Полный текст (1 990 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يقوليزيد اليانق: سألتأبا وائل شقيق بن سلمة وهو التابعي المشهور تلميذ ابن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عن المرجئة فقَالَ: حدثني عبد الله -وهو ابن مسعود - أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) انتهت العبارة وانتهى الجواب وفهم السامع، ونستخرج من هذه العبارات أعظم رد عَلَى المرجئة، وأمثلة كثيرة جداً، فانظر! كيف كَانَ رد هَؤُلاءِ العلماء، وكيف أوتوا هذه المقدرة العقلية الهائلة.
فالذين يقولون مثلاً في الفقه: إننا أفقه من الصحابة لأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد، ولم يتفرغوا لاستنباط القواعد الفقهية ولم يعرفوا أصول علم الفقه، فلما أتينا وضعنا قواعد أصولية نستطيع من طريقها معرفة الدليل، فهَؤُلاءِ في الحقيقة ما قدروا الصحابة حق قدرهم.
إن الاشتغال بما ورد عن الصحابة رضى الله عنهم، وتتبع فقههم وآثارهم، تُنزل عَلَى صاحبها الحكمة بإذن الله ، فأصحاب مُحَمَّد ﷺ كانت الأمور تأتيهم عَلَى الفطرة، ويفهمون ما يقوله رَسُول ﷺ عَلَى الفطرة، فعرفوه علماً وجاهدوا عليه عملاً، ودعوا إليه ثُمَّ ماتوا وهم ثابتون عليه ﵃ أجمعين.
فمن قال من أهل علم الكلام: إن علم السلف أسلم ونحن أعلم وأحكم، فهذا ضال مضل، وقد أساء وظلم نفسه، ولم يرع ما قال من الثناء عَلَى أصحاب النبي ﷺ ، وأئمة السلف، فإن الله إنما جعل لنا الخير في أن نتبع هَؤُلاءِ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:١٠٠] .
стр. 107
ويقول : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:١٠] وهَؤُلاءِ يقولون: نَحْنُ أعلم وأحكم.
وأهل السنة يؤمنون أنه لو أنفق الإِنسَان المسلم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، كما صح ذلك عن النبي ﷺ ؛ وهو إنما خاطب به خالد بن الوليد وأمثال خالد، وهو صحابي أيضاً بالنسبة لمن آمن قبل الفتح، فالخطاب في هذا الحديث إنما هو لأولئك الذين أسلموا بعد الفتح، أو ممن كَانَ من المفضولين بالنسبة لفاضلهم ولسابقهم ولمتقدمهم.
فما بالك بالتابعين؟ فكيف بأتباعهم؟! فكيف بمن أتى بعدهم من القرون المتأخرة بعد القرون الثلاثة التي ظهر فيها قول الزور وأصبحوا يتهوكون في البدع، وتتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه -كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ ؟!!.
إن المجوس والبوذيين وغيرهم هم في الحقيقة ما قدروا الله حق قدره بعدم تقديرهم رسول الله حق قدره، أو الصحابة حق قدرهم، فالذين يقولون مثلاً في الفقه: إننا أفقه من الصحابة لأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد ولم يتفرغوا لاستنباط القواعد الفقهية وما عرفوا أصول علم الفقه، فلما أتينا وضعنا قواعد أصولية نستطيع من طريقها معرفة الدليل، فهؤلاء في الحقيقة ما قدروا الصحابة حق قدرهم.
إن الاشتغال بما ورد عن الصحابة رضى الله عنهم وتتبع فقههم وآثارهم تنزل على صاحبها الحكمة بإذن الله ، فأصحاب محمد ﷺ كانت الأمور تأتيهم على الفطرة ويفهمون ما يقوله رسول ﷺ على الفطرة فعرفوه علماً وجاهدوا عليه عملاً، ودعوا إليه ثم ماتوا وهم ثابتون عليه ﵃ أجمعين.
стр. 108
فمن قال من أهل علم الكلام: إن علم السلف أسلم ونحن أعلم وأحكم، فهذا ضال مضل، وقد أساء وظلم نفسه، ولم يرع ما قال من الثناء على أصحاب النبي ﷺ ، وأئمة السلف، فإن الله إنما جعل لنا الخير في أن نتبع هؤلاء وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة: ١٠٠] .
ويقول : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:١٠] وهؤلاء يقولون: نحن أعلم وأحكم.
وأهل السنة يؤمنون أنه لو أنفق الإنسان المسلم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، كما صح ذلك عن النبي ﷺ ؛ وهو إنما خاطب به خالد بن الوليد وأمثالخالد، وهو صحابي أيضاً بالنسبة لمن آمن قبل الفتح، فالخطاب في هذا الحديث إنما هو لأولئك الذين أسلموا بعد الفتح، أو ممن كان من المفضولين بالنسبة لفاضلهم ولسابقهم ولمتقدمهم.
فما بالك بالتابعين؟ فكيف بأتباعهم؟!! فكيف بمن أتى بعدهم من القرون المتأخرة بعد القرون الثلاثة التي ظهر فيها قول الزور وأصبحوا يتهوكون في البدع، وتتجارى بهم الأهواء كما يتجار الكلب بصاحبه كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ .
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 109
[وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، ولكن رأيت بعض الشارحين قد أصغى إلىأهل الكلام المذموم، واستمد منهم، وتكلم بعباراتهم، والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلومٍ صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق، والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمورٍ كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين، فضلاً عن علمائهم ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل، كثر المراء والجدال، وانتشر القيل والقال، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: [فمن رام علم ما حظر عنه علمه..] .
وقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، متطفلاً عليهم، لعلي أن أُنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، وأحشر في زمرتهم مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا [النساء:٦٩] ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار، آثرته على التطويل والإسهاب وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: ٨٨] وهو حسبنا ونعم الوكيل] اهـ.
الشرح:
انظر إلى هذا التواضع من المصنف بالنسبة لمن يقولون: نحن أعلم وأحكم حيث يقول: [وقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، متطفلاً عليهم، لعلي أن أنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، واحشر في زمرتهم] .
ونحن نسأل الله تعالى أن ننظم في سلكهم، وندخل في عدادهم، ونحشر في زمرتهم.
стр. 110
يذكر المصنف رحمه الله تعالى أن هذه العقيدة -يعني عقيدة الإمام الطحاوي أبي جعفر - شرحها غير واحد، لكن بعض من شرحها أصغى إلى أهل الكلام المذموم، كما في معنى الربوبية، ونقل ما فهمه من قول الإمام الطحاوي: [ولاتحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] ، فقال: هو قولنا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يمينه ولا شماله، ولا فوقه ولا تحته.
ملاحظات ابن أبي العز حول الشروحات السابقة
وجد المُصْنِّف من شرح عقيدة الإمام الطّّحاويّ شرحاً أشعرياً ماتريدياً، فنبه الشارح هنا إِلَى أنه لما رآهم مالوا وشرحوها هذا الشرح أحب هو أن يشرحها شرحاً سلفياً.
فما قالوا في هذه المواضع وفي غيرها خطأ، أو أوّلوا كلامه عَلَى غير ما أراده الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فإننا ننبه عَلَى الخطأ.
ولا نقول إن أحداً معصوم إلا رَسُول الله ﷺ .
وممن شرح هذه العقيدة ابن منكوبه ولا أحفظه إلا مخطوطاً، حيث شرحها شرحاً ماتريدياً.
وممن فسرها تفسيراً أشعرياً ابن السبكي في طبقات الشافعية، وهو كتاب عظيم في التراجم وتاريخ العلماء ومؤلفاتهم، ولكنه أشعري متعصب -غفر الله لنا وله- فهو شديد التعصب عَلَى أن لديه علماً وفضلاً كأبيه، لكن وقع منه -أي: من أبيه- الحسد لشَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ، حتى جره ذلك إِلَى التعصب لغير عقيدة السلف.
فلما جَاءَ ابن السبكي صاحب الطبقات إِلَى ترجمة أبي الحسن الأشعري أثبت أن الأشعري مات عَلَى عقيدةالأشاعرة مع أنه رجع عنها.
ثُمَّ عقد مقارنة بين عقيدة الأشعري وبين عقيدة الطّّحاويّ، ليثبت أن الكلام متطابق، وأن الاثنين متفقان.
والعجيب أنه ذكر في مواضع الافتراق مواضع كثيرة جداً فوق العشرين، وعبارة العقيدة الطحاوية مائة جملة تقريباً، وبعض الجمل فيها مكررة، فإذا كَانَ الأشعري يختلف معه في ذلك، فأين الاتفاق أصلاً.
стр. 111
فهو يريد أن يجعل العقيدة الطحاوية -وهي عقيدة مشهورة، ومجمع عَلَى فضلها بين الناس- هي عقيدة الأشعرية، ومعلوم أن عقيدة أبي الحسن الأشعري، ليست موافقة لعقيدة أبي جعفر الطّّحاويّ.
ولذلك رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أنا أشرحها سالكاً منهج السلف.
كراهية السلف للتكلم بالكلمات المجملة
ثُمَّ قَالَ: إن السلف لم يكرهوا التكلم في العرض والجوهر والحيز والجسم لأنه اصطلاح جديد، وإنما لأنها تشتمل عَلَى أمور كاذبة، وهذه قضية مهمة لئلا يأتي معترض ويقول: لماذا تنكرون عَلَى علم الكلام، ولا تنكرون عَلَى غيره من العلوم المستحدثة كعلم النحو وعلم الأصول، فالعرب كانوا يتكلمون اللغة بدون معرفة مبتدأ ولا خبر، ولا نواسخ، ولا مضاف ومضاف إليه، والفقهاء كانوا يقولون حرام وحلال، ولم يكونوا يعرفون الأحكام التكليفية والوضعية، والعلة والمناط، وغير ذلك من مباحث علم الأصول.
فنحن جئنا بمثل ما جَاءَ به النحويون وضبطنا العقيدة، فوضعنا جسم وعرض، وحيز وجوهر، وتركيب وغير تركيب، أتينا بها حتى نفهَّم النَّاس العقيدة.
وقالت الصوفية: نَحْنُ أتينا ورتبنا طريق السلوك، وجعلنا له مقامات، وأحوالاً، والحال له تعريف، والمقام له تعريف، وكيف نجمع بين هذا المقام وهذا الحال، فما أتينا إلا بمصطلحات نُفهم النَّاس كيف كَانَ الصحابة يتعبدون.
فرد عليهم المُصْنِّف هذه الشبهة فقَالَ: [السلف لم يكرهوا ذلك لمجرد كونه اصطلاحات جديدة عَلَى معان جديدة، لكن أنكروا عليهم لأنها تشتمل عَلَى أمور كاذبة، ولأنها عبارات منقولة عن مشركي اليونان والمجوس، وتعبر عن عقائد جاهلية قديمة باطلة، وكل مصطلح منها له دلالة تختلف عند أهله عنها في لغة العرب.
فالجسم في لغة العرب غير الجسم في تعريف المناطقة ... وهكذا بقية الأمور كالعرض، والجوهر.
стр. 112
فهي تعبر عن عقائد زائفة، وتشتمل عَلَى مقدمات باطلة، وتؤدي إِلَى نتائج كاذبة مبتدعة في الدين، لم يكن عليها السلف الصالح رضوان الله تَعَالَى عليهم، وإنما انتشر القيل والقال والجدال لما انتشرت مثل هذه الأقوال، وإلا فإن النبي ﷺ دعا النَّاس إِلَى عبادة الله ، ودعا أصحابه النَّاس فأدخلوهم في دين الله، وأقنعوهم إقناعاً عقلياً حتى ولد منهم أكبر الدعاة إِلَى الله، وأكبر العلماء المؤلفين كالإمام البُخَارِيّ وغيره، فما أقنعوهم وناظروهم وأفهموهم بالمنطق اليوناني، وإنما أفهموهم بمنطق الوحي الذي يعطي الحجة، فيأتونهم بالوحي والمحجة الواضحة.
كما مر أن الرَّسُول ﷺ علمنا منهج الدعوة، فكتب إِلَى هرقل عظيم الروم: هرقل عظيم الروم، أسلم تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثُمَّ الأريسيين) ثُمَّ كتب: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:٦٤] وختم الكتاب.
وهذه الآية تهدم جميع المعتقدات التي كانت تدين بها الإمبراطورية الرومية وأولها: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً كَانَ الرومان يعبدون الإمبراطور، وكانوا يتلقون عن الأحبار والرهبان في الدولة كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] ولذلك لما جاءت هذه الآيات وهذا الكتاب إِلَى هرقل هزته -وهو أعظم ملوك الأرض- وأيقن أن النبي ﷺ عَلَى الحق، ولولا أنه آثر الدنيا عَلَى الأخرى لآمن بالله واتبع النبي ﷺ .
стр. 113
هذا هو أسلوب الدعوة الصحيح، أن ندعوهم بمنطق القرآن، لا أقول: نكتب الآية فقط! لكن نشرح الآية شرحاً فنوضح حجة القُرْآن للناس فهي التي تقنعهم، فإن لم تقنعهم فلا أقنعهم الله ، وإن لم تهدهم فلا هداهم الله فإننا أمرنا أن ندعوهم قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي [الأنبياء:٤٥] فننذر النَّاس أيضاً بالوحي، فمن آمن به واهتدى فالْحَمْدُ لِلَّهِ، ومن لم يهتد فإنما علينا البلاغ؛ بل نقول: يارب، بلغناهم ما أوحيت به إلينا فكفروا، لكن لو أنذرناهم بمنطقهم وبفلسفاتهم وجدالهم، فبم نجيب ربنا يَوْمَ القِيَامَةِ إذا قال لِمَ لم تنذروهم بالوحي، وأنا قلت للنبي ﷺ : قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي [الأنبياء:٤٥] وأنتم تقولون أنكم من اتباع النبي ﷺ ؟ فنسأل الله أن يرزقنا البصيرة في الدين، وأن يجعلنا من المتبعين له ولأصحابه، المتمسكين بسنته السائرين عَلَى منهجه.
стр. 114
شرح العقيدة الطحاوية
الأسماء والصفات
فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي
موضوع التشبيه وما يتعلق به من أهم الموضوعات التي خاض فيها النَّاس قديماً وحديثاً، ولا يزالون يخوضون وفي ربهم يختصمون.
فمنهم: من يشبه المخلوق بالخالق .
ومنهم: من يشبه الخالق بالمخلوق.
ومنهم: من ينفي بعض صفات الله أو كلها بدعوى التشبيه.
ومنهم: من يثبت إثباتاً مغالياً فيه، فيقع في التشبيه وهو يظن أنه من أهل الإثبات.
ومنهم: من يشتط ويغلو في نفي الشبيه عن الله ، ولكنه ينفي بذلك ما ثبت وصح لله من الأسماء والصفات.
وهذا الموضوع جدير بأن نتأمله ونتفهمه ونعيه، فإنه من أهم أبواب العقيدة لاسيما وأن الذين ضلوا في أبواب العقيدة والإيمان في توحيد المعرفة والإثبات؛ إنما ضلوا لعدم فهمهم حقيقة التشبيه من حقيقة الإثبات والتنزيه، وهذا ما سوف نشرحه بإذن الله .
التشبيه
قال الإمامالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[ولا شيء مثله] .
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 115
[اتفق أهل السنة عَلَى أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام النَّاس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن، ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تَعَالَى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ، رد عَلَى الممثلة المشبهة (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، رد عَلَى النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النَّصَارَى في كفرهم، ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقَالَ: له قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذا كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك، وهم يوافقون أهل السنة عَلَى أنه موجود، عليم قدير، حي. والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قدير، ولا يقَالَ: هذا تشبيه يجب نفيه، وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمى فسمى نفسه: حياً، عليماً، قديراً، رؤوفاً، رحيماً، عزيزاً، حكيماً، سميعاً، بصيراً، ملكاً، مؤمناً، جباراً، متكبراً. وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقَالَ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:٩٥] وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:٢٨] فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم [الصافات:١٠١] بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإِنسَان:٢] قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف:٥١] وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف:٧٩] أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً [السجدة: ١٨] كَذَلِكَ يَطْبَعُ
стр. 116
اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:٣٥] ومعلوم أنه لا يماثل الحيُّ الحيَّ، ولا العليمُ العليمَ، ولا العزيزُ العزيزَ، وكذلك سائر الأسماء، وقال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِه [البقرة:٢٥٥] أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:١٦٦] وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: ١١] إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [السجدة:١٥] ، وعن جابر ﵁ قَالَ: ﴿كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثُمَّ ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قَالَ: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثُمَّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قَالَ: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به. قَالَ: ويسمي حاجته﴾ رواه البُخَارِيّ.
стр. 117
وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النَّسَائِيُّ وغيره، عن النبي ﷺ أنه كَانَ يدعو بهذا الدعاء: ﴿اللهم بعلمك الغيب وقدرتك عَلَى الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إِلَى وجهك الكريم، والشوق إِلَى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين﴾ . فقد سمى الله ورسوله صفات الله علماً وقدرة وقوة، وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:٥٤] وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاه [يوسف:٦٨] ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة، وهذا لازم لجميع العقلاء] اهـ.
الشرح:
موضوع التشبيه من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعرفها المسلم، ليعرف حقيقة التشبيه، وماذا ينفى عن الله من التشبيه، والفرق بين التشبيه والإثبات، فإن فيه أموراً دقيقة لا يدركها كل أحد.
ومن الأمور التي ينبغي معرفتها في مبادئ وأوليات موضوع التشبيه، أن أكثر الخلق وقعوا في تشبيه المخلوق بالخالق.
فلو تأملنا قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح أو نحو ذلك من الأمم، لوجدنا أن أكثر شرك الأمم هو أنهم جعلوا المخلوقين كالخالق ، وهذه حقيقة مهمة، ينبني عليها معرفة أن كثيراً من الخوض الذي خاض فيه المتكلمون، وأجهدوا أنفسهم فيه، هو فيما يتعلق بتشبيه الخالق بالمخلوق فقط؛ حتى أنهم نفوا الصفات الثابتة، وتركوا مع ذلك الجانب الأهم الذي وقع فيه أكثر النَّاس.
стр. 118
فأول أمةٍ وقع فيها الشرك هم قوم نوح ﵇ حيث شبهوا المخلوقات بالخالق ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسراً، وهم أُناسٌ صالحون عبادٌ لله ، فصوروهم ليتذكروا بهم عبادة الله، ثُمَّ غلوا في التعظيم حتى عبدوهم، ثُمَّ جعلوهم آلهة، وجعلوا لهم مما لله من الخصائص: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا [نوح:٢٣] فهم شبهوا هذه المخلوقات بالله لما رفعوها إِلَى منزلة الله ﵎. وكذلك عُبّاد الأصنام من سائر الأقوام إلى بعثة النبي ﷺ ، حيث كان العرب يفعلون ذلك، ومن أعظم الطواغيت الذي ذكرهم الله تعالى في القرآن فرعون، وقد قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] فشبّه نفسه بالخالق ولم يُشبه الله بنفسه. وهكذا كَانَ أكثر الأمم، إما أن يجعلوا الحجارة كالله ، أو يجعلوا الملوك والأباطرة كالله ، أو يجعلوا الأحبار والرهبان كالله اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] .
وهذا ما وقعت فيه طائفة الصوفية من هذه الأمة وما شابهها من الطوائف، ولا سيما الرافضة.
стр. 119
ومن هذه الأمة من شبه الله بخلقه، وهذا ينسب لبعض من لهم دراية بالتفسير كمقاتل ونحوه، واشتهر عن طوائف من الرافضة، وقد فصّلها أبوالحسن الأشعري في كتابه: مقالات الإسلاميين فقليل من النَّاس من يقول: "إن الله تَعَالَى مثل المخلوق"، وأكثر من اشتهر عنه ذلك هم اليهود، كما في أول صفحة في التوراة الموجودة اليوم -والكلام بالمعنى-: (وإن آدم وحواء لمّا أكلا من الشجرة بدت لهما عورتهما، فاختبئا في ظل شجرة في طرف جنة عدن، وهي أرض تقع بين البصرة والفرات.
فجاء الرّبُ يتمشى في الجنة فلم ير آدم وحواء وسمع صوتهما، وهما لما سمعا أقدام الرب اختبئا تحت الشجرة ليهربا منه، فسألهما الرب: كيف أصبحتما عارفين الخير والشر؟
ما أدراكما أنكما عريانين؟
أأكلتما من الشجرة؟
فيقولان: نعم يا رب) .
فالرب لم يدرِ أنهما أكلا من الشجرة إلا بعد أن رآهما قد سترا العورة، وهم يصورون الإِنسَان أنه كَانَ جاهلاً تماماً، ولا يبالي أنه كَانَ عارياً أو متستراً أو نحو ذلك، إلا بعد أن أكل من "شجرة معرفة الخير والشر".
فتسميها التوراة المحرفة: (شجرة معرفة الخير والشر) التي إذا أكل منها الإِنسَان صار يعرف الخير والشر، وهذا كله باطل؛ لأن الله علم آدم الأسماء كلها، وعلمه الخير والشر، وفطره عَلَى ذلك قبل أن يأكل من الشجرة. فنجد عدة معاني باطلة في مثل هذا النص تقطع بأن هذا ليس من كلام الله ولن يكون أبداً كلام الله، ومن أعظم الأدلة عَلَى أن هذا الكتاب ليس من عند الله أن الإِنسَان يقرأ في آخر السفر الخامس من الأسفار الخمسة: (ثُمَّ مات موسى ودُفِن في مكان كذا، ولا يزال قبره معروفاً حتى اليوم ولم يأتِ بعده نبيٌّ مثله) فهل يعقل وهل يصدق عاقل أن الله ينزل عَلَى موسى هذا الكلام؟!.
стр. 120
وإنما هو كما قال الله ﵎: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه [البقرة:٧٩] .
وفي موضع آخر تقول التوراة المحرفة: (إن الله نزل من السماء، وتصارع هو ويعقوب طول الليل إِلَى الفجر، وفي الصباح يرى يعقوب هذا الذي صارعه، وإذا به الرب، ويقول: أأنت الرب الذي كنت تصارعني طول الليل؟) .
ومما فيه أيضاً: أن موسى ﵇ قال للرب ﵎ لما أن غضب عَلَى بني إسرائيل وعاقبهم: يارب ارجع عن حموّ غضبك، واندم عَلَى ما فعلت بشعبك قَالَ: فندم الرب عَلَى ما فعل بشعبه.
وقد بين الله لنا جانباً من تشبيه اليهود حينما قال : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] وقوله : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:١٨١] .
فتشبيه الخالق بالمخلوقين إنما أصله من اليهود، والذين نفوا صفات الله التي في القُرْآن أو في السنة -بزعمهم-، وَقَالُوا: ننفي التشبيه عن الله، قد شبهوا القُرْآن بالتوراة المحرفة التي كتبها الأحبار والرهبان بأيديهم، وغيروا فيها وبدلوا.
ولم يُنَزِّل الله في أي كتاب من كتبه ما فيه تشبيه له بخلقه . بل أعظم الحقائق التي يبينها الله ﵎ في كتبه هي ما يتعلق به وبمعرفته، وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وبما يجب له من حقٍ عَلَى العباد وهو توحيده ، وإفراده وحده دون أحد سواه.
стр. 121
وأصل دين الرافضة من اليهود، وليس غريباً أن تكون الطائفة المشتهرة بالتشبية في أمة الإسلام هي الرافضة، لأن عبد الله بن سبأ الذي أسس دين الرافضة هو يهودي، خرج من يهود صنعاء اليمن، وجاء وبذر الفتنة والشقاق عند العوام، ولم يستجب له إلا: منافقٌ كَانَ مختفٍ بنفاقه عَلَى عهد النبيّ ﷺ أو عَلَى عهد أبِي بَكْرٍ وعُمَر إِلَى أول صدر خلافة عثمان، أو جاهل، أو الذين أسلموا خوفاً وحقداً، أو من المجوس الفرس -العجم- لأن هَؤُلاءِ القوم دكَّ الإسلام ملكهم، وشتت قوتهم وأباد دولتهم، وهدم معابدهم وسحقهم سحقاً تاماً، بخلاف النَّصَارَى؛ لأن الإسلام في أول أمره إنما احتل بلاد الشام وبقيتالقسطنطينية، لم تفتح إلا في عهدمُحَمَّد الفاتح، وبقيت لهم روما مقر البابوية فلم تُمس، فكأن الديانة النصرانية -العدو الغربي للإسلام- اقتِطعت منه بعض الأطراف، ولذلك لم تكن الصدمة عليه قوية وعميقة. لكن العدو الشرقي للإسلام طحن ودمر تدميراً كاملاً؛ ومن هنا كَانَ حقدهم أعظم وأكثر عَلَى هذا الدين.
قالوا: أنت أنت!! لعَلِيّ أمير المؤمنين ﵁.
ـ قَالَ: ومن أنا؟
ـ قالوا: أنت الله.
ـ فقَالَ: أعوذ بالله.
فحفر الحفر، وأوقد فيها النيران ورماهم فيها، وقَالَ:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً
فلما فعل عَلِيّ >ٌ رضيَّ الله تَعَالَى عنه ذلك هرب عبد الله بن سبأ من الكوفة إِلَى كرمان في بلاد الشرق، وهنالك بذر دين التشييع والرفض، وأوجد في دينهم التشبيه، فقال عنهم أئمة الإسلام -أئمة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في عصرهم- أنتم كفار؛ لأنكم تُشبِّهون الله بخلقه.
وهذا من أعظم الأدلة عَلَى أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ونحوهم ليسوا مشبهة؛ لأنهم يُكفِّرون المُشبهة.
стр. 122
ولكن عقائد الرافضة المعاصرين في القرون المُتأخرة هي عقيدة المعتزلة ينفون الصِّفات جميعاً، ومن أسباب ذلك:
١ـ أن التشبيه نبذته الأمة الإسلامية نبذاً شديداً، ورفضته رفضاً قاطعاً، وكفَّر علماء السلف أصحابه.
٢ـ وأن الذين كانت لهم الجولة والصَّولة ضد أهل السنة إنما كانوا معطلة، كالذين عذبوا الإمام أَحْمَد وسجنوه وآذوه، وهم الذين دخلوا في الدولة وفي الوزارة وتمكنوا منها، حتى كَانَ منهم البرامكة وأمثالهم من المعطلة، الذين كانوا يجحدون الله ولا يؤمنون إلا بدين مزدك، وتمكنوا وأظهروا السلاح الذي كَانَ بأيديهم يحاربون به الإسلام، فتحولت الرافضة من التشبيه إِلَى التعطيل، وذلك لأن الرافضة ليس لديهم في الأصل دين من عند الله ثابت، بل الثابت عند الرافضة هو: عداوة الإسلام، فهم يدورون مع عداوة أهل السنة ومع عداوة الإسلام الحقيقي حيثما دارت، وقد نص عَلَى ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في كتابه العظيم منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية الذي ألفه رداً عَلَى ابن المُطَهِّر -كما سمى نفسه، وهو ابن المُنجِس- في كتابه منهاج الكرامة.
بل المعتزلة أنفسهم كانوا يفسقون أو يكفرون الطائفتين المختلفتين، طائفة أهل العراق - عَلِيّ ومن معه- وطائفة أهل الشام معاوية ومن معه رضي الله عن الصحابة أجمعين؛ حتى قال عمرو بن عبيد: [[لو شهد عندي]] عَلِيّ ومعاوية وعَائِِِشَةَ والزبير وعمرو -يعني أصحاب الجمل، وأصحاب صفين- لو شهد عندي واحد من هَؤُلاءِ عَلَى درهم لرددت شهادته " لأنه فاسق، والفاسق ترد شهادته، ثُمَّ بعد ذلك صاروا شيعة في العقيدة في مجال الصحابة، فالمعتزلة ليس اسمهم المعتزلة، بل هم نفس الشيعة، إما زيدية وإما إثنى عشرية، وذلك لأن المعتزلة أصل دينهم مرض في القلب وشبهات ونفاق، فدخلوا في طائفة الشيعة؛ لأنها طائفة عاطفة بلا عقليات.
стр. 123
فالتقت عاطفة بلا عقل صحيح سليم مع الجدليات-أي: الشيعة - وكلام بلا عاطفة -أي: المعتزلة - وأصبحا خطاً واحداً ومنهجاً واحداً، بينما لو قارنَّا كلام الشيعة المتأخرين لوجدناه يخالف كلام الشيعة الأولين في موضوع التشبيه؛ لأن الأولين مشبهة والآخرين معطلة، ولو نظرنا إِلَى المعتزلة الأولين لوجدناهم يكفرون أو يفسقون عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁، وهم أقرب إِلَى رأي الخوارج، بينما المعتزلة المتأخرين نجد أنهم متشيعين يثبتون الإمامة والخلافة لعَلِيّ أمير المؤمنين وحده، ويبطلون خلافة من عداه.
أما أهل السنة فقد اتفقوا عَلَى أن الله تَعَالَى ليس كمثله شيء، وهم وسط بين المعطلة والمشبهة، فعرفوا حقيقة الإثبات وحقيقة التنزيه؛ لأنهم اتبعوا ما جَاءَ في الكتاب والسنة.
وموقف أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من التشبيه أنهم ينفونه عن الله كما نفاه الله تَعَالَى عن نفسه حيث قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ونحوها من الآيات، لكن لفظة التشبيه صارت كلمة مجملة تحمل معنيين: أحدهما صحيح، والآخر باطل.
فأهل السنة ينفون التشبيه بمعنى أنه نفي مالا يليق به -سبحانه- مما هو من صفات المخلوقين.
والمعطلة ينفون التشبيه عن الله بمعنى نفي بعض صفاته، ويقولون: إننا ننفيها عنه؛ لأنها تقتضي أو تستلزم أو توهم التشبيه، ونحو ذلك من العبارات.
стр. 124
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ في معنى كلامه: "إثبات الصفات التي تشترك فيها أكثر المخلوقات، فيها دليل عَلَى أن الله أولى بإثبات هذه الصفات وهذا الكمال، وهذا الإثبات ليس فيه تشبيه؛ لأنه قال في أول الآية:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى التشبيه، ثُمَّ أثبت لله ما يليق به من الإثبات، فقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ رد عَلَى الممثلة المشبهة، وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ رد عَلَى النفاة المعطلة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، مثل ما قلنا في اليهود والرافضة وأمثالهم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النَّصَارَىفي كفرهم حيث قالوا: إن عيسى إله.
والنَّاس في هذا عَلَى مراتب: منهم من ينفي جميع الأسماء والصفات، ومنهم من يثبت الأسماء وينفي جميع الصفات، ومنهم من يثبت الأسماء وبعض الصفات، وينفي بعض الصفات؛ لكن يجمعهم جميعاً شبهة واحدة، وهي ما ذكره المُصْنِّف ﵀ هنا أنهم يقولون: إذا أثبتنا له شيئاً وللمخلوقات نظيره ففي هذا تشبيه.
ونبدأ في الرد عليهم بأهم وأول صفة لا نختلف نَحْنُ وإياهم عليها، وإن كَانَ فيهم من خالف؛ لكن معظم أهل القبلة المنتسبين للإسلام لا يخالفون فيها، وهي: وجود الله ووجود المخلوقات، فالله موجود والمخلوقات موجودة وليس الوجود كالوجود، وبما أن الوجود ليس كالوجود، فنقول ذلك في جميع الصفات فالحياة ليست كالحياة، واليد ليست كاليد، والاستواء ليس كالاستواء، والعلو ليس كالعلو، وهكذا في جميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته الرَّسُول ﷺ لله .
стр. 125
الاشتراك في الاسم هو الذي أوقع الشبهة لدى بعضهم، ولهذا أورد المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- كثيراً من الآيات والأحاديث التي تثبت أن الاشتراك في الأسماء أو الصفات إنما هو اشتراك لفظي، وأن إثبات أسماء الله لا يستلزم التشبيه؛ لأنه لو كَانَ يستلزمه لما أثبت الله لنفسه أسماء وأثبت نفس الاسم للمخلوق أبداً.
فمثلاً سمى الله سبحانه نفسه حياً، عليماً، قديراً، رؤوفاً، رحيماً، عزيزاً، حكيماً، إِلَى آخر ما مر من الآيات. وسمى المخلوقات بذلك، كما قال الله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:٩٥] وقَالَ: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:١٢٨] وليس الحي مثل الحي، ويقول تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات:١٠١] ويقول عن النبي ﷺ : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:١٢٨] ووصف نفسه في آيات كثيرة بأنه غفور ورحيم، ورؤوف رحيم.
وقال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإِنسَان:٢] ويقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ، فليس السميع كالسميع، وليس البصير كالبصير.
وحديث الاستخارة جَاءَ فيه العلم: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر) ففيه إثبات صفة العلم والقدرة لله .
وإبليس اللعين أثبت لله صفة العزة فقَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:٨٢] فكيف ينفيها عنه بعض من يدعي أنه من الْمُسْلِمِينَ.
ا- دلالة المطابقة:
ب- دلالة تضمن.
جـ- دلالة التزام.
فمثلاً: اسم: "الله" هذا الاسم من أسماء الله يدل على ذات الله دلالة مطابقة، وهو يدل على الصفة المشتقة منه بالتضمن، وهي الألوهية.
стр. 126
فالاسم يدل على المسمى -وإن كثرت وتعددت- دلالة مطابقة.
واسم القدير: يستلزم إثبات القدرة له، والحي: يستلزم إثبات الحياة له، والرحيم: يستلزم إثبات الرحمة له، فهذه دلالة التزام.
ودلالته على بقية الصفات بالتضمن، فعندما نقول: الله قدير وعليم، فهذا الاسم يدل على أن الله حي، فدلالة الاسم على صفة أخرى غير الصفة التي تشتق منه تسمى: دلالة تضمن.
وسوف نقرأ كلام المصنف عند تقسيم الطوائف الأربع في موضوع التشبيه، وأن الطوائف التي نفت جميع الأسماء ونفت جميع الصفات خارجة من الملة كالجهمية؛ لأنها نفت ما ثبت في القرآن والسنة. فهي لم تثبت إلا وجوداً مطلقاً لا يوصف بأي شيء.
والذين قالوا: نثبت الأسماء فقط كالمعتزلة، والأسماء تدل على الذات دلالة واحدة فقط وهي المطابقة، فلا تضمن ولا لزوم، فالأسماء كلها مترادفات لا تدل على صفات، ولا يشتق منها صفات لله فلا يصفون الله بشيء من الصفات التي تشتق من أسمائه بطريقة اللزوم عند أهل السنة والجماعة.
وأما الأشاعرة فقالوا: نحن نثبت الأسماء ونثبت سبع صفات أو إحدى عشرة أو ثلاثة عشر، وبعضهم يجعلها عشرين، لكن أصلها سبع، يركب منها حتى تصير عشرين فقط، وهي الصفات العقلية: العلم والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصروالقدرة، ولا يثبتون الصفات الخبرية لله، كالغضب والرضا، واليد والاستواء والعلو، إنما يثبتون الصفات العقلية لأن العقل دل عليها.
وقد مر أن اشتراك المخلوق والخالق في لفظ الاسم لا يدل أبداً على الاشتراك في الحقيقة.
فنقول للأشاعرة قولوا في صفة الغضب والرضا واليد مثل ما تقولون في صفة العلم والحياة والإرادة والكلام، فله -سبحانه- علم وإرادة ليستا كعلم المخلوقين وإرادتهم، فكذلك له غضب ورضىً لا كغضب المخلوقين ورضاهم، ويجيء وينزل ليس كنزول المخلوقين ومجيئهم.
стр. 127
ونقول للمعتزلة: كما أنكم تثبتون الأسماء فأثبتوا أيضاً الصفات، فكما تقولون: الأسماء لا تشبه الأسماء، فكذلك الصفات لا تشبه الصفات.
ونقول للجهمية: بما أنكم تقولون وجود لا يشبه وجود المخلوقين، فقولوا في الحياة والإرادة والعلم واليد مثل ما قلتم في الوجود.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه، كالرضى والغضب، والمحبة والبغض، ونحو ذلك، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم! قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك فيما أثبته، إذ لا فرق بينهما، فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً من الصفات، قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى، مثل: حي، عليم، قدير، والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما يثبت للعبد.
فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه، فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول: هي مجاز، وهي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة!
قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود، حق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلاً له، فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الواجب.
стр. 128
قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما غني عما سواه. وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك. وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون واجباً بنفسه، ولا قديماً أزلياً، ولا خالقاً لما سواه، ولا غنياً عما سواه.
فثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب، والآخر ممكن، أحدهما قديم، والآخر حادث، أحدهما غني، والآخر فقير، أحدهما خالق، والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً.
ومن المعلوم أيضاً أن أحدهما ليس مماثلاً للآخر في حقيقته، إذ لو كان كذلك، لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قِدمه وهو موجود بنفسه.
والآخر لا يجب قِدمه ولا هو موجود بنفسه، وأحدهما: خالق، والآخر: ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، والآخر فقير. فلو تماثلا، للزم أن يكون كل منهما واجب القِدم ليس بواجب القِدم، موجوداً بنفسه غير موجود بنفسه، خالقاً ليس بخالق، غنياً غير غني، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما، فعُلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو منتف بنصوص الشرع. فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل، والله أعلم وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه.
стр. 129
فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه] اهـ.
الشرح:
علم الكلام ثمرته قليلة، والمصنف ﵀ أطال في الرد هنا، يريد أن يلزمهم بجنس كلامهم، وإلا فالأسلوب الفطري أخصر وأسهل للفهم.
فمن لا يثبت وجود الله لا بد أنه يثبت وجود المخلوقات، وهذه المخلوقات الموجودة كانت بعد أن لم تكن، وما كان بعد أن لم يكن فهو مفتقر إلى من أوجده، ومن أوجد يستلزم العقل أن يكون كائناً أزلياً لا أول لوجوده، أما هذا الذي كان بعد أن لم يكن فإنه مخلوق لخالق هو الله ، وافتقار المخلوق إليه فهو افتقار إلى غني وإلى خالق أزلي لا أول لوجوده، وهذا أمر مقطوع به لا يكابر فيه إلا من سلب نعمة العقل بالكلية، فهذا شيء موجود وهذا شيء موجود، وتماثلهما ممتنع؛ لأنه اجتماع للضدين.
بل لهذا وجود مستقل وصفات مستقلة، ولهذا وجود مستقل وصفات مستقلة عن الآخر، فالاشتراك في كونهما موجودين لا يستلزم الاشتراك في الصفات، فهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه، متفقان في الاسم: أن هذا يسمى شيء ويسمى موجود، ولكن مختلفان في الحقيقة؛ فهذا وجوده وجود كمال وأزلي، وهذا وجوده حادث وناقص، فاتفقا من وجه واختلفا من وجه.
فهذا كله لا يستلزم التشبيه ولا يقتضيه -ولله الحمد- فليس إثبات ما أثبته الله لنفسه أو رسوله مما يقتضي التشبيه أو يستلزمه.
والطائفة الأخيرة "الرابعة" هي: التي قالت بقضية الاشتراك الكلي والوجود الكلي، وكونه في الأعيان أو كونه في الأذهان.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 130
[وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه، وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار، حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد.
وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال: بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم وحادث، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ المشتري يقال على كذا وعلى كذا، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه.
وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتاً في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقاً كلياً؛ بل لا يوجد إلا معيناً مختصاً، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها، كان مسماها معيناً مختصاً به، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد، لكن بوجهين مختلفين.
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى، وزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه. وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه، فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساؤوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر. والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساؤوا بزيادة التشبيه] اهـ.
الشرح:
стр. 131
قضية المشترك المطلق الكلي قد سبق أن قلنا: إنه لما وجد أناس ينكرون الحقائق رد عليهم آخرون، وأثبتوا الحقائق بإثبات المطلقات الكلية، ثم إثبات المعينات في الخارج.
فمثلاً: الوجود المطلق، علمه كلي، والوجود أمر مطلق في الذهن لم يعين ولم يخصص، ويتحول هذا المطلق إلى الحقيقة إذا عين بآحاده، فنقول: الله موجود، فكل ذلك يشمله لفظ الوجود، وهو يطلق على جميع معناه دون استثناء، وكذلك كلي -أي: أن جميع آحاده تدخل فيه كل الموجودات.
وكلمة الوجود: هو الذي جعل المعطلة ينفون صفات الله بزعم التشبيه، قالوا: لأن هذه كلها تشترك في حقيقة واحدة وهي الوجود.
فمثلاً: الله عليم والمخلوق عليم، إذاً يشتركان في العلم لكن الاشتراك المطلق الكلي ما لم يعين أو يخصص لا يستلزم التشبيه أبداً حتى يتعين؛ لأن هذه قضية معينة لا وجود لها في الأعيان "الذوات الخارجية"، وإنما توجد في ذهن الإنسان، فقولك -مثلاً- "الوجود ". لا يتصور به شيئاً معيناً أبداً، فإذا عينت وقلت: هذا موجود، أو زيد موجود، أو الله موجود، تعين هذا الموجود.
فمجرد الاشتراك في هذا الشيء المطلق الذهني الذي لا وجود له خارج الذهن لا يستلزم التشبيه بحال من الأحوال بدليل أننا عندما نقسم الوجود نقول: ينقسم إلى قسمين: خالق ومخلوق؛ لأن مجرد الوجود هو عام لا يدل على شي معين بإطلاق، فالفرق بين الموجود الكلي والمشترك اللفظي هو: اسم يطلق على شيئين مختلفين في الحقيقة لكن اللفظ واحد، مثل المشتري والعين، فلفظة العين -مثلاً- تطلق على العين التي هي الباصرة، وتطلق على الماء الذي يجري، وتطلق على الذهب. وكذلك المشتري، يطلق على المبتاع الذي يشتري شيئاً، ويقال للكوكب مشتري، ولكن ليس المشتري كالمشتري، وليست العين كالعين.
стр. 132
لكن إثبات الصفات ليس من باب المشترك اللفظي فقط، بل ثبت أن علم المخلوقات غير علم الله، لكن يشتركان في مطلق كلي لا مجرد الاشتراك اللفظي، الذي يستخدم في علم البلاغة أو الأصول، بل علم الإنسان يعرف به الأشياء ويدرك حقائقها، ولكن بشكل محدود جداً، أما الله فإن علمه أكمل وأعظم وأعم.
فهناك اشتراك في الجنس، ولكنه لا يستلزم الاشتراك في الحقيقة أو الذات.
فالقضية ليست من باب المشترك اللفظي، وإنما هي من باب الاشتراك في المطلق الكلي الذي يوجد في الأذهان، ولا يوجد في الواقع إلا معيناً مختصاً، فمثلاً: الإنسان مطلق كلي موجود في الأذهان، لكن عندما نقول: زيد وعمر والملك والخادم، فليس الملك كالخادم، فهما يشتركان في الإنسانية، لكن يختلفان في الصفات والحقيقة.
وأعظم منه ما يتعلق بصفات الله ، كالعلم والحياة والقدرة، وهي ثابتة لله ، وأثبتها الله للمخلوقات، فلا يستلزم الاشتراك في الإطلاق الكلي، وهو ذهني مجرد، فإذا عين المراد به وعين المسمى به ـ الله أو المخلوق ـ اختلف اختلافاً بيناً.
فالفلاسفة مثل أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي والكندي من فلاسفة اليونان أو المنتسبين للإسلام لهم اصطلاح.
والمتكلمون الذين هم: المعتزلة والأشعرية وأمثالهم لهم اصطلاح، فالفلاسفة يستخدمون عبارة واجب الوجود أو ممكن الوجود أو مستحيل الوجود، والمتكلمون يستخدمون عبارة قديم وحادث.
والفرق بينهم في الاستخدام والاصطلاح، أن الفلاسفة يقولون: العقل يدل على أن الأشياء إما واجبة بذاتها، وإما ممكنة، وإما ممتنعة الوجود لذاتها. فمثلاً يقولون: الله واجب الوجود، لا يفتقر وجوده إلى أحد غيره، فالناس لا ينفون الوجود، وليست هي مشكلة الأنبياء مع أممهم، ولا مشكلة أهل السنة مع الطوائف الضالة، لأن الفلاسفة لا ينكرون الوجود، وإنما يسمونه واجب الوجود.
وإنما القضية: "قضية الألوهية".
стр. 133
فواجب الوجود عندهم هو ما كان وجوده لذاته، لا يحتاج ولا يفتقر وجوده إلى غيره وهو الله.
وممتنع الوجود هو وجود شريك ومماثل لواجب الوجود.
ووجود أمثال الشجر والحجر يسمونها الممكنات، وبهذا نفهم اصطلاح الفلاسفة، الذي يريد به أصحابه ما نسميه نحن المربوبات كما سماه الله في كتابه قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -فالمخلوقات أو العالمين: كلمة تشمل كل ما سوى الله -سبحانه- فكل ما عدا الله فهو مربوب، والرب هو الله ، والمربوبات هي الممكنات، فهذا تقسيم الفلاسفة.
وأما تقسيم المتكلمين فيقولون: الأشياء الموجودة إما أنها موجودة بعد أن لم تكن، وإما أنها أزلية الوجود، فالأزلي هو القديم الذي لا أول لوجوده وهو الله، والموجود بعد أن لم يكن هو الحادث.
وما دام أن الله موجود ومادام أنه واجب الوجود فلنثبت له ما شئنا والإثبات هذا وارد ومثبت في الكتاب السنة لكنه إثبات بلا تشبيه. فهم زادوا وغلوا في الإثبات حتى أثبتوها بما يشبه صفات المخلوقين وأما المعطلة فإنهم عرفوا جانباً من الحق وهو جانب عدم المشابهة وعدم المماثلة وهو حق وأن الله لا يشابه ولا يماثله شيء لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] هذا حق عرفوه ولكنهم زادوا عليه بأن نفوا ماله من الحق وقالوا: إذاً لا نثبت له شيء حتى لا نقع في التشبيه.
стр. 134
قول المُصنِّفُ في آخر عبارة: [فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساؤا في نفي المعاني الثابتة لله تَعَالَى في نفس الأمر. والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساؤوا بزيادة التشبيه] وهذا الكلام يقتضي أن كل المعطلة وكل المشبهة وقعوا في التشبيه بنية حسنة، فمجرد التشبيه لا شك أن فيه إثباتاً، ومجرد التعطيل لا شك أنه متضمن للتنزيه هذا مجرد الحكم عَلَى العمل، لكن هل يعني أن المشبهة أو النفاة محسنوا النية، بحيث لا يوجد أحد ممن نفى الصفات إلا ونيته حسنه؟
ليس كذلك؛ لأن من أعظم المشبهة اليهود.
وهل نيات اليهود حسنة بحيث أنهم أرادوا الإحسان في الإسلام وَقَالُوا: نشبه؟
لا يمكن ذلك لكن وجد في الْمُسْلِمِينَ من أخذ هذا الكلام بحسن نية بغير فهم ولا عقل.
فالنفاة المعتزلة وهم أشهر هذه الطوائف ليسوا كلهم عَلَى حسن نية وعلى تنزيه لله، فإبراهيم النظام على سبيل المثال لو قرأتم ترجمته في سير أعلام النبلاء وغيرها من الكتب التي ذكرت ترجمته كَانَ عَلَى دين البراهمة الذين في الهند وهم موجودون إِلَى اليوم وكان في البراهمة فلاسفة ينكرون النبوات والوحي فدخل إبراهيم النظام في دين الإسلام وعنده هذه العقيدة، ولهذا قال عنه بعض العلماء: "وواقع حاله ينطق بذلك" -أي: أنه دخل في الإسلام ليفسد دين الإسلام- وأفسده بطريق المبالغة في العقل؛ لأن البراهمة أو طائفة منهم يقولون: إن العقول تغني عن الشرائع.
стр. 135
جاء إبراهيم النظام ودخل في المعتزلة وصار من رؤسائهم وقَالَ: إن العقل هو المعيار في إثبات أي شيء لله وفي نفي أي شيء ويكتفى به عن الشرع، وقال بعضالفلاسفة مثل: ابن رشد في كتاب فصل المقال بما بين الحكمة والشريعة من الاتصال يقولون: الشريعة لا تنافي الحكمة -والحكمة هي الحقيقة نفسها عند الصوفية - لكن العقل أو الحكمة لا تتنافى مع الشريعة؛ لكنهم لو صرحوا لقالوا: الشريعة تنافي الحكمة فحينئذ يكفرهم العوام وتنبذهم؛ لأنهم سوف يقولون: نَحْنُ مع الشريعة ولسنا مع الحكمة، وهذا شيء طبيعي عند الناس؛ لكنهم قالوا: الشريعة لا تتنافى مع الفلسفة، أي: الحكمة.
ويقولون: أعظم شريعة جاءت عَلَى ظهر الأرض وعرفها العالم شريعة مُحَمَّد ﷺ ونحن لو قرأنا هذا الكلام لقلنا: هَؤُلاءِ طيبون يمدحون الإسلام، ولكن هَؤُلاءِ في الحقيقة يقصدون شيء آخر.
يقولون: نَحْنُ عندما عرضنا الشرائع القديمة عرضنا اليهودية والنصرانية عَلَى العقل، أي: عَلَى الحكمة التي هي الميزان فوجدنا فيها الخلل والاضطراب والتناقض، فمثلاً عندما يقرأ أي إنسان التوراة وعنده عقل. فأول ما يقرأ في سفر التكوين يقرأ عن قضية خلق آدم وأن جنة عدن في البصرة وأن الرب يمشي في الجنة، ولا يدري أين ذهب آدم وحواء، وأنهم كانوا مختبيئن، ثُمَّ طلعهم ثُمَّ كذا.. هذا الكلام لا يقبله العقل حتى الفلاسفة الأولين لما قرأوا هذا الكلام، قالوا: هذه الشريعة باطلة ينقضها العقل، وَقَالُوا: لما قرأنا القُرْآن وجدناه جَاءَ بحكمة عجيبة، ثُمَّ قالوا: لو نقول: إن في القُرْآن تشبيه، هكذا بصراحة لنفر منها الْمُسْلِمِينَ، لكن نقول لهم: الشريعة والحكمة كلاهما حق وكلاهما يدل عَلَى شيء واحد؟ ثُمَّ قالوا: إن الشرائع جاءت للعوام، والعوام لا يفهموا إلا أن تقول لهم يد وغضب ورضى ورحمة وخوف ورجاء وكذا لكي يفهموا؛ لكن العقلاء الحكماء هَؤُلاءِ جاءت لهم الحكمة.
стр. 136
أي: أن شريعة الله وحي رَبّ الْعَالَمِينَ الذي نزل به جبريل للضعفاء والبسطاء؛ ولكن نَحْنُ عندنا ما هو أعظم مما أنزل الله عياذاً بالله هذا كلامهم أعظم مما نزل الله في الكتب، وأعظم مما بعث به جبريل، وأعظم مما أرسل به مُحَمَّد ﷺ ، وهو من كلامأرسطو وأفلاطون وفرخريون إِلَى ابن سينا والكندي والفارابي يقولون: هذا للطبقة العليا المثقفة وهذا يشبه قول الصوفية عندما قسموا الدين إلى: حقيقة وشريعة. وَقَالُوا: لا يوجد تعارض بين الحقيقة والشريعة. فالحقيقة للخاصة ولخاصة الخاصة أما الشريعة فهي للعامة.
نرجع فنقول: هذا لأن كلمة المُصنِّفُ هنا قد توهم: لأن النَّاس قد يقولون: أنتم تهاجمون المعطلة وتهاجمون المشبهة والمصنف يقول: إن المعطلة والمشبهة أحسنوا، لكننا نقول: العمل في ذاته فيه حق وتبعه كثير من الباطل لكن لا يستلزم ذلك القول بأن هَؤُلاءِ النَّاس جميعاً جاؤا وأرادوا الحق وأرادوا الإحسان، بل الذين كانوا في عهد النبي ﷺ من المنافقين لما أقسموا بالله أنهم لا يريدون إلا الإحسان والتوفيق لم يقبل الله منهم ذلك؛ بل رده عليهم وأمر رَسُول الله ﷺ أن يعرض عنهم وأن لا يصدقهم في هذا القول، فكثير من النَّاس يدعي الإحسان ويدعي التوفيق [إما التوفيق بين العقليات والنقليات، وإما الإحسان، وإما الإصلاح بين الحقيقة والشريعة، أو بين الحكمة والشريعة] كما يزعم هَؤُلاءِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 137
إن وجود الاقتران أو الاشتراك اللفظي هو سبب ضلال الفرق في معرفة الله ، فالله خاطبنا ووصف نفسه بكلامنا ولغتنا، فهذه اللغة أوهمت بعضهم حتى قال: نحن لا نتصور الاستواء إلا بالشكل الحسي المعروف، ولا نتصور النزول إلا بالشكل الحسي المعروف، وهو انتقال جسم من مكان إلى مكان، ولا نستطيع أن نتخيل اليد إلا جارحة، ولا نتخيل السمع إلا بأذن وصماخ ... الخ.
هذا هو منشأ الخطأ في حق الله ﵎، مع أن الله تعالى أخبرنا عن الجنة أن فيها حوراً عيناً، وأن فيها أنهاراً من خمرٍ وأنهاراً من لبن وأنهاراً من عسل، وأن فيها فضةً وحريراً وذهباً، وأن فيها ولداناً وأشجاراً وثماراً، وغير ذلك من أنواع النعيم الذي في الجنة، ومع ذلك نعتقد أن ما عندنا من نعيم الجنة إنما هو الأسماء، فنؤمن به مع اعتقادنا أنه يكون لأهل الجنة، ونرجوا الله أن نذوق هذا النعيم، ونؤمن أنه نعيم لا يشبهه في الدنيا، ولا يشبهه شيء مما تراه أعيننا في الدنيا، ولا يمكن أن تتخيل عقولنا وأذهاننا شيئاً يشبهه.
فكيف نقول: إننا لا نفهم من صفات الله إلا ما نعلمه من صفات المخلوقين، وأنه يجب أن نؤولها وننفيها، فخفاء صفات الله عنا أعظم وأكثر من خفاء نعيم الجنة، وكذلك أحوال يوم القيامة، وغير ذلك من العوالم الغيبية التي نعلمها.
فإن الشبهة الكبرى التي وقع فيها من أوّلَ في باب الصفات هي قولهم: إن الله أنزل هذا القرآن بلغة العرب، وخاطب العرب بما يفهمون، ونحن لا نفهم من لغة العرب إلا أن اليد جارحة، وأن النزول والمجيء هو الانتقال من مكان إلى مكان، وأن العين هي هذه الباصرة، وأن الغضب ثوران القلب، والرحمة استعطاف وانكسار في القلب، وهذه شبهه كبيرة، ولكنها ليست بشيء عند أصحاب العقول السليمة والفطر القويمة.
стр. 138
فصفات الله جاءت بلغة العرب، فلو خوطبنا بشيء لا ندركه تماماً لما فهمنا أي شيء تماماً، فلا بد أن يكون هناك قدراً معيناً بين الألفاظ الموضوعة وبين المعاني التي وضعت لها الألفاظ، وهذا القدر المعين لا يستلزم بحال من الأحوال أن يكون كل من أطلق عليه اللفظ مساوياً للآخر في الحقيقة.
قال الله : إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:٢] وقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فالله له سمع يسمع به وبصر يبصر به فيحيط به المسموعات والمرئيات والمبصرات.
فنستطيع فهم الصفات واللوازم، وأما العين والحقيقة والذات فهذه لا نستطيع أن نفهم كيفيتها أبداً، فنؤمن أن الله سميع وبصير، وأنه على العرش، وأنه ينزل، وأنه يغضب، وأنه يرحم، مع الاعتقاد بأننا لا نستطيع معرفة كيفية الغضب والرحمة والاستواء وسائر الصفات؛ ولهذا عندما نفى علماء السلف الكيف وقالوا: نؤمن بلا كيف، ومعناه: إثبات شيء وبمعناه مع جهل كيفيته؛ لأنا إذا كنا ننفي نفس المعنى، فلا نحتاج أن نقول ليس له يد بلا كيف.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
[واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له باللفظ المفرد، ويشار له إلى معناه إن كان مشهوداً بالإحساس الظاهر أو الباطن.
стр. 139
فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر أول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل.
فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه فلا يعرف باللفظ ابتداء. ولكن يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يعلم أولاً أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك، ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه] اهـ
الشرح:
إن الألفاظ وضعت لتدل على معان معينة، وهذه المعاني لا بد أن يكون بينها وبين اللفظ قدراً مشتركاً ومن هنا كانت اللغة محتاجة إلى التعليم السماعي، ولذلك لو عاش طفل بين بعض الحيوانات -كما في علم الاجتماع - وصار يرضع منها، ويعيش معها، فإنه لا يتكون لديه لغة، لأن اللغة سماعية، ولها مراحل.
الدرجة الأولى: وهي أبسط مراحل تعلم اللغة كأن تشير للطفل وتقول: هذا جبل، هذا قمر، هذا أب، هذه أم. والطفل يرتبط في ذهنه المعنى بالإشارة فيحفظ، ولذلك لو حفظ الطفل خطأ، وخاطب الناس فسيشير إلى الجبل ويقول: هذا ماء؛ لأنه أخذها تعلماً سمعياً.
ولهذا يذكر المصنف ﵀: أنه لا يمكن لأحد أن يستغني عن السماع، لأن أبانا آدم ﵇ علمه الله أسماء كل شيء، وعلمه كيف يطلق الأسماء على مسمياتها، الموضوعه لها.
стр. 140
والدرجة الأولى أقل درجات الخطاب ومعرفة المخاطب، فالمتكلم إذا كان له معنى في نفسه يريد أن يعبر عنه ويشرحه لغيره، فأوضح شيء في الشرح أن يقول: لو سألك أحد عن شيء لا تعرفه تماماً فقل: مثل هذا، فاللفظ هنا يدل على المعنى الذي فهم عن طريق الإشارة، فهذه الدرجة أدنى درجات الإفهام، ولو ذهب أحدنا إلى أي بلد من البلدان وأراد أن يتعلم لغة ما، لتعلمها بهذه الطريقة، بل حتى في الكتب التعليمية تكتب الكلمة، ويرسم شكلها جوار الاسم، فيعرف أن المقصود بالكلمة المكتوبة هي هذه الصورة.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
[وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده، أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا. والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عيَّنه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه. أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره] اهـ.
الشرح:
الدرجة الثانية: هي الشيء غير المحسوس كالجوع والظمأ.
стр. 141
عندما يكون الشيء معقولاً، وليس أمراً مشاهداً؛ فإنه يفهمه إذا أحس من نفسه هذا الشيء أو من غيره، واحتفت قرائن تدل على أن هذا هو الشيء المراد، فمثلاً. الطفل يفهم معنى كلمة الجوع أو العطش، إذا أحس في نفسه هذا الشيء ووجد أن أمه تقول: أنت جائع، فتقدم له الطعام أو الحليب، وفي كل مرة يتكرر هذا العمل، أو تقول: أنت عطشان، وتأتي بالماء، فيقترن في ذهنه أن الماء للعطش، وأن الطعام للجوع، فيفهم أن هذا الشيء الذي ينشأ في داخله وهو الحاجة إلى لطعام يسمى جوعاً، والحاجة إلى الشراب تسمى عطشاً، فيفهم الطفل هذا الشيء ويتلقاه، مع أنه غير مشار إليه، فهذا النوع عقلي باطني يدرك بالعقل، فعندما يرى الطفل إنساناً عليه ملامح التجهم والانقباض ويقول أبوه: هذا غضبان، ويأتي إنسان عليه علامات الانشراح والابتسام فيقول الأب: هذا فرح، يفهم الطفل أو غيره معنى كلمة غضبان، ومعنى كلمة فرح.
قال المصنف -رحمه الله تعالى:
стр. 142
[إذا عرف ذلك، فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلوا إما أن يكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله , وإما أن لا يكون كذلك، فإن كانت من القسمين الأولين، لم يحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:٩،٨] أو قيل له: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:٧٨] ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه. وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لم يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل.
فالرسول -صلوات الله وسلامه عليه- لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر. وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قالربيعة بن أبي عبد الرحمن: الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم] ا. هـ
الشرح:
стр. 143
إذا أردت أن تبين معنى من المعاني، فعليك باللفظ الذي يعرفه الناس إما معرفة حسية أو معرفة عقلية، كالأمثلة التي ضربها المصنف ومنها قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:٩،٨] فاللغة كفت لبيان الأمور المحسوسة والمشاهدة، كما تكفي لمعرفة الأشياء المعقولة لدى الإنسان، كالعلم والرضا والجهل والكرم والغضب وأمثال ذلك من الأمور غير المشاهدة، وهي معلومة بعقول بني آدم.
مثاله: لما قال النبي ﷺ للرجل: (لا تغضب) فعرف الرجل معنى: لا تغضب؛ لأن الغضب معروف لديه ولدى غيره من المخاطبين، وكذلك العلم والرحمة معروفة عند بني آدم.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: أن النبي ﷺ بعثه الله بمعان جديدة، كالصلاة؛ فإنها في لغة العرب بمعنى: الدعاء، والزكاة في لغة العرب بمعنى: التطهير، والصيام عند العرب بمعنى: الإمساك، وكذا الحج بمعنى: القصد إلى الشيء.
فلما جاء الشرع من عند الله وخاطب الناس بلغتهم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:٤] عبر عن المعاني الجديدة التي لم يعرفوها قط عن طريق التمثيل والتقريب، وكلما كان المخاطِب أبلغ كان بيانه أجلى، وتمثيله أعظم.
فأتى بالقدر المشترك، كالصلاة فطبقها النبي ﷺ أمامهم فبدأ بتكبيرة الإحرام، وانتهى بالتسليم، بما في ذلك من قراءة وركوع وسجود، وكذلك الحج: قصد البيت الحرام وأداء النسك.
стр. 144
فقربت هذه المعاني من جنس كلام العرب حتى يفهموها، وأصبح الإنسان بعد ذلك لا يفهم من الصلاة أنها الدعاء، وإنما يفهم منها الصلاة المعروفة، مع أن الصلاة المعروفة الآن بأركانها لا تشبه في مدلولها مجرد الدعاء، الذي يعرفه العرب في الجاهلية، فخوطب الإنسان بما يؤديه، ومن الممكن أن يفهمه، فكيف بما يتعلق بالإيمان بالله والآخرة؟ وما يتعلق بالأمور الغيبية المطلقة التي لا يعلمها الإنسان ولا يمكن أن يفهمها.
فلا بد أن هناك قدراً مشتركاً بين ما خوطب به الإنسان، وبين حقائقها الغيبية، فمثلاً: النار أو جهنم -والعياذ بالله- إذا قرأها الإنسان في القرآن، فإنه يعلم أنها لا تشبه نار الدنيا، لكن هناك قدر مشترك يجعل هذه تشبه هذه، وكذا الجنة وردت في القرآن بمعنى: الروضة الجميلة، والبستان -مثل أصحاب الجنة في سورة القلم وصاحب الجنتين في سورة الكهف- وليست هي مثل جنة الخلد، والعلاقة بين الطرفين أن فيهما نعيم ورخاء، وكلتاهما تستلذ وتستطاب، ومن أجل هذا القدر المشترك قرب لنا اللفظ، وسميت الجنة لنفهم ونعرف أن فيها نعيم.
والذين أنكروا الصفات قالوا: إن الجنة في كلام العرب لا تعقل، إلا أنه هذا النخل والعنب والشجر والماء، فجنة الآخرة مثلها، وهذه الجنة تفنى؛ لأنها أجسام معينة ونباتات، والنباتات من خواصها ولوازمها الفناء، فدخلوا في قضايا عقلية قياسية بسبب قولهم: إن اللغة وضعت هذه اللفظة هكذا.
стр. 145
ونرد عليهم: أن الرسول ﷺ يقول عن نعيم الجنة: فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ، وكما قال ابن عباس: (ما عندكم في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) أي: الاشتراك اللفظي فقط، فهذه جنة وهذه جنة، وهذا نهر وهذا نهر، وهذا خمر وهذا خمر، لا يعني أن جنة الدنيا كجنة الآخرة، ولا أن أنهارها كأنهارها، ولا أن خمرها كخمرها؛ لكن لما أراد الله أن يفهمنا ويُعْلمَنا بهذه الجنة، وكانت مما لا ندركه بحواسنا ولا بعقولنا، خاطبنا بأمر نعقله عن طريق التمثيل للتقريب.
وصفات الله أعظم من ذلك وأجل، فإن الله عليم، سميع، بصير، رحيم، كما أخبر عن نفسه، فهناك قدر مشترك لفظي فقط، بينها وبين صفات الإنسان، وهو أن الإنسان يدرك المسموعات التي تليق به، والله ﵎ يدرك المسموعات التي تليق به، وهو سبحانه قد أحاط بكل شيء علماً، ولا يفوته شيء، ولا يعجزه شيء، بخلاف الإنسان فإن سمعه محدود.
وكذلك البصر فإنه لا يخفى على الله ﵎ شيء، وأما الإنسان فبصره محدود.
فخوطبنا بهذه الكلمة من كلام العرب لكي نعرف حقيقة المعنى، ونميز بين هذا المعنى والمعنى الآخر، فكون الله سميعاً غير كونه بصيراً، وكذلك الإنسان له سمع وبصر، وكونه سميعاً يفرق عن كونه بصيراً، فإذا قلت لك: هذا إنسان بصير، فإنك تفهم أن له عيناً يبصر بها.
وإذا قلت لك: هذا إنسان سميع، فإنك فهمت شيئاً آخر، ولذلك جاءت الألفاظ في القرآن والسنة لتبين هذه المعاني، ونعرف القدر المشترك البسيط من إدراك المسموعات أو إدراك المبصرات، ولكن ليس الإدراك مثل الإدراك، أما حقيقة الذات المعني بها اللفظ فلا يمكن إدراكها، ولا يمكن للعقول أن تتخيلها أو تتوهمها، لأنك لا تستطيع أن تتخيل ما هو أهون من ذلك، وهو نعيم الجنة الذي هو أقل من ذلك بكثير.
следующие страницы →