← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 270

إدامة النظر في تحرير نخبة الفكر

عبد العزيز الريس

Полный текст (83 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تأصيلًا ابن حجر في (النكت)، فرواية الكذاب لا تتقوى، ورواية الشاذ كما قال ابن الصلاح لا تتقوى، وسيأتي بيانها أكثر -إن شاء الله تعالى-. بل أحيانًا كثرة الطرق لا تزيد الحديث إلا وهنًا، كما قال ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام)، وذكره المعلمي -رحمه الله تعالى- في مقدمة (الفوائد المجموعة) أن كثرة الطرق قد لا تزيد الحديث إلا ضعفًا، ثم ذكر أن المتأخرين تساهلوا في تقوية الحديث بكثرة الطرق، وذكر نحوًا من هذا أحمد شاكر في كتابه (الباعث الحثيث)، بل إن السيوطي -وهو من المتأخرين المتساهلين كما يقول الألباني- صرَّح أن رواية الكذاب تتقوى إذا كثرت الطرق، كما في (تدريب الراوي)، وهذا خطأ، وهي خلاف طريقة الأولين. • المسألة الثانية: الحديث الذي يُراد تقويته بكثرة الطرق إذا خالف ما هو أقوى منه فلا يتقوَّى، ذكر هذا البيهقي فيما نقله السخاوي في كتابه (فتح المغيث)، فإذن كثرة الطرق إذا خالفت ما هو أقوى لا يتقوى. • المسألة الثالثة: كثرة الطرق إذا خالفت فتاوى الصحابة فإنها لا تتقوى، وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد في الوضوء بفضل المرأة، وهذا قد يُفرَّع عما قبله وقد يستقل بمسألة، فإن الصحابة إذا أفتوا بفتاوى ثم جاء حديث يُراد تقويته بطرق ونتيجته يُخالف فتاوى الصحابة فإنه لا يتقوى، لأن فتاوى الصحابة حجة. • المسألة الرابعة: قال الإمام أحمد: المنكر منكرٌ أبدًا. وهذا من النفائس والدقائق في تقوية الحديث بمجموع الطرق، فكل حديث يتبيَّن فيه أن الراوي أخطأ فيه بأن يكون ثقة خالف من هو أوثق منه إما حفظًا أو عددًا، أو الضعيف يُخالف من هو أوثق منه؛ فإنه ساقط ولا يقوى ولا يتقوَّى لأنه وهم. ولا أحصي عددًا من صنيع كثير من العلماء المتأخرين أنهم لا ينتبهون لمثل هذا، وقد يكون الراوي خالف الثقات ثم يأتون بهذه الزيادة التي هي خطأ ثم يقوُّون بها حديثًا آخر، وهذا لا يصح؛ لأن المنكر منكرٌ أبدًا كما قال الإمام أحمد، لذا قال ابن الصلاح: ومما لا يتقوى الشاذ، لأن الشاذ خطأ كما تقدم بيانه. • المسألة الخامسة: النظر لتقوِّي الحديث بحديث آخر ... إلخ، ليس له ضابط مطرد، كما بيَّن هذا ابن الصلاح، وقال في كتابه (معرفة علوم الحديث) وهي مقدمة ابن الصلاح المعروفة، قال: وإنما يُعرف بكثرة المِراس. فقد تدل القرائن أحيانًا على عدم التقوِّي، فلا يُقوى.

стр. 37

ومن أمثلة ذلك: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، قال أحمد: لا يثبت فيه حديث. هذا الحديث لو جاء بمجموع طرق، ولو أُثبتت هذه الأحاديث لدلَّ على أن التسمية شرط، ويرد هذا أن عثمان بن عفان في الصحيحين، وعبد الله بن زيد بن عاصم في الصحيحين، وابن عباس في البخاري، رووا صفة وضوء النبي ﷺ مفصلة، لاسيما عثمان، ولم يذكروا قول: "بسم الله"، فدل هذا على أن هذه الطرق لا يُقوِّي بعضها بعضًا، فإنها لو صحَّت لدلت على أن قول "بسم الله" شرط، وكيف تكون شرطًا ولم يذكرها هؤلاء وغيرهم؟ وهم قد ذكروا صفة وضوء النبي ﷺ تفصيلًا؟ إذن لابد أن يُنظر في القرائن في تقوية الحديث بمجموع الطرق، وهذا إنما يحصل بكثرة المراس كما بيَّنه ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-. وذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الشرح أن المتابعة قد تكون قاصرة وقد تكون تامة، بمعنى: أن الراوي الذي أتى بحكم وبعد الاعتبار وُجد راوي آخر يُتابعه، فيقال: متابعة تامة، أما إذا وُجد راوي آخر يُتابع شيخه ولا يُتابعه، فيُقال: متابعة قاصرة.

стр. 38

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: ثُمَّ الْمَقْبُولُ: إِنْ سَلِمَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ الْمُحْكَمُ. وَإِنْ عُورِضَ بِمِثْلِهِ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَمُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ. وَإِنْ ثَبَتَ الْمُتَأَخِّرُ فَهُوَ النَّاسِخُ، وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ، وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ، ثُمَّ التَّوَقُّفُ. ثُمَّ الْمَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ: فَالسَّقْطُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبَادِئِ السَّنَدِ مِنْ مُصَنِّفٍ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَالْأَوَّلُ: الْمُعَلَّقُ. وَالثَّانِي: الْمُرْسَلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ الْمُعْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا. فَالْأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي، وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّأْرِيخِ. وَالثَّانِي: الْمُدَلَّسُ وَيَرِدُ بِصِيغَةِ تَحْتَمِلُ اللَّقْيَ: كَعَنْ، وَقَالَ، وَكَذَا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ. قوله: (ثُمَّ الْمَقْبُولُ: إِنْ سَلِمَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ الْمُحْكَمُ. وَإِنْ عُورِضَ بِمِثْلِهِ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَمُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ. وَإِنْ ثَبَتَ الْمُتَأَخِّرُ فَهُوَ النَّاسِخُ، وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ، وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ، ثُمَّ التَّوَقُّفُ) يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يصح أن يُبحث هذا في علم الحديث، لأنه يتعلق بالدراية، ومصطلح الحديث يتعلق بالرواية، فمثل هذا لا ينبغي أن يُبحث في كتب مصطلح الحديث وإنما يُبحث في كتب أصول الفقه. والأمر الآخر: جعل ابن حجر -رحمه الله تعالى- مختلف الحديث هو إذا لم يمكن الجمع، فمعنى هذا إذا أمكن الجمع لا يُبحث مبحث مختلف الحديث، وهذا فيه نظر، وقد خالفه ابن الصلاح وبيَّن أن مختلف الحديث شامل لما أمكن الجمع ولما لم يُمكن الجمع، ويدل عليه صنيع الإمام الشافعي في مختلف الحديث، وابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) والطحاوي في (شرح مشكل الحديث) إلخ. فإن صنيع العلماء يدل على أنهم أوردوا في كتب مختلف الحديث ما أمكن الجمع وما لم يمكن الجمع، أما الحافظ فظاهر صنيعه أنه خصه بما يمكن الجمع.

стр. 39

قوله: (ثُمَّ الْمَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ) انتهى المصنف -رحمه الله تعالى- من المقبول وانتقل إلى المردود، وبيَّن أن الرد يكون إما لسقط أو طعن، أي يرجع إلى أمرين، إما السقط أو الطعن. وقد يُقال -والله أعلم-: أن الرد يرجع إلى أمور ثلاثة: • الأمر الأول: السقط، أي الانقطاع. • الأمر الثاني: الطعن، أي الضعف في الراوي. • الأمر الثالث: المُخالفة، فإن الثقة قد يُرد حديثه وهو لا يُطعن فيه لوجود المخالفة. والحافظ ذكر المخالفة لكنه أدخلها في الطعن، والأمر سهل في هذا، ولو قيل بالأسباب الثلاثة لكان أصح -والله أعلم- لأن المخالفة قد تكون من الثقة الذي لا يُطعن في حفظه. قوله: (فَالسَّقْطُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبَادِئِ السَّنَدِ مِنْ مُصَنِّفٍ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ: الْمُعَلَّقُ. وَالثَّانِي: الْمُرْسَلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ الْمُعْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ) ذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- أن السقط -أي الانقطاع- له أحوال، الحال الأولى أن يكون من شيخ المصنف ويسمى المعلق، فإذن المصنف كالبخاري أو أبي داود أو مسلم أو غيرهم، إذا روى حديثًا ولم يذكر شيخه وإنما ذكر شيخ شيخه، أو شيخ شيخ شيخه، لكنه لم يذكر شيخه، فهنا الانقطاع من مبادئ السند من المصنف فيسمى معلقًا. وقد يكون الانقطاع من آخر السند، أي قبل النبي ﷺ أي من الصحابي بأن يرويه التابعي عن الصحابي، فيسمى مرسلًا، وقد يكون الانقطاع في أي جهة في الإسناد غير مبادئ السند وغير منتهى السند، ويسمى منقطعًا، وقد يكون الانقطاع لانقطاع اثنين على التوالي فيسمى معضلًا، هذا ملخص ما أورده الحافظ. وأقرب ذلك بالأرقام: لنفرض أن شيخ المصنف رقمه واحد، يروي عن رقم اثنين عن رقم ثلاثة عن رقم أربعة عن رقم خمسة وهو الصحابي، عن النبي ﷺ .

стр. 40

فلو قدر أسقط رقم واحد يسمى معلقًا، ولو أسقط رقم خمسة الصحابي وروى التابعي عن النبي ﷺ يسمى مرسلًا، ولو أسقط في أثناء الإسناد كرقم ثلاثة فقط يسمى منقطعًا، ولو أسقط اثنين على التوالي، أي رقم اثنين ورقم ثلاثة يسمى معضلًا. وقد يُسقط رقم واحد واثنين ويُسمى معلقًا، وقد يُسقط رقم واحد واثنين وثلاثة ويسمى معلقًا، لأن شيخ المصنف سقط، ولأن فيه سقطين فيسمى معضلًا، فيقال معلق ومعضل. وقد يسقط الإسناد كله فيقول: قال النبي ﷺ . فيُقال: معلق أسقط شيخه، ويُقال مرسل أسقط الصحابي، ويُقال معضل، وعلى هذا فقس، هذا ما قرره الحافظ -رحمه الله تعالى- وهو المشهور عند علماء المصطلح. وبعد هذا نرجع إلى المتن ونأخذ بعض المسائل المتعلقة به، فقوله: (ثُمَّ الْمَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ) السقط: الانقطاع، والطعن: الضعف، وسيأتي الكلام عليه، فالسقط -وهو الانقطاع- ضعيف عند أهل العلم لأن الواسطة مجهولة كما قال ابن عبد البر في أوائل كتابه (التمهيد) لما تكلم عن المرسل، قال: وهو ضعيف عند أهل العلم لأن الواسطة مجهولة ولا تعلم. وأحاديث النبي ﷺ تُعامل معاملة الاحتياط خشية أن يكون الواسطة ضعيفًا، هذا سبب رد العلماء للانقطاع. لما ذكر الإمام مسلم الحديث المرسل -وهو فيه انقطاع من جهة إسقاط التابعي للصحابي- ذكر أن علماء الحديث على رده، كما ذكر في مقدمة صحيح مسلم، والسبب الجهالة كما تقدم، لأنه لا يُدرى من الذي أُسقط. إذن الأصل في الانقطاع الرد، لكن قد تدل القرينة على قبول الانقطاع وإن كان الأصل الرد، وقد تكون القرينة إسنادية أو متنية، أما القرينة المتنية فقد روى البخاري من حديث حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ دعا على سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. في هذه الرواية سمى المدعويين، والرواية الموصولة في البخاري عن ابن عمر لم يسم المدعويين، وهذه الرواية مرسلة؛ لأنها من رواية حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ .

стр. 41

ومع ذلك تساهل البخاري وأورد هذه الرواية المرسلة، لأنه لا ينبني عليها حكم، والرواية الموصولة في الصحيحين يدعو على فلان وفلان ولم يسمهم، وفي هذه الرواية سماهم، وهذا لا ينبني عليه حكم، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] إلى آخر الحديث. ومن القرائن المتنية: ما روى مالك في الموطأ وأبو داود وغيرهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ أن رجلًا نبط أباه -أي أصاب أباه بعين- والحديث مرسل، لأن أبا أمامة بن سهل تابعي ولم يُدرك النبي ﷺ -فلم يدرك القصة ومع ذلك أخرجه مالك في الموطأ، والأصل فيما يُخرجه مالك في الموطأ أنه حجة، وهذا الحديث كذلك، والسبب في التساهل فيه أن هذه قصة تتعلق بأهله، فمثلها يشتهر بين أهله، فتساهلوا فيها، وهذه قرينة أخرى متنية. أما القرينة الإسنادية فهي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه روايةٌ منقطعة، فإن أبا عبيدة لم يُدرك أباه عبد الله بن مسعود، وقد نص على الانقطاع علي بن المديني، والنسائي، والترمذي، وغيرهم من أهل العلم، ومع ذلك أجمعوا على قبولها، حكى الإجماع يعقوب بن شيبة، قال: درسها أهل العلم فرأوها مستقيمة، وذكر نحوًا من هذا ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، وقرر هذا ابن رجب في شرح (العلل). وسبب قبولهم لها أنهم رأوا أن روايته مستقيمة، ويؤيد ذلك أنها رواية ابن عن أبيه، فتساهلوا في هذه القرينة، فلذلك العلماء على قبول رواية أبي عبيدة عن أبيه، وإن كانوا يُصرحون بالانقطاع، وهذه قرينة إسنادية. ومن الأحاديث التي رُويت من هذا الطريق: ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في التشهد الأول فكأنما يجلس على الرضف -أي من العجلة- ثم يقوم. والرضف: الحجر المحمي بالنار، فيدل هذا على الاستعجال في التشهد الأول وعدم الإطالة، وقد قال الترمذي بعد أن رواه: والعمل على هذا عند أهل العلم. قال ابن رجب: وقول الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، إشعار بالإجماع في المسألة. ذكر هذا في مسألة أخرى في شرحه على البخاري.

стр. 42

فإذن أهل العلم على عدم الإطالة في التشهد الأول، بخلاف التشهد الثاني، فالمقصود أن هذه قرينة إسنادية تساهلوا بها، وإلا الأصل ألا تُقبل، وهذا مبحث مهم، فأهل الحديث ينظرون إلى القرائن ويعتنون بذلك، ومن كلمات العلامة الكبير المجدد محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- أنه قال: وعلم الحديث ليس (واحد زائد واحد يساوي اثنين)، وإنما يُنظر فيه إلى القرائن. قوله: (الْمُعَلَّقُ) ممن اشتهر بتعليق الأحاديث أبو داود في سننه وأكثر من ذلك، وممن اشتهر بالتعليق أيضًا الإمام البخاري، وله طريقة، وذلك أنه يُعلق الحديث هو وغيره لكن اشتهر كلام أهل العلم على البخاري وخصوا الكلام عليه لعنايتهم ودراستهم له، وقالوا: معلقات البخاري قسمان: • القسم الأول: بصيغة التمريض، كأن يقول البخاري: يُذكر عن النبي ﷺ ، أو: يُذكر عن ابن عباس. • القسم الثاني: بصيغة الجزم، فقد يقول: قال النبي ﷺ ، قال صلة، قال عمار ... إلخ. أما ما جزم به فهو صحيح إلى من جزم به، فإذا قال: قال صلة، قال عمار، فإذن صحيح إلى صلة، أما ما بعد صلة فتنظر في الإسناد، فإذا جزم به عن النبي ﷺ فهو صحيح عن النبي ﷺ أما إذا علقه البخاري بقوله: يُذكر ... إلخ، قال ابن حجر في (النكت): إن كان حديثًا عن النبي ﷺ وساقه مساق الاحتجاج فهو إما أن يكون صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا ينجبر بغيره. أما معلقات الإمام مسلم فهي قليلة، وكلها وصلها إلا حديثًا واحدًا وهو حديث أبي جهم، الذي فيه إماطة القرام، وإلا كل أحاديثه المعلقة وصلها -رحمه الله تعالى-، وكذلك ممن اشتهر بالتعليق أبو داود كما تقدم. قوله: (وَالثَّانِي: الْمُرْسَلُ) فالمرسل على طريقة أهل الحديث مردود كما تقدم في كلام الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، ويدل عليه كلام غيره، هذا بالنظر إلى الإسناد روايةً فهو مردود، لأن الواسطة مجهولة كما تقدم في كلام ابن عبد البر، أما من جهة الدراية فإنهم يقبلون المرسل بالنظر لأمور أخر، بالنظر للشواهد والمتابعات، وبالنظر إلى أنه لم يأت بحكم جديد فيُسهل فيه، إلخ، كما بيَّن هذا النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه على

стр. 43

مسلم، وابن رجب في شرح (العلل) وقال: قال ابن جرير: ورد المرسل بدعة حصلت بعد المائتين. ومراده: رده من جهة الدراية والاحتجاج لا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية والاحتجاج فلا يُرد مطلقًا، بل يُنظر فيه كما بيَّن ذلك الشافعي في كتابه (الرسالة)، وشرح هذا ابن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي)، وابن رجب في شرح (العلل). فإذن بالنظر إلى الرواية فهو مردود، وبالنظر للدراية فلا يُرد مطلقًا، بل يُنظر لنوع المرسل، وهل له شواهد أو ليس له شواهد، وهل أتى بحكم جديد أم لا؟ ... إلخ. ثم ينبغي أن يُعلم أن مراسيل الصحابة مقبولة بالإجماع كما بيَّنه ابن حجر وغيره، إلا أنهم لا يقبلون مراسيل صغار الصحابة، أي الذين رأوا النبي ﷺ وكانوا صغارًا ولم يرووا عنه، كطارق بن شهاب ونحوه، نص على هذا الحافظ ابن حجر في كتابه (الإصابة) وكتاب (النكت). فقول العلماء إن مراسيل الصحابة مقبولة: أي من يصلح للتحمل، أما من لا يصلح للتحمل لصغره فإن مراسيله لا تُقبل، وينبغي أن يُفصل في هذا حتى لا يُظن أن قولهم بأن مراسيل الصحابة مقبولة شاملة حتى لمن لا يصلح منه التحمل، كطارق بن شهاب ونحوه. قوله: (إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ الْمُعْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ) صنيع العلماء الماضين أنهم يطلقون المرسل على أي انقطاع، سواء كان على المعلق وعلى المنقطع بالمعنى عند علماء المصطلح، وعلى المرسل بمعناه عندهم، فأي انقطاع يسمونه مرسلًا، كما يدل على هذا كتاب ابن أبي حاتم في المراسيل، وكتاب أبي داود في المراسيل، وذكر هذا جمع من أهل العلم كالسخاوي وغيره، أنهم يطلقون المرسل على أي انقطاع، ولا يخصونه بالانقطاع بسقوط الصحابي ورواية التابعي كما تقدم، وكذلك الانقطاع يُطلق على أي انقطاع ولو كان على التوالي. وقولهم: المعضل، يُطلق على انقطاع اثنين على التوالي، وأيضًا يطلقون المعضل على المعضل في فهمه من جهة المتن. قوله: (ثُمَّ قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا. فَالْأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي، وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّأْرِيخِ. وَالثَّانِي: الْمُدَلَّسُ وَيَرِدُ بِصِيغَةِ تَحْتَمِلُ اللَّقْيَ: كَعَنْ، وَقَالَ، وَكَذَا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ

стр. 44

مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) هذه مباحث دقيقة، فقوله: (قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا. فَالْأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي) بأن يروي تابعي عن النبي ﷺ كأبي العالية أو عطاء، أو الحسن، أو غيرهم، فيُعلم بالتاريخ بعدم التلاقي، أن هذا مُرسل. وقوله: (وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّأْرِيخِ) بأن يُنظر في تاريخ ولادة هذا وفي تاريخ موت هذا، وهكذا فيمن دون ذلك من رواية راوٍ عن راوٍ آخر، وعلى هذا فقس، فإذن الأول الذي يكون واضحًا يُدرك بعدم التلاقي، وهذا معروف عند المحدثين، بخلاف غيرهم. قوله: (وَالثَّانِي ... ) أي الخفي، والخفي يُطلق على نوعين: على المدلس، وعلى المرسل الخفي، والفرق بين المدلس والمرسل الخفي: على ما قرر الحافظ -رحمه الله تعالى- أن المدلس قد روى عن شيخه أحاديث سمعها وأوهم أنه يروي عنه أحاديث أخرى لم يسمعها، وأتى بصيغة غير صريحة في التحديث، كما روى الإمام مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ... » الحديث. قال الترمذي: قال الأعمش: حُدثت عن أبي صالح. فدل هذا على أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، وفي صحيح مسلم قال: "عن" ولم يأت بصيغة صريحة في السماع، والأعمش سمع من أبي صالح أحاديث، لكن هذا الحديث لم يسمعه، فيُقال عنه مدلس، إذن المدلس سمع من شيخه أحاديث وأوهم أنه سمع منه أحاديث أخرى، بشرط أن تكون الصيغة ليست صريحة في السماع، لأنها لو كانت صريحة في السماع ولم يسمعها لكان كذابًا. والمرسل الخفي هو الذي يروي عن راوٍ قد أدركه وعاصره، لكن لم يسمع منه، فروى عنه بصيغة تحتمل السماع وليست صريحة، فإذن الفرق بين المرسل الخفي والمدلس: أن المدلس قد سمع أحاديث وأوهم أنه سمع أحاديث أخرى لم يسمعها، أما المرسل إرسالًا خفيًا فهو لم يسمع شيئًا لكن يمكنه أن يسمع، وكلاهما أتيا بصيغة تحتمل السماع وليست صريحة. قوله: ( ... مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) أي بإمكانه أن يلقاه، ولاحظ قوله: (كَعَنْ، وَقَالَ) لأنها ليست صريحة في السماع، هذا هو الفرق بين المدلس والمُرسل إرسالًا خفيًا، أو المُدلَّس والمرسل إرسالًا خفيًا، وهذا على طريقة الحافظ، وسبقه إلى ذلك البزار، وابن القطان الفاسي، قال العراقي في (التقييد والإيضاح): وطريقة المحدثين على خلاف صنيع البزار

стр. 45

وابن القطان الفاسي، وهو أنهم يُطلقون على المُرسِل إرسالًا خفيًا مُدلسًا، والجامع له المعنى اللغوي وهو التدليس، أن فيه تدليسًا، وهذا ما يُستفاد من كلام الخطيب في كتابه (الكفاية) وابن الصلاح في مقدمته. فالذي يظهر -والله أعلم- أن العلماء يصفون من يُرسل إرسالًا خفيًا بأنه مدلس، لكن قد لا يصفونه وقد يصفونه، والجامع التدليس، وهو شامل للإرسال الخفي وشامل للتدليس المعروف. وترد مسائل مهمة في التدليس: • المسألة الأولى: حكم التدليس، حكمه من حيث الأصل جائز، لأنه ليس صريحًا في الكذب وإنما هو تورية، وإن كان الأفضل ألا يفعل، لكنه من حيث الأصل جائز، لأنه ليس كذبًا، وهو استعمال قد شاع بين المحدثين، فهو جائز وهذا هو الشائع عند أهل العلم، خلافًا لمن شدد فيه ورعًا أو رأى حرمته. • المسألة الثانية: التدليس من حيث الجملة نوعان: o النوع الأول: تدليس شيوخ، وتدليس إسناد، والمراد بتدليس الشيوخ: يروي عن شيخه بأسماء وألقاب وكنًى مختلفة يُوهم أنه أكثر من شيخ وهو شيخ واحد، وله دوافع وأسباب. o النوع الثاني: تدليس الإسناد، وهو أن يُوهم سماعه من هذا الشيخ وهو لم يسمع منه، كما تقدم في قول الأعمش: حُدثت عن أبي صالح، وفي صحيح مسلم: عن أبي صالح. وأكثر البحث في كتب الحديث والمصطلح هو تدليس الإسناد، لأنه ينبني عليه الصحة والضعف، ويبحثون تدليس الشيوخ ليُميز الراوي، لكن البحث الكثير هو التدليس في الإسناد. • المسألة الثالثة: ليس كل مدلس تُرد روايته إذا لم يأت بلفظ صريح في السماع، وإنما تُرد رواية من كثر تدليسه وغلب في حديثه بالنسبة إلى رواياته، فقد يكون كثير الرواية كأبي إسحاق، وقد يُدلس كثيرًا لكنه قليل بالنسبة إلى رواياته، ومثل ذلك الأعمش، تدليسه كثير لكن قليل بالنسبة إلى رواياته، ذكر هذا علي بن المديني، قال: تُرد رواية المدلس إذا أكثر. رواه عنه الخطيب البغدادي، ونقله ابن حجر في (النكت).

стр. 46

وقال أبو حاتم في (العلل) لما ذكر رواية الأعمش عن مجاهد، قال: أخشى أنه لم يسمعه منه، لأنه قليل الرواية عنه. فلاحظ نظر إلى القلة والكثرة، لكن هنا القلة في رواياته كلها وإنما في روايته عن هذا المعين. فإذن إذا كان الراوي يُدلس لا يُرد حديثه مطلقًا، وإنما يُرد إذا كثُر تدليسه بالنسبة إلى رواياته، فروى حديثًا محتملًا للسماع فإنه يُرد، وذكر يعقوب الفسوي أن رواية الأعمش وأبي إسحاق السبيعي والثوري صحيحة، وذلك -والله أعلم- لأن تدليسهم قليل بالنسبة إلى رواياتهم. فإن قلت: كيف أميز من كان تدليسه قليلًا بالنسبة إلى روايته أو كثيرًا؟ يُقال: بأمور، فأحيانًا يُصرح العلماء أنفسهم، فإذا صرحوا رُدَّ كما صرح أحمد في ابن جريج، وكما صرح غيره في محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي، وعلى هذا فقس، فيصرحون أنه إذا أتى بصيغة غير صريحة في السماع لا تُقبل، وتارة يُعرف هذا بالنظر إلى صنيع صاحب الشيخين البخاري ومسلم، كثيرًا ما يروون إذا أكثروا الرواية عن راوي موصوف بالتدليس بلفظ غير صريح بالسماع وتبيَّن بالبحث أو بنص العلماء أنه لم يُصرح بالسماع في مواضع أخر، فيدل على أن تدليسه قليل بالنسبة إلى رواياته. وقد سأل السبكي المزي عن المدلسين في الصحيحين وأنهم عنعنوا، هل سمعوا منهم في موضع آخر؟ قال المزي: لم يثبت سماعهم عنه في موضع آخر، لكن هذا يُقال إحسانًا بالصحيحين. نقله ابن حجر في (النكت). فإذن إذا روى صاحبا الصحيح كالبخاري ومسلم حديثًا برواية مدلس بالعنعنة ولم يُعرف تصريحه بالسماع في موضع آخر، فهذه إشارة إلى أن تدليسه قليل بالنسبة إلى رواياته، وهكذا يُبحث في القرائن الأخرى، ومما اشتهر عند المتأخرين أنهم يردون رواية أبي إسحاق السبيعي إذا عنعن، والأعمش إذا عنعن، وهذا فيه نظر، الأصل أن تُقبل رواية أبي إسحاق السبيعي كما ذكر يعقوب الفسوي، وكما هو صنيع البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومثله تقبل رواية الأعمش، إلا فيمن يُقل الرواية عنه كمجاهد، كما نص على هذا أبو حاتم في العلل، وعلى هذا فقس. • تنبيه: قد يثبت عند أحد العلماء المحدثين أن فلانًا دلس، ومع ذلك يقبل حديثه، وذلك لقرائن خارجية كما تقدم أنهم يقبلون رواية المنقطع لقرائن خارجية، كحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: «ما جلس قوم في بيت من بيوت

стр. 47

الله ... »، تساهل فيه مسلم وأخرجه في صحيحه، لأن له شواهد، ثبت عن أبي سعيد في صحيح مسلم، ثم إذا تدبرت معناه لم تره أتى بحكم جديد، فلذلك تساهل فيه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-، وقد تقدم أنهم يتساهلون في الانقطاع لقرينة متنية أو لقرينة إسنادية. • المسألة الرابعة: إذا عُرف الراوي واشتهر بكثرة التدليس لا يُقبل حديثه حتى يُصرح بالسماع، نص على هذا الإمام مسلم في كتابه (التمييز)، وذكر هذا الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في رواية ابن جريج، وذكره غيره في غيره من الرواة، كابن عدي في كتابه (الكامل). فإذن إذا كان المدلس مشهورًا ومُكثرًا من التدليس بالنسبة إلى رواياته فإنه لا يُقبل حتى يُصرح بالسماع، وقد رأيت بعض المعاصرين وقع في بدعة وقال: تُقبل رواية المدلس أكثَر أو لم يُكثر ولو روى بصيغة ليست صريحة بالسماع، وزعم أن السلف الأولين على ذلك، وقد أخطأ ووقع في بدعة كبرى تنبني عليها أخطاء كثيرة، فقد تقدم كلام الإمام أحمد وكلام مسلم في (التمييز) وغيرهم من أهل العلم، فلابد أن يُفرق بين من أكثر من التدليس بالنسبة إلى رواياته وبين من لم يُكثر على ما تقدم تفصيله. قوله: (وَكَذَا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) سيتكلم المصنف -رحمه الله تعالى- عن اشتراط السماع واللقاء ... إلخ، لكن المرسل إرسالًا خفيًا وهو أن يُرسل عمن لم يسمع ويُمكن أن يسمع منه لكن لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع، فهذا يسمى مرسلًا خفيًا، ويُطلق عليه التدليس كما تقدم. وينبغي أن يُنتبه إلى أمر مهم وهو أنه عند دراسة الأحاديث لا يكتفى بالنظر إلى ثقة الراوي بل لابد إذا كانت الصيغة غير صريحة في السماع أن يُرجع إلى كتب السماع، وكلام العلماء في عدم سماع فلان من فلان أُفردت فيه مصنفات ويُذكر في كتب التراجم، كما ذكره المزي في (تهذيب الكمال) وابن حجر في (تهذيب التهذيب)، وذكره بشار عواد في حاشيته على (تهذيب الكمال) وذكر فوائد كثيرة عن مغلطاي وغيره، وأفرد العلائي كتابًا مفيدًا في ذلك سماه: (جامع التحصيل)، وكذلك كتب العراقي كتابًا بعنوان: (تحفة التحصيل)، أورد ما ذكر العلائي وزاد عليه.

стр. 48

ومن الكتب المفيدة في ذلك نسخة جديدة طُبعت لتحفة التحصيل، ذكر محققها في الحاشية فوائد كثيرة تتعلق بالسماع وعدمه، وأيضًا طُبع تقريب التهذيب لحسان عبد المنان، وذكر كلام الحافظ وزاد على ذلك بأن ذكر السماعات وعدمها، وهذا مفيد للغاية، بعيدًا عن ذات حسان عبد المنان وسوئه وتكلم الألباني عليه -رحمه الله تعالى- لكن يهمني نقله وعزوه. وأيضًا مما ينفع كتب العلامة مقبل الوادعي، فهو مهتم بهذا، ومن ذلك: (أحاديث معلة ظاهرها الصحة) فهذا كتاب نفيس للغاية، ويذكر عللًا دقيقة، ومنها السماعات وغيرها، إلى غير ذلك من الكتب، فينبغي أن يُعتنى بالسماع وعدمه، فما أكثر الأحاديث التي صُححت وثبت أنه لم يسمع الراوي عن شيخه، وأحيانًا ثبت أنه لم يسمع منه في الحديث نفسه وأحيانًا لم يسمع منه البتة. ومن أمثلة ذلك: ما روى أبو داود من حديث خالد الحذَّاء عن أبي العالية، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في سجود التلاوة: «سجد وجهي الذي خلقه، وشق سمعه وبصره ... » الحديث، ذكر أبو داود أن خالدًا الحذاء يرويه عن رجل عن أبي العالية، فدل هذا على أن خالد الحذاء لم يسمعه، وقد أفاد ابن الصلاح في مقدمته، وابن رجب في شرح (العلل) على أن العلماء الأولين يستدلون على عدم سماع الراوي من الراوي بأنه في مواضع يُدخل بينهما رجلًا وأحيانًا رجلين، فيستدلون بهذا على أنه لم يسمع منه. فلذا ينبغي أن يُعتنى بمثل هذا، وأن يُدقق فيه، ورأيت بعضهم أراد أن يُقوي حديث عائشة في سجود التلاوة: «سجد وجهي الذي خلقه وشق سمعه وبصره ... » بما في مسلم من حديث علي أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «سجد وجهي الذي خلقه، وشق سمعه وبصره ... ». فيقال: لا يصح أن يكون هذا شاهدًا لذاك، لأن هذا في جميع السجدات، والبحث في سجود التلاوة، فلا يصح أن يكون هذا شاهدًا لذاك، وهذا من تساهل المتأخرين في الشواهد. ومن أمثلة تساهلهم في الشواهد فيما نحن بصدده: أنه روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، في إسناده راوٍ مجهول ولا يصح، ورأيت بعضهم صححه بأنه ثبت عن عمر أنه كان يقول ذلك في الطواف كله، فيقال: فرق بين الطواف

стр. 49

كله وبين أن يُقال باستحبابه بين الركنين، فمثل هذا لا يصح أن يكون شاهدًا له. فهذه المسائل تحتاج إلى دقة ومعرفة.

стр. 50

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ، أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ، أَوْ غَفْلَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ وَهْمِهِ، أَوْ مُخَالَفَتِهِ، أَوْ جَهَالَتِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ. فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ، وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ. ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ. ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ. وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا، أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ. وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي. فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ. ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ. وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ، وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ. فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ. ثُمَّ الْبِدْعَةُ: إِمَّا بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ. فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ.

стр. 51

ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ: إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ، وَمَتَى تُوبِعَ سَيْئُّ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا الْمَسْتُورُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُدلَّسُ: صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِالْمَجْمُوعِ. قوله: (ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي) هذا واضح، أي أن الراوي يكذب عن رسول الله ﷺ وإذا كان الراوي يكذب على النبي ﷺ فإنه لا يصح حديثه بل يكون موضوعًا كما سيأتي بيانه. قوله: (أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ) وتُعرف بأمرين: أن ينفرد برواية حديث يُخالف قواعد الإسلام، أو أن يكون معروفًا بالكذب في حديث الناس، فإذا كان معروفًا بكذبه في حديث الناس فلا يُقبل حديث. قوله: (أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ) أي المراد كثرة غلطه، وقوله: (أَوْ غَفْلَتِهِ) أي أن يكون ذا غفلة لا يُتقن إذا روى الأحاديث، وقوله: (أَوْ فِسْقِهِ) أي أن يكون فاسقًا، والفاسق عند أهل السنة هو صاحب الكبيرة الذي لم يتب منها، كما بيَّنه السفاريني في منظومته، ويدل عليه كلام غيره، وبعضهم قال: من غلبت عليه المعاصي، وهذا فيه نظر، وإنما من فعل كبيرة واحدة ولم يتب منها فهو فاسق عند أهل السنة، وقد تقدم أن الفسق ليس سببًا لرد الحديث كما تقدم بيانه. قوله: (أَوْ وَهْمِهِ) أي أنه يروي الأحاديث وهو شاكٌ في صحتها على سبيل التوهم، وقوله: (أَوْ مُخَالَفَتِهِ) تقدم البحث في المخالفة، وقوله: (أَوْ جَهَالَتِهِ) سيأتي البحث في الجهالة، والأصل في الجهالة أنه مردود، لأنه لا يُقبل في حديث النبي ﷺ إلا الثقة وهو مبني على الاحتياط. قوله: (أَوْ بِدْعَتِهِ) سيأتي الكلام على أن البدعة ليست سببًا لرد الحديث. قوله: (أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ) أي تساوى وهمه مع ضبطه، أو غلب وهمه. هذا ملخص ما بيَّنه الحافظ في شرحه على النخبة في كتابه (النزهة). ثم بعد ذلك سيذكر حكم كل حديث، وهذا الذي سيُقرره فيه نظر، لأنه جعل الموضوع هو حديث الكذاب، وهذا على الإطلاق فيه نظر، لاشك أن حديث الكذاب موضوع، لكن قد

стр. 52

يوصف أيضًا بالوضع ما ليس كذلك، فمما حققه ابن تيمية لما قيل: هل في مسند أحمد أحاديث موضوعة أم لا؟ قال: إن أريد برواية كذاب بقصد فلا، وإن أريد أن هناك من أخطأ فأصبح الحديث موضوعًا فنعم، أي أصبح موضوعًا بلا قصد. فلذلك الحافظ ذكر هذه الأسباب العشرة ثم ذكر أحكامها، وهذا التقنين والتقسيم فيه نظر، وإنما يختلف العلماء في الحكم بالنظر في المتن وحال الراوي كما تقدم بيانه.

стр. 53

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ، وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ. ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ. ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ. وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا، أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ. وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي. فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ. ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ. قوله: (فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ) الموضوع رواية الكذاب، وقوله: (وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ) المراد به المتهم بالكذب، وقوله: (وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ) والمراد بالمنكر من فحُش غلطه، وهذا فيه نظر كما تقدم، فإن المنكر عند الأولين يُطلق بمعنى المُخالفة والتفرد، فمجرد التفرد الذي لا يُقبل يسمى منكرًا. قوله: ( ... وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ) وعلى كلٍ هذا التقسيم بهذا التدقيق فيه نظر على ما تقدم بيانه. قوله: (ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ) يشير إلى أن الحديث المُعل هو الذي تبيَّن بجمع الطرق أنه خطأ، وهذا صحيح، إلا أن لفظ "العلة" وإن اشتهر إطلاقه على ما خفي إلا أنها تُطلق على ما خفي وظهر كما تقدم بيانه، لكن أعظم سبيل لمعرفة الحديث المعلول بالعلة الخفية هو جمع الطرق ، كما قاله يحيى بن معين، وعلي بن المديني، والإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.

стр. 54

قوله: (ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ) ذكر المخالفة ثم جعل تحت المخالفة أقسامًا: • القسم الأول: مدرج الإسناد، بتغيير السياق، ومدرج الإسناد له صور منها: أن يروي راوٍ الجزء الأول من الحديث، ويروي آخر الجزء الثاني من الحديث، ثم يأتي من بعدهم ويروي الحديث كاملًا عن الاثنين، أوهم أن الاثنين روياه كاملًا، هذا يسمى مدرج الإسناد، له صور وهذا من صوره. • القسم الثاني: مُدرج المتن، وذلك أن يُدخل في المتن كلامًا ليس من كلام رسول الله ﷺ وقد يكون في أول المتن أو في آخره أو في أثنائه، ومنها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة: «إن بلالًا يُؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى لا يُنادي حتى يُقال له: أصبحت أصبحت». هذا رواه البخاري وهو مُدرج في آخر الحديث وليس من كلام النبي ﷺ ، وقد أُلف في ذلك مصنفات. فالمقصود ما أُدخل في المتن وليس من كلام النبي ﷺ يسمى مدرجًا من جهة المتن، أو يُسمى إدراجًا في المتن، وقد يكون في أول المتن أو في وسطه أو آخر. تنبيهات: التنبيه الأول: الأصل عدم الإدراج ولا يقال به إلا إذا دل على ذلك دليل كما يقرر ذلك العلماء في الفقه وكتب شروح الأحاديث مثل الصنعاني في السبل، ومن الأحاديث التي لا يسلم بالإدراج فيها كحديث "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل" والصواب أنه ليس مدرجا كما هو صنيع مسلم ولم يذكره الخطيب في كتابه في الإدراج ولا دليل صحيح يدل على أنه مدرج خلافًا للمنذري ومن تبعه. التنبيه الثاني: ليس المدرج حجة كالحديث لأنه ليس من كلام النبي ﷺ ، وقد يكون من قول الصحابي فيكون حجة بشروط وقد بكون من قول من تحته. التنبيه الثالث: يعرف الإدراج بأمور منها: ١/ بورود رواية مفصلة للقدر المدرج مما أدرج فيه.

стр. 55

٢/بالتنصيص على ذلك من الراوي. ٣/ بتنصيص بعض الأئمة المطلعين. ٤/ باستحالة كون النبي ﵌ يقول ذلك. أفاده ابن حجر في النزهة • القسم الثالث: بتقديم أو تأخير فالمقلوب، والتقديم والتأخير قد يكون في الاسم، فيقلب اسم الراوي، وقد يكون في المتن كما جاءت في رواية: «حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه» فهذا إقلاب في المتن. لأن صوابه «حتى لا تعلم يمينه ما تُنفق شماله» • القسم الرابع: المزيد في متصل الأسانيد، فإذا تأملت المزيد في متصل الأسانيد تجد أن الحافظ ابن حجر في (النكت) أورده على أنه مردود، إذن هي زيادة مردودة عند الحافظ لا زيادة مقبولة، وصورة المزيد في المتصل الأسانيد: هو أن يُروى حديث بإسناد، ثم يأتي بإسناد آخر فيه زيادة راوٍ، وهذه الزيادة في الإسناد الآخر مردودة، فتسمى المزيد في متصل الأسانيد. وذكر الحافظ في الشرح: حتى يتضح أن هذه الزيادة مردودة لابد من أمرين: o الأمر الأول: الإسناد الأول الذي ليس فيه الزيادة يصرح التلميذ بالسماع من شيخه. o الأمر الثاني: أن يكون الذي لم يزدها أوثق ممن زادها حتى تُرد رواية من زاد. إذن الحافظ أورد المزيد في متصل الأسانيد على وجه الرد، وقد سبقه إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، أما صنيع الخطيب البغدادي -وهو أول من ذكر المزيد في متصل الأسانيد وأفرد فيه مصنفًا- أنه جعل منها ما هو مردود ومنها ما هو مقبول، كما ذكره ابن رجب في شرح (العلل) لأن مؤلف الخطيب البغدادي لم يصل إلينا، لكن ذكر هذا عنه ابن رجب في شرح (العلل) ووافقه. فلذا على الصحيح المزيد في متصل الأسانيد قسمان، قسم مردود وقسم مقبول، ما دلت القرائن على رده فيُرد، وما دلت القرائن على قبوله فيُقبل، ولا يُجعل من قسم المردود كما فعل ابن الصلاح ثم ابن حجر، والمحدثون الأوائل لا يُعبرون بقولهم:

стр. 56

المزيد في متصل الأسانيد، وإنما يُعبرون بقولهم: ذكرُ فلان خطأ. أو يقولون: ذكره صحيح والخطأ في عدم ذكره. بما يدل على هذا من المرادفات. إذن عند المحدثين الأولين قد تُقبل وقد تُرد، وقد يصح الوجهان، وتصح ذكر الواسطة وقد لا تصح؛ وذلك إذا كان الراوي واسع الرواية كالزهري وأبي إسحاق السبيعي وأمثالهم، فيُحتمل منه أن يرويه بأكثر من طريق، بزيادة ودون زيادة. إذن المزيد في متصل الأسانيد على أقسام ثلاثة، تارة تُرد الزيادة، وتارة تُقبل، وتارة يقبل الوجهان الزيادة وعدم الزيادة. قوله: (أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ) هذا هو القسم الخامس، أحيانًا يحصل اضطراب في الرواة، فيروي هذا على وجه، وهذا على وجه ولا مُرجح، فيُقال: هذا مضطرب، ولا نستطيع أن نُرجح؛ لأنه مضطرب، والاضطراب يكون في المتن والإسناد، كما بيَّنه ابن الصلاح وذكره ابن حجر في شرحه. وبحث الاضطراب فيه مسائل، لكن أهم ما ينبغي معرفته أن الحافظ يُقرر أنه يكون في المتن والسند كما بيَّنه في الشرح، وأنه يكون في حال عدم وجود مُرجح، أما إذا وُجد المُرجح فلا يسمى اضطرابًا. والصواب -والله أعلم- والذي عليه صنيع علماء أهل الحديث أن الاضطراب يُذكر سواء وُجد مرجح أو لم يوجد مرجح، فمتى ما وُجد الاختلاف فيُسمى اضطرابًا، وقد يوجد مرجح فيُعمل بأحد الأوجه، وقد لا يوجد مرجح فيُترك الجميع، هكذا صنيعهم ولا يخصونه بعدم وجود مرجح. وينكشف الاضطراب بجمع الطرق، فيُتعامل معه معاملة زيادة الثقة التي تقدم بحثها، فتارة تُقبل وتارة تُرد، ولابد أن يُدقق في الاضطراب في المتن هل ينبني عليه حكم شرعي أم لا، ولابد أن يكون المخرج واحدًا، وهو قريب من مبحث زيادة الثقة وفيه توافق معه. قوله: (وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا) قد يتعرض الراوي لامتحان غيره فيُبدل في الإسناد. قوله: (أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ) هذا هو النوع السادس، وجعل تحته أقسامًا، وهو المصحف والمحرف، والذي قرره الحافظ ابن حجر أن المصحَّف

стр. 57

والمُحرف هو أن يكون شكل الكلمة واحدًا، لكن الاختلاف يكون في الحركات أو في النقط، بهذا فرَّق الحافظ -رحمه الله تعالى- بينهما، فجعل المصحف والمحرف شكل الكلمة واحدًا، لكن ما بيّن أن يكون هناك اختلاف في النقط أو اختلاف في الحركات، فضبط التصحيف والتحريف على هذا. أما صنيع العلماء قبلُ فهم لا يُفرقون بين المصحف والمحرف، وأكثر ما يطلقون التصحيف، لذا قد يُطلقونه على تغيير الاسم تمامًا، وعلى تغيير حتى رسم الكلمة، كما وُجد في كلام الشافعي وغيره، فإذن أكثر ما يُطلق العلماء الأولون التصحيف، وقد يُطلقون التحريف لكن الغالب هو التصحيف. ثم لا يجعلون التصحيف خاصًا بالنقط، والمحرف خاصًا بالشكل كما يُقرره الحافظ في شرحه على (النخبة)، وإنما يجعلون المصحف عامًا للنقط وللشكل، بل ولرسم الكلمة، وقد بيَّن هذا أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في حاشيته على (ألفية السيوطي) وأن الأولين لا يُغايرون بينهما، والأمر في هذا سهل. قوله: (وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي) حصل خلاف بين العلماء في رواية الحديث بالمعنى، وتحرير محل النزاع: ما يُتعبد فيه بألفاظه كالأذكار ونحوها لا يصح روايتها بالمعنى، ذكره السيوطي والسخاوي، بل وذكر السيوطي أن ما كان من جوامع الكلم لا يصح أن يُروى بالمعنى، أما ما يُتعبَّد بلفظه كالأذكار فهذا واضح، كما في حديث البراء قال: «ولا رسولك الذي أرسلت» قال: «ولا نبيك الذي أرسلت» فبيَّن خطأه لأنه مُتعبد بلفظه. أما جوامع الكلم الذي ذكره السيوطي فمحتمل أن يكون كذلك، بحسب الرواية بالمعنى. • تنبيه: ينبغي أن يُعلم أن الراوي إذا روى حديثًا بالمعنى فأخطأ، لابد أن المحدثين وأئمة هذا الفن وحراس الشريعة يُبيِّنون خطأه، وقد حصل كثيرًا، فإن الله حافظٌ لدينه، وقد ذكر ابن رجب أمثلة على ذلك، وذكر غيره أن بعض الرواة أخطأ في أحاديث لأنه رواها بالمعنى فأخطأ في روايته بالمعنى. وبعد هذا: أصح قولي أهل العلم وهو قول جماهير أهل العلم: أنه يصح رواية الحديث بالمعنى، وهو قول الحسن وغيره، وأقوى دليل على ذلك -والله أعلم- أن الله ذكر لنا

стр. 58

القصة التي حصلت للأنبياء السابقين، وذكرها لنا بالمعنى مع أنها كانت بلغاتهم وبغير لغة العرب، وذكرها لنا باللغة العربية، فصحت الرواية بالمعنى. تنبيهات: • التنبيه الأول: قال المعلمي -رحمه الله تعالى-: وإنما يُخشى في الرواية بالمعنى في الأحاديث القولية لا الفعلية. ذكر هذا في طليعة (التنكيل)، وصدق -رحمه الله تعالى- لأن الحديث الفعلي يحكيه الراوي، ويُفسره الراوي، بخلاف الحديث القولي الذي هو مبني على السماع. • التنبيه الثاني: ذكر ابن حجر في (النزهة) وذكر غيره: أن أقوى ما استُدل به في جواز الرواية بالمعنى جواز ترجمة معاني القرآن. يُقال هذا الدليل فيه نظر؛ وذلك لأن ترجمة معاني القرآن ليست رواية للقرآن بالمعنى، وإنما ترجمة المعنى من لغة إلى لغة، وفرق بين ترجمة المعنى من لغة إلى لغة وبين رواية اللفظ بمعنى آخر، لذلك فيه نظر -والله أعلم- وإنما الدليل ما تقدم ذكره. قوله: (فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ) هذا أيضًا لا علاقة له بعلم المصطلح، لأن هذا يتعلق بالدراية، وبحثنا في الرواية. قوله: (ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ. وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ، وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ) ذكر -رحمه الله تعالى- أن من أسباب رد الحديث والطعن في الراوي أن يكون مجهولًا، وجعل الجهالة سببًا للطعن في الراوي، وهذا صحيح، لأن المجهول لا يُعلم حاله، وقبول الأحاديث مبني على الاحتياط، ولا يُقبل إلا خبر الثقة، فلذلك لا تُقبل رواية المجهول. وذكر أسباب الجهالة، وقال إن الراوي قد تكثر أوصافه فيُذكر بغير ما اشتُهر به، وصنفوا فيه -والله أعلم- المُوضِّح -بالتشديد- يعني: ما يُوضح من كثرت نعوته، وقد أفرد فيه الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- مصنفًا. والسبب الثاني للجهالة قوله: (وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ) أي من لم يرو عنه إلا واحد، وقوله: (أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا) هذا السبب الثالث للجهالة

стр. 59

قوله: (وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ) ينبغي أن يُعرف أن هناك فرقًا بين المُبهم والمُهمل، فالمهمل يُسمى الرجل ولا يُذكر ما يُميز هذا الرجل، فيُقال: حدثنا محمد. فلا يسمى أباه ولا أحدًا، فلا يُعرف محمد ويسمى مهملًا. أما المبهم فيقال: حدثني رجل. هكذا، لا يُدرى من هذا الرجل، أو يقول: حدثني الثقة. هذا مبهم، لأنه لم يسم هذا الرجل. إذن هناك فرق بين المبهم والمهمل، ثم استطرد -رحمه الله تعالى- في ذكر المبهم فقوله: (وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ) فذكر أن هذا المبهم لا يُقبل ولو قال عنه رجل: حدثي الثقة، لأنه لا يُدرى من هذا الرجل فقد يكون ثقة عنده ولا يكون ثقة عند غيره، فلا يُقبل منه هذا التوثيق المبهم، وهذا على الصحيح. قوله: (فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ) جعل الحافظ المجهولين قسمين: • القسم الأول: مجهول العين. • القسم الثاني: مجهول الحال. وقال في مجهول العين: من لم يرو عنه إلا واحد. أي ولم يُوثق هذا الرجل، فيسمى مجهول العين، أما إذا روى عنه اثنان فأكثر ولم يُوثق فيسمى مجهول الحال، فإذن اجتمع مجهول العين ومجهول الحال في أنهما لم يُوثقا، إلا أن مجهول العين روى عنه واحد ومجهول الحال روى عنه اثنان فأكثر، وهذا ما قرره الحافظ. إلا أن ابن عبد البر والخطيب البغدادي ذكروا أمرًا زائدًا على هذا فقالوا: إذا اشتهر الرجل بالزهد أو الكرم ... إلخ، ولو لم يرو عنه إلا واحد فيُقال مجهول الحال، فارتفع من مجهول العين إلى جهالة الحال. وفي كلام الخطيب ما يدل على أن أهل الحديث على ذلك. إذن من لم يرو عنه إلا واحد لكن اشتهر إما بالزهد أو بالكرم أو الشجاعة فيُقال عنه مجهول الحال، وهذا صحيح وهو أقرب إلى معنى مجهول الحال. ومجهول العين ومجهول الحال ضعيفان ولا يصحان، وأنبه إلى مسائل تتعلق بالمجهول، وقد يأتي ما ينبغي أن يُذكر فيه، لكن أذكره وأُحيل عليه فيما بعد:

стр. 60

- المسألة الأولى: المجهول مردود لما تقدم ذكره من أنه مجهول ولا يُعرف حاله، وأحاديث النبي ﷺ مبنية على الاحتياط فلابد من التثبت فيها، إلا أن من العلماء من يُطلق الجهالة ويريد بها أنه ليس مشهورًا بالرواية، كما أطلق الإمام أحمد على عبد الرحمن بن وعلة الجهالة، وهو من رواة مسلم وقد وُثق، وأراد بذلك أنه ليس مشهورًا بالرواية. وينبغي أن يُعلم أن للعلماء إطلاقات ويُعرف بالنظر في كتب التراجم، وبمقارنة كلامهم بكلام غيرهم، إلى غير ذلك، فإذن قد تطلق الجهالة ويُراد بها عدم الاشتهار. • المسألة الثانية: من العلماء من لا يُعتد بتوثيقه لأنه متساهل في التوثيق، كمجرد ذكر ابن حبان للرجل في كتابه الثقات، فإنه لا يدل على ثقته، بل ذكر مرة رجلًا وقال: لا أعرفه ولا أعرف أباه. ومع ذلك عده في الثقات، وذلك على أصله وهو أن الأصل في المسلمين عنده العدالة، ومثل هذا لا يُقبل، ومثل ذلك العجلي، فقد ذكر المعلمي في كتابه (التنكيل) وفي كتابه (الأنوار الكاشفة) أن العجلي متساهل لاسيما في التابعين، فإذا وقفت على راوٍ في التابعين لم يذكره في الثقات إلا ابن حبان ولم يُوثقه إلا العجلي في كتابه (الثقات) فلا يُقبل؛ لأنهما معروفان بالتساهل، ولاسيما العجلي في التابعين، ومن أمثلة ذلك -والله أعلم-: أن يقول العالم: فلان من ثقات أهل اليمامة، ومن ثقات كذا ... فمثل هذا أيضًا يُراد بالتوثيق العدالة، لأن التوثيق من حيث الإجمال أي العدالة العامة، ككتاب (مشاهير علماء الأمصار) لابن حبان فيستعمل هذا كثيرًا، وكغيره، فإذا قيل: من ثقات كذا. فالمراد به العدالة لا الثقة التي هي الضبط، ومثل هذا مما ينبغي أن يُضبط. • المسألة الثالثة: من العلماء من لا يروي إلا عن ثقة، فمثل هذا لا يُقبل حديثه مطلقًا، كالإمام أحمد والإمام مالك، وغيرهما، فإنهما لا يرويان إلا عن ثقة، قال أبو حاتم: ما لم يتبيَّن أنه ضعيف -أي أنه في الغالب ما لم يتبين أنه ضعيف- فالأصل أنهم لا يروون إلا عن ثقة، لكن إذا تبيَّن ضعفه فلا يُقبل التوثيق العام بمجرد أنهم لا يروون إلا عن ثقة. تنبيه: إذا وقفت على حديث في الأحكام ولم تجد لراويه ترجمة، لكن قد روى عنه أحمد أو مالك أو أمثالهما ممن لا يروي إلا عن ثقة، فلا يُصحح هذا الحديث في

стр. 61

الأحكام، فقد قال الذهبي: والجمهور على أن الراوي الذي يروي عنه جمع من الثقات ولم يأت بما يُستنكر فإنه يُقبل حديثه. قوله: ولم يأت بما يُستنكر. المراد به -والله أعلم-: لم ينفرد بحكم، فإنه إذا نفرد بحكم فقد أتى بما يُستنكر، لذا يقول الذهبي في (الموقظة): والصدوق -وهو دون الثقة- إذا تفرد بحكم أحيانًا يُقبل وأحيانًا يُرد. هذا وقد وُثق، فكيف بمن لم يُوثق عينًا؟ وهذا مبحث مهم ينبغي أن يُضبط، فإذا قالوا: فلان لا يروي إلا عن ثقة، فالمراد ما لم يتبيَّن ضعفه، أي في الغالب، ثم إذا انفرد هذا الثقة بحكم فلا يُعتد بهذا الحديث. • المسألة الرابعة: إذا روى جمع من الثقات عن راوٍ ولم يأت بما لا يُستنكر، ذكر الذهبي وابن القطان الفاسي أن الجمهور على قبوله، وهذا صحيح كما تقدم، لكن لابد أن يُفهم معنى قوله: لم يأت بما يُستنكر. أي لم ينفرد بحكم جديد، فإذا انفرد بحكم جديد فلا يُقبل من الصدوق فكيف بمن لم يُوثق وإنما بمجرد أنه قد روى عنه الثقات؟ • المسألة الخامسة: إذا قيل في راوٍ قد روى عنه أهل حي كذا، أو روى عنه تلاميذه، وتلاميذه لا يُعرفون إلا بأنهم ثقات فيُقبل حديثه على أصح أقوال أهل العلم، كما فعل البخاري -رحمه الله تعالى- في رواية حديث البارقي، فقد قبل برواة أهل حيه، وكذلك فعل ابن القيم وغيره في رواية أصحاب معاذ عن معاذ، قال: لأن أصحاب معاذ ثقات، قال: فإذا روى أصحابه عنه وأصحابه لا يُعرفون إلا أنهم ثقات، فهذا يُعدّ صحيحًا على أصح أقوال أهل العلم. إلى غير ذلك من المباحث التي تتعلق بالمجهول. قوله: (ثُمَّ الْبِدْعَةُ: إِمَّا بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ) إذا كان المبتدع كافرًا فلا تُقبل روايته إجماعًا كما حكاه النووي -رحمه الله تعالى-. إلا أنه ينبغي أن يُعلم أنه قد يقع الراوي في مكفر ولا يكفر عينًا، فلا تلازم بين وقوع الرجل في الكفر وأن يكون كافرًا، قال ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى): وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، لكن المقصود أن من ثبت كفره لم تُقبل روايته،

стр. 62

أما من لم يثبت كفره بأن كان مبتدعًا فقد فصَّل فيه الحافظ ولكنه قال قبل هذا: (أَوْ بِمُفَسِّقٍ) وتقدم أن التفسيق ليس مانعًا. وقوله: (فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ) أي بمكفر، فيقال: إن أُريد أنه كفر فبالإجماع كما حكاه النووي، وإن أُريد أنه لم يكفر، فإذا لم يكفر فإنه يكون مبتدعًا، فسيأتي أنه كالإجماع بين المحدثين على قبول رواية المبتدع. قوله: (وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ) أي الذي وقع في بدعة مفسقة (يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ... ) ينبغي أن يُعلم أن تقسيم البدع إلى مكفرة وغير مكفرة عليه الإجماع، حكاه الشيخ حافظ الحكمي في (معارج القبول) وقرر أن هناك بدعًا مكفرة وغير مكفرة كثير من أهل العلم. فإن قيل: كيف تُعرف البدعة المكفرة وغير المكفرة؟ يُقال: بالنظر إلى حكم الفعل في نفسه بعيدًا عن وصف الابتداع، كدعاء الأولياء، هذا كفر دون النظر إلى وصف الابتداع، أما الذكر الجماعي فهذا ليس كفرًا دون النظر إلى وصف الابتداع، فإذا نُظر إلى وصف الابتداع يكون بدعة -أي الدعاء الجماعي- ودعاء الأولياء إذا تعبد بذلك تكون بدعة مكفرة، لأن حكم الفعل دون وصف الابتداع كفر. والأظهر -والله أعلم- أن رواية المبتدع مقبولة وهو كالإجماع بين أهل العلم كما حكاه الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) وقال: هذا قول علي بن المديني ... وعدَّ جماعة كبيرة من أهل العلم، وهو صنيع صاحبي الصحيح الإمام البخاري ومسلم، فقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «ألا إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله ... ». فآل فلان أي: آل أبي طالب، وقيس بن أبي حازم وإن كان ثقة لكنه رُمي بالنصب، وهذا الحديث يُقوي بدعته، ومع ذلك قبل الحديث البخاري ومسلم. مثالٌ ثانٍ: أخرج الإمام مسلم حديث علي بن أبي طالب وفيه عدي بن ثابت، وهو أن عليًا قال: "عهد إليَّ النبي الأمي ألا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" فهذا الحديث في ظاهره يُقوي بدعة التشيع، وعدي بن ثابت كان إمام الشيعة وقاصهم، ومع ذلك روى

стр. 63

مسلم ما يُقوي بدعته في الظاهر، لأن قيس بن أبي حازم وعدي بن ثابت ثقتان معروفان بالصدق ولا يكذبان، ولو كذبا لكشفهما أهل الحديث. فلأنهم صدوقان قبل أهل العلم هذين الحديثين، بل رواه البخاري ومسلم، فروى البخاري ومسلم الحديث الأول، وروى مسلم الحديث الثاني، مع أنه يُقوي بدعتهما، وهذا هو الظاهر -والله أعلم- فإن المعول على الضبط والصدق. قوله: (ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ: إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ) تقدم أن هذه التفصيلات بهذه الدقة ليست صحيحة، لكن قوله: (إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ) تقدم أن معنى الشاذ هو مطلق التفرد، قد يكون من الثقة وقد يكون من الضعيف. وقوله: (أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ) الراوي المختلط، ينبغي أن يُنتبه لمبحث مهم وهو أن الاختلاط والتغير نوعان: • النوع الأول: الاختلاط غير الضار. • النوع الثاني: الاختلاط الضار. والاختلاط غير الضار هو أن يتغير حفظ الراوي تغيرًا لا يجعله يُغير في الأحاديث وأسانيدها، أو يكون تغير تغيرًا يُغير في الأحاديث وأسانيدها لكنه لم يُحدث حال اختلاطه الاختلاط الضار، فمنعه أبناؤه وطلابه ... إلى غير ذلك. أما الاختلاط الضار فهو الذي تغير تغيرًا ضارًا وحدَّث في حال تغيره. والضابط في التفريق بينهما: أن العلماء إذا قالوا: إن كان حدَّث قديمًا فطلابه القدماء ضبطوا، بخلاف طلابه الذين بعد ذلك فلم يضبطوا، أو غايروا بين السنين، فقالوا: من روى عنه قبل سنة كذا ضبط وبعد سنة كذا لم يضبط ... فإذا ذكروا ما يدل على تحديد زمن ضبطه وعدم ضبطه وعلى قبول روايته وعدم قبول روايته بالنظر إلى حاله وزمانه ونفسه؛ فهذا تغير ضار ويسمى اختلاطًا. هذا ملخص ما قرره المعلمي في كتابه (التنكيل) وهو بحث نفيس يُكتب بماء الذهب، فكثير من الحفاظ يحصل له تغير، وليس كل تغير يُرد به الحديث، فقد يكون تغيرًا لا يضر، لكن لم يكن حفظه مثل قبل، وقد يكون تغير تغيرًا يضر وهو الاختلاط، ثم الذي تغير تغيرًا يضر قد يكون لم يُحدث حال تغيره، فهذا لا يضر تغيره، لأنه لم يحدث حال تغيره، والذي يضر هو من تغير تغيرًا ضارًا فحدَّث.

стр. 64

وهذا المبحث الذي ذكره المعلمي نفيس للغاية؛ لأن به يُميز عمليًا بين الرواة الذين رُموا بالاختلاط والتغير، فليس كل من رُمي بالاختلاط يُرد، وليس كل من رُمي بالتغير يُرد، فلابد أن يُضبط بما تقدم ذكره. قوله: (وَمَتَى تُوبِعَ سَيْئُّ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا الْمَسْتُورُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُدلَّسُ: صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِالْمَجْمُوعِ) وقد تقدم البحث في هذا، فإن مثل هؤلاء إذا تُوبعوا دل على أنهم قد ضبطوا؛ لأن المستور مجهول الحال لا يوجد ما يدل على أن حديثه خطأ أو وهم فتُرك احتياطًا، لكن إذا تُوبع زال هذا الشك، ومثله المُرسِل، تُرك خشية أن يكون الواسطة ضعيفًا، لكن إذا تُوبع تبيَّن خلاف ذلكن وكذا المدلس مثله مثل المُرسِل.

стр. 65

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: ثُمَّ الْإِسْنَادُ: إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسِلَّمَ-، تَصْرِيحًا، أَوْ حُكْمًا: مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِعْلِهِ، أَوْ تَقْرِيرِهِ. أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ كَذَلِكَ وَهُوَ: مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ إِلَى التَّاَّبِعِيِّ: وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ كَذَلِكَ. فَالْأَوَّلُ: الْمَرْفُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَالثَّالِثُ: الْمَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ. وَالْمُسْنَدُ: مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ. فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَشُعْبَةَ. فَالْأَوَّلُ: الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: النِّسْبِيُّ. وَفِيهِ الْمُوَافَقَةُ: وَهِيَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ. وَفِيهِ الْبَدَلُ: وَهُوَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ. وَفِيهِ الْمُسَاوَاةُ: وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الْإِسْنَادِ مِنَ الرَّاوِي إِلَى آَخِرِهِ، مَعَ إِسْنَادِ أَحَدِ الْمُصنِّفِينَ. وَفِيهِ الْمُصَافَحَةُ: وَهِيَ الْاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ الْمُصنِّفِ، وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ. فَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ وَاللُّقِيِّ فَهُوَ الْأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآَخَرِ: فَالْمُدْبَجُ. وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَالْأَكَابِرُ عَنِ الْأَصَاغِرِ، وَمِنْهُ الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وَتَقدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ: السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ. وَإِنْ رَوَى عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَي الْاسْمِ، وَلَمْ يَتَمَيْزَا، فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيْنُ الْمُهْمَلُ.

стр. 66

وَإِنْ جَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ جَزْمًا: رُدَّ، أَوْ احْتَمَالًا: قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَفِيهِ: "مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ". وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَالَاتِ، فَهُوَ الْمُسَلْسَلُ. قوله: ( ... الْأَوَّلُ: الْمَرْفُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَالثَّالِثُ: الْمَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ) خلاصة ما تقدم: ما رُوي عن النبي ﷺ فهو مرفوع، وما رُوي عن الصحابي فهو موقوف، وما رُوي عن التابعي فهو المقطوع. ثم جعل المرفوع قسمين، إما مرفوعًا صريحًا أو مرفوعًا حكمًا، ثم هذا المرفوع صريحًا والمرفوع حكمًا قد يكون من قوله أو من فعله أو تقريره، والمرفوع صريحًا من قوله كأن يُقال: قال النبي ﷺ : «إنما الاعمال بالنيات» أو فعله: كان النبي ﷺ إذا سجد لم يفرش ذراعيه ... إلخ الأحاديث في ذكر فعله ﷺ . أو تقريره بأن يرى- ﷺ الشيء فيُقرهم على ذلك فهذا الصريح، والحكمي: هو ما يدل على ذلك لكن ليس صريحًا، كأن يقول الصحابي: من السنة كذا. أو أُحل لنا ميتتان ودمان. وهذا مرفوع حكمي من قوله ﷺ ، ومثل ذلك إذا قال الصحابي: من السنة فعل كذا، فهذا أيضًا مرفوع حكمًا. وتقريره أن يُفعل شيء في زمنه ولم يطلع عليه النبي ﷺ ، كقول جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل. هذا من تقريره الحكمي، فإذن المرفوع قد يكون حكميًا وقد يكون صريحًا، وقد يكون قوليًا وقد يكون فعليًا وقد يكون من تقريره. أما الموقوف فلا يُقسم إلى صريح وحكمي، وإنما الموقوف هو قول الصحابي أو فعل الصحابي أو تقرير الصحابي، ومثل ذلك المقطوع، ثم المقطوع يكون لمن دون التابعي، فهو قول وفعل وتقرير التابعي، وقد يكون لمن دونه كتابع التابعي، فيُقال فيما من دون التابعي كما يُقال عن التابعي. وينبغي أن يُعلم أن من العلماء الأولين من عبَّر بالمقطوع عن المنقطع، كما فعل ذلك البرديجي، ومنهم من عبَّر عن المنقطع وأراد به المقطوع، كما فعل ذلك الإمام الشافعي،

стр. 67

فهذا يُنظر لصنيع العلماء واصطلاحاتهم وأفعالهم، لذلك ينبغي لطالب العلم أن يكون واسع الاطلاع وكثير القراءة حتى يعرف اصطلاحات أهل العلم العارضة، إما بالنظر في كتب المصطلح أو في شراح الأحاديث، إلى غير ذلك مما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-. قوله: (وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ) الأخيران: أي الموقوف والمقطوع، ذكر النووي -رحمه الله تعالى- أن المحدثين لا يُفرقون بين الحديث والأثر، قال: أما الخرسانيون فإنهم يُفرقون بينهما فيجعلون قول النبي ﷺ حديثًا وقول من دونه أثرًا، وتقدم هذا في أول الشرح، والصواب أن الجميع يسمى أثرًا، واشتُهر إطلاق الحديث على ما رُفع إلى النبي ﷺ . قوله: (وَالْمُسْنَدُ: مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ) فتقول: هذا حديث مسند قوله: (بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ) أي قد يكون الحديث مُدلسًا أو مُرسلًا إرسالًا خفيًا، وبنحو من هذا عرفه أبو عبد الله الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث)، والأصح -والله أعلم- أن العلماء يذكرون في المسانيد حتى الأحاديث المرسلة إرسالًا ظاهرًا وجليًا، كما يتضح هذا بالنظر في مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، فالأمر في هذا سهل -إن شاء الله تعالى-. والمراد بالمسند: أي ما يُنسب إلى النبي ﷺ حتى ولو كان مرسلًا، والأمرفي هذا سهل والحمد لله. قوله: (فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَشُعْبَةَ. فَالْأَوَّلُ: الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: النِّسْبِيُّ) ينبغي أن يُعلم أن هناك ما يُسمى علوًا ونزولًا، إذا قلَّ الرواة بين المصنف والنبي ﷺ يُقال حديثٌ عالٍ، وإذا كثُر الرواة يُقال حديث نازل، ففي البخاري ثلاثيات، فهذا يُعتبر حديثًا عاليًا. والمحدثون يُحبون الإسناد العالي، حتى لما قيل لابن معين: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي إسنادًا عليًا وبيتًا خاليًا. ذكره ابن الصلاح في مقدمته، وفائدة الإسناد العالي أنه لما قلَّ عدد الرواة صار أسهل في الوصول إلى النتيجة في صحة الحديث أو ضعفه بخلاف إذا كان الإسناد نازلًا فإنه يحتاج إلى جهد أكبر، ويحتمل أن يكون هناك خطأ لم يُنتبه إليه ... إلخ.

стр. 68

ثم جعل العلو قسمين: علو مطلق وهو إلى النبي ﷺ الذي تقدم ذكره، أو علو نسبي، أي أن بين المصنف وشعبة مثلًا اثنان، والعادة أن يكون بينهما لمثله ثلاثة، فيُقال هذا: علو نسبي. قوله: (وَفِيهِ الْمُوَافَقَةُ: وَهِيَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ وَفِيهِ الْبَدَلُ: وَهُوَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ) ينبغي أن يُعلم أن القسمة كالتالي: الموافقة والبدل قسيمان، و المساواة والمصافحة قسيمان، والمراد بالموافقة: أن يروي أحد حديثًا ويصل إلى شيخ المصنف كشيخ البخاري مثلًا، من غير طريق البخاري، فهذا يسمى موافقة، أو أن يصل إلى شيخ شيخ البخاري فيُسمى البدل، فهذان قسيمان. قوله: (وَفِيهِ الْمُسَاوَاةُ: وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الْإِسْنَادِ مِنَ الرَّاوِي إِلَى آَخِرِهِ، مَعَ إِسْنَادِ أَحَدِ الْمُصنِّفِينَ وَفِيهِ الْمُصَافَحَةُ: وَهِيَ الْاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ الْمُصنِّفِ، وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ) لو روى راوٍ حديثًا وكان بينه وبين النبي ﷺ كما بين البخاري والنبي ﷺ فإنه يُسمى المساواة، أو أن يكون بينه وبين النبي ﷺ كما بين تلميذ البخاري إلى النبي ﷺ فيُقال المصافحة، وهذه فروع عن الحديث العالي والحديث النازل. قوله: (وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ) لأن النزول قسيم العلو ويُقابله. قوله: (فَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ وَاللُّقِيِّ فَهُوَ الْأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآَخَرِ: فَالْمُدْبَجُ) إذن لابد في الأقران من هذين الأمرين، من السن واللقي، فإذا تساويا في السن واللقي فهما أقران، وإذا روى القرينان عن بعضهم فيُقال المدبج. قوله: (وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَ الْأَكَابِرُ عَنِ الْأَصَاغِرِ ، وَمِنْهُ الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) الأصل أن يروي الابن عن أبيه، فإن عُكس وروى الأب عن ابنه، قال: فالأكابر عن الأصاغر ... ، وقوله: (وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ) أي رواية الأبناء عن الآباء، ومنه من روى عن أبيه عن جده. وهذه سلسلة مشهورة في رواة كثيرين، ومن أشهرها رواية: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أصح من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأصل في رواية بهز بن حكيم عن

стр. 69

أبيه عن جده أنها مقبولة، أما الأصل فيما انفرد بروايته عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه لا يُقبل، وإنما يصلح في الشواهد والمتابعات، لكن لا يصح استقلالًا في إثبات حكم شرعي. لذا يحتج أهل الحديث به، وعبارة "يحتج" تُطلق أحيانًا بمعنى: يقبلونه في الشواهد والمتابعات، أي يحتجون به مع غيره لا لذاته، لذلك قال أبو عبيد في كتابه (الأموال) في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في زكاة الحلي: لا زال أهل العلم يتكلمون فيه قديمًا وحديثًا. لذا إذا انفرد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بحديث فإنه لا يقوى على أن يستقل بحكم شرعي، ومثله محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي، فقد ذكر الإمام أحمد والذهبي أنه لا يُقبل ما تفرد به، لأن عنده أخطاءً، ومن ذلك حديث سهل بن حنيف الذي رواه أبو داود وغيره أنه يُنضح من المذي، أي أن نجاسة المذي مخففة، لذلك يُكتفى فيها بالنضح ولا يُشترط الغسل، هذا انفرد به محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي، فلا يُقبل، وقد تقدم أن المحدثين يُعلّون بالتفرد، ومن أحاديث محمد بن إسحاق التي تفرد بها: حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد وغيره: «لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟» قلنا: نعم، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» هذا فيه أكثر من علة، منها انفراد محمد بن إسحاق، ومنها أنه خالف الزهري، إلى غير ذلك من العلل. قوله: (وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وَتَقدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ: السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ) إذا روى اثنان، ولو اختلفا في أعمارهما وفي السن عن شيخ واحد فمات أحدهما قبل الآخر فيقال: السابق واللاحق. قوله: (وَإِنْ رَوَى عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَي الْاسْمِ، وَلَمْ يَتَمَيْزَا، فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيْنُ الْمُهْمَلُ) تقدم أن المهمل الذي يُذكر الاسم وحده، يُقال: محمد. أو سفيان. أو حمَّاد. يحتمل أنه حماد بن زيد أو حماد بن سلمة، ويحتمل في سفيان أنه ابن عيينة أو الثوري، فكيف يُميز بينهما؟ يُنظر فيمن روى عنه، هل هو تلميذ يُكثر عن أحدهما أم لا؟ ولنفرض أنه يُكثر عن ابن عيينة فيُقال: هذا المهمل ابن عيينة. قوله: (وَإِنْ جَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ جَزْمًا: رُدَّ، أَوْ احْتَمَالًا: قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَفِيهِ: "مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ") جحد الشيخ للحديث الذي رواه التلميذ له أحوال ثلاثة:

стр. 70

- الحال الأولى: أن يُكذبه، فإذا كذَّبه فإنه يُرد حديثه ولا يُقبل بالإجماع، حكاه النووي -رحمه الله تعالى-. • الحال الثانية: أن يجزم بخطئه فالجمهور على قبوله كما حكاه ابن حجر، ويدل عليه صنيع البخاري ومسلم. • الحال الثالثة: ألا يجزم بخطئه وإنما يتوقف، فهذا يُقبل من باب أولى، وحكى عليه ابن حجر الإجماع ونقله السخاوي. قوله: (وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَالَاتِ، فَهُوَ الْمُسَلْسَلُ) المسلسل أن يروي التلميذ عن شيخه بأي شيء يتسلسل، أحيانًا بالصيغة، كلهم يقولون: سمعت. وأحيانًا بفعل، كأن يمد يده أو يبتسم، وأحيانًا يقول: إني أحبك في الله. فما كان قرينًا للرواية ويرويه الشيخ لتلميذه، والتلميذ لتلميذه ... إلخ، يسمى المسلسل، وقد يكون من أول الإسناد إلى آخره وقد يكون في بعض الإسناد، وأكثر المسلسلات ضعيفة ولا تصح كما قاله الذهبي، وليس للمسلسل فائدة إلا أنه يدل على السماع، فلو قدر أنه مدلس فيُقبل حديثه لأنه يدل على السماع، كما ذكر هذا ابن الصلاح وغيره.

стр. 71

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وَصِيَغُ الْأَدَاءِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثُمَّ أَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ، ثُمَّ عَنْ، وَنَحْوَهَا. فَالْأَوَّلْانِ: لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، فَإِنْ جَمَعَ فَمَعَ غَيْرِهِ، وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الْإِمْلَاءِ. وَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ: لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ جَمَعَ: فَكَالْخَامِسِ. وَالْإِنْبَاءُ: بِمَعْنَى الْإِخْبَارُ. إِلّا فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِرِينَ فَهُوَ لِلْإِجَازَةِ كَعَنْ، وَعَنْعَنَةُ الْمُعَاصِرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِنْ المُدَلِّسٍ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا -وَلَوْ مَرَّةً-، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَأَطْلَقُوا الْمُشَافَهَةَ فِي الْإِجَازَةِ الْمُتَلَّفَظُ بِهَا، وَالمُكَاتَبَةُ فِي الْإِجَازَةِ الْمَكْتُوبِ بِهَا، وَاشْتَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ اقْتِرَانُهَا بِالْإِذْنِ بِالرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ. وَكَذَا اشْتَرَطُوا الْإِذْنَ فِي الوِجَادَةِ، وَالْوَصِيِّةِ بِالْكِتَابِ وَفِي الْإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ، وَلِلْمَجْهُولِ، وَلِلْمَعْدُومِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ الرُّوَاةُ إَنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ، وَأَسْمَاءُ آَبَائِهِمْ فَصَاعِدًا، وَاخْتُلِفَتْ أَشْخَاصُهُمْ: فَهُوَ الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ، وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ. وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الْآَبَاءُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ، وَكَذَا إِنْ وَقَعَ الْاتِّفَاقُ فِي الْاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ، والْاِخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ، وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْوَاعُ: مِنْهَا أَنْ يَحْصُلَ الْاِتِّفَاقُ أَوْ الْاِشْتِبَاهُ إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْن. أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. قوله: (وَصِيَغُ الْأَدَاءِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثُمَّ أَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ، ثُمَّ عَنْ، وَنَحْوَهَا. فَالْأَوَّلْانِ: لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، فَإِنْ جَمَعَ فَمَعَ غَيْرِهِ، وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الْإِمْلَاءِ) الأولان يريد: سمعت وحدثني. وقوله: (فَإِنْ جَمَعَ) أي سمعنا وحدثنا. قوله: (وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الْإِمْلَاءِ) هو قول: سمعت.

стр. 72

قوله: (وَالْإِنْبَاءُ: بِمَعْنَى الْإِخْبَارُ. إِلّا فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِرِينَ فَهُوَ لِلْإِجَازَةِ كَعَنْ) هذا الأصل فيه أنه لا فرق بين قول: سمعت، وحدثني، أو سمعنا، وحدثنا، أو أخبرني أو أخبرنا، الأصل أنه لا فرق بينهما، وصرح بهذا يحيى بن سعيد فيما رواه الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية)، فلا فرق بين سمعت وسمعنا وحدثني وحدثنا وأخبرني وأخبرنا، وذكر نحوه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، إلا إذا تبيَّن أن للعالم اصطلاحًا خاصًا، وإلا الأصل أنه لا فرق بين هذه الصيغ. قوله: (وَعَنْعَنَةُ الْمُعَاصِرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِنْ المُدَلِّسٍ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا -وَلَوْ مَرَّةً-، وَهُوَ الْمُخْتَارُ) تنازع العلماء في عنعنة المعاصر الذي لم يثبت لقاؤه ولا سماعه من شيخه، فتعاصر رجلان وأمكن أن يسمع التلميذ من شيخه أو أمكن أن يسمع أحدهما من الآخر ولم يأت في طريق أنه سمع أحدهم من الآخر، وإنما روى بصيغة تحتمل السماع، فهذه تسمى عنعنة المعاصر. وذهب الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في مقدمته إلى أن عنعنة المعاصر صحيحة ومقبولة، وذهب الإمام البخاري إلى أن عنعنة المعاصر لا تُقبل حتى يثبت اللقي، ومذهب البخاري أصح، بل حكاه ابن رجب إجماعًا عن المحدثين قبل الإمام مسلم، كما حكاه في شرح الأربعين، وحكاه في شرح (العلل)، فالمحدثون مجمعون على شرط البخاري، وأنها لا تُقبل عنعنة المعاصر حتى يثبت لقاؤه به ولو مرة، إما أن يُصرح بالسماع أو بنحو ذلك. ويؤكد هذا أن الراوي إن سلم من التدليس قد لا يسلم من الإرسال الخفي، فلا يمكن ضبط هذا إلا بأن يثبت اللقي، فإذا ثبت اللقي ولو مرة ولم يُوصف بالتدليس فالأصل أن تقبل روايته؛ لأنه قد تقدم أن التدليس يُطلق على التدليس المعروف وعلى الإرسال الخفي، لكن قد لا يُطلق على الإرسال الخفي، ولا يُقال عنه مدلس ولو كان عنده إرسال خفي بالمعنى الذي ذكره الحافظ ابن حجر كما تقدم بيانه، وقد يُطلق التدليس على من عنده إرسال خفي. فالمقصود أن شرط البخاري أصح، وعلى هذا المحدثون الأوائل الذين هم قبل الإمام مسلم، وقد قال أبو حاتم: واتفاق أهل الحديث حجة. ويُقوي هذا أن فيه سد الباب على أصحاب الإرسال الخفي، كما بيَّن هذا ابن حجر في النكت على ابن الصلاح. وأنبه إلى مسائل:

стр. 73

- المسألة الأولى: أن المدلس إذا صرَّح بالسماع فيُقبل حديثه إجماعًا، حكى الإجماع ابن عبد البر، ويدل عليه كلام العلماء الأوائل. • المسألة الثانية: أن الراوي قد يقول في الحديث: حدثنا فلان. أو حدثني فلان. أو أخبرني فلان ... إلخ، ويكون خطأ منه، كما بيَّن هذا الإمام أحمد وغيره في جمع من الرواة، وقد نقل شيئًا من ذلك ابن رجب في شرح (العلل)، لذلك إذا قال المحدثون: قوله حدثنا أو سمعت خطأ، فالقول قولهم. • المسألة الثالثة: قد لا يثبت سماع الراوي من الراوي، لكن يُقبل حديثه لقرينة، فقد تقدم أن ما ثبت انقطاعه يُقبل، فكيف ما ليس كذلك فيما لم يُثبت لقيه؟ لذا لا يلزم من قبول الإمام مسلم لهذا الشرط أن يكون بنى صحيحه على ذلك، لأنه سيحتاط في الصحيح، فلا يُخرج إلا ما لم يكن كذلك أو ما كان كذلك لكن دلت القرائن على قبوله. لذا ابن رجب لما رجّح هذا القول –وهو شرط البخاري- قال: وقد يُقبل الحديث الذي لم يثبت اللقي فيه، أي بالقرائن كما تقدم بيانه. قوله: (وَأَطْلَقُوا الْمُشَافَهَةَ فِي الْإِجَازَةِ الْمُتَلَّفَظُ بِهَا، وَالمُكَاتَبَةُ فِي الْإِجَازَةِ الْمَكْتُوبِ بِهَا) المشافهة: أي شافهني فلان. والتلفظ: أي قول أجزتك، أو أجزت من حضر. والمكاتبة: كتب إجازة إلى فلان، فيُقال له كاتبني. قوله: (وَاشْتَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ اقْتِرَانُهَا بِالْإِذْنِ بِالرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ) لو أن شيخًا ناول تلميذه كتبه، لكن لم يأذن له بالرواية، قالوا: لا يُعتد برواية التلميذ من كتب شيخه التي ناوله إياها إذا لم يأذن له، وهذا مذهب الجمهور، وفي المسألة قول ثان: أنه يُعتد به، وهذا هو الأصل، ما لم يتبيَّن بقرينة أن في الكتب شيئًا، وإلا الأصل أنه يعتد بها -والله أعلم-. وذلك مثل الوجادة، فقد أخرج مسلم من حديث مخرمة بن بكير عن أبيه، ومخرمة بن بكير وجد كتب أبيه فروى عنها بلا إذن من أبيه، وذلك أنه وجدها بعد وفاة أبيه، فقبلها الإمام مسلم، وروى من ذلك أحاديث عدة في صحيح مسلم، منها: ما أخرج مسلم من حديث عائشة: «ما من يوم يُعتق الله فيه عباده أكثر من يوم عرفة، وإنه ليدنو من العباد ... » هذا من رواية مخرمة بن بكير عن أبيه، وقد جعله مسلم في الأصول ولم

стр. 74

يجعله في المشاهدات والتوابع، وإنما جعله في الأصول واعتمده لتصحيحه رواية الوجادة، إلى غير ذلك من الأحاديث. فلذا الاصح -والله أعلم- القول الثاني، أنه إذا ناول تلميذه، أو وجد كتب شيخه ... إلخ، فالأصل أنه يصح أن يروي عنها ما لم يتبيَّن أن في الكتب شيئًا. قوله: (وَكَذَا اشْتَرَطُوا الْإِذْنَ فِي الوِجَادَةِ، وَالْوَصِيِّةِ بِالْكِتَابِ وَفِي الْإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ، وَلِلْمَجْهُولِ، وَلِلْمَعْدُومِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) واشتراط الإذن في الوجادة قول الجمهور وإلا في المسألة قول ثانٍ أن الإذن ليس شرطًا وهو الصحيح كما تقدم، ومن أمثلة الرواة: مخرمة بن بكير عن أبيه، وقوله: (وَالْوَصِيِّةِ بِالْكِتَابِ) أن يوصي عند موته بكتبه لولده أو تلميذه فلان، لكن لا يأذن له بالرواية، أو يوصي عند سفره بكتبه لتلميذه فلان، لكن لا يأذن له بالرواية، على الصحيح أنه تصح له الرواية ولو دون إذن، وقوله: (وَفِي الْإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ) أي أن يُعلم أن عنده كتبًا فيقول لأحد طلابه: عندي كتب. ويُعلمه بكتبه، لكن لم يأذن له بالرواية، فوجد تلميذه هذه الكتب، فإن له أن يروي عن هذه الكتب، وأوضح من هذا أن يُعلم الشيخ تلميذه أنه يروي عن الشيخ فلان وأنه قد سمع من فلان، فيعتد بإعلامه له، وكذا فيما تقدم ذكره من أعلمه بأن له كتبًا عن فلان ولم يأذن له في الرواية عنه، فكذلك يُعتد به. وقوله: (وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ) أي دون الإذن، وهذا مذهب الجمهور والصواب خلافه كما تقدم، وقوله: (وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ) أي كمثل الذي لا يُعتد به (كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ وَلِلْمَجْهُولِ، وَلِلْمَعْدُومِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) ففي الإجازة العامة يقول: أجزت أهل المدينة أو أجزت المسلمين عمومًا، وهذه لا يُعتد بها، وله أيضًا أن يُجيز مجهولًا فيقول: أجزت رجلًا، وهذا الرجل مجهول لا يُعرف، أو يقول: أجزت محمدًا. فهذا مهمل وهو من أنواع المجهول، أما المعدوم فكقول: أجزت أولاد فلان إذا وُلدوا. وليسوا موجودين، وقوله: (عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) أما الإجازة فأمرها كما ذكر الحافظ، أما ما تقدم في الوصية والمناولة والوجادة ... إلخ، فالصواب أنه لا يُشترط إذن الشيخ -والله أعلم-. ثم أنبه إلى المبالغة في الإجازات، وقد كان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني يذم هذه الإجازات التي انتشرت في هذه العصور المتأخرة، وكذلك العلامة الحافظ الكبير الشيخ عبد الله الدويش -رحمه الله تعالى- كان يذم هذه الإجازات، ويقول: لا فائدة منها. وصدق -رحمه الله تعالى- فإن كثيرًا من الطلاب يحرص على هذه الإجازات وقد يُسافر شرقًا

стр. 75

وغربًا ويُضيع وقته حتى تحصل له الإجازة من فلان أو فلان، ومثل هذه لا فائدة منها البتة، بل أحيانًا تلقى شيخًا فيقول: أجزتك بجميع مروياتي. وأنت لعلك لا تكاد تقرأ سطرًا فيُصاب التلميذ بالغرور وقد يبالغ في هذه الإجازة، وقد يتعب، وهذه الإجازات قد تضر الطالب من جهة أن يُصاب بالغرور، وقد تضره من جهة أن يبذل الجهد الكبير لتحصيلها فيضيع وقته، وقد لا تضره لكنها مما لا ينفع، وبعضهم يقول: إن هذا من حفظ الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة ... ، لكن ينبغي أن يُعلم أن الإسناد مراد لغيره لا لذاته، فهو مراد لحفظ الحديث النبوي فليس مرادًا لذاته، فينبغي ألا يُبالغ في هذه الإجازات ولا تُهدر الأوقات ولا تُضيَّع في إدراكها. قوله: (ثُمَّ الرُّوَاةُ إَنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ، وَأَسْمَاءُ آَبَائِهِمْ فَصَاعِدًا، وَاخْتُلِفَتْ أَشْخَاصُهُمْ: فَهُوَ الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ ، وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ) والمتفق والمفترق أشمل مما ذكر الحافظ، فالمراد بالمتفق والمفترق: تشابه حصل في رواة حتى يُظن أنهما واحد وهما شخصان، قد يتفقان في الكُنى، وقد يتفقان في النسب، وقد يتفقان في الاسم واسم الأب والنسب، وقد يتفقان في الاسم واسم الأب، والجامع لذلك أن يُظن أنهما راوٍ واحد، والواقع أنهما راويان أو أكثر. قوله: (وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ) ومثل ذلك محمد بن عقيل، كما بيَّن هذا الحافظ -رحمه الله تعالى- في شرحه (نزهة النظر) فقال: كمحمد بن عقيل -بفتح العين- ومحمد بن عقيل -بضمها-: الأول نيسابوري، والثاني فريابي، وهما مشهوران وطبقتهما متقاربة. قوله: (وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الْآَبَاءُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ) والمتشابه جمع بين المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف، أي فيها اتفاق في أشياء واختلاف في أشياء فيسمى المتشابه. قوله: (وَكَذَا إِنْ وَقَعَ الْاتِّفَاقُ فِي الْاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ، والْاِخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ، وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْوَاعُ: مِنْهَا أَنْ يَحْصُلَ الْاِتِّفَاقُ أَوْ الْاِشْتِبَاهُ إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْن. أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) قوله: (إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْن) مثل: محمد بن سيَّار، ومحمد بن سنان، وقوله: (أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ) مثل: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، وهكذا،
следующие страницы →