← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 271

الانتصار في حجية قول الصحابة الأخيار

عبد العزيز الريس

Полный текст (48 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فهذا تفريغ (١) لدرس «حجية قول الصحابي»، الذي ألقيتُه ليلة التاسع والعشرين من الشهر الخامس لعام ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -. وانطلاقًا من أهمية هذا الدليل الذي يحتاج إليه كثيرًا، قمت بمراجعة المادة المفرَّغة وتنقيحها وتوثيقها لتخرج في هذه الرسالة المكونة من مقدمة، وتمهيدٍ، وثلاثة فصول، وخاتمة وسميتها «الانتصار لحجية قول الصحابة الأخيار»، وهي على النحو التالي: - المقدمة: وهي التي بين يديك الآن. - التمهيد: تعريف الصحابي ومذهبه، أشياء أخرى. - الفصل الأول: وهو خمسة مباحث: - المبحث الأول: تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي. - المبحث الثاني: أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة. - المبحث الثالث: مقدمتان هامتان.

стр. 2

- المبحث الرابع: الأدلة على حجية قول الصحابي. - المبحث الخامس: أقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي. - الفصل الثاني: مذهب الصحابي وأقسامه، وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: ابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ. - المبحث الثاني: تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين. - المبحث الثالث: العمل عند اختلاف الصحابة. - الفصل الثالث: تنبيهات مهمة، وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الرد على من قال: قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم. - المبحث الثاني: تحقيق مناط مذهب الصحابي. - المبحث الثالث: الذين ضيَّعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي. - الخاتمة. والله أسأل أن يتقبل هذه الرسالة، وأن يجعلها نافعةً لخلقه، مقبولةً عنده سبحانه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. د. عبد العزيز بن ريس الريس المشرف على موقع الإسلام العتيق ١٨/ ٤/ ١٤٣٩ هـ

стр. 3

تمهيد ينبغي أن يعلم أن الصحابي: هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على ذلك، وإن تخلل ذلك رِدَّةٌ (١). والدليل على أنه يشترط في الصحابي أن يلقى النبي ﷺ مؤمنًا به دليلان: الدليل الأول: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» (٢). فالفرق بين أصحابه وإخوانه: أنه لقي أصحابه، ولم يلق إخوانه. فإذن كلاهما مؤمنٌ به، إلا أن أصحابه لقوه، دون إخوانه، وعليه فالصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به. الدليل الثاني: إجماع أهل السنة الذي حكاه الإمام أحمد في «أصول السنة» (٣)، بل حكى الإمام أحمد أن من لقي النبي ﷺ ولو ساعة، فهو صحابيٌّ، وما حكاه في «أصول السنة» الأصل أنه مجمعٌ عليه عند أهل السنة، وحكى مثل هذا الإمام علي

стр. 4

بن المديني ـ رحمه الله تعالى ـ في عقيدته التي رواها اللالكائي (١). إذا تبيَّن هذا، فستكون هذه الرسالة-بإذن الله- في بحث «حجية مذهب الصحابي»، وقد يعبَّر عنه بقولهم «حجية قول الصحابي»، والأمر سهل، إلا أن التعبير بـ «المذهب» أشمل؛ لأنه يدخل فيه القول والفعل والإقرار، ولعله اشتهر عند العلماء التعبير بقولهم: «قول الصحابي» من باب التغليب؛ لأن القول أكثر، والأمر في ذلك واسع. * * *

стр. 5

الفصل الأول وهو خمسة مباحث: * المبحث الأول تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي * المبحث الثاني أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة * المبحث الثالث مقدمتان هامتان * المبحث الرابع الأدلة على حجية قول الصحابي * المبحث الخامس أقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي

стр. 6

المبحث الأول تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي وتحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي في أمور أربعة: الأمر الأول: ألا يخالف الصحابي نصا، فإذا خالف الصحابي نصا، فإن قوله مردودٌ، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١)، وابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (٢)، والعلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (٣)، بل حكى الإمام الشافعي على ذلك الإجماع، حيث قال ـ رحمه الله تعالى ـ: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة النبي ﷺ ، فليس له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان» (٤). الأمر الثاني: ألا يخالف الصحابي صحابيا آخر، فإذا خالف الصحابي صحابيا آخر، فليس قول أحدهم أولى من الآخر، إلا ما سيأتي في مبحث الخلفاء الراشدين ـ إن شاء الله ـ. وعلى هذا إجماع أهل العلم، حكى الإجماع الآمدي (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٦)،، والعلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (٧) وأصله ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (٨).

стр. 7

الأمر الثالث: ألا يكون لقول الصحابي حكم الرفع، فقد يقول الصحابي قولا، أو يفعل فعلا، وله حكم الرفع، فما كان له حكم الرفع، فمثله حجةٌ؛ لأنه وَحْيٌ لا لأنه قول الصحابي، وقد بيَّن هذا الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه «إعلام الموقعين» (١). الأمر الرابع: ألا يكون قول الصحابي مهجورًا، بمعنى: أن يتابع الصحابيَ أهلُ العلم، فلو ذهب الصحابي إلى مذهب، وأجمع العلماء على عدم العمل بهذا القول، فإن هذا القول ليس حجة، ويجب أن يترك، بل لو أجمع العلماء على ترك حديث نبوي، فإنه لا يعمل بهذا الحديث؛ لأن هذا الإجماع إما يدل على ضعف هذا الحديث، أو على أن الحديث منسوخٌ، فقول الصحابي من باب أولى. ومن أمثلة ذلك: ما روى البزار بإسناد صحيح، أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ أكل البرد، وهو صائم، وقال: ليس طعاما ولا شرابا (٢). هذا الأثر وهو أن البرد لا يفسد صوم الصائم، قد أجمع العلماء على خلافه، حكى الإجماع ابن الصلاح في كتابه «شرح مشكل الوسيط» (٣)، والشاطبي في كتابه «الموافقات» (٤).

стр. 8

فإذا أجمع العلماء على عدم العمل بمذهب الصحابي سواء كان قولا أو فعلا أو تقريرا، فإنه لا يعمل به على ما تقدَّم تقريره. وبعد تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي يتضح: أن قول الصحابي حجة مطلقًا، فإذا تنازع العلماء في مسألة على قولين، وكان في أحد القولين قول الصحابة، فإن هذا القول يكون راجحًا؛ لأن الصحابي قد ذهب إلى هذا القول. * * *

стр. 9

المبحث الثاني أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة إذا تبين هذا، فإن مذهب الصحابي من حيث الجملة نوعان: النوع الأول: أن يكون قول الصحابي مشتهرا معروفًا، وذكر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه «إعلام الموقعين» (١) أنه إذا قال الصحابي قولا فاشتهر، فإن طائفةً ذهبت إلى أنه إجماعٌ، وأخرى قالت: إنه حجةٌ وليس إجماعًا، وذهبت شرذمة من الفقهاء المتكلمين والمتأخرين إلى أنه ليس إجماعا ولا حجة. ثم ردَّ هذا الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة ـ، وسيأتي ما ذكره من الأدلة على حجية قول الصحابي في النوع الثاني، وهو دليل على أن النوع الأول حجةٌ من باب أولى. النوع الثاني: ألا يشتهر قول الصحابي، أو لا يعلم هل اشتهر أم لا، فقرر الإمام ابن القيم أنه حجةٌ، قال: هذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في القديم والجديد (٢). وقال بعد ذكر النقولات عن الشافعي: فهذا كلام الشافعي ﵀ ورضي عنه- بنصه، ونحن نشهد باللَّه أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه (٣). لأن بعض أصحاب الشافعي خالفوا، وقالوا: ليس هذا قولا للشافعي في الجديد (٤).

стр. 10

لكن العلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (١) ـ وهو من الشافعية ـ قرَّر أنه قول الشافعي في القديم والجديد. وذكر البيهقي (٢) أن للشافعي كلاما يدل على قوله بحجية قول الصحابي في الجديد، فهو قوله في القديم والجديد، وذكر مثل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٣). فإذن، هذا قول أئمة المذاهب الأربعة، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه (٤)، ثم ذكر الإمام ابن القيم ﵀ ستة وأربعين دليلًا (٥) على حجية قول الصحابي، وأطال النفس في ذلك ﵀ رحمة واسعة ـ. وسأحاول في هذا الرسالة أن ألخص ما تيسَّر من الأمور المهمة التي أشار إليها ابن القيم ﵀؛ لأن أوسع وأحسن من بحث هذه المسألة هو الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «إعلام الموقعين». * * *

стр. 11

المبحث الثالث مقدمتان هامتان وقبل أن أبدأ بذكر الأدلة على حجية قول الصحابي أقدِّم بمقدمتين هامتين للغاية، وهما - في ظني - مفتاح هذه المسألة: المقدمة الأولى: ليس قول الصحابي حجة لذاته؛ فالصحابي في نفسه ليس معصومًا، بدليل أن الصحابة يختلفون على قولين، فإذن ليس قول الصحابي في نفسه حجة، وإنما هو حجة لما انضاف إليه، كما قاله الإمام ابن القيم ﵀ (١). وبهذا يجاب على إشكال يردده الظاهرية وبعض المتكلمين ومن تأثر بهم من أهل السنة، يقولون: كيف يقال: إن قول الصحابي حجة، وهو ليس معصوما، وقد يخطئ؟ وجواب هذا الإشكال أن يقال: هذا صحيح، وهو ليس حجة في ذاته، وإنما حجة لما انضاف إليه؛ وذلك أنه بعبارة تقريبية من وجه: صورةٌ من صور نقل الإجماع، فالصحابي إذا قال قولا، ولم يخالف، فإن هذا إجماعٌ، فهو حجةٌ لما انضاف إليه وهو الإجماع. المقدمة الثانية: قول الصحابي حجةٌ من باب الظن الغالب، وقد نصَّ على هذا ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (٢)؛ وذلك أن الإجماع الظني إجماع من باب الظن الغالب؛ لأن الإجماع نوعان: قطعي وظني، فما بني على نصٍّ ظاهر، كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهو إجماع قطعي، وما ليس كذلك فهو إجماع ظني، فالقول بحجية قول الصحابي هو من باب الظن الغالب. * * *

стр. 12

المبحث الرابع الأدلة على حجية قول الصحابي بعد هاتين المقدمتين السابقتين فالأدلة على حجية قول الصحابي ما يلي: الدليل الأول: كل دليل على حجية دليل الإجماع، فهو دليل على أن مذهب الصحابي حجة؛ وذلك أن الصحابي أو الصحابيين أو الثلاثة أو الأربعة ... إذا قالوا قولا، ولم يخالفوا، فإن هذا إجماعٌ، ولا يصح لأحد أن يقول: إن مثل هذا الإجماع لا يقبل، أو يقول ما شاع عند المتكلمين إن هذا إجماع سكوتي ثم يرده؛ وذلك أن مقتضى رد الإجماع السكوتي أنه لا إجماع؛ لأنه لا يوجد إجماع منطوق، بمعنى: أن كل عالم نطق بقول في هذه المسألة (١). بل لو أردت أن تثبت عن أهل بدر أنهم قالوا بوجوب الصلوات الخمس لما استطعت أن تثبت ذلك، فإذا لم تستطع ذلك في الصلوات الخمس، وفي مثل أهل بدر، فغيرها من المسائل من باب أولى، فالقول بأنه لا بد أن ينطق كل عالم، مقتضى هذا إسقاط دليل الإجماع، وقد ذكر هذا بمعناه ابن قدامة ﵀ في كتابه «روضة الناظر» (٢). إذن الدليل الأول: كل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على حجية قول الصحابي، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. إذا سئلت في مسألة يوجد فيها قولٌ للصحابة أو قولان أو ثلاثة أو أربعة: ما أعلى

стр. 13

قول في هذه المسألة؟ الجواب: هو قول الصحابي، إذن هو سبيل المؤمنين في هذه المسألة فيما تعلم، ومن خالفهم بعد فهو محجوجٌ بهم، إلى غير ذلك من الأدلة على حجية الإجماع (١). الدليل الثاني: أدلةٌ خاصةٌ بالصحابة، وسأذكر دليلين: دليل نصي أثري، ودليل من جهة المعنى. أما الأول النصي الأثري: قد أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ قال: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٢). شبَّه النبي ﷺ نفسه بالنجم، والنجم يهتدى به، وشبَّه الصحابة بذلك، فدَلَّ على أنهم حجةٌ، فمن اهتدى بهم سلك الصراط المستقيم، ومن سار على منهاجهم نجا، هذا دليلٌ واضحٌ على حجية قول الصحابي. ومثل ذلك ما جاء في بعض الصحابة، كما أخرج الخمسة إلا النسائي، من حديث العرباض بن سارية ﵁، أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٣). هذا صريحٌ في حجية قول بعض الصحابة، كالخلفاء الراشدين، ومن ذلك ما أخرج مسلم من حديث أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: «إنْ يطع الناس أَبَا بَكْرٍ،

стр. 14

وَعُمَرَ يَرْشُدُوا» (١)، وهذا في بعض الصحابة أيضًا. أما الدليل الثاني الذي يرجع إلى المعنى: فهو ما ذكره ابن القيم ﵀، قال: «إننا والصحابة نشترك في مدارك، وينفصلون عنا بمدارك، والمدارك التي ينفصلون عنها كالتالي، وذلك أن الصحابي إذا قال قولا، يحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ ، ويحتمل أنه سمعه ممن سمعه من النبي ﷺ ، ويحتمل أنه ينقل إجماعا في زمانهم، ويحتمل أنه فهمٌ ظهر له لم يظهر لنا، ويحتمل ـ هذا احتمال خامس ـ أنه أمْرٌ دلت عليه اللغة، وهم أئمة في باب اللغة، وعرفوه بالسياق واللغة وغير ذلك، وهذه الاحتمالات الخمسة تدل على أن قوله حجة. قالوا: هناك احتمالٌ سادسٌ: أن يكون اجتهد الصحابي فأخطأ، لكن هذه الأمور الستة ـ وهي المدارك التي انفصلوا بها عنا ـ تدل على أن قولهم حجة من باب الظن الغالب، والظن الغالب حجةٌ في الشريعة. هذه مدارك انفصلوا بها عنا (٢). وهناك مدارك اشتركنا نحن وإياهم فيها، لكن الفرق بينا وبينهم فيها كالفرق بين السماء والأرض، وذلك يُعرف بما ذكره ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ،: أن الواحد منا إذا أراد أن يدرس اللغة، أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي فهي سليقته التي نشأ عليها، والحديث أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي يقول: رأيت محمدًا ﷺ ، وقال محمدٌ ﷺ ، وعلم الأصول أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي لا يحتاج إلى ذلك، إلى أن قال بعد ذلك: ثم إذا انتهينا من هذا كله، وصلنا بأذهان قد كلَّت وتعبت، ومنا من يجدّ المسير، ومنا من لا يجدّ المسير، فهذا كله ليس عند الصحابي (٣).

стр. 15

إذن، هذا أمْرٌ اشتركنا نحن وإياهم فيه، إلا أن الفرق بيننا وبينهم عظيمٌ للغاية ﵃ أرضاهم ـ. وخلاصة ما تقدم في شيئين: الشيء الأول: أن كل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على حجية قول الصحابي، فهذا ليس خاصًّا بهم. والشيء الثاني: أن هناك أدلة خاصة بهم أو ببعضهم، ومنها ما سبق ذكره في المدارك المشتركة والمدارك المنفصلة. * * *

стр. 16

المبحث الخامس أقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي وأقوى ما يتمسك به القائلون بأن قول الصحابي ليس حجة أمران: الأمر الأول: أنه عند الخلاف يرجع إلى ما قال الله والرسول ﷺ ، قال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، إلى غير ذلك من الأدلة، قالوا: ولم يقل الله: فردوه إلى أبي بكر وعمر، ولا إلى الصحابة. وهذا إذا نظرت في أول الأمر وبادئه، ظننته قويا، بيد أنَّه من أضعف الأدلة؛ وذلك أن مقتضى القول بحجية قول الصحابي أنه ردٌّ إلى الله ورسوله ﷺ ، والذين قالوا إن قول الصحابي حجة ما قالوه إلا أن الأدلة دلت على ذلك، وقد تقدم ذكر بعضها، هذا أولا. ثانيا: يلزم على هذا ألا يكون الإجماع حجةً، فبهذا نوافق المعتزلة؛ لأن أول من أنكر الإجماع هو النظَّام المعتزلي، كما ذكره ابن قدامة (١)، وغيره من أهل العلم (٢). فإذن مقتضى الرجوع إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ هو القول بأن قول الصحابي حجة؛ لأن الشريعة دلت على هذا. الأمر الثاني: أن الصحابة ليسوا معصومين، وقد يخطؤون، فكيف نرجع في معرفة الحق والباطل والحلال والحرام إلى أناس قد يخطؤون؟

стр. 17

وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، وأؤكد ذلك بما يلي: وهو أنه تقدَّم أن الحجة ليست في ذات الصحابي، والصحابي في ذاته ليس معصومًا، بل يخطئ ويصيب؛ لذا إذا اختلفوا على قولين، فالحق في أحد هذين القولين، وإنما الاحتجاج بقولهم من باب الظن الغالب، ثم هو ليس لذاته، وإنما لما انضاف إليه، وهو أنه صورةٌ من صور حكاية الإجماع. فبهذا إذا قال الصحابي قولا، ولم يخالَف، فالمسألة إجماعٌ فتكون الحجية في عدم مخالفة غيره له لا في ذات الصحابي. إذن، خلاصة الجواب أن يقال: إن الحجية ليست بذات الصحابي، وإنما لما انضاف إليه؛ وذلك أن الاحتجاج به من باب الظن الغالب، وهو صورةٌ من صور الإجماع. * * *

стр. 18

الفصل الثاني مذهب الصحابي وأقسامه ينقسم مذهب الصحابي إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: ابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ. القسم الثاني: تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين. القسم الثالث: العمل عند اختلاف الصحابة.

стр. 19

المبحث الأول ابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ هذا هو القسم الأول من أقسام مذهب الصحابي، ومن الأمثلة عليه ما يلي: المثال الأول: الجلوس للتشهد في سجدتي السهو إذا كان السجود بعد السلام، فقد جاء بذلك أحاديث مرفوعة، لكن لا تصح، كما بين ذلك ابن تيمية (١) وغيره، وإنما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ فيما أخرجه ابن أبي شيبة (٢). وإلى هذا ذهب أبو حنيفة (٣) وأحمد (٤) ـ رحمهما الله تعالى ـ ولم يخالَف ابن مسعود، فيكون هذا القول حجة؛ لأن الصحابي قد ابتدأ حكما جديدًا، ولم يخالَف. المثال الثاني: الزكاة في عروض التجارة، لم يصح فيه حديث عن رسول الله ﷺ ، وإنما العمدة فيه على الآثار، وعلى الثبوت عن الصحابة، كابن عمر (٥) وغيره (٦) ﵃ وأرضاهم ـ.

стр. 20

وذهب إلى هذا جماهير أهل العلم؛ لأن الصحابي لم يخالَف في ذلك (١). المثال الثالث: رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، ما عدا تكبيرة الإحرام، تنازع فيها أهل العلم، وأصح الأقوال: أن اليدين ترفع في جميع تكبيرات الجنازة، والدليل على ذلك أنه ثبت عن ابن عمر ﵄ فيما رواه ابن أبي شيبة (٢) وابن المنذر (٣)، فيكون رفع اليدين مستحبًا؛ لأنه قول صحابي لم يخالَف. المثال الرابع: وجوب الوضوء من تغسيل الميت: جاء فيها أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح (٤) وإنما العمدة على ثبوته عن عبد الله بن عباس ﵄ عند عبد الرزاق (٥). وإليه ذهب الإمام أحمد (٦)، وقال ابن قدامة: وليس بين الصحابة خلاف في ذلك (٧)، فيكون حجةً.

стр. 21

المثال الخامس: عدم انتقاض الطهارة بخروج الدم غير الفاحش: ثبت هذا عند عبد الرزاق عن ابن عمر (١)، وعن غيره من الصحابة (٢)، وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة (٣) وأحمد (٤)، وقال ابن قدامة: ليس بين الصحابة خلاف في ذلك (٥). إذن العمدة على قول صحابي أو صحابيين أو ثلاثة في المسائل المتقدمة أو غيرها، ولم يخالفهم غيرهم من الصحابة؛ فكل قول ابتدأه الصحابي، ولم يخالَف، فإنه يكون حجةً. * * *

стр. 22

المبحث الثاني تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين هذا هو القسم الثاني وهو: أن يقول الصحابي قولا في تفسير نص، إما بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، وما كان كذلك، فإنه حجةٌ؛ لأن الأدلة دلَّت على حجية قول الصحابي ولم تفرِّق بين أن يكون ابتداء أو في تفسير نص. وبعبارة أخرى: إذا جاء نصٌّ عامٌّ، والنص العام حجةٌ، وجاء قول صحابي خاص، وقول الصحابي حجةٌ على ما تقدَّم، فالعمل بالحجتين أولى من إهمال أحدهما؛ فلذا يُخص العام، ويُقيد المطلق، ويُبين المجمل في مثل هذا بقول الصحابي. تنبيه: تنازع أهل العلم كثيرًا في أمثلة هذا القسم: هل هو من تفسير النص أو من مخالفة الصحابي للنص؟ فإذا كان من مخالفة الصحابي للنص فإنه يرد؛ لما تقدَّم في تحرير محل النزاع: أن قول الصحابي يرد إذا خالف النص بالإجماع، أما إذا كان تفسيرًا للنص، فإنه حجةٌ على ما تقدم تقريره. والضابط في هذا ما قرره الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه «إعلام الموقعين»، قال ﵀ ما مفاده: إذا خالف الصحابي النص، لا بد أن ينكر عليه صحابيٌّ آخر، فإذا لم ينكر عليه صحابيٌّ آخر، فليس هو من مخالفة النص، وإنما من تبيين النص (١). فلذا إذا شككت في قول صحابي هل هو مخالف للنص فيرد، أو مفسر له فيقبل؟ ينظر: هل خالفه صحابي آخر أم لا؟ فإذا لم يخالِفه صحابي آخر، فهو من تفسير النص وبيانه.

стр. 23

والدليل على هذا: أن الله سبحانه قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، قال ابن القيم: والقول الخطأ منكرٌ من وجه، فلو كان هذا القول مرجوحًا عند هذا الصحابي، فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر، فلما لم ينكر عليه صحابي آخر، دل على أن قوله ليس مرجوحًا، ولا يمكن أن ينقل الله لنا القول المرجوح، ويدع القول الراجح؛ وهو أمرنا باتباع سبيل المؤمنين (١). وهذا الضابط إذا تأمَّله الناظر استطاع أن يميِّز بين القول الذي يُرَدُّ؛ لأنه مخالفٌ للنص، والقول الذي يُقبل؛ لأنه تفسيرٌ للنص، وما أكثر الاضطراب والاختلاف في مثل هذا، لكن إذا ضُبط هذا الضابط الذي ذكره ابن القيم اتضح الأمر جليا، و كان الدارس والناظر سائرا على خط مستقيم بلا اضطراب ولا تناقض. وقبل ذكر الأمثلة، ليعلم أنه قد يُتنازع في بعض الأمثلة: هل هي من ابتداء الحكم: أي من القسم الأول، أو من القسم الثاني؟ وقد يحصل شيء من النزاع في الفهم، لكن من حيث الجملة، سواء كان من القسم الأول أو الثاني، فإنه على كلا الحالين حجة. المثال الأول: أخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂، قال النبي ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٢). فقد ثبت عند أبي داود عن ابن عباس، أنه خصه بصيام النذر (٣)، إذن هذا من باب تفسير النص؛ لأن ابن عباس لم يخالَف، فيُحمل هذا الحديث على صيام النذر.

стр. 24

وإلى هذا ذهب الليث بن سعد (١)، وأحمد في رواية (٢)، وهو اختيار ابن القيم (٣)، واختيار العلامة الألباني (٤) ـ رحم الله الجميع ـ. المثال الثاني: الأخذ من اللحية مقدار القُبضة: جاءت الشريعة بالإعفاء والإرخاء إلى غير ذلك، ثم ثبت عند البخاري عن ابن عمر أنه كان يأخذ مقدار القبضة (٥). وجاء عن جابر عند أبي داود، أنه قال: «كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة» (٦). وجاء أيضا عن أبي هريرة ﵁ (٧). وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال في تفسيره: أي يؤخذ من عارضيه (٨). والمقصود: أنَّ الذي جاء عن الصحابة هو مطلق الأخذ، لكن ابن عمر فسَّر ذلك بأنه مقدار القبضة، وما كان دون ذلك فلا، فإن الإعفاء الذي جاءت به الشريعة هو ما كان مقدار القبضة، فإذن ما زاد على القبضة فيؤخذ استحبابًا؛ لأن ابن عمر فعله ﵄. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد (٩) والشافعي (١٠)، وكان أحمد يأخذ من طولها

стр. 25

وعرضها (١). إلا أن العلماء اختلفوا: هل هذا في الحج والعمرة أو عام؟ وأظهر القولين: أنه عامٌّ كما هو قول أحمد؛ لأن ابن عمر كان إذا أفطر من رمضان، إن أراد الحج لم يأخذ (٢)، فمفهوم المخالفة: إن لم يرد الحج أخذ ـ تجمَّلًا للعيد ـ، إذن حدَّد ابن عمر الإعفاء بمقدار القبضة، وهذا قول صحابي، وقوله حجةٌ في تفسير النص، وهو قول الشافعي والإمام أحمد كما تقدَّم، ونصره كثيرا العلامة محمد ناصر الدين الألباني (٣) ـ رحم الله الجميع ـ. المثال الثالث: قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فالشريعة جاءت بالقضاء مطلقا، وجاءت بصيام النفل مطلقا، ولم تشترط في النفل ألا يبقى عليه فرض، وإنما جاءت باستحباب الصيام مطلقا، لكن ثبت عن أبي هريرة ﵁ عند عبد الرزاق، أنه قال: «ابدأ بما افترض الله عليك» (٤)، فدل هذا على أنه لا يصح لأحد أن يصوم نفلا وعليه فرضٌ. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية (٥)، والعمدة على أثر أبي هريرة ﵁. المثال الرابع: المسح على الجبيرة: ثبت المسح على الجبيرة عن ابن عمر ﵁، خرَّجه البيهقي وغيره (٦).

стр. 26

وذهب إلى هذا أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، والشافعي في قول له (٤)، والقول بالمسح على الجبيرة هو الصحيح؛ لأن ابن عمر لم يخالَف كما قاله ابن تيمية في شرح العمدة (٥)، وذكر البيهقي أنه لم يصح فيه حديث (٦). إذن، صار المسح على الجبيرة مشروعًا، والعمدة في ذلك فعل ابن عمر ﵁، وهذا يحتمل أن يكون من تفسير النص، ويحتمل أن يكون من ابتداء حكم، والأمر سهلٌ في ذلك كما تقدَّم. المثال الخامس: اشتراط مضي الحول في الزكاة، فإن الشريعة جاءت بالزكاة، ولولا ما جاء من الآثار في اشتراط مضي الحول لما قيل باشتراط مضي الحول. وهذا يحتمل أنه من تفسير النص، ويحتمل أنه من ابتداء حكم. قال البيهقي: لم يصح في ذلك حديث، وإنما العمدة على الآثار، وثبت هذا عن عثمان وابن عمر ﵄ (٧). وعليه المذاهب الأربعة (٨).

стр. 27

المثال السادس: ثبت عند ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس أنهم كانوا يَردُّون من دخل الحرم بلا إحرام (١)، فلا يدخل أحدٌ الحرم إلا محرما، حتى لو لم يُرِدِ الحج أو العمرة. قال ابن تيمية في شرح العمدة: هذا قول ابن عباس، وليس له مخالف (٢). فإن قيل: ماذا يقال في حديث ابن عباس فيما أخرج الشيخان عنه، لما ذكر المواقيت قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» (٣)، مفهوم المخالفة: أن مَن لم يُرد الحج أو العمرة فلا يُحرم؟ يقال: قوله: «ممن أراد الحج والعمرة» خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وأيضا لو قدِّر أن هذا المفهوم على ظاهره، فقول ابن عباس منطوقٌ، والحجة المنطوقة مقدَّمةٌ على الحجة المفهومة. وإلى هذا ذهب جمهور الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو قول عند الشافعية (٧): أنه لا يدخل الحرم أحدٌ إلا محرما، ولو كان ممن لا يريد الحج أو العمرة.

стр. 28

المثال السابع: أمر الله بزكاة ما خرج من الأرض، وهذا عامٌّ، لكن ثبت عند ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري أنه خصَّص ذلك في أربع: لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والزبيب والتمر (١). وجاء مرفوعًا، لكن لا يصح (٢)، وإنما الصواب أنه موقوفٌ على أبي موسى الأشعري ﵁، وهذا قول أحمد في رواية (٣)، فبقول أبي موسى الأشعري خُصِّص ذلك في هذه الأربع. والأمثلة على هذا كثيرةٌ، لكن أؤكد على أنه قد يُتنازَع في بعض الأمثلة: هل هي من تفسير النص أو ابتداء الحكم؟ وعلى كلا الحالين لا إشكال في ذلك على ما تقدم بيانه. * * *

стр. 29

المبحث الثالث العمل إذا اختلف الصحابة يكون الكلام في هذا المبحث عن القسم الثالث من مذهب الصحابي وهو: ماذا لو اختلف الصحابة ﵃ في مسألة ما؟ ويحسن التنبيه إلى أن الأصل أنه لا خلاف بين الصحابة؛ فلذا لابد أن يُحاول التوفيق بين أقوالهم، بحيث تكون أقوالهم قولا واحدًا، وقد فعل ذلك جمعٌ من أهل العلم، منهم ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ في «المغني» في مسألة تتعلق بسجود التلاوة (١)، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة» (٢) لما أورد مسألة وأطال الكلام فيها، بيَّن ﵀ أن الأصل أن أقوال الصحابة واحدةٌ، فوفَّق بين الأقوال، ورفع الخلاف في ذلك، وهذا حق، لأن الأصل في أقوال الصحابة أنها قولٌ واحدٌ، وأن الخلاف بينهم قليلٌ، وقُربهم من الوحي ومشاهدتهم رسول الله ﷺ يُقلِّل الخلاف بينهم. لكن بشرط إذا جُمع بين أقوال الصحابة فلا يُخرَج بقول مُحدَث جديد. فلو أن العلماء مختلفون في مسألة على أقوال ثلاثة، وحصل بين الصحابة خلاف، وجمع بين أقوالهم، فصارت النتيجة قولا رابعا محدثا فهذا خطأ. وهذا القسم ـ وهو ما اختلف فيه الصحابة ـ على حالين: الحال الأولى: أن يكون في المسألة دليلٌ: فإذا ظهر في المسألة دليل، فيجب العمل

стр. 30

بالدليل بالإجماع، فقد تقدَّم قول الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة النبي ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان (١). فلو أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا في كفة، وابن عباس في كفة، والدليل المنصوص مع ابن عباس، فالقول قول ابن عباس لوجوب العمل بالدليل. الحال الثانية: ألا يكون في المسألة دليل: وهذه الحال قسمان: القسم الأول: أن يكون في المسألة قول للخلفاء الراشدين، أو فيه قول أحدهم، لكن لم يخالَف، كأن يكون قول علي، لكن لم يخالفه أحدٌ من الخلفاء الراشدين، فإنه في مثل هذا يرجح قول الأربعة المجمعين، أو قول أحدهم الذي لم يخالف منهم؛ لما تقدَّم من حديث العرباض بن سارية: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٢)، وحديث أبي قتادة: «إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا» (٣)، وثبت عن ابن عباس فيما رواه ابن عبد البر (٤) وغيره، أنه كان يحتج بقول أبي بكر وعمر ﵃ وأرضاهم ـ. وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي (٥) وأحمد في رواية (٦)، وقرَّره بقوة الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «إعلام الوقعين» (٧).

стр. 31

ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: المثال الأول: تنازع العلماء في قراءة الجنب للقرآن على قولين: قال ابن عباس فيما علَّقه البخاري: لا بأس للجنب أن يقرأ القرآن (١). والقول الثاني: ثبت عن عمر وعلي، قال علي فيما رواه ابن أبي شيبة: لا يقرأ، ولا حرفا، يعني: الجنب (٢)، وثبت النهي للجنب عن قراءة القرآن عن عمر عند البيهقي في «الخلافيات» (٣)، فإذن يرجَّح القول بعدم جواز قراءة الجنب للقرآن؛ لأنه قولٌ عليه بعض الخلفاء الراشدين، وإلى هذا ذهب أئمة المذاهب الأربعة (٤). المثال الثاني: تنازع العلماء في المبيت بمنى للحاج، فذهب ابن عباس إلى أن المبيت بمنى ليس واجبا (٥)، وخالف عمر فيما روى مالك في «الموطأ» (٦)، وكان يرد الناس حتى يبيتوا في منى، فدل هذا على وجوب المبيت بمنى، وهذا هو الصواب، وإلى هذا القول ذهب مالك (٧)، والشافعي (٨)، وأحمد في رواية (٩). تنبيه: بيَّن ابن القيم أن الأربعة إذا اختلفوا فقول أبي بكر مقدَّمٌ على عمر، وقول أبي بكر وعمر مقدَّمٌ على عثمان، قال: من درس أغوار المسائل ظهرت له هذه المسألة أو شيئا من ذلك (١٠).

стр. 32

القسم الثاني: ألا يكون في المسألة قول لأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وإنما الخلاف بين بقية الصحابة، -وأؤكد المسألة مطروحة إذا لم يوجد فيها نصٌّ-: فإذا اختلف الصحابة من غير الخلفاء الراشدين بعضهم مع بعض، فيرجَّح أشبه القولين بالكتاب والسنة، نصَّ على هذا الإمام الشافعي (١) وأحمد (٢) ـ رحمهم الله تعالى رحمة واسعة ـ. وعلى هذا أمثلة: المثال الأول: تنازع العلماء في استقبال القبلة واستدبارها لمن أراد أن يقضي الحاجة، وللصحابة في هذه المسألة قولان: القول الأول: حرمة الاستقبال والاستدبار، حتى في البنيان، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري في «الصحيحين» (٣). والقول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، وهو قول ابن عمر ﵁، رواه الدارقطني وغيره، أنه لما أراد أن يقضي حاجته جعل أمامه دابته، وقضى حاجته، لما قيل له قال: إنما ذلك في الفضاء (٤).

стр. 33

فالمقصود أن ابن عمر فرق بينهما، بخلاف أبي أيوب الأنصاري. أردنا أن نتفقه وأن ننظر أي القولين أشبه بالكتاب والسنة، فوجدنا أنه ثبت عن رسول الله ﷺ في «الصحيحين» (١) أنه بال مستدبرا للقبلة في البنيان، وهذا القول أشبه بقول المفرِّق بين البنيان والصحراء، فلذلك رجح قول ابن عمر. فإن قيل: لم لا يقال بجواز الاستدبار دون الاستقبال؟ يقال: لأن هذا القول ليس عند الصحابة، وإنما الصحابة اختلفوا على قولين، ولا يجوز أن نخرج عن قوليهم، وهذه قاعدةٌ مهمةٌ؛ سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع (٢)؛ لأننا مأمورون أن نتبع سبيل المؤمنين، فسبيل المؤمنين في هذه المسألة قولان، فلا نخرج عنهما. المثال الثاني: تنازع العلماء في صلاة سنن الرواتب للمسافر: هل تصلى أو لا تصلى؟ في المسألة قولان: القول الأول: قول ابن عمر: أنها لا تصلى (٣). والقول الثاني: أنها تصلى، وهو قول جمهور الصحابة، نقله الحسن البصري عن الصحابة، وهو قول جابر، وابن عباس، وجماعة من الصحابة (٤). وأشبه القولين بالكتاب والسنة يتضح بالنظر في الأدلة: فقد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي قتادة، أن النبي ﷺ كان مسافرا،

стр. 34

ففاتته صلاة الفجر، فقام وصلى راتبة الفجر، ثم صلى الفجر كما كان يصلي (١). إذن صلى الراتبة، وهذا يوافق قول جمهور الصحابة فهو أشبه بالكتاب والسنة. ولو قال قائل: لا تصلى من الرواتب إلا راتبة الفجر، يقال: هذا قول محدثٌ من جهة أقوال الصحابة، ولم يثبت هذا فيما أعلم لا عن ابن عمر ولا عن غيره: أي الاستثناء، وإنما الذي ثبت عن ابن عمر أنه لا يُصلِّى مطلقا، أو يُفرِّق بين الليل والنهار: أي يجوز صلاة الراتبة في الليل دون النهار (٢). وعلى كلا الاحتمالين: فمقتضى مذهبه أن راتبة الفجر لا تصلى، وقد ثبت في السنة عن رسول الله ﷺ أنه صلى راتبة الفجر في السفر، فدل هذا على أن المسافر يصلي الراتبة، وهذا هو القول المشهور عند المذاهب الأربعة، بل على هذا المذاهب الأربعة (٣). المثال الثالث: علّق البخاري عن بُريدة بن الحُصيب ﵁، أنه أوصى أن يجعل على قبره جريدان (٤)؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث ابن عباس في «الصحيحين»، أنه وضع على القبر جريدا رطبا، ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (٥)، ففعل ذلك بُريدة بن الحُصيب ﵁ وخالفه ابن عمر، ذكر البخاري أن ابن عمر لما رأى رجلا يظلل القبر، قال: لا تظله، وإنما يظله عمله (٦)، فالميت

стр. 35

لا ينفعه أن يظل قبره ولا أن يفعل شيء عليه، فابن عمر خالف بُريدة. وأشبه القولين بالكتاب والسنة يُعرَف بأن النبي ﷺ علَّل وضع الجريد على القبرين بما يقتضي كشف الغيب؛ لأنه قال: «إنهما ليعذبان»، وهذا لا يكون لغيره، ولم يفعله لغيرهما ﷺ ، فدل هذا على أن الصواب مذهب ابن عمر ﵄. المثال الرابع: ثبت أن ابن عمر كان يحاكي النبي ﷺ ، فيذهب مع الطريق الذي ذهب معه ... إلخ (١)، وثبت عن عمر عند ابن أبي شيبة أنه رأى أناسا يتتبعون أماكن النبي ﷺ فأنكر عليهم: أي لما عادوا وقفلوا من الحج رأى أقواما يصلون في مكان، فسألهم، قالوا: صلى في هذا النبي ﷺ ، فأنكر عليهم، قال: إنما أهلك من كان قبلكم بتتبعهم مساجد وبيع أنبيائهم، فمن أدركت الصلاة فليصل، وإلا فليترك (٢)، فقول عمر مقدَّمٌ على قول ابن عمر؛ لأنه خليفة راشد، ولمُرجِّحات أخرى. والأمثلة على هذا كثيرة، وإنما أردت بهذه الأمثلة ذكر المثال؛ لِيُعرَف غيره، وليسهل تنزيل ذلك على غيرها من المسائل الكثيرة. * * *

стр. 36

الفصل الثالث تنبيهات هامة وفيه ثلاثة مباحث * المبحث الأول الرد على من قال: قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم * المبحث الثاني تحقيق مناط مذهب الصحابي * المبحث الثالث الذين ضيَّعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي

стр. 37

المبحث الأول الرد على من قال: قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم زعم بعضهم: أن قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم. وهذا تناقض بلا شك؛ لأن من قال: إنه حجةٌ في تفسير النص؛ لأنه سبيل المؤمنين ... إلى غير ذلك من الأدلة، فالحجة حجةٌ سواء فسَّرت النص أو ابتدأت الحكم، وذلك إما أن يقال: إنه ليس حجة لا في تفسير النص ولا في ابتداء الحكم، أو أنه حجة في تفسير النص وابتداء الحكم؛ وذلك أن العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما، أما أن يفرَّق بينهما فهو تفريقٌ بين المتماثلات، ومثل هذا تناقضٌ. * * *

стр. 38

المبحث الثاني تحقيق مناط مذهب الصحابي قد يتفق عالمان أو اثنان من طلاب العلم على أن مذهب الصحابي حجةٌ، لكن يختلفان في تنزيل ذلك، وهذا باب واسع، ويسميه الأصوليون بـ «تحقيق المناط». وتحقيق المناط يطلق على أمرين: منها: تنزيل المسائل على الوقائع: فتنزيل المسائل على الواقع قد يتنازع فيه اثنان، فيقول قائلٌ: يجب العمل بقول الصحابي، وفي مسألة أخرى لا يعمل به؛ وذلك لأنه خفى عليه قول الصحابي، أو يظنه مخالفا للنص وليس كذلك ... إلخ؛ لذلك لا ننقض أصول العالم بعمله، قال عطاء: أضعف العلم أن تقول: رأيت، خرَّجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١). وقد يؤصِّل العالم أشياء، لكن يخالف ذلك عمليا، وهذا باب واسع لاختلاف الناس في الفهم والمدارك. وكتاب شيخ الإسلام «رفع الملام» مفيد في هذا للغاية، وأرجعه شيخ الإسلام إلى ما يلي: الأمر الأول: قد لا يكون بلغ العالم هذا الدليل، وفيما نحن بصدده لم يبلغه الأثر. الأمر الثاني: قد يكون بلغه، لكن فهم فهما آخر. الأمر الثالث: قد يظنه منسوخا (٢).

стр. 39

وكلام شيخ الإسلام على ما يتعلق بأحاديث النبي ﷺ ، والبحث كله جار في ثبوت النص، فكيف وقد يختلف اثنان في ثبوت الأثر، كما يختلفان في ثبوت الحديث، والخلاف في هذا واسع، والمهم أن نتفق على الأصول. * * *

стр. 40

المبحث الثالث الذين ضيَّعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي ضيَّع الاحتجاج بمذهب الصحابي طائفتان: الطائفة الأولى: الظاهرية: إن للظاهرية أصولا محدثة، وهي خمسة أصول، ذكر ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١) أربعة، وذكر ابن رجب في شرحه على البخاري (٢) ورسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» (٣) أمرا خامسا، فالظاهرية ضلت بأصول خمسة، يهمني الأصل الخامس، وهو الذي ذكره ابن رجب في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» وفي شرحه على البخاري، وأشار إليه ابن تيمية ﵀ في المجلد الخامس من كتابه «منهاج السنة» (٤). وذلك أن الظاهرية يرون إحداث قول جديد في الفقه، فلو اختلف الصحابة على قولين، بل لو أجمع الصحابة على قول، فلا يبالي به الظاهرية ويرون جواز إحداث قول جديد؛ لذلك مذهبهم ضال، ومن الخطأ أن يُنسب إلى أهل الحديث. وقد بيَّن هذا الخطأ ابن رجب ﵀ في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» (٥). وللأسف، كثيرون ينسبون مذهب داود ومذهب ابن حزم لأهل الحديث، وقد
следующие страницы →