← Адаб

Адаб · id 28113

مقامات بديع الزمان الهمذاني

بديع الزمان الهمذاني

Полный текст (445 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الْمَقَامَةُ الْقَرِيضِيّةُ حَدّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: طَرَحَتْنيِ النّوَى مَطَارِحَهَا حَتّى إذَا وَطِئْتُ جُرْجَان الأَقْصى. فاسْتَظْهَرْتُ عَلَى الأَيامِ بِضِياعٍ أَجَلْتُ فِيهاَ يَدَ الْعِمَارةِ، وَأَمْوَالٍ وَقَفْتُهَا عَلى التّجَارَةِ، وَحَانُوتٍ جَعَلْتُهُ مَثَابَةٍ، وَرُفْقَةٍ اتّخَذْتُهَا صَحَابَةً، وَجَعَلْتُ لِلْدّارِ، حَاشِيَتَيِ النّهَار، وللحَانُوتِ بَيْنَهُمَا، فَجَلَسْنَا يَوْماً نَتَذَاكَرُ القرِيضَ وَأَهْلَهُ، وَتِلْقَاءَنا شَابّ قَدْ جَلَسَ غَيْرَ بَعِيدٍ يُنْصِتُ وَكَأَنّهُ

стр. 2

يَفْهَمُ، وَيَسْكتُ وَكَأَنّهُ لاَ يَعْلَمُ حَتّى إِذَا مَالَ الكَلاَمُ بِنَا مَيْلَهُ، وَجَرّ الْجِدَالُ فِينَا ذَيْلَهُ، قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ عُذَيَقَهُ، وَوَافَيتُمْ جُذَيْلَهُ، وَلَوْ شِئْتُ لَلَفْظْتُ وَأَفَضْتُ، وَلَوْ قُلْتُ لأَصْدَرْتُ وَأَوْرَدْتُ، وَلَجَلَوْتُ الْحقّ في مَعْرَضِ بَيَانٍ يُسْمِعُ الصُّمَّ، وَيُنزلُ الْعُصْمَ، فَقُلْتُ: يَا فَاضِلُ أدْنُ فَقَدْ مَنَّيْتَ، وَهَاتِ فَقَدْ أَثْنَيتَ، فَدَنَا وَقَالَ: سَلُونِي أُجِبْكُمْ، وَاسْمَعُوا أُعْجِبْكُمْ.

стр. 3

فَقُلْنَا: مَا تَقُولُ فِي امْرِىءِ الْقَيسِ؟ قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَقَفَ بِالدِّيارِ وَعَرَصَاتِهَا، وَاغْتَدَى وَالطَّيرُ فِي وَكَنَاتِهَا، وَوَصَفَ الْخيلَ بِصِفَاِتهَا، وَلَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ كَاسِياً.

стр. 4

وَلَمْ يُجِدِ القَوْلَ رَاغِباً، فَفَضَلَ مَنْ تَفَتَّقَ للْحِيلةِ لِسَانُهُ، وَاْنتَجَعَ لِلرَّغْبَة بَنَانُهُ، قُلْنَا: فَما تَقُولُ فِي الْنَّابِغَةِ؟ قالَ: يَثلِبُ إِذَا حَنِقَ، وَيَمْدَحُ إِذَا رَغِبَ، وَيَعْتَذِرُ إِذَا رَهِبَ، فَلاَ يَرْمي إِلاَّ صَائِباً، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي زُهَيرٍ؟ قَالَ يُذِيبُ الشِّعرَ، والشعْرُ

стр. 5

يُذيبَهُ، وَيَدعُو القَولَ وَالسِّحْرَ يُجِيبُهُ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي طَرَفَةَ: قَالَ: هُوَ ماَءُ الأشْعَارِ وَطينَتُها، وَكَنْزُ الْقَوَافِي وَمَديِنَتُهَا، مَاتَ وَلَمْ تَظْهَرْ أَسْرَارُ دَفَائِنِهِ وَلَمْ تُفْتَحْ أَغْلاَقُ خَزَائِنِهِ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي جَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ؟ أَيُّهُمَا أَسْبَقُ؟ فَقَالَ: جَرِيرٌ أَرَقُّ شِعْراً، وَأَغْزَرُ غَزْراً

стр. 6

وَالْفَرَزْدَقُ أَمْتَنُ صَخْراً، وَأَكْثَرُ فَخْراً وَجَرِيرٌ أَوْجَعُ هَجْواً، وَأَشْرَفُ يَوْماً وَالْفَرَزْدَقُ أَكَثَرُ رَوْماً، وَأَكْرَمُ قَوْماً، وَجَرِيرٌ إِذَا نَسَبَ أَشْجَى، وَإِذَا ثَلَبَ أَرْدَى، وَإِذَا مَدَحَ أَسْنَى، وَالْفَرزدقُ إِذَا افْتَخَرَ أَجْزَى، وَإِذَا احْتَقرَ أَزرَى، وَإِذا وصَفَ أَوفَى، قُلنَا: فَمَا تَقُولُ فِي المُحْدَثِينَ منْ الشُّعَراءِ والمُتَقَدِّمينَ مِنهُمْ؟ قالَ: المُتَقَدِّمونَ أَشْرفُ لَفْظاً، وَأَكثرُ منْ المَعَاني حَظاً، وَالمُتَأَخِّرونَ أَلْطَفُ صُنْعاً، وَأَرَقُّ نَسْجاً، قُلْنا: فَلَو أَرَيْتَ مِنْ أَشْعارِكَ، وَرَوَيْتَ لَنا مِنْ أَخْبارِكَ، قالَ: خُذْهَما في مَعْرِضٍ واحِدٍ، وَقالَ:

стр. 7

أَما تَرَوْني أَتَغَشَّى طِمْرَاً ... مُمْتَطِياً في الضُّرِّ أَمْراً مُرَّاً مُضْطَبناً عَلى اللَّيالي غِمَراً ... مُلاقِياً مِنْها صُرُوفاً حَمْرَا أَقْصَى أَمانِيَّ طُلُوعُ الشِّعْرى ... فَقَد عُنِينَا بِالأَمَاني دَهْرَاً وَكانَ هذَا الحُرُّ أَعْلى قَدْراً ... وَماءُ هذَا الوَجْهِ أَغْلى سِعْرَا ضَرَبْتُ لِلسَّرّا قِبَاباً خُضْرَا ... فِي دَارِ دَارَا وَإِوَانِ كِسْرى فَانْقَلَبَ الدَّهْرُ لِبَطْنٍ ظَهْرا ... وَعَادَ عُرْفُ العَيْشِ عِنْدي نُكْرَا لَمْ يُبْقِ مِنْ وَفْرِى إِلاَّ ذِكْرَا ... ثُمَّ إِلى اليَوْمِ هَلُمَّ جَرَّا لَوْلا عَجُوزٌ لِي بِسُرَّ مَنْ رَا ... وَأَفْرُخٌ دونَ جِبَالِ بُصْرَى قَدْ جَلَبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمْ ضُرَّا ... قَتَلْتَ يَا سَادَةُ نَفْسي صَبْرَا

стр. 8

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ، فَانَلْتُهُ مَا تَاحَ. وَأَعْرَضَ عَنَّا فَرَاحَ. فَجَعَلْتُ أَنْفيهِ وَأُثْبتُهُ، وَأَنْكِرُهُ وَكَأَنِّي أَعْرِفُهُ، ثُمَّ دَلَّتْنِي عَلَيهِ ثَنَاياهُ، فَقُلْتُ: الإِسْكَنْدَريُّ وَاللَّهِ، فَقَدْ كَانَ فَارَقَنَا خِشْفاً، وَوَافانا جِلْفاً، وَنَهَضْتُ عَلى إِثرِهِ، ثَمَّ قَبَضْتُ عَلَى خَصْرِهِ، وَقُلْتُ: أَلَسْتَ أَبَا الفَتْحِ؟ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ؟ فَأَيُّ عَجُوزِ لَكَ بِسُرَّ مَنْ رَا؟ فَضَحِكَ إِليَّ وَقَالَ: وَيْحَكَ هذَا الزَّمَان زُورُ ... فَلَا يَغُرَّنَّكَ الغُرُورُ لاَ تَلْتَزِمْ حَالَةً، وَلكِنْ ... دُرْ بِالَّليَالِي كَمَا تَدُورُ. المَقَامَةُ الأَزَاذِيَّةِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْذَاذَ

стр. 9

وَقْتَ الاَزَاذِ، فَخَرَجْتُ أَعْتَامُ مِنْ أَنْواعِهِ لاِبْتِيَاعِهِ، فَسِرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ إلى رَجُلٍ قَدْ أَخَذَ أَصْنَافَ الفَوَاكِهِ وَصَنَّفَهَا وَجَمَعَ أَنْوَاعَ الرُّطَبِ وَصَفَّفَهَا، فَقَبَضْتُ مِنْ ُكلِ شَيءٍ أَحْسَنَهُ، وَقَرَضْتُ مِنْ كُلِ نَوعٍ أَجْوَدَهُ، فَحِينَ جَمَعْتُ حَوَاشِيَ الإِزَارِ، عَلى تِلْكَ الأَوْزَارِ أَخَذَتْ عَيْنَايَ رَجُلاً َقدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِبُرْقُعٍ حَيَاءً، وَنَصَبَ جَسَدَهُ، وبَسَطَ يَدَهُ وَاحْتَضَنَ عِيَاَلهُ، وَتَأَبَّطَ أَطْفَالَهُ، وَهُوَ يَقُولُ بِصَوْتٍ يَدْفَعُ الضَّعَفَ فِي صَدْرِهِ، وَالْحَرضَ فِي ظَهْرِهِ: وَيْلِي عَلَى كَفَّينِ مِنْ سَويقِ ... أوْ شَحْمَةٍ تُضْرَبُ بالدَّقِيقِِ

стр. 10

أَوْ قَصْعَةٍ تُمْلأُ مِنْ خِرْدِيقِِ ... يَفْتَأُ عَنَّا سَطَواتِ الرِّيقِ يُقِيمُنَا عَنْ مَنْهَجِ الطَرِيقِ ... يَارَازِقَ الثَّرْوَةِ بَعْدَ الضِّيقِِ سَهِّلْ عَلى كَفِّ فتىً لَبِيقِ ... ذِي نَسَبٍ فِي مَجْدِهِ عَرِيقِ يَهْدي إِلَيْنا قَدَمَ التَّوْفيقِ ... يُنْقِذُ عَيِشي مِنْ يَدِ التَّرْنيقِ قالَ عِيسى بْنُ هِشامِ: فَأخَذْتُ مِنَ الكِيس أَخْذَةً وَنُلْتُهُ إِياهَا، فَقَالَ: يَا مَنْ عَنَانِي بِجَمِيلِ بِرِّهِ ... أَفْضِ إِلى اللهِ بِحُسْنِ سِرِّهِ وَاسْتَحْفظِ الله جَمِيلَ ستْرِهِ ... إِنْ كانَ لا طَاقَةَ لِي بِشُكْرِهِ فَاللهُ رَبِّي مِنْ وَرَائي أَجْرِهِ قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فِي الكيسِ فَضْلاً

стр. 11

فَاُبْرُزْ لِي عَنْ بَاطِنِكَ أَخْرُجْ إِلَيْكَ عَنْ آخِرِهِ، فَأَمَاطَ لِثَامَهُ، فَإِذَا وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَندريُّ، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ أَيُّ دَاهِيَةٍ أَنْتَ؟ فَقَالَ: فَقَضِّ العُمْرَ تَشْبيهَاً ... عَلَى النَّاسِ وَتَمْويهَا أَرَى الأَيَّامَ لا تَبْقَى ... عَلَى حَالٍ فَأَحْكِيهَا فَيَوْماً شَرُّهَا فِيَّ ... ؟ وَيَوْماً شِرَّتِي فِيهَا الْمَقَامَةُ الْبَلُخِيَّةُ حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: نَهَضَتْ بِي إِلى بَلخَ تِجَارَةُ الْبَزِّ

стр. 12

فَوَرَدْنُهَا وَأَنَا بِعُذْرَةِ الشَّبَابِ وَبَالِ الفَرَاغِ وَحِلْيَةِ الثَّرْوَةِ، لا يُهِمُّنِي إِلاَّ مُهْرَةُ فِكْرٍ أَسْتَقِيدُهَا، أَوْ شَروُدٌ مِنَ الْكَلِمِ أَصِيدُهَا، فَمَا اسْتَأْذَنَ عَلَى سَمْعِي مَسَافَةً مُقَاِمي؟؟، أَفْصَحُ مِنْ كَلاِمي، وَلمَّا حَنَى الْفِراقُ بِنَاقَوْسَهُ أَو كَادَ دَخَلَ عَليَّ شَابٌّ في زَيٍّ مِلءِ العَيْنِ، وَلْحَيةٍ تَشُوكُ الأَخْدَعَيْنِ، وَطَرفٍ قْد شَرِبَ مَاءَ الرَّافِدَيْنِ، وَلَقِيَنِي مِنَ الْبرِّ فِي السَّناءِ، بِمَا زِدْتُهُ فِي الثَّناءِ، ثُمَّ قَالَ: أَظَعْناً تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، فَقَالَ: أَخْصَبَ رَائِدُكَ، وَلاَ ضَلَّ قَائِدُكَ، فَمَتَى عَزَمْتَ؟ فَقُلْتُ: غَدَاةَ غَدٍ، فَقَالَ: صَبَاحُ اللهِ لا صُبْحُ انطِلاقٍ ... وَطَيرُ الوَصْلِ لا طَيْرُ الفِراقِ

стр. 13

فأَيْنَ تُريدُ؟ قُلْتُ: الوَطَنَ، فَقَالَ: بُلِّغْت الوَطَنَ، وَقَضَيْتَ الوَطَرَ، فَمَتَى العَوْدُ؟ قُلْتُ: القَابِلَ، فَقَالَ: طَوَيْتُ الرَّيْطَ، وَثَنَيْتَ الْخيْطَ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الكَرَمِ؟ فَقُلْتُ: بِحَيْثُ أَرَدْتَ، فَقَالَ: إِذَا أَرْجَعَكَ اللهُ سَالِماً مِنْ هَذَا الطَّريقِ، فَاسْتَصْحِبْ لي عَدُوّاً في بُرْدَةِ صَديقٍ، مِنْ نِجار الصُّفْرِ، يَدْعُو إِلى الكُفْرِ، وَيَرْقُصُ عَلَى الظُّفرِ، كَدَارَةِ العَيْنِ، يَحُطُّ ثِقَلَ الدَّيْنِ، وَيُنافِقُ بِوَجْهَيْنِ. قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَلْتَمِسُ دِيناراً، فَقُلْتُ: لَكَ ذلِك نَقْداً، وَمِثْلُهُ وَعْداً، فَأَنْشأَ يَقُولُ:

стр. 14

رَأيُكَ مِمَّا خَطَبْتُ أَعْلَى ... لا زِلْتَ لِلمَكْرُمَاتِ أَهْلا صَلُبْتَ عُوداً، وَدُمْتَ جُوداً ... وَفُقْتَ فَرْعاً، وَطِبْتَ أَصْلا لا أَسْتَطيعُ العَطَاءَ حَمْلاً ... وَلا أُطيقُ السُّؤَالَ ثِقْلا قَصُرْتُ عَنْ مُنْتَهَاكَ ظَنّاً ... وَطُلْتَ عَمَّا ظَنَنْتُ فِعْلا يا رُجْمَةَ الدَّهْر والمَعَالي ... لا لَقِىَ الدَّهْرُ مِنْكَ ثُكْلا قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَام: فَنُلْتُهُ الدِّينَارَ، وَقُلتُ: أَينَ مَنْبِتُ هَذا الفَضْلِ؟ فَقَالَ: نَمَتْنِي قُرَيشٌ وَمُهِّدَ لِيَ الشَّرفُ فِي بَطَائِحِهَا، فَقالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: أَلَسْتَ بِأَبِي الْفَتْحِ الإْسْكَنْدَريِ؟ أَلَمْ أَرَكَ بِالْعِراقِ، تَطُوفُ فِي الأَسْواقِ، مُكَدِّياً بِالأَوْرَاقِ؟ فَأَنْشِأَ يَقُولُ: إِنَّ للهِ عَبِيدَاً ... أَخَذُوا الْعُمْرَ خَلِيطاً فَهُمُ يُمْسُونَ أَعْرَا ... باً، وَيُضْحُونَ نَبِيطا

стр. 15

الْمَقَامَةُ السِّجِسْتَانَّيةُ حَدَثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدا بِي إِلى سِجِسْتَانَ أَرَبٌ، فَاقْتَعَدْتُ طِيَتَّهُ، وَامْتَطَيْتُ مَطِيَّتَهُ، وَاسْتَخَرْتُ الله فِي العَزْمِ جَعَلْتُهُ أَمَامِي، وَالْحَزْمِ جَعَلْتُهُ إِمَامِي حَتَّى هَدَانِي إِلَيْهَا، فَوَافَيْتُ دُرُوبَهَا وَقَدْ وَافَتِ الشَّمْسُ غُرُوبَهَا، وَاتَّفَقَ المَبِيتُ حَيْثُ انْتَهَيْتُ، فَلَمَّا انْتُضيَ نَصْلُ الصَّبَاحِ، وَبَرَزَ جَيْشُ الْمِصْبَاحِ، مَضَيْتُ إِلى السُّوقِ أَخْتَارُ مَنْزِلاً، فَحِينَ انْتَهَيْتُ مِنْ دَائِرَةُ الْبَلَدِ إِلَى نُقْطَتِهَا، وَمِنْ قِلادَةِ السُّوقِ إِلى وَاسِطَتِهَا، خَرَقَ سَمْعِي صَوْتٌ لَهُ مِنْ كُلِّ

стр. 16

عِرْقٍ مَعْنىً، فَانْتَحَيْتُ وَفْدَهُ حَتَّى وَقَفْتُ عِنْدَهُ، فَإذَا رَجُلٌ عَلى فَرَسِهِ، مُختَنِقٌ بِنَفسِهِ، قَدْ ولاَّنِي قَذَالَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ عَرَفَني فَقَدْ عَرَفَني، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفني فأَنا أُعَرِّفُهُ بِنَفْسي: أَنَا با كُورَةُ اليَمَنِ

стр. 17

وَأُحْدُوثةُ الزَّمَنِ أَنَا أُدْعِيَّةُ الرِّجالِ، وَأُحْجيَّةُ رَبَّاتِ الحِجالِ، سَلُوا عنِّي البِلادَ وَحُصُونَها، وَالجِبالَ وَحُزُونَها، وَالأوْدية وَبُطُونَها، وَالبِحارَ وَعُيُونَهَا، والخيلَ وَمُتُونَها، مَنِ الذَّي مَلَكَ أَسْوَارَها، وَعَرَفَ أَسْرَارَهَا، وَنَهَجَ سَمْتَها، وَوَلَجَ حَرَّتَهَا؟ سَلُوا المُلوكَ وَخَزَائِنَها، وَالأَغْلاقَ وَمَعادِنَها، وَالأُمُورَ وَبَوَاطِنَها، وَالعُلُومَ وَمَوَاطِنها، وَالخُطُوبَ وَمَغالِقَهَا، وَالحُروبَ وَمَضَايِقَهَا، مَنِ الذَّي أَخَذَ مُخْتَزَنَها، وَلَمْ يُؤَدِّ ثَمَنَهَا؟ وَمَنِ الذَّي مَلَكَ مَفَاتِحَها، وَعَرَفَ مَصَالِحَها؟

стр. 18

أَنَا وَاللهِ فَعَلْتُ ذلِكَ، وَسَفَرْتُ بَيْن المُلُوكِ الصِّيدِ، وَكَشْفُت أَسْتَارَ الخُطُوبِ السُّودِ، أَنَا وَاللهِ شَهِدْتُ حَتّى مَصارِعَ العُشَّاقِ، وَمَرِضْتُ حَتَّى لِمَرَضِ الأَحْدَاقِ، وَهَصَرْتُ الغُصُونَ النَّاعِماتِ، وَأَجْتَنَيْتُ وَرْدَ الْخُدُودِ الْمُوَرَّداتِ، وَنَفَرْتُ مَعَ ذَلِكَ عَنْ الدُّنْيَا نُفُورَ طَبْعِ الْكَرِيمِ عَنْ وُجُوهِ اللِّئَامِ، وَنَبَوتُ عَنْ الْمُخْزِياتِ نُبُوَ السَّمْعِ الشَّريفِ عَنْ شَنْيعِ الْكَلامِ وَالآنَ لَمَّا أَسْفَرَ صُبْحُ الْمَشِيبِ،

стр. 19

وَعَلَتْنِي أُبَهةُ الْكِبَرِ، عَمَدْتُ لإِصْلاحِ أَمْرِ الْمَعَادِ، بإِعْدَادِ الزَّادِ، فَلَمْ أَرَ طَرِيقاً أَهْدَى إِلى الرَّشَادِ مِمَّا أَنْا سَالِكُهُ، يَرَانِي أَحَدُكُمْ رَاكِبَ فَرَسٍ، نَاثِرَ هَوَسٍ، يَقُولُ: هذاَ أَبُو الْعَجَبِ، لاَ وَلَكِّنِيَ أَبُو الْعَجَاِئبِ، عَايَنْتُهَا وَعَانَيْتُهَا، وَأُمُّ الْكَبَائِرِ قَايَسْتُهَا وَقَاسَيْتُهَا، وَأَخُو الاْغْلاَقِ: صَعْباً وَجَدْتُهَا، وَهَوْناً أَضَعْتُهَا، وَغَالِياً

стр. 20

اشْتَرَيْتُهَا، وَرَخِيصاً ابْتَعْتُهَا، فَقَدْ واللهِ صَحِبْت لهَا الْمَواكِبَ، وَزَاحَمْتُ الْمَنَاكِبَ، وَرَعَيْتُ الْكَواكِبَ، وأَنْضَيْتَ الْمَراكِبَ، دُفِعْتُ إِلى مَكَارِهَ نَذَرْتُ مَعَهَا أَلاَّ أَدَّخِرَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَنَافِعَهَا، وَلاَ بُدَّ لِي أَنْ أَخْلَعَ رِبْقَةَ هَذِهِ الأَمَانَة مِنْ عُنُقِي إِلَى أَعْنَاِقكُمْ، وَأَعْرِضَ دَوائِي هَذا فِي أَسْوَاقِكُمْ، فَلْيَشْتَرِ مِنِّي مَنْ لاَ يَتَقَزُّزُ مِنْ مَوْقِفِ الْعَبِيدِ، ولاَ يَأَنَفُ مِنْ كَلِمَةِ الْتَّوحِيدِ، وَلْيَصُنْهُ مَنْ أَنْجَبَتْ جُدُودُهُ، وَسَقَى بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ عُوُدُهُ. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَدُرْتُ إِلَى وَجْهِهِ لأَعْلَمَ عِلْمَه فَإِذَا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبْو الْفتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، وَانْتَظَرْتُ إَجْفَالَ النَّعَامَةِ بَيْنَ

стр. 21

يَدَيْهِ، ثُمَّ تَعَرَّضْتُ فَقُلْتُ: كَمْ يُحِلُّ دَوَاءَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: يُحِلُّ الْكِيسُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكْتُهُ وَانْصَرَفْتُ. الْمَقَامَةُ الكُوفِيَةُ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ وَأَنَا فَتِىُّ السِّنِّ أَشُدُّ رَحْلِي لِكُلِّ عَمَايَةٍ، وَأَرْكُضُ طِرْفَي إِلَى كلِّ غِوَايَةٍ، حَتَّى

стр. 22

شَرِبْتُ مِنَ العُمْرِ سَائِغَهُ، وَلَبِسْتُ مِنَ الدَّهْرِ سابِغَهُ، فَلَمَّا انْصَاحَ النَّهَارُ بِجَانِبِ لَيْلَى، وَجَمَعْتُ للمَعَادِ ذَيْلي، وَطِئتُ ظَهْرَ المَرُوضةِ، لأداءِ المَفْرُوضَةِ، وَصَحِبَني فِي الطَّريقِ رَفيقٌ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ سُوءٍ، فَلَمَّا تجَالَيْنا، وَخَبَّرْنا بحالَيْنا، سَفَرَتِ القِصَّةُ عَنْ أصْلٍ كُوفيّ، وَمَذْهَبٍ صُوفِيّ، وَسِرْنا فَلَمَّا أَحَلَّتْنا الكُوفَةُ مِلْنا إِلى دَارِهِ، وَدَخلْنَاهَا وَقَدْ بَقَلَ وَجْهُ النَّهَارِ وَاخْضَرَّ جَانِبُهُ وَلَّما اغْتَمَضَ جَفْنُ اللَّيْلِْ وَطَرَّ شَارِبُهُ، قُرِعَ عَلَيْنا البابُ، فَقُلْنا: مَنِ

стр. 23

القارِعُ المُنْتابُ؟ فقالَ: وَفْدُ اللَّيْلِ وَبَريدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَريدُهُ، وَحُرُّ قَادَهُ الضُّرُّ، والزَّمَنُ المُرُّ، وَضَيْفٌ وَطْؤُهَ خَفيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغيفٌ، وَجَارٌ يَسْتَعْدِى عَلى الجُوعِ، وَالجْيبِ المَرْقُوعِ، وَغَرِيبٌ أَوقِدَتِ النَّارُ عَلى سَفَرِهِ، وَنَبَحَ العَوَّاءُ عَلَى أَثَرِهِ، وَنُبِذَتْ خَلْفَهُ الحُصَيَّاتُ، وَكُنِسَتْ بَعْدَهُ العَرَصاتُ، فَنِضْوُهُ

стр. 24

طَليحٌ، وَعَيْشُهُ تَبْريحٌ، وَمِنَ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ. قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَقَبَضْتُ مِنْ كِيسي قَبْضَةَ اللَّيْثِ، وَبَعَثْتُها إِلَيهِ وَقُلْتُ: زِدْنا سُؤَالاً، نَزِدْكَ نَوَالاً، فَقَالَ: ما عُرِضَ عَرْفُ العُودِ، عَلى أَحَرَّ مِنْ نَارِ الجُودِ، وَلا لُقِيَ وَفْدُ البِرِّ، بأَحْسَنَ مِنْ بَريدِ الشُّكْرِ، وَمَنْ مَلَكَ الفَضْلَ فَلْيُؤَاسِ، فَلَنْ يَذْهَبَ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ، وَأَمَّا أَنْتَ فَحَقَّقَ اللهُ آمَالَكَ، وَجَعَلَ اليَدَ العُلْيا لَكَ. قَالَ عِيسى بْنُ هِشامٍ: فَفَتَحْنا لَهُ البَابَ وَقُلْنا: ادْخُلْ، فَإِذا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَريُّ، فَقُلْتُ: يا أَبَا الفَتْح، شَدَّ مَا بَلَغتْ مِنْكَ الخصَاصَةُ.

стр. 25

وَهذَا الزِّيِّ خَاصَّةٌ، فَتَبَسَّمَ وَأَنْشأَ يَقولُ: لاَ يَغُرَّنَكَ الذِي ... أَنَا فيهِ مِنَ الطَّلَبْ أَنَا فِي ثَرْوَةٍ تُشَ ... قُّ لَهَا بُرْدَةُ الطَّرَبْ أَنَا لَوْ شِئْتُ لاَتَّخَذْ ... تُ سُقُوفاً مِنَ الذَهَبْ المَقَامَةُ الأَسَدِيةُ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كانَ يَبْلُغُنِي مِنْ مَقَامَاتِ الإِسْكَنْدَريِّ وَمَقَالاتِهِ مَا يَصْغَى إِلَيْهِ النُّفُورُ، وَيَنْتَفِضُ لَهُ العُصْفُورُ، وَيَرْوَي لَنَا مِنْ شِعْرِهِ مَا يَمْتَزِجُ بأَجْزَاءِ النَّفْسِ رقَّةً، وَيَغْمُضُ عَنْ أَوْهَامِ الكَهَنَةِ دِقَةً، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهُ بَقَاءَهُ، حَتْى أُرْزَقَ

стр. 26

لِقَاءَهُ، وَأَتَعَجَّبُ مِنْ قُعُودِ هِمَّتِهِ بِحَالَتِهِ، مَعَ حُسْنِ آلَتِهِ، وَقَدْ ضَرَبَ الدَّهْرُ شُؤُونَهَ، بِأَسِدَادِ دُونَهُ، وَهَلَّمَ جَرًّا، إِلَى أَنْ اتَّفَقَتْ لِيَ حَاجَةٌ بِحِمْصَ فَشَحَذْتُ إِليَهَا الحِرصَ، فِي صُحْبَةِ أَفْرِادٍ كَنُجُومِ اللَّيلِ، أَحْلاسٍ لِظُهُورِ الخَيلِ، وَأَخذْنَا الطَرِيقَ نَنْتَهِبُ مَسَافَتَهُ، وَنَسْتَأْصِلُ شأْفَتَهُ، وَلَمْ نَزَلْ نَفْرِي أَسْنِمَةَ النِّجَادِ بِتِلْكَ الْجِيَادِ، حَتَّى صِرْنَ كَالْعِصِيِّ، وَرَجَعْنَ كَالْقِسِيِّ، وَتَاخَ لَنَا وَادٍ فِي سَفْحِ جَبَلٍ ذِي أَلاءٍ وأَثْلٍ، كَالعَذَارَى يُسَّرِحْنَ الضَّفَائِرَ،

стр. 27

وَيَنْشُرْنَ الغَدَائِرَ، وَمَالتِ الهَاجِرَةُ بِنَا إِليْهَا، وَنَزَلْنَا نُغَوِّرُ وَنَغُورُ، وَرَبَطْنَا الأَفْرَاسَ بِالأَمْراسِ، وَمِلنَا مَعَ النُّعَاسِ، فَمَا رَاعَنَا إِلاَّ صَهِيلُ الخَيلِ، وَنَظَرتُ إِلى فَرَسِي وَقَدْ أَرْهَفَ أُذَنَيِهِ، وَطَمَحَ بِعَيْنَيهِ، يَجُّذُ قُوَى الحَبْلِ بِمَشَافِرِهِ، وَيَخُدُّ خَدَّ الأَرْضِ بِحَوافرهِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتِ الخَيْلُ فَأَرْسَلَتِ الأَبْوَالَ، وَقَطَّعَتِ الحِبَالَ، وَأَخَذَتْ نَحْوَ الجِبَالِ، وَطَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى سِلاحِهِ؛ فإِذَا السَّبُعُ فِي فَرْوَةِ المَوتِ، قَدْ طَلَعَ مِنْ غَابِهِ، مُنْتَفِخاً فِي إِهَابِهِ، كَاشِراً عَنْ

стр. 28

أَنْيَابِهِ، بِطَرْفٍ قَدْ مُلِئَ صَلَفاً، وَأَنْفٍ قَدْ حُشِىَ أَنَفَاً، وَصَدْرٍ لاَ يَبْرَحُهُ القَلْبُ، ولاَ يَسْكُنُهُ الرُّعْبُ، وَقُلْنَا خطْبٌ مُلِمٌ، وَحَادِثٌ مُهِمٌ، وَتَبَادرَ إِلَيِهِ مِنْ سُرْعَانِ الرُّفْقَةِ فَتَىً: أَخْضَرُ الجِلْدَةِ فِي بَيْتِ العَرَبْ ... يَمْلأُ الدَّلْوً إِلَى عَقْدِ الكَرَبْ بِقَلْبٍ سَاقَهُ قَدْرٌ، وَسَيْفٍ كُلُّهُ أَثْرٌ، وَمَلَكَتْهُ سَوْرَةُ

стр. 29

الأَسَدِ فَخَانَتْهُ أَرْضُ قَدَمِهِ، حَتَّى سَقَطَ لِيَدِهِ وَفَمِهِ، وَتَجَاوَزَ الأَسَدُ مَصْرَعَهُ، إِلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَدَعَا الْحَيْنَ أَخَاهُ، بِمِثْلِ مَا دَعَاهُ، فَصارَ إِلَيْهِ، وَعَقَلَ الرُّعْبُ يَدَيهِ، فَأَخَذَ أَرْضَهُ، وَافْتَرشَ اللَّيثُ صَدْرَهُ، وَلَكِّنْي رَمَيْتُهُ بِعِمَامَتِي، وَشَغلتُ فَمَهُ، حَتَّى حَقَنْتُ دَمَهُ، وَقَامَ الفَتَى فَوَجَأَ بَطْنَهُ، حتَّى هَلَكَ الفَتَى مِنْ خَوْفِهِ، والأَسَدُ لِلْوَجْأَةِ في جَوفِهِ، ونَهَضْنا فِي أَثَرِ الخَيْلِ فَتَأَلَّفْنا مِنْهَا ما ثَبَتَ، وَتَرَكْنَا مَا أَفْلَتَ، َوعُدْنَا إِلى الرَّفِيقِ لِنُجَهِّزَهُ

стр. 30

فَلمَّا حَثَونَا التُّرْبَ فَوْقَ رَفِيقَنَاجَزِعْنَا وَلَكِنْ أَيُّ سَاعَةِ مَجْزَعِ وَعُدُنَا إِلَى الفَلاةِ، وَهَبَطْنَا أَرْضَهَا، وَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ضَمِرَتِ المَزَادُ، وَنَفِدَ الزَّادُ أَوْ كَادَ يُدْرِكُهُ الْنَّفادُ، وَلَمْ نَمْلِكِ الذَّهَابِ وَلاَ الرُّجُوعَ، وَخِفْنَا القَاتِلِينَ الظَّمَأَ وَالجُوعَ، عَنَّ لَنَا فَارِسٌ فَصَمَدْنَا صَمْدَهُ، وَقَصَدْنَا قَصْدَهُ، وَلَمَّا بَلَغَنَا نَزَلَ عَنْ حُرِّ فَرَسَهَ يَنْقُشُ الأَرْضَ بِشَفَتَيهِ، ويَلْقِي التُّرَابَ بِيَدَيْهِ، وَعَمَدَنْي مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ، فَقَّبَلَ رِكَابِي، وَتَحَّرَمَ بِجَنَابِي، وَنَظَرْتُ فَإِذْا هُوَ وَجْهٌ يَبْرُقُ بَرْقَ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ، وَقَوَامٌ مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّل، وَعَارِضٌ قَدِ اخْضَرَّ، وَشَارِبٌ قَدْ طَرًّ، وَسَاعِدٌ مَلآنٌ، وَقَضِيبٌ

стр. 31

رَيَّانُ، ونِجَارٌ تُرْكِيٌ، وَزِيٌ مَلَكِيٌ، فَقُلْنَا: مَالَكَ لاَ أَبَالكَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ بَعْضِ الْمُلوكِ، هَمَّ مِنْ قَتْلي بِهَمٍّ، فَهِمْتُ عَلى وَجْهِي إِلى حَيْثُ تَرانِي، وَشَهِدَتْ شَوَاهِدُ حالهِ، على صِدْقِ مَقَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا اليَومَ عَبْدُكَ، وَمَالِي مَالُكَ، فَقُلْتُ: بُشْرَى لَكَ وَبِكَ، أَدَّاكَ سَيْرُكَ إِلَى فِنَاءٍ رَحْبٍ، وَعَيْشٍ رَطْبٍ، وَهَنْأَتْنِي الْجَمَاعَةُ، وَجَعَلَ ينْظُرُ فَتَقْتُلَنَا أَلْحَاظَهُ، وَيَنْطِقُ فَتَفْتِنٌنَا أَلْفَاظَهُ، فَقَالَ:

стр. 32

يَا سَادَةُ إِنَّ فِي سَفْحِ الجَبَلِ عَيْنَاً، وَقَدْ رَكِبْتُمْ فُلاَةً عَوْرَاءَ، فَخُذُوا مِنْ هُنَالِكَ الْمَاءَ، فَلَوَيْنَا الأَعِنَةَ إِلى حَيثُ أشَارَ، وَبَلَغْنَاهُ وَقَدْ صَهَرَتِ الهَاجِرَةُ الأَبْدَانَ، وَرَكِبَ الجَنَادِبُ الْعِيدَانَ، فَقَالَ: أَلاَ تَقِيلُونَ فِي الظِّلِّ الْرَّحْبِ، عَلى هَذا المَاءِ الْعَذْبِ؟ فَقُلْنَا: أَنْتَ وَذَاكَ فَنَزَلَ عَنْ فرَسِهِ، وَحَلَّ مِنْطَقَتَهُ، وَنَحَى قُرْطَقَتَهُ فَمَا اسْتَرَعَنَّا إِلاَّ بِغِلاَلَةٍ تَنِمُّ عَنْ بَدَنِهِ، فَمَا شَكَكْنَا أَنَّهُ خَاصَمَ الوِلْدَانَ، فَفَارَقَ الْجِنَانَ، وَهَرَبَ مِنْ رِضْوَانٍ، وَعَمَدَ إِلَى السُّرُوجِ فَحَطَّهَا، وإِلَى

стр. 33

الأَفْراسِ فَحشَّهَا، وإِلَى الأَمْكِنةِ فَرَشَّهَا، وَقَدْ حَارَتِ الْبَصَائِرُ فِيهِ، وَوَقَفْتِ الأَبْصَارُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى مَا أَلْطَفَكَ فِي الٍخِدْمَةِ، وَأَحْسَنَكَ فِي الجُمْلَةِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ فَارَقْتَهُ، وَطُوبَى لِمَنْ رَافَقْتَهُ، فَكَيِفَ شُكْرُ اللهِ عَلَى الْنِعْمَةَ بِكَ؟ فَقَالَ: مَا سَتَرُونَهُ مِنِّي أَكْثَرُ، أَتُعْجِبُكُمْ خِفَّتي فِي الخِدْمَةِ، وَحُسْنِيَ فِي الجُمْلَةِ؟ فَكَيِفَ لَوْ رَأَيْتُمُونِي فِي الْرُّفْقًةِ؟ أُرِيكُمْ مِنْ حِذْقِيَ طُرَفَا، لِتَزْدَاُدوا بِي شَغَفَاً؟ فَقٌلْنَا: هَاتِ: فَعَمَدَ إِلَى قَوْسِ أَحَدِنَا فَأَوْتَرَهُ، وَفَوَّقَ سَهْمَاً فَرَمَاهُ فِي السَّماءِ، وَأَتْبَعَهُ

стр. 34

بِآخَرَ فَشَقَّهُ في الهَواءِ، وَقَالَ: سَأُرِيكمْ نَوعَاً آخَرَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى كِنَانَتي فَأَخَذَهَا، وإِلَى فَرَسِي فَعَلاهُ، وَرَمَى أَحَدَنا بِسَهْمٍ أَثْبَتَهُ فِي صَدْرِهِ، وَآخَرَ طَيَّرَهُ منْ ظَهْرِهِ، فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: اسْكُتْ يَا لُكَعُ، وَاللهِ لَيَشُدَّنَ كُلٌ مِنْكُمْ يَدَ رَفِيِقِهِ، أَوْ لأُغِصِنَّهُ بِرِيِقهِ، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَصْنَعْ وَأَفْرَاسُنَا مَرْبُوطَةٌ، وَسُروجَنَا مَحْطُوطَةٌ، وَأَسْلِحَتُنْا بَعِيدَةٌ، وَهْوَ رَاكِبٌ وَنَحْنُ رَجَّالَةٌ، وَالقَوْسُ فِي يَدِهِ يَرْشِقُ بِهَا الظُّهُورَ، وَيَمْشُقُ بِهَا الْبُطُونَ والْصُّدُورَ، وَحِينَ

стр. 35

رَأَيْنَا الْجِدَّ، أَخَذْنَا الْقِدَّ، فَشَدَّ بَعْضُنَا بَعْضَاً، وَبَقَيْتُ وَحْدِيَ لاَ أَجِدُ مَنْ يَشُدُّ يَدِي، فَقَالَ: اخْرُجْ بإِهَابِكَ، عَنْ ثِيَابِكَ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وِجِعِلِ يِصْفَعُ الواحِدَ مِنَّا بَعْدَ الآخَرِ، وَيَنْزَعُ ثِيَابَهُ وَصَارَ إِلَيَّ وَعَليَّ خُفَّانِ جَدِيدانِ، فَقَالَ: اخْلَعْهُمَا لاَ أُمَّ لَكَ، فَقُلْتُ: هَذا خُفٌ لَبِسْتُهُ رَطْباً فَلَيْسَ يُمْكِنُي نَزْعَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ خَلْعُهُ، ثُمَّ دَنَا إِلَيَّ لِيَنْزَعَ الخُفَّ، وَمَدَدْتُ يَدْي إِلَى سِكْينٍ كَانَ مَعْي فِي الخُفِّ وَهْوَ فِي شُغْلِهِ فَأَثْبَتَّهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَبَنْتَهُ مِنْ َمَتْنهِ، فَمَا زَادَ عَلى فَمٍ فَغَرَهُ، وأَلَقَمَهُ حَجَرَهُ، وَقُمْتُ إِلى أَصْحَابِي فَخَلَلْتُ أَيْدِيِهِمْ، وَتَوَزْعَنَا سَلَبَ القَتِيلَينِ، وأَدَرَكْنَا الرَّفِيقَ وَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ، وِصِارَ لِرَمْسِهِ، وَصِرْنَا إِلى الطَّرِيقِ، وَوَرَدْنا حِمْصَ بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلى فُرْضَةِ مِنْ سُوقِهَا رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلى رأَسِ ابْنٍ وَبُنَيةٍ، بِجِرابٍ وَعَصِيةٍ، وهُوَ يَقُولُ: عُهُ، ثُمَّ دَنَا إِلَيَّ لِيَنْزَعَ الخُفَّ، وَمَدَدْتُ يَدْي إِلَى سِكْينٍ كَانَ مَعْي فِي الخُفِّ وَهْوَ فِي شُغْلِهِ فَأَثْبَتَّهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَبَنْتَهُ مِنْ َمَتْنهِ، فَمَا زَادَ عَلى فَمٍ فَغَرَهُ، وأَلَقَمَهُ حَجَرَهُ، وَقُمْتُ إِلى أَصْحَابِي فَخَلَلْتُ أَيْدِيِهِمْ، وَتَوَزْعَنَا سَلَبَ القَتِيلَينِ، وأَدَرَكْنَا الرَّفِيقَ وَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ، وِصِارَ لِرَمْسِهِ، وَصِرْنَا إِلى الطَّرِيقِ، وَوَرَدْنا حِمْصَ بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلى فُرْضَةِ مِنْ سُوقِهَا رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلى رأَسِ ابْنٍ وَبُنَيةٍ، بِجِرابٍ وَعَصِيةٍ، وهُوَ يَقُولُ:

стр. 36

رَحِمَ اللهُ مَنْ حَشَا ... فِي جِرَابِي مَكَارِمَهْ رَحِمَ اللهُ َمنْ رَنَا ... لِسَعِيدٍ وَفَاطِمَهْ إِنَّهُ خَادِمٌ لَكُمْ ... وَهْيَ لاَ شَكَّ خَادِمَهْ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ إِنَّ هَذا الرَّجُلَ هُوَ الإِسْكَنْدَرِيُّ الَّذي سَمِعْتُ بِهِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ هُوَ، فَدَلَفْتُ إَلَيهِ، وَقُلْتُ: احْتَكِمْ حُكْمَكَ فَقَالَ: دِرْهَمٌ، فَقُلْتُ: لَكَ دِرْهَمٌ فِي مِثْلِهِ ... مَا دَامَ يُسْعِدُنِي النَّفَسْ فَاحْسُبْ حِسَابَكَ وَالتَمِس ... كَيْمَا أُنِيلُ الْملْتَمَس وَقُلْتُ لَهُ: دِرْهَمٌ فِي اثْنَينِ فِي ثَلاثَةٍ فِي أَرْبَعةٍ فِي خَمْسَةٍ، حَتَّى انْتَهَيْتُ

стр. 37

إِلَى العِشْرِينَ، ثُمَّ قُلْتُ: كَمْ مَعَكَ؟ قَالَ: عِشْرونَ رَغِيفاً، فَأَمَرْتُ لَهُ بِهَا، وَقُلْتُ: لاَ نَصْرَ مَعَ الخِذَلاَنِ، وَلاَ حِيلَةَ مَعَ الْحِرْمَانِ. المَقَامَةُ الغَيْلانِيَّةُ حَدَثَنْي عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِجُرْجَانَ، فِي مُجْتَمَعٍ لنَا نَتَحَدَّثُ، وَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ رَجُلُ العَرَبِ حِفْظاُ وَرِوَايةً، وَهَوَ عِصْمَةُ بْنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ، فأَفْضَى بِنَا الكَلاَمُ إِلَى ذِكْرِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ حِلْماً، وِمِنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ احْتِقَاراً، حَتَّى ذَكَرْنَا الصَّلَتَانَ الْعَبْدِيَّ وَالبَيِثَ، وَمَا كَانَ مِنْ احْتِقَارِ جَريرٍ وَالفَرَزْدَقِ لَهُمَا، فَقَالَ عِصْمَةُ: سَأُحَدِثَكُم بِمَا شَاهَدَتْهُ عَيْني، وَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ غَيْري، بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي بِلادِ تَمِيمٍ مُرْتَحِلاً نَجِيَبةً، وَقائِداً جَنِيبَةً، عنَّ ليَ رَاكِبٌ عَلىَ أَوْرَقٍ جَعْدِ اللُّغَامِ، فَحَاذَانِي حَتَّى إِذا صَكَّ الشَّبَحُ بِالشَّبَحِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، مَنِ الرَّاكِبُ الجَهيرُ الكَلاَمِ المُحَيِّي بِتَحيَّة الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ: أَنَا غَيْلاَنُ بْنُ عُقْبَةَ، فَقُلتُ: مَرْحَباً بِالكَرِيم حَسَبهُ الشَّهِيرِ نَسَبُهُ، السَّائِرُ مَنْطِقُهُ، فَقَالَ: رَحُبَ وَادِيكَ، وَعَزَّ نَاِديَكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عِصْمةُ بْنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَياَّكَ اللهُ نِعْمَ الصَّدِيقُ، وَالصَاحبُ والرَّفِيقُ،

стр. 38

وَسِرْنَا فَلَمَّا هَجَّرْنا قَالَ: أَلاَ نُغَوِّرُ يَاعِصْمةُ فَقَدْ صَهَرَتْنَا الْشَّمْسُ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَمِلْنَا إِلِى شَجراتٍ أَلاَءٍ كَأَنْهُنَّ عَذارَى مُتَبَرِّجاتٌ، قَد نَشَرْنَ غَدائِرَهُنَّ، ِلأثَلاثٍ تُنَاوِحُهُنَّ، فَحَطَطْنَا رِحَالَنَا، وَنِلْنَا مِنَ الطَّعَامِ، وَكانَ ذُو الرُّمَةِ زَهِيدَ الأَكلِ، وَصَلَّيْنَا بَعْدُ، وَآلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلى ظِلِّ أَثَلةٍ يُرِيدُ الْقَائِلَةَ، وَاضَطَجَعَ ذُو الرُّمَّةِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ مِثَلَ صَنِيعِهِ، فَوَلَّيْتُ ظَهْرِي الأَرْضَ، وَعَيْنَاي لاَ يَمْلِكُهُمَا غُمْضٌ، فَنَظَرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ قَدْ ضَحِيَتْ وَغَبِيطُهَا مُلْقىً، وَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يَكْلأُهَا كأَنَّهُ عَسِيفٌ أَوْ أَسِيفٌ فَلَهِيتُ عَنْهُمَا، وَما أَنَا وَالسُّؤالَ عَمَّا لاَ يَعْنِينِي؟

стр. 39

وَنَام ذُو الرُّمَّةِ غِرَاراً، ثُمَّ انْتَبَهَ، َوكاَنَ ذلِكَ فِي أَيَّامِ مُهَاجاتِهِ لِذَلكَ الْمُرِّيَّ، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَأَنْشَدَ يَقُولُ: أَمِنْ مَيَّةَ الطُّلَلُ الدَّارِسُ ... أَلَظَّ بِهِ العَاصِفُ الرَّامِسُ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَ شَجِيجُ الْقَذَالِ ... وَمُسْتَوْقَدٌ مَا لَهُ قَابِس وَحَوْضٌ تَثَلَّمَ مِنْ جَانِبَيْهِ ... وَمُحْتَفَلٌ دَارِسٌ طامِسُ وَعَهْدي بِهِ وَبِهِ سَكْنُهُ ... وَمَيَّهُ وَالإِنْسُ وَالآِنسُ كَأَنِّي بِمَيَّةَ مُسْتَنْفِرٌ ... غَزَالاً ترَاءَى لَهُ عَاطِسٌ إِذَا جِئْتُهَا رَدَّنيِ عَابِسٌ ... رَقِيبٌ عَلَيْها لَهَا حَارِسٌ سَتَأْتِي امْرِأَ الْقَيْسِ مَأْثُورَةٌ ... يُغَنِّي بِها العَابِرَ الجَالِسُ

стр. 40

أَلَمْ تَرَ أَنَّ امْرأَ القَيْسِ قَدْ ... أَلَظَّ بِهِ دَاؤُهُ النَّاجِسُ هُمُ القَوْمُ لاَ يَأَلَمُونَ الْهِجَاءَ ... وَهَلْ يَأَلَمُ الحَجَرُ الْيَابِسُ فَمَا لَهُمُ في الْعُلاَ رَاكِبٌ ... وَلاَ لَهُمُ فِي الوَغَى فَارِسُ مُمَرْطَلةٌ فِي حِياضِ المَلاَمِ ... كَمَا دَعَسَ الاْدَمَ الدَّاعِسُ إِذَا طَمَحَ النَّاسُ لِلْمَكْرُماتِ ... فَطَرْفُهُمُ المُطْرِقُ النَّاعِسُ تَعَافُ الأَكَارِمُ إِصْهَارَهُمْ ... فَكًلُّ أَيَامَاهُمُ عانِسُ فَلَمَّا بَلَغَ هَذا البَيْتَ تَنَبَّهَ ذَلِكَ النَّائِمُ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: أَذُو الرُّمَيْمَةِ يَمْنَعُنِي النَّوْمَ بِشِعْر غيْرِ مُثَقّفٍ وَلاَ سَائِر؟ فَقُلْتُ يَا غَيْلاَنُ، مَنْ هَذا؟ فَقَالَ: الْفَرَزْدَقُ، وَحَمِى ذُو الرُّمَّةِ فَقَالَ:
следующие страницы →