← Адаб

Адаб · id 26585

مقامات الحريري

الحريري

Полный текст (555 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أستَقْري صوْبَ الصّوتِ اللّيْليّ. وأتوسّمُ الوُجوهَ بالنّظَرِالجَليّ. الى أنْ لمحْتُ أبا زيْدٍ وابنَهُ يتحادَثان. وعلَيهِما بُرْدانِ رثّانِ. فعَلِمتُ أنّهُما نجِيّا ليلَتي. ومُعْتَزَى رِوايَتي. فقَصَدْتُهُما قصْدَ كلِفٍ بدَماثَتِهِما. راثٍ لرَثاثَتِهِما. وأبَحْتُهُما التحَوّلَ الى رحْلي. والتّحكّمَ في كُثْري وقُلّي. وطَفِقْتُ أُسيّرُ بينَ السّيّارةِ فضْلَهُما. وأهُزّ الأعْوادَ المُثمِرَةَ لهُما. الى أنْ غُمِرا بالنُّحْلانِ. واتُّخِذا منَ الخُلاّنِ. وكُنّا بمعرَّسٍ نتبيّنُ منْهُ بُنْيانَ القُرَى. ونتنوّرُ نيرانَ القِرَى. فلمّا رأى أبو زيدٍ امتِلاءَ كِيسِهِ. وانجِلاءَ بُوسِهِ. قال لي: إنّ بدَني قدِ اتّسَخَ. ودرَني قد رسَخَ. أفتأذَنُ لي في قصْدِ قريَةٍ لأستَحمّ. وأقضيَ

стр. 37

هذا المُهِمَّ؟ فقلتُ: إذا شِئْتَ فالسّرعَةَ السّرْعَهْ. والرّجعَةَ الرّجْعَهْ! فقال: ستجِدُ مطْلَعي عليْكَ. أسرَعَ منِ ارْتِدادِ طرْفِكَ إليْكَ. ثمّ استَنّ استِنانَ الجَوادِ في المِضْمارِ. وقال لابْنِهِ: بَدارِ بَدارِ! ولمْ نخَلْ أنّهُ غَرَّ. وطلَبَ المفَرّ. فلبِثْنا نرقُبُهُ رِقبَةَ الأعْيادِ. ونستَطلِعُهُ بالطّلائِعِ والرّوّادِ. الى أنْ هَرِمَ النّهارُ. وكادَ جُرُفُ اليومِ ينْهارُ. فلمّا طالَ أمَدُ الانتِظارِ. ولاحَتِ الشمسُ في الأطْمارِ. قُلتُ لأصْحابي: قد تَناهَيْنا في المُهْلَةِ. وتمادَيْنا في الرّحلَةِ. الى أنْ أضَعْنا الزّمانَ. وبانَ أنّ الرجُلَ قد مان. فتأهّبوا للظّعَنِ. ولا تَلْووا على خضْراء الدِّمنِ. ونَهَضْتُ لأحدِجَ راحِلَتي. وأتحمّلَ لرِحلَتي. فوجدْتُ أبا زيْدٍ قد كتبَ. على القَتَبِ:

стр. 38

يا مَنْ غَدا لي ساعِداً ... ومُساعِداً دونَ البَشَرْ لا تحْسَبَنْ أنّي نأي ... تُكَ عنْ مَلالٍ أو أشَرْ لكنّني مُذْ لمْ أزَلْ ... ممّنْ إذا طَعِمَ انتشَرْ قال: فأقْرَأتُ الجَماعةَ القتَبَ. ليعْذِرَهُ منْ كان عتَبَ. فأُعجِبوا بخُرافَتِه. وتعوّذوا منْ آفَتِه. ثمّ إنّا ظعَنّا. ولمْ ندْرِ منِ اعتاضَ عنّا. المقامة الكوفيّة حَكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: سمَرْتُ بالكوفَةِ في ليلَةٍ أديمُها ذو لوْنَينِ. وقمرُها كتَعْويذٍ من لُجَينٍ. معَ رُفقَةٍ غُذوا بلِبانِ البَيانِ. وسحَبوا على سَحْبانَ ذيْلَ النّسْيانِ. ما فيهِمْ إلا مَنْ

стр. 39

يُحْفَظُ عنْهُ ولا يُتَحفَّظُ منْهُ. ويَميلُ الرّفيقُ إليهِ ولا يَميلُ عنهُ. فاستَهْوانا السّمَرُ. الى أنْ غرَبَ القمَرُ. وغلَبَ السّهَرُ. فلمّا روّقَ الليْلُ البَهيمُ. ولمْ يبْقَ إلا التّهويمُ. سمِعْنا منَ البابِ نبْأةَ مُستَنْبِحٍ. ثمّ تلَتْها صكّةُ مُستفْتِحٍ. فقُلنا: منِ المُلِمّ. في اللّيلِ المُدْلَهِمّ؟ فقال: يا أهلَ ذا المَغْنى وُقيتُمْ شَرّا ... ولا لَقيتُمْ ما بَقيتُمْ ضُرّا قدْ دفَعُ الليلُ الذي اكْفَهَرّا ... الى ذَراكُمُ شَعِثاً مُغْبَرّا أخا سِفارٍ طالَ واسْبَطَرّا ... حتى انْثَنى مُحْقَوْقِفاً مُصْفَرّا مثلَ هِلالِ الأُفْقِ حينَ افْتَرّا ... وقد عَرا فِناءكُمْ مُعْتَرّا وأمَّكُمْ دونَ الأنام طُرّا ... يبْغي قِرًى منكُمْ ومُستَقَرّا

стр. 40

فَدونَكُمْ ضَيْفاً قَنوعاً حُرّا ... يرْضَى بما احْلَوْلى وما أمَرّا وينثَني عنْكُمْ ينُثّ البِرّا قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا خلَبَنا بعُذوبَةِ نُطقِهِ. وعلِمْنا ما وَراء برْقِه. ابتَدَرْنا فتْحَ البابِ. وتلَقّيناهُ بالتّرْحابِ. وقُلْنا للغُلامِ: هيّا هَيّا. وهلُمّ ما تَهيّا! فقالَ الضّيفُ: والذي أحَلّني ذَراكُمْ. لا تلَمّظْتُ بقِراكُمْ. أو تَضْمَنوا لي أنْ لا تتّخِذوني كَلاًّ. ولا تجَشّموا لأجْلي أكْلاً. فرُبّ أكْلَةٍ هاضَتِ الآكِلَ. وحرَمَتْهُ مآكِلَ. وشَرُّ الأضْيافِ مَنْ سامَ التّكليفَ. وآذَى المُضيفَ. خُصوصاً أذًى يعْتَلِقُ بالأجْسامِ. ويُفْضي الى الأسْقامِ. وما قيلَ في المثَلِ الذي سارَ سائِرُهُ: خيرُ العَشاء سَوافِرُهُ. إلا ليُعَجَّلَ التّعَشّي. ويُجْتَنَبَ أكْلُ اللّيلِ الذي يُعْشي.

стр. 41

اللهُمّ إلاّ أن تقِدَ نارُ الجوعِ. وتَحولَ دونَ الهُجوعِ. قال: فكأنّهُ اطّلعَ على إرادَتِنا. فرَمى عنْ قوْسِ عَقيدَتِنا. لا جَرَم أنّا آنَسْناهُ بالتِزامِ الشّرْطِ. وأثْنَينا على خُلُقِهِ السّبْطِ. ولمّا أحْضَرَ الغُلامُ ما راجَ. وأذْكى بينَنا السّراجَ. تأمّلتُهُ فإذا هوَ أبو زيْدٍ فقُلتُ لصَحْبي: ليُهْنَأكُمُ الضّيفُ الوارِدُ. بلِ المَغْنَمُ البارِدُ. فإنْ يكُنْ أفَلَ قمَرُ الشِّعْرَى فقدْ طلَعَ قمَرُ الشِّعْرِ. أوِ استَسَرّ بدْرُ النّثْرَةِ فقدْ تبلّجُ بدْرُ النّثْرِ. فسرَتْ حُمَيّا المسَرّةِ فيهِمْ. وطارَتِ السِّنَةُ عنْ مآقِيهِمْ. ورَفَضوا الدَّعَةَالتي كانوا نَوَوْها. وثابُوا الى نشْرِ الفُكاهَةِ بعْدَما طوَوْها. وأبو زيْدٍ مُكِبٌّ على إعْمالِ يدَيْهِ.

стр. 42

حتى إذا استَرْفَعَ ما لدَيْهِ. قلتُ لهُ: أطْرِفْنا بغَريبَةٍ منْ غَرائِبِ أسْمارِكَ. أو عَجيبَةٍ منْ عَجائِبِ أسفارِكَ. فقال: لقدْ بلَوْتُ منَ العَجائِبِ ما لمْ يرَهُ الرّاؤونَ. ولا رواهُ الرّاوونَ. وإنّ منْ أعجبِها ما عايَنْتُهُ الليلَةَ قُبَيلَ انْتِيابِكُمْ. ومَصيري الى بابِكُمْ. فاستَخْبَرْناهُ عَنْ طُرفَةِ مَرآهُ. في مسرَحِ مسْراهُ. فقال: إنّ مَراميَ الغُربَةِ. لفَظَتْني الى هذِهِ التُرْبَةِ. وأنا ذو مَجاعَةٍ وبوسَى. وجِرابٍ كفؤادِ أمّ موسَى. فنهَضْتُ حينَ سَجا الدُجى. على ما بي منَ الوَجَى. لأرْتادَ مُضيفاً. أو أقْتادَ رَغيفاً. فساقَني حادِي السّغَبِ. والقضاءُ المُكنّى أبا العجَبِ. الى أنْ وقفْتُ على بابِ دارٍ. فقلْتُ على بِدارٍ:

стр. 43

حُييتُمُ يا أهلَ هذا المنزِلِ ... وعِشتُمُ في خفضِ عيشٍ خضِلِ ما عندكُمْ لابنِ سَبيلٍ مُرمِلِ ... نِضْوِ سُرًى خابِطِ ليْلٍ ألْيَلِ جَوِي الحَشى على الطّوى مُشتَمِلِ ... ما ذاقَ مذْ يومانِ طعمَ مأكَلِ ولا لهُ في أرضِكُمْ منْ مَوْئِلِ ... وقد دَجا جُنْحُ الظّلامِ المُسبِلِ وهْوَ منَ الحَيرَةِ في تملْمُلِ ... فهلْ بهَذا الرَّبعِ عذبُ المنهَلِ يقول لي: ألْقِ عَصاكَ وادخُلِ ... وابْشَرْ ببِشْرٍ وقِرًى مُعجَّلِ قال: فبرزَ إليّ جَوْذَرٌ. عليهِ شَوْذَرٌ. وقال: وحُرمَةِ الشّيخِ الذي سنّ القِرَى ... وأسّسَ المحْجوجَ في أُمّ القُرَى ما عِندَنا لِطارِقٍ إذا عَرا ... سوى الحديثِ والمُناخِ في الذَّرَى

стр. 44

وكيفَ يقْري مَنْ نَفى عنه الكَرى ... طوًى برَى أعظُمَهُ لمّا انْبَرى فما تَرى فيما ذكرتُ ما تَرى فقُلتُ: ما أصْنَعُ بمنزِلٍ قَفرٍ. ومُنزِلٍ حِلفِ فَقْرِ؟ ولكِنْ يا فَتى ما اسمُكَ. فقدْ فتَنَني فهْمُكَ؟ فقال: اسمي زيْدٌ. ومَنشإي فَيْدٌ. ووَردتُ هذِهِ المَدَرَةَ أمْسِ. معَ أخْوالي منْ بَني عبْسٍ. فقلتُ لهُ: زِدْني إيضاحاً عِشْتَ. ونُعِشْتَ! فقال: أخبرَتْني أمّي بَرّةُ. وهيَ كاسْمِها برّةٌ. أنّها نكَحَتْ عامَ الغارَةِ بماوانَ. رجُلاً من سَراةِ سَروجَ وغسّانَ. فلمّا آنَسَ منْها الإثْقال. وكان باقِعةً على ما يُقال. ظعَنَ عنْها سِرّاً. وهَلُمّ جَرّاً. فما يُعْرَفُ أحَيٌ هوَ فيُتوَقّعَ. أم أودِعَ اللّحْدَ البَلْقَعَ؟ قال أبو زيْدٍ: فعلِمْتُ بصِحّةِ العَلاماتِ أنّه ولَدي.

стр. 45

وصدَفَني عنِ التّعرُّفِ إليْهِ صَفْرُ يدي. ففصَلْتُ عنْهُ بكَبِدٍ مرْضوضَةٍ. ودُموعٍ مفْضوضةٍ. فهلْ سمِعْتُمْ يا أولي الألْبابِ. بأعْجَبَ منْ هذا العُجابِ؟ فقُلْنا: لا ومَنْ عندَهُ عِلمُ الكِتابِ. فقال: أثْبِتوها في عَجائِبِ الاتّفاقِ. وخلِّدوها بُطونَ الأوْراقِ. فما سُيّرَ مثلُها في الآفاقِ. فأحْضَرْنا الدّواةَ وأساوِدَها. ورَقَشْنا الحِكايَةَ على ما سرَدَها. ثمّ اسْتَبْطنّاهُ عنْ مُرْتآهُ. في استِضْمام فَتاهُ. فقالَ: إذا ثَقُلَ رُدْني. خَفّ عليّ أنْ أكْفُلَ ابْني. فقُلنا: إنْ كان يكْفيكَ نِصابٌ منَ المالِ. ألّفناهُ لكَ في الحالِ. فقالَ: وكيْفَ لا يُقْنِعُني نِصابٌ. وهلْ يحتَقِرُ قدْرَهُ إلا مُصابٌ؟ قالَ الرّاوي: فالتَزَمَ منْهُ كلٌ منّا قِسطاً. وكتبَ له بِهِ قِطّاً. فشَكرَ عندَ ذلِك الصُنْعَ. واستَنْفَدَ في الثّناء الوُسْعَ. حتى إنّنا اسْتَطلْنا القوْلَ. واستَقلَلْنا

стр. 46

الطَّوْلَ. ثمّ إنّهُ نشَرَ منْ وشْيِ السّمَرِ. ما أزْرَى بالحِبَرِ. الى أنْ أظَلّ التّنْويرُ. وجَشَرَ الصبْحُ المُنيرُ. فقضَيْناها ليلَةً غابَتْ شوائِبُها. الى أنْ شابَتْ ذَوائِبُها. وكمُلَ سُعودُها. الى أنِ انْفطَرَ عودُها. ولمّا ذَرّ قرْنُ الغَزالَةِ. طمرَ طُمورَ الغَزالَةِ. وقال: انْهَضْ بِنا لنَقبِضَ الصِّباتِ. ونستَنِضَّ الإحالاتِ. فقَدِ اسْتَطارَتْ صُدوعُ كَبِدي. منَ الحَنينِ الى ولَدِي. فوَصَلتُ جَناحَهُ. حتى سَنّيتُ نَجاحَهُ. فحينَ أحْرَزَ العَينَ في صرّتِه. فرَقَتْ أساريرُ مسرّتِهِ. وقال لي: جُزيتَ خَيراً عنْ خُطا قدَمَيكَ.

стр. 47

واللهُ خَليفَتي علَيْكَ. فقُلتُ: أُريدُ أن أتّبِعَكَ لأشاهِدَ ولَدَك النّجيبَ. وأُنافِثَهُ لكَيْ يُجيبَ. فنظَرَ إليّ نظْرَةَ الخادِعِ الى المَخْدوعِ. وضحِكَ حتى تغَرْغَرَتْ مُقلَتاهُ بالدّموعِ. وأنشَدَ: يا مَنْ يظَنّى السّرابَ ماءً ... لمّا روَيْتُ الذي روَيْتُ ما خِلْتُ أنْ يستَسِرّ مَكري ... وأنْ يُخيلَ الذي عنَيْتُ واللهِ ما بَرّةٌ بعِرْسي ... ولا ليَ ابنٌ بِهِ اكتَنَيْتُ وإنّما لي فُنونُ سِحرٍ ... أبدَعْتُ فيها وما اقتَدَيتُ لمْ يحْكِها الأصمَعيُّ فيما ... حكَى ولا حاكَها الكُمَيتُ تَخِذْتُها وُصلَةً الى ما ... تَجْنيهِ كَفّي متى اشتَهَيْتُ ولوْ تَعافَيتُها لحالَتْ ... حالي ولمْ أحْوِ ما حوَيْتُ فمهّدِ العُذْرَ أو فسامِحْ ... إنْ كُنتُ أجرَمْتُ أو جنَيْتُ

стр. 48

ثمّ إنّه ودّعني ومَضى. وأوْدَعَ قلْبي جمْرَ الغَضا. المقامة المَراغيّة رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: حضَرْتُ ديوانَ النّظرِ بالمَراغَةِ. وقدْ جَرى بهِ ذكْرُ البَلاغَةِ. فأجمَعَ مَنْ حضَرَ منْ فُرْسانِ اليَراعَةِ. وأرْبابِ البَراعةِ. على أنّهُ لمْ يبْقَ مَنْ يُنقّحُ الإنْشاءَ. ويتصرّفُ فيهِ كيفَ شاءَ. ولا خلَفَ. بعْدَ السّلَفِ. مَنْ يبتَدِعُ طريقةً غَرّاء. أو يفتَرِعُ رسالةً عذْراءَ. وأنّ المُفلِقَ من كُتّابِ هذا الأوانِ. المُتمكّنَ من أزِمّةِ البَيانِ. كالعِيالِ على الأوائِلِ. ولو ملَكَ فَصاحَةَ سحْبانِ وائِلٍ. وكان بالمجْلِسِ كهْلٌ جالِسٌ في الحاشيةِ. عندَ مَواقِفِ الحاشِيَةِ. فكانَ كلّما شطّ القوْمُ في شوْطِهِمْ. ونشَروا

стр. 49

العَجْوَةَ والنّجْوَةَ منْ نوْطِهِمْ. يُنْبئ تَخازُرُ طرْفِهِ. وتشامُخُ أنفِهِ. أنّهُ مُخْرَنْبِقٌ ليَنْباعَ. ومُجْرَمِّزٌ سيَمُدّ الباعَ. ونابِضٌ يبْري النِّبالَ. ورابِضٌ يبْغي النّضالَ. فلمّا نُثِلَتِ الكَنائِنُ. وفاءتِ السّكائِنُ. وركَدَتِ الزّعازعُ. وكفّ المُنازِعُ. وسكنَتِ الزّماجِرُ. وسكتَ المزْجورُ والزّاجِرُ. أقبَلَ على الجَماعَةِ وقال: لقَدْ جئْتُمْ شيْئاً إدّاً. وجُرْتُمْ عنِ القصْدِ جِدّاً. وعظّمتُمُ العِظامَ الرُّفاتَ. وافْتَتُّمْ في المَيْلِ الى مَنْ فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللذت، معهم انعَقَدَتِ المودّاتُ. أنَسيتُمْ يا جَهابِذَةَ النّقْدِ. ومَوابِذَةَ

стр. 50

الحَلّ والعَقْدِ. ما أبْرَزَتْهُ طَوارِفُ القَرائِحِ. وبرّزَ فيهِ الجذَعُ على القارِحِ. منَ العِباراتِ المهَدَّبَةِ. والاستِعاراتِ المُستَعْذَبَةِ. والرّسائِلِ الموشّحَةِ. والأساجيعِ المُستَمْلَحَةِ؟ وهلْ للقُدَماء إذا أنعَمَ النّظَرَ. مَنْ حضَرَ. غيرُ المَعاني المطْروقَةِ المَوارِدِ. المعْقولَةِ الشّوارِدِ. المأثورَةِ عنهُمْ لتَقادُمِ المَوالِدِ. لا لتقدُّمِ الصّادِرِ على الوارِدِ؟ وإني لأعْرِفُ الآنَ مَنْ إذا أنْشا. وشّى. وإذا عبّرَ. حبّرَ. وإنْ أسهَبَ. أذْهَبَ. وإذا أوْجَزَ. أعْجَزَ. وإنْ بَدَهَ. شدَهَ. ومتى اخْتَرَعَ. خرَعَ. فقالَ لهُ ناظورَةُ الدّيوانِ. وعينُ أولَئِكَ الأعْيانِ: مَنْ قارِعُ هذِهِ الصّفاةِ. وقَريعُ هذِهِ الصّفاتِ؟ فقال: إنّه قِرْنُ مَجالِكَ. وقَرينُ

стр. 51

جِدالِكَ. وإذا شِئْتَ ذاكَ فرُضْ نَجيباً. وادْعُ مُجيباً. لتَرى عَجيباً. فقال لهُ: يا هَذا إنّ البُغاثَ بأرضِنا لا يَستَنْسِرُ. والتّمييزَ عندَنا بينَ الفِضّةِ والقضة متيَسِّرٌ. وقَلَّ منِ استَهدَفَ للنّضالِ. فخلّصَ منَ الدّاء العُضالِ. أوِ استَسارَ نقْعَ الامْتِحانِ. فلمْ يُقْذَ بالامتِهانِ. فلا تُعرِّضْ عِرْضَكَ للمَفاضِحِ. ولا تُعْرِضْ عنْ نَصاحَةِ النّاصِحِ. فقال: كُلُّ امرِئٍ أعْرَفُ بوسْمِ قِدْحِهِ. وسيَتَفرّى الليلُ عنْ صُبْحِهِ. فتَناجَتِ الجَماعَةُ فيما يُسْبَرُ بهِ قُلَيْبُهُ. ويُعْمَدُ فيهِ تقْليبُهُ. فقال أحدُهُمْ: ذَرُوهُ في حِصّتي. لأرْميَهُ بحَجَرِ قِصّتي. فإنّها عُضْلَةُ العُقَدِ. ومِحَكُّ المُنْتَقَدِ. فقلّدوهُ في هذا الأمْرِ الزّعامَةَ. تقْليدَ

стр. 52

الخوارِجِ أبا نَعامَةَ. فأقْبَلَ على الكهْلِ وقالَ: اعْلَمْ أني أُوالي. هذا الوالي. وأُرَقّحُ حالي. بالبَيانِ الحالي. وكُنْتُ أستَعينُ على تقْويمِ أوَدي. في بلَدي. بسَعَةِ ذاتِ يَدي. معَ قِلّةِ عدَدي. فلمّا ثَقُلَ حاذي. ونفِدَ رَذاذي. أمّمْتُهُ منْ أرْجائي. برَجائي. ودعوْتُهُ لإعادَةِ رُوائي وإرْوائي. فهَشّ للوِفادَةِ وراحَ. وغَدا بالإفادَةِ وراحَ. فلمّا استأذَنْتُهُ في المَراحِ. الى المُراحِ. على كاهِلِ المِراحِ. قال: قدْ أزْمَعْتُ أنْ لا أزوّدَكَ بَتاتاً. ولا أجْمعَ لكَ شَتاتاً. أو تُنْشِئَ لي أمامَ ارتِحالِكَ. رِسالَةً تودِعُها شرْحَ حالِكَ. حُروفُ إحْدى كلِمتَيْها يعُمّها النَّقْطُ. وحُروفُ الأخْرى لمْ يُعْجَمْنَ قطّ. وقدِ استأنَيْتُ بَياني حَوْلاً. فَما أحارَ قوْلاً. ونَبَهْتُ فِكْري

стр. 53

سَنَةً. فما ازْدادَ إلا سِنَةً. واستَعَنْتُ بقاطِبَةِ الكُتّابِ. فكلٌ منْهُمْ قطّبَ وتابَ. فإنْ كُنتَ صدَعْتَ عنْ وصْفِكَ باليَقينِ. فأتِ بآيَةٍ إنْ كُنتَ منَ الصّادِقين. فقال لهُ: لقَدِ استَسْعَيْتَ يَعْبوباً. واستَسْقَيْتَ أُسْكوباً. وأعطَيْتَ القوْسَ بارِيَها. أسْكَنْتَ الدّارَ ثانِيَها. ثمّ فكّرَ ريثَما اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ: ااسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ: الكرَمُ ثبّتَ اللهُ جيْشَ سُعودِكَ يَزينُ. واللّؤمُ غَضّ الدّهرُ جَفْنَ حَسودِكَ يَشينُ. والأرْوَعُ يُثيبُ. والمُعْوِرُ يَخيبُ. والحُلاحِلُ يُضيفُ. والماحِلُ يُخيفُ. والسّمْحُ يُغْذي. والمَحْكُ يُقذي.

стр. 54

والعطاء ينجي والمطال يشجي، والدعاء يفي والمدح ينقي والحُرُّ يَجْزي. والإلْطاطُ يُخْزي. واطّراحُ ذي الحُرْمَةِ غَيٌ. ومَحْرَمَةُ بَني الآمالِ بغْيٌ. وما ضنّ إلا غَبينٌ. ولا غُبِنَ إلا ضَنينٌ. ولا خزَنَ إلا شَقيٌ. ولا قبَضَ راحَهُ تقيٌ. وما فتئ وعدُك يَفي. وآراؤكَ تَشْفي. وهِلالُكَ يُضي. وحِلْمُك يُغْضي. وآلاؤكَ تُغْني. وأعداؤكَ تُثْني. وحُسامُك يُفْني. وسؤدَدُكَ يُقْني. ومُواصِلُكَ يجْتَني. ومادِحُك يقْتَني. وسماحُكَ يُغيثُ. وسماؤكَ تَغيثُ. ودرُّكَ يَفيضُ. وردُّكَ يَغيضُ. ومؤمِّلُكَ شيْخٌ حَكاهُ فَيْءٌ. ولمْ يبْقَ لهُ شيءٌ. أمّكَ بظَنٍ حِرصُهُ يثِبُ. ومدَحَكَ بنُخَبٍ. مُهورُها تجِبُ.

стр. 55

ومَرامُهُ يخِفُّ. وأواصِرُهُ تشِفُّ. وإطْراؤهُ يُجْتَذَبُ. وملامُهُ يُجتَنَبُ. وورَاءهُ ضَفَفٌ. مَسّهُمْ شظَفٌ. وحصّهُمْ جنَفٌ. وعمّهُمْ قشَفٌ. وهوَ في دمْعٍ يُجيبُ. وولَهٍ يُذيبُ. وهَمٍّ تَضيّفَ. وكمَدٍ نيّفَ. لمأمولٍ خيّبَ. وإهْمالٍ شيّبَ. وعدوٍّ نَيّبَ. وهُدُوٍّ تغيّبَ. ولمْ يزِغْ ودُّهُ فيغْضَبَ. ولا خَبُثَ عودُهُ فيُقْضَبَ. ولا نفَثَ صدْرُهُ فيُنْفَضَ. ولا نشَزَ وصْلُهُ فيُبْغَضَ. وما يقْتَضي كرَمُكَ نبْذَ حُرَمِهِ. فبيِّضْ أمَلَهُ بتَخْفيفِ ألَمِهِ. ينُثّ حمدَكَ بينَ عالَمِهِ. بقيتَ لإماطَةِ شجَبٍ. وإعْطاءِ نشَبٍ. ومُداواةِ شجَنٍ. ومُراعاةِ يفَنٍ. موصولاً بخَفْضٍ. وسُرورٍ غَضٍّ.

стр. 56

ما غُشِيَ معْهَدُ غنيٍّ. أو خُشِيَ وهْمُ غبيٍّ. والسّلامُ. فلمّا فرَغَ منْ إمْلاءِ رِسالَتِهِ. وجلّى في هَيْجاء البَلاغَةِ عنْ بَسالَتِهِ. أرضَتْهُ الجماعَةُ فِعْلاً وقوْلاً. وأوْسَعَتْهُ حَفاوَةً وطَوْلاً. ثمّ سُئِلَ منْ أيّ الشّعوبِ نِجارُهُ. وفي أيّ الشِّعابِ وِجارُهُ؟ فقال: غسّانُ أُسرَتيَ الصّميمَهْ ... وسُروجُ تُرْبَتي القَديمَهْ فالبَيتُ مثلُ الشّمْسِ إشْ ... راقاً ومنزِلَةً جسيمَهْ والرّبْعُ كالفِرْدَوْسِ مطْ ... يَبَةً ومَنْزَهَةً وقيمَهْ واهاً لعيْشٍ كانَ لي ... فيها ولذّآتٍ عَميمَهْ أيّامَ أسْحَبُ مُطْرَفي ... في روضِها ماضي العَزيمَهْ أخْتالُ في بُردِ الشّبا ... بِ وأجْتَلي النِّعَمَ الوَسيمَهْ

стр. 57

لا أتّقي نُوَبَ الزّما ... نِ ولا حَوادِثَهُ المُليمَهْ فلوَ انّ كرْباً مُتْلِفٌ ... لَتَلِفْتُ منْ كُرَبي المُقيمَهْ أو يُفْتَدَى عيْشٌ مضى ... لفدَتْهُ مُهجَتيَ الكَريمَهْ فالموْتُ خيرٌ للفتى ... منْ عيشِهِ عيْشَ البَهيمَهْ تقْتادُهُ بُرَةُ الصَّغا ... رِ الى العظيمَةِ والهضيمَهْ ويرَى السّباعَ تَنوشُها ... أيْدي الضّباعِ المُستَضيمَهْ والذّئبُ للأيّامِ لوْ ... لا شُؤمُها لمْ تنْبُ شيمَهْ ولوِ استَقامَتْ كانتِ ال ... أحوالُ فيها مُستَقيمَهْ ثمّ إنّ خبَرَه نَما الى الوالي. فمَلأ فاهُ باللآلي. وسامَهُ أن ينضَويَ الى أحشائِهِ. ويَليَ ديوانَ إنْشائِهِ. فأحْسَبَهُ الحِباءُ. وظلَفَهُ عنِ الوِلايَةِ الإباءُ. قال الراوي: وكُنتُ عرَفْتُ عُودَ شجَرَتِه. قبلَ إيناعِ ثمرَتِهِ. وكِدْتُ أنبّهُ على عُلوّ قدْرِهِ. قبلَ استِنارَةِ بدْرِهِ.

стр. 58

فأوْحى إليّ بإيماضِ جفْنِهِ. أن لا أجرِّدَ عضْبَهُ منْ جفْنِهِ. فلمّا خرَجَ بَطينَ الخُرْجِ. وفصَلَ فائِزاً بالفُلْجِ. شيّعْتُهُ قاضِياً حقّ الرّعايَةِ. ولاحِياً لهُ على رفْضِ الوِلايَةِ. فأعْرَضَ مُتَبَسّماً. وأنْشَدَ مترنّماً: لَجَوْبُ البِلادِ معَ المَتْرَبَهْ ... أحَبُّ إليّ منَ المرْتَبَهْ لأنّ الوُلاةَ لهُمْ نَبوَةٌ ... ومعْتَبَةٌ يا لَها مَعْتَبَهْ ومافيهمِ مَنْ يرُبُّ الصّنيعَ ... ولا مَنْ يُشيِّدُ ما رتّبَهْ فلا يخدَعنْكَ لَموعُ السّرابِ ... ولا تأتِ أمْراً إذا ما اشْتبَهْ فكَمْ حالِمٍ سرّهُ حُلْمُهُ ... وأدرَكَهُ الرّوْعُ لمّا انْتبَهْ

стр. 59

المقامة البَرْقَعيديّة حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: أزْمَعْتُ الشّخوصَ منْ بَرْقَعيدَ. وقد شِمْتُ برْقَ عِيدٍ. فكرِهتُ الرّحلةَ عنْ تلكَ المَدينَةِ. أو أشهَدَ بها يوْمَ الزّينَةِ. فلمّا أظَلّ بفَرْضِهِ ونفْلِهِ. وأجْلَبَ بخَيْلِهِ ورَجْلِهِ. اتّبَعْتُ السُنّةَ في لُبسِ الجَديدِ. وبرَزْتُ معَ مَنْ برَزَللتّعييدِ. وحينَ التَأمَ جمْعُ المُصَلّى وانْتَظَمَ. وأخذَ الزِّحامُ بالكَظَمِ. طلَعَ شيخٌ في شمْلَتَينِ. محْجوبُ المُقلتَيْنِ. وقدِ اعْتَضَدَ شِبْهُ المِخْلاةِ. واسْتَقادَ لعَجوزٍ كالسِّعْلاةِ. فوقَفَ وِقْفَة مُتهافِتٍ. وحيّا تحيّةَ خافِتٍ. ولمّا فرَغَ منْ دُعائِهِ. أجالَ خَمْسَهُ في وِعائِهِ. فأبْرَزَ منْهُ رِقاعاً قدْ كُتِبنَ بألوانِ الأصْباغِ. في أوانِ الفَراغِ. فناوَلَهُنّ

стр. 60

عَجوزَهُ الحَيْزَبونَ. وأمرَها بأنْ تتوسّمَ الزَّبونَ. فمَنْ آنسَتْ نَدى يدَيْهِ. ألْقَتْ ورَقَةً منهُنّ لدَيْهِ. فأتاحَ ليَ القدَرُ المعْتوبُ. رُقْعَةً فيها مكْتوبٌ: لقَدْ أصبَحْتُ موقوذاً ... بأوجاعٍ وأوْجالِ ومَمْنُواً بمُخْتالٍ ... ومُحْتالٍ ومُغْتالِ وخَوّانٍ منَ الإخْوا ... نِ قالٍ لي لإقْلالي وإعْمالٍ منَ العُمّا ... لِ في تضْليعِ أعْمالي فكمْ أُصْلي بإذحالٍ ... وإمْحالٍ وترْحالِ وكَمْ أخْطِرُ في بالٍ ... ولا أخْطُرُ في بالِ فلَيْتَ الدّهْرَ لمّا جا ... رَ أطْفا ليَ أطْفالي

стр. 61

فلَوْلا أنّ أشْبا ... ليَ أغْلالي وأعْلالي لَما جهّزْتُ آمالي ... الى آلٍ ولا والي ولا جرّرْتُ أذْيالي ... على مَسْحَبِ إذْلالي فمِحْرابيَ أحْرَى بي ... وأسْماليَ أسْمَى لي فهلْ حُرٌ يَرى تخْفي ... فَ أثْقالي بمِثْقالِ ويُطْفي حَرَّ بَلْبالي ... بسِرْبالٍ وسِرْوالِ قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلما استَعْرَضْتُ حُلةَ الأبْياتِ تُقْتُ الى معرِفَةِ مُلْحِمِها. وراقِمِ علَمِها. فناجاني الفِكْرُ بأنّ الوُصْلَةَ إلَيْهِ العَجوزُ. وأفْتاني بأنّ حُلوانَ المُعرِّفِ يَجوزُ. فرَصَدْتُها وهيَ تستَقْري

стр. 62

الصّفوفَ صَفّاً صَفاً. وتستَوكِفُ الأكُفَّ كفّاً كفاً. وما إنْ ينْجَحُ له عَناءٌ. ولا يرْشَحُ على يدِها إناءٌ. فلما أكْدى استِعْطافُها. وكدّها مَطافُها. عاذَتْ بالاسْتِرْجاعِ. ومالَتْ الى إرجاعِ الرِّقاعِ. وأنْساها الشيْطانُ ذِكْرَ رُقْعَتي. فلمْ تعُجْ الى بُقْعَتي. وآلَتْ الى الشيْخِ باكيةً للحِرْمانِ. شاكِيةً تحامُلَ الزّمانِ. فقالَ: إنّا للهِ. وأفوّضُ أمْري الى اللهِ. ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلا باللهِ. ثمّ أنْشَدَ: لمْ يبْقَ صافٍ ولا مُصافٍ ... ولا مَعينٌ ولا مُعينُ وفي المَساوي بَدا التّساوي ... فلا أمينٌ ولا ثَمينُ ثم قال لها: مَنّي النّفْسَ وعِديها. واجْمَعي الرِّقاعَ وعُدّيها. فقالَتْ: لقدْ عدَدْتُها. لمّا استَعَدْتُها. فوجَدْتُ يدَ الضّياعِ. قد غالَتْ

стр. 63

إحْدى الرِّقاعِ. فقال: تعْساً لكِ يا لَكاعِ! أنُحْرَمُ ويْحَكِ القنَصَ والحِبالَةَ. والقَبَسَ والذُبالةَ؟ إنّها لضِغْثٌ على إبّالَةٍ! فانْصاعَتْ تقْتَصّ مَدْرَجَها. وتَنْشُدُ مُدْرَجَها. فلمّا دانَتْني قرَنْتُ بالرُقعَةِ. دِرْهَماً وقِطْعَةً. وقلتُ لها: إنْ رَغِبتِ في المَشوفِ المُعْلَمِ. وأشَرْتُ الى الدّرهَمِ. فَبوحي بالسّرّ المُبهَمِ. وإنْ أبَيْتِ أنْ تشْرَحي. فخُذي القِطعَةَ واسرَحي. فمالَتْ الى استِخْلاصِ البدْرِ التِّمّ. والأبلَجِ الهِمّ. وقالتْ: دعْ جِدالَكَ. وسَلْ عمّا بَدا لَكَ. فاستَطْلَعْتُها طِلْعَ الشّيخٍ وبَلْدَتِهِ. والشِّعْرِ وناسِجِ بُرْدَتِه. فقالَتْ: إنّ الشيخَ من أهلِ سَروجَ. وهوَ الذي وشّى الشّعرَ المَنسوجَ. ثمّ خَطِفَتِ الدّرْهمَ خَطفَةَ الباشِقِ. ومرَقَتْ مُروقَ السّهْمِ

стр. 64

الرّاشِقِ. فخالَجَ قلْبي أنّ أبا زيْدٍ هوَ المُشارُ إليْهِ. وتأجّجَ كرْبي لمُصابِهِ بناظِرَيْهِ. وآثرْتُ أنْ أُفاجِيهِ وأناجيهِ. لأعْجُمَ عودَ فِراسَتي فيه. وما كُنتُ لأصِلَ إليْهِ إلا بتَخطّي رِقابِ الجمْعِ. المَنْهيّ عنْهُ في الشّرْعِ. وعِفْتُ أنْ يتأذّى بي قوْمٌ. أو يسْري إليّ لوْمٌ. فسَدِكْتُ بمَكاني. وجعلْتُ شخْصَهُ قيْدَ عِياني. الى أنِ انْقضَتِ الخُطبَةُ. وحقّتِ الوثْبَةُ. فخفَفْتُ إليْهِ. وتوسّمْتُهُ على التِحامِ جَفنَيْهِ. فإذا ألمَعيّتي ألمَعيّةُ ابنِ عبّاسٍ. وفِراسَتي فِراسَةُ إياسٍ. فعرّفتُهُ حينَئِذٍ شخْصي. وآثَرْتُه بأحَدِ قُمْصي. وأهَبْتُ بهِ الى قُرْصي. فهشّ لعارِفَتي وعِرْفاني. ولبّى دعْوَةَ رُغْفاني. وانْطَلَقَ ويَدي زِمامُهُ. وظلّي

стр. 65

إمامُهُ. والعجوزُ ثالثَةُ الأثافي. والرّقيبُ الذي لا يَخْفَى عليْهِ خافي. فلمّا استَحْلَسَ وُكْنَتي. وأحضَرْتُهُ عُجالَةَ مُكْنَتي. قال لي: يا حارِثُ. أمَعَنا ثالِثٌ؟ فقلتُ: ليسَ إلا العَجوزُ. قال: ما دونَها سِرٌ محْجوزٌ. ثمّ فتَحَ كريمَتَيْهِ. ورأرَأ بتوْأمَتَيهِ. فإذا سِراجا وجْهِهِ يقِدانِ. كأنّهُما الفَرْقَدانِ. فابْتَهَجْتُ بسَلامَةِ بصَرِهِ. وعجِبْتُ منْ غَرائِبِ سِيَرِهِ. ولمْ يُلْقِني قَرارٌ. ولا طاوَعَني اصْطِبارٌ. حتى سألْتُهُ: ما دَعاكَ الى التّعامي. معَ سيرِكَ في المَعامي. وجوْبِكَ المَوامي. وإيغالِكَ في المَرامي؟ فتَظاهَرَ باللُّكْنَةِ. وتشاغَلَ باللُّهْنَةِ.

стр. 66

حتى إذا قَضى وطَرَهُ. أتْأرَ إليّ نظَرَهُ. وأنشَدَ: ولمّا تَعامى الدّهرُ وهْوَ أبو الوَرى ... عنِ الرُشْدِ في أنحائِهِ ومقاصِدِهْ تعامَيتُ حى قيلَ إني أخو عَمًى ... ولا غَرْوَ أن يحذو الفتى حَذوَ والِدهْ ثمّ قال لي: انْهَضْ الى المُخدَعِ فأتِني بغَسولٍ يَروقُ الطّرْفَ. ويُنْقي الكَفَّ. وينعِّمُ البَشَرةَ. ويُعطِّرُ النّكهَةَ. ويشُدّ اللّثَةَ. ويقوّي المَعِدَةَ. ولْيَكُنْ نَظيفَ الظَّرْفِ. أريجَ العَرْفِ. فتيَّ الدّقِّ. ناعِمَ السّحْقِ. يحسَبُهُ اللاّمِسُ ذَروراً. ويَخالُهُ الناشِقُ كافوراً. واقْرُنْ بهِ خِلالَةً نقيّةَ الأصْلِ. محبوبَةَ الوصْلِ. أنيقَةَ الشّكلِ. مَدْعاةً الى الأكْلِ. لها نَحافَةُ الصّبّ. وصَقالَةُ العَضْبِ. وآلَةُ الحرْبِ. ولُدونَةُ الغُصْنِ الرّطْبِ. قال:

стр. 67

فنَهضْتُ فيما أمَرَ. لأدْرَأَ عنْهُ الغَمَرَ. ولمْ أهِمْ الى أنّهُ قصَدَ أنْ يَخْدَعَ. بإدْخاليَ المُخدَعَ. ولا تظنّيْتُ أنّهُ سخِرَ منَ الرّسولِ. في استِدْعاء الخِلالَةِ والغَسولِ. فلمّا عُدْتُ بالمُلتَمَسِ. في أقرَبَ منْ رجْعِ النّفَسِ. وجدْتُ الجوّ قدْ خَلا. والشيْخَ والشيْخَةَ قد أجْفَلا. فاستَشَطْتُ منْ مَكْرِهِ غضَباً. وأوْغَلتُ في إثْرِهِ طلَباً. فكانَ كمَنْ قُمِسَ في الماء. أو عُرِجَ بهِ الى عَنانِ السّماء. المقامة المعَرّيَّة أخبرَ الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: رأيتُ منْ أعاجيبِ الزّمانِ. أن تقدّم خَصْمانِ. الى قاضي مَعرّةِ النّعمانِ. أحدُهُما قدْ ذهَبَ منْهُ

стр. 68

الأطْيَبانِ. والآخَرُ كأنّهُ قَضيبُ البانِ. فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ. كما أيّدَ بهِ المُتقاضيَ. إنّهُ كانَتْ لي مَمْلوكَةٌ رَشِقَةُ القدّ. أسيلَةُ الخدّ. صَبورٌ على الكدّ. تخُبّ أحْياناً كالنّهْدِ. وترقُدُ أطْواراً في المهْدِ. وتجِدُ في تمّوزَ مَسَّ البَرْدِ. ذاتُ عقْلٍ وعِنانٍ. وحدٍ وسِنانٍ. وكفٍّ ببَنانٍ. وفمٍ بلا أسْنانٍ. تلْدَغُ بلِسانٍ نَضْناضٍ. وترْفُلُ في ذيْلٍ فضْفاضٍ. وتُجْلى في سَوادٍ وبَياضٍ. وتُسْقَى ولكِنْ منْ غيرِ حِياضٍ. ناصِحَةٌ خُدَعَةٌ. خُبَأةٌ طُلَعَةٌ. مطْبوعَةٌ على المنفَعَةِ. ومطْواعَةٌ في الضّيقِ

стр. 69

والسَّعَةِ. إذا قطَعَتْ وصَلَتْ. ومتى فصَلتَها عنْكَ انفَصَلَتْ. وطالَما خدَمَتْكَ فجمّلَتْ. وربّما جنَتْ عليْكَ فآلَمَتْ وملْمَلَتْ. وإنّ هذا الفَتى استَخْدَمَنيها لغرَضٍ. فأخْدَمْتُهُ إيّاها بِلا عِوَضٍ. على أن يجْتَنيَ نفْعَها. ولا يُكلّفَها إلا وُسْعَه. فأوْلَجَ فيها مَتاعَهُ. وأطالَ بها استِمْتاعَهُ. ثم أعادَها إليّ وقدْ أفْضاها. وبذَلَ عنْها قيمَةً لا أرضاها. فقال الحَدَثُ: أمّا الشيخُ فأصدَقُ منَ القَطا. وأما الإفْضاءُ ففَرَطَ عنْ خَطا. وقدْ رهَنْتُهُ. عن أرْشِ ما أوْهَنْتُهُ. ممْلوكاً لي مُتناسِبَ الطّرَفَينِ. مُنتَسِباً الى القَينِ. نقِيّاً منَ الدّرَنِ والشَّينِ. يُقارِنُ محلُّهُ سَوادَ العينِ. يُفْشي الإحْسانَ. ويُنْشي الاسْتِحْسانَ. ويُغْذي الإنْسانَ. ويتَحامَى

стр. 70

اللّسانَ. إنْ سُوّدَ جادَ. أو وَسَمَ أجادَ. وإذا زُوّدَ وَهَبَ الزّادَ. ومَتى اسْتُزيدَ زادَ. لا يستَقِرّ بمَغْنى. وقلّما ينكِحُ إلا مَثْنى. يسْخو بمَوجودِه. ويسْمو عندَ جودِهِ. وينْقادُ معَ قَرينَتِهِ. وإنْ لمْ تكنْ منْ طينَتِهِ. ويُستَمْتَعُ بزينَتِهِ. وإنْ لمْ يُطْمَعْ في لينَتِه. فقال لهُما القاضي: إمّا أن تُبينا. وإلا فَينا. فابْتَدَر الغُلامُ وقال: أعارني إبرَةً لأرفوَ أطْما ... راً عَفاها البِلى وسوّدَها فانخرَمَتْ في يَدي على خطَإٍ ... منّيَ لمّا جذَبْتُ مِقوَدَها فلمْ ير الشيخُ أن يُسامِحَني ... بإرْشِها إذْ رأى تأوُّدَها بلْ قال هاتِ إبرَةً تُماثِلُها ... أو قيمَةً بعْدَ أن تجوّدَها واعْتاقَ ميلي رَهْناً لدَيْهِ ونا ... هيكَ به سُبّةً تَزوّدَها

стр. 71

فالعينُ مَرْهَى لرَهْنِه ويدي ... تقصُرُ عنْ أن تفُكّ مِروَدَها فاسبُرْ بذا الشّرْحِ غوْرَ مسكَنتي ... وارْثِ لمنْ لم يكُنْ تعوّدَها فأقبلَ القاضي على الشيخِ وقال: إيهٍ. بغَيرِ تمْويهٍ! فقال: أقسَمْتُ بالمَشْعَرِ الحَرامِ ومنْ ... ضمّ منَ الناسِكينَ خَيْفُ مِنى لوْ ساعَفَتْني الأيّامُ لمْ يرَني ... مُرتَهِناً مِيلَهُ الذي رَهَنا ولا تصدّيتُ أبتَغي بدَلاً ... منْ إبرَةٍ غالَها ولا ثَمَنا لكِنّ قوْسَ الخُطوبِ ترْشِقُني ... بمُصْمِياتٍ منْ هاهُنا وهُنا وخُبْرُ حالي كخُبْرِ حالتِهِ ... ضُرّاً وبؤساً وغُربَةً وضَنى قد عدَلَ الدهْرُ بينَنا فأنا ... نظيرُهُ في الشّقاء وهْوَ أنا

стр. 72

لا هُوَ يسْطيعُ فكّ مِروَدِهِ ... لمّا غدا في يَدَيّ مُرتَهَنا ولا مَجالي لِضيقِ ذاتِ يَدي ... فيهِ اتّساعٌ للعَفْوِ حينَ جَنى فهَذِهِ قصّتي وقصّتُه ... فانْظُرْ إلَيْنا وبينَنا ولَنا فلمّا وعَى القاضي قَصَصهُما. وتبيّنَ خَصاصَتَهُما وتخَصُّصَهُما. أبرَزَ لهُما ديناراً منْ تحْتِ مُصَلاُّه. وقال لهُما: اقْطَعا بهِ الخِصامَ وافِصلاهُ. فتلقّفَهُ الشيخُ دونَ الحدَثِ. واستَخلَصَهُ على وجهِ الجِدِّ لا العبَثِ. وقال للحدَثِ: نِصْفُه لي بسَهْمِ مَبَرّتي. وسهْمُكَ لي عنْ أرْشِ إبْرَتي. ولستُ عنِ الحقّ أميلُ. فقُمْ وخُذِ الميلَ. فعَرا الحدَثَ لما حدثَ اكتِئابٌ. واكفَهَرّ على سَمائِهِ سَحابٌ. وجَمَ لهُ القاضي. وهيّجَ أسَفَهُ على الدّينارِ الماضي. إلا أنّهُ جبَرَ بالَ الفتَى وبَلْبالَهُ. بدُرَيْهِماتٍ رضَخَ بها له. وقال لهُما: اجْتَنِبا المُعامَلاتِ. وادْرآ المُخاصَماتِ. ولا تحْضُراني في المُحاكَماتِ. فما عِندي كيسُ الغَراماتِ.

стр. 73

فنَهَضا منْ عِنْدِه. فرِحَينَ برِفْدِه. مُفصِحَينِ بحَمدِه. والقاضي ما يخْبو ضجَرُهُ. مُذْ بضَّ حجَرُهُ. ولا ينْصُلُ كمدُه. مُذْ رشَحَ جَلمَدُهُ. حتى إذا أفاقَ منْ غشيَتِه. أقبلَ على غاشِيَتِه. وقال: قدْ أُشرِبَ حِسّي. ونبّزني حدْسي. أنهُما صاحِبا دَهاء. لا خَصْما ادّعاء. فكيفَ السّبيلُ الى سبرِهِما. واستِنْباطِ سرّهِما؟ فقال له نِحْريرُ زُمرَتِه. وشِرارَةُ جَمرَتِه: إنّه لنْ يتِمّ استِخراجُ خَبْئِهِما. إلا بهِما. فقَفّاهُما عَوْناً يُرْجِعُهُما إليْهِ. فلمّا مَثَلا بينَ يدَيهِ. قالَ لهُما: اصْدُقاني سِنّ بَكْرِكُما. ولكُما الأمانُ منْ تبِعَةِ مَكْرِكُما. فأحْجَمَ الحدَثُ واسْتقالَ. وأقدَمَ الشيخُ وقال: أنا السَّروجيُّ وهذا ولَدي ... والشّبْلُ في المَخْبَرِ مثلُ الأسَدِ

стр. 74

وما تعدّتْ يدُهُ ولا يَدي ... في إبرَةٍ يوْماً ولا في مِرْوَدِ وإنّما الدهرُ المُسيءُ المُعْتَدي ... مالَ بِنا حتى غدَوْناً نجْتَدي كلَّ نَدي الرّاحةِ عذْبِ المَوْرِدِ ... وكلَّ جعْدِ الكفّ مغْلولَ اليَدِ بكُلّ فنٍ وبكلّ مقْصَدِ ... بالجِدّ إنْ أجْدَى وإلاّ بالدَّدِ لنَجلِبَ الرّشْحَ الى الحظّ الصّدي ... ونُنْفِدَ العُمْرَ بعيشٍ أنْكَدِ والموتُ منْ بعْدُ لَنا بالمَرصَدِ ... إنْ لمْ يُفاجِ اليومَ فاجَى في غَدِ فقال لهُ القاضي: للهِ دَرُّكَ فما أعذَبَ نفَثاتِ فيكَ. وواهاً لكَ لوْلا خِداعٌ فيكَ! وإني لكَ لمِنَ المُنْذِرِينَ. وعليْكَ منَ الحَذِرينَ. فلا تُماكِرْ بعْدَها الحاكِمينَ. واتّقِ سَطْوَةَ

стр. 75

المُتحكّمينَ. فما كُلّ مُسيْطِرٍ يُقيلُ. ولا كُلّ أوانٍ يُسْمَعُ القِيلُ. فعاهَدَهُ الشيخُ على اتّباعِ مَشورَتِه. والارْتِداعِ عن تلْبيسِ صورتِهِ. وفصَلَ عن جِهتِهِ. والختْرُ يلمَعُ من جبهتِهِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ أرَ أعجَبَ منْها في تصاريفِ الأسْفارِ. ولا قرَأتُ مِثلَه في تصانيفِ الأسْفارِ. المقامة الإسكندريّة قالَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ: طَحا بي مَرَحُ الشّبابِ. وهوَى الاكتِسابِ. الى أن جُبْتُ ما بينَ فرْغانَةَ. وغانَةَ. أخوضُ الغِمارَ. لأجْني الثّمارَ. وأقْتَحِمُ الأخْطارَ. لكَيْ أُدرِكَ الأوْطارَ. وكُنتُ لَقِفْتُ منْ أفْواهِ العُلَماء. وثَقِفْتُ منْ وَصايا الحُكَماء. أنهُ
следующие страницы →