← Книги сунны

Книги сунны · id 26676

مجالس العلماء للزجاجي

أبو القاسم الزجاجي

Полный текст (265 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مجالس العلماء لأبي القاسم عبد الرحمن إسحاق الزجاجي ٣٣٩ هـ عبد السلام محمد هارون الناشر مكتبة الخانجي - القاهرة دار الرفاعي بالرياض الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١- مجلس عيسى بن عمر الثقفي مع أبي عمرو بن العلاء حدثني أبو عبد الله الحسن بن علي قال: حدثني أبو عبد الله اليزيدي عن عمه عن جده أبي محمد. وقال أبو جعفر محمد بن حبيب: ذكر أبو محمد اليزيدي قال: جاء عيسى بن عمر إلى أبي عمرو بن العلاء ونحن عنده فقال: يا أبا عمرو، ما شيءٌ بلغني أنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز: ((ليس الطيب إلا المسك)) بالرفع. قال: فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمر وأدلج الناس، ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع. قال اليزيدي: ثم قال أبو عمرو: تعال أنت يا يحيى، وتعال أنت يا خلف -لخلفٍ الأحمر- اذهبا إلى أبي المهدي فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى المنتجع التميمي ولقناه النصب فإنه لا ينصب. قال: فذهبت أنا وخلفٌ وأتينا أبا المهدي فإذا هو يصلي وكان به عارض، وإذا هو يقول في الصلاة: إخسأنان عني! قال: ثم قضى صلاته وانفتل إلينا فقال: ما خطبكما؟ قلنا: جئنا نسألك عن شيءٍ من كلام العرب. فقال: هاتيا. فقلت له: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك؟

стр. 3

فقال: أتأمراني بالكذب على كبرة سني فأين الجادي؟ قال ابن حبيب: وحكى ابن الأعرابي: فأين بنة الإبل؛ وأين كذا وأين كذا؟ قال اليزيدي: فقال له خلفٌ: ليس الشراب إلا العسل. قال: فما يصنع سودان هجر، ما لهم شرابٌ إلا هذا التمر. قال اليزيدي: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها. قال: فقال: هذا كلامٌ لا دخل فيه، ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل به. فنصب. قال اليزيدي: فقلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل به. ورفعت، فقال: لا، ليس هذا من لحني ولا من لحن قومي. قال: فكتبنا ما سمعنا منه. قال: فقال: ألا أنشدكما أبياناً قلتها حين سمعت تراطن هذه الأعاجم حولي؟ قلنا: بلى. فأنشدنا: يقولون لي شنبذ ولست مشنبذا ... طوال الليالي أو يزول ثبير ولا قائلا زوذا لأعجل صاحبي ... وبستان في صدري علي كبير ولا تاركاً لحناً لأحسن لحنكم ... ولو دار صرف الدهر حيث يدور قال: فكتبنا هذه الأبيات ثم أتينا المنتجع، فأتينا رجلا يعقل، فقال

стр. 4

له خلف: ليس الطيب إلا المسك، قال: فرفع، ولقناه وجهدنا به في ذلك، فلم ينصب وأبي إلا الرفع. قال: فأتينا أبا عمرو فأعلمناه وعنده عيسى بن عمر لم يبرح، قال فأخرج عيسى خاتمه من يده ثم قال: لك الخاتم، بهذا والله فقت الناس! قال محمد بن سلام الجمحي: [كان أبو مهدي] هذا، وهو من باهلة، يضرب حنكيه يمينا وشمالا ويقول: إخسأنان عني. فسألناه عن ذلك فقال: جنانٌ تذأمني. أي تركبني.

стр. 5

٢- مجلس أبي عمرو مع أبي خيرة حدثني أبو الحسن علي بن سليمان قال: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني الرياشي، قال: حدثني الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء لأبي خيرة: كيف تقول: حفرت إراتك؟ [فقال: حفرت إراتك] . قال: فكيف تقول: استأصل الله عرقاتِهم أو عرقاتَهم؟ فقال: استأصل الله عرقاتَهم. فلم يعرفها أبو عمرو وقال: لأن جلدك يا أبا خيرة. يقول: أخطأت. قال أبو العباس: وهي لغةٌ لم تبلغ أبا عمرو. يقال وأرت إرة أئرها وأرا، إذا حفرت حفيرة تطبخ فيها. وإراتٌ: جمع إرة. وقال أبو عثمان: كان أبو عمرو يرده ويراه لحنا. قال المازني: واختلفوا فيها فقال بعضهم: عرقاتهم وقال بعضهم: عرقاتهم. فأما من قال عرقاتِهم فإنه يجعله جمع عرق، ومن نصبه جعله بمنزلة سِعلاة وعلقاة.

стр. 6

وأما لغاتهم وما أشبهه فلا يجوز فيه إلا الكسر، لأنه تاء جمع. وأنشدنا الأصمعي للهذلي: كأن ظباتها عقرٌ بعيج ... فهذه جمع ظبة. وكذلك ثباتٌ. والأصل في لغة لغوة، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. وهو اسمٌ حذفت لامه.

стр. 7

٣- مجلس المنتجع بن نبهان مع أبي خيرة حدثني أبو الحسن قال: حدثني أحمد بن يحيى قال: حدثني الرياشي قال: حدثني أبو زيد قال: قال منتجع: كمء وكمأة للجميع. فقال أبو خيرة: كمأة للواحد وكمء للجميع، مثل تمرة وتمر. قال: فمر بهم رؤبة فسألوه فقال كما قال منتجع. وقال الأصمعي كما قال أبو خيرة. وقال أبو زيد: قد يقال كمأة وكمء كما قال أبو خيرة. وقد سمعت أبا زيد يقول: قال المنتجع: أغمي على المريض. وقال أبو خيرة: غمي. فأرسلوا إلى أم أبي خيرة فقالت: أغمي على المريض. فقال لها المنتجع: أفسدك ابنك. وكان وراقا.

стр. 8

٤- مجلس سيبويه مع الكسائي وأصحابه بحضرة الرشيد حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى، وأبو العباس محمد بن يزيد وغيرهما قال أحمد: حدثني سلمة قال: قال الفراء: قدم سيبويه على البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما، فلما حضر تقدمت والأحمر فدخلنا، فإذا بمثالٍ في صدر المجلس، فقعد عليه يحيى، وقعد إلى جانب المثال جعفرٌ والفضل ومن حضر بحضورهم، وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألةٍ أجاب فيها سيبويه، فقال له: أخطأت. ثم سأله عن ثانية فأجابه فيها، فقال له: أخطأت. ثم سأله عن ثالثة فأجابه فيها فقال له: أخطأت. فقال له سيبويه: هذا سوء أدب! قال: فأقبلت عليه فقلت: إن في هذا الرجل حدا وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبون، ومررت بأبين، كيف تقول مثال ذلك من وأيت أو أويت. قال: فقدر فأخطأ. فقلت: أعد النظر فيه. فقدر فأخطأ. فقلت: أعد النظر، ثلاث مرات، يجيب ولا يصيب. قال: فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره. قال: فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ فقال: لا، بل سلني أنت. فأقبل عليه الكسائي فقال له: ما تقول أو كيف تقول: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو

стр. 9

هي، أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي. ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنت. ثم سأله عن مسائل من هذا النوع: خرجت فإذا عبد الله القائم، أو القائم؟ فقال سيبويه في كل ذلك بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: ليس هذا كلام العرب، العرب ترفع في ذلك كله وتنصب. فدفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العرب ببابك، قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم، فيحضرون ويسألون. فقال يحيى وجعفر: لقد أنصفت. وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعسٍ، وأبو زياد، وأبو الجراح، وأبو ثروان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه، فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله. قال: فأقبل يحيى على سيبويه فقال له: قد تسمع أيها الرجل. قال: فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤمِّلا، فإن رأيت ألا ترده خائبا. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، فأقام هناك حتى مات ولم يعد إلى البصرة. قال أبو العباس: وإنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها، لأن ((فإذا)) مفاجأة، أي فوجدته ورأيته. ووجدت ورأيت تنصب شيئين، ويكون معه خبر، فلذلك نصبت العرب.

стр. 10

٥- مجلس الكسائي مع أبي محمد اليزيدي حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس ثعلب قال: حدثني خلف البزاز قال: جمعت الكسائي واليزيدي في عرس أم هؤلاء –يعني أولاده- فقال له اليزيدي: يا أبا الحسن، تأتينا عنك أشياء ننكرها. فقال: وأي شيءٍ مع الناس إلا فضل بزاقى. قال: فما كلمه حتى قام. قال أبو العباس: كان الكسائي لم يكن يعتل، فإذا اعتل لم يقم له.

стр. 11

٦- مجلس عبد الملك بن قريب مع كيسان حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس ثعلب قال: قرأ بعض أصحاب الأصمعي عليه شعر النابغة الجعدي حتى انتهى إلى قوله: إنك أنت المحزون في أثر الحي ... فإن تنو نيهم تقم فقال الأصمعي: معناه فإن تنو نيهم تقم صدور الإبل، تظعن نحوهم، كما قال الآخر: أقم لها صدورها يابسبس فقال له كيسان: كذبت، أما إنك سمعت من أبي عمرو بن العلاء، لكن نسيت، إنما أراد أنهم قد نووا فراقك فذهبوا وتركوك، فإن تنو لهم مثل ما نووا فيك من القطيعة تقم في دارك ومكانك، ولا ترحل عنهم ولا تطلبهم، كما قال الآخر: إذا اختلجت عنك النوى ذا مودة ... قربن بقطاع من البين ذي شعب أذاقتك مر العيش أو مت حسرة ... كما مات مسقى الضياح على ألب ألب يألب، ولاب يلوب واحد. يقول: إذا باعدت بيني وبين من

стр. 12

أحب قربن –يعني إبلي- قربت إلى منزلي ووطني، ومياهي، ولم أتبع من فارقني، لأني صبور على الفراق جلدٌ متعود لذلك. فقطاع يعني نفسه هو القطاع، لأني أقطع من قطعني. وأذاقتك، يعني من تحب، وهي التي فارقتها، فأنت وإن كنت كذا وعلى هذا الحال فأنت صبورٌ، قوي على القطع. وكما قال الراعي: وإلفٍ صبرت النفس عنه وقد رأى ... غداة فراق الحي ألا تلاقيا وقد قادني الجيران حينا وقدتهم ... وفارقت حتى ما تحن جماليا

стр. 13

٧- مجلس الأصمعي مع المفضل عند عيسى بن جعفر حدثني أبو الحسن علي بن سليمان قال: حدثني أحمد بن يحيى ومحمد بن يزيد، قالا: حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال: ناظرني المفضل عند عيسى بن جعفر، فأنشد بيت أوس بن حجر: وذات هدمٍ عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا فقلت له: هذا تصحيف، لا يوصف التولب بالإجذاع، وإنما هو ((جدعاً)) . والجدع: السيء الغذاء. قال: فجعل المفضل يشغب، فقلت له: تكلم كلام النمل وأصب، لو نفخت في شبور يهودي ما نفعك شيئا. وحدثني أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم قال: حدثني أبي عبد الله قال: بلغني عن الجاحظ أن المفضل أنشد جعفر بن سليمان بيت أوس بن حجر فأنشده ((جذعا)) بالذال مفتوحة، والأصمعي حاضر، فقال الأصمعي: إنما هو ((تولباً جدعاً)) ، بالدال مكسورة غير معجمة. وأنشد لأبي زبيد: لا غيلٌ ولا جدع ...

стр. 14

وأنشده لآخر: بلا جدعِ النبات ولا جديب ... فضج المفضل ورفع صوته وهو يصيح، فقال له الأصمعي: لو نفخت! وفسر أبو محمد البيت فقال: النواشر: عصب الذراع، واحدها ناشرة، وبها سمي الرجل. والتولب يريد طفلها، وأصله ولد الحمار الصغير فاستعاره. والجدع: السيء الغذاء المقطوع عنه الري. تصمته بالماء، يقول: ليس لها لبنٌ من الضر وشدة الزمان، فهي تعلله بالماء. وحدثني به أحمد بن مابنداذ، حدثني أحمد بن يحيى ثعلب.

стр. 15

٨- مجلس الأصمعي مع ابن الأعرابي عند سعيد بن سلم حدثني أبو جعفر أحمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال: أخبرني بعض أصحابنا أن السبب في طعن ابن الأعرابي على الأصمعي وقدحه فيه، أن الأصمعي دخل يوما على سعيد بن سلم وابن الأعرابي يؤدب حينئذ ولده، فقال لبعضهم: أنشد أبا سعيد. فأنشد الغلام لرجل من بني كلاب شعرا رواه إياه ابن الأعرابي، وهو: رأت نضو أسفارٍ أميمة قاعدا ... على نضو أسفارٍ فجن جنونها فقالت: من أي الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعي صرمةٍ لا تزينها فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعارٍ ولا خير الرجال سمينها عليك براعي ثلة مسلحبة ... يروح عليه محضها وحقينها سمين الضواحي لم تؤرقه ليلةٌ ... وأنعم أبكار الهموم وعونها

стр. 16

ورفع ليلة، فقال له الأصمعي: من رواك هذا؟ فقال: مؤدبي. فأحضره واستنشده البيت، فأنشده ورفع ليلة، فأخذ ذلك عليه، وفسر البيت فقال: إنما أراد لم تؤرقه ليلة أبكار الهموم. وعونها: جمع عوانٍ. وأنعم، أي زاد على هذه الصفة. وقوله: ((سمين الضواحي)) ، يريد ما ظهر فيه وبدا سمينٌ. ثم قال لابن سلم: من لم يحسن هذا فليس موضعا لتأديب ولدك. فنحاه. وأنشدني هذه الأبيات أبو الحسن قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي.

стр. 17

٩- مجلس الأصمعي مع أبي عمرو الشيباني حدثني أبو جعفر عن أبيه أبي محمد عبد الله بن مسلم قال: حدثني غير واحدٍ، منهم أحمد بن سعيد اللحياني، عن أبي عبيد. وحدثني أبو الحسن قال: حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني أبو محمد التوزي عن أبي عمرو الشيباني، قال: كنا بالرقة، فأنشد الأصمعي: عننا باطلا وظلما كما تعنز ... عن حجرة الربيض الظباء فقال له: سبحان الله! ((تعتر)) من العتيرة. فقال الأصمعي: ((تعنز)) أي تطعن بعنزة. فقلت له: لو نفخت في شبور اليهودي وصحت إلى التناد ما كان إلا ((تعتر)) ، ولا ترويه بعد اليوم إلا ((تعتر)) . قال أبو العباس محمد بن يزيد: قال التوزي قال لي أبو عمرو: فقال: والله لا أعود بعدها إلى ((تعنز)) . والشعر للحارث بن حلزة.

стр. 18

وحدثنا أبو عبد الله اليزيدي قال: حدثنا أحمد بن يحيى قال: حدثني أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي قال: جاءني الأصمعي وأبو عمروٍ عند أبي، فأنشد الأصمعي: ((كما تعنز عن حجرة)) ، فقال أبو عمرو: ((تعتر)) ، فقال الأصمعي: هذا مأخوذ من العنزة والاعتناز. فقال أبو عمرو: ليس تروي بعد وقتك هذا إلا ((تعتر)) . قال أبو محمد عبد الله بن مسلم: العتر: الذبح. والعتيرة: الذبيحة. والحجرة: الحظيرة تتخذ للغنم. والربيض: جماعة الغنم. وكان الرجل من العرب ينذر نذرا على شائه إذا بلغت مائة، أن يذبح عن كل عشرة منها شاة في رجب، وكان تسمى تلك الذبائح الرجبية، وهي العتائر. وكان الرجل منهم ربما بخل بشائه فيصيد ظباء فيذبحها عن غنمه في رجب ليوفي نذره، فقال: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا، كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. ومثله: إذا اصطادوا بغاناً شيطوه ... فكان وفاء شائهم القروع ويروى: ((فكان وقاء شائهم القروع)) .

стр. 19

١٠- مجلس الكسائي مع يونس حدثني أبو الحسن علي بن سليمان قال: حدثني أبو العباس محمد بن يزيد قال: قال محمد بن سلام الجمحي: قدم الكسائي البصرة مع الرشيد، فجلس إلى يونس في حلقته، فألقى عليه بعض من حضر في المجلس ببيت الفرزدق: غداة أحلت لابن أصرم طعنةٌ ... حصينٍ عبيطات السدائف والخمر فأنشده هكذا، فقيل للكسائي: على أي شيءٍ رفعت؟ فقال: أضمرت فعلا، كأنه: وحلت لي الخمر. فقال يونس: ما أحسن والله ما وجهته، غير أني سمعت الفرزدق ينشده: غداة أحلت لابن أصرم ضربة ... حصينٍ عبيطات السدائف والخمر جعل الفاعل مفعولا كما قال الحطيئة: فلما خشيت الهون والعير ممسكٌ ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره والقصيدة على الرفع، جعل الفاعل مفعولا. فقال الكسائي: هذا على هذا وجهٌ.

стр. 20

١١- مجلس العتابي كلثوم بن عمرو مع منصور النمري قال أحمد بن الحارث الخزاز: أنشد العتابي كلثوم بن عمرو: يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير فقال له منصور النمري: العصافير تتكلم؟ فقال العتابي: نعم تتكلم وتنطق، ويقال ذلك لما أعرب عن نفسه بحالٍ ترى فيه، فيقال: أخبرت الدار بكذا، وتكلمت بكذا، فكيف ماله نطقٌ؟! أما سمعت قول كثيرٍ: سوى ذكرةٍ منها إذ الركب عرسوا ... وهبت عصافير الصريم النواطق وقول الكميت: كالناطقات الصادقات ... الواسقات من الذخائر قال: فسكت منصورٌ منقطعا.

стр. 21

١٢- مجلس الأصمعي مع عباس بن الأحنف قال الأصمعي: بعث إلي محمد بن هارون، فدخلت عليه وفي يده كتابٌ يديم النظر فيه ويتعجب منه، فقال لي: يا عبد الملك، أما تعجب من هذا الشاب وما يجيء به؟ فقلت: من هو؟ فقال: عباس بن الأحنف. ثم رمى إلي الكتاب فإذا فيه شعرٌ قاله عباس، وهو: إذا ما شئت أن تصنع ... شيئاً يعجب الناسا فصور هاهنا فوزا ... وصور ثم عباسا ودع بينهما شبرا ... وإن زدت فلا باسا فإن لم يدنوا حتى ... ترى راسيهما راسا فكذبها بما قاست ... وكذبه بما قاسى قال الأصمعي: وكان بيني وبين عباس شيء فقلت: مسترقٌ يا أمير المؤمنين. قال: ممن؟ قلت: من العرب والعجم. قال لي: ما كان من العرب؟ قلت: رجلٌ يقال له ((عمر)) ، هوي جارية يقال لها ((قمر)) ، فقال: إذا ما شئت أن تصنع ... شيئاً يعجب البشرا

стр. 22

فصور هاهنا عمراً ... وصور هاهنا قمرا فإن لم يدنوا حتى ... ترى بشريهما بشرا فكذبها بما ذكرت ... وكذبه بما ذكرا قال: فما كان من العجم؟ قلت: رجل يقال له ((فلقا)) ، هوي جارية يقال لها ((روق)) فقال: إذا ما شئت أن تصنع ... شيئاً يعجب الخلقا فصور هاهنا روقا ... وصور هاهنا فلقا فإن لم يدنوا حتى ... ترى خلقيهما خلقا فكذبها بما لاقت ... وكذبه بما يلقى فبينا نحن كذلك إذ جاء الحاجب فقال: عباسٌ بالباب. فقال: ائذن له. فدخل فقال: يا عباس، تسرق معاني الشعر وتدعيه! فقال: ما سبقني أحد. فقال محمد: هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم. ثم قال: يا غلام ادفع الجائزة إلى الأصمعي. فلما خرجنا قال لي العباس: كذبتني وأبطلت جائزتي! فقلت: أتذكر يوم كذا. ثم أنشأت أقول: إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا

стр. 23

١٣- مجلس حماد الراوية مع مروان بن أبي حفصة حدثني أبو بكر قال: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثنا علي بن المغيرة الأثرم قال: حدثني مروان بن أبي حفصة، قال: دخلت أنا وعدادٌ من الشعراء على الوليد، وإذا رجل غائبٌ في الفراش، وكنا عدة من الشعراء: طريح، وأشجع وغيرهما. قال: فكل من أنشد التفت إلى الخليفة فقال: سرق ذا من كذا وذا من كذا، حتى يأتي على شعره، فقلت لبعض من أقول: من هذا؟ قال: حماد الراوية. فلما وقفت على أمير المؤمنين قلت: يا أمير المؤمنين، ما لهذا والكلام، وهو لحانة! قال: فتهانف الشيخ وقال: يا ابن أخي، إني أجالس السوق فلساني على لسانهم، وأنا أعلم الناس بالشعر، فهل تروي من أشعار العرب شيئا. فذهب عليَّ الشعر إلا شعر ابن مقبل. فقال: أنشدني. فلما أنشدته: سل الدار من جنبي حبرٍ فواهبٍ ... إلى ما رأى هضب القليب المضيح فذهبت أمر، فقال لي: مكانك، أين تذهب، ما يقول؟ قال: فلم أدر؟ قال: فقال لي: يقال رأى الموضع الموضع، إذا قابله. أنشد فلا بأس عليك. ثم لم ألقه إلى زمان المسودة. فبينا أنا في بعض الطرق

стр. 24

فإذا إنسانٌ من خلفي يغمزني بسوطه، فالتفت فإذا حماد، فقلت: لا إله إلا الله، أبعد تلك الحال! قال: نعم، ذهب ويحك ما كنت تعهد، ذاك زمانٌ وهذا زمان. قال: وكانت قد جاءت الدولة العباسية.

стр. 25

١٤- مجلس محمد بن زياد الأعرابي مع الحسين بن الضحاك بحضرة الواثق بالله قال إسحاق بن زياد أبو العباس أخو ابن الأعرابي: قال أبو عبد الله ابن الأعرابي: دخلت على الواثق بالله، فقرأ علي الفتح بن خاقان شعر طرفة فقال: تذكرون إذ نقاتلكم ... إذ لا يضر معدما عدمه قال: فقلت له: زد فيها ألفا: ((أتذكرون)) . قال: فقال لي الحسين بن الضحاك وهو نديم أمير المؤمنين، وكان معه محمد بن عمر الرومي: قد خزم مرة بقوله ((إذ لا)) ويخزم بألف أخرى في أوله؟ قال فقلت له: العرب تخزم أول الشعر، إذا احتاجت أن تصله بما قبله خزمته بالحرف والحرفين، وقد خزمه طرفة في أوله وأوسطه، الألف الأولى والثانية. قال: وأنشدته قول امرئ القيس: فلعمرك ما سعدٌ بخلةٍ آثم ... ولا نأنإٍ يوم الحفاظ ولا حصر

стр. 26

فخزم بالفاء: وأنشدته قول قد بن مالك الوالبي: تعالوا نجمع الأموال حتى ... نجحدل من قبيلتنا المئينا وإلا فتعالوا نجتلد بمهنداتٍ ... نشق بها الحواجب والشئونا فخزم بقوله: ((وإلا)) ولم يقل: تعالوا نجتلد، وخزم بالفاء التي في ((تعالوا)) ، فخزم مرتين. وأنشدته لبعض بني تميم: [إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... لك الدهر في أدباره متعلقا وإذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أوشكتما أن تفرقا فخزم بالواو. قال: وقرأ قصيدة عنترة: نهدٍ تعاوره الكماة مكلم ... وكان رواه أبو مسلم المغرب فقال أبو عبد الله ((نقذٍ تعاوره الكماة)) . قال المغرب: ما سمعت بهذا إلا هكذا. قال أبو عبد الله: يروى هذا وهذا جميعا، و ((نقذ)) أجود القولين وأشعر. وإنما جاءوا بمثلي ليختار لهم خير الكلام.

стр. 27

قال: وأنشدته قول عمرو بن كلثوم: وتحملنا غداة الروع جردٌ ... عرفن لنا نقائذ وافتلينا يقول: استتنقذناهن من أعدائنا فصارت لنا، فهي نقائذ، وذلك أعز لهم: أن يكونوا غالبين أبدا، إنما هم على خيولٍ غنموها من آخرين ونتجت عندهم. قال: ثم قرأ قصيدة عمرو بن كلثوم: ((ألا هبي)) . قال: وكان قد علمه: فصالوا صولة فيما يليهم ... وصلنا صولة فيما يلينا قال: فرددت ((صولة)) وقلت: ((فصالوا صولهم)) ، ألا ترى قوله: ((وصلنا صولنا)) . قال: فأعجب ذلك أمير المؤمنين، وقالوا جميعا: هو أعلم بذلك منا يا أمير المؤمنين. فجزاه أمير المؤمنين خيرا وأمر له بعشرة آلاف درهم.

стр. 28

١٥- مجلس الأصمعي مع أبي توبة ميمون بن حفص قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كان أبو توبة ميمون بن حفص مؤدبا لعمرو بن سعيد بن سلم، فقدم الأصمعي البصرة فنزل على سعيد بن سلم، فحضر يوما وأخذ يسائله، فدعا سعيد بأبي توبة فجعل أبو توبة إذا مر شيءٌ من الغريب بادر إليه، فيأتي بكل ما في الباب أو أكثره، فشق ذلك على الأصمعي فعدل إلى المعاني فسأل أبا توبة عنها، فقال له سعيد: لا تتبعه يا أبا توبة في هذا الفن فإن هذه صناعته. فقال: وما علي، إذا سألني عما أحسنه أجبته، وما لم أحسن تعلمته. فلم يزل الأصمعي يسأله وأبو توبة يجيبه. حتى سأل عن هذا البيت: واحدةٌ أعضلكم أمرها ... فكيف لو درت على أربعٍ قال: ونهض الأصمعي فدار على أربعٍ ليلبس على أبي توبة، فأجابه أبو توبة بجواب يشاكل ما وهمه، فضحك الأصمعي من جوابه فقال له سعيد: ألم أقل لك يا أبا توبة؟ قال: ومعنى البيت أنه تزوج امرأة واحدة فقال: قد شق عليك أن تزوجت واحدة، فكيف لو تزوجت أربعا.

стр. 29

١٦- مجلس علي بن حمزة الكسائي مع المفضل بحضرة الرشيد قال أبو العباس أحمد بن يحيى: روي عن أبي عمرو الشيباني أنه قال: أخبرنا المفضل قال: جاءني رسول الرشيد يوم خميس بكرا فقال لي: أجب. فدخلت عليه ومحمدٌ عن يمينه، والمأمون عن يساره، والكسائي بين يديه باركا، وهو يطارح محمدا والمأمون معاني القرآن، فسلمت فردّ وقال: اجلس. فجلست فقال لي: كم اسمٍ في سيكفيكهم الله؟ قلت: ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين، أولا اسم الله ﵎ لا إله إلا هو، والثاني اسم النبي ﷺ ، والثالث اسم الكفرة، فالياء والكاف المتصلتان بالسين لله جل عز، والياء والكاف المتصلتان بالهاء للنبي لله، والهاء والميم للكفرة. فقال: كذا أخبرنا الشيخ. وأشار بيده إلى الكسائي، والتفت إلى محمد، فقال له: أفهمت؟ فقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين. قال: فاردد ذلك علي، فرده فقال: أحسنت! ثم روى ببصره إلي فقال: من يقول: نفلق هاما لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم فقلت: الفرزدق يا أمير المؤمنين. قال: فما أراد بذلك؟ ثم قال: لا، ولكن نفلق هاما لم تنله سيوفنا فيما زعم. قلت: هذا لفظ مدغم يستتر فيه صواب معناه على التقديم والتأخير، وذلك أنه قال: نفلق بأسيافنا هام

стр. 30

الملوك القماقم، ثم رجع فقال: ها من لم تنله سيوفنا، على التنبيه والتعجب. قال: صدقت، عندك مسألة. قلت: نعم يا أمير المؤمنين. [قال] : قال الفرزدق: أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع قال: قد أفدنا هذا متقدماًَ من هذا الشيخ علي بن حمزة. القمران: الشمس والقمر، كما قالوا في العمرين، يريدون أبا بكر وعمر. قلت: أزيد يا أمير المؤمنين في السؤال؟ قال: زد. قلت: فلم استحقوا هذا بعد؟ ولم قالوا ذلك؟ قال: لأن من شأن العرب إذا اجتمع شيئان من جنسٍ واحد فكان أحدهما أشهر سمي الآخر باسمه. ولما كان القمر أشهر عند العرب وأكثر في أوقات المشاهد، وتدركه ليلا ونهارا، سموا الشمس باسمه. وهي القصة في تسميتها أبا بكر عمر؛ إذ كانت خلافة عمر أكثر وأشهر في الإسلام للفتوح وطول المدة. قلت: بقي مع هذا زيادةٌ يا أمير المؤمنين. قال: لا أعرفها. ثم التفت إلى الكسائي فقال: أتعرف في هذا أكثر من الذي سمعت؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، هذا الذي [هو] معروف المعنى عند العرب. قال المفضل: فأمسك عني قليلا كالمستعمل فيه الفكرة ثم نظر إلي وقال: أعندك فيه زيادة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وهي فضيلة المعنى والغاية التي جرى إليها، ولولا ذلك ما كان بأولى بالشمس والقمر والنجوم من غيره، ولا يفتخر فيه بما حظ غيره كحظه، الشمس هاهنا إبراهيم الخليل ﵇، والقمر النبي ﷺ ، والنجوم أنت

стр. 31

يا أمير المؤمنين، وآباؤك من الخلفاء المهديين. فتهلل سرورا ثم قال: أغربت على الرجل محسنا. ثم رفع رأسه فقال: يا فضل. قال: لبيك يا أميري المؤمنين. قال: تحمل إلى منزله الساعة عشرة آلاف درهم، وائذن لمن حضر الباب من الشعراء. ثم وضع لي كرسي وللكسائي كرسي، وأشار إلينا، فجلس كل واحدٍ منا على كرسيه. فدخل الفضل وخلفه العماني ومنصور النمري، فسلما فرد، ثم قال للفضل: أدن الشيخ مني. فأخذ بيد العماني فقدمه إلى الموضع الذي كنت فيه جالسا، ثم قال له: تكلم بشرف أمير المؤمنين. فأنشده: قل للإمام المقتدى بأمه ... ما قاسمٌ دون مدى ابن أمه فقد رضيناه فقم فسمه ... فضحك الرشيد وقال: وما ترضى أن أسميه ولي عهد وأنا جالسٌ حتى تنهضني قائما؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنه قيام عزم، ولو قام بذلك أمير المؤمنين متخطيا قام بشرفٍ يكون من شرفٍ يسود به هذان –وأشار إلى محمد وعبد الله- بمكان الأنف من الحاجبين. قال: صدقت، أفعل ما ذكرت، يا غلام القاسم. وهدر العماني حتى أتى على آخر الأرجوزة. ودخل القاسم فسلم، فأشار إليه فجلس إلى جانب عبد الله ثم التفت إليه فقال: جائزة هذا الشيخ اليوم عليك. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فأنجزها له إذن فقد وعى إلي العهد. قال: حكم أمير المؤمنين. قال: بل حكمك، وما أنا والدخول في هذا؟ وأشار إلى النمري،

стр. 32

فدنا فأسمعه حتى إذا بلغ: ما كدت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع قال: صدقت والله وأصبت، ولا خير في دنيا لا يخطر فيها برداء الشباب. ثم أمسك حتى أتى على باقي الشعر. واستؤذن لسعيد بن سلم فقال: يدخل. فسلم فرد عليه، وأشار إليه بالجلوس فقال: يا أمير المؤمنين، غلامٌ أعرابي من باهلة وفد على أمير المؤمنين سيدي ما سمعت بمديحٍ لشاعرٍ مثله. فقال: إنك قد استنبحت هذين الشيخين فهيء لهما أحجارك. فقال: هما يهباني لك يا أمير المؤمنين. والتفت إلى الفضل فقال: يدخل الشاعر. فدخل أعرابي في جبة خز ورداءٍ يمانٍ [قد شده في وسطه] ، ثم رد طرفه إلى منكبيه وعليه عمامة خز سوداء، فلما نظر إليه الرشيد تبسم، ثم أدني فسلم فرد عليه، فقال له سعيد: تكلم بشرف أمير المؤمنين. فأسمعه شعراً حسناً، [و] استوى الرشيد جالسا ثم قال له: أسمعك مستحسنا وأنكرك متهما، فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل في هذين بيتين، وأشار إلى عبد الله ومحمد وهما حفافاه. فقال: يا أمير المؤمنين، حملتني على غير الجدد، روعة الخلافة وبهر البديهة، ونفور القول في الروية إلا بفكرٍ يتألف لي نفرانها، فليمهلني أمير المؤمنين قليلا. فقال: أمهلك وأجعل لك حسن اعتذارك بدلا في امتحانك. قال: يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهلت ميدان السباق. ثم قال: بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها

стр. 33

فقال: أحسنت بارك الله فيك، فلا تكن مسألتك دون إحسانك. فقال: الهنيدة يا أمير المؤمنين. فأمر له بها، وخلع عليه ثلاث خلع.

стр. 34

١٧- مجلس الكسائي مع الأصمعي عند الرشيد حدثني أبو طاهر: حدثني أحمد بن يحيى قال: اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد، وكانا معه يقيمان بمقامه ويظعنان بظعنه. قال: فأنشد الكسائي يوما لأفنون التغلبي: لو أنني كنت من عادٍ ومن إرم ... غذى سخلٍ ولقمانا وذا جدن لما وقوا بأخيهم من مهولةٍ ... أخا السكون ولا جاروا عن السنن أنى جزوا عامرا سوءى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوءى من الحسن أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن فقال الأصمعي: ريمان أنف. فأقبل عليه الكسائي فقال له: اسكت، ما أنت وهذا؟ يجوز ريمان وريمان وريمان. ولم يكن الأصمعي صاحب عربية. قال أبو العباس: إذا رفع رفع بينفع، أم كيف ينفع رئمان أنف. وإذا نصب نصب بتعطى. وإذا خفض رده على الهاء التي في به. والهاء مكنى، ولا يرد الظاهر على المكني، وجاز رده هنا لتقدم ذكره اللبن؛ لأن العلوق قد تقدمت، وقد علم أن لها لبنا فصار المكنى لذلك كالظاهر، وبه كناية عن اللبن.

стр. 35

قال: والمعنى وما ينفعني إذا وعدتني بلسانك ثم لم تصدقه بفعلك. يقال ذلك للذي يبر ولا يكون معه نفع، كهذه الناقة التي تشم بأنفها ثم تمنع درتها. والعلوق: التي تعلق قلبها بولدها، وذلك أنه نحر عنها ثم حشي جلده تبنا أو حشيشا، وجعل بين يديها حتى تشمه وتدر عليه، فهي تسكن إليه مرة ثم تنفر عنه ثانية، تشمه بأنفها ثم تأباه بقلبها. فيقول: فما ينفع من هذا البو إذا ما تشممته ثم منعت درتها.

стр. 36

١٨- مجلس يعقوب بن السكيت مع أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي قال أحمد بن يحيى: كان يعقوب بن السكيت مقداما جسورا على العلماء، يتوردهم بالأشياء، للفضل الذي كان يحس به من نفسه. قال: فحضرنا يوما عند أبي عبد الله ابن الأعرابي، فتكلم فعارضه، فقال ابن الأعرابي: يقال أضرب الرجل، إذا أقام في بيته ولزمه. فقال له يعقوب: من يحكي هذا أصلحك الله؟ فأقبل عليه ابن الأعرابي فقال: ما أشد حاجتك إلى من يعرك أذنك ثم يصفع. فقال: يا عاض. قال: فأطرق يعقوب حتى سكن ابن الأعرابي، ثم أقبل عليه فقال: ما كان يسرني أن هذه البادرة بدرت منك إلى غيري ثم لم يحتملها. قال: فرأينا الانكسار فيه والاستكانة. ثم ابتدأ يعقوب يقرأ عليه، فاستمع لقراءته إلى أن أمسك يعقوب من تلقاء نفسه. ثم لم يزل يعقوب يأتيه ويقرأ عليه كل ما يريد، ويسأله فلا يمنعه ولا يأمره بالإمساك حتى يمسك هو، إلى أن فرق الدهر بينهما، فكان يعقوب يقول: ما كان أعظم بركة ذلك المجلس، أو ذلك اليوم!

стр. 37

١٩- مجلس يعقوب مع أبي نصر صاحب الأصمعي قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كان أبو نصر صاحب الأصمعي يمل شعر الشماخ، وكنت أحضر مجالسه، وكان يعقوب يحضرها قبلي، لأنه كان قد قعد عن مجالسهم وطلب الرياسة، فجاءني إلى منزلي فقال: اذهب بنا إلى أبي نصر حتى نقفه على ما أخطأ وصحف فيه من شعر الشماخ، فإنه أخطأ في بيت كذا وصحف في حرف كذا. قال: وأنا ساكت، فقال: ما تقول؟ فقلت: ليس يحسن هذا، أمس نرى على باب الشيخ نسأله ونكتب عنه، ثم نصير إليه لتخطئته وتهجينه؟ فخرج الشيخ إلينا فرحب، فأقبل عليه يعقوب فقال: كيف تنشد هذا البيت للشماخ؟ فقال: كذا. قال: فكيف تقول في هذا الحرف من شعره؟ قال: كذا. قال: أخطأت. فلما مرت ثلاث أو أربع مسائل اغتاظ الشيخ، ثم قال: يا ماص تستقبلني بمثل هذا وتقوى نفسك على مثل هذا، وأنت بالأمس تلزمني حتى يتهمني الناس بك! ونهض أبو نصر فدخل بيته ورد بابه في وجوهنا. فاستخذى يعقوب فأقبلت عليه فقلت له: تف ما كان أغنانا عن هذا. فأمسك ولا نطق بحلوة ولا مرة.

стр. 38

٢٠- مجلس الأثرم علي بن المغيرة مع يعقوب قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كنا عند الأثرم صاحب الأصمعي وهو يمل شعر الراعي، فلما وضع الشيخ الكتاب من يده واستتم المجلس قال يعقوب: لابد من أن أسأله عن أبيات الراعي. قلت له: لا تفعل، فلعله لا يحضره جوابٌ فتكون قد هجنته على رؤوس الملأ. فقال: لابد من ذلك. ثم وثب فقال: ما تقول في بيت الراعي: وأفضن بعد كظومهن بجرة ... من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا قال: فتلجلج الشيخ، وتنحنح ولم يجب بشيء. فقال له: فما تقول في بيته: كدخان مرتجلٍ بأعلى تلعة ... غرثان ضرم عرفجا مبلولا قال: فعاد الشيخ إلى تلك الصورة، ورأينا في وجهه الكراهية والإنكار.

стр. 39

ومر شيء من الأمثال فقال الأثرم: ((مثقل استعان بدفيه)) ، فقال يعقوب: هذا تصحيف: إنما هو ((بذقنه)) . فقال الأثرم: إنه يريد الرياسة بسرعة. ودخل بيته. ومعنى المثل أن البعير إذا حمل عليه فأثقله الحمل مد عنقه واعتمد على ذقنه، فلا يكون له في ذلك راحة. فيقال للرجل إذا تكلف أمرا أو ينزل به أمر يغلظ عليه فيضعف فيه، فيستعين عليه بمن هو أضعف منه وأعجز.

стр. 40

٢١- مجلس أبي حاتم مع التوزي عند الأخفش حدثني أبو جعفر أحمد بن عبد الله قال: حدثني أبي عبد الله بن مسلم قال: حدثنا أبو حاتم سهل بن محمد قال: كنت عند أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وعنده التوزي، فقال لي: يا أبا حاتم، ما صنعت في كتاب المذكر والمؤنث؟ قلت: قد عملت في ذلك شيئا. قال: فما تقول في الفردوس؟ قلت: مذكر. قال: فإن الله يقول: ﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ . قال: قلت: ذهب إلى الجنة فأنث. فقال لي التوزي: يا غافل، أما تسمع الناس يقولون: أسألك الفردوس الأعلى. فقلت له: يا نائم، الأعلى ها هنا أفعل وليس بفعلي.
следующие страницы →