينِ الميْتِ؟ أُفٍّ لمَنْ لا تَنْدى صَفاتُهُ. ولا ترْشَحُ حَصاتُهُ! فلمّا بصُرَتِ الجَماعَةُ بذِلاقَتِهِ.
стр. 188
ومرارَةِ مَذاقَتِهِ. رفأهُ كُلٌ منْهُمْ بنَيْلِهِ. واحتَمَلَ طلَّهُ خوْفَ سيْلِهِ. قال الحارثُ بنُ همّام: وكان هذا السّائلُ واقِفاً خلْفي. ومُحتَجِباً بظهْري عنْ طرْفي. فلمّا أرْضاهُ القومُ بسَيْبِهِمْ. وحقّ عليّ التّأسّي بهِمْ. خلَجْتُ خاتَمي من خِنصِري. ولفتّ إليهِ بصَري. فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيُّ بِلا فِريَةٍ. ولا مِرْيَةٍ. فأيقَنْتُ أنّها أُكذوبَةٌ تكذَّبَها. وأُحبولَةٌ نصبَها. إلا أنّني طويْتُهُ على غَرّهِ. وصُنْتُ شَغاهُ عنْ فرّهِ. فحَصَبْتُهُ بالخاتَمِ. وقلتُ: أرصِدْهُ لنفَقَةِ المأتَمِ. فقال: واهاً لكَ. فما أضْرَمَ شُعْلَتَك. وأكْرَمَ فَعْلتَكَ! ثمّ انطلَقَ يسْعى قُدْماً. ويهرْوِلُ هرْولَتهُ قِدْماً. فنزَعْتُ الى عِرْفانِ
стр. 189
ميّتِه. وامتِحانِ دعْوى حميّتِهِ. فقرَعْتُ ظُنْبوبي. وألْهبْتُ أُلْهوبي. حتى أدركْتُه على غَلوَةٍ. واجتَلَيْتُهُ في خَلوَةٍ. فأخَذْتُ بجُمْعِ أرْدانِه. وعُقْتُهُ عن سُنَنِ ميْدانِهِ. وقلتُ لهُ: واللهِ ما لك منّي ملْجأٌ ولا منْجًى. أو تُريني ميّتَكَ المُسَجّى! فكشفَ عنْ سراويلِه. وأشار الى غُرْمولِهِ. فقلتُ لهُ: قاتلَكَ اللهُ فما ألْعبَكَ بالنُهى. وأحيَلَكَ على اللُّهَى! ثمّ عُدْتُ الى أصحابي عوْدَ الرّائِدِ الذي لا يكذِبُ أهلَهُ. ولا يُبَرقِشُ قولَهُ. فأخبَرْتُهُمْ بالذي رأيتُ. وما ورّيتُ ولا رأيتُ. فقَهْقهوا منْ كَيْتَ وكَيْتَ. ولعَنوا ذلِكَ المَيْتَ.
المقامة الرّازيّة
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عُنيتُ مذْ أحْكَمتُ تَدبيري.
стр. 190
وعرَفْتُ قَبيلي منْ دَبيري. بأنْ أُصْغيَ الى العِظاتِ. وأُلْغيَ الكَلِمَ المُحْفِظاتِ. لأتحلّى بمَحاسِنِ الأخْلاقِ. وأتخلّى ممّا يَسِمُ بالإخْلاقِ. وما زِلتُ آخُذُ نفْسي بهذا الأدَبِ. وأُخْمِدُ بهِ جمْرَةَ الغضَبِ. حتى صارَ التطبُّعُ فيهِ طِباعاً. والتكلّفُ لهُ هوًى مُطاعاً. فلمّا حللْتُ بالرَّيّ. وقد حللْتُ حِبى الغَيّ. وعرَفْتُ الحَيَّ منَ اللّيّ. رأيتُ به ذاتَ بُكرةٍ. زُمرةً في إثْرِ زُمرَةٍ. وهمْ مُنتَشِرونَ انتِشارَ الجرادِ. ومُستَنّونَ استِنانَ الجِيادِ. ومتواصِفونَ واعِظاً يقصِدونَهُ. ويُحِلّون ابنَ سَمْعونَ دونَهُ. فلمْ يتكاءدْني لاستِماعِ المَواعِظِ. واختِبارِ الواعِظِ. أنْ أُقاسيَ اللاّغِطَ.
стр. 191
وأحتمِلَ الضّاغِطَ. فأصْحبْتُ إصْحابَ المِطْواعَةِ. وانخرطْتُ في سِلْكِ الجَماعَةِ. حتى أفضيْنا الى نادٍ حشَد النّبيهَ والمغْمورَ. وفي وسَطِ هالَتِهِ. ووسْطِ أهِلّتِهِ. شيخٌ قد تقوّس واقْعَنْسَسَ. وتقلْنَسَ وتطلّسَ. وهوَ يصدَعُ بوعْظٍ يشْفي الصّدورَ. ويُلينُ الصّخورَ. فسمِعْتُهُ يقولُ. وقدِ افتَتَنَتْ بهِ العُقولُ: إبنَ آدمَ ما أغْراكَ بما يغُرُّك. وأضْراكَ بما يضُرُّك! وألْهجكَ بما يُطْغيكَ. وأبهجَكَ بمنْ يُطريكَ! تُعْنى بما يُعَنّيكَ. وتهمِلُ ما يعْنيكَ. وتنزِعُ في قوْسِ تعدّيكَ. وترْتَدي الحِرْصَ الذي يُرْديكَ! لا بالكَفافِ
стр. 192
تقْتَنِعُ. ولا منَ الحَرامِ تمْتَنِعُ. ولا للعِظاتِ تستَمِعُ. ولا بالوَعيدِ ترْتَدِعُ! دأبُكَ أنْ تتقلّبَ معَ الأهْواء. وتخبِطَ خبْطَ العَشْواء! وهمُّكَ أن تدأبَ في الاحتِراثِ. وتجْمَعَ التُراثَ للوُرّاثِ! يُعجِبُك التّكاثُرُ بما لدَيكَ. ولا تذكُرُ ما بينَ يدَيْكَ. وتسعى أبداً لغارَيْكَ. ولا تُبالي ألَكَ أمْ علَيكَ! أتظُنّ أنْ ستُترَكُ سُدًى. وأن لا تُحاسَبَ غداً؟ أم تحْسَبُ أنّ الموتَ يقبَلُ الرُّشَى. أو يُميّزُ بين الأسدِ والرّشا؟ كلاّ واللهِ لنْ يدفَعَ المَنونَ. مالٌ ولا بَنونَ! ولا ينفَعُ أهلَ القُبورِ. سِوى العمَلِ المبْرورِ! فطوبى لمَنْ سِمعَ ووَعى. وحقّقَ ما ادّعى! ونهى النّفْسَ عنِ الهوَى. وعلِمَ أنّ الفائِزَ منِ ارْعَوى! وأنْ ليسَ للإنسانِ إلا ما سَعى. وأنّ سعيَهُ سوفَ
стр. 193
يُرى. ثمّ أنشدَ إنْشادَ وجِلٍ. بصوتٍ زجِلٍ:
لعَمرُكَ ما تُغني المَغاني ولا الغِنى ... إذا سكنَ المُثري الثّرَى وثوَى بهِ
فجُدْ في مَراضي اللهِ بالمالِ راضِياً ... بما تقْتَني منْ أجرِهِ وثوابِهِ
وبادِرْ بهِ صرْفَ الزّمانِ فإنّهُ ... بمِخلَبِهِ الأشْغى يغولُ ونابِهِ
ولا تأمَنِ الدهْرَ الخؤونَ ومَكرَهُ ... فكمْ خامِلٍ أخْنى عليهِ ونابِهِ
وعاصِ هوى النّفسِ الذي ما أطاعَهُ ... أخو ضِلّةٍ إلا هوى من عِقابِهِ
стр. 194
وحافِظْ على تقْوى الإلهِ وخوفِهِ ... لتنْجوَ مما يُتّقى منْ عِقابِهِ
ولا تلهُ عن تَذكارِ ذنبِكَ وابكِهِ ... بدمعٍ يُضاهي المُزْنَ حالَ مَصابِهِ
ومثّلْ لعينَيْكَ الحِمامَ ووقْعَهُ ... وروْعَةَ مَلْقاهُ ومطْعَمَ صابِهِ
وإنّ قُصارى منزِلِ الحيّ حُفرَةٌ ... سينْزِلُها مُستَنْزَلاً عن قِبابِهِ
فَواهاً لعبْدٍ ساءهُ سوءُ فعلِهِ ... وأبدى التّلافي قبلَ إغلاقِ بابِهِ
قال: فظلّ القوْمُ بينَ عَبْرَةٍ يُذْرونَها. وتوْبَةٍ يُظهِرونَها. حتى
стр. 195
كادَتِ الشمْسُ تَزولُ. والفَريضَةُ تَعولُ. فلمّا خشعَتِ الأصْواتُ. والتأمَ الإنْصاتُ. واستكَنّتِ العبَراتُ. والعِباراتُ. استصرخ مستصرخ بالأمير الحاضر. وجعل يجأر إليه من عامله الجائر. والأمير صاغ إلى خصمه. لاه عن كشف ظلمه. فلما يئس من روحه. استنهض الواعظ لنصحه. فنهض نهضة الشمير. وأنشد معرضاً بالأمير
عجباً لراجٍ أن ينال ولاية ... حتى إذا ما نال بعيته بغى
يسدى ويلحم في المظالم والغاً ... في وردها طوراً وطوراً مولغاً
стр. 196
ما إن يبالي حين يتبع الهوى ... فيها أأصلح دينه أم أوتغا
يا ويحه لو كان يوقن أنه ... ما حاله إلا تحول لما طغى
أو لو تبين ما ندامه من صغا ... سمعاً إلى إفك الوشاة لما صغا
فانقد لمن أضحى الزمان بكفه ... وتغاض إن ألغى الرعاية أو لغا
وارع المرار إذا دعاك لرعيه ... ورد الأجاج إذا حماك السيغا
واحمل أذاه ولو أمضك مسه ... وأسال غرب الدمع منك وأفرغا
فليضحكنك الدهر منه إذا نبا ...
стр. 197
.. عنه وشب لكيده نار الوغى
ولينزلن به الشمات إذا بدا ... متخلياً من شغله متفرقاً
ولتأوين له إذا ما خده ... أضحى على ترب الهوان ممرغا
هذا له ولسوف يوقف موقفاً ... فيه يرى رب الفصاحة ألثغا
وليحشرن أذل من فقع الفلا ... ويحاسبن على النقيصة والشغا
ويؤاخذن بما اجتنى ومن اجتنى ... ويطالبن بما احتسى وبما ارتغى
стр. 198
ويناقشن على الدقائق مثل ما ... قد كان يصنع بالورى بل أبلغا
حتى يعض على الولاية كفه ... ويود لو لم يبغ منها ما بغى
ثم قال أيها المتوشح بالولاية. المترشح للرعاية. دع الإدلال بدولتك. وال اغترار بصولتك. فإن الدولة ريح قلب. والإمرة برق خلب. وإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته. وأشقاهم في الدارين من ساءت رعايته. فلا تك ممن يذر الآخرة ويلغيها. ويحب العاجلة ويبتغيها. ويظلم الرعية ويؤذيها. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها. فوالله ما يغفل الديان. ولا تمهل يا إنسان. ولا تلغى الإساءة ولا الإحسان. بل سيوضع
стр. 199
لك الميزان. وكما تدين تدان. قال فوجم الوالي لما سمع. وامتقع لونه وانتفع. وجعل يتأفف من الإمرة. ويردف الزفرة بالزفرة. ثم عمد إلى الشاكي فأشكاه. وإلى المشكو منه فأشجاه. وألطف الواعظ وحباه. واستدعى منه أن يغشاه. فانقلب عنه المظلوم منصوراً والظالم محصوراً. وبرزَ الواعِظُ يتهادَى بينَ رفقَتِهِ. ويتباهَى بفوْزِ صفْقَتِهِ. واعْتَقَبْتُهُ أخطو مُتَقاصِراً. وأُريهِ لمْحاً باصِراً. فلمّا اسْتَشَفّ ما أُخْفيهِ. وفطِنَ لتقلُّبِ طرْفي فيهِ. قال: خيرُ دَليلَيكَ منْ أرشَدَ. ثمّ اقتربَ مني وأنشدَ:
أنا الذي تعرِفُهُ يا حارِثُ ... حِدْثُ مُلوكٍ فكِهٌ مُنافِثُ
стр. 200
أُطرِبُ ما لا تُطرِبُ المَثالِثُ ... طوْراً أخو جِدّ وطوْراً عابِثُ
ما غيّرَتْني بعْدَكَ الحَوادِثُ ... ولا التَحى عودي خطْبٌ كارِثُ
ولا فَرى حدّيَ نابٌ فارِثٌ ... بلْ مِخلَبي بكُلّ صيْدٍ ضابِثُ
وكلّ سرْحٍ فيهِ ذِئْبي عائِثُ ... حتى كأني للأنامِ وارِثُ
سامُهُمُ وحامُهُمُ ويافِثُ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ: تاللهِ إنّكَ لأبو زيدٍ. ولقدْ قُمتَ للهِ ولا عَمرَو بنَ عُبَيدٍ. فهشّ هَشاشَةَ الكريمِ إذا أُمّ. وقال: اسمَعْ يا ابنَ أُمّ. ثمّ أنشأ يقولُ:
стр. 201
عليْكَ بالصّدْقِ ولوْ أنّهُ ... أحرَقَكَ الصّدقُ بنارِ الوَعيدْ
وابْغِ رِضَى اللهِ فأغْبى الوَرى ... منْ أسخَطَ الموْلَى وأرضى العَبيدْ
ثمّ إنّه ودّعَ أخدانَهُ. وانطلَقَ يسحَبُ أرْدانَهُ. فطلبْناهُ منْ بعْدُ بالرَّيّ. واستَنْشَرْنا خبرَهُ منْ مَدارِجِ الطّيّ. فما فينا مَنْ عرَفَ قرارَهُ. ولا دَرى أيُّ الجَرادِ عارَهُ.
المقامة الفُراتيّة
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أوَيْتُ في بعضِ الفتَراتِ. الى سقْيِ الفُراتِ. فلَقيتُ بها كُتّاباً أبْرَعَ منْ بَني الفُراتِ. وأعْذَبَ أخْلاقاً منَ الماء الفُراتِ. فأطَفْتُ بهِمْ لتهَذُّبِهِمْ. ولا لذَهَبِهِمْ. وكاثَرْتُهُمْ لأدَبِهِم. لا لمآدِبِهمْ. فجالَسْتُ منهُمْ أضْرابَ
стр. 202
قَعْقاعِ بنِ شَوْرٍ. ووصلتْ بهِمْ الى الكَوْرِ. بعدَ الحَوْرِ. حتى إنّهُمْ أشرَكوني في المرْتَعِ والمرْبَعِ. وأحَلّوني محَلّ الأنْمُلَةِ منَ الإصْبَعِ. واتّخذوني ابنَ أُنسِهِمْ عندَ الوِلايَةِ والعَزْلِ. وخازِنَ سِرّهِمْ في الجِدّ والهزْلِ. فاتّفَقَ أنْ نُدِبوا في بعْضِ الأوْقاتِ. لاستِقْراء مَزارِعِ الرُزْداقاتِ. فاخْتاروا منَ الجَواري المُنْشآتِ. جاريةً حالِكَةَ الشِّياتِ. تَحْسَبُها جامِدةً وهي تمُرّ مرّ السّحابِ. وتنْسابُ في الحَبابِ كالحُبابِ. ثمّ دعَوْني الى المُرافَقَةِ. فلبّيتُ بلِسانِ المُوافَقَةِ. فلمّا تورّكْنا على المَطيّةِ الدّهْماء. وتبَطّنّا الوَلِيّةَ الماشيةَ على الماء.
стр. 203
ألفَيْنا بها شيخاً علَيْهِ سحْقُ سِرْبالٍ. وسِبٌّ بالٍ. فعافَتِ الجَماعَةُ مَحْضَرَهُ. وعنّفَتْ منْ أحضَرَهُ. وهمّتْ بإبْرازِهِ منَ السّفينةِ. لولا ما ثابَ إلَيْها منَ السّكينَةِ. فلمّا لمحَ منّا استِثْقالَ ظِلّهِ. واستِبْرادَ طَلّهِ. تعرّضَ للمُنافثَةِ. فصُمّتَ. وحمْدَلَ بعدَ أنْ عطَسَ فما شُمّتَ. فأخْرَدَ ينظُرُ فيما آلَتْ حالُهُ إليْهِ. وينتظِرُ نُصرَةَ المَبْغيّ علَيْهِ. وجُلْنا نحْنُ في شُجونٍ. منْ جِدٍّ ومُجونٍ. الى أنِ اعتَرَضَ ذِكْرُ الكِتابَتَينِ وفضْلِهِما. وتَبْيانِ أفضَلِهِما. فقالَ قائِلٌ: إنّ كتَبَةَ الإنْشاء أنْبَلُ الكُتّابِ. ومالَ مائِلٌ الى تفْصيلِ الحُسّابِ. واحتدّ الحِجاجُ. وامتدّ اللَّجاجُ. حتى إذا لمْ يبْقَ للجِدالِ
стр. 204
مَطرَحٌ. ولا للمِراء مسرَحٌ. قال الشيخُ: لقدْ أكثرْتُمْ يا قوْمُ اللّغَطَ. وأثَرْتُمُ الصّوابَ والغلَطَ. وإنّ جَليّةَ الحُكمِ عِندي. فارتَضوا بنقْدي. ولا تستَفْتوا أحداً بعْدِي. اعْلَموا أنّ صِناعَةَ الإنْشاء أرْفَعُ. وصِناعَةَ الحِسابِ أنفَعُ. وقلَمَ المُكاتَبَةِ خاطِبٌ. وقلَمَ المُحاسَبَةِ حاطِبٌ. وأساطيرَ البَلاغَةِ تُنسَخُ لتُدْرَسَ. ودساتيرَ الحُسْباناتِ تُنسَخُ وتُدرَسُ. والمُنشِئُ جُهَينَةُ الأخْبارِ. وحقيبةُ الأسْرارِ. ونَجيُّ العُظماء. وكَبيرُ النُّدَماء. وقلَمُهُ لِسانُ الدولَةِ. وفارِسُ الجولَةِ. ولُقْمانُ الحِكمَةِ.
стр. 205
وتَرْجُمانُ الهِمّةِ. وهوَ البَشيرُ والنّذيرُ. والشّفيعُ والسّفيرُ. بهِ تُستَخْلَصُ الصّياصي. وتُملَكُ النّواصي. ويُقتادُ العاصي. ويُستَدْنى القاصي. وصاحِبُهُ بريءٌ من التّبِعاتِ. آمِنٌ كيْدَ السُعاةِ. مقرَّظٌ بينَ الجماعاتِ. غيرُ معرَّضٍ لنَظْمِ الجِماعاتِ. فلمّا انتهى في الفصْلِ. الى هذا الفصْلِ. لحَظَ منْ لمَحاتِ القوْمِ أنهُ ازْدَرَعَ حُبّاً وبُغْضاً. وأرْضى بعْضاً وأحفَظَ بعْضاً. فعقّبَ كلامَهُ بأنْ قال: إلا أنّ صِناعَة الحِسابِ موضوعةٌ على التّحقيقِ. وصَناعَةَ الإنشاءِ مبنيّةٌ على التّلْفيقِ. وقلَمَ الحاسِبِ ضابِطٌ. وقلمَ المُنشِئ خابِطٌ. وبينَ إتاوَةِ توظيفِ المُعامَلاتِ. وتِلاوَةِ طَواميرِ السّجِلاّتِ. بوْنٌ لا يُدرِكُهُ قِياسٌ. ولا يعْتَورُهُ التِباسٌ.
стр. 206
إذِ الإتاوَةُ تمْلأ الأكْياسَ. والتّلاوَةُ تفَرِّغُ الرّاسَ. وخَراجُ الأوارِجِ يُغْني النّاظِرَ. واستِخْراجُ المَدارِجِ يُعَنّي الناظِرَ. ثمّ إنّ الحسَبَةَ حفَظَةُ الأموالِ. وحمَلَةُ الأثْقالِ. والنّقَلَةُ الأثْباتُ. والسّفَرَةُ الثّقاتُ. وأعْلامُ الإنْصافِ. والانتِصافِ. والشّهودُ المَقانِعُ في الاختِلافِ. ومنهُمُ المُستَوْفي الذي هوَ يدُ السّلطانِ. وقُطْبُ الدّيوانِ. وقِسْطاسُ الأعملِ. والُهَيمِنُ على العُمّالِ. وإليْهِ المآبُ في السّلْمِ والهرْجِ. وعلَيْهِ المَدارُ في الدّخْلِ والخرَجِ. وبهِ مَناطُ الضّرّ والنّفْعِ. وفي يدِهِ رِباطُ
стр. 207
الإعْطاء والمنْعِ. ولوْلا قلَمُ الحُسّابِ. لأوْدَتْ ثمرَةُ الاكتِسابِ. ولاتّصَلَ التّغابُنُ الى يومِ الحِسابِ. ولَكانَ نِظامُ المُعامَلاتِ مَحْلولاً. وجُرْحُ الظُلاماتِ مطْلولاً. وجيدُ التّناصُفِ مغْلولاً. وسيْفُ التّظالُمِ مسْلولاً. على
أنّ يَراعَ الإنْشاء متَقوِّلٌ. ويَراعُ الحِسابِ متأوِّلٌ. والمُحاسِبُ مناقِشٌ. والمُنشِئُ أبو بَراقِشَ. ولكِلَيْهِما حُمَةٌ حينَ يرْقَى. الى أنْ يُلْقى ويُرْقى. وإعْناتٌ فيما يُنْشا. حتى يُغْشى. ويُرْشى. إلا الذينَ آمَنوا وعمِلوا الصّالِحاتِ وقَليلٌ ما هُمْ. قال الحارِثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أمْتَعَ الأسْماعَ. بما راقَ وراعَ. استَنْسَبْناهُ فاسْتَرابَ. وأبَى الانتِسابَ. ولوْ وجَدَ مُنْساباً لانْسابَ. فحصَلْتُ منْ لبْسِهِ على غُمّةٍ. حتى ادّكَرْتُ بعْدَ أمّةٍ. فقُلْتُ: والذي سخّرَ الفلَكَ الدّوّارَ. والفُلْكَ السّيّارَ. إني لأجِدُ ريحَ أبي زيدٍ. وإنْ كنتُ أعهدُهُ ذا رَواءٍ وأيْدٍ. فتبسّمَ ضاحِكاً من قوْلي. وقال: أنا هوَ على استِحالَةِ حالي وحوْلي. فقلتُ لأصحابي: هذا الذي لا يُفْرى فرِيُّهُ. ولا يُبارَى عبقَريُّهُ. فخطَبوا منْهُ الوُدّ. وبذَلوا لهُ الوُجْدَ. فرَغِبَ عنِ الأُلفَةِ. ولم يرْغَبْ في التُّحْفَةِ. وقال: أما بعْدَ أنْ سحَقْتُمْ حقّي. لأجلِ سَحْقي. وكسفْتُمْ بالي. لإخْلاقِ سِرْبالي. فما أراكُمْ إلا بالعينِ السّخينَةِ. ولا لكُمْ مني إلا صُحْبَةُ السّفينةِ. ثمّ أنشدَ: نّ يَراعَ الإنْشاء متَقوِّلٌ. ويَراعُ الحِسابِ متأوِّلٌ. والمُحاسِبُ مناقِشٌ. والمُنشِئُ أبو بَراقِشَ. ولكِلَيْهِما حُمَةٌ حينَ يرْقَى. الى أنْ يُلْقى ويُرْقى. وإعْناتٌ فيما يُنْشا. حتى يُغْشى. ويُرْشى. إلا الذينَ آمَنوا وعمِلوا الصّالِحاتِ وقَليلٌ ما هُمْ. قال الحارِثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أمْتَعَ الأسْماعَ. بما راقَ وراعَ. استَنْسَبْناهُ فاسْتَرابَ. وأبَى الانتِسابَ. ولوْ وجَدَ
стр. 208
مُنْساباً لانْسابَ. فحصَلْتُ منْ لبْسِهِ على غُمّةٍ. حتى ادّكَرْتُ بعْدَ أمّةٍ. فقُلْتُ: والذي سخّرَ الفلَكَ الدّوّارَ. والفُلْكَ السّيّارَ. إني لأجِدُ ريحَ أبي زيدٍ. وإنْ كنتُ أعهدُهُ ذا رَواءٍ وأيْدٍ. فتبسّمَ ضاحِكاً من قوْلي. وقال: أنا هوَ على استِحالَةِ حالي وحوْلي. فقلتُ لأصحابي: هذا الذي لا يُفْرى فرِيُّهُ. ولا يُبارَى عبقَريُّهُ. فخطَبوا منْهُ الوُدّ. وبذَلوا لهُ الوُجْدَ. فرَغِبَ عنِ الأُلفَةِ. ولم يرْغَبْ في التُّحْفَةِ. وقال: أما بعْدَ أنْ سحَقْتُمْ حقّي. لأجلِ سَحْقي. وكسفْتُمْ بالي. لإخْلاقِ سِرْبالي. فما أراكُمْ إلا بالعينِ السّخينَةِ. ولا
стр. 209
لكُمْ مني إلا صُحْبَةُ السّفينةِ. ثمّ أنشدَ:
إسمَعْ أُخَيّ وصيّةً منْ ناصِحٍ ... ما شابَ محْضَ النُصْح منه بغِشّهِ
لا تَعجَلَنْ بقضيّةٍ مبْتوتَةٍ ... في مدْحِ منْ لمْ تبلُهُ أو خدشِهِ
وقِفِ القضيّةَ فيهِ حتى تجْتَلي ... وصْفَيْهِ في حالَيْ رِضاهُ وبطْشِهِ
ويَبينَ خُلّبُ برْقِهِ منْ صِدْقِهِ ... للشّائِمينَ ووبْلُهُ منْ طَشّهِ
فهُناكَ إنْ ترَ ما يَشينُ فوارِهِ ... كرَماً وإنْ ترَ ما يَزينُ فأفْشِهِ
ومنِ استَحَقّ الإرْتِقاءَ فرقّهِ ... ومنِ استحطّ فحُطّهُ في حشّهِ
واعلَمْ بأنّ التّبرَ في عِرْقِ الثّرى ... خافٍ الى أنْ يُستَثارَ بنَبْشِهِ
وفَضيلةُ الدّينارِ يظهَرُ سِرُّها ... منْ حَكّهِ لا مِنْ مَلاحَةِ نقْشِهِ
ومنَ الغَباوةِ أن تعظّمَ جاهِلاً ... لصِقالِ ملبَسِهِ ورونَقِ رَقْشِهِ
стр. 210
أو أن تُهينَ مهذّباً في نفسِهِ ... لدُروسِ بِزّتِهِ ورثّةِ فُرْشِهِ
ولَكَمْ أخي طِمْرَينِ هِيبَ لفضْله ... ومفَوّفِ البُرْدَينِ عيبَ لفُحْشِهِ
وإذا الفتى لمْ يغْشَ عاراً لم تكنْ ... أسْمالُهُ إلاّ مَراقي عرْشِهِ
ما إنْ يضُرُّ العَضْبُ كوْنُ قِرابِهِ ... خلَقاً ولا البازِي حَقارَةُ عُشّهِ
ثمّ ما عتّمَ أنِ استوْقَفَ الملاّحَ. وصعِدَ منَ السّفينةِ وساحَ. فندِمَ كلٌ منّا على ما فرّطَ في ذاتِه. وأغْضى جفْنَه على قَذاتِهِ. وتعاهَدْنا على أنْ لا نحتَقِرَ شخْصاً لرَثاثَةِ بُرْدِهِ. وأنْ لا نزْدَريَ سيْفاً مخْبوءاً في غِمدِهِ.
المقامة الشِّعريّة
حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نَبا بي مألَفُ الوطَنِ. في شرْخِ الزّمنِ. لخَطْبٍ خُشِيَ. وخوفٍ غشِيَ. فأرَقْتُ كأسَ الكَرى.
стр. 211
ونصَصْتُ رِكابَ السُّرَى. وجُبْتُ في سَيْري وُعوراً لم تُدَمّثْها الخُطى. ولا اهتَدَتْ إليْها القَطا. حتى ورَدْتُ حِمَى الخِلافَةِ. والحرَمَ العاصمَ من المَخافةِ. فسرَوْتُ إيجاسَ الرّوْعِ واستِشْعارَهُ. وتسرْبَلْتُ لِباسَ الأمْنِ وشِعارَهُ. وقصَرْتُ همّي على لذّةٍ أجتَنيها. ومُلْحَةٍ أجْتَليها. فبرَزْتُ يوْماً الى الحريمِ لأرُوضَ طِرْفي. وأُجيلَ في طُرْقِهِ طَرْفي. فإذا فُرْسانٌ مُتتالونَ. ورِجالٌ مُنثالونَ. وشيْخٌ طويلُ اللّسانِ. قصيرُ الطّيلَسانِ.
стр. 212
قد لَبّبَ فتًى جَديدَ الشّبابِ. خلَقَ الجِلْبابِ. فركضْتُ في إثْرِ النّظّارَةِ. حتى وافَيْنا بابَ الإمارَةِ. وهُناكَ صاحِبُ المَعونَةِ مربِّعاً في دَسْتِهِ. ومُروِّعاً بسَمْتِهِ. فقالَ لهُ الشيخُ: أعَزَّ اللهُ الواليَ. وجعلَ كعْبَهُ العاليَ. إني كفَلْتُ هذا الغُلامَ فَطيماً. وربّيتُهُ يَتيماً. ثمّ لمْ آلُهُ تعْليماً. فلمّا مهَرَ وبَهَرَ. جرّدَ سيْفَ العُدْوانِ وشَهَرَ. ولمْ إخَلْهُ يلْتَوي عليّ ويتّقِحُ. حينَ يرتَوي مني ويلْتَقِحُ. فقالَ لهُ الفتى: عَلامَ عثَرْتَ مني. حتى تنشُرَ هذا الخِزْيَ عني؟
стр. 213
فوَاللهِ ما ستَرْتُ وجْهَ بِرّكَ. ولا هتَكْتُ حِجابَ سِتْرِكَ. ولا شقَقْتُ عَصا أمرِكَ. ولا ألغَيْتُ تِلاوَةَ شُكْرِكَ. فقالَ لهُ الشيخُ: ويْلَكَ وأيُّ رَيْبٍ أخْزى منْ رَيْبِكَ. وهلْ عيبٌ أفحَشُ منْ عيبِكَ؟ وقدِ ادّعيتَ سِحْري واستَلْحَقتَهُ. وانتحَلْتَ شِعْري واستَرَقتَهُ؟ واستِراقُ الشّعرِ عندَ الشّعراء. أفظَعُ منْ سرِقَةِ البَيْضاء والصّفْراء. وغَيرَتُهُمْ على بَناتِ الأفكارِ. كغيرَتِهِمْ على البَناتِ الأبكارِ. فقالَ الوالي للشّيخِ: وهلْ حينَ سرَقَ سلَخَ أم مسخَ. أم نسَخَ؟ فقال: والذي جعلَ الشّعْرَ ديوانَ العرَبِ. وتَرْجُمانَ الأدَبِ. ما أحْدَثَ سوى أن بتَرَ شمْلَ شرْحِهِ. وأغارَ على ثُلُثَيْ سَرْحِهِ. فقال لهُ: أنْشِدْ أبياتَكَ برمّتِها. ليتّضِحَ ما احتازَهُ منْ جُملَتِها. فأنشدَ:
стр. 214
يا خاطِبَ الدّنيا الدّنِيّةِ إنّها ... شرَكُ الرّدى وقَرارَةُ الأكدارِ
دارٌ متى ما أضْحكتْ في يومِها ... أبْكَتْ غداً بُعْداً لها منْ دارِ
وإذا أظَلّ سَحابُها لم ينتَقِعْ ... منْه صدًى لجَهامِهِ الغرّارِ
غاراتُها ما تنْقَضي وأسيرُها ... لا يُفتَدى بجلائِلِ الأخْطارِ
كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها حتى بَدا ... متمَرّداً مُتجاوِزَ المِقْدارِ
قلَبَتْ لهُ ظهْرَ المِجَنّ وأولَغَتْ ... فيهِ المُدى ونزَتْ لأخْذِ الثّارِ
فارْبأ بعُمرِكَ أن يمُرّ مُضَيَّعاً ... فيها سُدًى من غيرِ ما استِظهارِ
واقطَعْ علائِقَ حُبّها وطِلابِها ... تلْقَ الهُدى ورَفاهَةَ الأسْرارِ
стр. 215
وارْقُبْ إذا ما سالَمتْ من كيدِها ... حرْبَ العَدى وتوثُّبَ الغَدّارِ
واعْلَمْ بأنّ خُطوبَها تفْجا ولوْ ... طالَ المدى ووَنَتْ سُرى الأقدارِ
فقال لهُ الوالي: ثمّ ماذا. صنعَ هذا؟ فقال: أقْدَمَ للُؤمِهِ في الجَزاء. على أبْياتيَ السُداسيّةِ الأجْزاء. فحذَفَ منها جُزءينِ. ونقَصَ منْ أوزانِها وزْنَينِ. حتى صارَ الرُّزْء فيها رُزْءينِ. فقالَ له: بيّنْ ما أخذَ. ومنْ أينَ فلَذَ؟ فقال: أرْعِني سمْعَكَ. وأخْلِ للتّفَهُّمِ عني ذرْعَكَ. حتى تتبيّنَ كيفَ أصْلَتَ عليّ. وتقْدُرَ قدْرَ اجْتِرامِهِ إليّ. ثم أنْشَدَ. وأنفاسُهُ تتصعّد:
يا خاطِبَ الدّنيا الدّنِيّ ... ةِ إنّها شرَكُ الرّدى
دارٌ متى ما أضْحكت ... في يومِها أبْكَتْ غدا
وإذا أظَلّ سَحابُها ... لم ينتَقِعْ منْه صدى
غاراتُها ما تنْقَضي ... وأسيرُها لا يُفتَدى
كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها ... حتى بَدا متمَرّدا
следующие страницы →