← Адаб

Адаб · id 26585

مقامات الحريري

الحريري

Полный текст (555 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قُبْحاً لعِيّكَ وشُقْحاً! فَغارَ في الضّحِكِ وأنْجَدَ. ثمّ أنْغَضَ رأسهُ إليّ وأنشدَ: يا مَنْ تلَهّبَ غيظُهُ إذْ لمْ أبُحْ ... باسْمي لهُ ما هَكذا مَنْ يُنصِفُ إنْ كان لا يُرضيكَ إلا كشْفُهُ ... فأصِخْ لهُ أنا يُوسُفٌ أنا يوسُفُ ولقد كشَفْتُ لكَ الغِطاء فإن تكنْ ... فطِناً عرَفتَ وما إخالُك تَعرِفُ قال: فسَرّى عَتْبي بشِعْرِهِ. واسْتَبى لُبّي بسِحْرِهِ. حتى شُدِهْتُ عنِ التّحقيقِ. وأُنسيتُ قِصّةَ يوسُفَ الصّدّيقِ. ولمْ يكُنْ لي همٌّ إلا مُساوَمةُ موْلاهُ فيهِ. واستِطْلاعُ طِلعِ الثّمَنِ لأوفيهِ. وكنتُ أحسَبُ أنهُ سينظُرُ شَزْراً إليّ. ويُغْلي السّيمَةَ عليّ. بلْ قال: إنّ الغُلامَ إذا نَزُرَ ثمَنُهُ. وخفّتْ مؤنُهُ.

стр. 352

تبرّكَ بهِ موْلاهُ. والتَحَفَ عليْهِ هواهُ. وإني لأوثِرُ تحْبيبَ هذا الغُلامِ إليْكَ. بأنْ أخَفِّفَ ثمنَهُ عليْكَ. فزِنْ مائَتَيْ دِرْهَمٍ إن شِيتَ. واشْكرْ لي ما حَييتَ! فنقَدْتُهُ المبلغَ في الحالِ. كما يُنقَدُ في الرّخيصِ الحَلالُ. ولمْ يخطُرْ لي ببالٍ. أنّ كُلّ مُرخَصٍ غالٍ. فلمّا تحقّقَتِ الصّفْقَةُ. وحَقّتِ الفُرقَةُ. همَلَتْ عيْنا الغُلامِ. ولا هُمولَ دمْعِ الغَمامِ. ثمّ أقبلَ على صاحِبِه وقال: لَحاكَ اللهُ هلْ مِثلي يُباعُ ... لكَيْما تشبَعَ الكَرِشُ الجِياعُ وهلْ في شِرْعَةِ الإنْصافِ أني ... أكلَّفُ خُطّةً لا تُستَطاعُ وأنْ أُبْلى برَوْعٍ بعدَ روعٍ ... ومثلي حينَ يُبْلى لا يُراعُ أمَا جرّبْتَني فخَبَرْتَ مني ... نصائِحَ لمْ يُمازِجْها خِداعُ وكمْ أرْصَدْتَني شرَكاً لصَيْدٍ ... فعُدْتُ وفي حَبائِليَ السّباعُ ونُطْتَ بيَ المصاعِبَ فاسْتَقادَتْ ... مُطاوِعَةً وكانَ بها امتِناعُ

стр. 353

وأيُّ كريهَةٍ لم أُبْلِ فيها ... وغُنْمٍ لمْ يكُنْ لي فيهِ باعُ وما أبدَتْ لي الأيامُ جُرْماً ... فيُكشَفَ في مُصارَمَتي القِناعُ ولم تعثُرُ بحمدِ اللهِ مني ... على عيْبٍ يكتَّمُ أو يُذاعُ فأنّى ساغَ عندَك نبْذُ عهدي ... كما نَبَذَتْ بُرايَتَها الصَّناعُ ولِمْ سمَحَتْ قَرونُكَ بامْتِهاني ... وأنْ أُشْرى كما يُشْرى المتاعُ وهلاّ صُنتَ عِرضي عنهُ صوْني ... حَديثَكَ جَدّ بِنا الوداعُ وقلتَ لمنْ يُساوِمُ فيّ هذا ... سَكابِ فما يُعارُ ولا يُباعُ فما أنا دونَ ذاكَ الطِّرْفِ لكِنْ ... طِباعُكَ فوقَها تلْكَ الطّباعُ على أني سأُنشِدُ عندَ بيْعي ... أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا

стр. 354

قال: فلما وعى الشيخُ أبياتَهُ. وعقَلَ مُناغاتَهُ. تنفّسَ الصُعَداءَ. وبكى حتى أبْكى البُعَداءَ. ثمّ قال لي: إني أُحِلّ هذا الغُلامَ محَلّ ولَدي. ولا أميّزُهُ عنْ أفْلاذِ كبِدي. ولوْلا خُلوُّ مُراحي. وخُبُوُّ مِصْباحي. لما درَج عنْ عُشّي. الى أن يُشَيَّعَ نعْشي. وقد رأيْتَ ما نزَلَ به من لوْعَةِ البَينِ. والمؤمِنُ هَينٌ لَينٌ. فهلْ لكَ في تسلِيَةِ قلبِهِ. وتسْرِيَةِ كَربِهِ. بأن تُعاهِدَني على الإقالَةِ فيهِ متى استَقلْتُ. وأنْ لا تستَثْقِلَني إذا ثقّلْتُ؟ ففي الآثارِ المُنتَقاةِ. المَرويّةِ عنِ الثِّقاتِ: مَنْ أقالَ نادِماً بيعَتَهُ. أقالَهُ اللهُ عَثرتَهُ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فوعَدْتُهُ وعْداً أبرَزَهُ الحَياءُ. وفي القلْبِ أشياءُ. فاسْتَدْنى حينَئذٍ الغُلامَ إليْهِ. وقبّلَ ما بيْنَ عينَيهِ. وأنشدَ والدّمْعُ يرْفَضُّ من جَفْنَيهِ: خفِّضْ فدَتْكَ النّفسُ ما تُلاقي ... منْ بُرَحاء الوجْدِ والإشْفاقِ فما تطولُ مُدّةُ الفِراقِ ... ولا تَني ركائِبُ التّلاقي

стр. 355

بحُسنِ عوْنِ القادِرِ الخَلاّقِ ثم قال لهُ: أستودِعُكَ منْ هوَ نعْمَ الموْلى. وشمّرَ ذيلَهُ وولّى. فلبِثَ الغُلامُ في زَفيرٍ وعَويلٍ. ريثَما يقطَعُ مدى مِيلٍ. فلما استَفاقَ. وكفْكَفَ دمعَهُ المُهْراق. قال: أتدري لمَ أعوَلْتُ. وعَلامَ عوّلْتُ؟ فقلتُ: أظنّ فِراقَ موْلاكَ. هو الذي أبْكاكَ! فقال: إنّك لَفي وادٍ وأنا في وادٍ. ولكَمْ بينَ مُريدٍ ومُرادٍ. ثمّ أنشدَ: لمْ أبْكِ واللهِ على إلْفٍ نزَحْ ... ولا على فوْتِ نَعيمٍ وفرَحْ وإنّما مَدمَعُ أجْفاني سفَحْ ... على غَبيّ لحْظُهُ حينَ طمَحْ ورّطَهُ حتى نعَنّى وافتَضَحْ ... وضيّعَ المنْقوشَةَ البيضَ الوَضَحْ ويْكَ أمَا ناجَتْكَ هاتِيكَ المُلَحْ ... بأنّني حُرٌّ وبَيْعي لمْ يُبَحْ إذ كان في يوسُفَ معنًى قد وضَحْ قال: فتمثّلْتُ مَقالَهُ في مِرْآةِ المُداعِبِ. ومَعرِضِ المُلاعِبِ.

стр. 356

فتصلَّبَ تصلُّبَ المُحِقّ. وتبرّأ منْ طينَةِ الرّقّ. فجُلْنا في مُخاصَمَةٍ. اتّصَلَتْ بمُلاكَمةٍ. وأفْضَتْ الى مُحاكمَةٍ. فلمّا أوضَحْنا للقاضي الصورَةَ. وتلَوْنا علَيْهِ السّورَةَ. قال: ألا إنّ منْ أنذرَ فقدْ أعْذرَ. ومنْ حذّرَ كمَنْ بشّرَ. ومَنْ بصّرَ فما قصّرَ. وإنّ فيما شرَحتُماهُ لَدَليلاً على أنّ هذا الغُلامَ قد نبّهَكَ فما ارْعَوَيْتَ. ونصَحَ لكَ فما وعَيْتَ. فاستُرْ داءَ بلَهِكَ واكْتُمْهُ. ولُمْ نفْسَكَ ولا تلُمْهُ. وحَذارِ منِ اعتِلاقِهِ. والطّمَعِ في استِرْقاقِهِ. فإنهُ حُرُّ الأديمِ. غيرُ معَرَّضٍ للتّقْويمِ. وقدْ كانَ أبوهُ أحْضَرَهُ أمْسِ. قُبَيْلَ أُفولِ الشّمسِ. واعْترَفَ بأنّهُ فرْعُهُ الذي أنْشاهُ. وأنْ لا وارِثَ لهُ سِواهُ. فقلْتُ للقاضي: أوَتَعْرِفُ أباهُ. أخْزاهُ اللهُ؟ فقال: وهلْ يُجهَلُ أبو زيْدٍ الذي جُرْحُهُ جُبارٌ. وعِندَ كلّ قاضٍ لهُ أخبارٌ وإخْبارٌ؟ فتحرّقْتُ

стр. 357

حينَئذٍ وحوْلَقْتُ. وأفَقْتُ ولكِنْ حينَ فاتَ الوقتُ! وأيقَنْتُ أنّ لِثامَهُ كان شرَكَ مَكيدَتِهِ. وبيْتَ قَصيدَتِهِ. فنَكّسَ طَرْفي ما لَقيتُ. وآلَيْتُ أنْ لا أُعامِلَ مُلَثَّماً ما بَقيتُ. ولمْ أزَلْ أتأوّهُ لخُسْرِ صَفْقَتي. وافتِضاحي بينَ رُفقَتي. فقال ليَ القاضي. حينَ رأى امتِعاضي. وتبيّنَ حَرَّ ارتِماضي: يا هذا ما ذهَبَ منْ مالِكَ ما وعظَكَ. ولا أجْرَمَ إليْكَ مَنْ أيقَظَكَ. فاتّعِظْ بِما نابَكَ. وكاتِمْ أصْحابَكَ ما أصابَكَ. وتذكّرْ أبداً ما دهِمَكَ. لتَقيَ الذّكْرى دراهِمَكَ. وتخلّقْ بخُلْقِ منِ ابتُليَ فصبَرَ. وتجَلّتْ لهُ العِبَرُ فاعْتبَرَ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فودّعْتُهُ لابِساً ثوْبَ الخجَلِ والحَزَنِ. ساحِباً ذيْلَي الغَبْنِ والغَبَنِ.

стр. 358

ونوَيْتُ مُكاشَفَةَ أبي زيدٍ بالهَجْرِ. ومُصارَمَتَهُ يدَ الدّهْرِ. فجعَلْتُ أتنَكّبُ عن ذَراهُ. وأتجنّبُ أنْ أراهُ. الى أن غشيَني في طَريقٍ ضيّقٍ. فحيّاني تحيّةَ شَيّقٍ. فما زِدْتُ على أن عبسْتُ. وما نبَسْتُ. فقال: ما بالُكَ سمَخْتَ بأنفِكَ. على إلْفِكَ؟ فقُلْتُ: أنَسيتَ أنّكَ احتلْتَ وختَلْتَ. وفعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فعَلْتَ؟ فأضْرَطَ بي مُتَهازِياً. ثمّ أنشَدَ مُتَلافِياً: يا مَنْ بَدا منهُ صُدو ... دٌ موحِشٌ وتجهُّمُ وغَدا يَريشُ مَلاوِماً ... منْ دونِهِنّ الأسْهُمُ ويقولُ هلْ حُرٌّ يُبا ... عُ كما يُباعُ الأدْهَمُ أقْصِرْ فما أنا فيهِ بِدْ ... عاً مثلَما تتوَهّمُ

стр. 359

قد باعَتِ الأسْباطُ قبْ ... لي يوسُفاً وهُمُ هُمُ هذا وأُقسِمُ بالتي ... يَسْري إلَيْها المُتْهِمُ والطّائِفِينَ بها وهُمْ ... شُعْثُ النّواصي سُهَّمُ ما قُمْتُ ذاكَ الموْقِفَ ال ... مُخْزي وعِنْدي دِرْهَمُ فاعْذِرْ أخاكَ وكُفّ عنْ ... هُ مَلامَ مَنْ لا يَفْهَمُ ثمّ قال: أمّا معْذِرَتي فقدْ لاحَتْ. وأمّا دراهِمُكَ فقَدْ طاحَتْ. فإنْ كانَ اقْشِعْرارُكَ مني. وازْوِرارُكَ عني. لفَرْطِ شفَقَتِكَ. على غُبّرِ نفقَتِكَ. فلسْتُ ممّنْ يلْسَعُ مرّتَينِ. ويوطئُ على جمرَتَينِ. وإنْ كُنتَ طوَيْتَ كشْحَكَ. وأطَعْتَ شُحّكَ. لتَستَنْقِذَ ما علِقَ بأشْراكي. فلْتَبْكِ على عقلِكَ البَواكي. قال الحارثُ بنُ همّامٍ:

стр. 360

فاضْطرّني بلَفْظِهِ الخالِبِ. وسِحْرِهِ الغالِبِ. الى أنْ عُدْتُ لهُ صَفيّاً. وبهِ حَفِيّاً. ونبَذْتُ فَعْلَتَهُ ظِهْريّاً. وإنْ كانت شيئاً فَريّاً. المقامة الشّيرازيّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: مرَرْتُ في تَطْوافي بشِيرازَ. علي نادٍ يستَوقِفُ المُجْتازَ. ولوْ كان على أوْفازٍ. فلمْ أستَطِعْ تعَدّيهِ. ولا خطَتْ قدَمي في تخَطّيهِ. فعُجْتُ إليْهِ لأسْبُكَ سِرَّ جوهَرِهِ. وأنظُرَ كيفَ ثمَرُهُ من زَهَرِهِ. فإذا أهْلُهُ أفْرادٌ. والعائِجُ إلَيْهِمْ مُفادٌ. وبينَما نحنُ في فُكاهَةٍ أطْرَبَ منَ الأغاريدِ. وأطيَبَ منْ حلَبِ العَناقيدِ. إذِ احتَفّ بِنا ذو طِمْرَينِ. قد كاد يُناهِزُ

стр. 361

العُمْرَينِ. فحيّا بلِسانٍ طَليقٍ. وأبانَ إبانَةَ مِنطيقٍ. ثمّ احتَبى حُبوَةَ المُنتَدينَ. وقال: اللهُمّ اجْعَلْنا منَ المُهتَدينَ. فازْدَراهُ القومُ لطِمْرَيْهِ. ونَسوا أنّ المرءَ بأصغَرَيْهِ. وأخَذوا يتَداعَوْنَ فصْلَ الخِطابِ. ويعْتدّونَ عودَهُ من الأحْطابِ. وهوَ لا يُفيصُ بكلِمَةٍ. ولا يُبينُ عنْ سِمَةٍ. الى أنْ سبَرَ قرائِحَهُمْ. وخبَرَ شائِلَهُمْ وراجِحَهُمْ. فحينَ استخْرَجَ دفائِنَهُمْ. واستَنْثَلَ كنائِنَهُمْ. قال: يا قومُ لوْ علِمْتُمْ أنّ وراء الفِدامِ. صَفْوَ المُدامِ. لَما احتقَرْتُمْ ذا أخْلاقٍ. وقُلتُمْ ما لَهُ منْ خَلاقٍ! ثمّ فجّرَ منْ ينابيعِ الأدَبِ

стр. 362

والنُكَتِ النُّخَبِ. ما جلَبَ بهِ بَدائعَ العجَبِ. واستَوْجَبَ أن يُكتَبَ بذَوْبِ الذّهَبِ. فلمّا خلَبَ كُلَّ خِلْبٍ. وقلَبَ إليْهِ كلَّ قلْبٍ. تحلْحَلَ. ليَرْحَلَ. وتأهّبَ. ليَذْهَبَ. فعلِقَتِ الجماعَةُ بذَيلِهِ. وعاقَتْ مسْرَبَ سيْلِهِ. وقالتْ لهُ: قد أرَيْتَنا وسْمَ قِدْحِكَ. فخبّرْنا عنْ قَيضِكَ ومُحّكَ. فصمَتَ صُموتَ مَنْ أُفحِمَ. ثمّ أعْوَلَ حتى رُحِمَ. قال الراوي: فلما رأيتُ شوْبَ أبي زيدٍ ورَوْبَهُ. وأسلوبَهُ المألوفَ وصَوْبَهُ. تأمّلْتُ الشيخَ على سُهومَةِ مُحَيّاهُ. وسُهوكَةِ ريّاهُ. فإذا هوَ إيّاهُ. فكتَمْتُ سِرّهُ كما يُكتَمُ الداءُ الدّخيلُ. وستَرْتُ مكرَهُ وإنْ لمْ يكُنْ يُخيلُ. حتى إذا نزَعَ عنْ إعْوالِهِ. وقدْ عرَفَ عُثوري على حالِهِ. رمَقَني بعَينِ مِضْحاكٍ. ثمّ طَفِقَ يُنشِدُ بلِسانِ مُتباكٍ:

стр. 363

أستَغْفِرُ اللهَ وأعْنو لهُ ... منْ فرَطاتٍ أثقَلَتْ ظَهْريَهْ يا قوْمُ كمْ منْ عاتِقٍ عانسٍ ... ممدوحَةِ الأوْصافِ في الأنديَهْ قتَلْتُها لا أتّقي وارِثاً ... يطْلُبُ مني قوَداً أو دِيَهْ وكلّما استَذْنَبْتُ في قتْلِها ... أحَلْتُ بالذّنْبِ على الأقْضِيَهْ ولمْ تزَلْ نفسي في غَيّها ... وقتْلِها الأبكارَ مُستَشْرِيَهْ حتى نَهاني الشّيبُ لمّا بَدا ... في مَفْرِقي عنْ تِلكمُ المَعصِيَهْ فلمْ أُرِقْ مُذْ شابَ فَوْدي دماً ... منْ عاتِقٍ يوماً ولا مُصْبِيَهْ وها أنا الآن على ما يُرى ... مني ومِنْ حِرْفَتي المُكدِيَهْ

стр. 364

أرُبُّ بِكْراً طالَ تعْنيسُها ... وحجْبُها حتى عنِ الأهويَهْ وهْيَ على التّعنيسِ مخطوبَةٌ ... كخِطبَةِ الغانِيَةِ المُغْنِيَهْ وليسَ يكْفيني لتَجْهيزِها ... على الرّضى بالدّونِ إلا مِيَهْ واليَدُ لا توكي على دِرْهَمٍ ... والأرضُ قفْرٌ والسّما مُصْحِيَهْ فهلْ مُعينٌ لي على نقلِها ... مصْحوبَةً بالقَيْنَةِ المُلْهِيَهْ فيغْسِلَ الهمّ بصابونِهِ ... والقلْبُ من أفكارِهِ المُضْنِيَهْ ويقْتَني مني الثّناءَ الذي ... تَضُوعُ ريّاهُ معَ الأدْعِيَهْ قال الراوي: فلمْ يبْقَ في الجَماعَةِ إلا منْ ندِيَتْ لهُ كفُّهُ. وانْباعَ إليْهِ عُرْفُهُ.

стр. 365

فلمّا نجَحَتْ بُغيَتُهُ. وكمَلَتْ مِئَتُهُ. أخذَ يُثْني عليْهِمْ بصالِحٍ. ويشمِّرُ عنْ ساقِ سارحٍ. فتَبِعْتُهُ لأستَعْرِفَ رَبيبَةَ خِدْرِهِ. ومنْ قتَلَ في حِدْثانِ أمرِهِ. فكأنّ وشْكَ قِيامي. مثّلَ لهُ مَرامي. فازْدَلَفَ مني. وقال: افْقَهْ عني: قتْلُ مِثلي يا صاحِ مزْجُ المُدامِ ... ليسَ قتْلي بلَهْذَمٍ أو حُسامِ والتي عُنسَتْ هيَ البكرُ بنتُ ال ... كَرْمِ لا البِكْرُ من بَناتِ الكِرامِ ولتَجْهيزِها الى الكاسِ والطّا ... سِ قِيامي الذي تَرى ومُقامي فتَفَهّمْ ما قُلتُهُ وتحَكّمْ ... في التّغاضي إنْ شِئتَ أو في المَلامِ ثمّ قال: أنا عِرْبيدٌ. وأنتَ رِعْديدٌ. وبيْنَنا بوْنٌ بَعيدٌ. ثمّ ودّعَني وانطَلَقَ. وزوّدَني نظرَةً منْ ذي علَقٍ. المقامة المَلْطِيّة

стр. 366

أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أنَخْتُ بمَلْطِيّةَ مطيّةَ البَينِ. وحَقيبَتي ملأى منَ العينِ. فجعَلْتُ هِجّيرايَ. مُذْ ألقَيْتُ بها عصايَ. أن أتورّدَ موارِدَ المرَحِ. وأتصيّدَ شوارِدَ المُلَحِ. فلمْ يَفُتْني بها منظَرٌ ولا مسمَعٌ. ولا خَلا مني ملعَبٌ ولا مرتَعٌ. حتى إذا لمْ يبْقَ لي فيها مأرَبٌ. ولا في الثّواء بها مَرْغَبٌ. عمَدْتُ لإنْفاقِ الذّهبِ. في ابتِياعِ الأُهَبِ. فلمّا أكمَلْتُ الإعْدادَ. وتهيّأ الظّعْنُ منها أو كادَ. رأيتُ تِسعَةَ رهْطٍ قد سبأوا قهوَةً. وارتَبأوا ربْوَةً. ودماثَتُهُمْ قيْدُ الألحاظِ. وفُكاهَتُهُمْ حُلوَةُ الألْفاظِ. فنحَوْتُهُمْ

стр. 367

طلَباً لمُنادَمتِهِمْ. لا لمُدامَتِهِمْ. وشَعَفاً بمُمازَجَتِهِمْ لا بزُجاجَتِهمْ. فلمّا انتظَمْتُ عاشِرَهُمْ. وأضحَيْتُ مُعاشِرَهمْ. ألفَيتُهُمْ أبناءَ عَلاّتٍ. وقَذائِفَ فلَواتٍ. إلا أنّ لُحْمَةَ الأدَبِ. قد ألّفَتْ شمْلَهُمْ أُلفَةَ النّسَبِ. وساوَتْ بينهُم في الرُّتَبِ. حتى لاحوا مثلَ كواكِبِ الجوْزاءِ. وبدَوْا كالجُملَةِ المُتناسِبَةِ الأجْزاءِ. فأبْهَجَني الاهتِداءُ إليْهِمْ. وأحمَدْتُ الطّالِعَ الذي أطلعَني عليْهِمْ. وطفِقْتُ أُفيضُ بقِدْحي معَ قِداحِهِمْ. وأسْتَشْفي برِياحِهِمْ لا بِراحِهِمْ. حتى أدّتْنا شُجونُ المُفاوضَةِ. الى التّحاجي بالمُقايَضَةِ. كقوْلِكَ إذا عنَيْتَ

стр. 368

بهِ الكَراماتِ. ما مثلُ النّوْمُ فاتَ. فأنْشأنا نجْلو السُهَى والقمرَ. ونجْني الشّوْكَ والثّمَرَ. وبيْنا نحنُ ننْشُرُ القَشيبَ والرّثَّ. وننْشُلُ السّمينَ والغَثَّ. وغَلَ عليْنا شيخٌ قد ذهَبَ حِبرُهُ وسِبْرُهُ. وبقِيَ خُبْرُهُ وسَبْرُهُ. فمثَلَ مُثولَ منْ يسمَعُ وينظُرُ. ويلتَقِطُ ما ننْثُرُ. الى أن نُفِضَتِ الأكياسُ. وحصْحَصَ الياسُ. فلمّا رأى إجْبالَ القَرائِحِ. وإكْداءَ الماتِحِ والمائِحِ. جمَعَ أذيالَهُ. وولاّنا قَذالَهُ. وقال: ما كُلّ سوْداء تمْرَةٌ. ولا كلّ صهْباء خمرَةٌ. فاعْتَلَقْنا بهِ

стр. 369

اعتِلاقَ الحِرْباء بالأعْوادِ. وضربْنا دونَ وِجْهَتِهِ بالأسْدادِ. وقلْنا لهُ: إن دَواء الشّقّ أن يُحاصَ. وإلا فالقِصاصَ القِصاصَ. فلا تطمَعْ في أن تجْرَحَ وتطْرَحَ. وتُنهِرَ الفَتْقَ وتسْرَحَ! فلوَى عِنانَهُ راجِعاً. ثم جثَمَ بمَكانِهِ راصِعاً. وقال: أمّا إذا استَثَرْتُموني بالبَحْثِ. فلأحْكُمُ حُكمَ سُلَيْمانَ في الحرْثِ. اعْلَموا يا ذَوي الشّمائِلِ الأدبِيّةِ. والشَّمولِ الذّهبيّةِ. أنّ وضْعَ الأُحجِيّةِ. لامتِحانِ الألمَعيّةِ. واستِخْراجِ الخَبيّةِ الخفيّةِ. وشرْطُها أنْ تكونَ ذاتَ مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ. وألْفاظٍ معْنَويّةٍ. ولَطيفَةٍ أدَبيّةٍ. فمتى نافَتْ هذا النّمَطَ. ضاهَتِ

стр. 370

السّقَطَ. ولمْ تدْخُلِ السّفَطَ. ولم أرَكُمْ حافَظتُمْ على هذهِ الحُدودِ. ولا مِزْتُمْ بينَ المقبولِ والمرْدودِ. فقُلْنا لهُ: صدَقْتَ. وبالحقّ نطَقْتَ. فكِلْ لَنا منْ لُبابِكَ. وأفِضْ عليْنا منْ عُبابِكَ. فقال: أفْعَلُ لئلاّ يرْتابَ المُبطِلونَ. ويظنّوا بيَ الظّنونَ. ثمّ قابلَ ناظُورَةَ القومِ وقال: يا مَنْ سَما بذَكاءٍ ... في الفضلِ واري الزِّنادِ ماذا يُماثِلُ قولي ... جوعٌ أُمِدّ بزادِ ثمّ ضحِكَ الى الثّاني وأنشدَ: يا ذا الذي فاقَ فضْلاً ... ولمْ يُدَنّسْهُ شَينُ ما مثلُ قوْلِ المُحاجي ... ظهْرٌ أصابَتْهُ عينُ ثمّ لحَظَ الثّالِثَ وأنشأ يقول: يا مَنْ نتائِجُ فكرِهِ ... مثلُ النّقودِ الجائِزَهْ ما مثلُ قولِكَ للّذي ... حاجَيْتَ صادَفَ جائِزَهْ ثمّ أتلَعَ الى الرّابِعِ وقال:

стр. 371

أيا مُستَنْبِطَ الغام ... ضِ منْ لُغْزٍ وإضْمارِ ألا اكْشِفْ ليَ ما مثلُ ... تناوَلْ ألفَ دينارِ ثمّ رَمى الخامِسَ ببصرِه وقال: يا أيّهَذا الألْمَع ... يّ أخو الذّكاء المُنجَلي ما مثلُ أهْمَلَ حِليَةً ... بيِّنْ هُديتَ وعجِّلِ ثمّ التفَت لفْتَ السّادِسِ وقال: يا مَنْ تقصّرُ عن مَدا ... هُ خُطى مُجارِيهِ وتضْعُفْ ما مثلُ قولِكَ للّذي ... أضْحى يحاجيكَ اكفُفِ اكفُفْ ثمّ خلجَ السابعَ بحاجِبِه وقال: يا منْ لهُ فِطنَةٌ تجلّتْ ... ورُتبَةٌ في الذّكاء جلّتْ بيّنْ فما زِلْتَ ذا بَيانٍ ... ما مثلُ قولي الشَقيقُ أفلَتْ ثم استنْصَتَ الثّامِنَ وأنشدَ: يا مَنْ حدائِقُ فضلِهِ ... مطلولَةُ الأزهارِ غضّهْ

стр. 372

ما مثلُ قولِكَ للمُحا ... جي ذي الحِجى ما اختارَ فِضّهْ ثمّ حدجَ التاسِعَ ببصرِهِ وقال: يا منْ يُشارُ إليهِ في ال ... قلبِ الذّكيّ وفي البَراعَهْ أوضِحْ لنا ما مثلُ قوْ ... لِكَ للمُحاجي دُسْ جماعَهْ قال الراوي: فلما انتهى إليّ. هزّ مَنكِبَيّ. وقال: يا منْ لهُ النُّكَتُ التي ... يُشجي الخُصومَ بها وينكُتْ أنتَ المُبينُ فقُلْ لنا ... ما مثلُ قوْلي خاليَ اسكُتْ ثم قال: قد أنْهلْتُكُمْ وأمهَلتُكُمْ. وإنْ شِئْتُمْ أنْ أعُلّكُمْ علّلتُكُمْ. قال: فألْجأنا لهَبُ الغُلَلِ. الى استِسقاء العَلَلِ. فقال: لستُ كمَنْ يستأثِرُ على نَديمِهِ. ولا ممّنْ سمْنُهُ في أديمِه. ثمّ كرّ على الأوّلِ وقال: يا منْ إذا أشكلَ المُعَمّى ... جلَتْهُ أفكارهُ الدّقيقَهْ

стр. 373

إنْ قال يوماً لكَ المُحاجي ... خذْ تلكَ ما مِثلُهُ حَقيقَهْ ثم ثَنى جيدَهُ الى الثّاني وقال: يا منْ بَدا بيانُهُ ... عنْ فضلِهِ مُبيِّنا ماذا مثالُ قولِهِمْ ... حِمارُ وحْشٍ زُيّنا ثم أوحى الى الثالثِ بلحْظِهِ وقال: يا منْ غدا في فضلِهِ ... وذكائِهِ كالأصْمَعي ما مثلُ قولِكَ للذي ... حاجاكَ أنْفِقْ تقمَعِ ثمّ حملَقَ الى الرّابعِ وأنشدَ: يا منْ إذا ما عَويصٌ ... دجا أنارَ ظلامَهْ ماذا يُماثِلُ قوْلي ... إسْتَنْشِ ريحَ مُدامَهْ ثمّ أومضَ الى الخامِسِ وقال:

стр. 374

يا مَنْ تنزّهَ فَهمُهُ ... عنْ أن يرَوّي أو يَشُكّا ما مثلُ قولِكَ للذي ... أضْحى يُحاجي غطِّ هَلكى ثمّ أقبلَ قِبَلَ السادِسِ وأنشدَ: يا أخا الفِطنَةِ التي ... بانَ فيها كمالُهُ سارَ باللّيلِ مُدّةً ... أيُّ شيءٍ مثالُهُ ثم نَحا بصرَهُ الى السابِعِ وقال: يا منْ تحلّى بفَهْمٍ ... أقامَ في الناسِ سوقَهْ لكَ البَيانُ فبيّنْ ... ما مثلُ أحْبِبْ فَروقَهْ ثم قصدَ قصْدَ الثامنِ وأنشدَ: يا منْ تبوّأ ذِروَةً ... في المجدِ فاقتْ كلَّ ذرْوَهْ ما مثلُ قولِكَ أعطِ إذْ ... ريقاً يلوحُ بغيرِ عُروَهْ ثم ابتسمَ الى التّاسِعِ وقال: يا مَنْ حوَى حُسنَ الدّرا ... يَةِ والبَيانِ بغيرِ شكِّ

стр. 375

ما مثلُ قولِكَ للمُحا ... جي ذي الذّكاء الثّورُ مِلكي ثم قبَضَ بجُمْعِهِ على رُدْني وقال: يا مَنْ سَما بثُقوبِ فِطنَتِهِ ... في المُشكلاتِ ونورِ كوْكبهِ ماذا مِثالُ صَفيرُ جَحفَلةٍ ... بيّنْهُ تِبْياناً ينمّ بهِ قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أطرَبَنا بما سمِعْناهُ. وطالَبَنا مُكاشَفَةَ معْناهُ. قُلنا لهُ: لسْنا منْ خيلِ هذا المَيدانِ. ولا لَنا بحَلّ هذِه العُقَدِ يَدانِ. فإنْ أبَنْتَ. مننْتَ. وإنْ كتَمْتَ. غممْتَ. فظَلّ يُشاوِرُ نفسَيْهِ. ويُقلّبُ قِدْحَيْهِ. حتى هانَ بذْلُ الماعونِ عليْهِ. فأقبَلَ حينئذٍ على الجَماعةِ. وقال: يا أّلَ البَلاغَةِ والبَراعَةِ. سأعلّمُكُمْ ما لمْ تكونوا

стр. 376

تعْلَمونَ. ولا ظننْتُمْ أنّكُمْ تُعلَّمونَ. فأوْكوا عليْهِ الأوعِيَةَ. وروِّضوا بهِ الأنديَةَ. ثمّ أخذَ في تفسيرٍ صقلَ به الأذْهانَ. واستفْرَغ معهُ الأرْذانَ. حتى آضَتِ الأفْهامُ أنْوَرَ منَ الشّمسِ. والأكْمامُ كأنْ لمْ تغْنَ بالأمسِ. ولمّا همّ بالمَفرّ. سُئِلَ عنِ المَقَرّ. فتنفّسَ كم تتنفّسُ الثَّكولُ. وأنشأ يقولُ: كلُّ شِعْبٍ ليَ شِعْبُ ... وبهِ رَبْعيَ رحْبُ غيرَ أنّي بسَروجٍ ... مُستَهامُ القلْبِ صَبّ هيَ أرضي البِكرُ والج ... وُّ الذي فيهِ المَهَبّ والى روضَتِها الغنّا ... ء دونَ الرّوضِ أصْبو ما حَلا لي بعْدَها حُلْ ... وٌ ولا اعْذَوْذَبَ عذْبُ قال الراوي: فقلْتُ لأصحابي هذا أبو زيدٍ السَّروجيّ. الذي أدْنى مُلَحِهِ الأحاجيّ. وأخذْتُ أصِفُ لهُمْ حُسنَ توشيَتِهِ. وانقِيادَ الكَلامِ

стр. 377

لمشيّتِهِ. ثمّ التفَتُّ فإذا بهِ قدْ طمَرَ. وناءَ بما قمَرَ. فعجِبْنا ممّا صنَعَ إذْ وقَعَ. ولمْ ندْرِ أيْنَ سكَعَ وصَقَعَ. تفسير الأحاجي المودعة هذه المقامة أما جوع أمدّ بزاد. فمثله طوامير. وأما ظَهر إصابته عَين، فمثله مطاعين. وأما صادف جائزة، فمثله الفاصلة. وأما تناول ألف دينار، فمثله هادية. وأما أهمل حلية، فمثله الغاشية. وأما اكفف اكفف، فمثله مهمه. وأما الشقيق افلت، فمثله أخطار. وأما ما اختار فضة. فمثله أبارقة، لأن الرقة من أسماء الفضة وقد نطق بها النبي، ﷺ ، فقال في الرقة ربع العشر. وأما دس جماعة، فمثله طافية. وأما خالي اسكت، فمثله خالصة، لأنك إذا ناديت مضافاً الى نفسك جاز لك حذف الياء وإثباتها ساكنة ومتحرّكة، وقد حذف ههنا حرف النداء كما حذفه في أصل الأحجية، وصه بمعنى اسكت. وأما خذ تلك، فمثله هاتيك، وأما حمار وحش زينا، فمثله فرازين،

стр. 378

لأن الفرا حمار الوحش، ومنه الحديث: كل الصيد في جوف الفرا. وأما قوله انفق تقمع، فمثله منتقم، لأن الأمر من مان يمون مُنْ. ومضارع وقمت تقِم. وأما استنش ريح مدامة، فمثله رحراح، لأن الأمر من استدعاء الرائحة رح. وأما غطِّ هلكى، فمثله صُنبور، لأن البور هم الهلكى، وفي القرآن: وكنتم قوماً بوراً. وأما سار بالليل مدة، فمثله سراحين. وأما احبب فروقة، فمثله مقلاع، لأن الأمر من ومق يمق مق، واللاع الجبان، يقال فلان هاع لاع إذا كان جباناً جزعاً. وأما اعطِ إبريقاً يلوح بغير عروة، فمثله اسكوب، لأن الأوس الإعطاء والأمر اس، والكوب الإبريق بغير عروة، وأما الثور ملكي، فمثله اللآلي، لأن اللأى على وزن القنا هو ثور الوحش. وأما صفير جحفلة، فمثله مكاشفة، لأن المكاء الصفير. قال الله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية؛ والأصل في المكاء المد ولكنه قصره في هذه الأحجية كما حذف همزة الفراء في أحجيته. وكلا الأمرين من قصر الممدود وحذف همزة المهموز جائز. المقامة الصَّعْديّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أصْعَدْتُ الى صَعْدَةَ. وأنا ذو

стр. 379

شَطاطٍ يحْكي الصّعْدَةَ. واشتِدادٍ يبدُرُ بناتِ صَعدةَ. فلمّا رأيتُ نَضرتَها. ورعَيْتُ خُضرتَها. سألتُ نَحاريرَ الرّواةِ. عمّنْ تحْويهِ منَ السَّراةِ. ومعادِنِ الخيْراتِ. لأتّخِذَهُ جَذْوَةً في الظُلُماتِ. ونَجدَةً في الظُّلاماتِ. فنُعِتَ لي قاضٍ بها رحيبُ الباعِ. خَصيبُ الرِّباعِ. تَميميُّ النّسَبِ والطّباعِ. فلمْ أزَلْ أتقرَّبُ إليْهِ بالإلْمامِ. وأتَنَفّقُ عليهِ بالإجْمامِ. حتى صِرْتُ صَدى صَوْتِهِ. وسَلْمانَ بيتِهِ. وكنتُ معَ اشْتِيارِ شَهْدِهِ. وانتِشاقِ

стр. 380

رَنْدِهِ. أشْهَدُ مَشاجِرَ الخُصومِ. وأسفِرُ بينَ المَعصومِ منهُمْ والموْصومِ. فبَينَما القاضي جالِسٌ للإسْجالِ. في يومِ المحْفِلِ والاحتِفالِ. إذ دخَلَ شيخٌ بالي الرّياشِ. بادِي الارتِعاشِ. فتبصّرَ الحفْلَ تبصُّرَ نقّادٍ. ثم زعَمَ أنّ لهُ خصْماً غيرَ مُنقادٍ. فلمْ يكُنْ إلا كضَوْء شَرارَةٍ. أو وحْيِ إشارٍَ. حتى أُحضِرَ غُلامٌ. كأنّهُ ضِرْغامٌ. فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ. وعصَمَهُ منَ التّغاضي. إنّ ابْني هذا كالقَلَمِ الرّديّ. والسيفِ الصّدِيّ. يجهَلُ أوْصافَ الإنصافِ. ويرْضَعُ أخلافَ الخِلافِ. إنْ أقدَمتُ أحجَمَ. وإذا أعرَبْتُ أعجَمَ. وإنْ أذْكَيْتُ أخْمَدَ. ومتى شوَيتُ رمّدَ. معَ أنّي كفَلْتُهُ مُذْ

стр. 381

دَبّ. الى أن شبّ. وكنتُ لهُ ألْطَفَ مَنْ ربّى ورَبَّ. فأكْبَرَ القاضي ما شَكا إليْهِ. وأطْرَفَ بهِ منْ حَوالَيْهِ. ثمّ قال: أشْهَدُ أنّ العُقوقَ أحدُ الثُّكْلَينِ. ولَرُبّ عُقْمٍ أقَرُّ للعَينِ. فقالَ الغُلامُ. وقد أمعَضَهُ هذا الكلامُ: والذي نصَبَ القُضاةَ للعدْلِ. وملّكَهُمْ أعِنّةَ الفضْلِ والفَصْلِ. إنّه ما دَعا قَطُّ إلا أمّنْتُ. ولا ادّعى إلا آمَنْتُ. ولا لَبّى إلا أحْرَمْتُ. ولا أوْرَى إلا أضْرَمْتُ. بيْدَ أنهُ كمَنْ يبْغي بيْضَ الأنُوقِ. ويطْلُبُ الطّيَرانَ منَ النّوقِ! فقالَ لهُ القاضي: وبِمَ أعْنَتَكَ. وامتَحَنَ طاعتَكَ؟ قال: إنهُ مُذْ صَفِرَ منَ المالِ. ومُنِيَ بالإمْحالِ. يسومُني أنْ أتلَمّظَ بالسّؤالِ. وأستَمْطِرَ سُحْبَ

стр. 382

النّوالِ. ليَفيضَ شِربُهُ الذي غاضَ. وينْجَبرَ منْ حالِهِ ما انْهاضَ. وقد كانَ حينَ أخذَني بالدّرْسِ. وعلّمَني أدَبَ النّفْسِ. أشْرَبَ قلْبي أنّ الحِرْصَ مَتعَبَةٌ. والطّمَعَ معْتَبَةٌ. والشَّرَهُ مَتْخَمَةٌ. والمسألَةَ مَلأمَةٌ. ثمّ أنشدَني منْ فلْقِ فيهِ. ونحْتِ قَوافيهِ: إرْضَ بأدنى العيشِ واشْكُرْ عليْهِ ... شُكْرَ منِ القُلُّ كثيرٌ لدَيْهْ وجانِبِ الحِرصَ الذي لم يزَلْ ... يحُطُّ قدْرَ المُتَراقي إلَيْهْ وحامِ عنْ عِرضِكَ واستَبْقِهِ ... كما يُحامي اللّيْثُ عنْ لِبْدتَيْهْ واصْبِرْ على ما نابَ منْ فاقَةٍ ... صبْرَ أولي العزْمِ وأغمِضْ عليْهْ ولا تُرِقْ ماء المُحَيّا ولوْ ... خوّلَكَ المسْؤولُ ما في يدَيْهْ فالحُرُّ مَنْ إنْ قَذيَتْ عينُهُ ... أخْفى قَذى جَفنَيْهِ عن ناظِرَيْهْ ومَنْ إذا أخْلَقَ ديباجُهُ ... لمْ يرَ أنْ يُخْلِقَ ديباجَتَيْهْ

стр. 383

قال: فعبَسَ الشيخُ واكفهَرّ. وانْدرَأ على ابنِهِ وهرّّ. وقال لهُ: صَهْ يا عُقَقُ. يا مَنْ هوَ الشّجَى والشَّرَقُ! ويْكَ أتُعَلّمُ أمّكَ البِضاعَ. وظِئْرَكَ الإرْضاعَ؟ لقدْ تحكّكَتِ العقْرَبُ بالأفعى. واستَنّتِ الفِصالُ حتى القَرْعى! ثمّ كأنّهُ ندِمَ على ما فرَطَ منْ فيهِ. وحدَتْهُ المِقَةُ على تَلافِيهِ. فرَنا إلَيْهِ بعينِ عاطِفٍ. وخفضَ لهُ جناحَ مُلاطِفٍ. وقال لهُ: ويْكَ يا بُنيّ إنّ مَنْ أُمِرَ بالقَناعَةِ. وزُجِرَ عنِ الضّراعَةِ. هُمْ أرْبابُ البِضاعَةِ. وأولُو المَكسَبَةِ بالصّناعَةِ. فأمّا ذَوو الضّروراتِ. فقدِ استُثْنيَ بهِمْ في المَحْظوراتِ. وهبْكَ جهِلْتُ هذا التّأويلَ. ولمْ يبلُغْكَ ما قيلَ. ألسْتَ الذي عارَضَ

стр. 384

أباهُ. في ما قالَ وما حاباهُ: لا تقْعُدَنّ على ضُرٍّ ومسْغَبَةٍ ... لكيْ يُقالَ عزيزُ النّفسِ مُصطَبِرُ وانظُرْ بعينِكَ هل أرضٌ مُعطّلةٌ ... منَ النّباتِ كأرضٍ حفّها الشّجَرُ فعَدِّ عمّا تُشيرُ الأغْبِياءُ بهِ ... فأيُّ فضْلٍ لعودٍ ما لهُ ثمَرُ وارْحَلْ رِكابَكَ عن ربْعٍ ظمئتَ به ... الى الجَنابِ الذي يَهمي بهِ المطَرُ واستَنزِلِ الرّيَّ من دَرّ السّحابِ فإنْ ... بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الظّفَرُ وإنْ رُدِدتَ فما في الرّدّ مَنقَصَةٌ ... عليكَ قد رُدّ موسى قبلُ والخَضِرُ قال: فلما أنْ رأى القاضي تَنافيَ قولِ الفتى وفِعلِهِ. وتحلّيَهُ بما ليسَ منْ

стр. 385

أهلِهِ. نظَرَ إليْهِ بعَينٍ غَضْبى. وقال: أتَميميّاً مرّةً وقَيسِيّاً أخرى؟ أُفٍّ لمَنْ ينقُضُ ما يَقولُ. ويتلوّنُ كما تتلوّنُ الغولُ! فقال الغُلامُ: والذي جعلَكَ مِفْتاحاً للحَقّ. وفتّاحاً بينَ الخَلْقِ. لقدْ أُنسيتُ مُذْ أسِيتُ. وصَدِئ ذِهْني مُذْ صَديتُ. على أنّهُ أينَ البابُ الفُتُحُ. والعَطاءُ السُّرُحُ؟ وهلْ بقيَ منْ يتبرّعُ باللُّهى. وإذا استُطْعِمَ يقولُ ها؟ فقالَ لهُ القاضي: مَهْ! فمَعَ الخَواطئ سهْمٌ صائِبٌ. وما كُلُّ برْقٍ خالِبٌ. فميّزِ البُروقَ إذا شِمْتَ. ولا تشْهَدْ إلا بما علِمْتَ.

стр. 386

فلمّا تبيّنَ للشّيخِ أنّ القاضيَ قدْ غضِبَ للكِرامِ. وأعْظَمَ تبْخيلَ جميعِ الأنامِ. علِمَ أنّهُ سينصُرُ كلِمَتَهُ. ويُظهِرُ أُكرومَتَهُ. فما كذّبَ أنْ نصَبَ شبكَتَهُ. وشوَى في الحَريقِ سمكَتَهُ. وأنْشأ يقول: يا أيّها القاضي الذي عِلمُهُ ... وحِلمُهُ أرسَخُ منْ رَضْوَى قدِ ادّعى هَذا على جهلِهِ ... أنْ ليسَ في الدُنيا أخو جَدوى وما دَرَى أنكَ منْ معشَرٍ ... عطاؤهُمْ كالمَنِّ والسّلْوى فجُدْ بِم يَثْنيهِ مُستَخزِياً ... مما افتَرى من كذِبِ الدّعوى وأنثَني جَذْلانَ أُثْني بما ... أولَيتَ من جَدوى ومن عَدوى قال: فهَشّ القاضي لقولِهِ. وأجزَلَ لهُ منْ طولِهِ. ثمّ لفتَ وجهَهُ الى الغُلامِ. وقد نصَلَ لهُ أسهُمَ المَلامِ. وقال لهُ: أرأيْتَ

стр. 387

بُطْلَ زعْمِكَ. وخطَأَ وهْمِكَ؟ فلا تَعجَلْ بعدَها بذَمّ. ولا تنْحَتْ عوداً قبلَ عجْمٍ. وإيّاكَ وتأبّيكَ. عن مُطاوَعَةِ أبيكَ! فإنّكَ إنْ عُدتَ تعُقُّهُ. حاقَ بكَ مني ما تستحِقُّهُ. فسُقِطَ الفَتى في يدِهِ. ولاذَ بحِقْوِ والِدِهِ. ثمّ نهضَ يُحفِدُ. وتبِعَهُ الشيخُ يُنشدُ: منْ ضامَهُ أو ضارَهُ دهرُهُ ... فلْيَقْصِدِ القاضيَ في صَعْدَهْ سمَاحُهُ أزْرى بمَنْ قبلَهُ ... وعدْلُهُ أتْعَبَ مَنْ بعْدَهْ قال الرّاوي: فحِرْتُ بينَ تعْريفِ الشيخِ وتنْكيرِهِ. الى أنِ احْرَورَفَ لمَسيرِهِ. فناجَيْتُ النّفْسَ باتّباعِهِ. ولوْ الى رِباعِهِ. لعَلّي أظهَرُ على أسرارِهِ. وأعْرِفُ شجرَةَ نارِهِ. فنبَذْتُ العُلَقَ. وانطلَقْتُ حيثُ انطلَقَ. ولم يزَلْ يخْطو وأعْتَقِبُ. ويبْعُدُ وأقتَرِبُ. الى أن تَراءى

стр. 388

الشّخْصانِ. وحقّ التّعارُفُ على الخُلْصانِ. فأبْدى حينَئِذٍ الاهْتِشاشَ. ورفَعَ الارتِعاشَ. وقال: منْ كاذَبَ أخاهُ فلا عاشَ! فعرَفْتُ عندَ ذلِكَ أنهُ السَّروجيُّ بِلا مَحالَةٍ. ولا حُؤولِ حالَةٍ. فأسرَعْتُ إليْهِ لأصافِحَهُ. وأستَعْرِفَ سانِحَهُ وبارِحَهُ. فقال: دونَكَ ابنَ أخيكَ البَرَّ. وترَكَني ومَرَّ. فلمْ يعْدُ الفتَى أنِ افْتَرّ. ثمّ فَرّ كما فَرّ. فعُدْتُ وقد استَبَنْتُ عينَهُما. ولكِنْ أينَ هُما. المقامة المَرْوِيَّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: حُبّبَ إليّ مُذْ سعَتْ قدَمي. ونفَثَ قلَمي. أنْ أتّخِذَ الأدَبَ شِرْعَةً. والاقتِباسَ منهُ نُجْعَةً. فكُنتُ

стр. 389

أنَقّبُ عنْ أخبارِهِ. وخزَنَةِ أسْرارِهِ. فإذا ألْفَيْتُ منهُمْ بُغيَةَ الملتَمِسِ. وجُذْوَةَ المُقتَبِسِ. شدَدْتُ يَدي بغَرْزِهِ. واستَنزَلْتُ منهُ زَكاةَ كنزِهِ. على أنّي لمْ ألْقَ كالسَّروجيّ في غَزارَةِ السُّحْبِ. ووضْعِ الهِناء مَواضِعَ النُّقْبِ. إلا أنهُ كانَ أسْيَرَ منَ المثَلِ. وأسرَعَ منَ القمَرِ في النُّقَلِ. وكنتُ لهَوى مُلاقاتِهِ. واستِحْسانِ مَقاماتِهِ. أرْغَبُ في الاغتِرابِ. وأستَعْذِبُ السّفَرَ الذي هوَ قِطعَةٌ من العَذابِ. فلمّا تطوّحْتُ الى مرْوَ. ولا غَرْوَ. بشّرَني بمَلقاهُ زجْرُ الطّيرِ.

стр. 390

والفألُ الذي هوَ بَريدُ الخيرِ. فلمْ أزَلْ أنشُدُهُ في المحافِلِ. وعندَ تلَقّي القَوافِلِ. فلا أجِدُ عنْهُ مُخبِراً. ولا أرى لهُ أثَراً ولا عِثْيَراً. حتى غلَبَ اليأسُ الطّمَعَ. وانْزَوى التّأميلُ وانْقمَعَ. فإني لَذاتَ يومٍ بحضْرَةِ والي مرْوَ. وكانَ ممّنْ جمَعَ الفضْلَ والسَّرْوَ. إذ طلَعَ أبو زيْدٍ في خلَقٍ مِمْلاقٍ. وخُلُقٍ مَلاّقٍ. فحَيّا تحيّةَ المُحْتاجِ. إذا لقِيَ ربَّ التّاجِ. ثمّ قالَ لهُ: اعْلَمْ وُقيتَ الذّمّ. وكُفيتَ الهَمّ. أنّ مَنْ عُذِقَتْ بهِ الأعْمالُ. أُعْلِقَتْ بهِ الأمالُ. ومَنْ رُفِعَتْ لهُ الدّرَجاتُ. رُفِعَتْ إليْهِ الحاجاتُ. وأنّ السّعيدَ منْ إذا قدَرَ. وواتاهُ القدَرُ. أدّى زكاةَ النِّعَمِ. كما يؤدّي زكاةَ النَّعَمِ. والتزَمَ لأهْلِ الحُرَمِ.
следующие страницы →