← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 28040

السنة ومكانتها من التشريع لعبد الحليم محمود

عبد الحليم محمود

Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير. ثم هي، حينما تقول ترغيبًا وتبشيرًا: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير. وحينما تقول موعظة وإنذار: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٣). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير. ٥ - ثم إن الموضوعات التي تتحدث فيها هذه الآيات

стр. 37

المكية: موضوعات غيبية، والموضوعات الغيبية دقيقة وغاية في الدقة، فهل إذا تحدث الرسول ﷺ . في هذه الموضوعات، ونقل عنه هؤلاء شفهيًا - وهم حديثو عهد بالإسلام وقريبو عهد بالجاهلية الوثنية ... هل سَيُحْسِنُونَ التعبير عنها أو سيقولونها كما تحدث بها الرسول ﷺ ، في دقته الدقيقة، وفهمه الواعي عن الله، ؟ من أجل كل ذلك، أمر رسول الله ﷺ ألا يكتب عنه غير القرآن. وحكمة هذا الأمر وتعليله: واضح كل الوضوح مما ذكرنا. ولكن في فترة العهد المدني تغير الوضع: ها هو ذا الإسلام ينتشر انتشارًا واسعًا وسريعًا: وها هي ذي الأُمَّةُ الإسلامية الناشئة المؤمنة القوية: تبعث الأمل واسعًا في أن دين الله سينتشر في الآفاق، وسيعم نوره الأقطار، وستحطم كلمة الحق صروح الباطل، وَسَيُتِمُّ اللهُ نُورَهُ ولو كره المشركون، وسيعم لألاؤه رغم ألوف الكافرين. ومن أجل هذه الأُمَّةِ بدأ الوحي ينزل إرسالاً، أرسالاً بالتشريع في جميع ألوانه: تشريع دولي، وتشريع جنائي، وتشريع مدني، وتشريع للعبادة، وتشريع للأحوال الشخصية.

стр. 38

لقد بدأ التشريع الإلهي ينظم حياة الفرد: عبادة ومعاملة: حياته مع نفسه، وحياته مع أُمَّتِهِ، وحياته مع الله تعالى. لقد أخذ ينظم حياة الإنسان منذ أن يستيقظ في الصباح إلى أن ينتهي به الأمر إلى الصحو من جديد في صباح تال. وينظم حياته في أسبوع إلى أسبوع، ومن شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام. وينظم حياته في ذاته، وينظم حياته في أسرته، وينظم حياته في مجتمعه. وينظم حياة المجتمع الإسلامي كله في الكون كله. وما كان يتأتى أن يتعرض الوحي في ذلك للتفصيلات المفصلة، ولا للجزئيات الجزئية التي لا تحد ولا تحصى، ولكنه كان يفصل تفصيلاً يشبه أن يكون تامًا في الأمور التي تكون عادة مثار النزاع، وخصوصًا الماليات: كالميراث وكتابة الدَّيْنِ مثلاً. ويضع قواعد عامة شاملة تتضمن الجزئيات المتعددة في موضوعات أخرى، وكان لاَ بُدَّ من أن يستفيض الرسول ﷺ في البيان والشرح والتفسير. وكان المسلمون قد ألفوا الجو الإسلامي، وألفوا الأسلوب القرآني، عرفوا مفهوم الشرك ومفهوم التوحيد، وتبينت لهم الفروق الفاصلة بين العلم والجهل، وبين الإسلام

стр. 39

والجاهلية، وبين توجيه الوجه للذي فطر السموات والأرض وتوجيهه للأصنام أو الشهوات أو اللهو، ولم يكن هناك من خوف على خلط أسلوب القرآن الكريم بغيره. وكان لاَ بُدَّ من تقييد شروح الرسول ﷺ ، وتفسيراته. لم يكن هناك ظروف توجب عدم كتابة الحديث، وكانت هناك ظروف توجب كتابته. ومن أجل ذلك أباح الرسول ﷺ كتابته بعد أن كان قد نهى عنها. وبدأ الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، يكتبون. روى الإمام البخاري، في كتاب العلم، باب كتابة العلم قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لاَ، إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " (*). ويروي الإمام البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ -

стр. 40

بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِلاَّ الإِذْخِرَ، إِلاَّ الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ، بِالقَافِ. فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ (*). ويقول البخاري: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ

стр. 41

: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (*). انتهى عن " البخاري ". ولقد اشتهرت كتابة عبد الله بن عمرو لكل ما يصدر عن رسول الله ﷺ ، حتى لقد نوقش في ذلك من بعض القُرَشِيِّينَ: يقول ﵁ حسبما يروي في " سنن الدارمي " وغيره: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، وَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ». وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - كما يذكر الترمذي -، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْهَدُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلاَ يَحْفَظُهُ، فَيَسْأَلُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُهُ، ثُمَّ شَكَى قِلَّةَ حِفْظِهِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» (**)، أي بالكتابة. وَرُوِيَ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ، كما يذكر في كتاب " تقييد العلم " أنه قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْمَعُ

стр. 42

مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ قَالَ: «اكْتُبُوا وَلاَ حَرَجَ» (*). على أنه قد روي عن رسول الله ﷺ أنه كتب كتاب الصدقات والديات، والفرائض، والسنن، لعمرو بن حزم وغيره، كما يروي ذلك صاحب كتاب " جامع بيان العلم وفضله ". هذا بعض ما كان من الصحابة في عهد رسول الله ﷺ . وتكثر الروايات فيما كان من كتابة الصحابة بعد انتقاله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - إلى الرفيق الأعلى. ففي " مسند الإمام أحمد " عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِأَشْيَاءَ يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ هَكَذَا» وَقَالَ: بإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَرَأَيْتُ أَنَّهَا أَزْرَارُ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيْنَا الطَّيَالِسَةَ (**). ولقد كان الصحابة ينقل بعضهم عن بعض، فعروة بن الزبير ﵁ ينقل عن خالته، السيدة عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا -، فتقول له: «يَا بُنَيَّ [إِنَّهُ يَبْلُغُنِي] أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الْحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ»

стр. 43

فَقُلْتُ لَهَا: «أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ». فَقَالَتْ: «هَلْ تَسْمَعُ فِي الْمَعْنَى خِلاَفًا؟». قُلْتُ: «لاَ». قَالَتْ: «لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ» (*). وَبَشِيرٌ بْنِ نَهِيكٍ يكتب عن أبي هريرة: ويجيزه أبو هريرة بالرواية عنه. يقول بشير: كما يذكر كتاب " السنة قبل التدوين " (**) نقلا عن كتاب " المحدث الفاصل " وغيره: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِكِتَابِي الَّذِي كَتَبْتُهُ عَنْهُ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: «هَذَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟» قَالَ: «نَعَمْ». وكان لابن عباس ﵁ ألواح يكتب فيها عن الصحابة: مثل أبي رافع صاحب رسول الله ﷺ ( ... ). بل لقد وصل الأمر بأنس ﵁ الذي لازم رسول الله ﷺ ، ملازمة تكاد تكون تامة طيلة عشر سنوات أنه كان يملي الحديث على جموع من الطالبين، فإذا كثر عليه الناس، واحتاجوا إلى صحف يكتبون فيها، جاء إليهم بها من عنده فألقاها إليهم، ثم قال: «هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتُهَا وَكَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ» (****)

стр. 44

وكان يقول ﵁ لِبَنِيهِ: «يَا بَنِيَّ قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (*). وكان الصحابة يتراسلون في الأحاديث: يستفسرون ويتذاكرون، فمعاوية بن أبي سفيان ﵁، يكتب للمغيرة بن شعبة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ -، عدة مرات، يستفسر عن بعض ما يرويه المغيرةُ عن رسول الله ﷺ . فيجيبه المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرَّةً عما كان رسول الله ﷺ ، مثلاً يقول في ختام كل صلاة: «اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» (**). ويجيبه مرة أخرى بأن رسول الله ﷺ «[كَانَ يَنْهَى] عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ» ( ... ). ويكتب زياد بن أبي سفيان إلى السيدة عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا -، يسألها عن مسائل تتعلق بالحج، ويذكر لها فتوى ابن عباس ﵁. فتكتب له بما كان ﷺ يفعله في الحج. ويصف المرحوم الأستاذ السباعي بعض الجهود التي قام بها االصحابة لجمع الحديث فيقول في نهاية حديثه عن تلك الجهود: «فلما كان عهد عثمان سمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار، واحتاج الناس إلى الصحابة وخاصة صغارهم،

стр. 45

بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يَوْماً بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم فكانوا يأخذونه عنهم، كما كان يرحل بعضهم إلى بعض من أجل طلب الحديث. فقد أخرج البخاري في " الأدب المفرد " وأحمد والطبراني والبيهقي واللفظ له عن جابر بن عبد الله قال: «بَلَغَنِيَ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِِّ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، ثُمَّ سِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: " حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَظَالِمِ لَمْ أَسْمَعْهُ فَخَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ "، فَقَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحُشَرُ النَّاسُ غُرْلاً بُهْمًا "، قُلْنَا: " وَمَا [بُهْمٍ؟] " قَالَ: " لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِيْهِمْ نِدَاءً يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الدَّيَّانُ لاَ يَنْبَغِيِ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقُصَّهَا مِنْهُ، وَلاَ يَنْبَغِيْ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَحَدٌ

стр. 46

مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ "، قُلْنَا: " كَيْفَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِيَ اللهَ عُرَاةً غُرْلاً بُهْمَا؟ " قَالَ: " بِالحَسَنَاتِ وَالسَيِِّئَاتِ». وأخرج البيهقي وابن عبد البر عن عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ رَحَلَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْرَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ أَتَى مَنْزِلَ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الأَنْصَارِيِّ - وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟ " فَقَالَ: " حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَتْرِ المُؤْمِنِ "، قَالَ: " نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى كُرْبَتِهِ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَا أَدْرَكَتْهُ جَائِزَةُ مَسْلَمَةَ إِلاَّ بَعَرِيشِ مِصْرَ (*). اهـ. ولقد وقر في أذهان الناس، بصورة راسخة أن السُنَّةَ لم تُدَوَّنْ إلا في القرن الثاني، ومن أجل اقتلاع هذه الفكرة الخاطئة أطلنا في نقل بعض النصوص التي تثبت الحقيقة، وهي أن السُنَّةَ دُوِّنَتْ في القرن الأول: في عهد

стр. 47

الرسول ﷺ ، وفي عهد الصحابة الأَجِلاَّءِ. ومن أجل زيادة الأمر وضوحًا، ومن أجل تأكيد الحقيقة في الأذهان: ننقل أيضًا رأي الأستاذ الجليل سليمان الندوي، كبير علماء مسلمي القارة الهندية هذا العصر: ننقله من كتابه النفيس " الرسالة المحمدي " وهو محاضرات ألقاها في جامعة مدراس. يقول: «وإني أكشف القناع، لأول مرة في ناديكم هذا بأن من زعم أن الأحاديث النبوية لم تُدَوَّنْ إلى مائة سَنَةٍ أو تسعين سَنَةٍ قد أخطأ، والتاريخ يعارضه». والسبب في هذا الخطأ ظنهم أن أول كتاب في الحديث النبوي، كتاب " الموطأ " لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب " المغازي " لابن إسحاق، وهذان الإمامان الجليلان كانا معاصرين، توفي الأول سَنَةَ ١٧٩ هـ. والثاني سَنَةَ ١٥١ هـ. فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير. والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المتوفى سَنَةَ ١٠١ عالمًا جليلاً، ولي إمارة المدينة ثم استخلف سَنَةَ ٩٩ وقد عهد إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - الذي كان إمامًا في الحديث والخبر - أن يبدأ في تدوين سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأخباره، لأنه خاف على العلم أن يرفع شيئًا فشيئًا.

стр. 48

وخاف دَرْسَ العلم وعفاءه، وقد ذكر هذا في تعليقات " البخاري "، و " الموطأ " لمالك، و " المسند " للدارمي. فقام بذك أبو بكر بن حزم، وكتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس، وأرسلت إلى دار الخلافة بدمشق، ونسخت في الصحف والكتب، وبعث بها إلى البلاد الإسلامية وكبريات المدن يومئذٍ (١). فأبو بكر هذا الذي علمتم مكانته من العلم والفضل. وكان قاضيًا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل، لعلمه وفضله، ولأن خالته عَمْرَةُ كانت من كبريات تلميذات أم المؤمنين عائشة محفوظًا عنده، فأوعز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصها بالذكر في كتابه إليه. ويتابع السيد الندوي حديثه فيقول: وأمر ﷺ ، فكتبت أحكام الزكاة وما تجب فيه، ومقادير ذلك، فكتبت مشروحة مفصلة في صفحتين، وبعث بصورة ذلك إلى أمراء البلاد وَوُلاَّتِهَا، وبقيت محفوظة في بيت أبي بكر الصديق، وأبي بكر بن عمرو بن حزم (٢). وكان عند عمال الزكاة رسائل فيها أحكام الزكاة. وكان لمرويات عبد الله بن عباس كراريس عدة.

стр. 49

وجاءه قوم من أهل الطائف بكراسة منها لِيَرْوُوهَا عنه (١). وكان سعيد بن جبير يكتب روايات عبد الله بن عباس (٢). وبقيت صحيفة عبد الله بن عمرو (الصادقة) موجودة عند حفيده: عمرو بن شعيب (٣). كانوا يضعفون عمرو بن شعيب، لأنه يروي من الصحيفة، وكان ينبغي له أن يروي من حفظه. وجمع وهب التابعي روايات جابر بن عبد الله، وكانت عند إسماعيل بن عبد الكريم، وضعفوه لأجل ذلك (٤). وروى سليمان بن سمرة بن جندب أنه كان عند أبيه صحيفة فيها أحاديث. وكذلك روى ابنه حبيب بن سليمان (٥). وجمع همام بن منبه روايات أبي هريرة، وهو أكثر الصحابة رواية، وأوعاهم حفظًا لأحاديث الرَّسُولِ ﷺ فصارت تعرف صحيفته بين المحدثين بـ " صحيفة همام "، وقد أوردها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من " مسنده " (٦). وكذلك بشير بن نهيك: كتب مروياته عن أبي هريرة في كتاب وقرأه عليه (٧).

стр. 50

وذكر ابن حجر في كتابه " فتح الباري ": أن أبا هريرة جاء برجل إلى بيته وأراه أوراقًا وقال: هذه رواياتي. وقال الذي روى ذلك: «إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً بِيَدِهِ» (١). وكان أنس بن مالك - وهو معروف بكثرة الرواية - يقول لأولاده: «يَا بَنِيَّ اكْتُبُوا العِلْمَ وَقَيِّدُوهُ بِالكِتَابَةِ» (٢). وكان تلميذه «أبان» يكتب رواياته بين يديه (٣). وروي عن سلمى قالت: «رأيت عبد الله بن عباس يستملي أبا رافع خادم رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ما كان ﷺ ، يفعل أو يقول» (٤). والواقدي وهو من متقدمي المُصَنِّفِينَ في السيرة النبوية يقول: «رأيت عند عبد الله بن عباس الكتاب الذي أرسله رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إلى المنذر بن ساوى سيد عمان مع كتب أخرى» (٥). وفي " تاريخ الطبري ": إن عروة بن الزبير كتب جمع ما كان في غزوة بدر مُفَصَّلاً إلى عبد الملك الخليفة الأموي (٦). ويقول سعيد بن جُبير التابعي: «كنت أكتب على الأقتاب

стр. 51

ما أسمعه في الليل من عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، فإذا أصبحت كتبته واضحًا» (١). وكان أصحار البراء بن عازب يكتبون عنده وراياته (٢). وكان نافع - وقد صحب ابن عمر ثلاثين سَنَةً - يُمْلِي على الناس (٣). وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود أنه أخرج كتابًا وقال: «وأيم الله، هذا ما كتبته يد ابن مسعود» (٤). ونتابع الحديث في الموضوع على الرغم من أن الأمر أصبح واضحًا فنضيف إلى ما سبق، أَنَّ مَرْوَانَ قَدْ خَطَبَ فِي النَّاسِ فَذَكَرَ مَكَّةَ وَحُرْمَتَهَا، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ النَّاسُ: «وَالمَدِينَةَ حَرَمٌ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي أَدِيمٍ [خَوْلاَنِيٍّ]، إِنْ شِئْتَ أَنْ نُقْرِئَكَهُ فَعَلْنَا، فَنَادَاهُ مَرْوَانُ: أَجَلْ قَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ» (٥). وأرسل الضحاك بن قيس كتابًا إلى النعمان بن بشير يسأله فيه عن السورة التي كان رَسُولُ اللهِ ﷺ يقرؤها في صلاة الجمعة غير سورة الجمعة،

стр. 52

فكتب إليه يقول: «كان يقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: ١]» (١). وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد كتابًا ذكر فيه «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ» (٢). وَيَقُولُ مُجَاهِدٌ: «رَأَيْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو كِتَابًا، فََسَأَلْتُهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: " هَذِهِ الصَّادِقَةُ " فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ». ولما وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عمرو بن حزم اليمن بعثه إليها وأعطاه أحكامًا مكتوبة في الفرائض والصدقات والديات (٣). وتلقى عبد الله بن حكيم كتابًا من رَسُولِ اللهِ ﷺ فيه أحكام الحيوانات الميتة (٤). ولما أراد وائل بن حجر أن يرجع إلى بلاده حضرموت ناول رَسُولُ اللهِ ﷺ كتابًا فيه أحكام الصلاة والصوم والربا والخمر وغير ذلك (٥). وَلَمَّا وَجَّهَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنِ لْخَطَّابِ السُّؤَالَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَصِيبِ المَرْأَةِ

стр. 53

من دية زوجها قام الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ فقال: «نعم عندنا كتاب من رَسُولِ اللهِ ﷺ يبين فيه ذلك» (١). وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ في آخر حياة النَّبِيِّ ﷺ عندما حج حجة الوداع - مائة ألف، ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم الخاص. وإن التاريخ لم يهتم بتدوين أحوالهم ولم يحفظ لنا شؤونهم إلا لأن كل واحد منهم حفظ شيئًا من أقوال النَّبِيِّ ﷺ ، وأفعاله وتصرفاته وهديه وسيرته. لقد توفي رَسُولُ اللهِ ﷺ سَنَةَ ١١ من الهجرة النبوية، وبقي فريق من كبار الصحابة بعده إلى سَنَةِ أربعين، وبقي بعد ذلك من الصحابة، الذين كانوا أحداثًا في حياة النَّبِيِّ ﷺ عدد غير قليل. فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ كل سراج أوقد بنور النبوة. وإليكم أسماء آخر من مات من الصحابة، والبلاد التي ماتوا فيها، وسنوات وفاتهم.

стр. 54

أخر الصحابة موتًا ---------------------- المدن التي توفوا فيها ----------- سَنَة الوفاة. ١ - أبو أمامة ---------------------------------- الشام ---------------------- ٨٦ ٢ - عبد الله بن الحارث بن جزء ----------------- مصر --------------------- ٨٦ ٣ - عبد الله بن أبي أوفى ----------------------- الكوفة --------------------- ٨٧ ٤ - السائب بن يزيد --------------------------- المدينة --------------------- ٩١ ٥ - أنس بن مالك ----------------------------- البصرة --------------------- ٩٣ وأنس بن مالك هذا الذي كان آخر من بقي من الصحابة كان الخادم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، استمر في خدمته عشر سنوات متوالية. ومعظم هذه الثروة الحديثية - كما يقول الأستاذ الجليل أبو الحسن الندوي - قد كتب وَدُوِّنَ بأقلام رواة العصر الأول، وقد يزيد ما حفظ في الكتب والدفاتر كتابة وتحريرًا في العصر النبوي وفي عصر الصحابة ﵃، على عشرة آلاف حديث، إذا جمعت صحف ومجاميع أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وَعَلِيٍّ وابن عباس ﵃، فيمكن أن يقال: إن ما ثبت من الأحاديث الصحاح واحتوت عليه مجاميعها ومسانيدها قد كتب وَدُوِّنَ في عصر النبوة وفي عصر الصحابة قبل أن يُدَوَّنَ " الموطأ و " الصحاح " بكثير.

стр. 55

جمعت السُنَّةُ إذن - جميعها تقريبًا - في عهد الرَّسُولِ ﷺ ، وعهد الصحابة. جمعت دون ترتيب ولا تنسيق. جمعت متفرقة متناثرة، يكتب هذا الحديث والحديثين، ويكتب الآخر المائة والمائتين، ويزيد الثالث عن ذلك، ويملي الرابع من حفظه على الآخرين، وهكذا، وفي ذلك لم يكن لأحد اهتمام بالتنضيد أو التنسيق. يقول الأستاذ العالم الورع المتثبت أبو الحسن الندوي في كتابه " رجال الفكر والدعوة " ما يلي: وإذا اجتمعت هذه الصحف والمجاميع، وما احتوت عليه من الأحاديث، كونت العدد الأكبر من الأحاديث التي جمعت في الجوامع والمسانيد والسنن في القرن الثالث. وهكذا يتحقق أن المجموع الكبير الأكبر من الأحاديث سبق تدوينه وتسجيله - من غير نظام وترتيب - في عهد الرَّسُولِ ﷺ ، وفي عصر الصحابة ﵃. ويتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي عن الوهم الشائع بين الناس من أن السُنَّةَ لم تُدَوَّنْ إلا في القرن الثالث، ويعلل هذا الوهم تعليلاً منطقيًّا فيقول: وقد شاع في الناس - حتى المثقفين والمؤلفين - أن الحديث لم يكتب ولم يسجل إلا في القرن الثالث الهجري،

стр. 56

وأحسنهم حالاً من يرى أنه قد كتب ودوّن في القرن الثاني. وما نشأ ذلك الغلط إلاَّ عن طريقتين: الأولى: أنَّ عامة المؤرِّخين يقتصرون على ذكر مدوِّني الحديث في القرن الثاني، ولا يعنون بذكر هذه الصحف والمجاميع التي كتبت في القرن الأول، لأنَّ عامتها فقدت وضاعت مع أنها اندمجت وذابت في المؤلفات المتأخرة. الثانية: أنَّ المحدثين يذكرون عدد الأحاديث الضخم الهائل الذي لا يتصوَّر أنْ يكون قد جاء في هذه المجاميع الصغيرة التي كتبت من القرن الأول، مع أنَّ عدد الأحاديث الصحاح غير المتكررة المتجردة من المتابعات والشواهد لا يزال قليلاً. وقد نبَّه على ذلك العلاَّمة، مناظر أحسن الكيلاني رئيس القسم الديني سابقاً في الجامعة العثمانية بحيدر آباد في كتابه العظيم " تدوين الحديث " يقول ﵀: «وقد يتعجَّب الإنسان من ضخامة عدد الأحاديث المروية فيقال: إنَّ أحمد بن حنبل كان يحفظ أكثر من سبعمائة ألف حديث. وكذلك يقال عن أبي زُرعة. ويروى عن الإمام البخاري أنه كان يحفظ مائتي ألف من الأحاديث الصحيحة. ويُروى عن مسلم أنه قال: " جمعت كتابي من ثلاثمائة ألف حديث ". ولا يعرف كثير من المتعلمين - فضلاً عن

стр. 57

العامة - إن الذي يكون هذا العدد الضخم هو كثرة المتابعات والشواهد التي عني بها المحدثون. فحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مثلاً يروى من سبعمائة طريق. فلو جردنا مجاميع الحديث من هذه المتابعات والشواهد لبقي عدد قليل من الأحاديث. فـ " الجامع الصحيح " للبخاري لا تزيد الأحاديث التي رويت بالسند الصحيح فيه على ألفين وستمائة وحديثين. وأحاديث " مسلم " يبلغ عددها إلى أربعة آلاف حديث. وهكذا لا يبلغ عدد الأحاديث المروية في كتب الصحاح الستة، و " مسند أحمد "، وكتب أخرى، خمسين ألف حديث، منها الصحيح ومنها السقيم، ومنها المتفق عليه، ومنها المتكلم فيه. وقد صرح الحاكم أبو عبد الله الذي يُعَدُّ من المتسامحين المتوسعين أن الأحاديث التي في الدرجة الأولى لا تبلغ عشرة آلاف (١). ويقول الأستاذ: ولم ينتصف القرن الثاني حتى كانت حركة الجمع والتدوين أنشط وأقوى. وكان ممن سبق إليها من الرجال هذا القرن: ابن شهاب الزهري - مات عام ١٣٤ هـ. وابن جُريج المكي - مات عام ١٥٠ هـ.

стр. 58

وابن إسحاق - مات عام ١٥١ هـ. ومعمر اليمني - مات عام ١٥٣ هـ. وسعيد بن أبي عروبة المدني - مات عام ١٥٦ هـ. وربيع بن صُبيح - مات عام ١٦٠ هـ. وسفيان الثوري - مات عام ١٦١ هـ. ومالك بن أنس - مات عام ١٧٩ هـ. والليث بن سعد - مات عام ١٧٥ هـ. وابن المبارك - مات عام ١٨١ هـ. ثم تتابع الناس (١). ليس من همنا في هذا الفصل أن نتابع السُنَّةَ في تدوينها، وإنما أردنا أن نوضح في هذا الفصل توضيحًا شافيًا فكرة أن السُنَّةَ دُوِّنَتْ في عهد الرسول ﷺ ، وعهد الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، وأظن أنه قد استبان الآن الأمر بما لا يحتاج إلى مزيد، وشكر الله للباحثين الأعلام المتبصرين الذين استندنا إليهم في هذا الحديث.

стр. 59

الفَصْلُ الثَّالِثُ: المُحَدِّثُونَ فِي جِهَادِهِمْ: في ضوء ما سبق قد يتساءل بعض الناس؟ هل معنى ذلك أنه لم تحدث محاولات للوضع، أو حدث الوضع بالفعل وتزييف، واختراع في السُنَّةِ؟ والواقع أن من يزعم أن السُنَّةَ على مجرى التاريخ قد خلت من الوضع إنما ينكر الحقائق الثابتة. لقد حاول الكثيرون وضع أحاديث على لسان الرسول ﷺ ، وحاولوا ذلك لأسباب مختلفة منها: ١ - أن بعض الناس كذابون بطبيعتهم، اتخذواالكذب هواية لا يستقيم أمرهم إلا على الكذب، فكذبوا على رسول الله ﷺ ، وإذا كان من المعروف في جميع الأديان أن بعض الناس يكذب على الله، فإن من الأمور التي تحدث أن يكذب بعض الناس على رسول الله ﷺ . ٢ - وبعض الناس يسيطر عليه مذهب من المذاهب أو نزعة من النزعات، ويتشبع بذلك حتى يملأ عليه أقطاره فيكذب على رسول الله ﷺ ، تأييدًا لمذهبه وتأكيدًا لنزعته، وإرضاء لهواه.

стр. 60

٣ - وبعض الناس دخل في الإسلام كرهًا للإسلام: دخله ليتآمر عليه، دخله ليكون في ظروف أكثر ملاءمة للتآمر عليه: فكذب على رسول الله ﷺ إفسادًا للمبادئ الإسلامية الصحيحة، وتزييفًا لها. ٤ - وبعض الناس استباح الكذب على رسول الله ﷺ ، في سبيل موعظة الآخرين وهدايتهم، ورأى أن غايته التهذيبية تبيح له ركوب هذا المركب الفاسد. هذه هي كل أو أكثر الأسباب التي دعت إلى وضع الأحاديث والكذب على رسول الله ﷺ . ولكن ذلك لم يكن في السُنَّةِ بدعًا من الأمر. فهذه الأسباب في الجملة كانت ولا تزال الأسباب لتزييف التاريخ. إن التاريخ - منذ عرف - لم يخل من العوامل التي تحاول وضعه على غير ما كان عليه بالفعل، وتلوينه على الصورة التي يريد بعض الناس - ملوكًا أو أمراء أو زعماء على أي وضع كانوا - أن يكون عليها. ولكن تزييفهم للتاريخ لم يمنع من ظهور الحقائق، وكذبهم على التاريخ لم يمنع من بيان الحق ومعرفة الناس له. ولقد وضع المؤرخون المحدثون أصولاً للنقد، وعلامات للحوادث المزيفة وقواعد لمعرفة الحقيقة.

стр. 61

ولقد استعانوا في سبيل المعرفة الصحيحة باللغة، وبالحوادث اليقينية المتواترة، وبالشهود العدول، وبالمقارنات. لقد استعانوا بالنقد الداخلي، والنقد الخارجي ووصلوا بذلك إلى الحقائق التي يطمئنون إليها، برغم ما يفصل بينهم وبين مكان الأحداث من آلاف الأميال، وبرغم ما يفصل بينهم وبين أزمنة الحوادث من عشرات القرون. ومع كل ما حاوله المؤرخون من جهد، ومع كل ما وضعوه من قواعد للوصول إلى اليقين فإنهم - والحق يقال - لم يصلوا في كل ذلك إلى ما وصل إليه سادتنا المحدثون - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. وذلك للأسباب التالية: ١ - لقد بدأ تسجيل السُنَّةِ في عهد الرسول ﷺ ، وتم تسجيلها - كلها تقريبًا - في عهد الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. فكان قرب الزمن، إذن، من عوامل صحة السنة. ٢ - وسجل أكثرها في المكان نفسه الذي كان فيه رسول الله ﷺ ، أو في أمكنة قريبة، نسبيًا، منه. ٣ - ولقد رُوِيَ عن الرسول ﷺ أحاديث كانت تحد من الوضع، في المبدأ على الأقل، مثل حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مِقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وهذه ملاحظات نذكرها لا لنقول أنها حاسمة فيما

стр. 62

يتعلق بأمر صحة ما روي - ولقد قدمنا: أن الوضع وجد بالفعل - ولكننا نذكرها في مقابلة ما يحاول بعض الناس التهويل به من أمر التزييف والوضع. أما الأمور الحاسمة التي تجعلنا نثق بالنتائج والثمار التي وصل إليها سلفنا الصالح فيما يتعلق بأمر السنة، فإن في أساسها: ١ - إيمان هؤلاء السلف بأنهم في عنايتهم بالسنة: - بما صح منها، وبما وضع فيها - إنما يجاهدون في سبيل الله. لقد كانوا مؤمنين إيمانًا عميقًا ثابتًا بأن في عنقهم واجبًا دينيًا هو أن يُخَلِّصُوا سُنَّةَ رسول الله ﷺ ، من كل زيف، وأن يُنَقُّوهَا من الكدورات في إخلاص مخلص، وفي صورة من اليقين لا يفترون في الوصول إليه. ولقد كانوا يعدون بالآلاف، ويمتازون - كما يقول أبو الحسن الندوي - بعلو نشاطهم، وقوة احتمالهم وصبرهم وقوة ذاكرتهم وحفظهم، وقد تدفق سيلهم من بلاد العجم، وقد ملكت قلوبهم وعقولهم الرغبة الشديدة في جمع الحديث، وشغفوا به شغفًا حال بينهم وبين الشهوات، فطاروا في الآفاق، ونقبوا في البلاد في البحث عن الروايات المختلفة، والأسانيد الصحيحة. وكان لهم في ذلك هيام وغرام لم يعرفا عن أمة من الأمم في التاريخ كله، يدل على ذلك بعض الدلالة ما يروى عن

стр. 63

المحدثين من التجول في البلاد، والسفر في العالم الإسلامي، من أقصاه إلى أقصاه. فقد روي: أن البخاري صاحب الصحيح، بدأ رحلته العلمية وهو لا يزال في الرابعة عشر من سنه، وقد زار البلدان الإسلامية: ما بين بخارى ومصر وشيوخها. وروي عن أبي حاتم الرازي (م ٢٧٧ هـ) قال: «أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر، ثم إلى الرملة ماشيًا ثم إلى طرطوس ولي عشرون سنة». وقد سمع محدث الأندلس ابن حيون (م ٣٧٤ هـ) الحديث في الأندلس والعراق، والحجاز واليمن، وهكذا قطع قارة إفريقيا من طنجة إلى مصر، وعبر البحر الأحمر. ومن المحدثين من سافر في قارة إفريقيا وآسيا وأوروبا في طلب الحديث وهكذا انتظمت رحلته العلمية ثلاث قارات كبرى. وكان كثير من المحدثين يخرج من الأندلس أقصى الغرب في العالم المتمدن المعروف يومئذً ويبلغ أقصاه في الشرق إلى خراسان أو بالعكس، والمطالع في " تذكرة الحفاظ " للذهبي يدهش لطموح هؤلاء الرجال واحتمالهم المشاق في طلب العلم. ٢ - ولقد استعمل أئمتنا النقد الداخلي والنقد

стр. 64

الخارجي، بل لقد استعملوا ما يمكن أن نسميه المشاركة الوجدانية، أو بعبارة أدق، استرواح رائحة النبوة، أو استلهام طابع رسول الله ﷺ ، في الحديث، أو استبصار القلب، وإلهام الروح، وإشراق البصيرة، في المعرفة: يقول الربيع بن خثيم: «إِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ نَعْرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نَعْرِفُهُ بِهَا» (١). وهذه الطريقة تعتبر في العصر الحاضر الأوروبي من ابتداعات القرن العشرين. لقد استعملها أئمتنا ووضعوا لها الأصول، وبينوا كيفيتها، ولم يتركوها للأهواء والمشارب، ومن أدق التعبيرات عنها ما يقوله ابن القيم: «وَسُئِلْتُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ بِضَابِطٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَنَدِهِ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ. وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السَّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَاخْتَلَطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ، وَمَعْرِفَةِ [سِيرَةِ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيُخْبِرُ

стр. 65

عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ، وَيُشَرِّعُهُ لِلأُمَّةِ، بحيث كَأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ ﷺ كَوَاحِدٍ مِنَ أَصَحَابِهِ. فَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ [بِهِ]، وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ. وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُتَّبِعٍ مَعَ مَتْبُوعِهِ، فَإِنَّ لِلأَخَصِّ بِهِ، الْحَرِيصِ عَلَى تَتَبُّعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَمَا لا يَصِحُّ مَا لَيْسَ لِمَنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَهَذَا شَأْنُ الْمُقَلِّدِينَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ: يَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَنُصُوصَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفي هذه الطريقة أيضًًا يقول ابن دقيق العيد: «وَكثيرا ما يحكمون بذلك (أي بالوضع) باعتبار يرجع إلى المروي وألفاظ الحديث، وحاصله أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النَّبِيِّ ﷺ هيئة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه». ويقول ابن الجوزي: «الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب». ٣ - وأنه لمن المعروف أن عناية سلفنا الصالح لم تكن موجهة إلى جمع الحديث وتدوينه فحسب، وإنما تعدت

стр. 66

ذلك - كما يقول الأستاذ الجليل أبو الحسن الندوي - إلى الوسائط التي وقعت في رواية الحديث، وهم الرواة الذين رووا هذه الأحاديث ز فعنوا بمعرفتهم ومعرفة أسمائهم وأسماء آبائهم، وحوادث حياتهم وأخلاقهم، ومكانتهم في الأمانة، والصدق، والحفظ. وهكذا أصبح الذين اتصلوا بالشخصية الكريمة التي وعد الله لها بالخلود وبقاء الذكر وانتشار الاسم ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (١) أصبح الذين اتصلوا بها موضوع الدارسين، والباحثين، وخرجوا من زوايا الخمول واستحقوا الحياة والاشتهار، وأصابعهم فيض من حياة هذه الشخصية الخالدة فحيوا وظهروا واحتفظ التاريخ بأسمائهم وأحوالهم، ورآه حَقًّا على نفسه، وهكذا ظهر علم أسماء الرجال في عالم الوجود، وكان من مفاخر هذه الأمة التي لا تشاركها فيها أمة من الأمم، قال الدكتور «اسبرنجر» (*) في مقدمته الإنجليزية على كتاب " الإصابة في [تمييز] الصحابة " للحافظ ابن حجر العسقلاني ما ترجمته: «لم تعرف أمة في التاريخ، ولا توجد الآن على ظهر الأرض، وفقت لاختراع فن من أسماء الرجال الذي نستطيع بفضله أن نقف على ترجمة خمسمائة الف (نصف مليون) من الرجال». ولم يعن المحدثون بتعريف رجال الحديث فحسب،

стр. 67

بل التزموا الصدق والصراحة في تعريفهم، وجمعوا كل ما يتصل بأخلاقهم وعاداتهم، وما يدل على قوتهم وضعفهم واحتياطهم وتساهلهم، وتقواهم وعلمهم وذاكرتهم، وجمعوا كل ما قاله معاصروهم فيهم، ولم يداروا ولم يجاملوا في ذلك، ولم يهابوا أحدًا، ولو كان بعضهم أميرًا مهابًا أو شيخًا وقورًا. وقد روى التاريخ في ذلك طرائف تدل على شدة هؤلاء الناقدين وعلمهم بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (١) وتدقيقهم. قال أبو داود: «كَانَ أَبُو وَكِيعٍ عَلَى بَيْتِ المَالِ، فَكَانَ وَكِيعٌ (م ١٩٧) إِذَا رَوَى عَنْهُ قَرَنَهُ بِآخَرَ» (*). وقد ترك معاذ بن معاذ العنبري (م ١٩٦ هـ) رواية [المسعودي]، لأنه رآه يطالع الكتاب، يعني قد تغير حفظه. (**). وقد قدم إليه عشرة آلاف دينار، وطلب منه أن يسكت عن فلان فلا يتكلم فيه بجرح ولا تعديل، فأبى ورفض هذا الحال العظيم، وقال: «لاَ أَكْتُمُ الحَقَّ». وهذا قليل من كثير جِدًّا يدل على أمانة علماء الحديث والرجال، وتدقيقهم في موضوعهم، وتحريهم الحق والعدل في شهاداتهم، فهل يوجد في تاريخ العلم نظير لهذه الأمانة والتدقيق؟

стр. 68

وما من شك في أن سلفنا الصالح بدأ بالاهتمام بالإسناد: أي بالاهتمام بهؤلاء الذين رَوَوْا الحديث واحدًا عن واحدٍ حتى وصلوا به إلى رسول الله رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أو إلى أحد الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. ولقد اهتموا بالإسناد إلى درجة أن يجعلوه من الدين، يقول الإمام الزُّهْرِي: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ». لقد بحثوا عن هؤلاء الذين جاء حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ عن طريقهم: لقد بحثوا عن ميلادهم، وعن وفاتهم، وعن أخلاقهم، وعن غفلتهم وسهوهم، أو يقظتهم وصحوهم وعن ذاكرتهم وضبطهم، لقد بحثوا عن كل ما يتصل بهم في ألفاظهم التي ينطقون بها، وفي سلوكهم الذي يسيرون عليه، وفي سمتهم من ناحية الوقار والخفة، وفي أهوائهم ومشاربهم، وفي نزعاتهم، وفي ميولهم على وجه العموم. لقد اخترع المسلمون علم تشريح كامل، وضعوا به على مائدة المعرفة ما يقرب من نصف مليون من البشر. لقد اخترعوا عِلْمًا لم يخترعه سابقوهم، حتى بالنسبة لكتبهم المقدسة ولم يصل إليه لاحقوهم حتى في العصر الحديث.

стр. 69

علما يقول عنه المستشرق الألماني «اسبرنجر» في تصديره لكتاب " الإصابة " لابن حجر حينما كان في كلكتا ١٨٥٣ - ١٨٦٤: الكلمة التي سبق أن ذكرناها، والتي تعبر عن الحقيقة الواقعة. لَقَدْ قِيلَ مَرَّةً لابْنِ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ [المَوْضُوعَةُ] المَصْنُوعَةُ؟ فقال: «يَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ» (*). هؤلاء الجهابذة قاموا بما عليهم خير قيام. يتحدث صاحب كتاب " تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل " (**) عن بعض ما قام به هؤلاء الجهابذة فيقول: [التمييز بين الرواة] قال أبو محمد: فلما لم نجد سبيلا إلى معرفه شئ من معاني كتاب الله، ولا من سنن رسول الله ﷺ إلا من جهة النقل والرواية: وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ [والثبت] والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة [والوهم] وسوء الحفظ والكذب، واختراع الأحاديث الكاذبة. ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عزوجل وعن رسوله ﷺ ، بنقل الرواة، حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة [والثبت] في الرواية مما [يقتضيه] حكم العدالة في نقل الحديث [وروايته]، بأن يكونوا أمناء

стр. 70

في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه. وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات. وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدين (وأعلامه - ١) وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وهم هؤلاء أهل العدالة، فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، [ويحكم به، وتجري أمور الدين عليه]، وليعرف أهل الكذب تَخَرُّصًا، وأهل الكذب وَهْمًا، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيكشف عن حالهم وينبئ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وان غلط فغلط ... [طبقات الرواة] ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم، وتباين درجاتهم، ليعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهبذة والتنقير والبحث عن الرجال والمعرفة بهم - وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح. ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والاتقان فيه - هؤلاء هم أهل العدالة.

стр. 71

ومنهم الصدوق في روايته، الورع في دينه، [الثبت] الذي يهم أحيانًا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه أيضًا. ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب. ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم - ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به». اهـ. لقد كان هؤلاء الجهابذة في سبيل الدين يبدون آراءهم في أمس الناس بهم، نصيحة للمسلمين، وتقوى منهم، فَزَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": «لاَ تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي» (*). وَيَسْأَلُ عَلِي بْنُ الْمَدِينِيِّ سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: «سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي» (**). فيعيدون السؤال من جديد، فَيُطْرِقُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: «هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ» ( ... ). وكان أمر وكيع بن الجراح طريفًا، فقد كان أبوه رجلاً صالحًا، لا مأخذ عليه، غير أنه كان على بيت المال، ومن

стр. 72

أجل وظيفته هذه كان ابنه - إذا روى عنه - يقرن معه آخر. لقد كان سلفنا - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - يعنون بالإسناد عناية فائقة، حتى لقد وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ- ﵁: «الإِسْنَادُ سِلاَحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاَحٌ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ» (١). ويفسر الدكتور ناصر الدين الأسد العناية بالإسناد تفسيرًا صادقًا فيقول ص ٢٢٦ من كتابه النفيس " مصادر الشعر الجاهلي ": ويبدو لنا أن مرد التزام الإسناد المتصل في رواية الحديث إلى أمرين: أمر داخلي، وآخر خارجي. أما الداخلي فمبعثه من نفس الراوي، ومصدره شعوره بالتحرج الديني، وذلك أنه ينقل كلامًا من كلام رسول الله ﷺ ، وهو الذي قال في حديثه المشهور: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». في الإسناد المتصل ما يجعل المحدث يطمئن إلى أن غيره من شيوخه وشيوخ شيوخه ثم التابعين والصحابة، يشتركون معه في تحمل تبعة هذا الحديث ونقله، وأنه لا

стр. 73

لا يستقل وحده بحمل هذا العبء، وأن تبعته لا تعدو النقل الأمين لما سمعه عن شيخ ثقة ثبت. وأما الأمر الخارجي فمرجعه إلى سامعي الحديث من المحدث، وذلك أن الحديث يتضمن جزءًا كبيرًا من السنة، أو هو السنة كلها، وهو من أجل ذلك مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، بل إنه هو المصدر الثاني الذي يتلو في القيمة كتاب الله، ولذلك كان من التدقيق والتحقيق، ومما يبعث الطمأنينة في نفوس السامعين ويوحي إليهم بالثقة في حديث المحدث أن يصل بين عصره وعصر الرسول الكريم بسلسلة متصلة من الرواة المحدثين كلهم يشهد أنه سمعه ممن قبله حتى يصل الإسناد إلى [الصحابي] فالرسول. (" مصادر الشعر الجاهلي ": ص ٢٥٨، ٢٥٩. اهـ. (*). ودخل في هذا الباب - باب الإسناد - نقد الرواة، وتصنيفهم إلى فئات يأخذون من بعضها ويتوقفون عن البعض، ويعلنون على ملأ من الناس كذب البعض، وكان لهم في هذا المجال شعور مرهف، أو شعور مترف إذا أمكن هذا التعبير. يقول الإمام مالك ﵁: «لاَ يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ مُعْلِنٌ [بِالسَّفَهِ] وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ، وَرَجُلٌ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ

стр. 74

أَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَصَاحِبُ هَوَىً يَدْعُو النَّاسَ إِلَىَ هَوَاهُ، وَشَيْخٌ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ» (*). ولقد كان يحيى بن سعيد القطان ﵀ يترك حديث الكثير ممن يظهر بعض الناس بهم الخير، فقيل له: «أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ الذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فَقَالَ: «لأَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ خَصْمِي أَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي؟». لقد اتفق المحدثون على أَلاَّ يأخذوا الحديث عن: ١ - الكذابين على رسول الله ﷺ ، بل لقد اختلفوا في كفر هؤلاء، بل لقد اختلفوا في قبول الله لتوبتهم، ويكفي أن يعرف الكذب من أحدهم مرة واحدة على رسول الله ﷺ ، فيسقط ذلك جميع أحاديثه. على أن الكذب على الناس كان في ترك حديث الكذاب حتى ولو كان يتحرج من الكذب على رسول الله ﷺ ، كما ذكر ذلك الإمام مالك ﵁ فيما سبق.

стр. 75

ولأئمتنا في تعقب الكذابين طرائف: يقول الأستاذ السباعي في كتابه النفيس " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " (*) مُبَيِّنًا بعض علامات الوضع في السند، ومنها: أن يروي الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له أو ولد بعد وفاته، أو لم يدخل المكان الذي ادَّعَى سماعه فيه، كَمَا ادَّعَى مَأْمُونُ بْنُ أَحْمَدَ الهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ هِشَامٍ بْنِ عَمَّارٍ، فَسَأَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ: «مَتَى دَخَلْتَ الشَّامَ؟» قَالَ: «سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ»، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «فَإِنَّ هِشَامًا الذِي تَرْوِي عَنْهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ» (**)، وكما حَدَّثَ عبد الله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب، فقيل له: «مَاتَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ بِتِسْعِ سِنِينَ» ( ... )، وكما حَدَّثَ محمد بن حاتم [الكشي] (****) عن عبد بن حميد فقال الحاكم أبو عبد الله: «هَذَا الشَّيْخُ سَمِعَ مِنْ عَبْدٍ بْنُ حُمَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً». وفي " مقدمة مسلم ": أَنَّ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ»، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ - يَعْنِي الفَضْلَ بْنَ دُكَيْنِ حَاكِيهِ عَنْ المُعَلَّى -: «أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» وذلك لأن ابن مسعود تُوُفِّيَ سَنَةَ
следующие страницы →