← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وهمُ السلف الصالح الذين يعرفون النبي ﷺ ويحبونه ويقدّرونه أعظم منا، مع أنهم لم ينكروا أنه سيد ولد آدم، كما جَاءَ في الحديث، ولكنهم لم يستخدموه شعاراً ولقباً، فنقف حيث وقف القوم. والأمر الآخر: الذي يظهر أن هذا اللفظ ليس فيه زيادة توقير، ولا زيادة تعظيم للنبي ﷺ ؛ لأن العرب وجميع الأمم تسمي كل من يتزعمها سيداً لها، كَانَ يُقَالَ: أبو سفيان سيد قريش، والأقرع بن حابس سيد بني تميم، وفلان سيد بنى حنيفة، وفلان سيد بنى كذا من قبائل العرب، فليس هناك غرابة أن يقَالَ: فلان سيد قبيلة، أو أمة من الأمم، بل لما جَاءَ الرسل من الفرس إِلَى الرَّسُول ﷺ ، وكانوا يحلقون اللحية ويطيلون الشارب، فَقَالَ لهم النبي ﷺ من أمركم بهذا، قالوا: أمرنا ربنا أي: ملكهم كسرى، ومعنى ربنا أي: سيدنا، كما جَاءَ في القرآن: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:٢٥] . أي: زوجها وصاحبها، فالمقصود أن هذه الكلمة تطلق عَلَى من يملك عبداً مملوكاً رقيقاً، فيقال له: هذا سيد فلان المملوك، وتقول للزعيم أو للأمير الذي تنتمي إليه هذا سيدنا، ويقول إنسان لأي إنسان آخر ينتمي، إِلَى أمة من الأمم: فلان سيد بني فلان، أو فلان سيد الدولة الفلانية أو الطائفة الفلانية، فليس في هذه العبارة ميزة اختصاص أو تفضيل، اللهم إلا أن هذا الرجل مفضل عَلَى قومه. وعلى هذا يفهم من قولنا: فلان سيد بني تميم أنه سيد في حدود قرية بني تميم، وأن هذا أفضل رجل فيهم، فإذا قال بنو تميم: سيدنا الأقرع أو سيدنا فلان، وقال أصحابُ النبي ﷺ سيدنا مُحَمَّد استويا! وليس الأمر كذلك، فالنبي ﷺ أعظم من ذلك، فلقبه أو اسمه أو صفته أعظم من كونه سيداً التي يفهم منها الزعامة الدنيوية العادية.

стр. 1682

فلهذا كَانَ الصحابة عَلَى وعي وفهم وسنة واتباع، عندما كانوا يقولون: أمرنا رَسُولُ اللهِ ﷺ ورَسُول الله هو رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وهذه ميزته التي لا يشاركه فيها أحد من العالمين في عصره عَلَى الإطلاق، وهذه هي التي بموجبها يلزم جميع العالمين أن يخضعوا لأمره ونهيه، ويتبعوه، لأنه يتكلم بكلام من عند رَبِّ الْعَالَمِينَ، وبوحي من الله تعالى، فإذا قيل: قال رَسُول الله كَانَ هذا الكلام من عند الله بواسطة رسوله ﷺ ، فيجب أن نتبعه، ولذا لما رد النبي ﷺ عَلَى صاحبي كسرىكسرى قَالَ: ولكن ربي أمرني، وما قَالَ: أنا سيد قومي، فأمرتهم بإعفاء اللحى، وسيدكم أمركم بإعفاء الشوارب، فهذان سيدان: هذا يأمر قومه، وهذا يأمر قومه، لكن هذا يقول: إن ربي الذي هو الله أمرني بكذا، أما ذاك فهو ربكم أي سيدكم بشر مثلكم، فالذي يختص به النبي ﷺ ويمتاز به، ويرتفع به عن سائر العالمين هو تمام العبودية لله ، وكمال الرسالة التي اختصه الله بها دون العالمين أجمعين.

стр. 1683

لكننا لو قلنا: إنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ كما جَاءَ في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) فيكون النبي ﷺ هنا حدد أنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ، وحال يَوْمَ القِيَامَةِ يختلف عن حال الدنيا تماماً، فيَوْمَ القِيَامَةِ ينادي الرب ﵎: أين الجبارون أين المتكبرون، فلا يجيب أحد فيأتوه مهطعين، مخبتين، شاخصة أبصارهم، ويأتيه جميع النَّاس في غاية الانكسار والخضوع، وتشخص أبصارهم فلا تسمع إلا همساً، بل المتكبرون الذين كانوا يتكبرون في الدنيا، يحشرون -كما جَاءَ في الحديث- عَلَى هيئة الذر يطؤهم النَّاس بأقدامهم، فيحشر خلق الله تَعَالَى عَلَى خلقة واحدة إلا المتكبرون، فإنهم يحشرون عَلَى هيئة الذر جزاءً ونكالاً لتعاليهم، وتفاخرهم في الحياة الدنيا، ففي ذلك الموقف الذي لا يتكلم فيه أحد، والذي يخرس فيه جميع المتكبرين، يقف جميع الأنبياء، ومنهم أولو العزم يعتذرون عن الشَّفَاعَة، وحينئذ يقوم ﷺ فيشفع، وهي السيادة الحقيقية عَلَى العالمين، فلذلك يقول: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع) . فلهذا جَاءَ الحديث بهذا القيد مع أننا نقول: لا يمنع من استعماله أو من إطلاقه في غير يَوْمَ القِيَامَةِ، لكننا لا ننسى أن هذا اللفظ إنما جَاءَ في معرض يَوْمَ القِيَامَةِ، فإن ليَوْمَ القِيَامَةِ تلك الحالة المخصوصة التي تختلف عن حال الدنيا، ولهذا فَهِمَ الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم لا يتخذون هذا اللقب دائماً، وكذلك العلماء من بعدهم.

стр. 1684

وأيضاً إذا قيل: إنه ﷺ سيد المرسلين، فهو يختلف عن قولنا: إنه سيدنا، لأن المرسلين هم أفضل البشر وأعلاهم درجة ورتبة وشرفاً، فتفضيل النبي ﷺ عَلَى المرسلين بأنه سيد المرسلين، تفضيل واضح، بخلاف ما إذا قال العامي من الناس: سيدنا، فقد يفهم منها ما يستخدم عادة للعظماء أو للأمراء، أو للملوك، ولهذا إذا قال فلان: سيد العلماء الشَّافِعِيّ، وسيد المحدثين الإمام أَحْمَد، ففيه ميزة. لكننا لو قلنا سيدنا الإمام أَحْمَد، فإن هناك فرقاً بين هذا وهذا، وإذا قلنا فلان سيدهم أو أمير المؤمنين في الحديث، فهذا تفضيل، فلو فكرنا في هذه الأمور بعقل صائب سليم متزن، لوجدنا أن ما ورد في حقه ﷺ هو: أولاً: أنه المتبع الذي يجب أن يطاع. وثانياً: أن الأليق والذي فيه توقير وتعظيم له ﷺ أكثر، أن نقول: إنه عبد الله، ورسوله ﷺ . ولما قال الإمام الطّّحاويّ: (وسيد المرسلين) ثار هنا إشكال! وهو كيف يُقَالَ: إنه سيد المرسلين مع أنه ﷺ قَالَ: (لا تفضلوني عَلَى موسى) و (لا تفضلوني عَلَى يونس) ، ولما قال النبي ﷺ : (لا تفضلوني عَلَى موسى) ، أو (لا تفضلوني على الأنبياء) ، أو (لا تخيروا بين أنبياء الله) ، فإنه يتعارض مع حديث (أنا سيد النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ) ، و (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) . المفاضلة بين النبي ﷺ وبين موسى ﵇ ذكر المُصْنِّف ﵀ أن لهذا النهي سبباً، وهذا السبب ذكره الإمام البُخَارِيّ ﵀ في الصحيح في أكثر من موضع.

стр. 1685

والقصة التي ذكرها المُصْنِّف هنا، وهي أنه لما تخاصم اليهودي والمسلم، فأقسم اليهودي قائلاً: والذي فضل موسى عَلَى البشر، فلطمه المسلم، وقال له: أتقول هذا ورَسُول الله ﷺ بين أظهرنا، فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فَقَالَ النبي ﷺ : (لا تفضلوني عَلَى موسى، فإن النَّاس يصعقون يَوْمَ القِيَامَةِ، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشاً بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي أو كَانَ ممن استثنى الله) . قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: إنه إنما قال النبي ﷺ هذا لأنه قيل هذا عَلَى سبيل الحمية والعصبية، فالمسلم لما رأى أن الذي دفع اليهودي هي الحمية والفخر في قوله: والذي فضل موسى عَلَى سائر البشر أخذته الحمية، فقَالَ: والذي فضَّل محمداً، فلطمه وقَالَ: أتقول هذا ورَسُول الله ﷺ بين أيدينا) . وقد جَاءَ عن النبي ﷺ أنه إذا قاتل الإِنسَان وجاهد يريد الدنيا أو حمية وعصبية، فإنه لا يقبل منه، فكذلك هذا القول وإن كَانَ حقاً، لكن إذا كَانَ في مقام العصبية فإنه لا يقبل من صاحبه ويرد عليه، فالذي أنكره النبي ﷺ ، هو أن يكون التفضيل عَلَى سبيل الحمية والعصبية. لكن هل تفضيل الأَنْبِيَاء بعضهم عَلَى بعض، وتفضيل النبي ﷺ حق أم لا؟ فالجواب نعم هو حق بنص كتاب الله حيث يقول الله ﵎: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:٢٥٣] ويقول: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض [الإسراء:٥٥] .

стр. 1686

فالله أمر نبيه ﷺ أن يقتدي ببعض الأنبياء، ويقتدي بهداهم، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:٩٠] وقال أيضاً: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] فيقول له: لا تفعل مثل هذا الفعل المغضوب عليه، وهذا تفضيل لمن أمره الله بأن يقتدي به، وأن يكون مثله، واختص الله بعض أنبيائه بخصائص كما هو معلوم من اختصاص إبراهيم ﵇ بأن جعله إماماً للناس، قَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [البقرة:١٢٤] . واختص موسى ﵇ بكلامه، واختص محمداً ﷺ بخصائص سبقت معنا، وفي نفس الحديث الذي سبق يقول النبي ﷺ كما في رواية مسلم: (فضلت عَلَى الأَنْبِيَاء بست) ثُمَّ ذكرها فبهذا يتضح أن تفضيله ﷺ عَلَى الأنبياء، وتفضيل بعض الأَنْبِيَاء عَلَى بعض، صحيح وثابت لا شك فيه،.

стр. 1687

أما هذه الرواية فإنها تحتمل كما قَالَ المُصْنِّفُ وتخرج عَلَى أحد التخريجات، إما الهوى أو العصبية، وهي مذمومة، ولذلك لا يجوز التفضيل عَلَى هذا السبيل كما ذكر هو ﵀، وإما أن يكون النهي عن التفضيل المعين، أي: لا تقل: نوح أفضل من موسى أو موسى أفضل من عيسى، فالتفضيل المعين يشعر بانتقاص هذا المفضل عليه، كما لو قلت: فلان أفضل من فلان، فإنك تشعر بأنه أنقص، لكنك لو قلت فلان أفضل أهل البلد لكان أولى -كما ذكر مثالاً هنا- فأنت لما عممت لم يكن في هذا التعميم ما يسيء لأحد بعينه، فهو معقول ولا بأس أن تقوله، وبناءً عَلَى هذا نقول: إن رَسُول الله ﷺ أفضل الأنبياء، لكن لا نعين واحداً منهم فنقول النبي ﷺ أفضل من النبي فلان، وهذا الوجه ذكره المُصْنِّف ﵀، وذكر قبله الوجه الآخر. ثُمَّ ذكر أيضاً مخرجاً ثالثاً وهو: أن زيادة لا تفضلوني عَلَى موسى غير ثابتة، وأنا في الحقيقة لم أجد في هذه الرواية ما يقدح فيها، وهذه الزيادة موجودة في صحيح البُخَارِيّ، مع أنها لم ترد في بعض الروايات، لكنها وردت في البعض الآخر، ومع هذا لم أجد فيها أي مطعن، إذاً هذا الحديث كله في صحيح البُخَارِيّ وفي بعض رواياته، هذه الزيادة وفي بعضه (لا تخيروا بين أولياء الله) وفي بعضها (لا تفضلوني عَلَى موسى) ولم أجد أن الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذكر فيها أي مطعن. وكلام المُصْنِّف موهمٌ حيث قَالَ: وعلى هذا يحمل قوله ﷺ : (لا تفضلوني بين الأَنْبِيَاء) إن كَانَ ثابتاً، مع أن هذا ثابت، في كتاب الأَنْبِيَاء من صحيح البُخَارِيّ، لكن الذي يظهر لي أن المُصْنِّف لم يذكر لهذه الرواية علة إلا الشذوذ، حيث إنها لم ترد في جميع الروايات، وأنا لا أذهب إِلَى ماذهب إليه، إلا إذا تيقنا الشذوذ ولم يمكن الجمع.

стр. 1688

وخلاصة ما سبق أن الذي ينبغي لنا أن نعلمه، أن النبي ﷺ أفضل الأنبياء، وأن التفضيل بين الأَنْبِيَاء حق، كما هو صريح القرآن، وأننا نخرج هذه الزيادة عَلَى أحد هذه المخارج: إما لأنها لهوى وحمية وعصبية. وإما لأن فيها تفضيل معين عَلَى معين. وإما عَلَى كلام المُصْنِّف أن الرواية متكلم فيها. والذي يبدو والله أعلم أن الرواية لا قدح فيها، وأن قوله ﷺ : (لا تفضلوا بين الأنبياء) ليس تخصيص، ولا معارض لما جَاءَ في القُرْآن من تفضيل بعض الأَنْبِيَاء عَلَى بعض، وإنما هو من باب التعليم والتأدب مع الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، فإذا جاءنا التفضيل عن الله تَعَالَى أو عن رسوله ﷺ فإنه حق وبه نقول، ولا نَنَصِبَ أنفسنا مفضلين فنقول: فلان أفضل من فلان بدون علم من كتاب الله، ولا من سنة رَسُول الله ﷺ ، فإنه ليس من التأدب مع الأنبياء، فمن باب الأدب، أننا لا نفضل نبياً عَلَى نبي، لكن إذا وجدنا علماً كما جَاءَ أن نوحاً وموسى وعيسى من أولى العزم، وأولوا العزم أفضل من غيرهم، فهذا لا بأس به وهذا حق، أو أن نقول: إن موسى ﵇ هو أفضل أنبياء بنى إسرائيل، هذا أيضا حق، وهكذا.... وقد يقول البعض لم لا يكون ذلك في أول الإسلام؟ وقد خطر لي هذا القول وهو: لم لاتكون الخصومة وقعت بين اليهودي والمسلم في أول الإسلام؟ بدليل أن هذا اليهودي كَانَ يعيش في المدينة، ومعلوم أن اليهودأجلوا من المدينة على فترات، كما حصل لبنى قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، وأن الآية نزلت متأخرة؛ لكننا لا نستطيع أن نقول بهذا القول إلا إذا تأكدنا تماماً من تاريخ نزول الآية، والله ﵎ أعلم. والآن ننتقل إِلَى موضوع المفاضلة بين النبي ﷺ ويونس بن متى.

стр. 1689

المفاضلة بين النبي ﷺ وبين يونس بن متى ﵇ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وأما ما يروى أن النبي ﷺ قَالَ: (لا تفضلوني عَلَى يونس) وأن بعض الشيوخ قَالَ: لا يفسر لهم هذا الحديث، حتى يعطى مالاً جزيلاً، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله، وهو في بطن الحوت، كقربي من الله ليلة المعراج، وعدوا هذا تفسيراً عظيماً، وهذا يدل عَلَى جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظاً ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) وفي رواية (من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب) وهذا اللفظ يدل عَلَى العموم أي: لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه عَلَى يونس بن متى، ليس فيه نهي الْمُسْلِمِينَ أن يفضلوا محمداً عَلَى يونس، وذلك لأن الله تَعَالَى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي فاعل ما يلام عليه، وقال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] . فقد يقع في نفس بعض النَّاس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إِلَى هذا المقام، إذ لا يفعل ما يلام عليه، ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] كما قال أول الأَنْبِيَاء وآخرهم، فأولهم آدم قد قَالَ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:٢٣] .

стр. 1690

وآخرهم وأفضلهم وسيدهم مُحَمَّد ﷺ قال في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح من رواية على بن أبي طالب وغيره بعد قوله: (وجهت وجهي) إِلَى آخره، (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت) إِلَى آخر الحديث، وكذا قال موسى ﵇: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:١٦] وأيضاً فيونس ﷺ لما قيل فيه فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] فنُهي نبينا ﷺ عن التشبه به، وأمره بالتشبه بأولي العزم، حيث قيل له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:٣٥] فقد يقول من يقول: (أنا خير منه) وليس للأفضل أن يفخر عَلَى من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل فإن الله لا يحب كل مختال فخور. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (أوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد عَلَى أحد، ولا يبغي أحد عَلَى أحد) ، فالله تَعَالَى نهى أن يفخر عَلَى عموم المؤمنين، فكيف عَلَى نبي كريم، فلهذا قَالَ: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) ، فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر عَلَى يونس. وقوله: (من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، فإنه لو قدر أنه كَانَ أفضل، فهذا الكلام يصير أنقص، فيكون كاذباً، وهذا لا يقوله نبي كريم بل هو تقدير مطلق، أي من قال هذا فهو كاذب وإن كَانَ لا يقوله نبي كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:٦٥] وإن كَانَ ﷺ معصوماً من الشرك، لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال] اهـ. الشرح:

стр. 1691

ذكر المُصْنِّف ﵀ بعض التفاسير لحديث النبي ﷺ : (لا تفضلوني عَلَى يونس بن متى) وذكر أن بعض أصحاب الطرق أو بعض أدعياء العلم الباطن من مشايخ الصوفية الذين يدعون العلم الباطن -ولم أستطع أن أعثر عَلَى ترجمته- يقول في معنى هذا الحديث: أنا أفسر لكم معنى هذا الحديث، لكن بشرط أن تعطوني مالاً جزيلاً -وسوف أشرحه لكم بالشرح الإشاري الصوفي- ويسمون تفسيرهم للقرآن تفسيراً إشارياً باطنياً. فيفسرون الآية عَلَى خلاف ما جاءت به، كما في كثير من تفاسيرهم، مثل تفسير روح المعاني وغيره، فوافقوا عَلَى ذلك فأعطوه مالاً جزيلاً، وقالوا له: اشرح لنا الحديث. فقَالَ: معناه "إن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج". فَقَالُوا: يستحق الشيخ أن نعطيه كل المال من أجل هذا المعنى العظيم، وهذا دليل عَلَى جهلهم بكتاب الله ، وبمعاني حديث النبي ﷺ ، وجهلهم بالسنة أيضاً. وقد قال بعض العلماء: إن هذه اللفظة هي: (لا تفضلوني عَلَى يونس بن متى) لم تصح وإنما ورد ما يدل عَلَى معناها عند بعض العلماء، كما في الصحيح قوله ﷺ : (من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، وقد اختلف العلماء في فهم هذا الحديث، فبعض العلماء فهم من هذا أنه يعني النبي ﷺ ، أي: لا أحد يقول: إنه ﷺ خير من يونس. والبعض الآخر قالوا: إن المقصود من قوله: إني -أي المتكلم- خير من يونس بن متى، فقد كذب، ويقول الحافظ ابن حجر: الرواية الأخرى (من قَالَ: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) هي في صحيح البُخَارِيّ وتدل عَلَى أن المقصود من قوله "إني" أي المتكلم، لأنه يقول: من قال "أنا"، فأي أحد من النَّاس يقول: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب، لكن يُقال له:

стр. 1692

أولاً: لم تصح هذه الرواية. وثانياً: عَلَى فرض أنها ثبتت، فإن هذا المعنى الذي فهمه بعض العلماء، ليس عَلَى إطلاقه، لكن عَلَى فرض ذلك فلا يكون تفسيره بأن قرب مُحَمَّد ﷺ من ربه ليلة الإسراء والمعراج مثل قرب يونس، وهو في بطن الحوت، هذا المعنى باطل؛ لأن الله لما اختص الملائكة قَالَ: وَمَنْ عِنْدَهُ [الأنبياء:١٩] وقَالَ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب [فاطر:١٠] . فالنبي ﷺ لما عرج به إِلَى السماء كَانَ في موضع التكريم، وهناك ما يدل عَلَى أن العلو كلما كَانَ أكثر، كلما كَانَ فيه تكريم، وقرب من الله ﵎ عنده، ولهذا سمى الله الملأ الأعلى بهذا الإسم، لأنهم أعلى من أهل الدنيا لقربهم منه ، وكما جَاءَ في الحديث الآخر (وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) . فالشاهد أن النبي ﷺ لما وصل إِلَى ذلك المقام الأعلى الذي لم يصل ولن يصل إليه مخلوق قط، كَانَ هذا تكريماً له ﷺ ، فهو في هذه الحالة وبهذا العمل أفضل من كل النَّاس الذين لم يصلوا إليه وكذلك الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لم يحظوا بأن يصلوا إِلَى هذه الدرجة وإلى هذه المكانة، فهذا تعظيم للنبي ﷺ ، فهو أفضل من يونس بن متى عليهما الصلاة والسلام.

стр. 1693

فقوله ﷺ : (لا يقل أحد: إني خير من يونس بن متى) ليس فيه منع تفضيل النبي ﷺ عَلَى يونس ﵇، وإنما الذي فيه النهي بأن أحداً لايجوز له أن يفضل نفسه عَلَى يونس ﵇، بأن يقول: إن يونس فعل ما يلام عليه، وأنا لم أفعل ما ألام عليه، ومع ذلك فإن يونس ﵇ قد استغفر وتاب، وقَالَ: سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] . وفي قوله هذا دليل عَلَى أنه فعل ما يلام عليه، كما خاطب الله تَعَالَى نبيه بقوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] . وكان سبب لوم الله ليونس: أنه لما أمره أن ينذر قومه لم يصبر عَلَى أذاهم ولم يكن له العزم عَلَى مواجهتهم، وكذبوه إذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات:١٤٠-١٤٢] ، فكان هذا الفعل سبباً للوم الله له، وهذا دليل عَلَى أنه لم يكن من أولي العزم الذين قال الله تَعَالَى فيهم: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:٣٥] فأولوا العزم أفضل من يونس ﵇، وأفضل من آدم ﵇، من هذه الناحية؛ لأن الله تَعَالَى قال في حقه وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه:١١٥] فآدم ﵇ أيضاً لم يكن لديه عزم، ولذلك وقع في معصية الأكل من الشجرة، لكن هل معنى هذا أنه يجوز لأحدٍ من النَّاس أن يقول: إنه فعل ما يلام عليه، وأنا أفضل منه، لأني لم أفعل ما ألام عليه؟ لا يجوز لأحد ذلك.

стр. 1694

أما قوله: سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] يذكر المُصْنِّف أن هذه العبارة يقولها كل عباد الله، قالها آدم ﵇: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:٢٣] معنى قوله ربنا ظلمنا أنفسنا، أي: إقرار منهما بالظلم، وأيضاً قد قالها النبي ﷺ كما في حديث الاستفتاح (أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي) . وقالها موسى ﵇: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:١٦] ، ويقول المُصْنِّف ﵀ إن الفخر محرم ومنهي عنه، ولا ينبغي للفاضل أن يفتخر عَلَى المفضول، فإذا كَانَ كذلك فمن باب أولى أن لا يفتخر المفضول عَلَى الفاضل! وكيف يكون لأحدٍ من النَّاس كائناً من كَانَ في عبادته أو في ولايته أن يقول: إنه أفضل من يونس بن متى؟! وقد تستغربون وتقولون: وهل يوجد أحد يقول: إنه أفضل من نبي من الأَنْبِيَاء؟! نقول: نعم، هناك كثير من فرق وطوائف الصوفية يرون أن الولي أفضل من النبي فما بالكم بنبي الله يونس ﵇ الذي ليس من أولي العزم! والذي ذكر الله عنه هذا الفعل ولامه عليه وقَالَ: وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] يكون عندهم أقل بكثير جداً. والخلاصة: أن الأرجح في معنى قوله ﷺ : (من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب) أنه ليس معناه من قَالَ: إن محمداً ﷺ أفضل من يونس بن متى فقد كذب، لكن من قَالَ: أنا، أي: من قال عن نفسه ذلك: ويأتي هنا إشكال كما ذكر المُصْنِّف أخيراً وهو لو أن نبياً قال ذلك!!

стр. 1695

فنقول: لا يمكن أن يقول أي نبي إنه أفضل من يونس بن متى عَلَى سبيل الفخر والانتقاص ليونس بن متى ﵇، فإن القول الذي قاله يونس قاله كل الأَنْبِيَاء حتى نبينا مُحَمَّد ﷺ ، وهو أفضل الأَنْبِيَاء جميعاً. قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وإنما أخبر ﷺ أنه سيد ولد آدم لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأَنْبِيَاء قبله صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، ولهذا أتبعه بقوله "ولا فخر" كما جَاءَ في رواية (وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن مقام الذي أسري به إِلَى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقى في بطن الحوت وهو مُليم؟! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب، فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأديب، فانظر إِلَى هذا الإستدلال لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل عَلَى نفي علو الله تَعَالَى عَلَى خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية عَلَى علو الله تَعَالَى عَلَى خلقه التي تزيد عَلَى ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ ﵀ (محيط بكل شيء وفوقه) ، إن شاء الله تَعَالَى] اهـ. الشرح: يقول المُصْنِّف ﵀: يأتي إشكال وهو قوله صلى الله علهي وسلم: وقوله: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) مع القول بأنه ﷺ نهى عن الفخر، وعن التفضيل، وأمر بالتواضع، والتفضيل حق وكونه ﷺ أفضل الأَنْبِيَاء حق، وقوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم) حق، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟

стр. 1696

يقول: يكون الجمع بأنه ﷺ لا يُعلم فضله، ولا يُعلم تفضيله عَلَى الأَنْبِيَاء إلا بالوحي، والوحي يأتينا عن طريقه ﷺ ، فهو يُخبرنا ﷺ بذلك، فهذا من قبيل الإخبار، وعليه توضحه رواية (ولا فخر) وإن كَانَ فيها ضعفاً. فقوله: (ولا فخر) أي لم أقل إني سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى سبيل الفخر، فإن الفخر منهي عنه، والأمر والحال والشأن كما قال ﷺ : (يا عباد الله تواضعوا حتى لا يفخر أحد عَلَى أحد) فليس قوله ﷺ (أنا سيد ولد آدم) من الفخر، وإنما هو من قبيل الإخبار بالواقع وبالحقيقة الذي لا يمكن أن نعلمها إلا عن طريقه ﷺ ، فكما أخبر عن يَوْمَ القِيَامَةِ وما يكون فيها، ولا يعلم ذلك إلا بالخبر، فكذلك قوله ﷺ أنه سيد الناس، أي: أفضل النَّاس في ذلك الموقف. وهذا يربط الكلام بما قلنا: في أول الحديث: إن يَوْمَ القِيَامَةِ أمر خاص وتفضيله ﷺ عَلَى النَّاس فيه له خصوصية، ولهذا قَالَ: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) ، بينما لم يقل ذلك مطلقاً ولم يرد هذا اللفظ عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه مطلقاً، وإن كَانَ هو حق في ذاته. ويقول راداً عَلَى الشيخ الضال: كيف لا يكون هناك فرق بين النبي الذي أسري به مكرماً معززاً مقرباً، وبين الممتحن المؤدب الذي التقمه الحوت تأديباً وعقوبة من الله ؟ فهذه من حذلقة الصوفية ومن إشارتهم التي يفسرون بها كتاب الله عَلَى ما يقتضيه الهوى لا عَلَى ما يقتضيه الدليل والنص الشرعي.

стр. 1697

تنبيه: قَالَ المُصْنِّفُ [قوله ﷺ : (من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، فإنه لو قدر أنه كَانَ أفضل، فهذا الكلام يصبح نقصاً، فيكون كاذباً!! وهذا لا يقوله نبي كريم، بل هو تقدير مطلق، وكما مر بنا أنا نفضل النبي ﷺ عَلَى جميع الأَنْبِيَاء كما ثبت ذلك، لكنه هو ﷺ لم يقل أو غيره من الأنبياء: إني أفضل من فلان من الأنبياء، لأنهم متأدبون صلوات الله وسلامه عليهم، ومثلما نهانا النبي ﷺ أن لا يفخر بعضنا عَلَى بعض، فإن الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم لا يفخر بعضهم عَلَى بعض، مع أن التفضيل بين المؤمنين حاصل، والتفضيل بين الأَنْبِيَاء حاصل، وهذا هو المراد بهذه العبارة، والله أعلم. قال الإمام الطّّحاويّ ﵀: [وكُلُّ دعوى النبوة بعده فغيٌّ وهوى] . قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [لَمّا ثَبَتَ أنه خاتمُ النبيين، عُلِمَ أن مَنِ ادَّعَى بعدَه النبوةَ فهو كاذبٌ، ولا يُقَالَ: فلو جَاءَ المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة، كيف يُقال بتكذيبه؟ لأنا نقولُ: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأنَّ الله تَعَالَى لمَّا أخبرَ أنهُ خاتمُ النبيين، فَمِنَ المُحال؛ أن يأتي مُدّعٍ يدَّعي النبوة ولا تَظْهَرُ أمارةُ كذبه في دعواه. والغيُّ: ضدُّ الرشاد، والهوى: عبارة عن شهوة النفس، أي: أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس، لا عن دليلٍ، فتكون باطلة] اهـ. الشرح: هذه الفقرة تكميل لما تقدم من فقرات تتعلق بإثبات أن النبي ﷺ هو خاتم الأَنْبِيَاء والمرسلين، وقد تقدم شيء من ذلك، وتحدثنا عن بعض الفرق المخالفة في ذلك كالقاديانية والبهائية، كما أشرنا إِلَى غيرها من الفرق الضالة، وهذه الفقرة تكميل لما سبق. كل من ادعى النبوة فهو غيِّ وهوى

стр. 1698

يقول الإمامالطّّحاويّ ﵀: [وكُلُّ دعوى النبوة بعده فغيٌّ وهوى] أي: كل من ادعى النبوة بعد مُحَمَّدٍ ﷺ فهو صاحب غيّ وهوى، ومعنى الغي: الضلالة، وصاحب الهوى: هو صاحب شهوة أو مطمع من مطامع الدنيا يريد أن يحققه بهذه الدعوة، وهذا ينطبق عَلَى الذين ادعوا النبوة بعده ﷺ ، أو شككوا في ختم النبوة به ﷺ كأمثال الصوفية والشيعة. الولاية عند الصوفية الصوفية يرون أن الولاية لا تنقطع، وهذا صحيح، ولكن للولاية عندهم مفهوم مخالف لما اجتمع عليه الْمُسْلِمُونَ وما يُعَرِّفه به أهل السنة، فمفهوم الولاية عندهم هو كما عبر عنه شاعرهم في قوله: مقام النبوة في برزخ فويق الرَّسُولِ ودونَ الولي فالنبي عندهم في برزخ، والولاية أعلى منه، فالولي أعلى من الرَّسُولِ عَلَى هذا القول، وخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، حتى أنه يفهم من كلام ابن عربي في الفصوص والفتوحات أن خاتم الأولياء يكون لبنة من الذهب، كما جَاءَ في الحديث الذي تقدم أن النبي ﷺ قَالَ: (مثلي ومثل الأَنْبِيَاء قبلي كمثل: رجل بنى بناءً فأحسنه وكمله، ولم يبق منه إلا موضع لبنة، فكان النَّاس يمرون فيقولون: ما أجمل هذا البناء وما أكمله إلا هذا الموضع فكنت أنا تلك اللبنة) فـ ابن عربي يقول: إن هذه اللبنة، إن كانت لبنة ذهب فهي الولي، وإن كانت لبنة فضة فهي النبي!! وحتى لو قلنا: إن مدلول كلامه أن النبي لبنة الذهب وأن الولي لبنة الفضة فهو أيضاً لم يخرج من دعوى أن النبوة لم تختم وأن الوحي لم ينقطع فَيَقُولُ: ابن عربي في كتابه فصوص الحكم إن النبي ﷺ هو آخر الأنبياء، بمعنى أن شريعته هي آخر الشرائع؛ فلا يأتي بعد مُحَمَّد نبي مشرع. الفرق بين الولي والنبي عند الصوفية

стр. 1699

جعلت الصوفية الفارق الدقيق بين نبوة مُحَمَّد ﷺ وبين ادعائهم نبوة أوليائهم أن الوحي لا ينقطع، فيقولون إن النبي ﷺ أنزلت عليه شريعة، فهو نبي مشرع، وأما الأولياء فيأتيهم الوحي لأنفسهم فقط، فليس لديهم شرائع يدعون النَّاس إليها ويبلغونها للناس، والواقع أن هذا القول كذب؛ لأن أولياءهم يشرعون عبادات، وأذكار، وصلوات لم يشرعها الله ﵎. حكم من ادعى نزول الوحي على أحد بعد محمد ﷺ إن دعوى نزول الوحي عَلَى أحد بعد مُحَمَّد ﷺ كفر وردة، وتكذيب لما هو معلوم من الدين بالضرورة، يعلمه كل مسلم إلا من فتنه الله من هَؤُلاءِ الزنادقة الذين جمعوا بين الغيّ والهوى، فقد جمعوا بين الضلال في أنفسهم وبين الهوى الذي يريدون أنه يتمكنوا به، وأن تكون لهم السلطة عند الناس، وأن يحققوا المقام والمنزلة التي يزعمها النَّاس لهم. فالصوفية، تقول: إن نبوة مُحَمَّد ﷺ نبوة تشريعية، وكونه ﷺ خاتم الأَنْبِيَاء أي أن: شريعته آخر الشرائع، ولا يعني هذا أن الوحي لا ينزل عَلَى أحد من بعده!! ولهذا فإن ابن سبعين -وهو من طواغيتهم الكبار- ذهب وجاور بمكة فترات طويلة: وكان لا يصلي ولا يتنسك بما يتعبد به الْمُسْلِمُونَ في المناسك وإنما كَانَ يطوف بالكعبة. ويذهب إِلَى غار حراء ويبيت فيه منتظراً نزول الوحي عليه نسأل الله السلامة والعافية، وابن عربي وابن سبعين من كبار الملاحدة الذين يتبعهم عامة الصوفية، ويبجلونهم، ويقدسونهم ويعتقدون أن الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما في درجة لا تقل في التقدير عن كلام الأَنْبِيَاء حقاً. الفرق بين الرسول والنبي والإمام عند الشيعة

стр. 1700

أما بالنسبة للشيعة فمفهوم انقطاع الوحي عندهم يختلف عما هو عليه عند باقي الْمُسْلِمِينَ، تقول الشيعة كما جَاءَ ذلك في كتابهم الكافي: أن أحدهم سأل علياً الرضا عن الفرق بين النبي والرَّسُول والإمام، فقَالَ: "إن الرَّسُول يأتيه الملك ويراه ويخاطبه ويسمع كلامه؛ ولكنه لا يرى حقيقته، وهذه الدرجة الأولى هي درجة الرسالة. وأما النبي: فهو إما أن يسمع الكلام فلا يرى المتكلم، وإما أن يرى الملك ولكنه لا يسمع الكلام، وهذه هي الدرجة الثانية. وأما الدرجة الثالثة فهي درجة الإمام، فهو يسمع الكلام ولكنه لا يرى الملك" هذا هو الفرق فقط. ولهذا نقلوا عن جعفر الصادق ونسبوا إليه أن أحدهم قال له: "يا أبا عبد الله أليس الله أبرُّ وأرحمُ وأرأفُ من أن يأمر النَّاس بطاعة عبد من عبيده ولا يأتيه الخبر من السماء؟ فقال أبو عبد الله -كما يزعمون-: بل الله أرأفُ وأبرُّ وأرحمُ من أن يأمر عباده بطاعة عبد من عبيده ولا يأتيه الخبر من السماء صباحاً ومساءً"، فهم يعتقدون أن الإمام ما دام أنه واجب الطاعة، وأنه معصوم، فإذاً لا بد أن يأتيه الخبر من السماء، ولذلك فهم يعللون عصمة الإمام بأن الوحي يأتيه، ولا يمكن أن يتصرف أي تصرف إلا وهو موحى به من عند الله حقاً، فلا اعتراض عليه في أية حال من الأحوال، فهذه هي منزلة الوحي عند الشيعة، وهذه عقيدتهم في ذلك قديماً. وكل هذا كذب، ولهذا نجد أن الأئمة الذين كتبوا عنهم نسبوا ذلك إليهم، فالإمام خُشيش بن أصرم الذي نقل الإمام الملطي كتابه في كتاب الفرق وكذلك الإمامأبو الحسن الأشعري في المقالات ذكروا ذلك عن طوائف من الشيعة، فهذه هي نظرتهم للوحي، ويرون أن أئمتهم معصومون يوحى إليهم.

стр. 1701

بل في الحقيقة أعظم من ذلك ففي كتاب الكافي للكليني وفي غيره ما يدل عَلَى أن الأئمة (آلهة) عند الشيعة، وكتابالكافي عندهم بمنزلة صحيح البُخَارِيّ عندنا، إلا أنهم يقدسون كلام الكافي وما فيه عن الأئمة تقديساً عظيماً، بحيث يرجعون إليه وكأنه القرآن، بل لا يفهمون القُرْآن إلا من خلال ما يجدون من كلام أئمتهم، وإن كانوا يقرؤون نفس القُرْآن هذا؛ لكنهم لا يفهمونه إلا من خلال ما يفسر به في الكافي، فهو عندهم بهذه القداسة والمنزلة فهم يجعلونه أبوباً في نفسالكافي مثل باب: " أن الأئمة يعلمون ما كَانَ وما سيكون" -والعياذ بالله- وغير ذلك من الأبواب أو المباحث، التي فيها من الغلو ما يرفع الأئمة إِلَى مستوى ومنزلة الإله، فهذا موجز ملخص لكلام الشيعة في الوحي.

стр. 1702

وبناءً عَلَى ذلك، فإن الصوفية والشيعة لا تريان انقطاع الوحي من السماء، وإن كَانَ كل منهما لا يصرح بأن النبي ﷺ ليس خاتم الأنبياء، لكن مؤدى كلامهم، وصريح عبارتهم، أن الوحي لم ينقطع، وهذا ما يحدث فعلاً، فإن الجو الذي تسيطر عليه الصوفية والشيعة تهيء لأن يتنبأ فيها أي متنبئ، وأن يدعي أن جبريل ينزل عليه من السماء، ويأتي له بشرع جديد وهذا ما حصل عندما خرج أحمد القادياني فيالهند، وعندما خرج البهاء فيإيران والبهائية -كما هو معلوم- خرجت في وسط الشيعة وكان من الطبيعي أن يجد له أتباعاً كثيرين، وما تزال البهائية إلى الآن لها شأن كبير، وكذلك القاديانية؛ لأنها وجدت لها بيئات يدعي الأولياء فيها أن الوحي لم ينقطع ووضعوا لذلك الحجج والشبهات، وأن الله يرسل الملائكة فتخاطب من يشاء ومع هذا كله فإن الشيعة عندما قالوا هذا القول في الكافي ونسبوه إِلَى علي الرضا وهو أن الإمام يسمع كلام الملك ولا يراه، لم يكتفوا بذلك بل جَاءَ في كتبهم وعند متأخريهم -من الشيعة والصوفية أن بعضهم يرى الله عزوجل، وبعضهم يرى جبريل، وبعضهم يخاطبه الله وتخاطبه الملائكة.

стр. 1703

حتى إن واحداً منهم يسمى عبد الجبار النسري ألف كتاباً كبيراً اسمه المواقف والمخاطبات ومع الأسف أنه طبع الطبعة الأولى، ثُمَّ طبع وحقق عَلَى يد جماعة ممن يسمون بالعلماء، ويقول في كتابه: وقفت بين يدي الرب فَقَالَ لي! وقال لي!.. الخ، كذباً وافتراءً عَلَى الله تَعَالَى نسأل الله العافية، والله ﵎ يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثُمَّ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] فجعل الله ﵎ القول عَلَى الله بغير علم في منزلة أعظم من الشرك به. فالشرك أعظم من الفواحش والافتراء عَلَى الله أعظم من الشرك، ولا شك أن الذي يشرك بالله ويدعو غير الله، أو يعبده بأي شكل من أشكال العبادة، لكنه أقل شراً وضرراً عَلَى الإسلام والدين من الذي يزعم أن الوحي يأتيه من السماء، ويشرع للناس ويقول هذا من عند الله، وما هو من عند الله، فهذا هو حال هاتين الطائفتين ومن اتبعهما ممن يدعون الإسلام، أو من المخدوعين، أو الجاهلين. قال الإمام الطّّحاويّ ﵀: [وهو المبعوث إِلَى عامَّة الجِنِّ، وكافَّةِ الوَرَى، بالحقِّ والهُدَى، وبالنُّورِ والضِّياءِ] قَالَ المُصنِّفُ ﵀:

стр. 1704

[أما كونُه مبعوثاً إِلَى عامة الجن، فقد قال تَعَالَى حكايةً عن قَوْلِ الجن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:٣١] وكذا سُورَةُ الجن تَدُّلُ عَلَى أنه أُرسِل إليهم أيضاً، قال مُقَاِتل: لم يبعث الله رسولاً إِلَى الإنس والجن قبله، وهذا قولٌ بعيد، فقد قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم [الأنعام:١٣٠] الآية والرسلُ من الإنس فقط، وليس مِن الجن رسول، كذا قال مجاهد وغيرُه من السلف والخلف. وقالابنُ عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: الرسل من بني آدم، ومن الجن نُذُرٌ، وظاهرُ قوله تَعَالَى حكايةً عن الجن إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:٣٠] الآية يدل عَلَى أن موسى مرسل إليهم أيضاً. والله أعلم. وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زَعَمَ أن في الجن رسلاً، واحْتَجَّ بهذه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها عَلَى ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:٢٢] والمراد: من أحدهما] اهـ. الشرح: انتقل المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- إِلَى قضية أخرى وهي عموم رسالة نبينا ﷺ إِلَى الجن والإنس، فَيَقُولُ: [وهو المبعوث إِلَى عامة الجن، وكافة الورى بالحق، والهدى، وبالنور والضياء] ، ابتدأ الإمام ابن أبي العز الشرح بالكلام عن إرسال الرسل إِلَى الجن. تقرير بعثته ﷺ إلى الجن

стр. 1705

وهذه حقيقة ثابتة كما جَاءَ في هذه الآية التي استدل بها قال الله تَعَالَى عن الجن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:٣١] وذلك حينما صرف الله النفر من الجن إِلَى النبي صلىالله عليه وسلم فسمعوه، كما تَحَدثت بذلك الآيات التي في آخر سورة الأحقاف، وذكر الإمامابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في تفسيره أحاديث كثيرة منها ما رواه البُخَارِيّ. ومنها ما رواه مسلم. ومنها ما رواه الإمام أَحْمَد من طرق عديدة تدل بمجموعها عَلَى أن النبي ﷺ مرسل إِلَى الجن، وأنه أتاه ﷺ داعي الجن، وأنه ذهب إليهم ليلة كما جَاءَ في إحدى الروايات عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (افتقدنا رَسُول الله صلىالله عليه وسلم ليلة وبحثنا عنه فلم نجده، فقلنا: استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة، فلما جَاءَ الصباح جَاءَ رَسُول الله صلىالله عليه وسلم فقلنا: يا رَسُول الله! إنا افتقدناك البارحة، فقلنا: استطير أو اغتيل، وإنا بتنا بشر ليلة فقَالَ: أتاني داعي الجن فذهبت إليهم فعلمتهم) ، وفيه أن النبي صلىالله عليه وسلم علمهم في هذه الليلة ما أراد الله تَعَالَى أن يعلمهم من الأحكام، ومرة قبل ذلك، وهي التي رواها الإمام أَحْمَد عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهي المرة الأولى، كما يترجح ذلك بمجموع الروايات كَانَ النبي صلىالله عليه وسلم بعد فراغه من الطائف لا يعلم عن الجن شيئاً بل كَانَ يقرأ القُرْآن والجن يستمعون إليه.

стр. 1706

وأما الرواية التي رواها عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فهي أكثر من ليلة، ويذهب النبي صلىالله عليه وسلم إليهم أو يأتيه داعيهم، وفي ليلة أخرى يصطحب النبي معه عبد الله بن مسعود ولا يستجيب من الصحابة إلا هو، فيضع له خطاً ثُمَّ يتقدم النبي صلىالله عليه وسلم فيقول عبد الله بن مسعود وهو يصف لنا -حسب اختلاف الروايات- وصفاً عجيباً أنه رأى الجن تتهافت مثل النسور، ثُمَّ لما انتهى النبي صلىالله عليه وسلم مما أراد الله أن يبلغهم إياه تفرقوا مثل السحب إذا تطايرت، وعاد كل منهم إِلَى بلاده، ثُمَّ أتى النبي صلىالله عليه وسلم وعاد إِلَى أصحابه، هذه الروايات بعضها رواها البُخَارِيّ وبعضها رواها مسلم. بعض خصائص الجن ومما أخبر به النبي ﷺ كما في رواية عند البُخَارِيّ أنهم سألوه ﷺ طعاماً، فأعطاهم العظم، قَالَ: (إن لكم بكل عظم أن يكون كما لو كَانَ قبل أن يؤكل) ، أي: أن أي عظم يجده الجن فإن لهم كحاله قبل أن يؤكل، (ولهم بكل روث أو بعرة كحالها قبل أن تؤكل) ولهذا نهينا أن نستنجي بالعظام وبالروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن الذي أعطاهم إياه النبي ﷺ في هذه الليلة، ومن خصائصهم ما في قول الله ﵎: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:٢٧] .

стр. 1707

فالجن أعطاهم الله ﵎ القدرة عَلَى التشكّل، ويرونا من حيث لا نراهم، فمن الممكن أن يكون من الجن من يجلس في مجالس الذكر عند النبي ﷺ أو عند الصحابة، أو من بعدهم من العلماء، ثُمَّ يبلغ إخوانه الهدى والحق والذكر، إذاً فالبلاغ يصل الجن، والنبي ﷺ مبعوث إليهم، لأنه ﷺ رحمة الله للعالمين، وهم من ضمن العالمين الذين ﵏ ﵎ ببعثته هذه هي القضية الأولى، ولزيادة الفائدة ففي هذا الموضوع رسالة خاصة لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ولم يخالف في هذا أحد من الْمُسْلِمِينَ ولله الحمد. هل رسل الجن من الإنس أو من الجن القضية الثانية: ذكر المُصْنِّف هنا قول مُقاتِل وهو: أن الله لم يبعث رسولاً إِلَى الإنس والجن قبله ﷺ .

стр. 1708

والمراد من هذا ليس معناه أن الله لم يبعث إِلَى الإنس والجن رسولاً؛ ولكن المقصود عامة الجن والإنس قبله ﷺ وهذا الكلام حق، فالله لم يبعث أحداً إِلَى الإنس عامة والجن عامة إلا محمداً ﷺ ومقصود مقاتل ﵀ الذي انتقد عليه: أن الله ﵎ لم يبعث رسولاً من الإنس إِلَى الإنس والجن معاً، وإن كَانَ قد بعث إِلَى قومه من الإنس، فيدعو قومه من الإنس، ويدعو معهم طائفة من الجن أو قوماً من الجن، وهذا مردود بقصة الجن الذين ذكرهم الله في سورة الأحقاف: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف:٣٠] فهذا دليل عَلَى أن أُولَئِكَ النفر من الجن كانوا عَلَى دين موسى ﵇، أو كانوا يسمعون عَلَى الأقل وكذلك كَانَ أجدادهم من قبل عَلَى دين موسى ﵇. ثُمَّ جَاءَ بعده هذا النبي فَقَالُوا: إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى قد يقول قائل لماذا قالوا: من بعد موسى مع أن الله قد بعث من بعد موسى أنبياء، كداود وسليمان وكذلك عيسى ﵇؟ الجواب -كما هو معلوم- أن شريعة داود وسليمان وعيسى ﵈ وكل أنبياء بني إسرائيل هي التوراة التي أنزلت عَلَى موسى، وأما الزبور والإنجيل فإنها مواعظ وحكم وعبر وفيها بعض تقييدات في أحكام الحلال والحرام، كما قال الله عَلَى لسان عيسى بن مريم وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:٥٠] .

стр. 1709

فأحل عيسى ﵇ بوحي من الله بعض ما كَانَ محرماً عَلَى بني إسرائيل في أحكام التوراة لكنه مكمل ومتمم ومصدق لما بين يديه من التوراة، ثُمَّ يأتي سؤال وهو هل رسل الجن من الجن أم من الإنس، اختلف العلماء في ذلك وقد نقل الإمام ابن أبي العز هنا كلام الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف وكذلك هو منقول من تفسير الإمام مُحَمَّد بن جرير الطبري في آية الأنعام، وهي قول الله ﵎: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] . ١) مذهب ابن عباس ومجاهد وابن جريج ﵃ في هذه المسألة: ذهب ابن عباس ومجاهد وابن جريج ﵃ إِلَى أن الله بعث من الإنس الرسل، ومن الجن النُذُر ومعنى ذلك: أن الله يبعث رسله من الإنس فيسمعهم الجن كمثل الجن الذين سمعوا النبي ﷺ فولوا إِلَى قومهم منذرين، فيكون النذر من الجن، والرسل من الإنس: وهذا الذي قال به ابن عباس ومجاهد وابن جريج وهو قول أكثر السلف، وقال بعضهم: -ولم أجده -ذكر ابن جرير عن الضحاك، فقد ورد أن الضحاك بن مزاحم سأله رجل: هل بعث الله ﵎ من الجن رسلاً؟ فتلا عليه الضحاك هذه الآية نفسها من سورة الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] فاستدل بذلك الضحاك على أن الله يقول يَوْمَ القِيَامَةِ إذا سأل الجن والإنس: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] ففهم من ذلك أن الإنس تأتيهم الرسل من الإنس، وأن الجن تأتيهم الرسل من الجن.

стр. 1710

أما الحافظ ابن كثير - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فإنه أطلق القول، وقَالَ: "ولا شك أن الرسل من الإنس "، ومما استدل به وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء:٧] ومن أقوى ما استدل به قول الله - تَعَالَى - في حق إبراهيم ﵇ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب [العنكبوت:٢٧] فالله خص إبراهيم ﵇ بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فالقول بأن بعد إبراهيم نبي من الجن ينافي هذا التكريم وهذا الاختصاص الذي اختص الله ﵎ به إبراهيم ﵇. ٢) القول الراجح في هذه المسألة: الذي يظهر أن الأمر ليس قوياً وقاطعاً بأن الله ﵎ لم يبعث من الجن رسلاً، وإنما هي وجهة نظر أقوى؛ لأن الذين قالوا بها منالسلف أكثر ونحن يسعنا ما وسعهم. فلا يعني ذلك أنه ينفى عن الجن هذا الشيء، بل يحتاج نفيه أو إثباته إِلَى دليل خارج فهذا الذي يبدو، والله تَعَالَى أعلم. لكن نظل نَحْنُ مع ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن جريج كما هو ظاهر سورة الأحقاف أن الله يبعث الرسل من الإنس، وأن من الجن من يستمع ذلك الوحي فينذرون أقوامهم بذلك، وأما بقية الأحكام فليس هناك فرق ولا خلاف عَلَى الصحيح بين الإنس والجن، فهم يحاسبون يَوْمَ القِيَامَةِ، ويوقفون بين يدي الله ﵎، كما في هذه الآية وغيرها. الجن مثل الإنس في الثواب والعقاب

стр. 1711

إن الصالح من الإنس والجن يدخل الجنة، والطالح من الإنس والجن يدخل النار، هذا هو القول الراجح والصحيح، ومن قال بخلافه فإنه يعوزه الدليل عَلَى ذلك، وأما الآية الكريمة التي استدل بها ابن كثير وتبعه الإمامابن أبي العز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في رد استدلال الضحاك لمَّا استدل بقوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] فقَالَ: إن الله يرسل الرسل من الإنس والجن، فقد رد عليه ابن كثير وتبعه الإمام ابن أبي العز: بأن هذا مثل قوله ﵎: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:٢٢] وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الماء المالح لا من الماء العذب. مسألة تتعلق بلغة العرب في التفسير والعرب تستعمل في كلامها ما يدل عَلَى أنها إذا أرادت أن تخاطب المفرد تأتي بالكلام عَلَى صورة جمع وهي تريد الفرد، حتى يقول الإمام ابن جرير الطبري ﵀: إن الإِنسَان إذا قَالَ: أكلت تمراً ولبناً، فإن ذلك صحيح في لغة العرب، لكن لو أفرده لا يصح أن يقول: أكلتُ لبناً، وإنما يقول: شربتُ لبناً، فهذا دليل عَلَى أن الأمر في حالة الاجتماع غيره في حالة الانفراد، وعليه فيكون المبعوثون من الإنس والجن، بينما يكون في الحقيقة والواقع لم يأت الرسل إلا من الإنس وحدهم، نقول: قد يترجح هذا القول، إلا أن هذه الآية يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:٢٢] وإن كَانَ قد قال من قال من العلماء بأنه يخرج من أحدهما، إلا أن هذا القول غير صحيح من وجوه: أولاً: أنه خلاف ظاهر اللفظ؛ لأن اللفظ يخرج منهما، فلا يعدل عن الظاهر إلا بدليل، وليس هناك من دليل إلا أن النَّاس لم يكونوا يستخرجون الزينة واللؤلؤ والمرجان من الأنهار والبحار العذبة، وإنما كانوا يستخرجونها من المالح.

стр. 1712

ثانياً: إن التنوين الموجود في قوله تعالى: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [فاطر:١٢] في كلٍّ يسمى تنوين العوض، أي: عوض عن كلمة، أي: ومن كل واحد من البحرين تأكلون لحماً طرياً، وتستخرجون حلية تلبسونها، إذا: ليس هناك احتمال! فلماذا نقول: يخرج منهما، أي: من أحدهما؟ والله يقول: ومن كلٍ أي: من كل واحد من البحرين يخرج اللؤلؤ والمرجان، ولذلك أصبح النَّاس في العصر الحديث يستخرجون اللآلئ والحلي والزينة من المياةِ العذبة ومن الأنهار، كما أنها تستخرج من البحار، فمن قال بذلك من العلماء السابقين فإنما قال عَلَى اعتبار أنه في عصره لم يكن معروف لديهم هذا الاستخراج، فَقَالُوا: إذاً يستخرج من أحدهما فقط، لكن نعمة الله وامتنانه لا تقتصر عَلَى عصر من العصور. فالله ﵎ يمتن منة عامة قد يتحقق لبعض النَّاس منها شيء في وقت، ولا يتحقق لغيرهم شيء إلا في وقت آخر، وقد تتحقق بعض النعم لبعض النَّاس في بلد ولا تتحقق لهم في بلد آخر وهكذا.. وهذا هو الذي يترجح في هذه الآية، والله ﵎ أعلم. قَالَ الإمامُ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

стр. 1713

[وأما كونُه مبعوثاً إِلَى كافة الورى، فقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:٢٨] وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُُ إِنِّي رَسُول لُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:١٥٨] وقال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:١٩] أي: وأُنْذِرُ مَنْ بِلَغَه، وقال تعالى: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء:٧٩] وقال تعالى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:٢] ، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:١] وقال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران:٢٠] ، وقال ﷺ : (أُعطِيتُ خَمْساً لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ مِنَ الأنبياءِ قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْركَتْهُ الصلاةُ فَلْيُصلِّ. وأُحِلَّتْ ليَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تُحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكانَ النبيُّ يُبعث إِلَى قَوْمِهِ خاصَة وَبُعثتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة) أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ : (لا يَسْمَعُ بي رَجُلٌ من هذه الأمَّةِ يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) رواه مسلم، وكونه ﷺ مبعوثاً إِلَى النَّاس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة.

стр. 1714

وأما قول بعض النَّصارَى: إنه رَسُول إِلَى العرب خاصة، فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قَالَ: إنه رَسُول الله إِلَى النَّاس عامة، والرَّسُول لا يكذب، فلزم تصديقه حتماً، فقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إِلَى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس، وسائر ملوك الأطراف، يدعو إِلَى الإسلام] اهـ. الشرح: قد دلت الآيات الصريحة من كتاب الله تَعَالَى وسنة رسوله ﷺ أنه مبعوث إِلَى النَّاس كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:٢٨] ، ويقول ﵎: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُُ إِنِّي رَسُول لُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:١٥٨] ويقول ﵎: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:١٩] وهذا يؤيده ويوضحه قوله ﷺ : (لا يَسْمَعُ بي رَجُلٌ من هذه الأمَّةِ يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) . فالأمر يعود إِلَى شيء واحد وهو البلاغ، فمن سمع عن النبي ﷺ وعن دعوته، فلا عذر له عَلَى الإطلاق؛ لأنه لم يتبعه ولم يؤمن برسالته ويهتدي بهديه ويدخل في دينه، ولكن الذي لم تبلغه لدعوة، فله حكم أهل الفترة، وأمره إِلَى الله . بعثته إلى الناس كافة معلوم من الدين بالضرورة

стр. 1715

قال النبي ﷺ : (وكان النبي يبعث إِلَى قومه خاصة وبعثت إِلَى الخلق عامة) فبعثه الله إِلَى الخلق عامة، وفي هذه القضية يقول الإمامابن أبي العز: وهذا معلوم من الدين بالضرورة، أي أن: عموم بعثته إِلَى جميع العالمين مسألة مجمع عليها بين الْمُسْلِمِينَ وهي معلومة من الدين بالضرورة، أي أن فيها المعرفة البديهية التي يجدها الإِنسَان في نفسه ضرورة دون حاجة إِلَى استدلال ولا بحث ولا نظر، فكل مسلم يعلم ضرورة من نفسه أن محمداً ﷺ هو رَسُول الله إِلَى العالمين أجمعين، ولم يخالف فيها إلا طائفتان من غير الْمُسْلِمِينَ. الطائفتان من غير المسلمين اللتان تخالفان في أن نبينا صلى الله علي وسلم بعث إلى العالمين الطائفة الأولى: فرقة من اليهود يقال لهم العيسوية، ظهرت في أيام أبي جعفر المنصور وكانوا من يهود إيران أي (من يهود الفرس العجم) واليهود في هذه البلاد كثيرون، وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : (يتبع الدجال سبعون ألفاً من يهود أصبهان عليهم الطيالسة) ، وما يزال اليهودفي هذه المدينة -مدينة أصبهان - ولهم فيها أكبر تجمع يهودي، وأصل وجود اليهودهناك، وهو أنه لما سلط الله عليهم بختنصر كما قال الله : عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَار [الإسراء:٥] فهو الذي جاس خلال الديار، وأخذ بني إسرائيل وسباهم إِلَى أرض فارس، فتناسلوا هنالك، الشاهد أن هذه العيسوية قامت بثورة في أيام أبي جعفر المنصور، وَقَالُوا: إن محمداً ﷺ لم يبعث إِلَى العالمين، وَقَالُوا: حتى لا نكذبه: هو مبعوث إِلَى العرب خاصة.

стр. 1716

وقال بهذا القول أيضاً بعض طوائف من النَّصَارَىقالوا: بعث مُحَمَّد ﷺ إِلَى العرب خاصة، وأما نَحْنُ فإننا عَلَى دين عيسى الذي بعث به إلينا، وهذا الكلام من أبطل الباطل، ومن أجلى الكذب وأوضحه، وهذا الكلام يدل عَلَى كذب قائله؛ لأنكم إن صدقتم أنه رَسُول يوحى إليه من عند الله، فهذا الرَّسُول لا يكذب، وهذا الرَّسُول قد قَالَ: إن الله أوحى إليه وحياً عاماً للعالمين، جَاءَ ذلك في القُرْآن الذي أنزله الله عليه، وفي سنته ﷺ وسيرته حينما كتب إلى: ملوك الروم والفرس وكتب إِلَى جميع أطراف الأرض يبلغهم دعوته، فهذا دليل واضح عَلَى عموم رسالته، وأنتم قد أقررتم بنبوته، فكيف تدعون أنه كاذب؟ هذا كلام يناقض بعضه بعضا، وإما ألا تؤمنوا بنبوته ﷺ أصلاً فيكون لنا معكم شأن آخر. من أعجب ما يقوله النصارى أن محمداً مبعوث إلى العرب خاصة من أعجب ما يقوله النَّصَارَى: إن محمداً ﷺ مبعوث إِلَى العرب خاصة، مع أن في الأناجيل التي بين أيديهم الآن ويقرؤونها ويعتبرونها الكتاب المقدس أن عيسى ﵇ جاءته امرأة وقالت: يا فلان! أريد أن تعلمني الدين الذي تدعو إليه فقَالَ: من أين أنتِ أيتها المرأة؟ قالت: فينيقية، -ليست من بني إسرائيل- فَقَالَ المسيح -كما يقولون: إنما بُعثتُ إِلَى خراف بني إسرائيل الضالة. وهذا ما نص عليه القُرْآن وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيل [آل عمران:٤٩] ، فالله قد حدد رسالة عيسى ﵇ بأنها إِلَى بني إسرائيل.

стр. 1717

كما جَاءَ في هذا الحديث: (وكان النبي يبعث إِلَى قومه خاصة) ، فعيسى ﵇ هو الذي بعث فعلاً إِلَى بني إسرائيل فقط، ولم يبعث إِلَى الروم، ولا إِلَى الفرس، ولا إِلَى العرب، إنما بعث إِلَى بنى إسرائيل، إذاً إذا أتانا نصارى من العرب، أومن الروم، أومن الفرس أومن نحوهم ويقولون: إن محمداً ﷺ بعث إِلَى العرب خاصة ونحن ندين بدين عيسى فإن هذا هو العجب، وهذه هي المغالطة، وهذا هو قلب الحقائق، بل يقال لهم: أنتم الذين تدينون بدين لم يبعث إليكم رسوله، وإنما بعثه الله إِلَى بني إسرائيل. أما الذي بعث إليكم وإلى العالمين جميعاً فهذا هو مُحَمَّد ﷺ ، الذي أخذ الله ﵎ العهد عَلَى الأَنْبِيَاء وليس عليكم فقط أن يؤمنوا به قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:٨١] ، فأخذ الله الميثاق عَلَى الأَنْبِيَاء أن يؤمنوا بمُحَمَّد ﷺ وأن ينصروه، فكيف تدعون أنتم أنكم من أتباع موسى أو عيسى وتكذبون بنبوته ﷺ وتكفرون بها؟! أو تقولون كما قالت هذه الطائفة أو هذه الشرذمة: إن نبوته خاصة بالعرب؟! هذا كلام من المحال ومن الباطل والكذب. ذكر الخلاف في إعراب كافة قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وقوله: وكافَّةِ الورى. في جر (كَافَّة) نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل (كافة) في كلام العرب إلا حالا، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:٢٨] عَلَى ثلاثة أقوال:

стр. 1718

أحدُها: أنها حالٌ مِن (الكاف) في (أرسلناك) وهي اسمُ فاعل، والتاءُ فيها للمبالغة، أي: إلا كافَّاً للناسِ عنِ الباطل، وقيل: هي مصدر (كَفَّ) ، فهي بمعنى (كفّاً) أي: إلا أن تَكُفَ النَّاس كفّاً، ووقوع المصدر حالاً كثيرٌ. الثاني: أنها حالٌ من النَّاس واعْتُرِضَ بأن حال المجرور لا يَتَقدَّمُ عليه عند الجمهور، وأُجِيبَ بأنه قد جَاءَ عن العرب كثيراً فوجب قَبُولُه، وهو اختيارُ ابنِ مالك ﵀، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة. الثالث: أنها صفةٌ لمصدر محذوف، أي: رسالةً كافَّة، واعْتُرِض بما تَقَدَّم أنها لم تُسْتَعمَلْ إلا حالاً. وقوله: [بالحق والهدى، وبالنور والضياء] هذه أوصافُ ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ من الدِّينِ والشرع المؤيَّدِ بالبراهين الباهرة من القُرْآن وسائر الأدلة. والضياءُ: أكمل من النور، قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس:٥]] اهـ. الشرح: قال الإمام الطّّحاويّ ﵀: [وهو المبعوث إِلَى عامة الجن، وكافة الورى] ينقده المُصْنِّف ﵀ من حيث اللغة، فنحن لا نقول: إِلَى كافِةِ الورى، والصحيح أن لم نقل الواجب أن نقول: إِلَى الورى كافةً، فكلمة كافَّة لا تستعمل إلا حالاً، ومعناها: الكل والجمع، فلا تأتِ إلا حالاً دائماً، فلا تُجر ولا تُرفع ولا تُنصب أو نحو ذلك، وأما قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس [سبأ:٢٨] فقد اختلف في إعرابها، فقيل إنها حال من الكاف في "أرسلناك" لأن الحال لابد أن يكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول به، أو حال من متعلق في الفاعل أو المفعول به. وذهب بعضهم إِلَى أن كلمة كافة تتعلق بالكاف أي: وما أرسلناك إلا كافة للناس، فأنت الكافة للناس، أي: الكاف لهم والتاء للمبالغة، كما يقال في (علامَّة) ، و (فهَّامة) أي: رجل كثير العلم والفهم، وهذا قول ضعيف.

стр. 1719

والثاني: أنها حال من النَّاس في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس [سبأ:٢٨] واعترض عليه بأنها تقدمت، وأن الحال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، والصواب: أن ذلك جائز وهو الذي رجحه الإمام ابن مالك وهذه الآية دليل له، فيقول إن معنى قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس [سبأ:٢٨] أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة، فهي حال من النَّاس المجرور والله ﵎ أعلم. القول الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف وهذا قول مرجوح وضعيف؛ لأنها -كما قلنا سابقاً- ولا تكون إلا حالاً.

стр. 1720

شرح العقيدة الطحاوية الرؤية فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وقد ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة قوله تَعَالَى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] وهي من أظهر الأدلة، وأما من أبى إلا تحريفها بما يُسميه تأويلاً: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنَّار والحساب أسهل من تأويلها عَلَى أرباب التأويل. ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرِّفها عن مواضعها إلا وجد إِلَى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص. وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنَّصارَى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد عَلَى الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟ ! وكذا ما جرى في يوم الجمل وصِفِّين، ومقتل الحسين ﵁، والحرة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة عَلَى ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟! وإضافة النظر إِلَى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل عَلَى خلاف حقيقته وموضوعه، صريحٌ في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إِلَى الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه. فإن عدي بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:١٣] وإن عدي بـ (في) فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:١٨٥] وإن عدي بـ (إلى) فمعناه: المعاينة بالأَبصار، كقوله تعالى: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر [الأنعام:٩٩] فكيف إذا أضيف إِلَى الوجه الذي هو محل البصر؟!
следующие страницы →