Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
إن أشرف ما امتنَّ الله تَعَالَى به عَلَى عباده في هذا الوجود هو الرسالة، وأشرف خلق الله وأفضلهم وأعلاهم قدراً ومنزلةً هم الرسل، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فله الحكمة ، فهو الحكيم الخبير وهو الذي يضع هذه الرسالة في فلان، ولا يضعها في فلان، وإلا لو كَانَ الأمر موكولاً إِلَى أهواء البشر لقال الكفار كما قالوا: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآن آنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:٣١] لماذا لم يكن فلان؟ ولماذا لم يكن فلان؟ وما قيمة فلان هذا؟ قالوا: لأنه صاحب مال وصاحب جاه ومنصب، مطاع في قومه إِلَى آخر ما يرونه من صفات.
والله تَعَالَى يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:١٢٤] ، ليس هنالك أحد أعلم من الله : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:٣٢] .
أما المعيشة الدنيوية فإن الله قسمها بينهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، لكن وَرَحْمَةٌ رَبِكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:٣٢] فالرسالة أفضل من كل ما يجمع النَّاس ومن كل ما يعطون في هذه الحياة الدنيا فيقسمونها، هذه الدنيا إذا تجردت عن الإيمان بالله تعالى، فهي أحقر عند الله ولا تعادل ولا تزن جناح بعوضة، ومع ذلك لم توكل قسمتها لهم فهل يوكل إليهم قسمة الرسالة وهي أعظم من ذلك، وخير من ذلك، فيضعونها حيث شاؤوا؟!
стр. 1507
فالله كونه هو الحكيم الخبير، هو أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يخلق ما يشاء ويختار اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:٧٥] وهو أعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره عَلَى انتهائها إليه، سواءً كَانَ الرَّسُول الذي يصطفيه الله ، أو كَانَ الأتباع الذين يشكرون الله ويحمدونه عَلَى أن هذه الرسالة قد بلغتنا وجاءتنا.
ولهذا فالمؤمنون لم ينافسوا في الرسالة بأن يقولوا: كيف يكون الرَّسُول فلان؟ ولماذا لم أكون أنا أو فلان؟ لم يقولوا ذلك، بل حمدوا الله وشكروه عَلَى أن الرسالة قد أنزلت، وعلى أن هذا النور قد جاء، ووضع في الموضع اللائق، وأن هذا الرَّسُول الذي جَاءَ به هو خيرهم وأفضلهم نسباً وأمانةً وصدقاً وخلقاً وشجاعةً، فحمدوا الله وشكروه وعرفوا قدر هذه النعمة، أما المُشْرِكُونَ فلأنهم لم يقدروا النعمة حق قدرها، ولم يعرفوا الله حق معرفته، ولم يقدروه حق قدره، وكذلك لم يعرفوا منزلة الرَّسُول ﷺ الحقيقية -وإن كانوا مقرين بفضله- لكنه الاستكبار والجحود، فهَؤُلاءِ هم الذين أرادوها أن تكون في غيره ﷺ .
فالله تَعَالَى أعلم بهذا وأعلم بالضد المقابل، فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر، لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، فإذا نظرنا إِلَى واقع دعوة النبي ﷺ فإنه أوذي أشد أنواع الأذى، وأوذي أصحابه المؤمنون، وكان الابتلاء والامتحان والتضييق في مكة، وحوصروا فيالشعب، وهاجر من هاجر إِلَى الحبشة، كل هذا من أجل الله ، ثُمَّ أخذ يعرض نفسه عَلَى القبائل فرده أكثرهم، حتى ضاقت به الدنيا ﷺ .
стр. 1508
ولكن هذه الابتلاءات لله تَعَالَى فيها حكمة عظيمة جداً، ارتفعت منزلة النبي ﷺ ، وكان له الأجر عَلَى هذا الصبر، وعلى هذا الابتلاء.
واختار الله بعد ذلك الأنصار -الأوس والخزرج- وفضلهم عَلَى كل القبائل، ليكونوا أهلاً لقبول الدعوة ولإيواء النبي ﷺ ، ولتكون بلدتهم يثرب -كما كانوا يسمونها- هي المنطلق والمرتكز لهذا الدين، كل هذا فيه حِكَم، فالمؤمنون الأولون الذين عذبوا وأوذوا هم الذين صبروا وصمدوا وعليهم قام هذا الدين، لكن الذين دخلوا في الإسلام بعد الفتح عشرات الألوف، وتوفي النبي ﷺ فلم ينتشر خبر وفاته إلا وارتد أكثر العرب، لأنهم لم يتربوا عَلَى هذا الدين ولم يعرفوا قيمته، لكن الذين كانوا محاصرين، وهاجروا إلى الحبشة، وكانوا يعذبون وتوضع عليهم الصخرات الثقيلة في شدة الرمضاء في مكة ليرجعوا عن دينهم، هَؤُلاءِ لم يرتدوا بعد وفاته ﷺ .
إذاً: لله في إقداره حِكَم، فهذا الأذى الذي وقع من الكفار لا يريده الله بمعنى: لا يرضاه ولا يحبه فلا يرضى الكفر ولا يرضى إيذاء المؤمنين، لكن لما فيه من الحكم العظيمة.
فأهل بدر الذين خرجوا وأكثرهم مشياً عَلَى الأقدام في عتادٍ وعدةٍ قليلة، وكانوا يواجهون من هو أقوى منهم عدداً وقوةً، وكانوا يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، لكن كَانَ لله حكمة في أنهم وقع لهم ما وقع، لأن النصر جاءهم مع هذه القلة ومع هذا الضعف والصبر، وبقي لأهل بدر ميزة يتميزون بها عن أهل الإسلام كافة، إذاً في تلك المكروهات حكم ومصالح عظيمة لم تكن لتتحقق إلا بوجود تلك الأسباب المكروهة التي جعلها الله ﵎.
стр. 1509
أرأيتم إِلَى موسى ﵇، لولا أن فرعون كَانَ عالياً من المسرفين في قمة الطغيان والاستبداد والاستعباد وجعل بني إسرائيل شيعاً، يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، كل هذا الضغط وهذا الظلم الذي كَانَ يعاني منه بنوا إسرائيل، وهذه القوة والجبروت الذي كَانَ فرعونيعلنها أمام النَّاس أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:٥١] ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:٥٢] ، كل هذا الكبر والاستعلاء في الأرض كَانَ فيه مصلحة وحكمة وهو: أن الله جعل موسى ﵇ من أولي العزم من الرسل، وبلغ عند الله منزلة عظيمة، وكلمه ربه ﵎، وأيده ونصره لأنه واجه هذا الظلم العظيم، فلو لم يكن فرعونبهذه المثابة من الكفر لما ظهر بذلك فضل موسى ﵇ وصبره وقوته في مقاومة هذا الباطل وهذا الظالم وهكذا.
ولهذا فالحال كما قال ﷺ : (يبتلى المرء عَلَى قدر دينه، فأشد النَّاس بلاءً الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الأمثل فالأمثل) فالابتلاء والكفر والعناد الذي يقع من الكفار وهو مكروه ومبغوض لله يكون فيه خير، وهو أنه يظهر به تفاوت المؤمنين ودرجاتهم عند الله ﵎.
стр. 1510
ويضرب ﵀ لذلك مثلاً بالشمس والمطر والرياح، يقول: التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر، ألا ترون الشمس ألا تؤذي، فمن النَّاس من تؤذيه الشمس بلا شك، ولو أن إنساناً جلس في الشمس يوماً أو أكثر لمرض وتأذى، وقد تؤثر عَلَى بعض المحاصيل أو بعض المنتوجات، وقد تمرض وقد تضر بأنواع من الضرر، لكن إذا قدرنا هذا الضرر الحاصل من الشمس بالخير الذي يحصل منها، وكذلك لو نظرنا إِلَى آثار الشمس عَلَى الحياة وعلى النبات والحيوان والإِنسَان لوجدنا أن النَّاس يتحدثون عنها، وقد وجد العلم البشري من الآثار العظيمة والفوائد للشمس ما لم يكن يعلمه، ولم يكن يتوقعه من قبل، إذاً: فيها أضرار، لكن هذه الأضرار بالنسبة إِلَى المنافع العظيمة لا تعد شيئاً، فوجود شيء أو جانب مكروه في أمر فيه حكمة وفيه مصلحة وفيه خير، لا يلزم أن نلغي هذا الخير كله لمجرد وجود هذا الشيء المكروه، فهذا هو المقصود بالمثال.
وكذلك المطر: قد يهدم بيوتاً، ويغرق بعض الناس، لكن كيف يكون حال النَّاس لو لم ينزل هذا المطر؟ يحل بهم الجدب والقحط وأمور كلها مكروهة للناس نتيجة لانقطاع المطر ولعدم نزوله، وكذلك الرياح فكثير من النَّاس يتضايقون من الغبار ومن الرياح، لكن هل يعني ذلك أن الرياح لا تفيد، أو أن هذا الشيء المكروه كله شر؟! ففوائد الرياح عظيمة، مرسلة من عند الله ، إن أرسلت بالخير جَاءَ الخير، وإن أرسلت بالشر جَاءَ الشر، وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:٢٢] .
стр. 1511
فجعلها الله لواقح، وهذا من الخير الذي تأتي به الرياح، لكن إذا أراد الله أن يهلك أمةً من الأمم بالرياح أهلكهم بها كما أهلك قوم عاد، أرسل عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات، فهلاك طائفة من النَّاس بالريح أو تضرر من محصولاتهم، أو أمور حياتهم ومعايشهم، لا يعني ذلك أنها شر محض، أو أنها لا تطلب، بل هذا الشر ضئيل محدود بالنسبة إِلَى ما فيها من الخير وإلى ما فيها من النفع العام , إذاً المراد بهذه الأمثلة أن يتضح لدينا أنه قد يجتمع في الأمر الواحد أن يكون مراداً من جهة، ومع ذلك مكروهاً مبغضاً من جهة أخرى، هذا بالنسبة للمخلوقين وكذلك بالنسبة لله .
حصول العبودية المحضة
ثُمَّ يقول ﵀: [ومنها -أي من الحكم أيضاً- حصول العبودية المتنوعة، التي لولا خلق إبليس لما حصلت] لولا هذا العدو الشر المحض الذي لا يأتي بخير وهو إبليس، لولاه لما وجد خير عند كثير من الناس، ولما وجدت هذه العبوديات بالنسبة لله ، التي تحصل من وجود هذا العدو الخبيث.
عبودية الجهاد
يقول المصنف: [فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه ] يحب الله الجهاد، ويحب المجاهدين في سبيله، ووعد المجاهدين في سبيله بأن لهم الجنة كما قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:١١١] .
стр. 1512
هذا بيع عقد بين الله وبين عباده، والجهاد هو ذروة سنام الإسلام فلو كَانَ النَّاس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية، لأنه من الذي يُجاهد؟ ومَنْ يُجاهد؟ لكن لما أن جَاءَ إبليس فاتبعه طائفة من النَّاس، فكفروا بالله، فكانوا أعداء الله، وفي المقابل آمنت طائفة من النَّاس، واتبعوا رسل الله، وعصوا إبليس، فكانوا أعداءً لأعداء الله، فسلط الله ﵎ أوليائه عَلَى أعداءه، فقاتلوهم فكان منهم الشهداء، وكان منهم من نال هذه المراتب العظيمة، وعذَّب أُولَئِكَ وأذلهم بأيدي المؤمنين، كما أنه إذا شاء عذبهم بعذاب من عنده، من الأرض أو من السماء، فيخسف بهم الأرض أو يغرقهم أو يرسل عليهم الصيحة أو يعذبهم بما يشاء من أنواع العذاب، إذا ًوجود إبليس هو سبب لوجود هذا الكفر، وهذا الكفر حصلت بوجوده عبوديات لله ﵎ من غير أُولَئِكَ الكفار وهم المؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله، فلو كَانَ النَّاس كلهم مؤمنين؛ لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة في الله والمعاداة فيه التي هي أوثق عرى الإيمان كما جَاءَ في الحديث (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) ومنزلة النَّاس من الإيمان بحسب منزلتهم من ولاية الله والمؤمنين وعداوتهم للشيطان وللكافرين، فكل إنسان هو من الإيمان بحسب منزلته من تحقيق هذه الولاية، وتحقيق تلك العداوة، فلا بد منهما معاً، ومن حقق كمال الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين وكمال العداوة للكفار ولإبليس اللعين، فهذا هو الذي بلغ الذروة والكمال في الإيمان كما كَانَ إبراهيم ﵇، وكما كَانَ مُحَمَّد ﷺ ، وأصحابه من بعده.
стр. 1513
فلا تجد قوماً يؤمنون بالله وبرسوله ﷺ يوادون من حاد الله ورسوله، ولا يجتمع في قلب أحد من النَّاس حب الله وحب عدو الله إبليس، وحب الكفر والإيمان جميعاً.
هذه الموالاة والمعاداة نتيجة وثمرة لوجود الكفر ولوجود الشر، ولوجود مادة ذلك الكفر والشر وهو إبليس، فتنوعت العبوديات لله ﵎، تبعاً لوجود هذا الشر الذي هو إبليس وأعوانه.
عبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لو كان النَّاس كلهم مؤمنين ولم يكن في هذا الكون شر، ولم يُخلَق إبليس اللعين لما وجدت المنكرات، ولما وجدت عبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بل لو كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأتي بمجرد اللسان، أو بالأمر الهين لكان النَّاس كلهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم الصبر والمشقة والتضحية، ولعل في قول لقمان الحكيم لابنه وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:١٧] لعل في ذلك إشارة إِلَى هذه الحكمة وهي: أنه عقَّب عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر، والصبر أعم من أن يكون عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو أعم من ذلك، لكن كونه يأتي بعده فيه إشارة إِلَى رابطة بينهما، بأنه لا يمكن أن يأمر أحد بالمعروف، أو ينهى عن المنكر إلا ويبتلى، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فاصبر عَلَى ما يصيبك، وأنت أيضاً مأمور بالصبر عَلَى الطاعة، ومأمور بالصبر عَلَى المعصية، ومأمور بالصبر عَلَى الأقدار، لكن في هذه الحالة بالأخص إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فاصبر، كما قالورقة بن نوفل: ﴿ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك﴾ قالها للنبي ﷺ لما أن نزل عليه الوحي، أي: ليتني أكون شاباً قوياً إذ يخرجك قومك حتى أنصرك نصراً مؤزراً.
стр. 1514
فقال النبي ﷺ : ﴿أو مخرجي هم﴾ فتعجب النبي ﷺ لماذا يخرجونني، مع أن الناموس الذي كان ينزل عَلَى موسى نوراً وهداية جَاءَ به جبريل من عند الله، فهذا خير عظيم، أيخرجونني لأنني أنزل الله علي هذا الخير أو جئتهم به؟! فتعجب لأن الله لم يكن أخبره عن حال الأمم السابقة، وعن حال الرسل مع أممهم وأقوامهم، فالذي ينظر أول وهلة يتعجب، كيف يأتيكم ليدلكم عَلَى طريق الجنة ويباعدكم من طريق النَّار فتؤذونه، هذا شيء عجيب كيف يقع؟ قال ورقة: ﴿ما جَاءَ أحد بمثل ما جئت به إلا عودي﴾ لأنه كان عنده علم من الكتاب، أي حتى ولو كنت تدل النَّاس إِلَى طريق الجنة.
وقد كان النبي ﷺ كما قَالَ: ﴿فأنا آخذ بحجزكم عن النَّار وأنتم تتهافتون فيها﴾ ومع ذلك آذوه وضربوه ورموه وفعلوا به ما فعلوا، وهو آخذ بحجز هذه الأمة عن النَّار وهم يتهافتون فيها، فمن جَاءَ بهذا الدين لا بد أن يؤذى، ومن آثار هذه الحكمة أن يتعبد الله بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، ويتعبد بالصبر عَلَى ما ينال الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإلا لو تأمل العاقل لوجد أنه لا مصلحة في الدنيا لهذا الآمر في أن يأمرني، ولهذا فإن بعض النَّاس الذين لديهم شيء من البصيرة إذا قيل له: اتق الله. يتفكر ويقول: جزاك الله خيراً، يفكر في نفسه هل يريد هذا الإِنسَان أي مصلحة؟ لماذا أمرني ولماذا قَالَ: هذا حلال وهذا حرام؟ لا مصلحة له.
стр. 1515
إذاً: جزاه الله خيراً فقد أخذني إِلَى الحق، سواءً عمل أو لم يعمل، كما قال الله: لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً [هود:٢٩] مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:٥٧] ، لكن هَؤُلاءِ قليل، أما الأكثر فعكس ذلك تماماً يقابلك بالكلام البذيء والاستهزاء والسخرية، ولله تَعَالَى في ذلك حكمة، وإلا كان كل النَّاس آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فإذا كان ذلك فكيف تكون ولاية لله؟ وكيف تعلم منزلة أبي بكر الصديق من غيره من المنافقين، الذين كانوا يحلفون ويقسمون أنهم مؤمنون، فالمسألة ليست مسألة أًيمان، فأي إنسان مستعد أن يحلف لك أنه يحب الله ويحب دينه، لكن الحقيقة تأتي في المحن وفي الشدائد والمكروهات، والله ﵎ لا يريد أن يعذب أوليائه، لكن ليظهر ظهور انكشاف، وإلا فهو تَعَالَى يعلم ذلك، وليعلم أيضاً الخلق أن هذا مؤمن صادق وأن ذاك منافق.
في غزوة تبوك خلفوا ثلاثة من المؤمنين -أي: تأخروا- عن الغزو، فندموا وتابوا، لكن المنافقين لم يفكروا في شيء، بل قالوا: يطمع مُحَمَّد ومن معه أن بني الأصفر "الروم" مثل قريش وغطفان، فكانوا يظنوا أن هذا نهاية الْمُسْلِمِينَ، ولهذا قالوا: قد أخذنا أمرنا من قبل، أي احتطنا وعرفنا أن المعركة خاسرة، فنحن نعرف متى نحارب ومتى لا نحارب، فكأن هذا من الذكاء والتخطيط، هكذا قال المنافقون وزين لهم الشيطان أعمالهم، فلما ظهر أمر الله وهم كارهون، وجاء النبي ﷺ منصوراً بإذن الله ، وعاد إِلَى المدينة.
стр. 1516
فالثلاثة الذين كانوا حقيقة يريدون الخروج وأعدوا له العدة، فكان من حالهم ما تعلمون، لكن المنافقين جاءوا إِلَى النبي ﷺ ، يحلفون له بالأيمان أنه ما منعهم إلا الحر، وآخر يقول: بنات بني الأصفر، وخاف الفتنة أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:٤٩] وقد كان ذلك، والذي يقول غير ذلك، فكل واحد يأتي بالأعذار، فظهر التفاوت الكبير بين الذين لو خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى أي مكان في الدنيا ما فارقوه قط، بل حتى وهم فيالمدينة، كما أخبر عنهم النبي ﷺ (إن في المدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً إلا وهم معكم حبسهم العذر) .
فالمعذورون الذين في المدينة تتقطع قلوبهم أنهم لم يكونوا مع النبي ﷺ ، ولهذا لهم من الأجر كما لو كانوا مع النبي ﷺ في كل وادٍ ينزل فيه أو مكان أو مشقة أو جهاد أو نفقة، لأن قعودهم كان عن عذر، فلولا هذه الامتحانات وهذه الابتلاءات ووقوع هذا الخير، ووجود هذا الشر، لما ظهرت تلك العبوديات المتنوعة لله سبحانه تعالى، عبودية الصبر، وعبودية الجهاد، وعبودية كف النفس عن المحارم.
ألا ترون أن التبرج شر عظيم، وهو من أعظم أدواء الأمم، وما أصيبت أمة من الأمم بالتبرج والاختلاط، إلا وكان عاقبتها الدمار، فكل الحضارات الماضية لما تفشت فيها هذه الأمور دمرت، لكن مع أن هذا شر ويجب أن يقاوم وأن يحارب فيه وجه من الخير، فالذي يغض بصره عن هَؤُلاءِ المتبرجات ليس مثل الذي لم ير شيئاً فهو غاض النظر، فظهر في ذلك حكمة لله -هذا وهو مكروه ومبغض- وهو أن هنالك من ترفَّع عن هذه الشهوات، وترفَّع عن هذه الرذائل، وينظر إِلَى ما عند الله ويقاوم هذا الشر ويحاربه، إذاً في هذا الشر حكمة ولوجوده حكمة.
عبودية التوبة والاستغفار
стр. 1517
وأيضاً هناك من الحكم حصول عبودية التوبة والاستغفار، فالرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً، ثُمَّ سأل ذلك العابد الجاهل هل لي من توبة؟ قال: لا. فأكمل به المائة، فهو لا يزال في شدة قوة الاندفاع للشر، وعندما لم يجد من يفتح له باب الخير ظهر ما كَانَ كامناً عنده من دافع الشر، فأكمل به المائة، فلما ذهب إِلَى العابد العالم وأرشده إِلَى التوبة وأن يذهب إِلَى بلدة كذا، لكي يكون هنالك في البيئة الإسلامية الحسنة، بيئة الطاعة لا بيئة المعاصي، لما حصل ذلك حصلت هذه العبودية العظيمة عبودية التوبة، ألا ترون أن قتل مائة نفس مفسدة عظيمة جداً.
فقتل نفس واحدةٍ مفسدة عظيمة، فكيف قتل مائة نفس؟ لكن حصل من ذلك وتضمن مصلحة عظيمة وهي أن هذا الرجل تاب توبة عظيمة، حتى أن الله ﵎ أمر أن تنقبض هذه الأرض، وأن تمتد تلك، لكي تقيس الملائكة فإذا قاست فيكون أقرب إِلَى أرض الخير، سُبْحانَ اللَّه! هذا الذي فعل هذا الفعل وارتكب هذه الجرائم، ومع ذلك يكرمه رب العزة والجلال الغني عنه وعن عبادته وعن توبته بهذه الكرامة، لأن التوبة لها عند الله شأن عظيم، فلولا تلك الذنوب لما كانت تلك التوبة، والذنوب مكروهة ومبغضة، ولكن التوبة محبوبة مرضية لله، فاجتمع هذا وهذا، وكان هذا الذي هو الخير نتيجة لذلك الذي هو الشر.
عبودية الاستعاذة
стр. 1518
ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه] وجود إبليس يكون فيه عبودية من جهة، فالإِنسَان المسلم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل وقت ويقرأ الأدعية ويذكر الله، ويخاف من أذى هذا اللعين، ويقرأ المعوذات التي تعيذه من الشيطان، ويخاف من هذا العدو أن يباغته فيدله عَلَى شر أو يقحمه في ذنب، كل هذا يجعل المؤمن متصلاً بالله ، دائماً ذاكراً لله متيقظاً مراقباً لنفسه ولأحواله من هذا العدو، فحصل بوجود هذا العدو خير، وعبوديات لله سبحانه تَعَالَى ما كانت لتحصل لولا هذا العدو، وهكذا.
فَيَقُولُ: [إِلَى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها] إذاً نقول: وجود إبليس ووجود الشر الذي يقود هَؤُلاءِ القدرية إِلَى أن يقولوا: إنه لا يمكن أن يقع أو ينسب الشر إِلَى الله، وأنه لا يقع بمشيئة الله، نقول لهم: بل وجوده فيه من الحكم العظيمة، ما تعجز العقول عن إدراكها.
قَالَ المُصنِّفُ ﵀:
[فإن قيل: فهل كَانَ يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟
فهذا سؤال فاسد! وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب. والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد عَلَى وجهين: أحدهما: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محباً لها من جهة إفضائها إِلَى محبوبه، وإن كَانَ يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضا؟؟ فهذا سؤال له شأن.
стр. 1519
فاعلم أن الشر كله يرجع إِلَى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه، مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إِلَى خلافه. وحركتها من حيث هي حركة: خير، وإنما تكون شراً بالإضافة، لا من حيث هي حركة، والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء في غير محله، فلو وضع في موضعه لم يكن شراً، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية] اهـ.
الشرح:
بعد أن بين المُصنِّفُ ﵀ الأمثلة والحكم الكثيرة في وجود الخير والشر، وما تضمنه الخير والشر من المصالح العظيمة أورد سؤالاً قد أثاره أهل البدع والقدرية من قبل.
وهذا السؤال هو أن يقَالَ: فهل كَانَ يمكن وجود تلك الحكم بدون تلك الأسباب، أي: قد يقول قائل: هناك حكم من الشر وهناك حكم من وجود سبب الشر وهو إبليس، لكن ألا يمكن أن توجد الحكم مع عدم وجود الأسباب؟ هذا من الناحية العقلية سؤال يرد، فأجاب المُصنِّفُ عنه فقَالَ: [هذا سؤل فاسد! لأنه فرض وجود الملزوم بدون لازمه-أي- كفرض وجود الابن من غير الأب] ووجود الأبناء أمر محبوب ومراد ومطلوب، فلو أتاك رجل فقَالَ: ألا يمكن وجود ابن من غير أب أو من غير زواج؟ فإنك تقول له: هذا السؤال فاسد؛ لأن حكمة الله اقتضت أن ترتب هذه الأسباب وتكون النتائج تبعاً لتلك الأسباب، فهذا نتيجة ذلك، فسؤالك عن وجود النتائج مع عدم الأسباب هذا سؤال فاسد لا يقبل.
стр. 1520
إذاً فالسؤال: ألا يمكن أن تقع الحكم التي أرادها الله من وجود الشر مع عدم وجود الشر، هذا أيضاً سؤال فاسد ولا يرد، لأن هذه الحكم لا توجد ولم توجد إلا مرتبطة بوجود ذلك السبب الذي نتجت منه، وكذلك [وجود الحركة بدون متحرك] نفس الشيء، فقد اقتضت حكمة الله أنه لا يمكن أن توجد حركة إلا بوجود متحرك، [ولا توبة إلا بوجود تائب] هذا هو المقصود بكلام المُصنِّفُ هذا.
إذا كانت أقدار الشر لحكمة فهل يحبها الله من وجه؟
وبعد ذلك أثار إشكالاً آخر أدق من ذلك وأغمض، لكن يمكن أن نوجزه رغم أن المُصْنِّف أطال فيه. وهذا سؤال يرد عند بعض النَّاس فيقولون: إذا كانت هذه الأسباب يعني: "إبليس، الكفر، الشر"، مرادة لما تفضي إليه من الحكم كما سبق، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه؟، أي هل نقول: إن الله يرضى وجود إبليس ووجود الكفر، ويرضى وجود التبرج، لما ينشأ منه من فوائد وحكم وإن كَانَ مسخوطاً من حيث ذاته أو من حيث كونه معصية من أوجه أخرى؟ أو نقول: إنها مسخوطة من جميع الوجوه بإطلاق؟
السؤال يرد عَلَى وجهين [أحدهما: من جهة الرب تَعَالَى، وهل يكون محباً لها من جهة إفضائها إِلَى محبوبه، وإن كَانَ يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضاً؟ فهذا سؤال له شأن] هذه القضية لها جهتان: من جهة الله : هل يكون محباً لهذه المعصية؛ لأنها تفضي إِلَى طاعات وإلى عبوديات له ، ويبغضها لذاتها، ويكرهها ويعذب من فعلها ويمقته ويمقتها؟ هذا من جهة الرب.
ومن جهة العبد: هل يسوغ للعبد أن يرضى بها من تلك الجهة؟
стр. 1521
لا يوجد مسلم يرضى بالمنكر، لأنه ليس وراء الإنكار بالقلب من الإيمان مثقال ذرة، وقد لا يستطيع الإِنسَان أن يغير باليد أو باللسان، لكنه لا بد أن يكرهه بقلبه، فلا يوجد مؤمن يرضى المنكر بقلبه، فإذا جَاءَ أحد وقَالَ: أنا مؤمن وأكره هذه المنكرات، لكن من جهة أنها صدرت من الله، وأن لله تَعَالَى حكمة في صدورها، فأنا أرضى عنها من هذه الجهة، لا من جهة أني أقرها ولا أكرهها، لكن هناك فرق عن كونها ذنباً إِلَى كونها مصيبة، فأكل الربا أو شرب الخمر أو الزنا أو التبرج، إذا نظرت إليها من جهة أنها ذنوب فموقفك منها الإنكار المطلق، لكن إذا نظرت إليها من جهة أنها مصائب، فأنا من هذه الجهة راضي بالقدر، لكن لا يرضى من جهة المعصية، فالجهة منفكة، والمصنف ﵀ لم يأت بجواب حاسم في المسألة، ولهذا وضحناها وقلنا: إنه يمكن أن تُرضى من جهة كونها مصيبة لا من جهة كونها معصية، فالجهتان تختلف.
نعم المعصية هي في نفس الوقت مصيبة، لكن كونها معصية لا ترضى، والمصنف ﵀ هنا رد الأمر إِلَى أصل آخر ليبين لنا كيف نفهم هذه القضية وأمثالها، يقول: [فاعلم أن الشر كله يرجع إِلَى العدم] الشر كله مرجعه إِلَى عدم الخير، وعدم الأسباب المفضية المؤدية إليه، فهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه، ووضح ذلك، بأن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، والنفوس الشريرة، أتاها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها في الأصل خلقت متحركة، فأصل وجود إبليس كمخلوق من خلق الله، ويتحرك.
стр. 1522
فهذا الأصل في ذاته خير، مجرد أنه موجود وله قدرة عَلَى أن يتحرك وأنه يخاطب وأن يتكلم، لكن الشر جَاءَ من أن الله خذله وقطع عنه مادة الخير فأصبحت حركته في الشر، فليس الشر ناتجاً من وجوده ومن حركته، وإنما من عدم إمداده بالخير، وبانقطاع مادة الخير عنه، يقول: لأنها خلقت في الأصل متحركة، فإبليس أو الثعابين أو العقارب أو أي شيء من النفوس التي هي نفوس شر، خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إِلَى خلافه، وحركتها من حيث هي حركة لا توصف بالخير ولا بالشر، لكن من جهة أن الله أوجدها خير، وإنما تكون شراً بالإضافة؛ لا أن الحركة نفسها شر، فكونها حركة ظلم أو حركة عدوان أو حركة بغي أو حركة بطش.
إذاً هي شر بالإضافة، لا أنها مجرد حركة أو مجرد وجود، والشر كله ظلم، والظلم يعني: وضع الشيء في غير محله، إذاً: فالشر كله ظلم، إذاً عرفنا أن الشيء في ذاته يختلف عن الشيء في الإضافة، فالشيء في ذاته ووجوده في ذاته لا يكون شراً ولا خيراً، وهو بالنسبة إِلَى إيجاد الله له خير، لكن بالنسبة إِلَى إضافته إذا وضع في غير موضعه أصبح شراً، يقول: [فجهة الشر فيه إذاً نسبية إضافية] ، وضرب لذلك مثلاً بالعقوبات، مثل قطع يد هل هو خير أو شر؟ ننظر إِلَى السبب، فإذا قطعت يده من أجل أنه أراد أن يمدها إِلَى خير -إِلَى أمر بمعروف أو نهي عن منكر- فقطعت يده فهذا يكون شراً، وإن سرق مالاً من حرز معصوم فقطعت يده فهذا خير، فجاء الخير من أن الحركة وفقت، وكانت فيما يرضي الله، وجاء الشر من انقطاع مادة الخير، فهو إضافي وليس لذات الفعل المجرد.
قَالَ المُصنِّفُ ﵀:
стр. 1523
[ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيراً في نفسها، وإن كانت شراً بالنسبة إِلَى المحل الذي حلت به، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له، فصار ذلك الألم شراً بالنسبة إليها، وهو خير بالنسبة إِلَى الفاعل، حيث وضعه في موضعه، فإنه سبحانه لم يخلق شراً محضاً من جميع الوجوه، والاعتبارات، فإن حكمته تأبى ذلك، فلا يمكن في جناب الحق تَعَالَى أن يريد شيئاً يكون فساداً من كل وجه، لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال، فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه، فلو كَانَ إليه لم يكن شراً، فتأمله، فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شراً.
فإن قيل: لِمَ تنقطع نسبته إليه خلقاً ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس بشَرِ، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إِلَى من بيده الخير. فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: (الإيجاد، والإعداد، والإمداد) ، فإيجاد هذا خير، وهو إِلَى الله، وكذلك إعداده وإمداده، فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إِلَى الفاعل، وإنما إليه ضده.
فإن قيل: هلا أمده إذ أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده. فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده] اهـ.
الشرح:
العقوبات مثال من الأمثلة التي تؤيد أن الأمر قد يكون شراً من جهة، وخيراً من جهة أخرى، فالرجل الذي يسرق، ثُمَّ تقطع يده، فإن هذا بالنسبة إليه شر، لكن من إِلَى جهة أخرى فإنها خير.
стр. 1524
ثُمَّ يقول: [ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالّها خيراً في نفسها] فقوله: [الموضوعة في محالها] تخرج بذلك فيما لو عاقبت إنساناً بعقوبة، أو حدٍ وهو بريء، وإنما المقصود بقوله: [في محالّها] أي: المحل الذي وقعت في ذلك الرجل الذي عُوقب بهذه العقوبة، وذلك الحد، ثُمَّ يقول [لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة، مستعدة له] فطبيعة ذلك الإِنسَان لا تريد الألم، وإنما تسعد وترغب في اللذة والراحة، لكن حصل لها الألم بذلك الحد، ثُمَّ يقول: [فصار ذلك الألم شراً بالنسبة إليها وهو خير بالنسبة إِلَى الفاعل، حيث وضعه في موضعه] أي: أنه خير بالنسبة إِلَى الفاعل، وكذلك للمجتمع جميعاً، حيث وضعت العقوبة في موضعها.
لا يوجد في خلق الله شر محض من جميع الوجوه
ثُمَّ يقول: [فإنه سبحانه لم يخلق شراً محضاً من جميع الوجوه والاعتبارات] وهذا هو وجه تنزيه الله عن كون الشر ليس إليه، [فإن حكمته تأبى ذلك] أي أن الله تَعَالَى حكيم، وحكمته تأبى أن يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، وإنما يخلق شراً وفيه جوانب من الخير، ويحقق به حكماً ومصالح، فَيَقُولُ: [فلا يمكن في جناب الحق تَعَالَى أن يريد شيئاً يكون فساداً من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال] أي: محال عن ذي العزة والجلال المتصف بصفات الكمال، أن يكون هذا من شأنه [فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه] وهذا معنى نفي الشر عن الله وتنزيه عنه [والشر ليس إليه] .
[والشر ليس إليه] هذه اللفظة يفهمها أهل السنة فهماً مغايراً لفهم المعتزلة لها، يقول أهل البدع: إن معنى والشر ليس إلى الله أي: أنه لم يخلق أفعال العباد، فالعباد إذا عصوا وفعلوا الموبقات والمنكرات، يقولون: إن الله لم يخلقها، فإن قلنا: إن الله خلقها أو شاءها وقدرها، فنكون قد نسبنا الشر إِلَى الله، والشر ليس إليه.
стр. 1525
أما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيعنون بقول: [والشر ليس إليه] أي: ليس إليه شراً محضاً بوجه من الوجوه، أما إذا كَانَ الشيء قد يبدو شراً وفيه خير، أو هو شر بالنسبة إِلَى المخلوقين، ولكن فيه خيراً بالنسبة إِلَى حكمة الله، وإرادة الله، فإن هذا لا يسمى شراً، فتنزيه الله عن الشر أي: أنه تَعَالَى منزه أن يخلق أو يريد أو يشاء شراً، لا خير فيه بوجه من الوجوه، ويلاحظ الفرق بين المذهبين.
ثُمَّ يقول: [بل كل ما إليه فخير] أي: كل ما إِلَى الله هو خير، حتى وإن كَانَ شراً في ذاته، فهو من جهة نسبته إِلَى الله خير، ويأتي الشر من جهة أخرى.
أقدار الله خير ومعصية العبد شر
قوله: [والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه] أي: أنه إذا كَانَ فيه جهتان: من جهة كونه من الله فإنه خير، ومن جهة كونه من غير الله أو فيه نسبة إِلَى غير الله فإنه شر، ثُمَّ يقول: (فلو كَانَ إليه لم يكن شراً فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شراً) يعني: إذا أحد عصى الله -كأن يزني مثلاً عياذاً بالله- فهذا من جهة أن الله قدره فهو خير، لأن الله لم يقدر شيئاً إلا لحكمة، ولأمر قد نعلمه، وقد لا نعلمه، لكن من جهة أن العبد عصى الله وانتهك ما حرم الله، فهذا شر بلا شك، لكن إذا نظرنا إليه من جهة أنه مراد لله مقدر بقدر الله، فهو خير لله تَعَالَى فيه حكمة سواء علمناها أو لم نعلمها.
اعتراض القدرية ورده
стр. 1526
أورد القدرية إشكالاً وهو قول المصنف: [فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقاً ومشيئة] أي: من حيث أن الله خلقه وشاءه وأوجده، لأن الله تَعَالَى خالق كل شيء، فلا يكون في الكون شيء إلا بإرادة الله ومشيئته، فيقولون: إذاً هذا شر، فلم تنقطع نسبته إِلَى الله من جهة كونه خلقاً ومن جهة كونه مشيئة لله ، قَالَ المُصْنِّفُ راداً عليهم: [قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر] هذا الفعل من جهة الخلق، والمشيئة، ليس بشر [فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر] وجود الأشياء من حيث هي موجودة [كالنفوس الشريرة] وجودها وحركتها في ذاتها ليس بشر.
ثُمَّ يقول: [والشر الذي فيه، من عدم إمداده بالخير وأسبابه] هذا مثل ما ذكر المُصْنِّف سابقاً حيث قَالَ: [فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تُرِكت تحركت بطبعها إِلَى خلافه] إذاً: الشر إنما جَاءَ من عدم إعانتها بالخير، أي من كونها وكلت إِلَى طبائعها، وإلى ذواتها، وهكذا، لو أن الله وكلنا إِلَى أنفسنا لهلكنا، ولهذا كَانَ النبي ﷺ يسأل الله أن لا يكله إِلَى نفسه طرفة عين، فالكفار خلى الله بينهم وبين أنفسهم فخذلوا خذلاناً بيناً، وليس ذلك لأن وجودهم شر، فإن الله سبحانه خلقهم، فخلقه ومشيئته في إيجادهم وخلقهم هو خير، وإنما جاءهم الشر من جهة أنهم خُذلوا، لأن الله لم يمدهم بأسباب الهداية، فتركوا لأنفسهم، فجاء الشر من أنفسهم، ومن شياطينهم، ومن أعمالهم التي ارتكبوها.
стр. 1527
يقول: [فالشر الذي فيه، من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إِلَى من بيده الخير] أي أن العدم لا ينسب، لأنه شيء لا وجود له، والعدم ضد الوجود، فليس بشيء حتى ينسب، فالله كما قَالَ: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] وقَالَ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:٣٦] .
فبعث الله تَعَالَى الرسل، ليعبدوا الله وحده لا شريك له، وأقام الرسل حجة الله تَعَالَى عَلَى الخلق فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ أمده الله تَعَالَى بالهداية، وتفضل عليه بأسبابها، ووفقه لها وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ومنهم من لم يمده الله تَعَالَى بتلك الأسباب ولا با التوفيق، بل تركه إِلَى نفسه مع أنه رأى بعينه آيات الله البينات، ورأى معجزات الأَنْبِيَاء وغيرها، ولكنه لما وكل إِلَى نفسه خذلته فلم يؤمن، كما هو حال قوم فرعون، فإن الله ابتلاهم بالجراد والقمل والضفادع والدم، وكلما جاءتهم آية جاءوا إِلَى موسى ﵇ وَقَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ [الأعراف:١٣٤] .
стр. 1528
فإذا كشف الله تَعَالَى عنا، فإننا سوف نؤمن بك، فلما كشف الله عنهم ذلك، لم يلبثوا إلا أن يعودوا إِلَى ما كانوا عليه، فهَؤُلاءِ النَّاس جاءهم الشر من عند أنفسهم، حيث إن الله لم يوفقهم بل خذلهم ووكلهم إِلَى أنفسهم، ولما وكلوا إليها هلكوا، مع أن الله أعطاهم أسباب الهداية، فرأوا الآيات البينات والدلائل الواضحات، لكنه لم يمدهم في أنفسهم بما يجعلهم مهتدين، فعدم إمدادهم بذلك ليس شراً، لأنه عدم محض، وليس أمراً وجودياً حتى ينسب إِلَى الله ، ثُمَّ يقول: [والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إِلَى من بيده الخير] .
فحكمته أنه يختص برحمته من يشاء، فأعطى أقواماً ومنع آخرين، فلما منعوا جاءهم الشر، لأن نفوسهم مقطوعة عن خير الله، وعن فضله، فتحركت بناءً عَلَى أن ما لديها هو الحق، ومع تزيين الشيطان لها ذلك وقعت في الشر الذي لا يرضاه الله .
ثُمَّ يقول: [فإن أردت مزيد إيضاح لذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة، الإيجاد، والإعداد، والإمداد] فأمَّا الإيجاد: فقد تقدم أن الله لم يوجد إلا ما هو خير، أي أنه ليس شراً من جميع الوجوه، ثُمَّ إن أعده أو أمده بالخير فهنا يكمل الخير، ثُمَّ يقول: [فإيجاد هذا خير] أي: إيجاد الذي هو شر هو خير بالنسبة إِلَى الله، [وكذلك إعداده وإمداده، فإن لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد] أي: بقي أنه موجود، وبقي أنه مراد، وأنه داخل في المشيئة، ولكن لم يعده الله للخير، ولم يمده بالخير.
الشر في الأسباب وليس في الخلق والوقوع
стр. 1529
ثُمَّ يقول: [حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إِلَى الفاعل، وإنما إليه ضده] فهذا إيضاح لما تقدم، وهو أن كونه خلقه الله لا يعني أنه من هذه الصفة أو الجهة شراً، لكن من جهة أن صاحبه فعله يكون شراً بعد قيام الحجة عليه. ووجود أسباب الهداية بين يديه، فلو أنَّ أحداً فعل ذنباً محرماً، وهو لا يعلم، كَانَ يكون معذوراً بأي سبب من أسباب العذر.
فإن جهة الشر أيضاً تنتفي منه من الناحية الشرعية، أي أنه لا يسمى شراً شرعاً إلا ما كَانَ متوفراً فيه الشروط التي وضعها الشرع، لاعتبار ذلك شراً أو جريمة أو منكراً أو معصية، فإذا حصلت ولم يتوفر شروطها لعارض من العوارض أو سبب من الأسباب، فإن ذلك لا يكون شراً ولا مكروهاً، مثل حال بعض أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يعذبون، حتى أن أحدهم يمر به الجعل، وهو الحيوان المعروف، فيقول له الكفار: قل هذا ربي.
فَيَقُولُ: من شدة التعذيب والأذى والتعب: هذا ربي، وهذا الكلام في ذاته شر، لكنه شرعاً ليس بشر، لأن الله تَعَالَى يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان [النحل:١٠٦] فهو لم يقل الكفر عَلَى جهة الإنكار للحق والعناد، وإنما قاله وهو مكره، إذاً مجرد الخلق والوقوع والتقدير ليس بشر، وإنما لتوفر أسباب وشروط تجعله شراً أو تجعله خيراً.
стр. 1530
ومعنى [إليه ضده] أي: إنما ينسب إِلَى الفاعل أي "الله" ضد ذلك الذي هو الخير، أو "إلى ضده" أي ينسب إِلَى ضد الله الذي هو ضد الخالق وهو الفاعل، ثُمَّ يقول: فإن قيل (هلاَّ أمده إذ أوجده) هذا الإشكال معناه أي: ما دام أن الله أوجده وخلقه، فلماذا لم يمده كما أن هناك أشياء خلقها وأمدها؟ والجواب هو قول المصنف: [ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده، فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده] ، حكمة الله لم تقتضِ أن يخلقه، ويمده، ولكن له حكمة في أنه خلق أشياء، وأمدها، وخلق أشياء ولم يمدها، وبهذا يتضح الإشكال الذي سيذكره المُصْنِّف بعده.
قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
[فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد، يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة! وهذا عين الجهل! بل الحكمة كل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع بأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت، فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم، فراجع قول القائل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إِلَى ما تستطيع
]] اهـ.
الشرح:
هذا الإشكال تابع لما قبله، فأولاً قالوا: إذا أوجده لماذا لم يمده؟
стр. 1531
فيُقَالُ: إن الحكمة اقتضت إيجاده ولم تقتضِ إمداده، ثُمَّ قالوا: [فهلا أمد الموجودات كلها فهذا سؤال فاسد] معنى هذا: أنه يقول: لماذا لم يخلق الله الشياطين والبشر عَلَى نسق الملائكة؟ أو لماذا لم تكن الموجودات جميعاً ملائكة؟ فنقول: هذا سؤال فاسد، فإن الحكمة فيه الآن متحققة خلاف ما لو كانت المخلوقات عَلَى نسق واحد، إذاً فما وقع من الشر في الكون، فهو من جهة المخلوقات التي خلقها، ولم يمدها بأسباب الخير، وهنا يجب ملاحظة الفرق بين قولنا: لم يمدها بأسباب الخير وبين قولنا: إنه لم يبينها، فإن الله تَعَالَى بيَّن لأهل الشر هذا الشر، وأقام الحجة عليهم.
لكن لم يوفقهم للعمل به، ولم يمدهم بالأسباب، عَلَى أن يكونوا من أهل الخير، فخذلهم ووكلهم إِلَى أنفسهم، فهم يعلمون أنه شر فاختاروه، وعصوا الله عَلَى علم، وكفروا به عَلَى بينة.
هل التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة؟
ومورد ذلك السؤال الفاسد هو ظنهم (أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة) فنرد عليهم بقول المصنف: [هذا عين الجهل، بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء] فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت وقع لأمور عدمية يتعلق بها الخلق، وقوله تعالى: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:٣] أي: فليس عدم التفاوت المنفي عن الله أنه لم يخلق شراً وخيراً وحقاً وباطلاً، فوجود الأنواع المختلفة ليس تفاوتاً، بل هو عين الحكمة، أما لو خلق الله اثنين من نوع واحد وكلاهما عَلَى الهدى وهما في العمل الصالح، ثُمَّ جعل هذا في الجنة وهذا في النار، فهذا هو التفاوت، ولكن ما دام أن هذا نوع وهذا نوع، وهذا خير وهذا شر.
стр. 1532
فليس هناك تفاوت، والطاعة قد تكون خيراً من إنسان، وقد تكون شراً لآخر، فليس في هذا تفاوت من جهة أنها نوعين طاعة ومعصية، إنما يكون التفاوت إذا كَانَ النوع واحداً من جنس واحد، بشروط واحدة وحصل بينهما اختلاف، ولا يأت التفاوت لكون العباد عَلَى نوعين، نوع خير ونوع شر والتفاوت الذي هو تفاوت لا يليق أن يكون من أحد النوعين المتماثلين، فيكون في أحدهما ما يختلف عن الآخر، [فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت] مجرد الإيجاد ليس فيه تفاوت، وإنما حصل الاختلاف في الإعداد والإمداد، فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها، أي ما دام أنه أوجده فلماذا لم يمده؟
الفرق بين الإيجاد والإمداد
هناك فرق بين الخلق والإيجاد، وبين الإمداد وبين العمل الذي نعمله، فكل الأشياء من جهة أن الله خلقها هي خير، إذ لا يخلق الله شراً محضاً من جميع الوجوه، وجاء الشر لبعضها من عدم إمدادها بالخير إضافة إِلَى الخلق في ذاته، فهذا المخلوق يعامل عَلَى أنه فاعل يتحرك، إذا أمده الله بالتوفيق تحرك في الخير، وإن تركه ولم يمده تحرك فيما طبع عليه، وما دعته نفسه وشيطانه وهواه إليه، وإن كَانَ الحق واضحاً أمامه، فإن قيل: هلا أمد الموجودات كلها، معنى ذلك ألا يوجد في الكون شراً بإطلاق.
стр. 1533
الجواب: أن هذا السؤال فاسد، مورده يظن أن الحكمة أن تكون جميع المخلوقات كلها خيراً، فإذا وجد خير وشر في نظره فقد وجد تفاوت، لكن إذا كانت كل المخلوقات خير لم يحصل تفاوت والله تَعَالَى يقول: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:٣] فرد المُصْنِّف عليه بقوله: الحكمة في هذا وجود هذا التفاوت للأسباب المتقدمة، فالتفاوت الذي ينافي الحكمة ليس في أنه يوجد أنواعاً مختلفة، وإنما التفاوت أن يكون في النوع الواحد، ليس في كون الله خلق محمداً ﷺ وهو أفضل الخلق، وخلق في المقابل إبليس، وهذا شر الخلق، فهذا تفاوت كبير. فهناك حكمة عظيمة أن يوجد هذا التفاوت، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:١٠٥] هَؤُلاءِ في الجنة، وهَؤُلاءِ في النار، وقد ظهرت بذلك الحكم العظيمة التي تقدم بعضها. ثُمَّ يقول:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إِلَى ما هو تستطيع
أي: أن هذه الأمور يوردها بعض الذين ينكرون القدر، ويستفسرون عن هذه الإشكالات، لكن نقول لهم: الشيء الذي لا تستطيعونه، ولا تفهمونه دعوه وجاوزوه، إِلَى الذي تستطيعونه وهو التسليم والإقرار.
стр. 1534
والأصل في باب القضاء والقدر هو التسليم، كما جَاءَ جبريل إِلَى النبي ﷺ فسأله عن الإيمان فقَالَ: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، ولا يمكن أن يعجز أهل السنة عن الأجوبة العقلية، لأن الله لم ينزل هذا الدين إلا وهو موافق للعقول السليمة، لكن العقول المريضة والعقول السقيمة، هي التي لا تستطيع أن تفهم ما أنزل الله، فتعارضه أو تضرب بعضه ببعض، فلذلك تجد أن الجبرية أو القدرية أخذت ببعض الدين وأنكرت البعض، لكنأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لا يردون أي حديث ولا أي خبر يأتي من كلام الله ومن كلام رسوله، فيؤمنون بالجميع ويسلمون للجميع.
أقدار الله الكونية يجب الرضى بها
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:
[وأما الوجه الثاني وهو الذي من جهة العبد فهو أيضاً ممكن بل واقع فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني فيرضى بما من الله، ويسخط ما هو منه، فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان، وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً وقولهم يرجع إِلَى هذا القول؛ لأن إطلاقهم للكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته، وسر المسألة: أن الذي إِلَى الرب منها غير مكروه والذي إِلَى العبد مكروه] اهـ.
الشرح:
стр. 1535
نوضح ما ذكره المُصْنِّف بمثال: وهو أن إنساناً له قريب لا يصلي، فإن هذا الإِنسَان يكره هذا العمل كراهية شديدة، ويكره هذه المعصية من قريبه ويتألم من وقوعها منه، لكن إذا جَاءَ أحد فَقَالَ له: يا أخي هذا كله بقدر الله، والله أمرنا أن نصبر عَلَى أقدار الله، فإذا كَانَ أبوك لا يصلي أو أمك لا تصلي فلا بد أن تصبر، فهذا قدر الله وهذا أمره، فارض بما كتب الله: أما وقوع المعصية من جهة العبد فليس بمرضيٍ، لكن وقوعه من جهة أقدار الله تَعَالَى مرضي، فنحن نرضى به.
ثُمَّ قَالَ: [فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان] ولو قال: من أهل الإيمان لكان أفضل، وهم الذين قالوا: نرضى بكل ما هو من جهة الله وقدره، ونسخط المعاصي من جهة العبد، [وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً وقولهم يرجع إلى القول الأول] فكرهوها من جهة أنها معصية لا من جهة أنها قدر من الله ، يقول: [لأن إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته] وإنما يريدون أنها مخالفة شرعية لأمره ونهيه، وهذا هو سر المسألة وخلاصتها: أن الذي إِلَى الرب منها غير مكروه، والذي إِلَى العبد مكروه.
وهذان القولان: القول بالرضى، والقول بعدم الرضى وأنهما يرجعان إِلَى أصل واحد، يذكرنا بما سبق في حديث احتجاج آدم وموسىلما قال: (أنت موسى الذي كلمك الله، واصطفاك برسالته، وكتب لك التوراة بيده، تلومني عَلَى أمر قد كتبه الله عليَّ قبل أن يخلق السماوات والأرض بأربعين سنة، فَقَالَ النبيُ ﷺ : فحج آدم موسى) .
وهذا الحديث لا حجة فيه للجبرية الذين يقولون: نعمل المعاصي ونقول: قدر الله ذلك، لأن هناك مصيبة وهناك معصية، فالمعصية هي أكل آدم من الشجرة، والمصيبة هي: الخروج من الجنة.
стр. 1536
فموسى ﵇ لامَ آدَمَ ﵇ عَلَى المصيبة لا عَلَى المعصية، فاحتج آدم بالقدر عَلَى المصيبة، والاحتجاج بالقدر عَلَى المصيبة جائز وصحيح، وبعض العلماء قالوا: الذنب أيضاً يحتج بالقدر عليه من جهة وقوعه قدراً، وهذا الوجه هو الذي يناسبنا هنا، فآدم لم يحتج عَلَى الذنب من جهة أنني أعمله وأستمر -كما فعل إبليس- ولكن من جهة وقوع المعصية بقدر الله عَلَى الجهة المكروهة.
فخلاصة المسألة: العلم بأن ما كَانَ منها إِلَى الله فهو غير مكروه وليس فيه شر، وأن ما كَانَ منها -من أفعال الشر التي يفعلها الخلق- بالنسبة إِلَى العبد فهو مكروه، فالكراهة جاءت من فعل العبد ومن عمله.
قول الجبرية مردود عند جميع العقلاء
والتساؤل الثالث:
قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
[فإن قيل: ليس إِلَى العبد شيء منها قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إِلَى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين] اهـ.
الشرح:
إن الجبر الباطل هو: أن لا نجعل للعبد أي إرادة لأعماله، ولا نجعل له نسبة ولا إضافة في أعماله التي يعملها، ومن الجبر الباطل أن نجعل أعمال الإِنسَان الإرادية الاختيارية حين يأكل أو يشرب أو ينام أو يطيع أو يعصي مثل الريشة في مهب الرياح ليس لها أي إرادة، أو أن حركته بيديه أو بعينه مثل حركة قلبه حينما ينبض، وهذا قول لا يوافق عليه عاقل، وقد اتفق جميع العقلاء عَلَى نبذه ومخالفته.
ولهذا قلنا كما سبق: إن القدرية الجبرية ليس لهم شبهة وقولهم مخالف للعقل والنقل ولهذا لا نشتغل كثيراً بإبطال مذهبهم، أما القدرية النفاة فإن في كلامهم من الشبهات والاحتمالات ما قد يلتبس عَلَى كثير من النَّاس، ولذلك أطال العلماء في إيضاح هذه الشبه والرد عليها.
وسطية أهل السنة في أفعال العباد
стр. 1537
ثُمَّ يقول المصنف: [هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إِلَى التخلص منه من الجبري] أي: القدري المنكر أقل شراً ممن يقول؛ بالجبر لأنهم ينسبون الشر والفساد والذنوب إِلَى العباد ولا ينسبون ذلك إِلَى الله تَعَالَى، بخلاف قول الجبرية تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ومذهب أهْلِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أن الله خالق أفعال العباد، وأن العباد فاعلين لها حقيقة.
وخلاصة ما تقدم أن الجبرية يقولون: إن الله هو الفاعل لأفعال العباد، والقدرية النفاة يقولون: إن العبد هو الخالق، أما أهْلُ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فكما قال المصنف: [وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين] فليس ثمت إشكال يواجههم في قضية أفعال العباد.
فمعاصي العباد كلها بقدر الله وقضاءه وموافقة لإرادته الكونية القدرية، ولكنها مخالفة لإرادته الشرعية -لأمره ونهيه- ولهذا يؤاخذ عليها أصحابها ويعاقبون لأنهم فعلوها بإرادتهم، وهذه الإرادة تابعة لمشيئة الله، فإن فعلوا خيراً جوزوا به، وكان ذلك جزاءً لما فعلوه بإرادتهم واختيارهم من الطاعات، وإن فعلوا شراً عوقبوا به، وكان ذلك جزاءً عَلَى ما فعلوه بإرادتهم وباختيارهم من المعاصي والقبائح.
يقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
[فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة؟] اهـ.
الشرح:
تقول الصوفية: مادام أنه لا يقع شيء في الكون إلا بحكمة الله ومشيئته ، فلو شاء الله لما وقع ولا كان.
стр. 1538
فكيف يكون الندم عَلَى ما يقع؟! وكيف تكون التوبة مما وقع؟ وكيف ننكر هذا المنكر وهو إنما وقع بمشيئة الله، ولله فيه حكمة؟! فهذا هو المنزلق الخطير الذي، ضلت فيه طوائف كثيرة جداً، وتقول الصوفية: لا بد أن يشهد الإِنسَان قدر الله، ويشهد الحكمة في هذه الأفعال التي تقع من العباد، ومعنى ذلك أنه يُسلم لكل ما يقع، وقد صرح أكثر الصوفية بعدم الاعتراض فيقولون: لا تعترض عَلَى أي شيء يقع، لأنك لا تبصر ولا تدرك سر الله تَعَالَى في القدر، وبعضهم إذا رأى منكراً وقيل له: هذا منكر قَالَ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:١١٢] أي: اتركهم عَلَى منكرهم. هكذا زعموا، نعم لو شاء ربك ما فعلوه ولا شك في ذلك، لكن الذي شاء أن يقع هذا المنكر، أمر وطلب منك أن تنكره، فلماذا تأخذ الأمر من جانب واحد وتترك الجوانب الأخرى؟
من مضار هذا الفهم بالأمة الإسلامية
وقد وقع الانحراف الكبير في واقع حياة الأمة الإسلامية، وأدى إِلَى مصائب عظيمة وإلى حوادث فظيعة منها ما ذكره شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀، أنه لما دخل هولاكو بغداد عاصمة الإسلام وهي أكبر مدينة في العالم في ذلك الوقت، وقتل فيها عَلَى أقل تقدير ٨٠٠ ألف مسلم، وكلهم منأهل السنة، لم يقتل من الرافضة أومن النَّصَارَى أومن الباطنية أحداً، لأن الوزير الذي دلّه وأدخله كَانَ رافضياً.
وبعد أن قتلوا ٨٠٠ ألف مسلم -بل ذكر بعض المؤرخين أنهم مليونين- خرج هولاكو وكان يمشي في شوارع بغداد، وإذا بشيخ أكبر الطرق الصوفية آخذ بعنان فرس هولاكو ويقوده بعد أن قَتل من قَتل، فرآه فقيه كَانَ متخفياً ولديه شيء من الفقه، ولكن ليس لديه بصيرة كافية يقول: فرأيت الشيخ فخاطبته فقلت: أبأمرٍ هذا؟ قَالَ: نعم بأمر، فسكت، أي: أنه لم يفعل هذا من عند نفسهوَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:٨٢] .
стр. 1539
أي أن الله أمره أن يقود فرس هذا الكافر الضال المضل -وهم لا يتورعون أن يقولوا إن هذا أمر كشفي خوطبنا به في قلوبنا- وقال: نَحْنُ بهذا العمل نوافق بين قدر الله وحكمة الله، فالْمُسْلِمُونَ عصوا الله فسلط عليهم هَؤُلاءِ الكفار.
فنحن موافقون للقدر وللحكمة من وقوع هذا العذاب، فهذا يسمونه الاستبصار بسر الله في القدر، إذا وقع في قلب أحدٍ فلا يعترض عَلَى أي شيء يقع أبداً بل يرى أن كل هذه الأفعال إما أن تكون من فعل الله -كما أشرنا فيما مضى- فهولاكو ما هو إلا صورة لفعل الله، والله هو الذي فعل ذلك وأنا عندما أعمل هذا العمل فأنا أُنفذ حكم الله وفعله ، أو أن تكون من فعل هولاكو ولكنه ما فعله إلا موافقة للقدر، فهو وإن كَانَ خارجاً عن الدين والشرع، لكنه موافق للقدر. وبذلك عبر شاعرهمعبد الكريم الجيلي:
إذا كنت في حكم الشريعة عاصياً فإني في حكم الحقيقة طائع
فلا مانع عندهم أن يعبد الله في الكنيسة أو في المسجد أو في إي مكان، فهم يقبلون أي دين -والعياذ بالله-، ومعنى البيت: إذا كنتُ خرجتُ عن حكم الشريعة، عن الأمر والنهي، فإني لم أخرج عن القدر وهو: شهود الحقيقة الكونية، فإذا شهد العبد -على زعمهم- الحقيقة الكونية فإن كل ما في الكون هو من أفعال الله، فلا ينكر منكراً، ولا يعترض عَلَى أي أمر يقع، لأنه من فعل الله، تعالى الله عما يقولون.
ولهذا يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رداً عليهم:
[قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر عَلَى خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقَالَ: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته وفي ذلك قيل:
أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات
стр. 1540
وهَؤُلاءِ أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كَانَ موافقة القدر طاعة، لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون، كلهم مطيعين! وهذا غاية الجهل] اهـ.
الشرح:
من شدة جهل الصوفية أنه يتردد عَلَى ألسنة بعضهم فيقولون: إن الواحد منهم من شدة استحضاره بأن الله مدبر كل شيء، وخالق كل شيء..، تصبح أفعاله وأعماله كلها بغير اختياره، والله هو الذي يدبرها ويحركها، فيلغي إرادته بالكلية ويقول: أنا لا إرادة لي في ذلك، وكل ما أعمله فهو من الله، وكله موافق لإرادة الله الكونية ولأقداره التي كتبها، فإن هذا لم يصبح فاعلاً وإنما أصبح منفعلاً لما يختاره الله، فسواءً وافق ذلك حلالاً أو حراماً بحكم الشرع، فأنا منفعل لما يختاره الله.
أصل ضلالهم أنهم فرغوا قلوبهم من ذكر الله فسكنتها الشياطين
ذكر الإمام الغزالي في الإحياء المدخل الخفي الذي يدخل منه هَؤُلاءِ الصوفية فقَالَ: يجب عَلَى الصوفي المريد في الخلوة أن لا يشتغل بشيء، لا بحديث، ولا بقراءة القُرْآن، ولا بالتفسير، وأن يفرغ قلبه من كل شيء، وبعد ذلك تنفعل حياته.
يقول شَيْخ الإِسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لما فرغوا قلوبهم من ذكر الله ومن القُرْآن والحديث سكنتها الشياطين فوجهتهم، فأصبحت الشياطين تأمرهم وتنهاهم، ويظنون أن هذا من أمر الله وقدره، وإلا كيف يفرغ المؤمن قلبه من ذكر الله ومن القُرْآن والحديث، وبعد ذلك يظن أنه بهذا التفريغ يكون منفعلاً لما يختاره الله منه، وفي الحقيقة هو منفعل لما يختاره الشيطان، فيكون حال الشيطان في هذه الحالة كحال من قيل فيه:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خاوياً فتمكنا
стр. 1541
ويتمكن الشيطان من هذه القلوب الخاوية من ذكر الله ﵎، فيوحي إليهم أن أفعالهم جميعاً كلها طاعات كما قال الجيلي:
إذا كنت في حكم الشريعة عاصياً فإني في حكم الحقيقة طائع
ولهذا لا تنكر عَلَى أحد، وفي كتاب أخبار الحلاج يقول: أحد تلامذته: مررنا بالسوق فإذا برجل عند خياط يهودي فشتم المسلم اليهوديَّ قَالَ: فغضب الحلاّج غضباً شديداً، وأخذ الرجل أي: المسلم وشتمه شتماً شديداً، وقَالَ: لا تعترض عَلَى دين أحد قَالَ: لماذا يا شيخ؟. قَالَ: لأنك إذا اعترضت عليه أثبت له الاختيار، يقول الحلاج: لأن الذي يختار هو الله.
ولو كَانَ لدى هذا المسلم علم لقال له: وأنا لماذا تعترض علي وأنا منفعل؟! وإذا اعترضت عليّ فكأنك تثبت أني مختار، فلماذا أنا مختار وهذا اليهودي غير مختار؟ لكنه لا يدرك هذا، لأنه عندما يرى هذا الشيخ العابد الجليل صاحب الكرامات -كما يزعمون- تأخذه الهيبة ولا يستطيع أن ينكر عليه، ويظن أنه يرشده ويدله إِلَى كيف يعظم الله؟ وكيف يعرف قدر ؟ .
يقول المصنف: [وهَؤُلاءِ أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية] كليهما، فأما الحكمة الدينية فكل مسلم يعلم ضرورة أن الله أمر بطاعته، ونهى عن عصيانه، وأن العبد يمكن أن يفعل الطاعات، وفي مقدوره أيضاً أن يفعل المعصية، فإن فعل الطاعة فله الأجر، وإن فعل المعصية فعليه الوزر والعقوبة، وهذا أمر بدهي يعرفه حتى عامة الناس.
فهَؤُلاءِ الصوفية أجهل النَّاس بأوامر الله الدينية والكونية، لأننا في أوامر الله الكونية لم نؤمر بالاستسلام المطلق، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعُمَر ﵄: أتفر من قدر الله؟ قال له: نفر من قدر الله إِلَى قدر الله، فالعافية بقدر الله والمرض بقدر الله، فإذا ابتلي الإِنسَان بمرض فهذا بقدر الله الكوني ويكون دفعه بعمل يوافق القدر الكوني، فتطلب الدواء والعلاج.
стр. 1542
ولهذا يجب عَلَى الإِنسَان أن يتخذ الأسباب: لأن الله تَعَالَى خلق أموراً وخلق أسباباً تدفعها أو تجلبها، فأخذ الإِنسَان بالأسباب لا بد منه، وسيأتي له مبحث في آخر الكتاب إن شاء الله. والأخذ بالأسباب ينافي القدر، بل هو من القدر، كما قال ﷺ لما سئُل: أرأيت أدوية نتداوى بها أتخالف قدر الله؟ قَالَ: هي من قدر الله، فالمرض من قدر الله، والعلاج من قدر الله.
فالصوفية هم من أجهل النَّاس بالأحكام الشرعية والكونية لأننا حتى في القدر الكوني لا بد أن ندفع القدر بالقدر، يقول المصنف: [فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي] كيف يكون فعله كله طاعات، والطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة، أي الأمر الكوني؟ .
من لوازم هذا القول الفاسد
قال المصنف: [ولو كَانَ موافقة القدر طاعة] يعني: بغير التزام بالشريعة [لكان إبليس من أعظم المطيعين له] لأن كل ما يعمله إبليس فهو بقدر الله.
هذا عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بل قال عن نفسه ذلك: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:١٦] فهو يعترف بأن الغواية من الله، وكأنه يقول: أنا منفعل لأمرك، فهذا الكلام نفسه هو مدلول كلام الصوفية.
ثُمَّ قَالَ: [ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين] أي: لأنهم لم يخالفوا قدر الله وإنما خالفوا شرع الله ودينه، أما قدر الله الذي كتب عليهم فكل ما فعلوه فهو مكتوب، وهو موافق لما كتبه الله تَعَالَى حتى عندما قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] ، وقَالَ: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:٣٨] هذا كله بقدر الله، وموافق لقدر الله الذي كتبه قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
стр. 1543
إذاً ففرعونمعذور عندما قَالَ هذا القول، بل هم في الحقيقة لم يكتفوا بقولهم: إن فرعون معذور، حتى جعلوه مطيعاً وألّفوا الكتب في تصحيح إيمانفرعون، وأن فرعون لما قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى كَانَ صادقاً والعياذ بالله. لأنه ليس له إرادة، إنما كَانَ ينطق عن الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا- فإذا كَانَ فرعونينطق عن الله، فموسى ينطق عن من؟ وبأمر من؟!
هذه الطائفة تُكذِّب جميع الرسل وتكفرها جميع الملل
إن هَؤُلاءِ النَّاس في الحقيقة يكذبون جميع الأَنْبِيَاء وجميع الرسالات، ولهذا -كما أشرنا فيما مضى -فإن هذه الطائفة يكفرها جميع أصحاب الملل والأديان، الْمُسْلِمُونَ واليهود والنَّصَارَى فلا توجد ملة أو دين سماوي يقر هَؤُلاءِ القوم، بل جميع الملل تكفرهم لأنهم خارجون عَلَى جميع الشرائع.
ولهذا كَانَ أصل كثير من هَؤُلاءِ إما من الرافضة وإما من الباطنية، ولكن لبسوا عَلَى النَّاس بادعائهم التصوف والولاية، فزعموا أن كل ما يفعلونه أو يفعله غيرهم هو فعل الله ، كما يقول أحد الأقطاب: نار الخليل انطفأت؛ لأن الشيخ تفل فيها. ليس كما قال الله تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:٦٩] فيعتقدون أن الأقطاب هم الذين يتصرفون، وتصرفهم سابق لوجودهم، فهم موجودين في الأول وإلى الأبد، وكل ما وقع في الكون فهو من تصرفهم، حتى سفينة نوح زعموا أنهم هم الذين منعوها من الغرق، ونار إبراهيم هم الذين أطفؤها، وهم الذين نجو شعيباً وصالحاً ومحمداً ﷺ ، وهَؤُلاءِ يتبعهم اليوم ملايين من النَّاس، ويظنون أنهم يتقربون إِلَى الله باتباع هَؤُلاءِ المضلين.
الشهود الحقيقي
стр. 1544
يقول المصنف: [فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة] يرد عليهم المُصْنِّف بأنه يمكن أن يتأتى الندم والتوبة مع شهود القدر من جهة أخرى غير الجهة التي يزعم هَؤُلاءِ الصوفية، وذلك إذا شهد العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه وكمال فقره إِلَى ربه وعدم استغنائه عن حفظه طرفة عين، كَانَ بالله في هذه الحال لا بنفسه، ووقوع الذنب منه لا يتأتي في هذه الحال البتة، فإن عليه من الله حصناً حصيناً، فبهِ يسمع وبه يبصر وبه يمشي، والعبد المؤمن يحقق ما قاله النبي ﷺ في حديث جبريل لما سأله عن الإحسان قَالَ: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
فهذا الإِنسَان يعبد الله كأنه يراه ويعلم عجزه وضعفه وفقره، وأنه لو وكل إِلَى نفسه طرفة عين لهلك، وإن كانت طاعة منه فهي فضل من الله ، وأن كل معصية منه فهي من خذلان ربه له حيث وكله إِلَى نفسه فوقع في ذلك الذنب، فهذا هو الشهود الحقيقي للقدر، وفي هذه الحالة لا يتأتى الذنب من العبد، لا كما يزعمون هم يفعل جميع المعاصي والذنوب ويقول: أنا أشهد القدر، بل من يشهد حقيقة القدر هو من يفعل الطاعة ويقول: هذا من فضل الله وإرادته، ولو أنه في لحظة من اللحظات قال: هذا من نفسي، وهذا من فعلي، وأنا الذي اجتهدت في هذا لكان ذلك ذنباً، لأن الله هو الذي وفقك عَلَى أدائها، فأنت أطعت الله بأي جارحة بالعين -مثلاً- فمن الذي خلقها؟
وأطعمها وغذاها؟
وكذلك القلب من الذي خلقه؟
ومن الذي ألقي فيه الهدى؟
ومن الذي عرفك بالله؟
إنه الله .
إذاً: الفضل كله له ، فإذا فعلت طاعة فله الفضل في ذلك، وإن فعلت معصية فمن نفسك لما أوكلت إليها، فهذا هو الشهود الحقيقي عكس ما يقولون، فلو أنهم يشهدون الأمر والنهي شهوداً حقيقياً لما أتت منهم الذنوب، ولكانوا من المقربين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 1545
[لكن إذا شهد العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين: كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال ألبتة، فإن عليه حصناً حصيناً (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي) ، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال، فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه، استولى عليه حكم النفس، فهنالك نُصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر فبقي بربه لا بنفسه، فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرهه؟
فالجواب أن يقال:
أولاً: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يُسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يُغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم.
ويقال ثانياً: هنا أمران:
قضاء الله: وهو فعل قائم بذات الله تعالى.
ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، فيرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثاً: القضاء له وجهان: أحدهما، تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به، والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى مالا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلاً للمقتول ونهاية لعمره نرضى به.
ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله، نَسخطه ولا نَرضى به] اهـ.
الشرح:
следующие страницы →