← Книги сунны

Книги сунны · id 27092

جزء فيه شروط عمر بن الخطاب على النصارى، وحديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم

ابن السماك

Полный текст (38 стр.). Показаны 1–38.

стр. 1

لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٣) جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى وفيه حديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم ﵁ رواية أبي عمرو عثمان بن أحمد السماك (ت ٣٤٤ هـ) اعتنى به نظام محمد صالح يعقوبي ساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم دار البشائر الإسلامية

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع هاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ بيروت - لبنان ص ب: ٥٩٥٥/ ١٤ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 3

مقدّمة المعتني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أَمَر، والصَّلاة والسَّلام على سيد الأنبياء والبشر، سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه، ومَن على دربهم سار واقتفى الأثر. أمَّا بعد: فهذا جزء حديثي نفيس من مرويات الإِمام المحدِّث أبي عمرو ابن السَمَّاك رحمه الله تعالى، أتشرَّف بتقديمه في سلسلة رسائل مجالس العشر الأواخر من رمضان التي نعقدها في المسجد الحرام. أسأل الله تعالى أن ينفع به وبسائر الرسائل في هذه السلسلة الميمونة المباركة، وأن تحظى بقَبول أساتذتي ومشايخي وإخواني طلبة العلم، ملتمسًا منهم سَدَّ الخلل، وتقويم الزَّلل، مع الستر والمعذرة، والعفو عند المقدرة، والدعاء للفقير إلى الله في هذه الليالي المباركة العشرة.

стр. 4

والله الموفِّق وهو الهادي إلى سواء السَّبيل. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم. قاله وكتبه خويدم العلم والعلماء بالبحرين نظام محمد صالح يعقوبي

стр. 5

ترجمة صاحب الجزء اسمه ونسبه: هو الشَّيخُ الإِمام المحدِّثُ المُكْثِرُ الصَّادِقُ، مُسْنِدُ العراق، أبو عَمرو عثمانُ بنُ أحمدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن يَزِيد البغداديُّ، الدَّقاقُ، ابنُ السَّمَّاك. شيوخه: قال الإمام الذهبيُّ في "سِيَر أعلام النُّبلاء" (١): سَمِع باعتناء والده من أبي جعفر محمَّد بن عُبيد اللهِ بن المنادي، وأحمد بن عبد الجبَّار العطاردي، وحَنْبَل بن إسحاق، والحسين بن محمد بن أبي مَعْشر، ومحمد بن الحسين الحُنَيْني، وعبد الرحمن بن محمَّد بن منصور الحارثي كُرْبُزَان، ويحيى بن أبي طالب، والحسن بن مُكْرم، وخلقٍ كثير (٢).

стр. 6

بعض مَن حَدَّثَ عَنْه: حَدَّثَ عنهُ أَئِمَّةٌ أَجِلَّاء، وحفَّاظ نُبَلاء، منهم: ١ - الإِمام الدَّارقطني. ٢ - ابنُ شاهين. ٣ - الحافظ ابنُ مَنْده. ٤ - الحافظ الحاكم النّيسابوري. ٥ - أبو الحسين بن بِشْران. ٦ - أبو علي بن شاذان. وغيرهم (١). ثناء العلماء عليه: • قال الإِمام الدارقطني: شيخنا أبو عمرو، كَتَبَ عن العُطارديّ ومَنْ بعده، وكتب المصنَّفات الطِّوال بخطّه، وكان من الثقات. • وقال الحافظ الخطيب البغدادي: كان ابنُ السَّمَّاكِ ثقةً ثَبْتًا يسكن درب الضفادع. كثرة جمعه وكتابته ونَسْخه: • قال فيه الدارقطني: ... أكثر الكتاب، وكتب الكتب الطوال والمصنَّفات بخطّه. • وقال أبو عبد الله ابنُ بكير: سمعتُ أبا عَمرو ابنَ السَّمَّاك يقول:

стр. 7

"ما استكبتُ شيئًا قطُّ غير جزء واحد". • قال الأزهري: وكان كل ما عنده بخطّه (١). • وقال الإِمام الذهبي: جمع فأوعى، وكتب العالي والنازل، والسَّمينَ والهزيل (٢). وفاته: تُوُفِّي رحمه الله تعالى يوم الجمعة عصرًا لأربع بقين من ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وأُخْرِج يوم السبت ودُفِن في مقابر باب الدير، وصَلَّى عليه ابنه محمد، وحُزر مَن حَضَر جنازته بخمسين ألف إنسان (٣). رَحِمَهُ الله تعالى رحمةً واسعة. آثاره: ١ - الدِّيباج (مخطوط) [لم أعرفه]. ٢ - الأمالي (مخطوط) [ذكرها الحافظ ابن حجر في "المجمع المؤسس"، ١/ ٢٧٢؛ وهو في الظاهرية، مجموع (٨٩)]. ٣ - وفيات الشيوخ (مخطوط) [وهو في الظاهرية ضمن مجموع (١٠٦)].

стр. 8

• الثلاثة ذكرها الزركلي في "الأعلام" (١) وقال: أجزاء منها في الظاهرية. ٤ - هذا الجزء (سيأتي وصفه). ٥ - حديثه (ذكره الحافظ ابن حجر في "المجمع المؤسس" (٢)، وقال محقّقه الدكتور يوسف المرعشلي: إنَّ الحافظ ﵀ ذكره في "المعجم المفهرس" باسم: "فوائد ابن السماك". وذكر الدكتور المرعشلي بعض أجزائه في الظاهرية). ٦ - جزء فيه "الأسماء الحُسنى ومواضعها من الكتاب العزيز" (٣). ٧ - الفرائض المستخرجة من حديث سفيان بن سعيد الثوري، ويُعرف بـ "الثاني عشر من حديث ابن السَّمَّاك" (٤) في بعض النسخ.

стр. 9

٨ - أصول السُّنَّة (١). ٩ - جزء فيه حديث منكر ونكير، وحديث زريب وصي عيسى ﵇، وغير ذلك. [في الظاهرية ضمن مجموع (٨٦)] (٢). * * *

стр. 10

وصف النسخة وقعت على هذا الجزء ضمن مجموع برقم (٩٥١. OR)، أي المخطوطات الشرقية برقم ٩٥١ في مكتبة جامعة ليدن بهولندا. ويقع الجزء ضمن المجموع في الأوراق (٢١ p -٢٥ p)، وهو ثاني كتاب ضمن المجموع. ولم يرد في النسخة تاريخ ولا اسم الناسخ. وعلى النسخة تملُّك على طرَّتها، هذا نصُّه: (مِن نعم الفتَّاح، على عليٍّ الملّاح؛ سامحه المولى الأجلّ، إذا قضى منه الأجل. آمين). • وقد ذكر هذا الجزء فورهوف (voorhoeve) في فهرسة لمخطوطات جامعة ليدن (١)، (ص ١٠٤). * * *

стр. 11

موضوع الجزء اقتصر الجزء على إسناد رواية عبد الرحمن بن غَنْم للشروط العمرية ورواية واصل الدمشقي وقصة أَسْره ومناظرته للنَّصارى، كما جاء في عنوان النسخة المخطوطة: (جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الحطَّاب ﵁ على النصارى، وفيه حديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم). ولم يرد فيه غير هاتين الروايتين: (١) أما الشروط العمرية (وتُعرف أيضًا بالعهد العمري): فهي مشهورة جدًّا، حتى قال الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى عنها: (وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإنَّ الأئمة تلقّوها بالقَبول، وذكروها في كتبهم واحتجَّوا بها, ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها) (١).

стр. 12

وقد شرحها الحافظ ابن القيم في القسم الأخير من كتابه "أحكام أهل الذمَّة" شرحًا وافيًا مفصَّلًا، فكفّى ووفَّى جزاه الله خيرًا ورحمه رحمةً واسعةً. • أقول: ولأبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن زبر القاضي جزء في طرق رواياتها، وهو مطبوع بعنوان: "جزء فيه شروط النصارى". قام بنشره وتحقيقه المستشرق الأمريكي اليهودي مارك كوهين (Mark Cohen) من جامعة برنستون بأمريكا، نشر الجزء مع دراسة قيِّمة باللغة الإِنجليزيَّة -ولا تخلو من مآخذ! - في مجلَّة القدس للدِّراسات العربية والإِسلامية (Juresalem Studies in Arabik and Islam)، في المجلَّد (٢٣) لسنة ١٩٩٩ (ص ١٠٠ - ١٥٧)، واعتمد في نشرته على مخطوطة دار الكتب المصرية (تاريخ تيمور رقم ٢٢٥٢)، أو (حديث ٢٢١٩) (١)، ورقم المايكروفلم ٤٨٦٠٨، وحلَّل الشروط تحليلًا أدبيًّا ولغويًّا، فراجعه هناك. (٢) قصة واصل الدمشقي: وأمَّا الرواية الثانية في جزئنا هذا فهي عن واصل الدِّمشقي، وقصَّة أسره، ومناظرته مع النَّصارى.

стр. 13

وقد ذكر واصلًا هذا الحافظُ أبو القاسم، ابنُ عساكر، في "تاريخ دمشق" (١)، وقال في شأنه: رجل من أهل دمشق، حكيت له مناظرة مع الروم، إن لم يكن الذي تقدَّم -أي المذكور قبله برقم (٨١٠٩)، وهو واصل بن عبد الله السلام- فهو غيره. ولم يذكر فيه -ولا في الذي قبله- شيئًا يُعرف به، فالله أعلم به وبحاله؛ ولكن القصة ظريفة طريفة يمكن أن تضاف إلى أدب المناظرات مع النصارى كقصة مناظرة القاضي الإِمام أبي بكر الباقلاني المشهورة معهم! • وقد ساق الحافظ ابن عساكر القصَّة بطولها بسنده إلى ابن السَّمَّاك، فقال: أنبأنا أبو محمَّد بن الأكفاني، وعبد الكريم بن حمزة، وأبو الحسن علي بن بركات الخشوعي، قالوا: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أنا ابن رزقويه، أنا أبو عمرو بن السَّمَّاك، به. وهذا دليل على وقوفه على هذا الجزء وروايته له. * * *

стр. 14

سند الجزء • روى هذا الجزء عن ابن السَّمَّاك: (١) علي بن محمَّد بن بشران: وهو الشيخ العالم المعدِّل، المُسْنِدُ، أبو الحسين علي بن محمَّد بن عبد الله بن بِشْران، الأُمَوِيُّ البغداديُّ. وُلِد سنة ٣٢٨ هـ، وتُوفِّي سنة ٤١٥ هـ. ترجمته في "سِيَر أعلام النبلاء"، للحافظ الذهبي (١). وقال فيها: روى شيئًا كثيرًا على سدادٍ وصدقٌ وصحَّة رواية. كان عدلًا وقورًا. • ورواه عنه: (٢) أبو علي الحسن بن غالب بن علي الحربي: ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد" (٢) وقال: يعرف بابن المبارك.

стр. 15

قال الخطيب ﵀: كتبنا عنه وكان له سمت وهيبة، وظاهر وصلاح (١). وكا يقريء القرآن، فأقرأ بحروف خرق بها الإجماع، وادعى فيها رواية عن بعض الأئمة المتقدِّمين، وجعل لها أسانيد باطلة مستحيلة، فأنكر أهل العلم عليه ذلك إلى أن اسْتُتِيبَ منها ... وقال أيضًا: وادَّعى ابنُ غالب أشياء غير ما ذكرناه تبيَّن فيها كذبه وظهر فيها اختلاقُه. قال الخطيب ﵀: سألت ابنَ غالبٍ عن مولده؟ فقال: في آخر سنة ست وستين وثلاثمائة. ومات في ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودُفِن صبيحة تلك الليلة عند قبر إبراهيم الحربي. • ورواه عنه: (٣) أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي بن محمَّد البزاز البغدادي، وهو المعروف بقاضي المَرَسْتان، الحنبليُّ: قال فيه الذهبي: الشيخ الإِمام العالمُ المُتَفَنِّنُ، الفَرَضيُّ العدلُ، مُسْنِدُ العَصْرِ. وُلِدَ سنة ٤٤٢ هـ، وتُوُفِّي سنة ٥٣٥ هـ. وترجمته في "سِيَر أعلام النُّبلاء" (٢) حافلة تدل على جلالة قدر، وغزارة علم، رحمه الله تعالى.

стр. 16

ومن طريف ما ورد في ترجمته أنَّه وقع في أَسْرِ الروم -أثناء سفر له- وبقي سنةً ونصفًا، وقيَّدوه وغلُّوه، وأرادوهُ على كلمةِ الكُفْرِ، فأبى، وَتَعَلَّمَ منهم الخطَّ الرُّوميَّ. وقال السمعاني: وقال لي: أَسَرَتنِي الرُّومُ، وكانوا يقولون لي: قل: المسيحُ ابنُ الله؛ حتَّى نَفْعَلَ ونَصْنَعَ في حَقِّكَ!. فما قُلْتُ!. وَتَعَلَّمْتُ الخَطَّ الرُّوميّ. ذكر ذلك كُلَّهُ الإِمامُ الذهبيُّ ﵀ في "سِيَر أعلام النُّبلاء". أقول: ولعلَّ هذا الأَسْر الرُّوميّ كان دافعًا له إلى رواية قصة واصلٍ الأسير الدمشقي عند الروم، والله أعلم! • ورواه عنه: (٤) الإِمام الشَّيخ أبو حفص عمر بن محمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزذ: والطَّبَرْزذ بذال معجمة: هو السُّكر. وهو الشيخ المسند الكبير الرحلةُ، مسند أهل زمانه، وقد تُكُلِّم فيه بكلام لم يثبت أكثره في حقّه، كما هو الظاهر من ترجمة الإِمام الذهبي له في "سِيَر أعلام النُّبلاء" (١)، وأكثر ما قيل فيه يمكن الردّ عليه والذبّ عنه. قال الإِمام الذهبي في آخر ترجمته: وتُوُفِّي أبو حفص بن طَبَرْزَذ في تاسع رجب سنة سبع وست مئة (٢)، ودُفِن بباب حرب،

стр. 17

والله يسامحه، فمع ما أبدينا من ضعفه قد تكاثر عليه الطلبة، وانتشر حديثُه في الآفاق وفرح الحُفَّاظُ بعواليه، ثمَّ في الزَّمن الثاني تزاحموا على أصحابه، وحملوا عنه الكثير، وأحسنوا به الظن، والله الموعد، ووثَّقه ابن نقطة. اهـ. * * *

стр. 18

صورة صفحة الغلاف

стр. 19

صورة الورقة الأولى من المخطوطة

стр. 20

صورة الورقة الأخيرة من المخطوطة

стр. 21

لقاءُ العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٣) جزءٌ فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى وفيه حديثُ واصل الدمشقيِّ ومناظرته لهم ﵁ رِوَاية أَبي عَمْرو عُثْمَان بْن أَحمَد السَّمَّاك رِوَاَية عَلِيّ بن محمَّد بن بِشْران عنه روَاية أبي علي الحسن بن غالب بن علي الحربي عنه رِوَاية أَبي بكر محمَّد بن عبد الباقي بن محمَّد البزاز البغدادي عنه رِوَاية الشيخ الأجل أبي حفص عمر بن أحمد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَذ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى اعتَنَى بِهِ نظام محمد صالح يعقوبي

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عُدَّة لِلِقَائِهِ وَأَمَانًا مِنْ عَذَابِهِ أخبرنا الشيخُ الأجل أبو حفص عمر بن محمَّد بن معمر بن طبرزذ أثابَهُ الله قراءةً عليه في مدرسةِ أصحابنا الصالحية -كَثَّرَهُم الله تَعَالَى- في يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة من سنةِ ثلاثٍ وستمائة قال: أخبرنا أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي البزَّاز، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن غالب بن علي الحربيُّ بقراءتي عليه، فَأقَرَّ به، في يوم الثلاثاء حادي عشر ذِي الحجة من سنة ستٍّ وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمَّد بن عبد الله بن بِشْرَانَ السعْدِيُّ قراءةً عليه، في شَهْرِ ربيعٍ الأوَّل من سنة أربعمائة، فأقَرَّ بِهِ، قال: أخبرنا أبو عَمرو (١) عثمان بن أحمد بن عبد الله، المعروف بابن

стр. 23

السَّمَّاك، قراءةً عليه، فأقَرَّ بِهِ، في صَفَرَ سنة اثنتين (١) وأربعين وثلاثمائة: ١ - حدثنا أبو محمد عُبيد بن محمَّد بن خلف البزار صاحبُ أَبُو ثَوْرٍ (٢)، حدثنا الربيع بن ثعلب أبو الفضل (٣)، حدثنا يحيى بن عُقبةَ بن أبي العَيْزار (٤)، عن سفيانَ الثَّوْريِّ (٥)، والوليد بنِ نوحٍ (٦)، والسَّرِيِّ بن مصرف (٧)، يذكرون عن طلحة بن مصرف (٨)، عن

стр. 24

مسروق (١)، عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ (٢) قال: "كَتَبْنَا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ حينَ صالَحَ نَصَارَى أَهْلِ الشَّام: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتابٌ لعبدِ اللَّهِ عُمَرَ أميرِ المؤمنين، من نصارى مدينةِ كذا وكذا: إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُم علينا سَألْنَاكُمُ الأمانَ لأنْفُسِنا، وذرارينا، وأَمْوالنا، وأهلِ مِلَّتِنا، وشَرَطْنَا لكم على أَنْفُسِنا أن لا نُحْدِثَ في مدائِننا ولا فيما حَوْلنا دَيْرًا ولا كنيسةً ولا قِلَّايةً (٣) ولا صومعةَ راهبٍ، ولا نُجَدِّدُ ما خَرِبَ منها, ولا نُحييَ ما كان مِنْهَا في خطط المسلمين. ولا نمنعَ كنائسَنَا أن ينزلها أحدٌ من المسلمينَ في ليلٍ ولا نهار. وأَنْ نُوَسِّعَ أبوابَها للمارَّةِ وابْنِ السَّبيل. وأن ننزلَ مَنْ نَزَلَها مِنَ المُسْلِمِينَ ثلاثَ لَيَالٍ نُطْعِمُهُمْ.

стр. 25

ولا نُؤوي (١) في منازِلنا ولا كنائسنا جاسوسًا. ولا نكْتُمَ غِشًّا للمسلمين. ولا نُعَلِّمَ أَوْلادَنا القرآنَ. ولا نُظْهِرَ شِرْكًا ولا ندعو إليه أحدًا. ولا نَمْنَعَ أحدًا من ذوي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ في الإِسلامِ إِنْ أرادُوه. وأَنْ نُوَقِّرَ المسلمينَ ونقومَ لهم في مجالسنا إذا أرادُوا الجلوسَ. ولا نتشَبَّهَ بهم في شيءٍ من لباسهم: في قَلَنْسُوَةٍ ولا عِمامةٍ, ولا نَعْلَيْنِ، ولا فَرْقِ شَعَرٍ. ولا نتكلمَ بكلامهم، ولا نتكنَّى بكُناهم. ولا نَرْكبَ السُّروجَ ولا نتَقَلَّدَ السيُوفَ، ولا نتَخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلاحِ ولا نَحْمِلَهُ معنا. ولا ننقشَ على خواتمنا بالعربيةِ. ولا نبيعَ الخمورَ. وأَنْ نَجُزَّ مَقادِمَ رُؤُوسِنا. وأَنْ نَلْزَمَ زَيَّنَا (٢) حيثُ ما كان (٣). وأَنْ نَشُدَّ زنانيرنا على أَوْسَاطنا. وَأَنْ لا نُظْهِرَ الصَّليبَ عَلَى كَنَائِسِنا، وَلَا نُظْهِرَ صُلْبَاننا وَكُتبنَا في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِم.

стр. 26

وَلَا نَضْرِبَ بنواقيسنا في كنائسنا إلَّا ضَرْبًا خَفيفًا. ولا نَرْفَعَ أصواتنَا بالقِراءَةِ في كنائسنا في شَيْءٍ مِن حَضْرَةِ المُسلمين. ولا نُخْرِجَ شَعَانِينَنَا (١) ولا باعوثًا، ولا نَرْفَعَ أصواتنا مع مَوْتانا، ولا نُظْهِرَ النيرانَ مَعَهُمْ في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ المسلمين ولا أَسْواقهم، ولا نُجاوِرَهم بموتانا. ولا نتَّخِذَ مِنَ الرَّقيقِ ما جَرَى عليه سهامُ المسلمين. ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازلهم". • فَلَمَّا أتيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَابِ ﵁ بالكتابِ زادَ فيه: "ولا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. شَرَطْنَا لَكُم ذلكَ على أَنْفُسِنَا وأَهْلِ مِلَّتِنَا وقَبِلْنَا عَلَيْهِ الأمانَ؛ فإِنْ نحنُ خالَفْنا في شَيءٍ ممَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وضَمِنَّاهُ على أَنْفُسِنَا فلا ذمَّةَ لنا وقد حلَّ لكم [منَّا] (٢) ما يَحِلُّ مِن أهل المُعَانَدة والشِّقاقِ".

стр. 27

٢ - وبالإِسناد قال: أخبرنا الشيخُ أبو الحسين علي بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن بشران السُّكَرِيُّ قال: أخبرنا أبو عمرو عُثمان بن أحمد بن عبد الله بن السَّمَّاكِ، حدثنا عُبيدُ بن محمَّد بن خلف البزار، حدثنا الحسن بن الصبَّاح البزَّار (١)، حدثنا محمَّد بن كثير المصيصي الصنعاني (٢)، عن مَخْلد بن الحسين (٣)، عن واصلٍ (٤) قال:

стр. 28

"أُسِرَ غُلامٌ من بني بطارقة الرُّومِ -وكان غُلامًا جميلًا- فلَمَّا صاروا إلى دار السَّلام وَقَعَ إلى الخليفة (١)، وذلك في ولايةِ بني أُمَيَّة؛ فَسَمَّاهُ بَشِيرًا، وأَمَرَ بِهِ إلى الكُتَّابِ؛ فَكَتَبَ وقَرَأَ الْقُرْآنَ وروى الشِّعْرَ وقاسَ وطَلَبَ الأحاديثَ وحَجَّ. فَلَمَّا بَلَغَ واجْتَمَعَ أَتَاهُ الشَّيْطانُ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ وذَكَّرَهُ النَّصْرَانِيةَ دينَ آبائِهِ؛ فَهَرَب مُرْتَدًّا مِنْ دَارِ الإِسلامِ إلى أَرْضِ الرُّوم؛ لِلَّذي سَبقَ لَهُ في أُمِّ الكتاب. فَأتِيَ به مَلِكَ الطَّاغيةِ فَسَألهُ عَنْ حَالِهِ، وما كانَ فيهِ، وما الذي دعاهُ إلى الدخولِ في النَّصْرَانِيّة؟ فَأخْبَرَهُ برغْبَتِهِ فيه. فَعَظُمَ في عَيْنِ المَلَكِ؛ فَرَأسَهُ وصَيَّرَهُ بِطْرِيقًا مِن بَطَارِقَتِهِ وأَقْطَعَهُ قُرىً كثيرةً؛ فهي اليوم تُعْرَفُ بِهِ، يقالُ لها: قُرَى بشير. وكانَ مِنْ قضاءِ الله وقَدرِهِ أَنهُ أُسِرَ ثلاثونَ رَجُلًا مِنَ المسلمين؛ فلما دَخَلُوا على بشيرٍ، سَائَلَهُم رَجُلًا رَجُلًا عن دينهم، وكانَ فيهم شَيْخٌ مِنْ أهلِ دِمَشْقَ يقالُ له: واصل؛ فَسَاءَلَهُ بَشِيرٌ؛ فأبى الشَيْخُ أَنْ يَرُدَّ عليه شَيْئًا؛ فقالَ بَشِيرٌ: ما لَكَ لَا تُجيبُني؟ قالَ الشَّيْخُ: لَسْتُ أُجِيبُكَ اليومَ بشيْءٍ! قالَ بَشِيرٌ للشَّيْخِ: إني سائِلُكَ غَدًا فَأَعِدَّ جوابًا، وأَمَرَهُ بِالانْصِرافِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ بَعَثَ بَشِيرٌ؛ فَأدْخِلَ الشَّيْخُ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَشِيرٌ: الحمدُ للهِ الَّذي كانَ قَبْلَ أن يكونَ شَيْءٌ، وخَلَقَ سبع سماواتٍ طِباقًا بلا عَوْنٍ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَعَجبًا لكم معاشِرَ

стр. 29

العَرَبِ حين تَقُولونَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ (١)!. فَسَكَتَ الشَّيْخُ؛ فقالَ لَهُ بَشِيرٌ: مَا لَكَ لا تُجيبُني؟ فقالَ: كيفَ أُجِيبُكَ وَأنا أَسِيرٌ في يَدِكَ؛ فإنْ أَجَبْتُكَ بما تَهوى أسْخَطْتُ عَلَيَّ رَبِّي، وهَلَكْتُ في دِيني، وإنْ أَجَبْتُكَ بما لا تَهْوَى خِفْتُ عَلَى نَفْسي؟ فأَعْطني عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ وما أَخَذَ النَّبِيُّونَ على الأُمَمِ أَنكَ لَا تَغْدِر بي ولا تمْحل (٢) بي ولا تَبْغِ بي باغِيةَ سُوءٍ، وأَنّكَ إذا سَمِعْتَ الحَقَّ تَنْقَادُ لَهُ. فقال بشيرٌ: فَلَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وميثاقُهُ وما أَخَذَ الله على النَّبِيِّينَ وما أَخَذَ النَّبِيُّونَ على الأُمَمِ: أني لا أَغْدِرُ بكَ ولا أمحل بكَ ولا أَبْغي بك باغيةَ سُوءٍ وأنِّي إذا سَمِعْتُ الحقَّ انْقَدْتُ إليهِ. قال الشَّيخُ: أمَّا ما وَصَفْتَ مِنْ صِفَةِ الله ؛ فَقَدْ أَحْسَنْتَ الصِّفَةَ. وأَمَّا ما لم يبْلُغ عِلْمُكَ ولم يستحكمِ عليه رَأْيُكَ أكثرُ، والله أَعْظَمُ وأَكْبَرُ ممَّا وَصَفْتَ؛ فلا يَصِفُ الواصفُون صِفَتَهُ. وأَمَّا ما ذَكَرْتَ مِن هذينِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَقَدْ أَسَأتَ الصِّفَةَ! أَلمْ يَكونا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويَشْرَبَان ويُبَوِّلان ويَتَغَوَّطانِ وينامانِ ويَسْتَيْقِظَان ويَفْرَحَانِ ويَحْزَنَانِ؟

стр. 30

قَالَ بَشِير: بَلَى. قَالَ: فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ بَشِير: لأنَّ عِيسى ابن مريم ﵇ كانَ لَهُ رُوحانِ اثنتانِ في جَسَدٍ وَاحِدٍ: روحٌ يعلمُ بها الغيوبَ وما في قَعْرِ البحارِ وما ينحاث (١) من ورق الأشجار. وروحٌ يُبرئُ بها الأَكمهَ والأَبْرَصَ ويُحْيِي بها الموتى. قَالَ الشَّيخُ: رُوحان اثنتانِ في جسدٍ واحد؟!! قَالَ بَشِير: نعم. قَالَ الشَّيخُ: فهل كانت القويَّةُ تَعْرِفُ مَوْضِعَ الضَّعِيفَةِ بَيْنَهُمَا أَمْ لا؟ قَالَ بَشِير: قَاتَلَكَ الله! ماذا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ إِنْ قُلْتُ إنَها لَا تَعْلَمُ؟ وماذا تُرِيدُ إنْ قُلْتُ إِنَّها تَعْلَمُ؟ قَالَ الشَّيخُ: إِنْ قُلْتَ إنَّهَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: فَمَا يُغني عنها قُوَّتُها حين لا تَطْرُدُ هذه الآفاتِ عنها!؟ وإن قُلْتَ إِنَّها لا تَعْلَمُ، قُلْتُ: فكيفَ تَعْلَمُ الْغُيُوبَ وَلَا تَعْلَمُ مَوْضِعَ رُوحٍ معها في جَسَدٍ واحدٍ؟! فَسَكَت بَشِيرٌ! قَالَ الشَّيخُ: أَسْأَلُكَ باللهِ! هَلْ عَبَدْتُمُ الصَّلِيبَ مَثَلًا لعيسى بن مريمَ أنَّهُ صُلِبَ؟

стр. 31

قَالَ بَشِير: نعم. قَالَ الشَّيخُ: فبرضىً كانَ مِنْهُ أَمْ بِسَخَطٍ؟ قَالَ بَشِير: هذه أُخْتُ تِلْكَ! ماذا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ؟ إِنْ قُلْتُ: برضىً مِنْهُ، قُلْتَ: ما نَقِمْتُم؟ أُعطوا ما سأَلوا وأرادوا؟ وإِنْ قلْتُ: بِسَخَطٍ، قُلْتَ: فَلِمَ تَعبُدونَ ما لَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ؟ ثُمَّ قَالَ: الشيخُ لبشير: نَشَدْتُكَ بالله! هَلْ كَانَ عِيسَى يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويَشْرَبُ ويَصُومُ ويُصَلِّي ويبولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ ويَسْتَيْقِظُ ويَفْرَحُ ويحزنٌ؟ قَالَ: نعم. قَالَ الشَّيخُ: نَشَدْتُكَ باللهِ! لِمَنْ كَانَ يصومُ ويُصَلِّي؟ قَالَ: للهِ ؛ ثُمَّ قَالَ بَشِيرٌ: والضَّارِّ النَافعِ، ما ينبغي لمثلكَ أن يعيشَ في النصرانية! أُرَاكَ رَجُلًا قد تَعَلَّمْتَ الكلامَ، وأنا رَجُلٌ صاحبُ سَيْفٍ، ولكن غدًا آتيكَ بمن يُخْزِيكَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ! ثُمَّ أَمَرَهُ بالانْصِرَافِ. فَلَمَّا كَانَ مِن غَدٍ، بَعَثَ بَشِيرٌ إلى الشَّيْخِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ إذا عِنْدَهُ قِسٌّ عَظِيمُ اللحيةِ. قَالَ لَهُ بَشِيرٌ: إِنَّ هذا رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ لَهُ عِلْمٌ وعَقْلٌ وَأَصْلٌ في العرب، وقد أحبَّ الدخولَ في ديننا؛ فَكَلِّمْهُ حَتَّى تُنَصِّرَهُ؛ فَسَجَدَ القِسُّ لِبَشِيرٍ وقَالَ: قَدِيمًا أتيتَ إلى الخيرِ وهذا أَفْضَلُ مِمَّا أَتَيْتَ إليّ.

стр. 32

ثُمَّ أَقْبَلَ القِسُّ عَلَى الشَّيْخِ فَقَالَ: أَيُّهَا الشيَّخُ! مَا أَنْتَ بالكبيرِ الذي قد ذهبَ عَقْلُهُ وتَفَرَّقَ عَنْهُ حِلْمُهُ [ولا أنت بالصغير الذي لم يستكمل عقله ولم يبلغ حلمه]، (١)، غدًا أغطسُكَ في المعموديَّة غَطْسةً تَخرجُ منها كيومَ وَلَدَتْكَ أمُّكَ! قَالَ الشَّيخُ: وما هذهِ المَعْمُودِيّة؟ قَالَ القسُّ: ماءٌ مُقَدَّسٌ. قَالَ الشَّيخُ: مَنْ قَدَّسَهُ؟ قَالَ القسُّ: قَدَّسْتُهُ أنا والأساقِفَةُ قَبْلِي. قَالَ الشَّيخُ: فهل كان لكم ذنوبٌ وخطايا؟ قَالَ القسُّ: نعم؛ غير أنَّها كثيرة. قَالَ الشَّيخُ: فهل يُقدِّسُ الماءَ مَنْ لَا يقدِّسُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ القِسُّ؛ ثُمَّ قَالَ: إِنّي لَمْ أُقَدسْهُ أنا! قَالَ الشَّيخُ: فكيفَ كانت القِصَّةُ إذنْ؟ قَالَ القسُّ: إنَّما كانت سُنَّةً مِنْ عيسى بن مَرْيَمَ. قَالَ الشَّيخُ: فكيفَ كانَ الأمرُ؟ قَالَ القِسُّ: إنَّ يحيى بن زكريا أَغْطَسَ عيسى ابن مريمَ ﵈ بالأُرْدُن (٢) غطسةً ومَسَحَ بِرَأْسِهِ وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ.

стр. 33

قَالَ الشَّيخُ: فاحتاجَ عيسى إلى يحيى يمسحُ رَأسَهُ ويدعو له بالبركةِ؟! فاعبدوا يحيى، فيحيى خيرٌ لكم من عيسى إذن؟ فَسَكَتَ القسُّ؛ فاستلقى بَشِيرٌ على فِرَاشِهِ وأَدْخَلَ كُمَّهُ في فيهِ وجَعَلَ يَضْحَكُ؛ قَالَ لِلْقِسِّ: قُمْ أَخْزَاكَ الله، دَعَوْتُكَ لِتُنَصِّرَهُ فَإذا أَنْتَ قَد أَسْلَمْتَ! قَالَ: ثُمَّ إِنَ أَمْرَ الشَّيْخِ بَلَغَ المَلِكَ؛ فَبَعَثَ إليهِ؛ فَقَالَ: ما هذا الذي قد بلغني عنكَ وعن تنقُّصِكَ ديننا وَوَقِيعَتِكَ؟ قَالَ الشَّيخُ: [إنَّ لي دِينًا كُنْتُ سُئِلْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا نصصت عنه سُئِلتُ عنهُ] (١)؛ فَلَمَّا لمْ أَجِدْ بُدًّا للذبِّ عَنْهُ ذَببتُ عنه. قَالَ المَلكُ: فهل في يَدِكَ حُجَجٌ؟ قَالَ الشَّيخُ: نعم! ادْعُ إليَّ مَن شِئْتَ يُحاجِجْنُي؛ فإنْ كان الحق في يدي؛ فَلِمَ تَلومني (٢) عَنِ الذَّبِّ عَنِ الحَق؟ وإن كانَ الحق في يديكَ، رَجَعْتُ إلى الحق. فَدَعَا الملكُ بعظيمِ النصرانية؛ فلمَّا دخل عليه سَجَدَ لَهُ الملكُ ومَن عِنْدَهُ أَجْمَعُون. قَالَ الشَّيخُ: أَيُّها الملك، مَنْ هذا؟

стр. 34

قَالَ الملكُ: هذا رَأْسُ النَّصرانِيةِ، هذا الذي تأخُذُ النَّصْرَانِيّة دينَها عنه. قَالَ الشَّيخُ: فهل لَهُ مِنْ ولدٍ أَمْ هَلْ لَهُ مِن امرأةٍ أَمْ هل لَهُ مِن عَقِبٍ؟ قَالَ الملكُ: ما لكَ خزاكَ الله! هذا أزكى وَأَطْهَرُ أَن يُدَنَّسَ بالحيضِ (١)! هذا أزكى وأطهرُ من ذلك. قَالَ الشَّيخُ: فأنتم تكرهونَ لآدميٍّ يكونُ مِنْهُ ما يكونُ من بني آدم من الغائطِ والبول والنوم والسهر وبأحدكم (٢) من ذكر النساء, وتزعمون أَنَّ رَبَّ العالمين سَكَنَ في ظُلْمَةِ الأَحْشَاءِ (٣) وضيق الرَّحَمِ وَدُنِّسَ بالحيضِ؟ قَالَ القسُّ: هذا شيطانٌ مِنْ شَيَاطِينِ العَرَبِ رَمَى بِهِ البَحْرُ إليكُم؛ فأخرِجوهُ مِنْ حيثُ جاء. فأقْبَلَ الشَّيْخُ على القِسِّ، فَقَالَ: عَبَدْتُمْ عيسى ابن مريمَ أنّهُ لا أَبَ له؛ فهذا آدم لا أبَ له ولا أُمَّ، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ وأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ؛ فَضُمُّوا آدمَ مَعَ عِيسى حَتَّى يكونَ لَكُم إِلهَانِ اثنانِ!؟ فَإِنْ كُنْتُم إنَّما عبدتموه لأنَّهُ أَحْيَا المَوْتَى؛ فهذا حزقيل (٤) تجدونَهُ

стр. 35

مكتوبًا عندكم في التوراةِ والإِنجيل، لا نُنكِرُهُ نحنُ ولا أنْتُمْ، مَرَّ بميت فدعا اللهُ له فأَحْياه حتَّى كَلَّمَهُ؛ فَضُمُّوا حزقيل مع عيسى حتَّى يكونَ لكم حزقيل ثالثَ ثلاثة!؟ وَإِن كُنْتُمْ إنما عبدتموهُ لأنَّهُ أَراكُم العجبَ، فهذا يوشع بن نون قاتل قومه، حتَّى غربت الشمس؛ قال لها: ارجعي بإذنِ اللَّهِ؛ فَرَجَعَتْ اثني عَشَرَ بُرْجًا؛ فَضُمُّوا يوشعَ بن نون مع عيسى يكون لكم رابع أَرْبَعة؟! وَإِنْ كُنْتُم إنَّما عبدتموه لأنَّهُ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَمِنْ (١) ملائكةِ الله مَعَ كُلِّ نَفْسٍ اثنان بالليل واثنان بالنَّهار يَعْرُجونَ إلى السَّماءِ, ما لو ذَهَبْنَا نَعُدُّهم لالْتبَسَ علينا عقولنا واختلطَ علينا دينُنا وما ازْدَدْنا في دينِنَا إلَّا تَحَيُّرًا!؟ ثُمَّ قَالَ: أَيُّها القسُّ: أَخْبِرني عَنْ رَجُلٍ حَلَّ بِهِ مَوْتٌ، أَيَكُونُ أهونَ عليه أَوِ القَتْل؟ قَالَ القِسُّ: القتل. قَالَ: فَلِمَ لَمْ يقتل عيسى أُمَّهُ، عَذَّبَهَا بنَزْعِ النَّفْس (٢)؟ إِنْ قُلْتَ إنَّهُ قَتَلَهَا؛ فما بَرَّ أُمَّهُ من قَتَلَهَا!؟ وإِنْ قُلْتَ إِنَّهُ لم يَقْتُلْهَا؛ ما بَرَّ أُمَّهُ مَنْ عَذَّبَها بنَزْعِ النَّفْس؟!

стр. 36

قَالَ القِسُّ: اذهبوا بهِ إلى الكنيسة العُظُمَى، فَإِنَّهُ لا يَدخُلها أحدٌ إِلَّا تنصَّرَ! قَالَ الملكُ: اذهبوا به. قَالَ الشَّيخُ: لماذا يُذْهبُ بي ولا حُجَّةَ عليَّ دُحِضَتْ؟ قَالَ الملكُ: لن يَضُرَّك، إنَّما هو بَيْتٌ مِن بُيُوتِ رَبِّكَ ، تذكرُ اللَّهَ فيه. قَالَ الشَّيخُ: إِنْ كانَ هكذا فلا بَأْسَ. قَالَ: فذهبوا به؛ فلمَّا دَخَلَ الكنيسة، وَضَعَ أُصْبعيه في أُذُنَيْهِ ورَفَعَ صَوْتَهُ بالأذانِ؛ فجزعوا لذلك جزعًا شديدًا وضَرَبُوهُ ولَبَّبُوهُ (١) وجاؤوا بِهِ إلى المَلك؛ فقالوا (٢): أَيُّهَا الملك! أَحَلَّ بِنَفْسِهِ القَتْلَ! فَقَالَ لَهُ الملكُ: لم أَحْلَلْتَ بِنَفْسِكَ القَتْلَ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الملكُ، أينَ ذُهِبَ بي. قَالَ ذَهَبُوا بكَ إلى بَيْتٍ مِن بُيُوتِ الله لِتَذْكُرَ فِيِهِ رَبكَ ! قَالَ: فَقَدْ دَخَلْتُ وذَكَرْتُ ربي بلساني وعَظَّمْتُه بقلبي، فإن كان كُلما ذُكِرَ اللَّهُ في كنائِسِكُمْ يَصْغُرُ دينكم؛ فزادَكُمُ اللَّهُ صَغارًا! قَالَ المَلك: صَدَقَ، ولا سبيلَ لكم عليه.

стр. 37

قالوا: أَيُّها الملكُ! لا نرضى حتَّى تَقْتُلَهُ. قَالَ الشَّيخُ: إِنَّكمْ مَتَى قَتَلْتُمُوني، فَبَلَغَ ذلكَ مَلِكَنَا وَضَعَ يَدَهُ في قَتْلِ القِسِّيسينَ والأَساقِفَةِ وخَرَّبَ الكَنَائِسَ وكَسَرَ الصُّلُبَانَ ومنعَ النواقيس. قَالَ: فَإِنَّهُ يَفْعَلُ؟ قَالَ: نعم! فَلَا تَشُكُّوا! فَفَكَّروا في ذلكَ؛ فَتَركوه. قَالَ الشَّيخُ: أَيُّها الملكُ! ما عابَ أهلُ الكتاب على أَهْلِ الأَوْثَانِ؟ قَالَ: بما عبدوا ما عملوا بأيديهم. قَالَ: فهل أنتم تعبدون ما عملتُم بأيديكم هذا الذي في كنائسكم؟ فَإِنْ كان في الإنجيل؛ فلا كلامَ لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل فلم تُشَبِّهُ دينكَ بدينِ أَهْلِ الأَوْثَانِ؟ قَالَ الملكُ: صَدَقَ؛ هل تجدونَ في الإنجيل؟ قَالَ القِسُّ: لا. قال الملك: فلم تشبّه ديني بدين أَهْلِ الأوثانِ؟ فَأَمَرَ بِنَقْضِ الكَنَائِسِ؛ فجعلوا يَنْقضونها ويبكون. قَالَ القِسُّ: إنَّ هذا لشيطانٌ من شياطينِ العَرَبِ رَمَى به البحرُ إليكم؛ فَأخْرِجُوهُ مِن حيثُ جاءَ؛ فلا يقطر من دمِهِ قطرةٌ في بلادكم؛ فيفسدُ عليكُم دينكم؛ فَوَكَّلُوا به رجالًا؛ فأخرجوه إلى بلاد دمشق،

стр. 38

وَوَضَعَ الملكُ يَدَه في قَتْلِ القِسِّيسينَ والأَسَاقِفَةِ والبَطَارقةِ حتَّى هَرَبْوا إلى الشَّام لأنَّهم لم يجدوا أحدًا يُحاجّه. تَمَّ الحديثُ بحمدِ الله وعَوْنه. وصَلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم (١). * * *