Полный текст (92 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بما لك، فلا تمضه بما عليك. وإن لم تصحب الأخيار، فلا تصحب الأشرار. وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضا، فلا تنفقه فيما لله فيه سخط.
ومن الفتوة أن يداوم العبد على التوبة. ويكون على خطر من قبولها. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا الحسن المزين ﵀ يقول: التوبة ثلاثة أشياء: الندم على ما مضى، وصحة العزم على ترك العود، ووجل القلب على ذلك، لأنه من ذنوبه على يقين، ومن قبول توبته على خطر، لا يدري أمقبولٌ منه ذلك أم لا.
ومن الفتوة ملازمة الصدق، وقلة السكون إلى الأحوال. سمعت أبا الحسن بن قتادة البلخي يقول: سمعت القناد يقول: قيل للجنيد ﵏: ما صفة الصوفية؟ فقال: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ . فقيل له: كيف سيماهم؟ فقال: لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء.
ومن الفتوة صحبة الأبرار. ومجانبة صحبة الأشرار. سمعت عبد الله بن محمد ابن اسفندياران بدامغان يقول: سمعت: الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى ابن معاذ يقول: لو قد جاءت الصيحة، لرأيت إخوان السوء كيف يفر بعضهم من بعض. ولرأيت إخوان الصلاح كيف يرجع بعضهم إلى بعض. قال الله تعالى:
стр. 37
ومن الفتوة أن يطلب العبد في علمه المعرفة، وفي معرفته المكاشفة، وفي مكاشفته المشاهدة مع التحقق بأن أحداً لا يبلغ حقيقة معرفته. سمعت أبا الحسن بن قتادة البلخي يقول: سمعت القناد يقول: سمعت النوري يقول: أباح الله تعالى للخلق العلم، وخص أولياءه بالمعرفة، وأصفياءه بالمكاشفة، وأحباءه بالمشاهدة. واحتجب عن جميع بريته، فإذا ظنوا أنهم قد عرفوا، تحيروا. وإذا توهموا أنهم قد كوشفوا، احتجبوا. وإذا تحققوا أنهم قد شاهدوا، عموا. فسبحان من أمره عجيب، وليس شيء منه عجيب.
ومن الفتوة ترك الحيلة في طمع الكون في الدنيا، سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: سمعت فارس بن عبد الله، يقول: كانت عجوز تخدم سهل بن عبد الله ﵏ فاعتلت علة، فقيل لها: لو تداويت. فقالت: لو جعل شفائي في مسح أذني، ما مسحتها. نعم المذهوب إليه الرب.
ومن الفتوة أن لا يشفي المحب من حبيبه بشيء. أخبرني سعيد بن محمد الشاشي، قال: أخبرني الهيثم بن كليب قال: أخبرني سمنون الصوفي ﵏.
بكيت دماً عليك مكان دمعي ... ليشفيني البكا مما اشتفيت
أنشدني محمد بن إسماعيل لبعضهم
стр. 38
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وإن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خيرٌ من البعد
ومن الفتوة قبول من يقصده، وترك طلب من يتخلف عنه. سمعت عبد الواحد ابن علي يقول: قال فارس ﵀: من أخلاق الفتيان من الصوفية إن من جاءه لم يطرده، ومن لم يحضره لم يطلبه، ومن عاشره لم يملكه.
ومن الفتوة أن لا يرد مريداً بزلته، ولا يقبل أجنبياً بحسناته. لذلك ذكر عن أبي تراب النخشبي ﵀ أنه قال: إذا طبع الرجل بطبائع الإرادة، ودخل في رسم القوم وقبلته، فلا تبعده عنك بمائة زلة، وطلاب الدنيا لا تدخلهم في رسم القوم، وإن بدا لك منهم مائة حسنة إلا بعد التحقق فيها.
ومن الفتوة ملازمة آداب العبودية ما أمكنه. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: العبودية ترك الاختيار وملازمة الذلة والافتقار.
ومن الفتوة الانبساط مع الإخوان إذا حضر أو حضروه. سمعت عبد الله بن علي السراج يقول: سمعت عبد الكريم بن أحمد بن عبد الله يذكر عن الحسين بن أبي سهل السمسار يقول: سمعت حسن الخياط يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: ترك الآداب بين الإخوان من الأدب. ومن لم ينبسط مع إخوانه في المباحات، أحشمهم.
стр. 39
ومن الفتوة حمل الأثقال في مجاهدات المعاملات. سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الدقي يقول: دخل علي عبد الله الخراز. ولي أربعة أيام لم آكل، فلما نظر إلي قال: يجوع أحدكم أربعة أيام فيصيح عليه الجوع وينادي، ثم قال: أتدركون لو أن كل نفس منفوسة تلفت، فيما تؤمله من الله، ترى كان ذلك كبيراً!
ومن الفتوة قضاء حقوق الإخوان، وترك الاعتماد على إخوانه في التخلف. سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يذكر عن خاله، عن الجنيد ﵏ أنه قال: لا تقوم بما عليك حتى تترك ما لك، ولا يقوى على هذا إلا نبي أو صديق.
ومن الفتوة التواضع للذاكرين. وقبول الحق من الناصحين. أخبرنا أبو الفضل نضر بن أبي نضر العطار، حدثنا أحمد بن الحسين الحراني بالكوفة، حدثنا هلال بن العلاء، قال: حدثنا فيض بن إسحاق، قال: سئل الفضيل بن عياض ﵀، ما الفتوة؟ قال: التواضع للذاكرين، وقبول الحق من الناصحين. أخبرنا أبو الفضل نضر بن أبي نضر العطار، حدثنا عمر بن الأشناني القاضي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، سمعت وكيعاً يقول: ينبغي للرجل أن يصفح عن إخوانه وأصدقائه زلاتهم، ولا يحقد عليهم في شيء من أحوالهم.
стр. 40
ومن الفتوة رجوع العبد إلى ربه في كل أسبابه. والثقة به دون خلقه. أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد الصوفي، حدثنا سليمان بن أبي سلمة الفقيه، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵏ يقول: أربع خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء، والاستعانة به في كل شيء، والافتقار إليه في كل شيء.
ومن الفتوة الشفقة على الخلق في كل الأحوال. أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب، سمعت جعفر بن محمد بن نصر يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: كان بناحية دمشق شيخ من شيوخنا يقال له أبو موسى القومسي ﵀، وكان من الفتيان، وذكر من فضائله، قال: كان هو وامرأته في دار فسقطت الدار عليهم، فجاءوا ينحون عنهم الهدم، إذ وقعوا على المرأة، فقالت: الشيخ الشيخ أبو موسى فإنه في تلك الزاوية، فتركوها وجاءوا إليه، وأخذوا التراب عنه فقال الشيخ: المرأة المرأة.
قال أبو القاسم: فكل واحد منهم في ذلك الوقت كان همه الشغل بصاحبه. كذلك أهل الموالاة والمعاقدة، لله وفي الله قلوبهم على هذا النعت في كل الأحوال.
ومن الفتوة أن لا يستخدم غني فقيراً في سبب من الأسباب. سمعت منصور بن عبد الله الخواص.. .. جميعاً في مسجدٍ ﵏ يقول: سمعت التفليسي يقول: كان الجنيد وبهم فاقة، فدخل عليهم بعض أصدقائهم، فرأى فيهم أثر الجوع، فقال لبعض الفقراء: قم معي، وخرج إلى السوق، واشترى ما اشترى،
стр. 41
ودفعه إلى الفقير ليحمله، فلما بلغ باب المسجد، رآه الجنيد من بعيد، فقال: ارم وادخل. وأبوا أن يأكلوا من ذلك الطعام. ثم قال الخواص لصاحب الطعام: عظم مقدار الدنيا في عينك حتى تجعل الفقير حمالاً لطعامك، فما ذاقوا منه شيئاً.
ومن الفتوة رؤية المنع والعطاء من الله لئلا يخلق وجهه بالسؤال ولا يذل نفسه بالطمع. أنشدنا منصور بن عبد الله الهروي لابن الرومي:
لا أرى معطياً لما منع الله ... ولا دافعاً لما يعطيه
إنما الجود والسماحة والبذل ... لمن يعطك، عفواً وماء وجهك فيه
قبح الله نائلاً أن يجيد ... من يدي من أريد أن أقبضيه
ومن الفتوة أن يشاهد العبد النقصان في كل أحواله، ولا يرضى من نفسه بما هو فيه. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: من علامة من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه، والغفلة في ذكره، والنقصان في صدقه، وتكون جميع أحواله غير مرضية، ويزداد فقراً إلى الله في قصده وسيره، حتى يغنى عن كل مرادٍ له.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطيبين أجمعين ويتلوه إن شاء الله تعالى
стр. 42
الجزء الثالث من الكتاب الفتوة
مما جمعه الشيخ محمد بن الحسن السلمي
стр. 43
بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت
ومن الفتوة أن لا يتغير لأخيه بسبب من أسباب الدنيا. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر الأخلاطي يقول: سمعت إبراهيم بن بشار يقول: سمعت ابن عيينة يقول: عن محمد بن سوقة، قال: كان رجلان متآخيين، فطلب أحدهما من صاحبه شيئاً فمنعه، فلم يتغير له عن حاله، فقال له: يا أخي، سألتني حاجة، فما قضيتها، فما تغيرت لي! فقال: إنما أحببتك ووليتك الأمر فلم تتغير عن الذي أحببتك عليه، فأنا لا أتغير لك، وإن منعتني. فقال الآخر: وأنا إنما منعتك لأجربك، فمد يدك الآن إلى ما شئت من مالي، فخذه، فما أنا بأحق به منك.
ومن الفتوة ما ذكره جعفر بن محمد الصادق. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت القاسم بن عبيد الله بالبصرة يقول: سمعت الحسين بن نصر يقول: عن علي بن موسى الرضا ﵁ يقول: سئل جعفر بن محمد ﵁، ما الفتوة؟ فقال: الفتوة ليست بالفسق والفجر، ولكن الفتوة طعام مصنوع، ونائل مبذول، وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف.
ومن الفتوة حفظ آداب الظاهر والباطن. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: للدين رأس مال عشرةٌ: خمسة في الظاهر، وخمسة في الباطن.
стр. 44
وأما اللواتي في الظاهر: صدقٌ في اللسان، وسخاوة في المال، وتواضع في الأبدان، وكف الأذى، واحتمالها بلا إباء.
وأما اللواتي في الباطن: فحبٌ وجود سيده، وخوف الفراق عن سيده، ورجاء الوصول إلى سيده، والندم على فعله، والحياء من ربه تعالى وتقدس.
ومن الفتوة الاستغناء عن الخلق، والتعفف عن سؤالهم. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: قال أبو بكر محمد بن أحمد بن داود البلخي: من خفت مؤونته، دامت مودته، ومن عف خفٌ على الصديق لقاؤه، وأخو الحوائج وجهه مملول.
ومن الفتوة التحصن عن الآفات بترك الشهوات. سمعت الحسين بن يحيى يقول: قال أبو تراب النخشبي: حصنك من الآفات، حفظ نفسك من الشهوات.
ومن الفتوة الاكتفاء بالثقة بالله من دعوى التوكل. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: قام الحق بالكفاية، والسيد لأهل مملكته، فاستراحوا من معاملات التوكل فلم يرضوا إلا به، فما أقبح التقاضي بأهل الصفاء بعد ثقتهم بالموالاة التي أزالت التوهم عن قلوب الموحدين.
стр. 45
ومن الفتوة اختيار الخلوة والعزلة على الانبساط والصحبة. سمعت عبد الله ابن محمد بن اسفندياران بدامغان يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ ﵀ يقول: لكل شيء حصار، وحصار النفس الخلوة، وترك معاشر الخلق، فإنه من لم يكن معك، فهو عليك والمعينون قليل، والزمان غدار، فبادر قبل أن يبدأكم بك. وقال رجل لفتح الموصلي ﵀: أوصني. فقال: اخل بنفسك واعتزل الناس، يسلم لك دينك ومروءتك.
ومن الفتوة تصحيح مبادئ الأحوال ليتم لك تحقيق النهايات. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عطاء يقول: لا يرتقي في الدرجات العلى من لم يحكم فيما بينه وبين الله أوائل البدايات. وأوائل البدايات هي الفروض الواجبة، والأوراد الزكية، ومطايا الفصل. وعزائم الأمر. فمن أحكم ذلك، من الله عليه بما بعده.
ومن الفتوة حفظ السر مع الله أن يختلج فيه سواه. سمعت أبا نصر الطوسي يقول: قال أبو الفرج العكبري: قال لي الشبلي ﵀: يا أبا الفرج، في ماذا تذهب أوقاتك؟ قلت: زوجة وصبيان. فقال: وتدع وقتاً أعز من الكبريت الأحمر أن يضيع في غير الله! والنبي ﷺ يقول: ((إن الله غيور يحب كل غيرو، وهو أن يغار على أوليائه أن يظهر علهم سواه)) . فقال له أبو الفرج: فأنا غيور. فقال له الشبلي ﵀: غيرة البشرية للأشخاص، وغيرة الإلهية للوقت أن يضيع فيما سوى الله.
стр. 46
ومن الفتوة مخالفة هوى النفس ليظهر له بذلك طريق النفس. كذلك حكي عن بعض العارفين أنه قال: من وقعت له مسألة في علم الإرادة. ولا يحضره الدليل، فلينظر أي حال أقرب إلى هوى نفسه، فليخالفها، فإنه يكشف له عن حقيقة الواقعة.
ومن الفتوة القيام لله، والقيام بالله، والقيام مع الله. وعلامة القيام بالله أن لا يتهيأ للأشياء أن يزيلها، وليس له في الأحوال اختيار. وعلامة القيام لله أن لا يكون لقيامه في الأحوال نهاية، ولا يسكن إلى المقامات، والكرامات، ولا يطلب الأعواض. وعلامة القيام مع الله أن لا تكون الأشياء قائمة معه، ولا تحجبه عن الله. ولا تشغله عنه.
ومن الفتوة ما سئل عنها أبو الحسن البوشنجي ﵀. فقال: حسن السر مع الله، أن تحب لإخوانك ما تحبه لنفسك، بل تؤثرهم على نفسك، لأن الله تعالى يقول: ﴿يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ . والنبي ﷺ يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ، فمن اجتمعت فيه هاتان الخصلتان، صحت له الفتوة والتطرق.
стр. 47
ومن الفتوة أن لا يهتم العبد في وقت إلا لوقته. كذلك سئل سهل بن عبد الله التستري ﵀، متى يستريح الفقير من نفسه؟ فقال: إذا لم ير لنفسه وقتاً غير الوقت الذي هو فيه.
ومن الفتوة استعمال التظرف في الأخلاق، وهو ما سئل أبو سعيد الخراز، ما الفتوة؟ فقال: ترك المعلوم، والصبر على النفس، والإياس من الخلق، وترك السؤال والتعريض وكتمان الفقر، وإظهار الغنى والتعفف.
ومن الفتوة التفويض في الأحوال كلها. وهو ما سمعت عبد الله الرازي يقول: كتبت هذا من كتاب أبي عثمان، وذكر أنه من كلام شاه ﵏، قال: التفويض ترك الاختيار.
ومن الفتوة استعمال الكرم، ومواصلة القاطع، وإعطاء المانع، والإحسان إلى المسيء. كذلك روي عن رسول الله ﷺ .
ومن الفتوة سؤال الله العافية والشكر عليها إذا رزق. روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قلت للنبي ﷺ : أرأيت أن وافقت ليلة القدر، ماذا أسأل ربي؟ فقال: سلي الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة. سمعت أبا بكر بن أحيد يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: كل عافية
стр. 48
بدؤها عفو الله، ولولا عفو الله لم تكن عافية قط. سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت إبراهيم الخواص ﵏ يقول: العافية لا يحلها إلا نبي أو صديق. سمعت أبا عثمان المغربي يقول: أكيس الناس من قدر على صحبة العافية.
ومن الفتوة أن لا تبخل بما معك إذا قدرت على بذله. ((قال النبي ﷺ لرجل: من سيدكم؟ قال: الجد بن قيس على إن فيه بخلاً. قال النبي ﵇: وأي داء أدوى من البخل)) سمعت أبا العباس البغدادي يقول: أخبرني محمد بن عبد الله الفرغاني، حدثنا أحمد بن مسروق، قال: كنت مع أبي نصر المحب في بعض طرقات بغداد، وكان عليه إزار جديد قيمته ثمانية دنانير، فاستقبلنا سائل يسأل بمحمد ﷺ ، فأخذ الإزار وطواه باثنين وشقه وأعطاه النصف، ومشى خطوات، ثم قال هذه نذالة. ورجع وطرح عليه النصف الآخر.
ومن الفتوة القناعة والرضا بالقليل لئلا يكون مستعبداً. سمعت محمد ابن الحسن يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد بن عبدون، حدثنا حسن المسوحي، أخبرني بشر بن الحارث، ورآني يوماً بارداً، وعلي خلق، وأنا أرتعد من البرد، فنظر إلي وأنشأ يقول:
стр. 49
قطع الليالي مع الأيام في خلق ... والنوم تحت رواق الهم والقلق
أحرى وأعذر بي من أن يقال غدا ... إني التمست الغنى من كف مختلق
قالوا رضيت بذي قلت القنوع غنى ... ليس الغنى كثرة الأموال والورق
رضيت بالله في يسري وفي عسري ... فلست أسألك إلا واضح الطرق
ومن الفتوة خصال عدها سري السقطي ﵀ فيما أخبرني عنه محمد ابن الحسن الخالدي، حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد بن عبدون، حدثنا عبدوس بن القاسم، قال: سمعت سري السقطي ﵀ يقول: خمس خصال فيهن الراحة: ترك خلطاء السوء، والزهد في الناس، وحلاوة العمل إذا غاب عن أعين الناس، وترك الإزراء على الناس حتى لا يدري أن أحداً يعصي الله ويسقط عن نفسه خمساً: الرياء، والجدل، والمراء، والتصنع، وحب المنزلة. ويستريح من خمس: من البخل، والحرص، والغضب، والطمع، والشره.
ومن الفتوة تصحيح الأفعال والأحوال. أخبرنا أبو العباس بن الخشاب، حدثنا أبو الفضل النيسابوري، حدثنا سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يقول: من صحح استراح، ومن تقرب قرب، ومن صفا صفي له، ومن توكل وثق، ومن تكلف ما لا يعنيه ضيع ما يعنيه.
ومن الفتوة التواضع وهو قبول الحق. واستعمال الخلق. أخبرنا أبو العباس محمد بن الحسن بن محمد بن خالد، حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا ابن
стр. 50
ومن الفتوة أن يؤثر إخوانه بالراحات. ويحمل عنهم المشقات. سمعت أبا العباس المخرمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت أبا جعفر الحداد ﵀ [يقول] : بضع عشرة سنة اعتقدت التوكل، وأنا أعمل في السوق، فآخذ كل يوم أجرتي، ولا أستروح منها إلى شربة ماء، ولا إلى دخلة حمام. وكنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء، فأواسيهم بها في الشونيزية وغيرها. وأكون على حالي، فإذا جاء العشاء كنت أتقدم إلى الأبواب، أسأل كسرات فأفطر عليها.
ومن الفتوة الصبر على معاشرة الخلق والاكتفاء لمن لابد منه. سمعت عبد الله بن محمد بن اسفندياران يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ ﵏ يقول: معاشرة الخلق بلاء، وفي الصبر فيهم عناء، فإن كان لابد، فاصحب الأتقياء، وتأدب بآدابهم، وتخلق بأخلاقهم، تكن من الأبرار في [يوم] القيامة غدا.
стр. 51
ومن الفتوة التواضع وترك التكبر مع الإخوان. سمعت علي بن محمد القزويني يقول: سمعت أبا الحسين المالكي يقول: قال بعض الحكماء: ليس عقوبات التكبر أن يستصغر الناس قدر صاحبه ويستثقلوا أمره.
ومن الفتوة إتمام الصنيعة إذا ابتدأت به. أنشدني سعيد المعداني لأبي الحسن بن أبي الفضل:
بدأت بفضلٍ صار فرضاً تمامه ... وأنت لمفروض العوائد عائد
فاخطر ببالٍ منك أمري فإنه ... سيبقي لك الشكر الأيادي الخوالد
تلطف بما فيه صلاحي واتخذ ... يداً فإن الأيادي في الرقاب القلائد
ومن الفتوة أن لا يزدري بأحد من الخلق. سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد الرازي يقول: سمعت أخي، أبا عبد الله يقول: قام بنان الحمال إلى مخنث، فأمره بالمعروف. فقال له المخنث: ارجع، كفاك ما بك وما بي، ويلك. قال: إنك خرجت من بيتك، وعندك أنك خير مني، يكفيك هذا.
ومن الفتوة تصديق الصادقين في الإخبار عن أنفسهم ومشايخهم. وترك الإنكار عليهم. سمعت أبا القاسم المقرئ يقول: أوائل بركة الدخول في التصوف، تصديق الصادقين في الإخبار عن أنفسهم، ومشايخهم بنعم الله عليهم، وإظهار كراماته عليهم.
ومن الفتوة مقابلة جفوة الإخوان بالإحسان والعتب بالاعتذار. سمعت عبيد الله بن عثمان بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير بن مسروق
стр. 52
يقول: جفوت مرة أبا القاسم الحداد ﵀، فكتب إلي:
ستذكرني إذا جربت غيري ... وتعلم أنني لك كنت كنزا
بذلت لك الصفاء بكل ود ... وكنت كما هويت، فصرت حزا
وهنت إذا عززت وكنت ممن ... يهون إذا أخوه عليه عزا
ستنكت نادماً في الأرض مني ... أتعلم أن رأيك كان عجزا
فرجعت إليه، قال: ما هززتك للاعتذار، لكن اشتملت بك إلى الوفاء.
ومن الفتوة كرم الصحبة والقيام بحسن الأدب فيها. وهو أن يصحب من فوقه بالتعظيم، ويصحب أشكاله بالموافقة والألفة، ويصحب من دونه بالعطف والشفقة والرحمة، ويصحب الوالدين بالخضوع والمطاوعة، ويصحب الأولاد بالرحمة، وحسن التأديب، ويصحب الأهل بحسن المداراة، ويصحب الأقارب بالبر والصلة، ويصحب الإخوان بصدق المودة، ودفع المجهود في المحبة، ويصحب الجيران بكف الأذى، ويصحب العامة ببشاشة الوجه، ولين الكف، ويصحب الفقراء بتعظيم حرماتهم ومعرفة أقدارهم، ويصحب الأغنياء بإظهار الاستغناء عنهم، ويصحب العلماء بقبول ما يشيرون به عليه، ويصحب الأولياء بالتذلل والانقياد لهم، وترك الإنكار عليهم، ويجتنب في أوقاته صحبة المبتدعين والمدعين والمظهرين بالزهد رغبةً في استتباع الناس، وأخذ ما في أيديهم.
стр. 53
ومن الفتوة معرفة أقدار الرجال. سمعت جدي يقول: كان أبو عثمان يقول من جل مقداره في نفسه، جلت أقدار الناس عنده. ومن صغرت قدره في نفسه، صغر أقدار الناس عنده.
ومن الفتوة أن لا يخون الأصحاب والإخوان فيما يفتح لهم. سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت ربيع الكامخي بالرملة يقول: كنت أجالس الفقراء، ففتح علي بدريهمات، فخرجت بها إليهم، فخاطبتني نفسي أن آخذ منها درهماً لنفسي، فأخذت درهماً، فخرجت بها إليهم، فلما كان بعد أيام، هاج في قلبي شهوة، فخرجت إلى السوق، فدفعتها إلى البقال، فإذا الدرهم قد صار نحاساً، فردها علي، فترددت إلى السوق مراراً، كل ذلك يرد علي، فرجعت إلى الأصحاب، وقلت: يا أصحابنا، اجعلوني في حل، فقد غششتكم بهذا الدرهم، فاستلبوا الدرهم من يدي، وخرجوا به إلى السوق، واشتروا به خبزاً وعنباً، فجاءوا به، فجلسنا وأكلنا.
ومن الفتوة إسقاط العجب عن النفس جهده. كذلك قال إبراهيم الخواص ﵀: العجب يمنع من معرفة قدر النفس، والعجلة تمنع من إصابة الحق، والرفق والحزم يمنعان من الندامة، ولا قوة إلا بالله.
стр. 54
ومن الفتوة أن لا تلجئ إخوانك إلى الاعتذار، سمعت عبد الله بن محمد الدامغاني يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي رحمه [الله] يقول: ليس بصديق من ألجأك إلى الاعتذار، وليس بصديق من لم يعطك قبل السؤال.
ومن الفتوة مجانبة الحسد، سمعت أبا القاسم إبراهيم بن محمد النصرآباذي يقول: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: من علامة الفتيان أن لا يحسدوا أحداً على ما أتاه الله من فضله، ولا يعيروا أحداً على ذنب، مخافة أن يبليهم الله بمثله. وأن يرضوا بما قضى الله لهم وعليهم.
ومن الفتوة استعمال الأخلاق الجميلة. سمعت النصر آباذي يقول: سمعت بعض فتياننا يقول: حسن الخلق هو التمسك بكتاب الله، واتباع سنة رسول الله ﷺ ، وبسط الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف، وهو الذي اختاره الله تعالى لنبيه ﵇، بقوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ .
ومن الفتوة ما ذكره أبو بكر الوراق ﵀. قال: كان الفتيان في الزمن الأول يمدحون الإخوان ويذمون أنفسهم، فاليوم يمدحون أنفسهم ويذمون إخوانهم. وكانوا يختارون للإخوان التنعم والراحة، ولأنفسهم الشدة والمكابدة. والآن يختارون للإخوان الشدة ولأنفسهم التنعم والراحة.
стр. 55
ومن الفتوة أن يشتغل الإنسان بوقته دون ذكر ما مضى. وما هو آت. سمعت عبد الله بن يحيى يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا أحمد بن شاهويه، حدثنا يحيى بن معاذ ﵀، قال: حسرة أمور مضت، وتدبير أمورٍ بقيت، أذهبت ببركة عمرك.
ومن الفتوة ما سمعت عبد الله بن يحيى، قال: سمعت جعفر يقول: حدثنا محمد بن الفضل، عن أحمد بن خلف يقول: سمعت أحمد بن شاهويه، سمعت يحيى بن معاذ يقول: ثلاث خصال تصلح لك أعمالك وأخلاقك، أن تلاحظ الأغنياء بعين النصيحة لا بعين البغي، وتلاحظ الفقراء بعين التواضع لا بعين الكبر، وتلاحظ النساء بعين الشفقة لا بعين الشهوة.
ومن الفتوة الإنفاق على الإخوان. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الكتاني يقول: كل نفقة العبد يسأل عنها، إلا نفقة الأخ على أخيه، فإن الله يستحي أن يسأله عنها.
ومن الفتوة الشفقة على المطيعين والعصاة. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت إبراهيم الأطروش يقول: كنا قعوداً مع معروف الكرخي ﵀ على الدجلة، إذ مر بنا قوم أحداث في سمارية يلعبون ويضربون بالدف، ويشربون، فقال بعض أصحابه: يا أبا محفوظ أما ترى إلى هؤلاء في هذا البحر يعصون ربهم. ادع الله عليهم. قال:
стр. 56
فرفع يده إلى السماء، وقال: إلهي وسيدي أسألك أن تفرحهم في الآخرة، كما فرحتهم في الدنيا. فقال له بعض أصحابه: إنما قلنا ادع الله عليهم. فقال: إخواني، إذا فرحهم في الآخرة، تاب عليهم.
ومن الفتوة أن تنسى معروفك عند إخوانك. وتعرف مقاديرهم. سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا القاسم إسحاق بن محمد يقول: قلت لأبي بكر الوراق وقت مفارقتي إياه: من أصحب؟ قال: اصحب من ينسى معروفه عندك، وإياك ومن يحفظ مساوئك، ويعدد ذلك عليك ليلاقيك أو يقول ذلك فيك، ولا تصحب من قدرك عنده على قدر حاجته إليك.
ومن الفتوة أن يراعي العبد سره وباطنه أكثر من مراعاة ظاهره لأن السر موضع نظر الله تعالى والظاهر موضع نظر الخلق. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا يعقوب السوسي يقول: من الناس من يجتهد في حفظ لسانه خمسين سنة أن يجري عليه لحنٌ، ولا يحفظ سره حتى لا يجري عليه لحن، والمغبون من يكون هذه صفته.
ومن الفتوة حفظ الآداب في العشرة. كما قال سهل بن عبد الله: عاشر أعداءك بالعدل، وأصدقاءك بالكرم والوفاء.
ومن الفتوة حفظ الأدب في الخلوات مع الله تعالى. سمعت أبا نصر
стр. 57
الأصبهاني يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: ما مددت رجلي في الخلوة قط. واستعمال الآداب مع الله أولى، وسمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت عمر البسطامي ﵁ يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد ﵀ يقول: قمت ليلة أصلي فعييت، فجلست ومددت رجلي، فسمعت قائلاً يقول أو هاتفاً: من يجالس الملوك يجب أن يجالسهم بحسن الأدب.
ومن الفتوة حفظ المودة القديمة. كذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله يحب حفظ الود القديم)) . سمعت أبا بكر الرازي [يقول] : سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت أبا محمد المغازلي يقول: من أراد أن تدوم له المودة، فليحظ مودة إخوانه القدماء.
ومن الفتوة ستر الأحوال. كما قال سهل بن عبد الله: خمسة أشياء فيها جوهر النفس: فقيرٌ يظهر الغنى، وجائعٌ يظهر الشبع، ومحزونٌ يظهر الفرح، ورجلٌ بينه وبين إنسان عداوة فيظهر له المحبة، ورجلٌ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفاً.
стр. 58
ومن الفتوة مراقبة الظاهر والباطن. قال أبو علي الجوزجاني: إن الاستقامة: هي إقامة القلب مع الله بالموافقة، ومجاهدة الظاهر بالمخالصة.
ومن الفتوة مجانبة الهوى وإزالة المعاتبة لا تدع ذمامك في يدي هواك، فيكون قائدك إلى الظلمة، لأنها خلقت من الظلمة. واتبع العقل، فإن العقل يقودك إلى الأنوار، والمواصلة إلى الجبار.
ومن الفتوة تطهير البدن من المخالفات وتزيينها بالموافقات. لذلك حكي عن أبي علي الجوزجاني أنه قال: زين نفسك بالورع والزهد، واغسلها بالخوف والحزن، وألبسها ثواب الحياء والحب، ثم سلمها إلى ربك بالرضا والتفويض ليحوطها لك.
ومن الفتوة مجانبة قرناء السوء لئلا يقع في بليةٍ. سمعت عبد الله بن محمد ابن اسفندياران الدامغاني بها يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قدر اختلاطك بخلطاء السوء، تقع في التخليط. ومن حفظ ظاهره عن صحبتهم ومخالطتهم، حفظ الله عليه باطنة أن يرغب فيهم ويميل إليهم.
стр. 59
من الفتوة أن يبخل العبد بدينه. ويجود بماله. كذلك سمعت عبد الله ابن محمد بن اسفندياران الدامغاني بها يقول: سمعت الحسن بن علويه، يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵀ يقول: المؤمن يخدع عن ماله ولا يخدع عن دينه، والمنافق يخدع عن دينه ولا يخدع عن ماله.
ومن الفتوة أن يختار العبد سيده على جميع الأحوال والعروض. سمعت أبا علي البيهقي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي يقول: بلغني أن أمير المؤمنين المأمون ﵀ دخل يوماً داره، فقال لحاشيته وغلمانه: من أخذ من هذه الدار شيئاً فهي له. قال: فعدا كل واحد منهم، وأخذ منها ما أمكنه، وكان غلامٌ واقفاً على رأسه لا يلتفت إليهم، ولا إلى شيء مما أخذوه. فقال المأمون للغلام: خذ أنت أيضاً شيئاً. فقال: حقيقة تقوله يا أمير المؤمنين. إن ما أخذته فهو لي؟ فقال: نعم. فقال: فجاء الغلام وعانق المأمون أمير المؤمنين وتعلق به، فقال: أنا لا أريد غيرك، فأعطاه أضعاف ما أخذ الجماعة، وكان بعد ذلك لا يرى به أحداً.
ومن الفتوة أن لا يغفل عن إخوانه في وقت من الأوقات.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين
стр. 60
الجزء الرابع من الكتاب الفتوة
مما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي
стр. 61
بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت، وإليه أنيب
ومن الفتوة أن لا يغفل عن إخوانه في وقت من الأوقات. قال أبو محمد الجريري: الوفاء هو إقامة السر عن رقدة الغفلات، وفراغ الهم عن فضول الآفات.
ومن الفتوة الاستغناء عن الناس، وأن لا يذل لهم بسبب طمع. لذلك قال معاوية بن أبي سفيان ﵀: من قبل صلتك فقد باعك مروءته، وأذل لقدرتك عزه. أنشدني القاضي أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي لمحمد بن حازم:
للبس ثوبين باليين ... وطي يومٍ وليلتين
أهون من منة لقومٍ ... أغض منها جفون عين
وإني وإن كنت ذا عيالٍ ... قليل مالٍ كثير دين
لمستعف برزق ربي ... حوائجي بينه وبين
ومن الفتوة السرور بلقاء الإخوان. قال إسماعيل بن أمية: لقاء الإخوان وإن كان يسيراً غنمٌ كثيرٌ. وقال ابن المبارك ﵀: لقاء الإخوان عونٌ على الدين
стр. 62
ومسلاةٌ للهموم. وقال سفيان الثوري ﵀: لم يبق في الدنيا شيء أستلذ به إلا لقاء الإخوان.
ومن الفتوة الابتداء بالصنيعة قبل المسألة. قال سعيد بن العاص ﵀: أحسن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يدور دمه في وجهه، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له عن جميع ملكك، ما كان مكافأة لذلك. أنشدني أبو ذر المنذر بالكوفة لبعضهم:
لعن الله نائلاً أرتجيه ... من يدي من أريد أن أقتضيه
ومن الفتوة البدار إلى قضاء حوائج الإخوان. قال سفيان الثوري ﵀: ليس من أخلاق الكرام التواني عن قضاء حوائج الإخوان إذا استمكن منها. وقال المأمون للفضل بن الربيع: اغتنم قضاء حوائج من رفع إليك حاجة، فإن الدهور أجور، والفلك أدور، والعمر أقصر من أن يتم حال أو يدوم سرور.
ومن الفتوة التلطف بالفقراء والحياء من الأشراف. قال الأعمش: كان إبراهيم ﵇ إذا [أتاه] الرجل الضعيف، أقبل عليه، وإذا أتاه الشريف استحيى منه.
стр. 63
ومن الفتوة الحلم عن السفيه، والصفح عن المسيء. أخبرنا أبو بكر المفيد إجازة، حدثنا محمد بن عيسى القرشي، سمعت أبي يقول: أوصى رجل ابنه فقال: يا بني، احلم عمن سفه عليك، واصفح عمن أساء إليك، ودع للصلح موضعاً لديك، ليسلم لك أصدقاؤك، ويستحي منك أعداؤك.
ومن الفتوة أن لا يمل إخوانه. ويثبت على مودته. سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: أنشدنا ابن الأنباري، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:
وليس خليلٌ بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلٌ من يدوم وصاله ... ويحفظ سري عند كل دخيل
سمعت أبا الفتح القواس الزاهد ببغداد يقول: من مل إخوانه بلا سبب، فاعلم أن مودته لم تكن إلا لطمع.
ومن الفتوة أن يكون العبد شريف الهمة في أمر دينه ودنياه. سمعت محمد ابن عبد الله الرازي يقول: سمعت جعفر بن محمد الخواص يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: قيمة كل امرئ همته فمن كانت همته الدنيا، فقيمته لا شيء، ومن كانت همته الآخرة، فقيمته جنةٌ عرضها السموات والأرض، ومن كانت همته رضا الله تعالى، فلا قيمة له في السموات والأرضين غير الرضوان. قال الله ﵎: ﴿ورضوانٌ من الله أكبر﴾ . قال أبو الطيب الشيرازي: قلت لأبي بكر الطمستاني ﵀ وقت مفارقته: أوصني. فقال: الهمة الهمة.
стр. 64
أنشدني أبو علي الجعفري البصري، قال: أنشدني إسماعيل بن عباد لنفسه:
وقائلة لم علتك الهموم ... وأمرك ممتثلٌ في الأمم
فقلت: ذريني في غصتي ... فإن الهموم بقدر الهمم
سمعت أبا أحمد الحيري يقول: سمعت أبا علي الثقفي يقول: كن شريف الهمة، فإن الهمم كحملة الأشياء لا النفوس، وأنشد:
حملتم القلب ما لا يحمل البدن ... والقلب يحمل ما لا يحمل البدن
ومن الفتوة أن يحفظ العبد على نفسه هذه ستة الأشياء، ولا يخل بواحدة منها: الأمانة، والصيانة، والصدق، والصبر، والأخ الصالح، وإصلاح السريرة. فمن ضيع واحدة منها، فقد خرج عن حدود اليقين.
قال بعض الحكماء: من وجدت منه هذه ستة الأشياء، فاحكم له بالفتوة التامة، وهو أن يكون شاكراً بقليل النعمة، صابراً على كثير الشدة، يداري الجاهل بحلمه، ويؤدب البخيل بسخاوته، ولا يزيد فيما يعمله لمحمدة الناس، ولا ينقص مما كان يعمل من قبل مذمتهم. وقال يحيى بن معاذ رحمة الله: الفتوة الصفاء، ثم السخاء، ثم الوفاء، ثم الحياء.
وقال أبو الحسين بن سمعون ﵀: الفتوة أن لا تعمل عملاً في السر تستحي منه في العلانية. وقال أبو الحسين المالكي ﵀: الفتوة كرم الأخلاق،
стр. 65
وصفاء الأسرار. وقال أبو عمرو الدمشقي ﵀: الفتوة النظر إلى الخلق بعين الرضا، وإلى نفسك بعين السخط، ومعرفة حقوق من هو فوقك، ودونك، ومثلك، وأن لا تعرض عن إخوانك بزلة أو جفوة أو بلاغ كذب، فمن أحب أخاً من إخوانه، يجب عليه أن يرى جفاءه وفاءً، وإعراضه إقبالاً، ولا يسخط منه حالاً، ولا خلقاً، فإذا لم يكن هكذا، كانت محبته مدخولة. أنشدنا أبو سعيد الرازي، قال: أنشدنا ابن الأنباري:
سألزم نفسي الصفح عن كل مجرمٍ ... وإن كثرت منه علي الجرائم
فما الناس إلا واحدٌ من ثلاثة ... شريفٌ، ومشروفٌ، ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... وألزم نفسي الحق، والحق لازم
وأما الذي مثلي فإن زال أو هفا ... علمت بأن الحكم للفضل حاكم
وأما الذي دوني فإن قال، صنت عن ... مقالته عرضي وإن لام لائم
ومن الفتوة أن يكافئ بالمودة مثله. لأنه لا جزاء للمودة إلا المودة. أخبرنا أبو بكر المفيد إجازة، حدثنا الحسين بن إسماعيل الربعي، حدثنا الفهري، عن ابن المبارك ﵀، قال: من جمع لك مع المودة الصافية رأياً حسناً، فاجمع له مع المودة الخالصة طاعة لازمة.
ومن الفتوة الشفقة على الإخوان في كل الأحوال، كذلك سئل الجنيد ﵀ عن الشفقة على الخلق، فقال: أن تعطيهم من نفسك ما يطلبون، ولا تحملهم ما لا يطيقون، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون. وسئل بعضهم: كيف شفقتك
стр. 66
على إخوانك؟ فقال: إن الذباب ليسقط على وجهه، فأجد لذلك ألماً. وأنشدت في معناه:
وأشفق أن تمشي على الأرض غيرة ... فليتك خدي ما حييت وطيتا
سئل رويم ﵀: كيف شفقتك على إخوانك؟ فقال: يا أخي، اعلم أنه ما سرني شيء في الدنيا إلا سرور إخواني، ولا أحزنني منها شيء إلا ما حزنوا عليه. وسئل بعض الفتيان، كيف محبتك لإخوانك؟ وكيف شفقتك عليهم؟ فقال: أحسد عيني إذا أبصرتم. كيف لا تكون جوارحي كلها عيوناً فتبصرهم؟! وأحسد سمعي إذا سمع كلامهم كيف لا تكون جوارحي كلها سمعا، فيسمع كلامهم! قال: وكنت ليلة عند الخضري ﵀، فغنى قوالٌ:
غنت فلم تبق في جارحةٌ ... إلا تمنيت أنها أذن
فقال له الشيخ: ما للأحباب والتمني! قل: إلا تحققت أنها أذن. وأنشدت لبعضهم في قريب من هذا:
وفي الإشفاق إني لأحسد ناظري ... عليك حتى أغض إذا نظرت إليك
وأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي، فأغار منك عليك
من فرط إشفاقي ودقة غيرتي ... أني أغار عليك من ملكيك
стр. 67
ولو استطعت جرحت لفظك ... عامداً إني أراه مقبلاً شفتيك
وسئل بعضهم: كيف شفقتك ومحبتك لصديقك؟ فقال: أشتهي إذا رأيته أن لا أرى شيئاً سواه حتى أراه. وإذا سمعت كلامه أشتهي أن لا أسمع شيئاً حتى أسمعه. وأنشدت في هذا المعنى:
ولو أني استطعت غمضت عيني ... فلم أبصر بها حتى أراكا
وقال بعضهم: أضمني سرهم أيام فرقتهم ... هل كنت تعرف سرا يورث الصمما
ومن الفتوة أن يتعهد الإنسان حال من ولاه الله أمرهم، ويهمل تعهد نفسه. روي عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان يشبع عبيده ويجوع، ويكسوهم ويعرى، ويؤثرهم بأسباب الإرفاق، ويقول: أهون شيء على نفسي لما اتيقن من شرها.
ومن الفتوة أن يجتنب الإنسان الغضب جملة. حكي عن معاوية بن أبي سفيان ﵀ أنه قال: ما غضبي على ما أملكه، وما غضبي على من لا أملكه. إن كنت مالكاً، فإني قادرٌ على الانتقام، فلم ألزم نفسي الغضب، وإن كنت غير مالك فلا يضره غضبي، فلم أدخل الغضب على نفسي.
ومن الفتوة أن يحفظ عليه آداب الأوقات. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: أرفع الأعمال حفظ آداب الأوقات، وهو أن لا يطالع العبد غير حده، ولا يقارن غير وقته، ولا يواقف غير ربه. وقال محمد بن علي الترمذي ﵀: ما أحدٌ قام بحفظ الأدب في كل الأوقات
стр. 68
والأحوال إلا المصطفى ﷺ ، قال في الدنيا: ((أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك)) . وقال: ((أعوذ بك منك)) . وأما حين كان في الحضرة فأخبر الله تعالى عنه: فحلاه ربه إذ ذاك بأحسن حلية، وهو قوله مثنياً عليه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .
ومن الفتوة أن يرى العبد الخير كله في إخوانه. ويبرئ نفسه منه لما يعلم من شرها. سمعت جدي ﵀ يقول: سمعت أبا عبد الله السجزي يقول: لك فضل ما لم تر فضلك، وإذا رأيت فضلك فلا فضل لك. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا علي الأنصاري يقول: سمعت الشاه بن شجاع الكرماني ﵀ يقول: لأهل الفضل فضلٌ ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم. ولأهل الولاية ولايةٌ. ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم. وقال الشاه لأبي حفص رحمهما الله: ما الفتوة؟ قال: استعمال الأخلاق.
ومن الفتوة أن يخلص لإخوانه ظاهراً وباطناً ومغيباً ومشهداً. سمعت الحاكم أبا أحمد الحافظ يقول: قال بعض الحكماء: إن من مواجب الإخوة على الفتيان، مودة الأخ لأخيه بقلبه خالصاً، وتزينه بلسانه، ورفده بماله، وتقويمه بأدبه، وحسن الذب عنه في غيبته.
стр. 69
ومن الفتوة أن يصحب الإنسان من فوقه في الدين، ومن دونه في الدنيا. قال عثمان بن حكيم: اصحب من هو فوقك في الدين، ومن هو دونك في الدنيا، فإن صحبة من فوقك في الدين تصغر في نفسك طاعاتك، وصحبة من دونك في الدنيا تعظم في عينك نعم الله تعالى. وقال داود الطائي ﵀: اصحب المتقين فإنهم أيسر أهل الدنيا عليك مؤونة، وأكثرهم لكل معونة.
ومن الفتوة أن يثق العبد بربه في كل أحواله. قال سفيان بن عيينة: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: لي مالان: الثقة بالله، والإياس مما في أيدي الناس.
ومن الفتوة أن تكون شفقة العبد على أصدقائه أكثر من شفقته على أقاربه. سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يحكي عن جعفر بن محمد الصادق قال: من لم يكن لأخيه كما يكون لنفسه لم يعط الإخوة حقها، ألا ترى كيف حكى الله تعالى في كتابه، أن في [يوم] القيامة يفر الابن من أبيه، والأخ من أخيه، ثم ذكر في ذلك الموقف شفقة الأصدقاء بقوله تعالى: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ .
ومن الفتوة حفظ الجوارح ظاهراً وباطناً. سئل أبو الحسن البوشنجي: ما
стр. 70
الفتوة؟ فقال: أن لا تعمل شيئاً تستحي من كرام الكاتبين في ذلك. وقال حذيفة المرعشي ﵀: إنما الفتوة حفظ أربعة أشياء: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فالزم عينك أن لا تنظر إلى ما لا يحل لها، وانظر لسانك لا تقل به إلا ما وافق الصواب والحق. وانظر قلبك لا يكون فيه على مسلم غش وحقد. وانظر هواك لا يهوى شيئاً من الشر.
ومن الفتوة ما سألت عنها أبا الحسين بن سمعون ﵀. فقال: هي خصال أحدها قلة الخلاف، وحسن الإنصاف، وإسقاط طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من العثرات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع باللائمة على النفس، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، وبذل المعروف والنصيحة للخلق، وقبول النصيحة منهم، ومؤاخاة الأولياء، ومداراة الأعداء. هذه ظواهرها إلى أن نتكلم في حقائقها.
ومن الفتوة أن يستوي سر العبد وعلانيته، فقد حكى أبو دجانة عن ذي النون المصري ﵏، أنه قال: من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده خطر ولا قدر.
ومن الفتوة تجريد السر عن الأكوان، ومن فيها وما فيها. قال أبو العباس ابن عطاء: من لم يتجرد عن الدنيا بسره، ولم يتخلى عن الخلق بسره، ولم
стр. 71
عن نفسه بسره كيف يتفرد لمولاه؟! فمن تجلى بسره عما سواه، وتفرد بسره مع مولاه، كشفت له الغطاء، فيميز بين ما يرضي مولاه وما يسخطه.
ومن الفتوة أن يعتمد الإنسان فمخالفته على ربه دون غيره، فإن بعض السلف قال لرجل من العقلاء: لو اتخذت ضيعة، فادخرتها لعيالك وأولادك. فقال: بئس ما أشرت به علي، بل أدخرها عند ربي لنفسي، وأدخر لعيالي وأولادي ربي.
ومن الفتوة إيثار موافقة الأصدقاء على موافقة الأقارب و [.. .. ..] . أنشدني علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: أنشدني أبو علي الحافظ، قال: أنشدني بشر ابن موسى لبعضهم.
أميل مع الصديق على ابن أمي ... وآخذ للصديق من الشقيق
وإن ألفيتني حراً مطاعاً ... فإنك واجدي عبد الصديق
أفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق
ومن الفتوة انتباهي في كريمة الإخوان. كذلك ذكر أبو محمد الجريري، قال: دعانا ابن مسروق الله إلى بيته، فاستقبلنا صديقٌ لنا، فسألناه أن يساعدنا إلى بيت الشيخ. وقلنا: نحن في دعوته. فقال: كيف أجيء وهو لم يدعني. ثم قال:
стр. 72
لا أخالف إخواني. فحضر معنا، فلما بلغنا باب الشيخ، أخبرنا الخبر، فقال له الشيخ: جعلت موضعي من قلبك أن تجيء إلى منزلي من غير أن أدعوك. علي كذا وكذا إن مشيت إلى موضع جلوسك إلا على خدي. قال: وألححنا عليه وحلف. فبسطنا له رداءً على الأرض، فوضع عليه خده، وحملنا الفتى بين اثنين يضع قدمه على خده حتى بلغ مجلسه.
ومن الفتوة الصبر على الإخوان وترك الاستبدال بهم. فإنه روي أن داود النبي ﵇ قال لابنه سليمان عليه لسلام: لا تستبدلن بأخ لك قديم، أخاً مستفاداً، استقام لك منه حاله فإنك إن فعلت ذلك تغيرت نعم الله تعالى عليك. ولا تستقل عدواً واحداً، ولا تستكثر ألف صديق.
ومن الفتوة الصبر على تدبير الله له، حكي أن رجلاً شكا إلى حكيم فقال: يا أخي أمدبراً غير الله تعالى تريد؟
وقال بعضهم: من لم يصبر على تدبير الله تعالى له لم يصبر على تدبيره لنفسه. وقال الواسطي ﵀: من رأى نفسه لله ورأى الأشياء لله، استغنى عن جميع الأشياء بالله. وقال أبو العباس الدينوري ﵀: من دبر لنفسه ندم في عواقب أمره، ومن رضي بتدبير الله تعالى له حمد ابتداء أمره وانتهاءه.
ومن الفتوة قيام الأكابر إلى خدمة الأصاغر إذا دعاه أو كان عنده. وترك الأنفة عن القيام إلى خدمة الضيف. أخبرنا علي بن الحسن بن جعفر الرضا الحافظ
стр. 73
ببغداد، حدثنا أحمد بن الحسن دبيس الخياط، حدثنا سليمان بن الفضل البلخي حدثنا ابن أكثم، قال: كانت ليلة عند المأمون أمير المؤمنين ﵀، فعطشت في جوف الليل، فقمت لأشرب، فقال: ما لك يا بني، ليس تنام؟ قلت: أنا والله عطشان يا أمير المؤمنين. فقال: ارجع إلى موضعك. وقام والله إلى البرادة فسقاني كوز ماء، وقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ألا أخبرك.. .. ألا أطرفك.. .. ألا أحدثك؟ فقال: حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي حدثنا المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حدثني جرير بن عبد الله ﵃، عن النبي ﷺ ، قال: ((لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه)) .
ومن الفتوة حفظ الوفاء في المودة والأخوة. أخبرنا أبو الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن السكري، حدثنا أبو يعلى، حدثنا الأصمعي، سمعت أعرابياً يقول: ود أهل الوفاء، وإن كان يسيراً حظٌ عزيزٌ.
ومن الفتوة العيش بعد مفارقة الإخوان والأحبة. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: رؤي الجنيد ﵀ يوماً جالساً
стр. 74
متفكراً مهموماً، فقيل له: ما الذي أحزنك يا أبا القاسم؟ فقال: فقدت السر في الخلوة، وفقدت الإخوان الذين كنت آنس بهم، ودون هذا مما يهد البدن ويشغل القلب، وأنشد:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام
أنشدنا علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: أنشدنا يزدان الكاتب لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لو أن نفس الحر في كفه ... رمى بها بعد أحبائه
واسوأتا للمرء في ساعة ... يعيشها بعد أخلائه
وأنشدنا أيضاً في هذا المعنى:
غابوا فصار الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين لهم فيا
بأي وجه أتلقاهم ... إذا رأوني بعدهم حيا
واخجلتا منهم ومن قولهم ... ما ضرك الفقد لنا شيا
سمعت محمد بن الحسن الخالدي البغدادي يقول: سمعت ابن خالويه يقول: قيل لابن جرير: أرأيت قول أبيك: لو كنت أعلم أن آخر عهدهم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل. ماذا كان يفعل لو علم ذاك؟ فقال: كان يقلع حدقتيه، فلا يرى موقف الفراق. أنشدنا محمد بن طاهر الوزيري، قال: أنشدني سعيد بن عبد الله البغدادي لبعضهم:
стр. 75
ما كنت أعلم ما في البين من حزن ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن
قامت تودعني والدمع يغلبها ... كما تميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكيةٌ ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
ومن الفتوة إتمام العارفة بمداومتها. ومواصلتها بأعوانها. أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا الحسن بن إسماعيل القاضي، حدثنا عبد الله بن أبي سعيد، حدثنا هارون بن ميمون، حدثنا أبو خزيمة بن عيسى قال: قال المهدي أمير المؤمنين: ما توسل أحد إلي بوسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب إلى ما يحب من تذكيري يداً أسلفت مني إليه أتبعها بأخرى، وأحسن ربها، لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
ومن الفتوة الأخذ بهذه الآداب والمواعظ التي أخبرناها أبو عبد الله محمد بن العباس العصمي، حدثنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الرملي. حدثنا علي بن محمد المرهني، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق العباسي، عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي، عن إبراهيم بن شكلة، قال: إذا آخيت أخاً فلا تشك في أنه يخطئ ويصيب، ويحسن ويسيء، ويحفظ ويضيع. فوطن نفسك على الشكر إذا حفظ، وعلى الصبر إذا ضيع، وعلى المكافأة إذا أحسن، وعلى الإساءة إذا أساء، فإن في معاتبة الصديق استدامة للود. وقد قيل: ظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد.
следующие страницы →