Полный текст (555 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كِنٌّ وكِيسٌ وكانونٌ وكاسُ طِلاً ... بعْدَ الكَبابِ وكفٌ ناعمٌ وكِسا
ثم قال: لَجوابٌ يَشفي. خيرٌ من جِلبابٍ يُدْفي. فاكْتَفِ بما وعَيْتَ وانْكَفي. ففارَقْتُهُ وقدْ ذهبَتْ فَروَتي لشِقْوَتي. وحصلْتُ على الرِّعدَةِ طولَ شَتْوَتي.
المقامة الرّقْطاء
حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: حلَلْتُ سوقَيِ الأهوازِ. لابِساً حُلّةَ الإعْوازِ. فلبِثْتُ فيها مُدّةً. أُكابِدُ شِدّةً. وأزَجّي أياماً مسوَدّةً. الى أنْ رأيتُ تَماديَ المُقامِ. من عَوادِي الانتِقامِ.
стр. 247
فرمَقْتُها بعَينِ القالي. وفارَقتُها مُفارقَةَ الطّلَلِ البالي. فظعَنْتُ عن وشَلِها. كَميشَ الإزارِ. راكِضاً الى المياهِ الغِزارِ. حتى إذا سِرْتُ منها مرحلَتَينِ. وبَعُدْتُ سُرَى ليلَتَينِ. تراءتْ لي خيمَةٌ مَضروبَةٌ. ونارٌ مشبوبَةٌ. فقلتُ: آتِيهِما لعَلّي أنقَعُ صَدًى. أو أجِدُ على النّارِ هُدًى. فلمّا انتهَيتُ الى ظِلّ الخَيمَةِ رأيتُ غِلمَةً رُوقَةً. وشارَةً مرْموقَةً. وشيْخاً علَيْهِ بزّةٌ سَنيّةٌ. ولدَيهِ فاكهةٌ جَنيّةٌ. فحيّيْتُهُ. ثمّ تحامَيتُهُ. فضحِكَ إليّ. وأحسنَ الرّدَّ عليّ. وقال: ألا تجلِسُ الى مَنْ تَروقُ فاكِهَتُهُ. وتَشوقُ مُفاكَهتُهُ؟ فجلَسْتُ لاغتِنامِ مُحاضرَتِهِ. لا لالْتِهامِ ما بحضْرَتِهِ.
стр. 248
فحينَ سفَرَ عن آدابِهِ. وكشَرَ عن أنيابِهِ. عرَفْتُ أنهُ أبو زيدٍ بحُسنِ مُلَحِهِ. وقُبْحِ قلَحِهِ. فتَعارَفْنا حينَئذٍ. وحفّتْ بي فرْحَتانِ ساعتَئذٍ. ولمْ أدْرِ بأيّهِما أنا أضْفى فرَحاً. وأوْفى مرَحاً: أبإسْفارِهِ. منْ دُجُنّةِ أسْفارِهِ؟ أم بخِصْبِ رِحالِهِ. بعدَ إمحالِهِ؟ وتاقَتْ نفسي الى أن أفُضّ ختْمَ سِرّهِ. وأبطُنَ داعِيَةَ يُسْرِهِ. فقلتُ له: منْ أينَ إيابُكَ. والى أينَ انسِيابُكَ. وبِمَ امتلأتْ عِيابُك؟ فقال: أمّا المَقْدَمُ فمِنْ طوسَ. وأما المَقصِدُ فإلى السّوسِ. وأما الجَدَةُ التي أصَبْتُها فمِنْ رِسالَةٍ اقتَضَبْتُها. فسألتُهُ أن يَفرُشَني دِخلتَهُ. ويسْرُدَ عليّ رِسالتَهُ. فقال: دونَ مَرامِكَ حرْبُ البَسوسِ. أو تَصحبَني الى
стр. 249
السّوسِ. فصاحَبتُهُ إليْها قَهْراً. وعكفْتُ علَيْهِ بها شهْراً. وهوَ يَعُلّني كاساتِ التّعليلِ. ويُجِرّني أعِنّةَ التأميلِ. حتى إذا حرِجَ صدْري. وعِيلَ صبْري. قلتُ له: إنهُ لمْ يبْقَ لكَ عِلّةٌ. ولا لي في المُقامِ تَعِلّةٌ. وفي غدٍ أزْجُرُ غُرابَ البينِ. وأرْحَلُ عنكَ بخُفّيْ حُنَينٍ. فقال: حاشا للهِ أنْ أُخْلِفَكَ. أو أُخالِفَكَ. وما أرْجأتُ أنْ أحدّثَكَ. إلا لأُلَبّثَكَ. وإذا كُنتَ قدِ استربْتَ بعِدَتي. وأغْراكَ ظَنُّ السوء بمُباعَدَتي. فأصِخْ لقَصَصِ سيرَتي المُمتدّةِ. وأضِفْها الى أخْبارِ الفرَجِ بعْدَ الشّدةِ. فقلتُ لهُ: هاتِ فما أطوَلَ
стр. 250
طيَلَكَ. وأهْوَلَ حيَلَكَ! فقال: اعْلَمْ أنّ الدهْرَ العَبوسَ. ألْقاني الى طوسَ. وأنا يومَئِذٍ فَقيرٌ وَقيرٌ. لا فَتيلَ لي ولا نَقيرٌ. فألجأني صفَرُ اليَدَينِ. الى التطوُّقِ بالدَّينِ. فادّنْتُ لسوء الاتّفاقِ. ممّنْ هوَ عَسِرُ الأخْلاقِ. وتوهّمْتُ تسَنّيَ النَّفاقِ. فتوسّعْتُ في الإنْفاقِ. فما أفَقْتُ حتى بهَظَني دَينٌ لزِمَني حقُّهُ. ولازَمَني مُستَحِقُّهُ. فحِرْتُ في أمري. وأطلَعْتُ غَريمي على عُسْري. فلمْ يُصَدّقْ إمْلاقي. ولا نزَعَ عنْ إرْهاقي. بلْ جَدّ في التّقاضي. ولَجّ في اقْتِيادي الى القاضي. وكلّما خضَعْتُ له في الكلام.
стр. 251
واستنْزَلتُ منهُ رِفقَ الكِرامِ. ورغّبْتُهُ في أنْ ينظُرَ لي بمُياسرَةٍ. أو يُنظِرَني الى ميسرَةٍ. قال: لا تطْمَعْ في الإنْظارِ. واحتِجانِ النُّضارِ. فوَحقّكَ ما تَرى مسالِكَ الخَلاصِ. أو تُريَني سبائِكَ الخِلاصِ! فلمّا رأيتُ احتِدادَ لَدَدِهِ. وأنْ لا مَناصَ لي منْ يدِهِ. شاغَبْتُهُ. ثمّ واثبْتُهُ. ليُرافِعَني الى والي الجَرائِمِ. لا الى الحاكِمِ في المظالمِ. لِما كان بلَغَني منْ إفْضالِ الوالي وفضْلِهِ. وتشدُّدِ القاضي وبُخْلِهِ. فلمّا حضَرْنا بابَ أميرِ طوسَ. آنَسْتُ أن لا بأسَ ولا بوسَ. فاستَدْعَيْتُ دَواةً وبَيْضاءَ. وأنشأتُ رِسالةً رقْطاءَ. وهيَ:
стр. 252
أخلاقُ سيّدِنا تُحَبُّ. وبعَقْوَتِهِ يُلَبُّ. وقُربُهُ تُحَفٌ. ونأيُهُ تلَفٌ. وخُلّتُهُ نسَبٌ. وقَطيعَتُهُ نصَبٌ. وغَرْبُهُ ذَلِقٌ. وشُهْبُهُ تأتَلِقُ. وظَلْفُهُ زانَ. وقَويمُ نهجِهِ بانَ. وذهنُهُ قلّبَ وجرّبَ. ونعْتُهُ شرّقَ وغرّبَ:
سيّدٌ قُلَّبٌ سَبوقٌ مُبِرٌّ ... فطِنٌ مُغرِبٌ عَزوفٌ عَيوفُ
مُخلِفٌ مُتلِفٌ أغَرُّ فَريدٌ ... نابِهٌ فاضِلٌ ذكيٌّ أَنوفُ
مُفْلِقٌ إنْ أبانَ طَبٌّ إذا نا ... بَ هِياجٌ وجلَّ خطْبٌ مَخوفُ
стр. 253
مَناظِمُ شرَفِهِ تأتَلِفُ. وشُؤبوبُ حِبائِهِ يكِفُ. ونائِلُ يدَيْهِ فاضَ. وشُحُّ قلبِهِ غاضَ. وخِلْفُ سَخائِهِ يُحتلَبُ. وذهَبُ عِيابِهِ يُحتَرَبُ. مَنْ لفّ لِفّهُ فلَجَ وغلَبَ. وتاجِرُ بابِهِ جلبَ وخلَبَ. كفَّ عنْ هضْمِ بَريٍّ. وبَرئَ من دنَسِ غَويٍّ. وقرَنَ لِيانَهُ بعِزّ. ونكّبَ عنْ مذْهَبِ كَزّ. ليسَ بوَثّابٍ عندَ نُهْزَةِ شَرّ. بل يعِفّ عِفّةَ بَرّ:
فلِذا يُحَبُّ ويُستَحَقُّ عَفافُهُ ... شَغَفاً بهِ فلُبابُهُ خَلاّبُ
أخلاقُهُ غُرٌ ترِفُّ وَفُوقُهُ ... فُوقٌ إذا ناضلْتَهُ غَلاّبُ
سُجُحٌ يهِشّ وذو تَلافٍ إنْ هَفا ... خِلٌّ فليْسَ بحقّهِ يُرْتابُ
стр. 254
لا باخِلٌ بلْ باذِلٌ خِرْقٌ إذا ... يُعْتَرُّ بَرْزٌ لا يَليهِ بابُ
إنْ عضّ أزْلٌ فَلّ غرْبَ عِضاضِهِ ... بمَنابِهِ فانْحَتّ منْهُ نابُ
وجَديرٌ بمَنْ لَبّ وفطَنَ. وقَرُبَ وشطَنَ. أنْ أذْعَنَ لقَريعِ زمَنٍ. وجابِرِ زمَنٍ. مُذْ رضِعَ ثدْيَ لِبانِهِ. خُصّ بإفاضَةِ تهْتانِهِ. نعشَ وفرّجَ. وضافرَ فأبْهَجَ. ونافرَ فأزْعَجَ. وفاءَ بحَقٍّ أبْلَجَ. أتْعَبَ مَنْ سيَلي. وقُرّظَ إذْ هُزّ وبُليَ. وتوّجَ صِفاتِهِ. بحُبّ عُفاتِهِ:
فلا خَلا ذا بهْجَةٍ ... يمتَدُّ ظِلُّ خِصْبِهِ
стр. 255
فإنهُ بَرٌّ بمَنْ ... آنسَ ضوْءَ شُهْبِهِ
زانَ مَزايا ظَرْفِهِ ... بلُبْسِ خوفِ ربّهِ
فلْيَهْنِ سيّدَنَا فوزُهُ بمَفاخِرَ تأثّلَتْ وجَلّتْ. وفوْتُهُ بصنائِعَ تمّتْ ونمّتْ. ويُلائِمُ قُرْبَ حضرَتِهِ. غوْثُ رِقّهِ بحظٍّ منْ حُظوَتِهِ. فإنهُ تَليدُ ندْبٍ. وشَريدُ جدْبٍ. وجَريحُ نوَبٍ أثّرتْ. وناظِمُ قلائدَ تسيّرَتْ. إذا جاشَ لخُطبَةٍ فلا يوجَدُ قائلٌ. ثمّ قُسٌّ ثم باقلٌ. فإنْ حبّرَ قلتَ حِبَرٌ نُنِمَتْ. وخِلْتَ رِياضاً قد نمتْ. هذا ثمّ شِرْبُهُ برْضٌ. وقوتُهُ قرْضٌ. وفلَقُهُ غسَقٌ. وجِلْبابُهُ خلَقٌ. وقدْ قلِقَ لتوَغُّرِ غَريمٍ
стр. 256
غاشِمٍ. يستَحثّهُ بحقٍّ لازِمٍ. فإنْ منّ سيدُنا بكفّهِ. بهِباتِ كفّهِ. توشّحَ بمجْدٍ فاقَ. وباءَ بأجْرِ فكّي منْ وَثاقٍ. لا خلَتْ سَجايا خُلْقِهِ. ترفِدُ شائِمَ برْقِهِ. بمَنّ ربٍّ أزَليٍّ. حيٍّ أبَديٍّ. قال: فلمّا استشَفّ الأميرُ لآليها. ولمحَ السّرَّ المودَعَ فيها. أوعَزَ في الحالِ بقضاء دَيْني. وفصَلَ بينَ خصْمي وبيْني. ثمّ استَخْلَصَني لمُكاثرَتِهِ. واخْتَصّني بأثَرَتِهِ. فلبِثْتُ بضْعَ سِنينَ أنعَمُ في ضيافَتِهِ. وأرتَعُ في ريفِ رافَتِهِ. حتى إذا غمَرَتْني مواهِبُهُ. وأطالَ ذيْلي ذهَبُهُ. تلطّفْتُ في الارتِحالِ. على ما تَرى منْ حُسْنِ الحالِ. قال: فقلْتُ لهُ شُكراً لمَنْ أتاحَ لكَ لُقْيانَ السّمْحِ
стр. 257
الكَريمِ. وأنقذَكَ بهِ منْ ضغْطَةِ الغَريمِ! فقال: الحمدُ للهِ على سعادَةِ الجَدّ. والخُلوصِ منَ الخصْمِ الألَدّ. ثمّ قال: أيُّما أحَبُّ إليْكَ أنْ أُحذيَكَ منَ العَطاء. أمْ أُتحِفَكَ بالرّسالَةِ الرّقْطاء؟ فقلتُ: إمْلاءُ الرّسالَةِ أحَبُّ إليّ! فقال: وهوَ وحقّكَ أفُّ عليّ. فإنّ نِحْلَةَ ما يلِجُ في الآذانِ. أهْوَنُ منْ نِحلَةِ ما يخرُجُ منَ الأرْدانِ. ثمّ كأنّهُ أنِفَ واستَحْيا. فجمَعَ لي بينَ الرّسالَةِ والحُذْيا. ففُزْتُ منهُ بسَهْمَينِ. وفصلْتُ عنهُ بغُنْمَينِ. وأُبْتُ الى وطَني قَريرَ العينِ. بِما حُزْتُ منَ الرّسالةِ والعَينِ.
المقامة الوَبَريّة
حكى الحارِثُ بنُ همّامٍ قال: مِلتُ في رَيِّقِ زَماني الذي غبَرَ. الى مُجاوَرَةِ أهْلِ الوبَرِ. لآخُذَ إخْذَ نُفوسِهِمِ الأبيّةِ. وألسِنَتِهِمِ
стр. 258
العربيّةِ. فشمّرْتُ تشْميرَ منْ لا يألو جُهْداً. وجعلْتُ أضرِبُ في الأرضِ غَوْراً ونَجْداً. الى أنِ اقتَنَيْتُ هَجْمَةً منَ الرّاغِيَةِ. وثَلّةً منَ الثّاغِيَةِ. ثم أوَيتُ الى عرَبٍ أرْدافِ أقْيالٍ. وأبناءِ أقوالٍ. فأوْطَنوني أمنَعَ جَنابٍ. وفلّوا عنّي حدّ كُلّ نابٍ. فما تأوّبَني عندَهُم همٌّ. ولا قرَعَ صَفاتيَ سهْمٌ. الى أنْ أضْلَلْتُ في ليلَةٍ مُنيرةِ البدْرِ. لَقْحةً غَزيرَةَ الدَّرّ. فلمْ أطِبْ نفْساً بإلْغاء طلَبِها. وإلْقاءِ حبْلِها على غارِبِها. فتدثّرْتُ فرَساً مِحْضاراً. واعتقلْتُ لَدْناً خطّاراً. وسرَيْتُ ليْلَتي جمْعاءَ.
стр. 259
أجوبُ البَيداءَ. وأقْتَري كلَّ شجْراء ومَرْداء. الى أن نشرَ الصّبْحُ راياتِهِ. وحَيْعَلَ الدّاعي الى صَلاتِهِ. فنزَلْتُ عنْ متْنِ الرَّكوبَةِ. لأداء المكْتوبَةِ. ثمّ حُلْتُ في صهْوَتِها. وفرَرْتُ عنْ شحْوَتِها. وسِرْتُ لا أرى أثَراً إلا قفَوْتُهُ. ولا نشَزاً إلا علَوْتُهُ. ولا وادِياً إلا جزَعْتُهُ. ولا راكِباً إلا استَطْلَعْتُهُ. وجِدّي مع ذلِكَ يذهَبُ هدَراً. ولا يجِدُ وِرْدُهُ صدَراً. الى أن حانَتْ صَكّةُ عُمَيٍّ. ولفْحُ هَجيرٍ يُذْهِلُ غَيْلانَ عنْ مَيٍّ. وكان يوْماً أطْوَلَ من ظِلّ القَناةِ. وأحَرَّ منْ دمْعِ المِقْلاتِ. فأيقَنْتُ
стр. 260
أني إنْ لمْ أستَكِنّ منَ الوَقْدَةِ. وأستَجِمّ بالرّقْدَةِ. أدْنَفَني اللُّغوبُ. وعلِقَتْ بي شَعوبُ. فعُجْتُ الى سرْحَةٍ كَثيفَةِ الأغصانِ. وريقَةِ الأفْنانِ. لأغَوّرَ تحْتَها الى المُغَيرِبانِ. فوَاللهِ ما اسْتَرْوَحَ نفَسي. ولا اسْتَراحَ فرَسي. حتى نظَرْتُ الى سانِحٍ. في هيئَةِ سائِحٍ. وهوَ ينتَجِعُ نُجْعَتي. ويشتَدّ الى بُقعَتي. فكرِهْتُ انْعِياجَهُ الى مَعاجي. فاستعَذْتُ باللهِ منْ شرّ كُلّ مُفاجي. ثمّ ترجّيْتُ أن يتصدّى مُنشِداً. أو يتبدّى مُرشِداً. فلمّا اقترَبَ منْ سرْحَتي. وكادَ يحِلّ بساحَتي. ألفَيْتُهُ شيخَنا السَّروجيَّ مُتّشِحاً بجِرابثهِ. ومُضْطَغِناً أُهْبَةَ تَجْوابِهِ. فآنسَني إذْ وردَ.
стр. 261
وأنْساني ما شرَدَ. ثمّ استَوْضَحْتُهُ منْ أينَ أثَرُهُ. وكيفَ عُجَرُهُ وبُجَرُهُ؟ فأنشَدَ بَديهاً. ولمْ يَقُلْ إيهاً:
قُلْ لمُستَطلِعٍ دَخيلَةَ أمري ... لكَ عِندي كَرامَةً وعَزازَهْ
أنا ما بينَ جوْبِ أرضٍ فأرْضٍ ... وسُرًى في مَفازَةٍ فمَفازَهْ
زادِيَ الصّيدُ والمَطيّةُ نعْلي ... وجَهازِي الجِرابُ والعُكّازَهْ
فإذا ما هبَطْتُ مِصْراً فبَيْتي ... غُرفَةُ الخانِ والنّديمُ جُزارَهْ
ليسَ لي ما أُساءُ إنْ فاتَ أوْ أح ... زَنُ إنْ حاولَ الزّمانُ ابتِزازَهْ
غيرَ أني أبيتُ خِلْواً منَ اله ... مّ ونَفْسي عنِ الأسى مُنْحازَهْ
أرْقُدُ الليلَ مِلْءَ جَفْني وقَلْبي ... بارِدٌ منْ حَرارةٍ وحَزازَهْ
стр. 262
لا أُبالي منْ أيّ كأسٍ تفوّقْ ... تُ ولا ما حَلاوَةٌ منْ مَزازَهْ
لا ولا أستَجيزُ أن أجعَلَ الذ ... لّ مَجازاً الى تسَنّي إجازَهْ
وإذا مطْلَبٌ كسا حُلّةَ العا ... رِ فبُعْداً لمَنْ يَرومُ نَجازَهْ
ومتى اهتزّ للدّناءةِ نِكْسٌ ... عافَ طبْعي طِباعَهُ واهتِزازَهْ
فالمَنايا ولا الدّنايا وخيْرٌ ... من رُكوبِ الخَنا رُكوبُ الجِنازَهْ
ثم رفعَ إليّ طَرْفَهُ. وقال: لأمْرٍ ما جدَعَ قَصيرٌ أنفَهُ. فأخبَرْتُهُ خبرَ ناقَتي السّارِحةِ. وما عانَيْتُهُ في يومي والبارِحَةِ. فقال: دعِ
стр. 263
الالْتِفاتَ. الى ما فاتَ. والطِّماحَ. الى ما طاحَ. ولا تأسَ على ما ذهبَ. ولوْ أنهُ وادٍ منْ ذهبٍ. ولا تستَمِلْ مَنْ مالَ عنْ ريحِكَ. وأضْرَمَ نارَ تَباريحِكَ. ولوْ كان ابنَ بوحِكَ. أوْ شَقيقَ روحِكَ. ثمّ قال: هلْ لكَ في أن تَقيلَ. وتتحامَى القالَ والقيلَ؟ فإنّ الأبْدانَ أنْضاءُ تعَبٍ. والهاجِرَةَ ذاتُ لهَبٍ. ولنْ يصْقُلَ الخاطِرَ. ويُنشّطَ الفاتِرَ. كقائِلَةِ الهَواجِرِ. وخُصوصاً في شهْرَيْ ناجِرٍ. فقلتُ: ذاكَ إليْكَ. وما أُريدُ أنْ أشُقّ علَيْكَ. فافتَرَشَ التُّرْبَ واضْطجَعَ. وأظْهَرَ أنْ قدْ هجَع. وارتَفَقْتُ على أن أحرُسَ. ولا أنْعَسَ. فأخَذَتْني السِّنَةُ. إذْ زُمّتِ الألسِنَةُ. فلمْ أُفِقْ
стр. 264
إلا والليلُ قد تولّجَ. والنّجْمُ قد تبلّجَ. ولا السّروجيّ ولا المُسرَجَ. فبِتُّ بلَيلَةٍ نابِغيّةٍ. وأحْزانٍ يَعقوبيّةٍ. أُساوِرُ الوُجومَ. وأُساهِرُ النّجومَ. أفكّرُ تارَةً في رُجْلَتي. وأخْرى في رَجْعَتي. الى أنْ وضَحَ لي عِندَ افتِرارِ ثغْرِ الضّوّ. في وجْهِ الجوّ. راكِبٌ يخِدُ في الدّوّ. فألْمَعْتُ إليْهِ بثَوْبي. ورجوْتُ أن يُعَرّجَ الى صوْبي. فلمْ يعْبأ بإلْماعي. ولا أوى لالْتِياعي. بلْ سارَ على هَيْنَتِهِ. وأصْماني بسهْمِ إهانَتِهِ. فأوفَضْتُ إلَيْهِ لأستَرْدِفَه. وأحْتَمِلَ تغطْرُفَهُ. فلمّا أدرَكْتُهُ بعْدَ الأينِ. وأجَلْتُ فيهِ مسْرَحَ العينِ. وجدْتُ
стр. 265
ناقَتي مَطيّتَهُ. وضالّتي لُقطتَهُ. فما كذّبتُ أنْ أذْرَيْتُهُ عن سَنامِها. وجاذَبْتُهُ طرَفَ زِمامِها. وقلتُ لهُ: أنا صاحِبُها ومُضِلُّها. ولي رِسلُها ونسْلُها. فلا تكُنْ كأشْعَبَ. فتُتْعِبَ وتَتْعَبَ. فأخذَ يلْدَغُ ويَصْئي. ويتّقِحُ ولا يَستَحْيي. وبَيْنا هوَ ينْزو ويَلينُ. ويستَأسِدُ ويسْتَكينُ. إذْ غَشينا أبو زيْدٍ لابِساً جِلدَ النّمِرِ. وهاجِماً هُجومَ السّيلِ المُنهَمِرِ. فخِفْتُ واللهِ أنْ يكونَ يومُهُ كأمْسِهِ. وبدرُهُ مثلَ شمْسِهِ. فألحَقَ بالقارِظَينِ. وأصيرَ خبَراً بعْدَ عَينٍ. فلمْ أرَ إلا أنْ أذكَرْتُهُ العُهودَ المنسيّةَ. والفَعْلَةَ الإمْسيّةَ. وناشَدْتُهُ اللهَ. أوافَى للتّلافي. أمْ لِما فيهِ إتْلافي. فقال: مَعاذَ اللهِ أنْ أُجهِزَ
стр. 266
على مَكْلومي. أو أصِلَ حَروري بسَمومي! بلْ وافَيْتُكَ لأخْبُرَ كُنْهَ حالِكَ. وأكونَ يَميناً لشِمالِكَ. فسكَنَ عندَ ذلِك جاشِي. وانْجابَ استِيحاشي. وأطلَعْتُهُ طِلْعَ اللِّقْحَةِ. وتبَرْقُعَ صاحِبي بالقِحَةِ. فنظَرَ إلَيْهِ نظرَ ليْثِ العِرّيسَةِ. الى الفَريسَةِ. ثمّ أشْرَعَ قِبَلَهُ الرّمْحَ. وأقْسَمَ لهُ بمَنْ أنارَ الصبْحَ. لَئِنْ لمْ ينْجُ مَنْجَى الذُّبابِ. ويرْضَ منَ الغَنيمَةِ بالإيابِ. لَيورِدَنّ سِنانَهُ وَريدَهُ. ولَيَفْجَعَنّ بهِ وَليدَهُ ووَديدَهُ. فنبَذَ زِمامَ النآقَةِ وحاصَ. وأفلَتَ ولهُ حُصاصٌ. فقال لي أبو زيدٍ: تسَلّمْها وتسَنّمْها. فإنّها إحْدى
стр. 267
الحُسْنَيَينِ. ووَيْلٌ أهوَنُ من وَيْلَينِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فحِرْتُ بينَ لوْمِ أبي زيدٍ وشُكْرِهِ. وزِنَةِ نفْعِهِ بضُرّهِ. فكأنّهُ نوجِيَ بذاتِ صدْري. أو تكهّنَ ما خامَرَ سِرّي. فقابلَني بوجْهٍ طَليقٍ. وأنشدَ بلِسانٍ ذَليقٍ:
يا أخي الحامِلَ ضَيْمي ... دونَ إخْواني وقوْمي
إنْ يكُنْ ساءكَ أمْسي ... فلقَدْ سرّكَ يوْمي
فاغْتَفِرْ ذاكَ لِهذا ... واطّرِحْ شكري ولوْمي
ثمّ قال: أنا تَئِقٌ. وأنتَ مَئِقٌ. فكيْفَ نتّفِقُ؟ وولّى يفْري أديم الأرضِ. ويرْكُضُ طِرْفَهُ أيّما رَكْضٍ. فما عدَوْتُ أنِ اقْتَعَدْتُ مَطيّتي. وعُدْتُ لطِيّتي. حتى وصلْتُ الى حِلّتي. بعدَ اللّتَيّا والتي.
تفسير ما أدوع هذه المقامة من الألفاظ اللغوية والأمثال العربية
قوله (ريق زماني) ورائقه يعني أوله وقد يخفف فيقالب رق. وقوله (آخذ أخذ نفوسهم الأبية) يعني اقتدي بهم يقال منه أخذ إخذه وأخذه بكسر الهمزة وفتحها. (والهجمة) نحو
стр. 268
المائة من الإبل. (والثلثة) القطيع من الغم. (والراغبة) الإبل. (والثاغبة) الشاة.
ومنه قولهم ما له راغية ولا ثاغية أي لا ناقة ولا شاة. وقوله (أرداف إقبال) أي يخلفون الملوك إذا غابوا. وقوله (أبناء أقوال) أي فصحاء. يقال للمنطيق أنه ابن أقواله. وقوله (فتدثرت فرساً محاضراً) التدر الوثوب على ظهر الفرس. والمحضار والمحضير الشديد العدو مأخوذ من الحضر وهو العدو. وقوله (اقترى كل شجراء ومرداء) الاقتراء تتبع الأرض والشجراء ذات الشجر. والمراداء الخالية من النبات ومنه اشتقاق الأمرد لخلو وجهه من الشعر. وقوله (حيعل الداعي إلى صلاته) يعني به قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح والمصدر منه الحيعلة ومثله من المصادر الهيللة والحمد له والحولقة والبسملة والحسبلة والسيحلة والجعلفة فالهيللة حكاية قول لا إله إلا الله والحمد له حكاية قول الحمد لله. والحولقة حكاية قول لا حول ولا قوة إلا بالله. والبسملة حكاية قول بسم الله. والحسبلة حكاية قول حسبنا الله. والسبحلة حكاية قول سبحان الله. والجعفلة حكاية قول جعلت فداك. وقوله (فنزلت عن متن الركوبة) يعي المركوبة يقال ناقة ركوب وركوبة وحلوب وحلوبة وقد قرئ فمنها ركوبتهم (والصهوة) مقعد الفارس (والشحوة) الخطوة (والجزع) قطع الوادي عرضاً. وقوله (صكة عمي) يعني به قائم الظهيرة. وقد اختلف في أصله فقيل كان عمي رجلاً مغواراً فغزا أقواماً عند قائم الظهيرة وصكهم صكة شديدة فصار مثلاً لكل من جاء ذلك الوقت. وقيل المراد به الظبي لأنه يسدر في الهواجر ويذهب بصره فيصطك وكذلك الحية واصطكاك الظبي بما يستقبله كاصطكاك الأعمى ثم صغر الأعمى تصغير الترخيم فقيل عمي كما صغروا أسود وأزهر فقالوا سويد وزهير. وقوله (وكان يوم أطول من ظل القناة) يوصف اليوم الطويل بظل القناة كما يوصف اليوم القصير بإبهام القطاة، والعرب تزعم أن ظل الرمح أطول ظل ومنه قول شبرمة بن الطفيل
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاك المراهر
وقوله (أحرّ من دمع المقلات) المقلاة هي المرأة التي لا يعيش لها ولد فدمعها أبدا حار لحزنها لأنه يقال أن دمعة الحزن حارة ودمعة السرور باردة ولهذا قيل للمدعو له أقر الله عينه مأخوذ من القر وهو البرد. وقيل للمدعو عليه اسخن الله عينه مأخوذ من السخنة وهي الحرارة وقيل أن إقرار العين مأخوذ من القرار فكأنه دعا له أن يرز ق ما يقر عينه حتى لا تطيح إلى ما لغيره. وكانت الجاهلية تزعم أن المقلات إذا وظئت على قتيل شريف عاش ولدها وإلى هذا
стр. 269
أشار بشر بن أبي حازم في قوله تظل مقاليت النساء يطأنه يقلن ألا يلقى على المرء مبرر وقوله (علقت بي شعوب) يعني المنية ولا يدخل هذا الاسم أداة التعريف مثل دجلة وعرفة وقوله (لا غور تحتها إلى المغيربان) التغوبر النزول للقائلة كما أن التعريس النزول آخر الليل للتهويم أو الاستراحة. والمغيربان تصغير المغرب وكان قياس تصغيره المغيرب إلا أن العرب ألحقت آخره ألفاً ونوناً على طريق الشذوذ وقوله (مضطغناً أهبة تجوابه) الاضطغان أن يحمل الشيء تحت حضنه والاضطبان أن يحمله تحت ضبنه والضبن ما بين الإبط والكشح وكلاهما متقارب ويقال أول مراتب الحمل الإبط ثم الضبن وهو أسفل الإبط ثم الحضن وهو عند الجنب. والتجواب مصدر جاب. وجمع المصادر التي جاءت على تفعال هي بفتح التاء إلا قولهم تبيان وتلقاه لا غير وزاد بعضهم تيصال. وقوله (عجري وبحري) يريد به جميع أمري الظاهر والباطن. وأصل العجر العقل البانئة في العصب والبحر العقد الناشئة في البطن. وقوله (ولم يقل أيها) أي لم ي أمرني بالكف. يقال للمستزاد ايهٍ وللمستكف أيها. وقوله (لامر ما جدع قصير أنفه) قصير هذا هو مولى جذيمة الإبرش وكان جدع أنفه بيده حين قتلت الزباء مولاه ثم أتاها وأوهمها أن عمر بن عدي ابن أخت جذيمة هو الذي جدع أنفه اتهاماً له بأنه غش خاله جذيمة إذ أشار عليه بقصدها. فمظي بهذا القول عندها حتى جهزته مراراً إلى العراق فكان يأتيها بالطرف منه إلى أن استصحب في آخر نوبة الرجال في الصناديق وتوصل إلى قتلها والأخذ بثأر مولاه منها. وقصته مشهورة. وقوله (ولو كان ابن بوحك) يعني ولد الصلب إشارة إلى أنه في باحة الدار وهي عرصتها وجمعها بوح. وقيل أن البوح من أسماء الذكر. وقوله (في شهري ناجر) هما شهرا الحر. وقيل أنهما حزيران وتموز. وأنكر أبو بكر بن دربد هذا القول وقال هما طلوع نجمين. وقوله (بت بليلة نابغية) أومأ به إلى قول النابغة فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع. وقوله (فألمعت إليه بثوبي) يعني إليه يقال منه المع ولمع بمعنى. وقوله (يلدغ ويصي) هذا مثل يضرب لمن يظلم ويشكو يقال صأت العقرب تصي صئياً وصئياً بفتح الصاد وكسرها إذا صوتت وكذلك الفرخ. وما أحسن قول ابن الرومي في هذا المعنى
تشكي المحب وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وقوله (ينزو ويلين) هذا المثل يضرب لمن يتعزز ثم بذل ويقال أن أصله أن الجدي ينزو وهو صغير فإذا كبر لان. وقوله (لابساً جلد النمر) هذا مثل يضرب للمنقح الجريء لأن النمر
стр. 270
أجرأ سبع وأقله احتمالاً للضيم ومن هذا اشتقاق قولهم تنمر أي صار مثل النمر. وقوله (فالحق بالقارظين) الأصل في القارظ أنه الذي يجني القرظ وهو النبات المدبوغ به. والقارظان المشار إليها أحدهما من عنزة والآخر من النمرين قاسط وكانا خرجا يجنيان القرظ فلم يرجعا ولا عرف لهما خبر فضرب بهما المثل لكل غائب لا يرجي إيابه وإليهما أشار أبو ذؤيب في قوله وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في القتلى كليب لوائل. وقوله (حروري بسمومي) الحرور الريح الحارة ليلاً والسموم الريح الحارة نهاراً وقد يقال إحداهما مقام الأخرى مجازاً. وقال الحرور يكون ليلاً ونهاراً والسموم يختص بالنهار. وقوله (ليث العريسة) يعني مأوى السبع ويقال فيه عريس وعريسة بإثبات الهاء وحذفها كما يقال شاب وغابة وعرين وعرينة. فأما الغيل والخيس فلم يلحقوا بهما الهاء. وقوله (أفلت وله خصاص) هذا المثل يضرب لمن نجا من هلكة أشفى عليها بعد ما كاد يهوي فيها والحصاص العدو وقيل أنه الضراط. وقوله (ويل أهون من ويلين) هذا مثل يضرب تسلية لمن نابه بعض المكروه ومثله قول الراجز
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقوله (أنا نئق وأنت مئق فكيف نتفق) هذا المثل يضرب للمتنافيين في الخلق فإن التئق هو الممتلئ غيظاً مأخوذ من قولهم أتأقت الإناء إذا ملأته. والمئق هو الباكي فكأن النئق ينزع إلى الشر لغيظه والمئق يضيق ذرعاً باحتماله ومثله قول بعضهم أنا كلف وأنت صلف. فكيف نأتلف. وقوله (لطيتي) يعني لقصدي ووجهتي ووقد يقال فيها طية بالتخفيف. وقوله (بعد اللتيا والتي) اللتيا تصغير التي وهو على غير قياس التصغير المطرد لأن القياس أن يضم أول الاسم إذا صغر وقد أقر هذا الاسم على الفتحة الأصلية عند تصغيرها إلا أن العرب عوضته عن ضم أوله بأن زادت ألفاً في آخره وأجرت أسماء الإشارة عند تصغيرها على حكمه فقالت في تصغير الذي والتي اللذيا واللتيا. وفي تصغير ذا وذاك ذياً وذياك. وقد اختلف في معنى قولهم نبعد اللتيا واللتي فقيل هما من أسماء الداهية وقيل المراد بهما بعد صغير المكروه وكبيره.
المقامة السّمَرْقَنديّة
أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: استَبْضَعْتُ في بعضِ أسْفاريَ
стр. 271
القَنْدَ. وقصدْتُ سمَرْقَنْدَ. وكنتُ يومَئِذٍ قَويمَ الشّطاطِ. جَمومَ النّشاطِ. أرْمي عنْ قوْسِ المِراحِ. الى غرَضِ الأفْراحِ. وأسْتَعينُ بماء الشّبابِ. على ملامِحِ السّرابِ. فوافَيْتُها بُكْرَةَ عَروبَةَ. بعْدَ أن كابَدتُ الصّعوبَةَ. فسَعَيْتُ وما ونَيْتُ. الى أنْ حصَلَ البيْتُ. فلمّا نقَلْتُ إليْهِ قَنْدي. وملكْتُ قوْلَ عِندي. عُجْتُ الى الحَمّامِ على الأثرِ. فأمَطْتُ عني وعْثاءَ السّفرِ. وأخذْتُ في غُسْلِ الجُمْعَةِ بالأثَرِ. ثمّ بادَرْتُ في هَيْئَةِ الخاشعِ. الى مسجِدِها الجامِعِ. لألْحَقَ بمَنْ يَقْرُبُ منَ الإمامِ. ويقرِّبُ أفضَلَ الأنْعامِ. فحَظيتُ بأنْ
стр. 272
جلّيْتُ في الحَلْبَةِ. وتخيّرْتُ المركَزَ لاستِماعِ الخُطبةِ. ولم يزَلِ النّاسُ يدخُلونَ في دينِ اللهِ أفْواجاً. ويرِدونَ فُرادَى وأزْواجاً. حتى إذا اكْتَظّ الجامِعُ بحفْلِهِ. وأظَلّ تَساوي الشّخْصِ وظِلّهِ. برزَ الخَطيبُ في أُهْبَتِهِ. مُتهادِياً خلْفَ عُصبَتِهِ. فارْتَقى في مِنبَرِ الدّعوةِ. الى أن مثَلَ بالذّروَةِ. فسلّمَ مُشيراً باليَمينِ. ثم جلَسَ حتى خُتِمَ نظْمُ التأذينِ. ثمّ قامَ وقال: الحمدُ للهِ الممْدوحِ الأسْماء. المحْمودِ الآلاء. الواسعِ العَطاء. المدْعُوّ لحَسْمِ اللأواء. مالِكِ الأمَمِ. ومصوِّرِ الرّمَمِ. وأهْلِ السّماحِ والكرَمِ. ومُهلِكِ عادٍ وإرَمَ. أدْرَكَ كلَّ سِرٍ عِلمهُ. ووَسِعَ كلَّ مُصِرٍ حِلمُهُ. وعَمّ كلَّ عالَمٍ طَوْلُهُ. وهدّ كلَّ ماردٍ حولُهُ. أحمَدُهُ حمْدَ موَحِّدٍ مُسلِمٍ. وأدعوهُ دُعاءَ مؤمِّلٍ مسَلِّمٍ. وهوَ اللهُ لا إلهَ إلا هوَ الواحِدُ الأحَدُ. العادِلُ الصّمَدُ.
стр. 273
لا ولَدَ له ولا والِد. ولا رِدْءَ معَه ولا مُساعِد. أرسَلَ محمّداً للإسْلامِ ممَهِّداً. وللمِلّةِ موطِّداً. ولأدِلّةِ الرّسُلِ مؤكِّداً. وللأسْوَدِ والأحْمَرِ مُسَدِّداً. وصَلَ الأرْحامَ. وعلّمَ الأحْكامَ. ووسَمَ الحَلالَ والحَرامَ. ورسَمَ الإحْلالَ والإحْرامَ. كرّمَ اللهُ محَلَّهُ. وكمّلَ الصّلاةَ والسّلامَ لهُ. ورحِمَ آلَهُ الكُرَماء. وأهلَهُ الرُحَماء. ما همَرَ رُكامٌ. وهدَرَ حَمامٌ. وسرَحَ سَوامٌ. وسَطا حُسامٌ. اعْمَلوا رَحِمَكُمُ اللهُ عمَلَ الصُلَحاء. واكْدَحوا لمَعادِكُمْ كدْحَ الأصِحّاء. وارْدَعوا أهْواءكُمْ ردْعَ الأعْداء. وأعِدّوا للرّحلَةِ إعدادَ السُعَداء. وادّرِعوا حُلَلَ الورَعِ. وداوُوا عِلَلَ الطّمَعِ. وسوّوا أوَدَ العمَلِ. وعاصُوا وساوِسَ الأمَلِ. وصوّروا لأوْهامِكُمْ حُؤولَ
стр. 274
الأحْوالِ. وحُلولَ الأهْوال. ومُسوَرَةَ الأعْلالِ. ومُصارَمَةَ المالِ والآلِ. وادّكِروا الحِمامَ وسَكْرَةَ مصْرَعِهِ. والرّمْسَ وهوْلَ مُطّلَعِهِ. واللّحْدَ ووحْدَةَ مودَعِهِ. والمَلَكَ وروْعَةَ سؤالِهِ ومَطْلَعِهِ. والمَحوا الدّهْرَ ولؤمَ كَرّهِ. وسوءَ مِحالِهِ ومَكْرِهِ. كمْ طمَسَ مَعلَماً. وأمرّ مطْعَماً. وطحْطَحَ عرَمْرَماً. ودمّرَ ملِكاً مُكَرَّماً. همُّهُ سكُّ المسامِعِ. وسحُّ المَدامِعِ. وإكْداءُ المطامعِ. وإرْداءُ المُسمِعِ والسّامِعِ. عمّ حُكمُهُ المُلوكَ والرَّعاعَ. والمَسودَ والمُطاعَ. والمحْسودَ والحُسّادَ. والأساوِدَ
стр. 275
والآسادَ. ما موّلَ إلا مالَ. وعكَسَ الآملَ. وما وصَلَ إلا وصالَ. وكلَمَ الأوْصالَ. ولا سَرّ إلا وساء. ولَؤمَ وأساء. ولا أصَحّ إلا ولّدَ الدّاءَ. ورَوّعَ الأوِدّاء. اللهَ اللهَ. رَعاكُمُ اللهُ! إلامَ مُداومَةُ اللهْوِ. ومُواصَلَةُ السّهْوِ؟ وطولُ الإصْرارِ. وحمْلُ الآصارِ؟ واطّراحُ كَلامِ الحُكَماء. ومُعاصاةُ إلهِ السّماء؟ أمَا الهَرَمُ حصادُكُمْ. والمَدَرُ مِهادُكُمْ! أمَا الحِمامُ مُدرِكُكُمْ. والصّراطُ مَسلَكُكُمْ! أمَا الساعَةُ موعِدُكُكمْ. والساهِرةُ مورِدُكُمْ! أمَا أهْوالُ الطّامّةِ لكُمْ مُرصَدَةٌ. أمَا دارُ العُصاةِ الحُطَمَةُ المؤصَدَةُ! حارِسُهُمْ مالِكٌ. ورواؤهُمْ حالِكٌ.
стр. 276
وطَعامُهُمْ السّمومُ. وهواؤهُمُ السَّمومُ. لا مالَ أسعدَهُمْ ولا ولَدَ. ولا عدَدَ حَماهُمْ ولا عُدَدَ. ألا رَحِمَ اللهُ امْرَأً ملكَ هَواهُ. وأمَّ مسالِكَ هُداهُ. وأحْكَمَ طاعَةَ موْلاهُ. وكدَحَ لرَوحِ مَأواهُ. وعمِلَ ما دامَ
العُمرُ مُطاوِعاً. والدهْرُ مُوادِعاً. والصّحةُ كامِلَةً. والسّلامَةُ حاصِلَةً. وإلا دهَمَهُ عدَمُ المَرامِ. وحصَرُ الكَلامِ. وإلمامُ الآلامِ. وحُمومُ الحِمامِ. وهُدُوُّ الحَواسّ. ومِراسُ الأرْماسِ. آهاً لها حسْرَةً ألَمُها مؤكّدٌ. وأمَدُها سَرْمَدٌ. ومُمارِسُها مُكمَدٌ! ما لوَلَهِهِ حاسِمٌ. ولا لسَدمِهِ راحِمٌ. ولا لهُ ممّا عَراهُ عاصمٌ! ألْهَمَكُمُ اللهُ أحمَدَ الإلْهامِ. وردّاكُمْ رِداءَ الإكْرامِ. وأحلّكُمْ دارَ السّلامِ! وأسألُهُ الرحْمَةَ لكُمْ ولأهلِ مِلّةِ الإسلامِ. وهوَ أسمَحُ الكِرامِ. والمُسَلِّمُ والسّلامُ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُ الخُطبَةَ نُخبةً بلا سَقَطٍ. وعَروساً بغيرِ نُقَطٍ. دَعاني الإعجابُ بنمَطِها العَجيبِ. الى استِجْلاء وجْهِ الخَطيبِ. فأخَذْتُ أتوَسّمهُ جِدّاً. وأقلّبُ الطّرْفَ فيهِ مُجِدّاً. الى أنْ وضحَ لي بصِدْقِ العلاماتِ. أنه شيخُنا صاحِبُ المَقاماتِ. ولم يكُنْ بُدٌّ منَ الصّمتِ. في ذلِك الوقْتِ. فأمسَكْتُ حتى تحلّلَ منْ الفَرْضِ. وحلّ الانتِشارُ في الأرضِ. ثمّ واجهْتُ تِلقاءهُ. وابتَدَرْتُ لِقاءَهُ. فلما لحظَني خفّ في القِيامِ. وأحْفى في الإكْرامِ. ثمّ استَصْحَبَني الى دارِه. وأوْدَعَني خصائِصَ أسْرارِه. وحينَ انتشَر جَناحُ الظّلامِ. وحانَ ميقاتُ المَنامِ. أحضرَ أباريقَ المُدامِ. معكومَةً بالفِدامِ. فقلتُ: أتَحْسوها أمامَ النّومِ. وأنتَ إمامُ القوْمِ؟ فقال: مَهْ أنا بالنّهارِ خطيبٌ. وباللّيْلِ أطِيبُ! فقلتُ: واللهِ ما أدْري أأعْجَبُ من تسَلّيكَ عنْ أُناسِكَ. ومسقَطِ راسِكَ. أم منْ خِطابَتِكَ مع أدناسِكَ. ومَدارِ كاسِكَ؟ فأشاحَ بوجهِهِ عني. ثم قال اسمَعْ مني: رُ مُطاوِعاً. والدهْرُ مُوادِعاً. والصّحةُ كامِلَةً. والسّلامَةُ حاصِلَةً. وإلا دهَمَهُ عدَمُ المَرامِ. وحصَرُ الكَلامِ. وإلمامُ الآلامِ. وحُمومُ الحِمامِ. وهُدُوُّ الحَواسّ. ومِراسُ الأرْماسِ. آهاً لها حسْرَةً ألَمُها مؤكّدٌ. وأمَدُها سَرْمَدٌ. ومُمارِسُها مُكمَدٌ! ما لوَلَهِهِ حاسِمٌ. ولا لسَدمِهِ راحِمٌ. ولا لهُ ممّا عَراهُ عاصمٌ! ألْهَمَكُمُ اللهُ أحمَدَ الإلْهامِ. وردّاكُمْ رِداءَ الإكْرامِ. وأحلّكُمْ دارَ السّلامِ! وأسألُهُ
стр. 277
الرحْمَةَ لكُمْ ولأهلِ مِلّةِ الإسلامِ. وهوَ أسمَحُ الكِرامِ. والمُسَلِّمُ والسّلامُ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُ الخُطبَةَ نُخبةً بلا سَقَطٍ. وعَروساً بغيرِ نُقَطٍ. دَعاني الإعجابُ بنمَطِها العَجيبِ. الى استِجْلاء وجْهِ الخَطيبِ. فأخَذْتُ أتوَسّمهُ جِدّاً. وأقلّبُ الطّرْفَ فيهِ مُجِدّاً. الى أنْ وضحَ لي بصِدْقِ العلاماتِ. أنه شيخُنا صاحِبُ المَقاماتِ. ولم يكُنْ بُدٌّ منَ الصّمتِ. في ذلِك الوقْتِ. فأمسَكْتُ حتى تحلّلَ منْ الفَرْضِ. وحلّ الانتِشارُ في الأرضِ. ثمّ واجهْتُ تِلقاءهُ. وابتَدَرْتُ لِقاءَهُ. فلما لحظَني خفّ في القِيامِ. وأحْفى في الإكْرامِ. ثمّ استَصْحَبَني الى دارِه. وأوْدَعَني خصائِصَ أسْرارِه. وحينَ انتشَر جَناحُ الظّلامِ. وحانَ ميقاتُ المَنامِ. أحضرَ أباريقَ المُدامِ. معكومَةً بالفِدامِ.
стр. 278
فقلتُ: أتَحْسوها أمامَ النّومِ. وأنتَ إمامُ القوْمِ؟ فقال: مَهْ أنا بالنّهارِ خطيبٌ. وباللّيْلِ أطِيبُ! فقلتُ: واللهِ ما أدْري أأعْجَبُ من تسَلّيكَ عنْ أُناسِكَ. ومسقَطِ راسِكَ. أم منْ خِطابَتِكَ مع أدناسِكَ. ومَدارِ كاسِكَ؟ فأشاحَ بوجهِهِ عني. ثم قال اسمَعْ مني:
لا تبْكِ إلْفاً نأى ولا دارا ... ودُرْ مع الدّهرِ كيفَما دارا
واتّخِذِ الناسَ كُلّهُمْ سكَناً ... ومثّلِ الأرضَ كلّها دارا
واصْبِرْ على خُلْقِ مَنْ تُعاشِرُهُ ... ودارِهِ فاللّبيبُ منْ دارى
ولا تُضِعْ فُرصَةَ السّرورِ فما ... تدْري أيَوْماً تعيشُ أمْ دارا
واعْلَمْ بأنّ المَنونَ جائِلَةٌ ... وقدْ أدارَتْ على الوَرى دارا
стр. 279
وأقسَمَتْ لا تَزالُ قانِصَةً ... ما كرّ عَصرا المَحْيا وما دارا
فكيفَ تُرْجى النّجاةُ من شرَكٍ ... لم ينْجُ منهُ كِسْرى ولا دارا
قال: فلمّا اعْتَوَرتْنا الكُؤوسف. وطرِبَتِ النّفوسُ. جرّعَني اليَمينَ الغَموسَ. على أنْ أحفظَ عليْهِ الناموسَ. فاتّبعْتُ مَرامَهُ. ورعيْتُ ذِمامَهُ. ونزّلْتُهُ بينَ الملإ منزِلَةَ الفُضَيْلِ. وسدَلْتُ الذّيْلَ. على مَخازي اللّيْلِ. ولمْ يزَلْ ذلِكَ دأبَهُ ودَابي. الى أنْ تهيّأ إيابي. فودّعْتُهُ وهوَ مصرٌّ على التّدْليسِ. ومُسِرٌّ حسْوَ الخَنْدَريسِ.
стр. 280
المقامة الواسطية
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: ألْجأني حُكمُ دهْرٍ قاسِطٍ. الى أنْ أنتَجِعَ أرضَ واسِطٍ. فقصَدْتُها وأنا لا أعرِفُ بها سكَناً. ولا أملِكُ فيها مسْكِناً. ولمّا حللْتُها حُلولَ الحوتِ بالبَيْداءِ. والشّعرَةِ البيضاء في اللِّمَةِ السّوداء. قادَني الحظُّ الناقِصُ. والجَدُّ النّاكِصُ. الى خانٍ ينزِلُهُ شُذّاذُ الآفاقِ. وأخْلاطُ الرّفاقِ. وهوَ لنَظافَةِ مكانِهِ. وظَرافَةِ سكّانِهِ. يرَغّبُ الغَريبَ في إيطانِهِ. ويُنسِيهِ هوَى أوطانِهِ. فاستَفْرَدْتُ منهُ بحُجرَةٍ. ولمْ أُنافِسْ في أُجرَةٍ. فما كان إلا كلَمْحِ طرْفٍ. أو خطّ حرْفٍ. حتى سمِعتُ جاري بيْتَ بيْتَ. يقولُ لنَزيلِهِ في البيتِ: قُمْ يا بُنيّ
стр. 281
لا قَعَدَ جَدُّكَ. ولا قامَ ضِدُّكَ. واستَصْحِبْ ذا الوجْهِ البَدْريّ. واللّوْنِ الدُرّيّ. والأصْلِ النّقيّ. والجسْمِ الشّقيّ. الذي قُبِضَ ونُشِرَ. وسُجِنَ وشُهِرَ. وسُقِيَ وفُطِمَ. وأُدْخِلَ النّارَ بعْدَما لُطِمَ. ثمّ ارْكُضْ بهِ الى السّوقِ. ركْضَ المَشوقِ. فقايِضْ بهِ اللاّقِحَ المُلْقِحَ. المُفسِدَ المُصلِحَ. المُكْمِدَ المُفَرِّحَ. المُعَنّيَ المُروّحَ. ذا الزّفيرِ المُحرِقِ. والجَنينِ المُشرِقِ. واللّفْظِ المُقنِعِ. والنَّيْلِ المُمْتِعِ. الذي إذا طُرِقَ. رعَدَ وبرَقَ. وباحَ بالحُرَقِ. ونفَثَ في الخِرَقِ. قال:
стр. 282
فلمّا قرّتْ شِقْشِقَةُ الهادِرِ. ولمْ يبْقَ إلا صدَرُ الصّادِرِ. برزَ فتًى يَميسُ. وما معَهُ أنيسٌ. فرأيتُها عُضْلَةً تلعَبُ بالعُقولِ. وتُغْري بالدّخولِ. في الفُضولِ. فانطلَقْتُ في أثَرِ الغُلامِ. لأخْبُرَ فحْوَى الكلامِ. فلمْ يزَلْ يسْعى سعْيَ العَفاريتِ. ويتفَقّدُ نضائِدَ الحوانيتِ. حتى انْتَهى عندَ الرّواحِ. الى حِجارَةِ القَدّاحِ. فناوَلَ بائِعَها رَغيفاً. وتَناوَلَ منهُ حجَراً لَطيفاً. فعَجِبْتُ منْ فَطانَةِ المُرسِلِ والمُرسَلِ. وعلِمْتُ أنّها سَروجيّةٌ وإنْ لم أسْألْ. وما كذّبْتُ أنْ بادَرْتُ الى الخانِ. منطَلِقَ العِنانِ. لأنظُرَ كُنْهَ فَهْمي. وهلْ قرْطَسَ في التّكهّنِ سَهْمي. فإذا أنا في الفِراسَةِ فارِسٌ. وأبو زيْدٍ بوَصيدِ الخانِ جالِسٌ. فتَهادَيْنا بُشْرى الالتِقاء. وتقارَضْنا تحيّةَ الأصْدِقاء. ثمّ قال: ما الذي نابَكَ. حتى زايَلْتَ جَنابَكَ؟ فقلت: دهْرٌ
стр. 283
هاض. وجَوْرٌ فاضَ! فقال: والذي أنزَلَ المطرَ منَ الغَمامِ. وأخرَجَ الثّمرَ من الأكْمامِ. لقدْ فسَدَ الزّمانُ. وعمّ العُدْوانُ. وعُدِمَ المِعْوانُ. واللهُ المُستَعانُ. فكيفَ أفْلَتَّ. وعلى أيّ وصْفَيْكَ أجْفَلْتَ؟ فقلتُ: اتّخَذْتُ الليْلَ قَميصاً. وأدْلَجْتُ فيهِ خَميصاً. فأطْرَقَ ينْكُتُ في الأرضِ. ويفكّرُ في ارتِيادِ القَرْضِ والفَرْضِ. ثمّ اهزّ هِزّةَ مَنْ أكْثَبَهُ قنَصٌ. أو بدَتْ لهُ فُرَصٌ. وقال: قد علِقَ بقَلْبي أن تُصاهِرَ منْ يأسو جِراحَكَ. ويَريشُ جَناحَكَ. فقلتُ: وكيفَ أجمَعُ بيَ غُلٍّ وقُلٍّ. ومنِ الذي يرْغَبُ في ضُلّ بنِ ضُلٍّ؟ فقالَ: أنا المُشيرُ بكَ وإلَيْكَ. والوكيلُ لكَ
стр. 284
وعليْكَ. معَ أنّ دينَ القوْمِ جبْرُ الكَسيرِ. وفكُّ الأسيرِ. واحتِرامُ العَشيرِ. واستِنْصاحُ المُشيرِ. إلا أنهُمْ لوْ خطَبَ إلَيْهِمْ إبْراهيمُ بنُ أدهَمَ. أو جبَلَةُ بنُ الأيْهَمِ. لما زوّجوهُ إلا على خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ. اقتِداءً بما مهَرَ الرّسولُ. ﷺ . زوْجاتِهِ. وعقَدَ بهِ أنكِحَةَ بَناتِهِ. على أنّك لنْ تُطالَبَ بصَداقٍ. ولا تُلْجأ الى طَلاقٍ. ثمّ إني سأخْطُبُ في موقِفِ عقْدِكَ. ومجْمَعِ حشْدِكَ. خُطبَةً لمْ تفتُقْ رَتْقَ سمْعٍ. ولا خُطِبَ بمِثلِها في جمْعٍ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فازْدَهاني بوصْفِ الخُطْبَةِ المَتْلُوَّةِ. دونَ الخِطبَةِ المَجْلُوّةِ.
стр. 285
حتى قُلتُ لهُ: قد وَكلْتُ إليْكَ هذا الخطْبَ. فدبّرْهُ تدْبيرَ منْ طَبّ لمَنْ حبّ. فنهضَ مُهَرْوِلاً. ثمّ عادَ متَهلّلاً. وقال: أبْشِرْ بإعْتابِ الدّهْرِ. واحْتِلابِ الدّرّ! فقد وُلّيتُ العَقْدَ. وأُكفِلْتُ النّقْدَ. وكأنْ قدْ. ثمّ أخذَ في مُواعدَةِ أهلِ الخانِ. وإعْدادِ حَلْواء الخِوانِ. فلمّا مدّ اللّيلُ أطْنابَهُ. وأغْلَقَ كُلُّ ذي بابٍ بابَهُ. أذّنَ في الجَماعَةِ: ألا احْضُروا في هذهِ السّاعةِ! فلمْ يبْقَ
فيهِمْ إلا منْ لَبّى صوتَهُ. وحَضرَ بيْتَهُ. فلمّا اصْطَفّوا لدَيْهِ. واجتمَعَ الشاهِدُ والمشْهودُ علَيْهِ. جعلَ يرْفَعُ الأصْطُرْلابَ ويضَعُهُ. ويلْحَظُ التّقويمَ ويدَعهُ. الى أن نعَسَ القوْمُ. وغشِيَ النّومُ. فقلْتُ لهُ: يا هَذا ضعِ
следующие страницы →