← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثُمَّ كتب الإمام عبد العزيز المكي خلاصة ما دار بينه وبين هَؤُلاءِ القوم في كتابه المسمى الحيدة. مع العلم أن هناك من يقول: إن كتاب الحيدة لا تصح نسبته للإمام عبد العزيز الكناني. وأقول: قد لا يكون الكتاب بهذا الشكل المتكامل له؛ لأن فيه بعض زيادات غيره، لكن الكتاب والقضية لهما أصل، والحوار هذا قد جرى ووقع، فقد يكون الذي كتب هذا الكتاب والمناظرة ابن عبد العزيز الكناني الذي اصطحبه معه من مكة إِلَى بغداد ليناظربشر المريسي. أما بشر فهو رجل يهودي، كَانَ أبوه صباغاً يهودياً - كما قال ذلك الإمام أحمد. وهذا الرجل تعلم الفلسفة وتعلم الكلام ليفسد به دين الإسلام، وكان زميلاً للقاضيأبي يوسف المعروف، وكان القاضي يقول له: يا بشر! إما أن تدع الكلام، أو تفسد علينا خشبة، يعني: نصلبك عَلَى خشبة فنخسر هذه الخشبة، لكنَّ بشراً عاند، وأخذ يتعلم هذه العلوم، وهذه الثقافات، يعارض بها كتاب الله ، وكان عَلَى مذهب الجهم بن صفوان في نفي صفات الله . حتى أنه ورد أن أم بشر جاءت إِلَى أحد علماء الْمُسْلِمِينَ فقالت له: إن أباه كَانَ يهودياً، وإنه عَلَى دين أبيه، وإنما يريد أن يفسد دينكم بهذا العلوم (بعلم الكلام) الذي جَاءَ به. وقد رد الإمام المحدث الجليل عثمان بن سعيد الدارمي عَلَى بشر المريسي في كتابه المشهور المعروف: الرد عَلَى بشر المريسي العنيد، أو (رد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) ، فرد عليه، وأثبت كثيراً من الصفات التي كَانَ بشر ينكرها ومنها صفة العلم، فبشر والجهمية عموماً يقولون في صفة العلم: ليس بجاهل، وهذا كما قلنا: أولاً: وجود مطلق لا يوصف بشيء إلا بالسلوب، يعني النفي فقط.

стр. 317

فينفون عن الله الجهل ولا يثبتون له العلم، كما كَانَ يقول الإمام عبد العزيز في مناظرته لبشر: الله عالم أو الله يعلم، فيقولبشر: لا يجهل، فهذا يكرر السؤال وذاك يكرر الجواب لا يزيد عَلَى قوله: لا يجهل لا يجهل. فقال له الإمام عبد العزيز الكناني بعد ذلك: لو قلت هذه الأسطوانة لا تجهل لم يكن ذلك مدحاً لها بأنها تعلم. وكما قال المصنف: نفي الجهل لا يعني إثبات العلم ولكن إثبات العلم يعني نفي الجهل، فكان هذا مما أفحم به الإمام عبد العزيز الكناني بشراً في مجلس الخليفة. وقد مدح الله تَعَالَى الأَنْبِيَاء والملائكة والمؤمنين بالعلم لا بنفي الجهل، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تَعَالَى لنفسه وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه، ما أجمل هذه العبارات التي قالها الإمامعبد العزيز وأرشد الخلق إليها "أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه" وهذه هي القاعدة العامة في مثل هذه الصفات: صفة العلم وغيرها.

стр. 318

ثُمَّ انتقل المُصْنِّف ﵀ إِلَى الدليل العقلي، وهذا الدليل قد سبق معنا عَلَى شكل قاعدة من القواعد التي نعرف بها إثبات الصفات، والتي نستدل بها عَلَى أن الفطرة الإِنسَانية والعقل الإِنسَاني يثبت صفات الله وأن له الكمال المطلق وهذه القاعدة هي: (كل صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فالله ﵎ أحق بها) فلو أخذنا صفة العلم وجدناها صفة كمال، والمخلوق يمدح بأنه عالم، وكلما كَانَ المخلوق أكثر علماً كلما كَانَ هذا زيادة في مدحه، فنقول: هو أكثر علماً من فلان، فالذي له المثل الأعلى يجب أن يثبت له العلم من باب الأولى، والمخلوق إنما استمد علمه مما أعطاه الله إياه من العلم، وهذه القاعدة فصلها المُصْنِّف فيما سيذكره، يقول: (الدليل العقلي عَلَى علمه -تعالى- أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل) هذا الأمر الأول، لأن الذي يؤمن بأن الله هو الذي خلق الكون، وخْلقُ هذه الأشياء يثبت لله صفة العلم، لاستحالة وجود هذه الأشياء مع الجهل، ولا يخلقها إلا من يعلمها كما قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] . الأمر الثاني: أن الإيجاد والخلق لا يكون إلا بإرادة، فالإِنسَان عندما يريد أن يعمل أي عمل، فإن ذلك العمل لا بد أن يُسبق بإرادة وتصور، وهذا معنى قول المصنف: ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، فالإرادة تستلزم تصور المراد، وأن يكون معلوماً عند الفاعل، فتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، وعليه فالإيجاد مستلزم للعلم، فإيجاد الله تَعَالَى للمخلوقات يقتضي أن يكون عالماً بها، وإن كنا لم نعرف الحقيقة الكاملة لعلم الله ؛ لكن المقصود حقيقة الإيمان بعلم الله .

стр. 319

وأن الناظر إِلَى الآيات الكونية والآيات النفسية والآيات الآفاقية، يجد أنها تدل دلالة قاطعة ليس معها شك ولا ريب عَلَى أن الذي خلق هذه متصف بصفة العلم، وأن هذا العلم لا يمكن للمخلوق أن يتصوره ولا يمكن للإدراك البشري أن يصل إليه عَلَى الإطلاق. هذه أدلة فطرية وحسية وعقلية يسقط معها ويتهافت. قول من يقول: إننا لا نثبت لله تَعَالَى العلم، بل ننفي عنه الجهل. ولا يدخل الله تحت قياس البشر لا في قياس التمثيل، ولا في قياس الشمول، يقول: (بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أحق به وكل نقص تَنزّه عنه مخلوقاً ما فتنزيه الخالق عنه أولى) ، وهذه القاعدة يمكن أن نضيف إليها قيداً فنقول: (كل ما ثبت للمخلوق من كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به) . هذه هي الفقرة الثامنة عشر المتعلقة بإثبات صفة العلم لله ، والرد عَلَى من أنكرها. والأدلة عَلَى إثبات العلم أكثر من هذا وإنما المقصود هنا التعرض لمذهب الجهمية النفاة وبيان بطلانه عقلاً ونقلاً. ثُمَّ تأتي الفقرة التاسعة عشرة. قال أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وقدَّر لهم أقداراً] قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [قال تعالى:: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان:٢] وقال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] وقال تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:٣٨] وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:٣،٢] ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه عَلَى الماء) ] اهـ. الشرح: أقول: إن جملة: [وقدر لهم أقداراً] .

стр. 320

فيها دليل عَلَى إثبات القدر والمقادير أو التقدير. فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب فكتب مقادير كل شيء، فلا يقع بعد ذلك شيء في الدنيا إلا وهو موافق ومطابق لما كتبه الله ، ولا يمكن أن يرد أحد من النَّاس ما قدره الله وقضاه. وقد سبق شرح هذا في مبحث الإرادة. ومن أركان الإيمان الستة: أن يؤمن الإِنسَان بالقدر أي: بأن الله عالم بكل شيء، وذلك قبل أن توجد هذه الأشياء وقبل أن تخلق، وأنه قدر كل ما كَانَ وما سيكون وكتب ذلك عنده، وأن الخير والشر من عند الله ، ولا يتنافى هذا مع ما قد سبق تقريره من أن سبب الخير فضل من الله وسبب الشر ذنب العبد، ثُمَّ إن ما كتبه - سبحانه - وقدره لا معقب له، ولا راد لقضائه بأي وجه من الوجوه، بل كما قال النبي ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا عَلَى أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) . فهذا دليل من أدلة كثيرة عَلَى أن الله قد كتب القدر، وقدر المقادير أو التقدير. الفرق بين القدر والتقدير والتقدير بمعنى: الخلق ومقادير المخلوقات بمعنى الموازين التي توزن به، وخلق الله كل شيء بقدر قال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (الفرقان:٢] فقوله: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً هو من هذا الباب أيضاً من باب التقدير الذي هو بمعنى وضع الأمور أي بخلق كل شيء، عَلَى مقتضى الحكمة التي قدرها الله وشاءها، فهذه مقادير المخلوقات من الحياة والموت، ومن الحجم والطول والعرض.

стр. 321

وتقدير الأمور هو أيضاً من خلق الله ، كما قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:٢-٣] فهذا من "التقدير" لا من "القدر"، وإن كَانَ المعنى اللفظي واحد، والفرق بينهما أن القدر الذي هو ركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بأن الله علم كل شيء، وكتبه، وقضاه، وقدره، وأنه لا يقع إلا وفق ما علمه وكتبه وقدره وقضاه، وأنه لا يخرج عن هذا الأمر شيء، وأما إيماننا بتقدير الله مقادير المخلوقات فهذا جزء من إيماننا بأنه هو وحده الخالق، الحكيم، البارئ، المصور ، وهذا الحديث قد سبق أن شرحناه وشرحنا قوله: وإن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه عَلَى الماء. ولم يخالف في إثبات القدر إلا القدرية ومن المعلوم أن مراتب القدر أربع: ومن القدرية من خالف في إثبات المرتبة الأولى وهي العلم، وهذه أقل فرقهم وقد سبق أن ذكرنا أن من أنكر العلم من القدرية فهو كافر. أكثر الاختلاف في القدر هو في باب أفعال المخلوقين أكثر الخلاف في القدر هو في أفعال المخلوقين وليس في العلم، ولهذا جَاءَ بالجملة التالية وهي امتداد لهذه الجملة، ليرد بذلك علىالمعتزلة الذين يقولون: إن الآجال ليست من تقدير الله ، أو أن الآجال تقع خلاف ما كتب الله عَلَى النحو الذي سنفصله. يقول أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وضرب لهم آجالا] قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 322

[يعني: أن الله قدر آجال الخلائق، بحيث إذا جَاءَ أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:٤٩] وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران: ١٤٥] ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قَالَ: (قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ ورَضِيَ اللهُ عَنْها: اللهم أمتعني بزوجي رَسُول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قَالَ: فَقَالَ النبي ﷺ : قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاً قبل حله، ولن يؤخر شيئاً عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النَّار وعذاب في القبر كَانَ خيراً وأفضل) فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تَعَالَى وقدَّر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إِلَى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إِلَى أجله فكأن له أجلان. وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إِلَى الله تَعَالَى أنه جعل له أجلاً يعلم أنه لا يعيش إليه ألبتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان عَلَى القاتل لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور. وعلى هذا يخرج قوله ﷺ : (صلة الرحم تزيد في العمر) أي: سبب طول العمر. وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إِلَى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إِلَى هذه الغاية. ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إِلَى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه] اهـ. الشرح:

стр. 323

قول أبي جعفر الطّّحاويّ ﵀: (وضرب لهم آجالاً) هذه الجملة مأخوذة ومستنبطة من الآيات الكثيرة الدالة عَلَى أن الله قد جعل للخلق آجالاً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:٦١] كما هو معلوم من آي كثيرة. ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [يعني أن الله قدر آجال الخلائق بحيث إذا جَاءَ أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:٦١] . وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران:١٤٥] وذكر الحديث الذي في صحيح مسلم، وفيه إثبات الآجال، وأن الله جعل لكل مخلوق أجلاً، وهذا ثابت بنفس الآيات والأدلة التي تثبت القدر، ومنها الحديث الصحيح عنعبد الله بن مسعود ﵁ في أن الجنين (يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد) فيؤمر الملك بكتب أربع كلمات، منها: الأجل، أي: أجل الإِنسَان، فليس هناك أي مجال لأن يتوقع أحد أن هذا الأجل يمكن أن يُغَيَّر ويمكن أن يُبَدَّل وقد كتبه الله ﵎ عَلَى الإِنسَان وهو لا يزال في بطن أمه؛ ليقطع الأمل؛ ويقطع تعلق النَّاس بأن أحداً غير الله يملك أن يمد في عمر فلان أو يقصر من عمر فلان، أو أنه إذا قتل فلاناً فإنه قد انتقصه شيء من عمره.

стр. 324

والآجال والأرزاق قد قدرت وكتبت كما جَاءَ في الحديث الصحيح الآخر، يقول النبي ﷺ : (إن روح القدس -وهو جبريل ﵇ نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) ، أي: إذا طلب الواحد شيئاً من أمور الدنيا فليطلبه بإحسان وليجمل في الطلب ولا يلح؛ فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها حتى آخر لحظة من لحظات الدنيا وهي ساعة الاحتضار فإن بقي له في تلك الساعة لقمة من طعام أو شربة من حساء أخذها، وكذلك العمر لن تموت نفس حتى تستوفي ما كتب الله لها من العمر وإن كَانَ لحظة واحدة أو نفساً واحداً، فإن الله قد أحصى كل شيء، وهو العليم بكل شيء، وهو الذي قدر مقادير كل شيء، طويت الصحف ورفعت الأقلام، وما عَلَى العباد إلا التسليم والانقياد والإذعان والإيمان بكل ما يقدره الله ويقضيه. أما حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ فهو حديث صحيح، وقد دعت الله وسمعها النبي ﷺ وهى تدعو الله أن يمتعها بزوجها رَسُول الله ﷺ وبأبيها وبأخيها، وهكذا النفس البشرية تتمنى وتتعطش إِلَى الخلود، وتدعو وترجو أن تخلد أو يخلد من تحب، وهذا شيء موجود في النفس البشرية، وليس هذا بذاته بمحظور مادام أن الله تَعَالَى قد جعله، وله فيه حكم.

стр. 325

وهذا الشيء هو الذي جعل أبانا آدم يطيع الشيطان في قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:٢٠] لما أغراه الشيطان بالخلود ولأن النفس الإِنسَانية تكره الموت والانقطاع وهذا هو الذي أشغل أبانا عن قضية أنه إذا أكل وقع في معصية الله ، وأنساه عما أمر به الله . فالشاهد أن أم حبيبة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها لما دعت بذلك وسمعها النبي ﷺ قَالَ: (قد دعوت الله بآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة) ، فلن يزيد عمر أحد يوماً واحداً، ولن يزيد رزقه ذرة واحدة، ولن يتأخر أجله ولو لحظة واحدة بسبب هذا الدعاء الذي قد يدعو به الإِنسَان، أو بأي سبب من الأسباب التي يلجأ إليها الإِنسَان. وأرشدها النبي ﷺ إلى الأولى والأحرى والأجدى فقال لها: (لن يعجل شيئا قبل أجله، ولن يؤخر شيئاً عن أجله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النَّار وعذاب في القبر كَانَ خيراً وأفضل) وهذا من آداب الدعاء، وهو أن الإِنسَان يسأل الله أن يعيذه من عذاب النَّار ومن عذاب القبر، ويسأل الله ما يتعلق بالنجاة وبالفوز الأخروي، هذا أهم وأولى ما يدعو به الإِنسَان، أما أن يدعو الإِنسَان بأمر فيه اعتداء، كالدعاء بطول العمر -مثلاً- وهو يعلم أن الله قد ضرب أجلاً محدوداً، فهذا محرم، ومثله من يدعو الله بجميع أنواع الأدعية التي فيها اعتداء كدعاء الله أن يحي ميتاً من الأموات؛ بل عَلَى الإِنسَان أن يدعو بما فيه خيري الدنيا والآخرة، والأولى أن يدعو الله بما فيه علاقة بالفوز بالجنة والنجاة من النار. الرد على الجهمية والمعتزلة في قضية تقدير الله للآجال

стр. 326

ثُمَّ انتقل المُصْنِّف ﵀ بعد ذلك إِلَى بيان الرد عَلَى الجهمية والمعتزلة وخاصة المعتزلة في هذه القضية فذكر: أن الله خلق الخلق وخلق أعمالهم، وخلق الموت وأسباب الموت، وخلق الحياة وأسباب الحياة، فهو الخالق لذلك كله، بخلافالمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، فعلى قولهم: لو أن أحداً قتل أحداً، فإن هذا القاتل قد قطع أجل المقتول الذي لو لم يقتله لعاش حتى يبلغه، ولهذا يقتل القاتل! فرد عليهم المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بأن الله هو الذي خلق الموت، وخلق أسباب الموت، وهو الذي قدر أن هذا يموت بالحرق، وهذا بالغرق، وهذا يقتل بالسيف وهذا بالمرض. أما المعتزلة فقولهم واضح البطلان؛ لأنه يستلزم إثبات أجلين: أجلاً حقيقياً: وهو الذي قدر كما يقولون، وأجلاً واقعياً: وهو الوقت الذي بقي للمقتول. وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إليه : أنه جعل للعبد أجلاً يعلم أنه لا يعيش إليه! وما الفائدة أن يجعل الله له أجل وهو يعلم أنه سيقتل دون أن يدركه، أو أن يجعل أجله أحد الأمرين كفعل الجاهل بالعواقب، وهَؤُلاءِ المعتزلة يقولون: إن الله أذن أن يعيش العبد ستين سنة -وأصل ضلالهم أنهم يقولون: إن أفعال العباد لا يخلقها الله- فلما قُتلَ وعمره أربعين سنة، فمعنى هذا أن الله جعل له أجل أربعين، وأجل ستين إن لم يقتله أحد. وإذا قتله أحد فيما دون ذلك فيكون هذا هو الأجل الحقيقي، فكأنهم والعياذ بالله ينفون العلم عن الله بدليل أنه لا يعلم أنه سيقتل، كل ذلك حتى يهربون من قضية أن الله هو الذي خلق أفعال العبد؛ لأنهم قالوا: إذا كَانَ الله هو الذي خلق فعل العبد فكيف يجازيه عليه؟ وإنما يجازى القاتل بالقتل حداً؛ لأنه قطع الأجل وهذا دلالة عَلَى الفعل إذا كَانَ الله خلق الفعل.

стр. 327

والرد عليهم كما ذكر المصنف: وجوب القصاص والضمان عَلَى القاتل وذلك لارتكابه المنهي عنه ومباشرته إياه برضاه وباختياره، فالذي قتل مسلماً معصوماً بريء الدم برضاه وباختياره مستوجب للقتل ومستحق له؛ لأنه ارتكب ما نهى الله تَعَالَى عنه، ولهذا فإن القاتل إذا كَانَ مجنوناً - مثلاً - فإنه لا يقتل وهذا دليل عَلَى أن القاتل يقتل، لا لأن القاتل قطع أجل الله الذي قدره للمقتول، كما تزعم المعتزلة، بل من أجل أن القاتل ارتكب ما نهى الله عنه ومباشرته السبب المحظور. ثُمَّ يقول: (وعلى هذا يخرج قوله ﷺ : (صلة الرحم تزيد في العمر) أي: سبب طول العمر) ولفظ الحديث: (من أراد أن يُنسأ له في عمره، ويبارك له في رزقه، فليصل رحمه) . وقد يشكل فهم هذا الحديث عَلَى كثير من النَّاس مع ما قد قدره الله وكتبه من الآجال - كما في حديث ابن مسعود - وحتى يزول ذلك الإشكال لا بد أن يعلم أن الله خلق النتائج مثل الموت والحياة، وخلق الأسباب: فقدر أن عمر هذا الإِنسَان ستين سنة -مثلاً- وقدر أن من أسباب كون عمره ستين سنة أنه يصل رحمه، كما لو أن الله قدر عمر إنسان ثمانين سنة، فلا يسلط عليه وباء ولا داء بل يرزقه الصحة والعافية، فهذه أسباب خلقها بها طال عمر هذا الإِنسَان إِلَى الثمانين، وما قيل في هذا الإِنسَان يُقال في الإِنسَان الأول الذي عمر ستين سنة فكانت صلة الرحم سبباً لطول عمره إِلَى هذا القدر، وعلى هذا فلا يفهم أن من المفترض أن يكون عمر إنسان ما خمسين سنة، فلما جَاءَ بصلة الرحم زاد عمره إِلَى السبعين مثلاً. قال الطّّحاويّ ﵀: [وحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] . قَالَ المُصنِّفُ ﵀:

стр. 328

[ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قَالَ: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) وقَالَ: (ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن) والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قَالَ: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومُحَمَّد حبيبه. وفي الصحيح أيضاً: (إني أبرأ إِلَى كل خليل من خلته) والمحبة قد ثبتت لغيره، قال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:١٣٤] ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧٦] ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] . فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس ﵄ الذي رواه التِّرْمِذِيُ الذي فيه: (إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) لم يثبت. والمحبة مراتب: أولها: العَلاقَةُ، وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية الإرادةُ، وهي ميل القلب إِلَى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصَبابةُ، وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. الرابعة: الغَرَامُ، وهي الحب اللازم للقلب ومنه الغريم لملازمته، ومنه: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:٦٥] . الخامسة: المَوَدَّةُ، والود، وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم: ٩٦] . السادسة: الشَّغَفُ، وهي وصول المحبة إِلَى شغاف القلب. السابعة: العِشقُ، وهو الحب المفرط الذي يخاف عَلَى صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تَعَالَى ولا العبد في محبة ربه وإن كَانَ قد أطلقه بعضهم، واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل: غير ذلك، ولعل امتناع اطلاقه: أن العشق محبة مع شهوة.

стр. 329

الثامنة: التَّتَيُّمُ، وهو بمعنى التعبد. التاسعة: التَّعَبُّدُّ. العاشرة: الخُلَّة، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. وقيل: في ترتيبها غَيْرُ ذلك. وهذا الترتيبُ تَقْرِيبٌ حسن يعرف حسنه بالتأمل في معانيه. واعلم أن وصف الله تَعَالَى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تَعَالَى وعظمته، كسائر صفاته تَعَالَى وإنما يوصف الله تَعَالَى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص. وقد اختلف في تحديد المحبة عَلَى أقوال، نحو ثلاثين قولاً، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيديها إلا خفاء. وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إِلَى تحديد كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك] اهـ. الشرح: يقول الإمام: الطّّحاويّ ﵀: [وحبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ] هذه الجملة معطوفة عَلَى الجمل السابقة في وصفه ﷺ والحديث عنه. وموضوع المحبة وعلاقتها بصفات الله من الموضوعات التي ستأتي إن شاء الله في آخر الكتاب، وإن كانت أيضاً لا تأتي بالتفصيل اللازم، وإنما تأتي في مبحث الحديث عن الخُّلة والمحبة في الفقرة التي يقول فيها الإمام الطّّحاويّ ﵀: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً وكلم الله موسى تكليماً إيماناً وتصديقاً وتسليماً] . الرد على من نفوا محبة الله صفة المحبة اختلف فيها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مع الجهمية والمعتزلة، فأما الجهمية ومن اتبعهم، فإنهم قالوا: إن الله ﵎ لا يُحِب ولا يُحَب، فنفوا العلاقة من الطرفين، قالوا: فالله تَعَالَى لا يجوز أن نصفه بأنه يحب أحداً من خلقه، لأن هذا مما لا يليق في حقه، كما يزعمون.

стр. 330

وقالوا أيضاً: إن الله تَعَالَى لا يُحَبُّ، فلا نقول إن أحداً يحب الله، لأن الله يتنزه أيضاً عن ذلك بزعمهم، وقولهم هذا ليس عليه أي دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا عقل، إلا أن الله ﵎ حجب عقولهم وقلوبهم عن أشرف شيء، كما يقول ذلك الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: هَؤُلاءِ الذين أنكروا محبة الله قد جعلوا عَلَى قلوبهم هذا الحجاب الغليظ الكثيف بينهم وبين الله ﵎، وأي حجاب وأي غفلة أعظم من أن يعتقد الإِنسَان [أنه لا يحب الله وأن الله لا يحبه] ، نسأل الله السلامة والعافية وهذا من طمس القلوب، وهذه عقيدة ليس عليها أي دليل، إنما هي مقولة منقولة عن علماء وفلاسفة اليونان الأقدمين -وهم مُشْرِكُونَ- نقلها عنهم الجهمية وجعلوها ديناً يدينون به وأرادوا أن يفرضوها عَلَى الأمة الإسلامية أيضاً، فَقَالُوا: إنه يتنزه عن أن يُحِب أو أن يُحَب، ورد عليهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بما لا يخفى من الأدلة. ومنها ماذكره المؤلف ﵀ من الآيات وهي: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:١٣٤] ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:٧٦] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:٢٢٢] ، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١] . فالآيات والأحاديث الكثيرة صريحة في أن الله يُحِبُ ويُحَب.

стр. 331

بل إن المحبة هي أساس كل عمل وكل عبادة قلبية، كما أن أسس كل عبادة عملية هو الصدق، فالمحبة أساس لجميع العبادات، وبيان ذلك أن الإِنسَان إذا صلى وهو لا يجب الصلاة ولا يحب من يصلي له، فإن صلاته لا تكون مقبولة، وكذلك إذا زكى أو حج وهو لا يحب من زكى له ولا من حج له فهذه الزكاة وهذا الحج ونحوهما من الأعمال لا تُقبل، وهكذا لوتأملنا لوجدنا أنه كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في مجموع الفتاوى: "إن المحبة هي أساس كل عمل باطن، من أعمال القلب، ثُمَّ بعد ذلك تتفرع منها بقية الأعمال " فأي عمل تعمله الجوارح ولا يرتكز عَلَى المحبة القلبية، فإنه مثل ما لو كَانَ لا يرتكز عَلَى الصدق، فلو أن أحداً صلى، وهو غير صادق في صلاته كَانَ يصلي صلاة كذب واستهزاء، فإن صلاته لا تقبل. ولهذا يقول الله ﵎: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] فالمُشْرِكُونَ يحبون الله، ويحبون أصنامهم سواء، ولكن المؤمنين يحبون الله ﵎ أكثر من محبة الْمُشْرِكِينَ لله تَعَالَى ولأصنامهم عَلَى القولين المذكورين في الآية، فالمؤمنون أشد حباً لله والله ﵎ يحب من يتقرب إليه باتباع النبي ﷺ وطاعته كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١]

стр. 332

وكما جَاءَ في حديث الولي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ... ) الخ، وهذا الحديث أيضاً من الأدلة عَلَى أن الله يحب وأن محبته ﵎ درجة عالية، يحظى بها الإِنسَان بالاجتهاد في طاعة الله، والاجتهاد في اتباع رَسُول الله ﷺ . هذا ما يتعلق بإثبات صفة المحبة، لكن الإمام الطّّحاويّ ﵀ قال في وصف نبينا مُحَمَّد ﷺ : [وحبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] فهل معنى هذا أنه هو وحده حبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ، أو أن معناه أن صفة المحبة أكمل من غيرها حتى تقال للنبي ﷺ ، الواقع أن محبة الله يشترك فيها المؤمنون جميعاً، وإن كَانَ للنبي ﷺ الحظ الأوفر من محبة الله ﵎. إذاً القضية ليست من أجل الاختصاص، فإذا كَانَ الإمام الطّّحاويّ اختارها؛ لأنها أكمل وأعلى، فإن هذا القول مرجوح؛ لأن المحبة ليست هي أعظم الصفات في بابها حتى نقول إن الرَّسُول ﷺ هو حبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بل أعظم صفة في هذا الباب أن نقول: هو خليل الله وهو خليل الرحمن. الخلة أعلا من المحبة

стр. 333

فقولنا: إن محمداً خليل الله أو خليل الرحمن أعلى وأفضل من قولنا: حبيب الله أو حبيب الرحمن، ولهذا استدل عليه المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فقَالَ: إنه قد ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، كما سيأتينا بيان أنواع المحبة وأعلى مراتبها وهي الخلة، وهي ثابتةٌ له ﷺ كما في الحديث: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) فهما خليلان للرحمن جل شأنه، ويقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) هذا لو كنت، أي: لو كَانَ لي من البشر خليل، لما في الروايات الأخرى: (إني أبرأ إِلَى الله أن يكون لي منكم خليل) فليس له من المخلوقين خليل، ولو أنه كَانَ متخذاً أحداً خليلاً من الصحابة لاتخذ أبا بكر ﵁ خليلاً، ولهذا لما (سُئل النبي ﷺ أيُّ النساء أحب إليك؟ قال: عَائِِِشَةَ، قَالَ: ومن الرجال؟ قَالَ: أبوها) وهوأبُو بَكْرٍ ﵁ حبيب رَسُول الله ﷺ ، وأحب النَّاس إليه من المخلوقين، ولو كَانَ متخذاً خليلاً غير الله لاتخذ أبا بكر خليلاً، لأنه أحب أصحابه إليه، ولكنه خليل الله فقط، كما أن الله ﵎ اتخذ إبراهيم خليلاً، فهما خليلان إبراهيم ومُحَمَّد ﷺ ولهذا قَالَ: (ولكن صاحبكم - يعني نفسه ﷺ خليل الرحمن) .

стр. 334

وهذا معلوم لا ينكره أحد إلا الجهمية كما قلنا، لكن الذين اختلفوا فيه من غير الجهمية قالوا: إن إبراهيم خليل الله ومُحَمَّد ﷺ حبيب الله، واضطرهم هذا إِلَى أن يقولوا: إن المحبة أفضل من الخلة؛ لأنهم يرون أن ما يثبت لرَسُول الله ﷺ أفضل مما يثبت لإبراهيم وأعلى. فَقَالُوا: إن المحبة أعلى من الخلة؛ لأن إبراهيم خليل الله ومحمداً ﷺ حبيب الله، واستدلوا بحديث رواه ابن عباس ﵄ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) وهو حديث في سنده ضعاف لا تثبت به حجة، ولا ينهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة التي سبقت. وهذا القول أن المحبة أعلى من الخلة قاله بعض الصوفية لأنهم يتعلقون بكلمة المحبة. وقد ذكرنا عبارةالسلف في ذلك وهي: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي: خارجي- ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله تَعَالَى بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد" فالخوارج يعبدون الله تَعَالَى بالخوف وحده، والمرجئة يعبدون الله بالرجاء وحده والصوفية يعبدون الله تَعَالَى بالمحبة وحدها كما يزعمون. ولهذا يستحلون كثيراً من المحرمات ويتركون الواجبات إِلَى حد أن بعضهم يترك جميع التعبدات ويقول: إن الحبيب لا يعذب حبيبه حتى أن بعضهم يقول: إن قلبي مشغول بمحبة الله، وإذا أشغلتني محبته عن عبادته وعن الصلاة له فإنه لن يؤاخذني عَلَى شيء من ذلك لأنه يعلم أنه ما أشغلني عن طاعته وعن صلاته إلا محبتي له، هكذا يزعمون وهذه هي الزندقة، ولذلك قال العلماء هذه المقالة: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق"، وهكذا كَانَ حالهم.

стр. 335

إذاً يبطل القول بأن الخلة خاصة بإبراهيم ﵇، وأن المحبة خاصة بمُحَمَّد ﷺ ، لا سيما وأنَّا قد عرفنا أن الله تَعَالَى يحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المحسنين، إِلَى غير ذلك مما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، فليست المحبة خاصة بالنبي ﷺ بل يدخل معه فيها كل من عمل عملاً صالحاً يرضاه الله ويحبه. ذكر المُصنِّفُ ﵀ مراتب المحبة ليبين لنا أن الخلة هي أعلى مراتب المحبة، والمحبة مراتبها كثيرة، ولكلٍ فيها وجهة نظر من حيث ترتيبها وتقسيمها. فبعض العلماء يرى أن هذه الدرجات من قبيل المترادفات؛ لأن الشعراء العرب عندما يذكرون الحب أو العشق أو الصبابة أو الخلة أو التتيم يذكرونها عَلَى أنها مترادفات، يعطف بعضها عَلَى بعض حسبما تقتضيه ضرورة البيت الشعري، فَيَقُولُ: إنه يحبه أو متيم به ... إلخ. لكن بعض العلماء حاول أن يتلمس فروق بين هذه الأنواع ويجعلها درجات، وهذا هو ما ذكره المُصنِّفُ هنا نقلاً عن الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فإنه حاول أن يُفصّل هذه الأنواع وهذه الأقسام، وأشار إِلَى ذلك أيضاً شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀. العلاقة أول مراتب المحبة هي: التعلق، أو العلاقة ومعناها: وجود علاقة بين طرفين، وهذه هي الدرجة الدنيا في المحبة، وقد وردت في شعر العرب، كما يقول قال الأعشى: عُلّقتها عرضا وعَلِّقت رَجُلاً غيري وعُلِّق أخرى ذلك الرَّجُل فعُلق وتعلَّق بمعنى أحب. وعُلِّقتها: أي حُبِّبْت إلي وأحببتُها وحُبِّبْتُ فيها. وعُلِّقت رجلاً غيري، أي وهي تعلقت رجلاً آخر.

стр. 336

وعُلِّق أخرى ذلك الرجل: والرجل تعلق امرأة أخرى، أي: أحب تلك المرأة الأخرى، والعلاقة لم ترد في صفات الله تعالى، فلا يجوز لأحد أن يقول تعلقت الله، ولا يقول: إن الله تعلقه. الإرادة والثانية: الإرادة وهي ميل القلب إِلَى المحبوب وطلبه له، وقد وردت الإرادة بمعنى المحبة لله، فالله يقولوَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:٢٨] فجاءت الإرادة في حق الله ، وأنه هو أعظم مراد، ولهذا كَانَ أيُّ عملٍ خالص لوجه الله، فإنه يُقَالَ: إنه أريد به وجه الله، فالذين يريدون وجهه في قوله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّه [الروم:٣٨] أي: يحبونه ويطلبونه، فهو مرادهم ومتمناهم وغايتهم، فأعظم غاية وأعظم مراد وأعظم مطلوب هو وجه الله ﵎ وكذلك إذا قلنا: إن الله يريد منا الصلاة أو يريد منا الصيام، أو يريد كذا مما شرعه الله. فمعنى ذلك أن الله يحبه ويطلبه منا، كما سبق في أقسام الإرادة. الصبابة والثالثة: الصبابة وقد جاءت في أشعار العرب، والعرب كانوا يسمون المحب صباً، فيُقَالُ: فلانٌ صبٌ، أي: محب عاشق مُتيّمٌ إِلَى آخر هذه الأوصاف؛ لأنها مشتقة من انصباب القلب وتوجهه وميله. فكأن صاحبه لا يملكه وإنما هو منصب مثل انصباب الماء في المنحدر فلا يملكه صاحبه، والصبابة لا تطلق عَلَى الله لا منه ولا إليه . الغرام

стр. 337

والمرتبة الرابعة: الغرام، ومعناه: الحب الملازم للقلب كملازمة الغريم للغريم، يُقالُ: فلانٌ غَرِيمُ فلان، يعني خصمه الملازم له، الذي لا يدعه ولا يفكه، ولذلك قال الله في سورة الفرقان في الحديث عن جهنم: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:٦٥] أي: ملازماً دائماً، نسأل الله العفو والعافية، ولهذا لا يوصف الله بالغرام وكذلك لا توصف محبة الله بالغرام. ويجب أن يعلم أن هذه الكلمات: الغرام والعشق والصبابة والعلاقة والتعلق، تستخدمها الصوفية، في حق الله ، ولذلك يأتون إلى قصيدة قالها بعض الشعراء في معشوقته الحسية وهي المرأة فأخذوها وجعلوها في حق الله كما هي تماماً مثل البيت الذي كانوا يرددونه دائماً وينسبونه إلى الشبلي يقول: إنَّ بيتاً أنتَ ساكنُهُ غيرُ محتاجٍ إِلَى السُرج وجهكَ المأمونُ حُجتنَّا يومَ يأتي النَّاس بالحججِ هذه أصلها قصيدة قالها أحد الشعراء في محبوبته، يقول: إن البيت الذي هي فيه لا يحتاج إِلَى سراج، وأن وجهها حجته يوم يأتي النَّاس بالحجج، يعني: إذا سأله الله لماذا ضيعت الفرائض وضيعت الطاعات، ما هي حجتك في دنياك؟ فَيَقُولُ: هذه هي الحجة، فوجدوا أن الأنسب في المعنى أن يكون وجه الله هو الحجة يوم يأتي النَّاس بالحجج، وفعلاً من حيث المناسبة إن الشاعر بالغ حيث جعل وجه محبوبته هو الوجه المأمون وهو الحجة، لكنهم جاءوا بها كما هي وجعلوها في حق الله ، ونتج عن معنى البيت الأول: إنَّ بيتاً أنتَ ساكنُهُ غيرُ محتاجٍ إِلَى السُرج

стр. 338

اعتقادُ أنه ﵎ يحل في البيوت، كما يحل غيره تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهم إذ يقولون هذا البيت وأمثاله، إن جاءهم أحد من أهل السنة وسألهم: لماذا تطلقون هذا عَلَى الله؟ قالوا: نَحْنُ لا نعتقد هذا، ولا نقصد الحلول، وإنما استشهدنا ببيت من كلام العرب. بينما التلاميذ والمريدون حينما يقولونه تقع في قلوبهم هذه المعاني وتثبت وهو أنه يحل حيثما كانوا موجودين وأمثلة ذلك كثيرة. فكانوا يأتون إِلَى أرق الأشعار مثل أشعار مهيار الديلمي وأشعار عمر بن أبي ربيعة، ويجعلون أبياتهم الشعرية التي تغزلوا بها في من أحبوها من النساء العشيقات في حق الله ، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف ما هي الألفاظ التي يجوز أن تستخدم في حق الله ، وما هي الألفاظ التي لا يجوز أن تستخدم في حقه تعالى. المودة الخامسة مرتبة المودة: والود: هو صفو المحبة ولُبُّها؛ لأن خلاصة المحبة يسمى وداً، وقد جَاءَ هذا في القُرْآن يقول ﵎: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:٩٦] ومن صفاته تَعَالَى الودود، فهو ودود جل شأنه، وهذه من الصفات التي وردت وثبتت له . الشغف والمرتبة السادسة هي الشغف، يقولون: باطن القلب الرقيق جداً هذا هو شغافه، فما ملك شغاف القلب، ووصل إليه فهذا غاية المحبة وأعلى مما سبق من المراتب، وقد جَاءَ ذلك في القُرْآن الكريم عند الحديث عن امرأة العزيز في حبها ليوسف ﵇ عَلَى لسان النسوة اللاتى في المدينة، قلن: قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً [يوسف:٣٠] يعني وصلت محبته في قلبها إِلَى شغاف القلب وباطنه، فتمكنت بحيث لا يمكن أن تخرج، ولا يمكن أن تغادره، ولا يمكن أن تنسى هذا الحب ولا أن تلتفت عنه. العشق

стр. 339

المرتبة السابعة العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف عَلَى صاحبه منه، وقد وقع غرائب منه لكثير من الشعراء مثل قيس وليلى، وأمثالهم من العشاق حتى يصل بهم الأمر -نسأل الله السلامة والعافية- إِلَى حد أنه يكون كالمجنون يتبعها أينما ذهبت، يهيم بها فينشد الأشعار فيها وهو في كل مكان؛ لأن عشقها قد تمكن في قلبه حتى قالالمجنون: أُصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها أثنتين صليت العشاء أم ثمانيا وما بي إشراك ولكن حبها وعظم الهوى أعيى الطبيب المداويا نسأل الله العافية، يقول: أنا لا أشرك بالله؛ لكنني عندما أصلي لا أدري أصليتُ اثنتين أو ثمانيا؛ لأن قلبه قد شغله العشق ومحبة هذه المعشوقة حتى نسي كل شيء، هذا الوصف بهذه اللفظة أيضاً لا يطلق عَلَى الله ، فلا يُقَالَ: إن الله يعشق أحداً، ولا يجوز أيضاً أن يُقَالَ: إن أحداً يعشق الله ، فهذا لا يليق؛ لأن هذه الكلمة بالذات هي أكثر الأسماء دلالة عَلَى المحبة الشهوانية والحب الإباحي. فإذا قيل: عشق أو معشوق فهو الحب الشهواني الإباحي وهذا ينزه عنه الله ﵎ علواً كبيراً- وكذلك بالنسبة للمخلوقين، ومع ذلك فإن الصوفية يستخدمون هذه اللفظة كثيراً جداً في حق الله علواً كبيراً، ويستخدمونها في حق النبي ﷺ أيضاً، حتى أن بعضهم يكتبها عَلَى ورقة ويلصقها عَلَى البيت وعلى السيارة هكذا (عاشق النبي يصلي عليه) سُبْحانَ اللَّه! كيف يُقال عاشق النبي؟ كيف تُستخدم هذه اللفظة التي يستخدمها الإباحيون والشهوانيون في حقه ﷺ ؟ فضلاً عن كون هذه الطريقة بدعية، وحجتهم أنهم يقولون: لنذكرالنَّاس بالصلاة عليه ﷺ .

стр. 340

ولذلك لما قَالَ المُصْنِّفُ هنا: [وإن كَانَ قد أطلقه بعضهم] يقصد الصوفية، ثُمَّ يذكر أن العلماء أو الباحثين اختلفوا في سبب منع اطلاق العشق عَلَى الله منه وإليه، فقيل: لأنه لم يرد وهذا كلام صحيح. وقيل: غير ذلك، ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة، ولا تعارض بين السببين؛ لأنه أولاً: لم يرد، وما لم يرد لا نطلقه عَلَى الراجح، والأمر الثاني أيضاً: أن العشق كما بينا لا يكون إلا مع الحب الشهواني الإباحي، فهذه اللفظة مستهجنة ومستقذرة في حق الله فلا يجوز أن تطلق عليه. التَّتِّيم المرتبة الثامنة: وهو بمعنى التعبد، وكأن محبة المحبوب قد استعبدت هذا المحب حتى صار متيماً وكثيراً ما ترد هذه الكلمة أيضاً في أشعار العرب، وفي أخبار العشاق، فيُقَالُ: متيم بها، أو تيمتني، ومن أشعار الصوفية في مجالسهم: تيموني هيموني، أي جعلوني متيماً متعلق القلب ... الخ. وتَيَّم: معناها عَبَّد، ولذلك يُقَالَ: بنوا تيم الله، وتيم الله قبيلة من أحد أفخاذ قريش التي منها أبو بكر الصديق ﵁، فتيم الله معناها: عبد الله، وفلان متيم بالحب أي: مستعبد بالحب وصلت به محبته إِلَى درجة العبودية للمحبوب. التعبد المرتبة التاسعة التعبد: ومعناها أن يصل به الحب إِلَى أن يتعبد تعبداً ويقول إنه عبد، كما في البيت المشهور عن عنترة بن شداد: وأنا يا عبل عبد في الهوى ملك يمناك وفي القرب ابن عم يعني هو ابن عمها في النسب، ولكنه في الحب عبد، وكثيراً ما يذكر ذلك الشعراء.

стр. 341

يقول: وأصبحت في الحب عبدا، أي: أنه قد أصبح في الحب عبداً رقيقاً يملكه المحبوب أو المحبوبة، نسأل الله أن يعافينا وإياكم من هذا الداء الخبيث، فداء العشق داء عضال، والمناسبة فإن كتاب الجواب الكافي لابن القيم ﵀، كَانَ سبب تأليفه أن رجلاً عشق واجتهد في أن يزيل هذه المصيبة عن قلبه، فلم يستطع ويريد السبيل إِلَى علاجها أو إِلَى حلها. فكتب إِلَى ابن القيم ﵀ سؤالاً فيه الحياء وفيه اللطف والرقة، قَالَ: ما تقولون رحمكم الله أو ما رأيكم في رجل ابتلي ببلية فصبر وسكت ... الخ، ففهم ابن القيم ﵀ المعنى بأنه ابتلي بعشق امرأة وتمكن ذلك من قلبه ولم يستطع أن يفارقه فما هو الحل؟ فكتب الإمام ابن القيم ﵀ كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي وكان هذا جواباً كافياً فعلاً، تحدث فيه عن أضرار المعاصي جملة وخطرها، ثُمَّ فصل الكلام في ضرر العشق - ومفاسده وفيما يجره عَلَى الإِنسَان، ومن أعظم ما ذكره وما نبه عليه في ذلك أن الإِنسَان إذا تعلق قلبه شيئاً ما وعشقه وأحبه فإنه يذكره عند موته، وعند الخروج من هذه الدنيا والإقبال عَلَى الآخرة، وينسى الأمور الثانوية، ولا يكون في قلبه إلا الشيء الذي كَانَ في دنياه والأساس الذي كَانَ متمكناً من قلبه وشاغلاً ذهنه هو الذي يذكره عند الموت، ولذلك يخشى عَلَى هَؤُلاءِ العشاق أن يموتوا عَلَى غير الإسلام؛ لأن أحدهم يأتيه الموت وهو لا يتذكر إلا هذه المعشوقة أو هذه الحبيبة.

стр. 342

وذَكَرَ عَلَى ذلك أمثلة من واقع التاريخ مثل الرجل الذي جاءته امرأة تريد حمام، والحمام معروف عند العرب قديماً أنه مكان كبير فيه أدوات النظافة والاستحمام وما أشبه ذلك، فكانت تريد الحمام، وكان بجواره حمام منجاب فوقفت وسألت هذا الرجل، فقالت له: أين حمام منجاب، فَقَالَ لها من هنا، ودلها عَلَى بيته فدخلت البيت ودخل هو معها البيت وأراد أن يفعل بها الفاحشة ولم يستطع، المهم أنه تعلقها من ذلك الوقت، فابتلاه الله بمحبتها فوقعت في قلبه فعمل في ذلك أبياتاً: يارب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إِلَى حمام منجاب وكان يكرر هذه القصيدة، فلما جاءه الموت -نسأل الله السلامة والعافية ونسأل الله لنا ولكم حسن الختام- قالوا له: قل لا إله إلا الله، اذكر الله، فقَالَ: يارب قائلة يوماً وقد سألت أين الطريق إِلَى حمام منجاب وما زال والعياذ بالله يكرر هذا البيت حتى قبضه ملك الموت - نسأل الله السلامة والعافية - فهذا داء خطير ابتلى به النَّاس في كل زمان وفي كل مكان، والله لما ذكر قصة يوسف ﵇ في القُرْآن ذكر من العبر المستفادة: كيف تتمكن هذه الشهوة، وكيف يكون العشق، وما هو العلاج الذي يتخذ في علاج هذا المرض، وسبق أن قلنا: إن التعبد هو: أن يستشعر المحب أنه قد صار عبداً لمحبوبه، وهذه اللفظة تطلق عَلَى الله منا وهذا معلوم ولا خلاف فيه، لكن -كما تعلمون ولا خلاف في ذلك- لا يطلق عَلَى محبة الله لنا أنها تعبدية، تَعَالَى وجل شأنه عن ذلك. الخلة المرتبة العاشرة الخلة: وهي التي من أجلها جئنا بهذه المراتب، لنصل إِلَى أعلى درجات المحبة وهي الخلة، فالخلة هي أعلى ما يتصور من درجات المحبة، حتى في كلام العرب، يقول الشاعر: قد تخللتِ مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً

стр. 343

أي الذي تخللت محبته مسالك القلب ومسالك الروح فهذا يسمى خليل، وأما بالنسبة لله فإن النبي ﷺ عندما قَالَ: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) لأنه قد اتخذا الله خليلاً، فمحبة الله قد تخللت مسالك الروح منه ﷺ ، ولا يزاحمه أحد من المخلوقين عَلَى الإطلاق، وكذلك بالنسبة لله فإن الله تَعَالَى يحبه محبة لا يحبها أحداً من العالمين، يحب إبراهيم ويحب محمداً ﷺ محبة لا يحبها غيرهما من الناس. وأما المعنى اللغوي وهو: التخلل، فلا يكون إلا في حق المخلوقين ليس في حقه . هذه هي المراتب العشر، وكما يقول المصنف: [إنه قد قيل فيها غير ذلك] ، فقد قيل: إنها من باب المترادفات، وقيل: إن لها تفسيراً آخر، لكن هذا الترتيب من أفضل أنواع الترتيب، ومن تأمله وجد أنه من أحسن ما ذكر في الترتيب. لما ذكر المُصنِّفُ المراتب العشر للمحبة بيّن أنها لا تطلق كلها عَلَى الله إنما يطلق ما ورد، فقَالَ: [واعلم أن وصف الله تَعَالَى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تَعَالَى وعظمته كسائر صفاته تعالى] . نثبت له أنه يُحب، ونثبت أنه اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ محمداً ﷺ خليلاً، لكن خلته تَعَالَى ومحبته تليقان بجلاله، لا تشبه خلة المخلوقين ولا محبتهم.

стр. 344

إنما يوصف الله تَعَالَى من هذه الأنواع الأربعة فقط: بالإرادة، وبالود، وبالمحبة، وبالخلة فالإرادة قد جاءت في الوحي كما ذكرنا في مبحث الإرادة وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧] وهي بمعنى: يُحب ذلك، فهذه مرتبة من مراتب المحبة التي هي الإرادة فقد ورد النص بها في حق الله ﵎، ووردت صفة الود إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:٩٦] وصفة المحبة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:٢٢٢] ، وصفة الخلة (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) هذه الأربع فقط هي التي يوصف بها الله ، والسِّتُ الباقية لا يوصف بها الله وهي: الغرام، والصبابة، والعشق، والتتيم، والشغف، والعلاقة. قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [وقد اختُلفَ في تحديد المحبة عَلَى أقوال نحو ثلاثين قولاً] والتحديد معناه: التعريف للمحبة، والمتكلمون اختلفوا في ذلك، فمنهم من يقول: تعلق القلب، ومنهم من يقول: ميل القلب وإرادته الشيء، ومنهم من يقول غير ذلك، إِلَى أن أتوا بثلاثين تعريفاً. وكلها لا فائدة فيها؛ لأن توضيح الواضح من المشكلات، والمحبة أوضح من أن نُعرّفها الطفل الصغير جداً، فلو قلت له: تُحب كذا، فيقول لك: نعم، فهو يعرف معنى المحبة.

стр. 345

فلا داعي إِلَى القول أنه لا بد أن نعرف المحبة، ونضع لها حداً منطقياً، وهذا الحدّ يكون جامعاً مانعاً لا يدخل عليه اعتراض؛ لأن المحبة شيء واضح لا يحتاج إِلَى أن يُعرَّف، وهذه القضية من القضايا التي نُعرَفُ بها -نحنأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ - بطلان ما يُسمى بعلم المنطق، وننقض بها هذا الذي يسمونه المنطق؛ لأن المناطقة يقولون: إن الأشياء لا تدرك حقائقها إلا بالحدود والتصور، كما يقولون: لا ينال التصور إلا بالحد، فلا بد أن نضع حداً عَلَى الطريقة المنطقية، وذلك بأن تضع التعريف، ثُمَّ بهذا التعريف تعرف الشيء وتميزه عن غيره، وبغير ذلك لا نعرف أي شيء. فرد عليهم شيخ الاسلام ابْن تَيْمِيَّةَ؛ بل رد عليهم جميع العقلاء أن النَّاس يدركون حقائق الأشياء ويعرفونها من غير تعريف، والنحويون الأولون لما أرادوا أن يعرفوا ما هو الاسم؟ وما هو الفعل؟ كانوا يعرفون الأشياء تعريفاً بسيطاً، كقوله: الفعل مثل: ضرب، والاسم مثل: زيد، والحرف مثل: من، وفي، وعلى، فلما دخل علم المنطق النحو، عرَّفوا الاسم بأكثر من سبعين تعريفاً، وكذلك تكلم الفقهاء في تعريف الزكاة قبل أن يعرفوا علم المنطق، فلما دخل المنطق قالوا في تعريف الزكاة: إخراج مالٌ مخصوص في وقت مخصوص لطائفة مخصوصة. فإذا قلنا لهم: إن الزكاة معروفة، قالوا: لا، هذا هو التعريف الجامع المانع، وهو ليس فيه فائدة، إنما هو كلام كله لا ينفع. وهكذا المحبة ولذلك نقول: إن الأشياء الواضحة لا تحتاج إِلَى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك، فتعريف الجوع عجز عنه الأطباء والفلاسفة، وقالوا عن الماء: إنه سائل شفاف ... سُبْحانَ اللَّه!

стр. 346

إن الماء لا يجهله أي إنسان، وهذا مما نعرف به فساد ما يُسمى علم المنطق، والمناطقة إنما جاءوا بهذا العلم لمواجهة مجانين السفسطة الذين أنكروا حقائق الأشياء، فتثبت لهم الحقائق عن طريق التعريف العقلي المنطقي، حتى يؤمنوا بها ويثبتوها، هكذا كَانَ يريد علماء اليونان لمَّا وضعوا علم المنطق. والمنطق قسمان: القسم الأول: الحدود وهو هذا الذي تكلم عنه المُصنِّفُ هنا. والقسم الثاني: في البراهين عَلَى صدق القضايا. وخلاصة ما سبق أن المحبة أوضح وأجلى من أن تعرف أو يكون لها حد، فمحبته هي عَلَى المعنى الذي يليق بجلاله مثل سائر صفاته، ومحبة المخلوقين له معروفة ولا تحتاج إِلَى إيضاح ولا تحديد ولا تقييد. قالأبو جعفر الطّّحاويّ ﵀: [وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء، والأدوات، لاتحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] . قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [أذكر بين يدي الكلام عَلَى عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نُفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي، ولهذا كَانَ النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتيها مالا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنىً باطلاً مخالفاً لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان.

стр. 347

ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تَعَالَى بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نَحْنُ متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني: باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كَانَ معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك] اهـ. الشرح:

стр. 348

المقصود من كلام المُصنِّفُ ﵀ هو إيضاح وتبيين قاعدة من القواعد المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها وهي: ما يتعلق باستخدام الألفاظ أو الإطلاقات التي تطلق في حق الله ، ما الذي نستعمل؟ وما الذي لا نستعمل من الألفاظ في حق الله ؟ فكل أحد من النَّاس يعبر عن المعني الذي يريده باللفظ الذي يريده، والنَّاس متفاوتون في المعاني، وقد يتفق الكثير من النَّاس عَلَى المعنى الواحد في أنفسهم، لكن يتفاوتون في التعبير عنه بالألفاظ فمثلاً: لو وقع أمر من الأمور أمام مجموعة من النَّاس وأخذتَ هَؤُلاءِ النَّاس واحداً واحداً وسألتهم لوجدت أن هذا عبر بتعبير يختلف عن هذا، وهذا أبلغ من ذاك وهكذا، والجميع يعبرون عن شيء واحد رأوه، فما بالك بالتعبير عن معانٍ غيبية لا تدرك بالحواس فإذاً لم يترك الأمر لاختيار البشر أو إِلَى الرأي الذي يرى الإِنسَان أنه ينزه به الله أو يصفه به، إنما كَانَ الأمر كما هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أمراً توقيفياً. والمقصود هنا هو هذه الألفاظ التي يستخدمها المتكلمون والفلاسفة والتي وقع فيها صاحب المتن الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀ فإنه استخدم هذه العبارات، كما قال في هذه الفقرة [وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] أو كسائر المبدعات، فاستخدم عبارات نفى فيها عن الله أمراً لم يرده نفيه في الكتاب ولا في السنة فما هو موقف علماء السلف وغيرهم من أمثال هذه العبارات؟ موقف الناس من إطلاق الألفاظ المجملة: يقول المُصْنِّف ﵀: [أن للناس في إطلاق هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: طائفة تنفيها بإطلاق] يعني: يقولون نَحْنُ لا نستخدم هذه العبارات، بل ننفيها نهائياً، أو ننفي ما دلت عليه هذه العبارات بإطلاق.

стр. 349

[وطائفة تثبتها] فيقولون: نَحْنُ نثبت هذه العبارات أو نثبت نفيها سواءً كانت سلباً أو إيجاباً، لأن المراد بها معنىً حسناً يقصد به تنزيه الله ، فلماذا ننفيها؟ والأولون قالوا: إنها تحمل معنى غير لائق بالله ، فلماذا نثبتها؟ فهما قولان متقابلان متناقضان. [وطائفة تُفصِّل وهم المتبعون للسلف] تقول: هذه العبارات المستحدثة لا ننفيها بإطلاق ولا نثبتها بإطلاق، بل نُفصِّل في ذلك. ومن عمدة هَؤُلاءِ الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فإنه لما وقعت فتنة والقول بخلق القرآن، أُتي بالإمام مقيداً بالأغلال، وأُتي بأئمة الاعتزال والبدع، الذين كانوا قد زينوا الأمر للخليفة وأن هذا عَلَى بدعة -يعنون الإمام أَحْمَد - فكانوا يسألون الإمام أَحْمَد، وكان الإمام أَحْمَد ﵁ ورحمه يضع قاعدة عامة في كل مناظرة ثُمَّ بعد ذلك يناقش عَلَى هذه القاعدة يقول: [ائتوني بشيء من الكتاب أو السنة، يقولون له: يا أَحْمَد قُل القُرْآن مخلوق، فَيَقُولُ: ائتوني بشيء من الكتاب أو السنة، فجاءه رجل من هَؤُلاءِ يدعى برغوث وهو من المعتزلة ومن الجهلة، لا علم له في الكتاب ولا في سنة رَسُول الله ﷺ ، وإنما هو رجل تعلم من كلام اليونان ومن فلسفة المجوس والصابئين، فأصبح يرى ويظن أن هذه الأمور العقلية أعظم مما جَاءَ في الكتاب والسنة وما عرفه السلف، ولهذا تصدى لمناظرة الإمام أَحْمَد ﵀ ليفحمه وليبين له أنه عَلَى خطأ. فقال له برغوث يا أَحْمَد! يلزمك إن قلت: إن القُرْآن غير مخلوق أن تثبت أن الله جسماً؛ لأنه إذا كَانَ غير مخلوق يكون عرضاً، والأعراض والأفعال لا تقوم إلا بالأدوات أو بالأجسام.

стр. 350

فقال الإمام أَحْمَد ﵀: أقول في ربي أنه كما قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:١-٤] وأما الجسم وأمثاله فلا نقول فيه لا نفياً ولا إثباتاً؛ لأن هذا شيء لم يأت لا في الكتاب ولا في السنة ولم يبلغنا عن السلف فلا يلزمني شيء، ولا يلزمني أنه جسم، وهكذا استمر الأمر في أكثر المناظرات. فهذه قاعدة عظيمة أرساها الإمام أَحْمَد ﵀، وقد أخذها عمن قبله من العلماء ونقلوها لنا، وهي: أننا في كل المعاني المحدثة أو الألفاظ التي تحتها معاني محدثة، فإننا لا ننفي ولا نثبت إلا ما جَاءَ في الكتاب أو السنة أو أقوال السلف هذا هو الذي نستخدمه، وما عدا ذلك فإننا نستفصل: ماذا تريد أيها المثبت؟ وماذا تريد أيها النافي؟ فإن ذكر معنىً حقاً، وقَالَ: أنا أريد بنفي الحدود نفي الجهة، أنا أنزه الله تَعَالَى عن الحلول عن الحركة، وأقصد تنزيه الله عن أن يشبه المخلوقات، قلنا: المراد صحيح ولكن عبارتك خاطئة، فعليك أن تنزه الله بما نزه به نفسه أو نزهه به رسوله ﷺ ولا تتعدي ذلك ولا تخرج عنه. وإن قَالَ: أنا أقصد بنفي الانتقال ونفي الحركة به أن الله لا ينزل إِلَى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة، قلنا له: أخطأت وهذا كلام أهل البدع: يردون الحديث الصحيح الثابت المتواتر بأمثال هذه الجدليات والعقليات التي لا أصل لها من الشرع، فلفظك مبتدع ومعناه مبتدع، فنرد اللفظ والمعنى معاً.

стр. 351

وإذا نظرت في أي كتاب من كتب الكلام وكتب العقائد البدعية كالأشعرية والاعتزالية فإنك لا بد أن تجد هذه العبارات عنده، ومن الممكن أن تسأل أيّ واحد منهم السؤال البسيط الذي سأله النبي ﷺ الجارية التي كانت ترعى الغنم، فعدا الذئب عليها وأخذ منها غنمة فجاء معاوية بن الحكم فصكها، ثُمَّ ندم عَلَى ضربها واستشعر الظلم؛ فأراد أن يكفر عن هذه اللطمة بأن يعتقها، وكانت أمهُ قد نذرت أن تعتق أمة مؤمنة، فيكون بذلك قد أرضى أمه حيث أعتق عنها ووفَّى بنذرها، وأحسن إِلَى هذه الجارية، لكنه لا يدري أتجزئ هذه الرقبة أو لا تجزئ لأنها أعجمية، ولا يدري حقيقة إيمانها؟! فذهب بها إِلَى رَسُول الله ﷺ وقَالَ: (يا رَسُول الله! إن أمي عليها عتق رقبة وإن هذه الجارية ترعى لي الغنم، وإن الذئب قد عدى عَلَى الغنم فأخذ منها شاة، وأنا بشر آسف كما يأسفون، فصككتها صكة فهل تجزئ في العتق) ؟! والحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه ورواه الإمام أَحْمَد في أكثر من موضع من المسند ورواه كثير من العلماء ولا شك في صحة هذا الحديث، والمراد معرفة أن هذه الجارية مؤمنة أم غير مؤمنة؟ وليس المراد هنا أعلى درجات الإيمان، وإنما إثبات إسلامها، فسألها النبي ﷺ عن أوضح شيء في العقيدة (فَقَالَ لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، وأشارت بإصبعها إِلَى السماء) هذا هو السؤال الأول أجابت عليه بالإجابة الصحيحة. والسؤال الثاني: (قَالَ: من أنا؟ قالت: أنت رَسُول الله، قَالَ: أعتقها فإنها مؤمنة) أي: مسلمة فعتقها يجزئ؛ لأنها من هذه الأمة ومن الْمُسْلِمِينَ.

стр. 352

ومن أعظم معرفة الله أن يعرف أنه فوق المخلوقات، والقصد أنهم يقولون: وهو تَعَالَى يتنزه عن المكان والزمان والجهة بلا أين؟ ولا متى؟ ويذكرون في ذلك أثراً مكذوباً موضوعاً عَلَى أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أنه سأله رجل أين الله؟ فقَالَ: لا يُقال لِمَن أيّن الأين: أين؟ كأن معناه لا يُقال لِمَن خلق المكان الذي هو "أين" وجعله "أيناً": أين؟ أي: لا يُسأل عن الله بالأين، وكثير من النَّاس يظن أن من تنزيه الله أنك لا تسأل عنه بأين، فإذا قلت: أين الله؟ يقول: استغفر الله أنت تقول: إن الله في جهة وإن الله محصور -مع أنك لم تقل: إن الله محصور أو إنه في جهة- والسؤال بـ"أين" قد فعله رَسُول الله ﷺ ؟ فهل أحد أعلم بالله من رسوله ﷺ ؟! إذاً: نقول: إن الله فوق المخلوقات، في العلو، ولا نضيف من عند أنفسنا عبارات -بلا مماسة، ولا محاسبة- لم تأت لا في كتاب ولا في سنة فهو سبحانه في السماء أي: في العلو، كما أخبر تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] ، وهكذا في حديث الإسراء لمَّا عُرِج به ﷺ إِلَى أن صار في المقام العظيم الذي سيأتي الكلام عنه إن شاء الله، والأدلة كثيرة ومتواترة تعد بالآلاف كما ذكر ذلك ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الصواعق المرسلة، من الآيات والأحاديث والبراهين العقلية والفطرية. هذه الألفاظ في اصطلاح المتأخرين فيها إجمال وإيهام

стр. 353

يقول المُصْنِّف في تعليل الاستفصال من القائل بهذه العبارات البدعية: [لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي] هذا مع أن المعاني اللغوية تتفاوت، وهذه شبهة يجب أن نتنبه لها، وهي: أن بعض النَّاس يقول القُرْآن نزل بلسان عربي مبين ولغة العرب مفهومة، فلو أردنا أن نفهم معاني الصفات أو غيرها التي في القرآن، فلنرجع إِلَى لغة العرب، فنقول: هذا الكلام بإطلاق خطأ، لماذا؟ لأن مجرد الإحالة إِلَى اللغة، إحالة إِلَى أوجه واحتمالات لا ضابط لها، فلغة العرب أوسع اللغات، فإنه يقَالَ: إن للأسد خمسمائة اسم، وللشمس كذلك خمسمائة أو ثلاثمائة، وهكذا كثير من الأشياء، فاللغة واسعة. فإذا قلنا: نفهم القُرْآن كما يفهم من لغة العرب، فإننا سنجد أن الكلمة القرآنية أو النبوية لها عدة معانٍ في اللغة العربية. فإذا أردنا أن نفهم القُرْآن فإننا نرجع إِلَى فهم النبي ﷺ أو إِلَى تفسيره، وإلى فهم الصحابة وفهم السلف الصالح سواء كَانَ ذلك فهماً خاصاً تناقلوه من عند أنفسهم أو عن أثر مرفوع إِلَى الرَّسُول ﷺ فالفهم الذي فهموه لا نتعداه لأن عندهم اللغة وزيادة، ولأنهم أفصح العرب، فالنبي ﷺ وأصحابه من أفصح العرب، وعندهم الوحي الذي علمهم الله ورسوله ﷺ إياه، فلا نعدل عن أي معنى فهموه إِلَى أي معنى آخر، وإن كَانَ ذلك المعنى وارداً صحيحاً في لغة العرب

стр. 354

يقول المصنف: [ولهذا كَانَ النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً] فنرد عَلَى الطائفة التي تنفي هذه الألفاظ بأنكم أيها النفاة تنفون بها حقاً وباطلاً، فعندما يقول أحدهم: أنفي عن الله الأعضاء والجهة، ثُمَّ يأتي أحدهم ويقول: نَحْنُ ننفي هذا النفي؛ فإن هذا النافي يكون قد نفى حقاً وباطلاً في نفس الوقت؛ لأنه يحتمل أنه نفى مراد ذلك، وهو حق وصحيح وهو نفي التشبيه والتمثيل، ونفى معه المعنى الباطل وهو إنكار صفة العلو مثلاً، فهو نفي حقاً وباطلاً معاً، ويذكرون عن مثبتها مالا يقول به. يقولون: إن من يثبت العلو -مثلاً- لله فإنه يثبت له المكان أو الجهة، ويقولون: أنت تقول: إن الله تَعَالَى محصور -تعالى الله عن ذلك- مع أنك لم تقل ذلك، لكن بناءً عَلَى الإثبات قالوا: أنت تثبته، والطرف الآخر من المثبتين يقول: نثبت هذه العبارات بإطلاق؛ لأنها صحيحة؛ ولأن فيها تنزيه لله ، فأثبت مع المعنى الصحيح الذي يريده؛ المعنى الباطل الذي يحتمله هذا التعبير. الموقف الصحيح من الألفاظ المستحدثة والموقف الصحيح في الألفاظ المجملة أننا نفصل فيها كما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وليس لنا أن نصف الله تَعَالَى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نَحْنُ متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب أعني: باب الصفات فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني] .

стр. 355

فنقول في النفي كما قال الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٤] ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:٦٥] وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:٢٥٥] ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] ونثبت ما أثبت في كتابه كاليد والوجه والنفس، وفي السنة كالنزول والقَدم التي أولها أهل البدع. قال المصنف: [وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها] مثل كلمة الجسم، أو الجهة، أو لا تحل فيه الحوادث، أو تنزه تَعَالَى عن الحوادث، أو نفي الحركة، أو نفي الانتقال، أو لا تتغير أحواله، وأمثال تلك العبارات التي يستعملها أهل البدع. فيقول المصنف: [لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كَانَ معنىً صحيحاً قبل] فنقبل هذا المعنى، ولكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، وينبغي أن يعبر عنه بما ورد دون الالتجاء إِلَى الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد، قَالَ: [والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها] . ومن أراد التفصيل في هذا فليرجع إِلَى منهاج السنة (١/٢٥٨) فقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِم قصةَ الإمام أَحْمَد مع برغوث وذكر استخدام كلمة الجسم، وذكر القاعدة في مثل هذه الألفاظ، وكلام المُصْنِّف هذا قريب من كلام شَيْخ الإِسْلامِ. ومن الحاجة أن يكون الرجل أعجمياً لا يفهم من لغة العرب شيئاً، فعندما تريد أن تعلمه ما يعرف به ربه ، فلا بد أن تعلمه بلغته لكي يفهم، فهذه هي الحاجة وبلا شك أن المعنى الذي في اللغة الأردية أو اليابانية أو الإنجليزية يستخدم في حق المخلوقين، وقد ينصرف ذهنه إِلَى أننا نصف الله بما يتصف به المخلوق، لكن نبين المعنى مع الإتيان بقرائن تبين المراد.
следующие страницы →