Полный текст (1 990 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وعندما يقولون: إنه صُلِبَ، فقد ردَّ اللهُ عَلَى كذبهم بقوله: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:١٥٧] فيقولون كما في بعض الأناجيل: إنه لما وضع عَلَى الصليب قَالَ: إيلي إيلي باللغة السريانية يعني إلهي إلهي! أو يا ربي يا ربي! أو يا الله يا الله! لماذا تركتني؟! فلما نادى عيسى هذا النداء في هذه الحالة كَانَ في الحالة البشرية الناسوتية؛ لأنه دعا الله، لكن بعد ثلاثة أيام من الصلب كما يزعمون عاد ورجع وخاطب النَّاس ورأوه وكان في صورته الإلهية.
فالنَّصَارَىهذا دينهم وهذا مفهومهم في الكلمة فكيف نأخذ كلامهم، حتى لو قال الأخطل هذا البيت وثبت عنه فلا نأخذ بكلام شاعر نصراني هذه عقيدته في الكلام وفي المسيح ﵇ ويقول المُصْنِّف في ذلك: [أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام عَلَى معنى الكلام، ويُترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب] وهذا غير ممكن.
الوجه الرابع: أن معنى البيت غير صحيح
لأن لازمه أن يكون الأخرس متكلماً كما قد أوضحنا ذلك مراراً، فإذا كَانَ الكلام هو ما في الفؤاد، وليس ما ينطق به اللسان، فإن الأخرس الذي لا يتكلم بلسانه يسمى متكلماً؛ لأنه بطبيعة الحال يفكر بقلبه، ويحدث نفسه بأشياء ويتكلم في نفسه عَلَى هذا المفهوم، ثُمَّ يؤشر بإشارة ويُعبر فيفهمُ النَّاس أنه يريد كذا أو يريد كذا.
الاستدلال بخبر الآحاد والرد عليهم
стр. 737
هنا قضية مهمة لابد أن نعلمها وهي من أهم الأصول في مسائل العقيدة وهي موضع الفصل بين أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من جهة، وبين غيرهم من الطوائف من جهة أخرى، وهي ما أشار إليه المُصْنِّف ﵀ تَعَالَى بقوله: [ولو استدل مُستدلٌ بحديث في الصحيحين لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء عَلَى تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به] أي: لو جئناهم بحديث من الصحيحين قد اتفق العقلاء عليه وعلى تلقيه بالقبول، وقلنا لهم: هذا كلام رَسُول الله ﷺ ، فإنهم يقولون: هذا خبر آحاد وخبر الآحاد لا يحتج به في العقيدة، هذا مذهب عموم أهل الكلام والمعتزلة والأشعرية.
فيحتجون كما يقولون بالبراهين القطعية الثابتة، أما الأدلة الشرعية، فهم يقولون: إن ما جَاءَ في القرآن، وما جَاءَ في السنة فإنها عَلَى أحد نوعين:
النوع الأول: إما أن تكون الآيات أو الأحاديث متواترة.
النوع الثاني: أن تكون الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ آحاداً، أما الآحاد فلا يشتغلون بها نهائياً، حتى قال قائلهم وهو أبو المعالي الجويني: إن اشتغلنا به عَلَى سبيل التبرع فنؤوله، وإذا أولناه فلا ننظر إليه نهائياً مادام أنه في باب العقيدة، لكن لو اشتغلنا به فهو تبرع منا أو تطوع ونؤله، هذا موقفهم من خبر الآحاد وبهذا نعرف ضلال أصحاب علم الكلام ومدى ما وقعوا فيه من الحيرة والشك والريب الذي اعترى قلوبهم لما أن تركوا الهدى الواضح ومالوا إلى القواعد والبراهين العقلية التي قررها أفلاطون وأرسطو وأمثالهما، وأما القرآن والسنة فنؤلهما لتوافق هذه القواعد.
стр. 738
إذاً ما الفائدة من إنزال القرآن؟ أمن أجل أن نشتغل بتأويله ليوافق ما قاله أرسطو وأفلاطون! ومن ثُمَّ ننظر ما ثبت متواتراً منها اشتغلنا بتأويله وما كَانَ آحاداً رددناه! فهذا مضيعة مشغلة، وكان الأولى أن نشتغل ونجعل الوقت والجهد كله فيما قرره هَؤُلاءِ من القواعد والبراهين وننتهي من إضاعة العمر في رد ونقض القُرْآن والسنة وتأويلها لتوافق ما قالوا.
هذا هو لازم لهم بأي حال من الأحوال ولا يمكن أن يحيدوا عنه أبداً والواقع معلوم، وكما يعلم كل ذي لب من مؤرخ أو مفكر مؤمن وغير مؤمن أن علم اليونان وعلم غيرهم كَانَ موجوداً قبل بعثة النبي ﷺ وكان متداولاً حتى في بعض الأقطار التي فتحها الْمُسْلِمُونَ مثل بلاد الشام وبلاد مصر وكانت هذه الفلسفات معروفة فماذا أغنت عنهم وما أعطتهم من الحق والهدى؟ لم تعطهم إلا الضلال والحيرة والعياذ بالله، فلا بد إذاً من الرجوع إِلَى الكتاب وإلى السنة.
ولو نظرنا إِلَى ما يمكن أن نرد به علىهَؤُلاءِ من واقع دعوة النبي ﷺ فسنجد الإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عقد باباً في صحيحه سماه أخبار الآحاد وأيضاً كتاباً آخر أسماه الاعتصام بالكتاب والسنة، وقد تعمد الإمام البُخَارِيّ ﵀ أن يعقد هذا الباب لينبه إِلَى هذه المسألة المهمة، ويبين لنا خطر ما يدعو إليه أُولَئِكَ المتكلمون وذكر فيه جملة من الأحاديث التي تبين وتقطع ببطلان دعوى التواتر.
ومن ذلك النبي ﷺ لمّا بعث الرسل إِلَى ملوك الأرض قاطبة ليبلغهم العقيدة فبعث دحية الكلبي إِلَى هرقل ملك الروم وهو رجل واحد ولم يبعث عشرين ولا ثلاثين ولا سبعين.
وبعث إِلَى الفرس أيضاً رجلاً واحداً.
стр. 739
وبعث كذلك إِلَى المقوقس ملك، أو عظيم القبط رجلاً واحداً، ولنفرض أنهم رجلين، فهذا لا يؤثر، فقد بعث النبي ﷺ معاذاً إلىاليمن ثُمَّ أبا موسى الأشعري وهم آحاد ولم يصل العدد إِلَى حد التواتر، وقد كَانَ يأتي إِلَى النبي ﷺ الرجل مثل عامر بن الطفيل الدوسي ومثل ضمام الذي قال أنا ضمام أخو بني سعد بن بكر، فسأل النبي ﷺ عن التوحيد والإيمان ثُمَّ رجع وأنذر قومه وبلغهم.
وكثير من هَؤُلاءِ الصحابة الذي كَانَ يذهب الواحد منهم ويعود إِلَى قومه ويبلغهم عن النبي ﷺ ، وكذلك أهل المدينة كيف دخلوا في الإسلام، هل أرسل لهم النبي ﷺ عدد التواتر؟
إنما بعث إليهممصعب بن عمير ﵁ رجلاً واحداً أدخلهم في الإسلام حتى أنهم استقبلوا النبي ﷺ بالأحضان من أول يوم وصل المدينة، وإذا به سيد المدينة، وحاكمها المطلق، فآمنوا واهتدوا وهم أفضل الأمة بعد المهاجرين بدعوة رجل واحد.
فدعوى من يقول: إن العقيدة لا تؤخذ عن الخبر الواحد دعوى واضحة البطلان، ومن ذلك ما يقول به كثير من النَّاس اليوم، الذين يردون بعض الأحاديث الصحيحة، كحديث الذباب فيجدر بنا أن نتنبه إِلَى خطورة هذه القضية: بعض النَّاس قد يكونون إسلاميين أو دعاة أو ما أشبه ذلك، ولكنهم منحرفون في هذه القضية ولا يضرنا ذلك ومن ذلك ما راج من بدعة إنكار آحاد السنة وبالذات حديث الذباب الذي صح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) فردوا هذا الحديث مع أنه حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ وَقَالُوا: إن العلم يثبت أن هناك ميكروبات، فكيف يردونه؟
стр. 740
قالوا: هذا آحاد، لم يثبت بالتواتر، سُبْحانَ اللَّه! ولو أننا من أجل حديث الذباب لا بد أن نأتي برواية أربعين عن أربعين، أو ثلاثين عن ثلاثين، أو سبعين عن سبعين، فمعنى ذلك أن لا إله إلا الله والصلاة لابد له من رواية ألف عن ألف عن ألف، حتى تثبت وهذا شيء عجيب، وإذا كانوا يريدون التواتر في الذباب إذاً متى يقبلون منَّا خبر الآحاد؟ ولماذا يجهد البُخَارِيّ ومسلم والإمامأَحْمَد أنفسهم ويجمعون الطرق.
وبعض الصحابة ما روى إلا حديثاً واحداً عن رَسُول الله ﷺ وما لقيه إلا تابعي واحد أو اثنان، فمعنى ذلك: أن من كَانَ الراوي له من التابعين واحد أو اثنان أو أقل من التواتر فإننا نرد جميع أحاديثه، ومن ذلك بعض أمهات المؤمنين؛ لأنه لم يكن يدخل عليهن أو يخاطبهن إلا بعض أقاربهن فمعنى ذلك أن نرد كل ما روي عنهن؛ لأنه لم يرد عنهن عدد التواتر سبعين أو أربعين أو ثلاثين مثلاً مع الخلاف الذي بين المعتزلة، فهذه من أبطل الدعاوى وأكثرها بهتاناً وإفكاً فالغرض منها هو هدم الدين من أساسه ولكن غلَّفوا ذلك الهدم باسم أننا نريد التواتر ونريد أن نستوثق؛ لأن الراوي الواحد قد يخطئ وقد ينسى وقد يضل وغيرها من الاحتمالات ونحن لا ننكر أن بعض الرواة يخطئ، وهذا موجود!
وقد قال علماؤنا في نقدهم للأحاديث في المتون: هذه الكلمة مدرجة، وأخطأ الراوي في هذه الكلمة، وأصاب فلان، وَقَالُوا: هذا الحديث شاذ، والشاذ هو ما خالف فيه الثقة ثقات آخرين، فهم يعرفون هذا، فما قلنا ولم نقل: إن كل من روى له البُخَارِيّ أو مسلم أو كل من قال العلماء: إنه ثقة أو صدوق أنه معصوم لا يخطئ، لم يقل ذلك أحد من العلماء بإطلاق؛ لكن هل يرد حديثه بناءً عَلَى أنه غير معصوم؟!
стр. 741
ونضرب عَلَى ذلك مثالاً واقعياً: الآن هل يوجد طبيب في الدنيا معصوم لا يمكن أن يخطئ في أي علاج، لا، بل كل طبيب يمكن أن يخطئ، فلو جَاءَ وقَالَ: ما دام أنه كذا فتغلق جميع المستشفيات وجميع العيادات ولا نقبل أي شيء لأنه من الممكن أن يخطئ فمن الممكن أن يذهب أحد النَّاس ويعطي له إبرة أو حبوب أو شيء فيموت، فما دام أنَّ احتمال الخطأ وارد فلا نقبل من أي طبيب عَلَى الإطلاق، ويصبح النَّاس لا يتداوون ولا يتعالجون، فيقول النَّاس عن هذا: إنه مجنون فلو أنه أخطأ مرة أو مرتين فالخطأ يمكن أن يتدارك، ولو لم يتدارك فجانب المنفعة عظيم جداً والخطأ نزر وقليل فيغتفر ويحتمل.
فكذلك عندما يقولون ألستم تعترفون أن الرواة قد يخطئون نقول: قد يخطئ، فهل ما دام أنه قد يخطئ إذاً لا نقبل أي حديث، سُبْحانَ اللَّه!! هذا الكلام لا نقبله منهم، بينوا لنا أنه أخطأ في هذه اللفظة، ونحن لا نقول بهذه اللفظة، أعطونا الدليل عَلَى ذلك، قولوا: قال أَحْمَد، قال البُخَارِيُّ، قال ابن معين، قال ابن المديني، قال النَّسَائِيُّ، قال أبو داود: إن هذا أخطأ في هذه اللفظة ونحن نقبل هذا الكلام ولا مشاحة في ذلك؛ لأن هذا علم اسلكوا طريقه وتعلموه ثُمَّ ناقشونا به، لكن الرد بدون علم لا نقره، ولا يقره أي إنسان في أي علم فضلاً عن أشرف العلوم بعد كتاب الله، وهو علم السنة التي تكفل الله تَعَالَى بحفظها عن طريق هَؤُلاءِ الأئمة الثقات الأثبات.
وهناك لفتة عجيبة أشار إليها المُصْنِّف ﵀ بعد ذلك لما قَالَ: [وهنا معنى عجيب وهو أن هذا القول له شبه بقول النَّصَارَى] .
стр. 742
وهذا اتضح حينما قلنا: إن النَّصَارَىيقولون: حلَّ الناسوتُ باللاهوت، وهذا بمعنى أنه يقوم مقامه ويتكلم باسمه، فكذلك يقول هَؤُلاءِ: إن الكلام المخلوق الذي في المصحف هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، فالعلاقة بين المعنى القائم بالنفس، وبين الكلام المخلوق أو النظم الموجود بين الدفتين في المصحف تُشَابِهْ تماماً العلاقة التي تقولها النَّصَارَىبين الناسوت واللاهوت ففي هذا مشابهة عجيبة ودليل عَلَى أن هذه الفكرة أصلها ومنشأها من غير الإسلام.
وقد أشرنا إِلَى ذلك عندما استعرضنا في أول مبحث الكلام وهو: أنهم أخذوه من النَّصَارَىوأرادوا أن يردوا عَلَى النَّصَارَىفاضطروا إِلَى القول بأنه مخلوق، فسواء كَانَ التأثير مباشراً، أو ردة فعل عكسية، فأيا كَانَ الأمر فإن هذا القول غريب عن دين الإسلام والْمُسْلِمِينَ.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
[ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله ﷺ : (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام.
стр. 743
وأيضاً ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب وأيضاً في السنن أنمعاذاً ﵁ قال: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) .
فبين أن الكلام إنما هو باللسان، فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظاً ومعنى ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة، والتابعين لهم بإحسان وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر.
ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك] اهـ
الشرح:
يستمر المصنف -رحمه الله تعالى- في بيان هذه الحقيقة وهي: أن القول أو الكلام وما يتفرع عنه من الفعل أو المصدر أو اسم الفاعل، إذا قلنا: قال فلان أو يقول أو قولاً أو تكلم كلاماً كل هذا فإن المراد به الكلام المعروف المعهود عند الناس وهو المنطوق باللسان أي: يشمل اللفظ والمعنى معاً ولم يعهد عن أحد من السلف من التابعين أو الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أنه قال بالفرق بينهما كما تقدم بيانه وأن هذا إجماع منهم.
стр. 744
وهذه القاعدة تؤكدها الأحاديث الثابتة الواردة بإبطال قول من يقول: إن الكلام هو ما في القلب ويستدل عليها بقول الشاعر النصراني ومن ذلك قول النبي ﷺ : (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) هذا جزء من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه والذي بيَّن فيه عدة من الأحكام مثل علو الله وهذا الحُكم من أحكام الصلاة وأثبت فيه أيضاً الكهانة والطيرة وهو حديث عظيم رواه الإمام مسلم وغيره وهو من أحاديث العقيدة المهمة فلما أن عطس الرجل فشمته معاوية بن الحكم السلمي بصوت عالي، فتأثر الصحابة ﵃ وضربوا على أفخاذهم، فقال: ما لكم، فتأثروا أكثر، فاضطر أن يسكت، فلما انتهى تعجب ما الذي جرى فاستدعاه النبي ﷺ وأخذه بلطف وقال له: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) فإذا كان الكلام هو ما في الفؤاد فمن من المسلمين -إلا من عصمه الله من السلف الأولين أو من أشباههم- لا يكلم نفسه في أثناء الصلاة.
وقد اتفق العلماء والفقهاء جميعاً على أن حديث النفس حتى ولو بشيء من أحاديث الدنيا أو بأي أمر من الأمور، فإنه لا يبطل الصلاة، فيجب أن نفرق بين الخشوع وبين البطلان فالكلام هنا في البطلان فمن تكلم بكلام أو قول أي أظهر لفظاً أو نطق بكلام لغير مصلحة الصلاة بطلت صلاته عند جميع الفقهاء لكنه لو تكلم بهذا الكلام في نفسه، فإن صلاته لا تبطل ولكن ينقص الخشوع.
فالكلام النفسي موجود دائماً ولا يخلوا إنسان من أن يحدث نفسه هذا أحد الأدلة.
стр. 745
والدليل الآخر هو أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) وهذا الحديث يدل على ما يدل عليه حديث معاوية بن الحكم: أن الصلاة في أول الأمر كان الكلام فيها جائزاً ثم مما أحدث الله أن الكلام منع في الصلاة وهذا من أدلة النسخ فإن بعض الأحكام تكون جائزة ثم تنسخ فتصبح محرمة أو العكس، وكذلك أيضا قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به) هذا من فضل الله ورحمته علينا.
стр. 746
فالله تجاوز عن حديث النفس الخواطر والهواجس فإذا تكلمت به وعملت به فإنها تؤاخذ بما تكلمت وعملت، ولكن من شك في بعض ما أخبر الله به أو أخبر به النبي ﷺ ، وهذا الشك استيقن به صاحبه، حتى أصبح عنده حقيقة، فكيف ينطبق عليه هذا الحديث؟ هو لم يتكلم ولكن هذا الشك انتشر حتى صار مؤكداً وحقيقة في نفسه أنه يكذب أو يشك في شيء مما جاء عن الله أو عن رسول الله ﷺ فانطوى قلبه على عقيدة باطلة بخلاف ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ هذا من عمل القلب، وينطبق عليه الحديث؛ لأنه قد عمل قلبه به لأن عمل القلب الشرعي مثلاً: اليقين وقد حل محله الشك فيكون من عمل القلب الكفري الذي هو ضد العمل الإيماني، وكذلك الإخلاص مطلوب وهو من أعمال القلب الواجبة فإذا حل محله الرياء فإن عمل القلب هنا يفسد، فإذاً سواء كان العمل قلبياً أو عملاً بالجوارح فلا يؤاخذ الله بالخواطر والهواجس وإنما يؤاخذ بالعمل، إذا كان عملاً بالقلب أو عملاً بالجوارح أو كلاماً يتفوه به الإنسان، لأنه إذا تفوه وتكلم به فإنه قد تقرر به أما الهاجس والخاطر العارض فإنه يطرده، ولا يستقر في قلبه، وما دام يدافعه فلا حرج عليه، لذا قال النبي ﷺ : (إن الشيطان لا يزال يأتي الإنسان حتى يقول الله: هذا خلق الله، فمن خلق الله) ، فالشيطان يأتي الإنسان بالشكوك حتى أن أبا هريرة -رضي الله تعالى عنه- روى هذا الحديث لمَّا جاءه رجل فسأله هذا السؤال فضحك أبو هريرة ﵁ وعجب، وقال: (صدق خليلي ﷺ قد أخبر بذلك، وها هو قد قيل ما كان وأخبر به النبي ﷺ فالشيطان يأتي يلقي الشبهات والشكوك والواجب على المؤمن أن يحاربه وأن يقاومه فهو يدعو إلى الفحشاء والمنكر.
стр. 747
وهذا من الفوارق الدالة على أن الكلام هو: القول واللفظ، وليس مجرد حديث النفس، ولذلك فالعبارة الأخيرة التي ذكرها المصنف هنا: إن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس مما نحتاج فيه إلى قول شاعر أي: مثل هذه المعاني الواضحة في الكلام العام لا نحتاج إلى الاستدلال عليها بقول شاعر ولا حتى بغير ذلك كالرأس والرجل واليد والسماء والأرض والجبل..لا نحتاج أن نأتي عليه بشاهد لا من كلام العرب ولا من غيره؛ لأنه معروف ومعلوم لدى كل عربي أن هذا يسمى جبل، وهذه تسمى سماء، وهذه أرض، وهذا لا يحتاج فيه إلى شاهد، فهو ثابت بالتواتر بالجمع الغفير جداً، وهو كل من يتكلم بهذه اللغة.
ومن ذلك أن كلمة الكلام والقول إنما تطلق على ما يتلفظ به وما يُقال باللسان، فلا يحتاج إلى قول أحد ويشهد لذلك الحديث الذي رواه الترمذي والإمامأحمد من حديث معاذ المعروف الذي قال في آخره: (يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكبُّ الناس في النار على وجوههم -وقال في رواية أخرى: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .
فدل ذلك على أن القول المؤاخذ به الذي يكب في النار هو ما يقوله اللسان لا مجرد ما يخطر في القلب فهذا من أحد الشواهد. والأدلة المتظافرة من الشرع والعرف واللغة على أن الكلام هو ما ينطق به وما يتلفظ به.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
стр. 748
[ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر فإن الله تعالى يقول: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:٨٨] أفتراه يشير إلى ما في نفسه أو هذا إلى المتلو المسموع ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع إذ ما في ذات الله غير مشار إليه ولا منزل ولا متلو ولا مسموع وقوله لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه وما في نفس الباري لا حيلة إلى الوصول إليه ولا إلى الوقوف عليه فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع فأما أن يشير إلى ذاته فلا، فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق؛ بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه، وهذا تصريح بأن صفات الله تعالى محكية ولو كانت هذه التلاوة حكايةً لكان الناس قد أتو بمثل كلام الله فأين عجزهم؟!
ويكون التالي -في زعمهم- قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف، وليس القرآن إلا سوراً مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة قال تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات [هود:١٣] : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:٤٩] فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس:١٤،١٣] .
ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات قال ﷺ : (أما إني لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولا م حرف وميم حرف) وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين] اهـ.
الشرح:
стр. 749
يذكر المصنف ﵀ أن من قال: إن كلام الله معنى نفس وأن ما في المصاحف المتلو هو حكاية أو عبارة عن كلام الله وهم الحنفية والأشعرية والماتريدية ومن قال بهذا القول، فقد قال بخلق القرآن شعر أم لم يشعر.
وسبق أن قلنا: إن كتب المتأخرين وكذلك الشروح والحواشي المتأخرة صَّرحت بذلك، قالوا: إن القرآن مخلوق ولكن لا يُقال مخلوق إلا في مقام التعليم، فلو قال أحد: مخلوق أمام العامي الذي لا يدري فقد يظن أنك تعني ما في ذات الله وما في ذات الله غير مخلوق أما هذا الذي في المصحف فهو مخلوق وتقول مخلوق أمام من يفهم الفرق بينهما.
فهذا ليس فقط وهو لا يشعر؛ بل هم قد قالوا ذلك، وأقروا به، والتزموا به، ولم يعودوا ينكرونه؛ بل هم يصرحون به حتى المعاصرين منهم في هذا الزمان، ويرد عليهم ﵀ بأن الله تحدى العالمين الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:٨٨] .
فما الذي تحدى الله به المخلوقين أهو ما في ذاته؟ أم هو هذا المكتوب المتلو المحفوظ؟ فالإشارة في هذا لو فكر أي عاقل لوجد أنها بلا شك إلى هذا الذي يقرأه الناس ويتلونه ويسمعونه، فهذا هو كلامه الذي يتحدى أن يأتي بمثله.
أما إن كان التحدي لِمَا في ذات الله فَمَا في ذات الله لا يشار إليه بهذه الآية ولا غيرها ولا هو منزل ولا متلو ولا مسموع، كما يقولون: إنه ليس بحرف ولا صوت، وإنما هو شيء في الذات معنىً قائم بالله تعالى فكيف يتحدى به وأين الوصول إليه وكيف يعلم حتى يؤتى بمثله.
стр. 750
فعندما يتحدى الله أن يأتوا بمثله فهو شيء موجود بين أيدينا يقول: هذا هو القرآن اقرؤه وأتوا بمثله ولن تأتوا أبداً! أما إذا كان التحدي بالمعنى القائم في الذات، فأين الوصول إليه؟ وذاته بالاتفاق لا يمكن لأحد أن يعلمها، أو يسمعها، أو يحيط بها، فشيء لا سمعناه ولا عرفناه ولا ندركه كيف نُتَحدى أن نأتي بمثله، فهذا دليل على أن الكلام والقرآن إذا أُطلق وتُحديَّ به، هو ما في هذا المصحف، فهو كلامه حقيقة لا عبارة ولا حكاية ولا مجاز ولا شيء من هذه الضلالات، فإن قالوا: لا، نحن نقصد أن التحدي جاء بهذا الذي هو عبارة أو حكاية عن الكلام المعنى القائم بالنفس، فيقول المصنف: إذا قالوا ذلك فإن هذا اعتراف بأن القرآن مخلوق.
ومن ناحية أخرى: أن قولكم في هذا أشد من قول المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: القرآن خلقه الله كأي خلق من الخلق، أما أنتم فتقولون: إن الله له صفة قائمة بذاته هي الكلام، وهذا القرآن تعبير أوحكاية أو مجاز عنه، فأنتم تقولون: إن من صفات الله ما يحكى أو يتشبه به كما يقول المصنف: إن حكاية الشيء تكون بمثله أو بشبهه، فمن هذا الذي يحاكي كلام الله؟! فسواءً قالوا جبريل، أو محمد ﷺ حاكى كلام الله بكلام مثله أو بشيء يشبه.
فإذاً لا داعي للتحدي لأن جبريل، أو محمداً ﷺ هو من المخلوقات، وقد حاكى الصفة التي يقولون إنها قديمة وهي في ذات الله وهذا مما يتناقضون به ويكذب ويبطل دعواهم لأن صفات الله ليس فيها ما يمكن أن يحاكى أبداً.
الشيء الآخر: أن الكلام الذي يثبته هؤلاء المؤولة فيقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه تعالى، ليس بحرف ولا صوت؛ أليس هذا القرآن الذي بين أيدينا المقروء المحفوظ المتلو حروفاً وأصواتاً؟
стр. 751
وهذا تناقض؛ لأنكم شبهتم الشيء الذي ليس بحرق ولا صوت، بأنه حُكي وعُبِّرَ عنه بشيء هو حرف وصوت، وهذا تناقض ودليل ملزم لهم، فالقرآن إذا أُطلق إنما هو هذه الآيات المحفوظة والمتلوة والمسموعة كما جاء في هذه الآيات التي ذكرها المصنف ﵀ حيث استدل على الحرف بالحديث الذي أخرجه الترمذي وهو قول النبي ﷺ : (أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) فهذا القرآن حروف وأصوت وقد سبق، وأن ذكرنا الدليل عليه في الحديث الصحيح: (إن الله يتكلم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) .
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
[قال الشيخ حافظ الدين النسفي ﵀ في المنار إن القرآن اسم للنظم والمعنى.
وكذا قال غيره من أهل الأصول وما ينسب إلى أبي حنيفة ﵀ أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد رجع عنه وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية، وقالوا: لو قرأ بغير العربية فإما أن يكون مجنوناً فيداوى أو زنديقاً فيقتل، لأن الله تكلم به بهذه اللغة والإعجاز حصل بنظمه ومعناه] اهـ.
الشرح:
يستدل المصنف هنا على أصحاب أتباع مذهب الحنفية بكلام أحد أئمتهم المشهورين وهو حافظ الدين النسفي ﵀ واسمه: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي أبو البركات ﵀ الذي توفي سنة ٧١٠هـ وله من المؤلفات التفسير المعروف بتفسير النسفي الذي سماه مدارك التنزيل وله كتاب المنار في أصول الفقه وهذا الذي نقل منه المصنف هذا الكلام وله في العقيدة كتاب عمدة العقائد أيضاً، كما هو مترجم له في كتاب الأعلام للزركلي (٤/٦٧) ، وهناك توجد المصادر التي نقل، منها كُتب طبقات الحنفية.
стр. 752
الحافظ النسفي يقول في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى، فهو يردُّ هنا على أصحابه القائلين بالكلام النفسي، وقال: [وما يُنسب إلى أبي حنيفة ﵀ أنه قال: من قرأ في صلاته بالفارسية أجزأه] إذا قرأ بمعنى القرآن بلغة غير العربية فإن ذلك يجزئه في صلاته، فالإمام أبو حنيفة رجع عن هذا القول كما يقول الإمام المصنف ابن أبي العز وهو من أئمة المذهب، وهو يعلم المذهب ويعلم الأقوال فيه، وقد يسلم الإنسان في هذه اللحظة، وهو لا يجيد اللغة العربية، فلا نلزمه أن يصلي باللغة العربية، وهو إلى الآن لم يتعلمها، ولكن ينبغي أن يتعلمها في أسرع ما يمكن.
ثم قال الأئمة الحنفية: ما حكم من قرأ بغير العربية؟
قالوا: إما أن يكون مجنوناً فيداوى -يُعالج حتى يشفى- أو زنديقاً فيُقتل -إنسان ساخر هازل زنديق فهذا يقتل- لأنه قرأ بغير اللغة العربية، قال: لأن الله تكلم بالقرآن، وأنزله بهذه اللغة بلسان عربي مبين كما قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [الزخرف:٣] والإعجاز حصل بلفظه ومعناه، فإذا غير إلى لغة أخرى فإن ذلك إبطال للإعجاز والتحدي فهؤلاء الأئمة في الفقه لم يفرقوا بين اللفظ والمعنى، فيقولون: إن المعنى قائم بالنفس، وأن اللفظ مخلوق أو مصنوع أو عبارة وحكاية عنه.
فهذا مما يَستدِلُ به المصنف ﵀ على الماتريدية وقد نبهنا لماذا نقول ذلك؛ لأن العقيدة الطحاوية شرحها ماتريديون ينتسبون إلى نفس المذهب الحنفي لكنهم على مذهب أبي منصور الماتريدي فأولوها وحرفوها كما أولوا كلام الله، فهو هنا يَردُّ عليهم: أن هذا الذي قاله أبو جعفر الطحاوي هو الصحيح وهو الذي عليه الإمام أبو حنيفة وهو الذي عليه النسفي وهو الذي عليه نفسه ﵀، وكل علماء المذهب الحقيقين هم على هذا المذهب وعلى هذا القول الصواب الذي كان عليه السلف في مسمى الكلام وفي مسمى القول.
стр. 753
[قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [وقوله: [ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر] لا شك في تكفير من أنكر أن القُرْآن كلام الله؛ بل قَالَ: إنه كلام مُحَمَّد أو غيره من الخلق، ملكاً كَانَ أو بشراً.
وأما إذا أقر أنه كلام الله ثُمَّ أوَّل وحَرَّف فقد وافق قول من قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] إن شاء الله تَعَالَى] اهـ.
الشرح:-
كلام المُصنِّفُ هنا عَلَى من قَالَ: إن القُرْآن من كلام البشر، وقائلُ هذا الكلام عَلَى أحدِ أمرين: إما أن يكونَ مُرادُه أنَّ هذا القُرْآن لم ينزل من عند الله ﵎ وإنما افتراه بشر، كما قاله المُشْرِكُونَ للنبي ﷺ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [يونس:٣٨] وَقَالُوا: إنما يعلمه بعض الأعجميين، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [الفرقان:٥] إِلَى آخر ما قاله المُشْرِكُونَ الجاحدون.
والقصد أن من جحد أن الله أنزل القرآن، وأنزل الذكر الحكيم، وأن هذا القُرْآن الذي بين أيدينا من كلام غير الله ابتداءً وتبليغاً، فقد أتى بالكفر الصُرَاحِ الذي لا شك فيه، وبهذا نزلت الآيات ونطقت السنّة، ولا خلاف في ذلك بين الْمُسْلِمِينَ جميعاً. أهل السنة أو المعتزلة أو الأشاعرة أو غيرهم.
وإما أن يكون مُرادُه: أنَّ القُرْآن ليس كلام الله عَلَى التأويل الذي مر معنا: تأويل المعتزلة أو تأويل الأشعرية، فيقولون: هو حكايةٌ عن كلام الله، أو عبارةٌ عن كلام الله، أو بعبارة أخرى هو كلام الله بالمعنى، لكن النظم نظم جبريل أو نظم مُحَمَّد ﷺ ، وما أشبه ذلك وهَؤُلاءِ هم المؤولة.
стр. 754
وهنا قاعدة: وهي أن كل من ردَّ شيئاً من الدين، أو ما ثبت في السنة الصحيحة، أو رد شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، أو أمراً معلوماً من الدين بالضرورة عَلَى سبيل الجحود والنكران، فهذا كافر خارج عن الملة.
وأما من رده عَلَى سبيل التأويل، أو لديه اجتهادات خاطئة أوقعته في هذه البدعة وهذا الضلال والانحراف، دون أن يكون قصدُه في نفسه مُعَاندَةُ شرعِ الله أو جحوده؛ فهذا في الجملة لا يَكفر، وإنما يكون مبتدعاً ضالاً منحرفاً، ثُمَّ بعد ذلك تختلف المقالات ويختلف الأفراد فيما بينهم وبين الله ، فقد يكون منهم من هو كافر في الحقيقة أو زنديق، ولكن يتلبس بأنه لم يجحد ولم ينكر، فالذين يتأولون -كما هو حال الذين قالوا: إن القُرْآن ليس كلام الله بل هو حكاية أو عبارة أو مجاز ونحو ذلك- لا يخرجون من الملة ولا يكفرون كفراً ينقلهم من الإسلام إِلَى الكفر وإنما هم أهل ضلال وابتداع وانحراف، وتفصيل الكلام في هذه المسألة -مسألة متى يكفر المؤولون ومتى لا يكفرون؟ وهل أصحاب البدع يكَّفرون بإطلاق؟ - يأتي إن شاء الله في آخر هذه العقيدة عند قوله: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] ، وإنما المراد هنا ما يتعلق بقضية الكلام فقط.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[وقوله: ولا يُشبه قول البشر، يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق قال تعالى: وَمَنْ أَصدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:٨٧] .، وقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْل هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:٨٨] .
стр. 755
وقال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه [هود:١٣] وقال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: ٣٨] فلما عجزوا -وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة- عن الإتيان بسورة مثله تبين صدق الرسول ﷺ وأنه من عند الله، وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج، بلسان عربي مبين، أي: باللغة العربية، فنفي المشابهة من حيث التكلم، ومن حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى، لا من حيث الكلمات والحروف، وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله تعالى: آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:١-٢] ، آلم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ [آل عمران:١-٣] الآية آلمص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْك [الأعراف:١-٢] الآية الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس:١] .
وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه؛ بل خاطبكم بلسانكم، ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع جبريل منه. كما يتذرعون بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] إلى نفي الصفات، وفي الآية ما يَردُّ عليهم قولهم، وهو قوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] . كما في قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه [يونس:٣٨] ما يرد على من ينفي الحرف فإنه قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ ولم يقل: (فأتوا بحرف أو بكلمة) وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: (إن أدنى مايجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة؛ لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك والله أعلم] اهـ.
الشرح:
стр. 756
هذا الموضوع تابع لما سبق في مناقشة الماتريدية والأشعرية فيما يتعلق بنفيهم الحرف والصوت من كلام الله ، وإثباتهم كلاماً نفسياً معنوياً، والعلاقة بين هذا الكلام وذاك أنهم يقولون: إن هذا القرآن المقروء النظم -يعني: الحروف وهذه المنظومة المقروءة التي يقرأها القارئون، ويسمعها السامعون، ويحفظها الحافظون- ليس هو: كلام الله؛ لأن هذه حروف وأصوات والحروف والأصوات من جنس كلام الناس، فالناس يتكلمون بحروف وبأصوات وعليه، فالقرآن الذي تُحدي به أو القرآن الذي هو حقيقة كلام الله هو المعنى الذي في نفس الله ، وليس هذا هو القرآن.
ومن هنا كان لا بد أن نتعرض لموضوع التحدي بالقرآن ومعنى الإعجاز بالقرآن وما هي المذاهب فيه فنقول: إن الله كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح (ما من نبي بعثه الله ﵎ إلا آتاه ما يؤمن الناس على مثله) فقد أعطاه بينة يؤمن الناس بها، (وإنما كان الذي أوتيته وحياً) وهو هذا القرآن، ولذلك قال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وهو كذلك؛ فإن هذه الأمة هي أكثر الأمم، فهي أكثر من نصف أهل الجنة؛ لأن هذا وحي مقروء يقرأ في كل زمان وفي كل مكان، فآياته وبراهينه ودلالاته متنوعة متعددة.
стр. 757
وإذا بحث الإنسان في علوم اللغة فإنه لا يجد أبلغ من القرآن، فيتراجع ويعجز ويتقهقر أمام هذه البلاغة العظيمة، والإنسان الذي يبحث في العلوم الكونية ينبهر ويذهل لما يجد في هذا القرآن مما لا يستطيع أن يُقال وأن يتصور إلا عن طريق هذا الوحي، والإنسان الذي يبحث في التاريخ يجد في هذا القرآن من أخبار الأمم الماضية ومن أحوالها العجب العجاب، الذي لم يأت به المؤرخون فضلاً عن رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يجالس مؤرخاً ولا غير مؤرخ، ثم يحدث عن ثمود وعاد بل عن آدم ﵇؛ بل عما هو أقدم من ذلك من نشأة هذا العالم وكيف نشأ؟ وكيف وجد؟ ألا يدل هذا على أن هذا القرآن وحي من السماء؟! أليس ذلك عن طريق الوحي؟ فكيف عرفنا العرش وكيف عرفنا ابتداء خلق السماوات والأرض وليس في إمكان العقول التي تتحدث عن التاريخ أن تبحث أوتتكلم عن مثل هذه الأمور على الإطلاق.
ثم تأتي الأخبار الغيبية المستقبلية في القرآن الكريم فتحصل بعضها وتتحقق وبعضها لم يأذن الله بحصولها، ومما حصل في زمن النبي ﷺ : آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:١-٣] فكان مما أخبر به القرآن أنهم يفتحون مكة ويدخلونها وحصل ذلك، وأخبر أن الله سيظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره الكافرون، وغير ذلك مما قد حصل ووقع.
ومن هذه الأخبار الغيبة المستقبلية، ما أخبر به عن أمور تقع بين يدي الساعة ولما تقع بعد، كخروج الدابة، وظهور الدجال.
والدجال وإن لم يذكر في القرآن صريحاً ولكنه ذكر تلميحاً كما في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:١٥٨] وأشباه ذلك، ومن أعظم آيات الله التي تأتي آخر الزمان الدجال وطلوع الشمس من مغربها.
стр. 758
وهنا أمر نحب أن ننبه إليه وهو أنه كان في الجاهلية قلوب فطرها سليمة نقية رفضت عبادة الأوثان ورفضت الانغماس في أعياد الجاهلية، واختلاط الجاهلية وإباحيتها، فساحوا في الدنيا يبحثون عن دين يريدون شيئاً يتعبدون الله به في قلوبهم لأن كل ما على هذه الأرض من أديان فهو باطل، ومن هؤلاء: ورقة بن نوفل، وأمية بن أبي الصلت، وزيد بن عمرو بن نفيل، وسلمان الفارسي الذي بحث عن الأديان في بلاد فارس، والعراق، وأطراف الشام فهؤلاء أناس يريدون أن يعبدوا الله .
ونجد اليوم في الغرب حيارى كثير من هذا النوع، فإذا وجدوا القرآن سلموا له واطمأنت قلوبهم به، فيعتقدونه غاية الاعتقاد وغاية الصدق واليقين، ويقرون أن هذا من عند الله، لِمَا يرون من بيان القرآن وإعجازه وإحكامه حتى ما يتعلق بالشرائع والأحكام التي فيه، فإن من نظر إلى أي مُشَّرعٍ أو مقننٍ أو باحثٍ في أحوال الناس وشرائعهم قبل الإسلام أو في أيام بعثة النبي ﷺ ورأى حال الروم وحال الفرس وحال العالم وما فيهم من الظلم والإجحاف والقوانين الجائرة والأحكام الطاغوتية، ثم نظر إلى هذه الشريعة العادلة السمحة، وما جاءت به من حدود ومن تعزير ومن أحكام مفصلة، سيرى العجب العجاب ويرى ما يذهل عقله ولبه.
فمْنِ أي زاوية نظرت إلى القرآن فهو معجز أو مُتَحدىً به أن يأتي الناس بمثله، فليس الأمر مقصوراً على جانب من الجوانب، لكن لما ظهر أصحاب الكلام وظهرت الفرق وأخذوا يتكلمون عن إثبات القرآن وإثبات النبوة والمعجزة عن طريق العقل والرأي، وكيف نستدل على أن هذا نبي؟ وكيف نعرف أن هذا هو قرآن حقاً؟ عندئذ أخذوا يخوضون بعقولهم وبآرائهم، ودخل من هذا الباب أهل الضلال والبدع وأهل الزندقة الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر والعياذ بالله.
وقد انقسم النَّاس فيما يتعلق بهذا القُرْآن وبالتحدي به إِلَى ثلاثة طوائف رئيسية:
أهل السنة والجماعة
стр. 759
وهم كما هو معلوم دائماً عَلَى ما جَاءَ في الكتاب والسنة، فيقولون: إن كتاب الله مُتَحدىً به ومعجز، ومُفحم للخلق بلفظه وبمعناه، وأنه معجز في أحكامه، وفي إخباره بالمغيبات أو بالمستقبليات، وفي ما جَاءَ به من الحلال والحرام، والأمر والنهي، وفي قصصه، وفي نظمه، وفي بيانه، وفي كل أمر من أموره ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، وهذا الأمر واضح.
لكن المُختلف فيه هو في مقدار الجزء المتحدى به من القرآن؟ فبعضهم أخذ يدقق في ذلك ويقول: هل السورة، أو هي أقل من السورة، وما القدر الذي يمكن من السورة؟ والذي يظهر -كما في القرآن- أن أقل ذلك سورة من سور القُرْآن وإن كانت أصغر سورة، يعني: لو أن الإنس والجن اجتمعوا عَلَى أن يأتوا بمثل سورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] مثلاً لما استطاعوا أن يأتو بمثله ولما استطاعوا أن يأتوا بمثل سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١] ولا المعوذتين ولا ما أشبهها؛ لأن فيها من البيانات ومن المعاني ومن العبر والعظات والهداية والنور ما يعجز البشر عن إدراكه، ولا يمكن أن يأتوا به رغم وجازتها، هذا موجز مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
المعتزلة
بعضالمعتزلة ولا سيما إبراهيم النظَّام يقول النظّام: إن المتحدى به في القُرْآن ليس هو الألفاظ وليس هو اللغة والبيان، وإنما هو المعاني، يعني: الإخبار بالمغيبات الماضية والمستقبلية التي يعجز النَّاس عن إدراكها أو عن معرفتها، أما النظم نفسه والبيان فمن الممكن لأي شاعر أو ناثر أن يأتي بعبارات مثل القُرْآن والعياذ بالله، هذا كلام إبراهيم النظَّام ولمَّا سُئل هل حصل ذلك من العرب؟ ولماذا لم يحصل؟
قَالَ: لمْ يحصل من العرب.
قيل له: لِمَ لمْ يحصل؟
стр. 760
قَالَ: لأن الله هو الذي صرفهم، فهو أمر كوني لا يمكن أن يفعلوه، فالله صرفهم رغماً عن أنوفهم عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإلا فمن الممكن أن يأتوا بمثله وأن يركبوا كلاماً مثله والعياذ بالله، ولم يوافقه عَلَى هذا القول أحد منأهل السنة المعتبرين إلا أبو مُحَمَّد ابن حزم فقد وافق النظّام عَلَى أن الذي منع النَّاس من الإتيان بمثل هذا القُرْآن هو أن الله تَعَالَى صرفهم عنه، فهم لو حاولوا لما استطاعوا، والردُّ عَلَى ذلك واضح، فيُقَالَ:
أولاً: مخالفته للإجماع، ولِمَا كَانَ عليه السلف الصالح رضوان الله ﵎ عليهم.
وثانياً: أن الله ﵎ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:٢٣-٢٤] قالوا: قوله: ولن تفعلوا معناه: لن تستطيعوا، بمعنى أنكم لن تفكروا ولن تحاولوا، أي: قدراً وقضاء، فأنتم مصروفون عن ذلك، وإلا لو حاولتم ولو كَانَ لكم الإرادة والخيار لاستطعتم، لكن في الحقيقة أن قوله تعالى: وَلَنْ تَفْعَلُوا إخبار بالواقع، وليس أمراً كونياً قدرياً، يعني: حقيقة لن تفعلوا ذلك، فلتحاولوا إن شئتم ولستم مصروفين عن المحاولة، لكن لن تفعلوا ولن تستطيعوا أن تأتوا بمثله.
стр. 761
ولهذا جاءت الحروف المقطعة في أوائل السور، ثُمَّ يأتي بعد هذه الحروف وصف القُرْآن الكريم كقوله: آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:١-٢] وقوله: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:١-٢] وقوله: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:١-٢] وقوله: (آلمص) ، (ق) ، (حم * عسق) إِلَى آخره أكثر السور التي في أوائلها الحروف المقطعة يأتي بعدها ذكر القُرْآن ووصفه، أو القسم بالقرآن، أو ما يدل عَلَى أن المراد هو القرآن.
ومعنى ذلك: أنكم أيها العرب! تتكلمون باللغة العربية وتتعاظمون وتتفاصحون بها وبلغ من تعظيم العرب للبلاغة والبيان أنهم كتبوا المعلقات العشر أو السبع، وعلقوها في الكعبة، وهي أعظم ما يفتخر بها العرب وذلك لما تحمله من بلاغة وبيان، وكانت العرب تفتخر وتفاخر بالفصاحة والبلاغة والبيان حتى أنهم يسمون كل من ليس عربياً أعجمياً، فمهما كَانَ عند الروم وعند الفرس من الحضارات، فإن العرب يسمون الدابة عجماء، ويسمون الذي لا يتكلم العربية أعجمياً يعني: كأنه كالدابة التي لا تتكلم بشيء فلا يعترفون ولا يعدون أي بيان إلا البيان العربي فقط.
стр. 762
فالشاهد أن العرب كانوا يتحدون بذلك، ورَسُول الله ﷺ كَانَ أفصحهم بياناً لأنه من قريش، ولأن الله أعطاه الفصاحة والبيان وأعطاه جوامع الكلم، فكان ﷺ من قبل أن يوحى إليه من أوسط العرب وأعلاهم في الفصاحة والبيان، فأتاه هذا الكلام الذي يختلف عن كلامه هو، رغم أن كلامه ﷺ في أعلى درجات البيان البشري، لكن أتاهم بكلام هو أعظم وأعلى من كلامه الذي يخاطبهم به في العادة ويقول: إن هذا من عند الله ويتحداهم أن يأتوا بمثله وليس ذلك التحدي لقريش أو للعرب فقط بل للإنس والجن قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآن آنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:٨٨] ثُمَّ جَاءَ التحدي بعشر سور مفتريات كما يزعمون.
ثُمَّ جَاءَ التحدي في سورة يونس وفي سورة البقرة بسورة واحدة فقط ولو كانت مثل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثلها، رغم أنهم فكروا: ماذا نقول في هذا القرآن؟ شعر، أو سحر؟ كما فعل الوليد الذي فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثُمَّ قتل كيف قدر، ففكروا في ذلك، ولكنهم لم يجدوا إلا أن يقولوا: إنه كلام الله ، وليس مجرد أنهم صُرِفوا عنه كما يقول النظَّام.
стр. 763
ونوضح هذا بمثال من كلام المعتزلة على الصرفة، يقولون: إن النَّاس يمشون ويحركون أيديهم وأرجلهم -قاسوا الكلام عَلَى الحركات- فافترضوا افتراضاً لو أن نبياً من الأَنْبِيَاء جَاءَ فقَالَ: أنا نبي فإذا قال الناس: ما آية نبوتك؟ قال علامة نبوتي أنه لن يستطيع أحد منكم أن يمد يده أو يحرك رجله، قالوا: بمجرد أن يقول النبي ذلك سوف تتوقف جميع حركات الأمة التي يدعيها هذا النبي؛ لأن الله لما أعطاه هذه الآية فإنه سيمنع أُولَئِكَ عن الحركة رأساً! هذه الشبهة وهذا الخيال افترضوه في عقولهم وقاسوا عليه كتاب الله وكلام الله .
مذهب الأشعرية والماتريدية
الأشعرية والماتريدية يقولون: إن النظم أو الحروف المقروءة والمتلوة والمسموعة هذه ليست مُتحدىً بها ولانقول كما يقوله النظَّام وابن حزم من أن البشر مصروفون عنه، ولكن نقول: إن تعبير جبريل أو مُحَمَّد ﷺ أو من عبر عنه كَانَ بإلهام من الله فلا يستطيع أحد أن يأتي به، فالإعجاز إذاً منحصر عَلَى الحقيقة في المعاني وفيما يتضمنه من الإخبار بالمغيبات والأحكام التي يعجز البشر عن الإتيان بمثلها.
هذا موجز لكلام النَّاس واختلافهم في التحدي وفي الإعجاز بالقرآن، -والمقصود وهو محل الشاهد- من هذا هو قوله: [فنفي المشابهة من حيث التكلم، ومن حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى، لا من حيث الكلمات والحروف] يعني: الكلمات والحروف التي في القُرْآن موجودة عند العرب، إنما المتحدى به أن يركب مثل هذا الكلام لفظاً ومعنىً وهذا واضح لكل من تدبر ذلك.
стр. 764
والأحرف المقطعة في أول السور مسألة فيها خلاف، فمن المفسرين من يقول: إن هذا مما استأثر الله ﵎ بعلمه، ومنهم من يقول: إنها رموز أو أسماء لما لا نعلم، ومنهم من يقول كما هو القول الراجح الذي اختاره أكثر العلماء المحققين، وهو الذي ذكره المُصْنِّف هنا: إن المراد من هذه الحروف هو تحدي العرب وبيان أن القُرْآن من جنس كلامكم، وأن حروفه من جنس حروفكم ومن جنس لغتكم، فهو نزل بلسان عربي مبين إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] ، ولكنكم مع ذلك لن تستطيعوا أن تأتوا بمثله، هذا إضافة إِلَى أن هناك فائدة أخرى في أن القُرْآن يبتدئ بهذه الحروف: وهي أن العرب لم يعهدوا ولم يسمعوا عن استخدام هذه الحروف بهذا الشكل، فإذا بدأ الإِنسَان يتكلم وابتدأ كلامه بشيء غريب غير معهود فإنه يشد الذهن أكثر، فالعرب لم تتعود أن تسمع إلا المعلقات والأشعار، والأشعار تبدأ عادة بالغزل وتنتهي بالموضوع الذي يريدون، وكذلك النثر والخطابة.
فالعرب ما تعودوا أن يسمعوا (آلم) ، فعندما يسمعون هذه الحروف فإنها تشد الذهن وتنبهه ثُمَّ يقول بعد ذلك ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:٢] أو حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أو حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:١-٢] وإتيان القُرْآن بهذا الشكل فيه زيادة في النكاية بهم وإرغام لهم عَلَى الإقرار والخضوع والاعتراف بالعجز، والقصور عن أن يأتوا بمثل هذا القُرْآن فهذا هو المراد هنا، لكن كما ذكر ﵀ أن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بما ورد في المعجزة أو في التحدي لنفي الحرف والصوت -وخاصة الحرف- كما يتذرعون بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] لنفي الصفات أو التأويل.
стр. 765
وأما أقصر سورة في القرآن فخي ثلاث آيات، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: "إن أدنى ما يجزى في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك" وهذا مذهب الحنفية، إن كَانَ المراد عندهم أن القُرْآن يجزء منه آية أو سورة قصيرة عن الفاتحة، فهذا القول غير صحيح، وإن كَانَ المؤلف هنا لا يقصد الحكم الفقهي، وإنما يريد الاستشهاد به عَلَى العقيدة، فإن أبا حنيفة ينسب إليه أنه قَالَ: "لا تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة بل يكفي أي شيء من القرآن" بدليل قوله تعالى: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] .
فهذا المذهب مرجوح لما ثبت وصح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقوله: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القُرْآن فهي خداج) ، وإن كَانَ المقصود أنه بعد الفاتحة لا يجزئ إلا سورة قصيرة أو آية طويلة ليقع بها الإعجاز، فعدم الإجزاء هنا لا يعني الوجوب حتى عند الحنفية، بمعنى أن قراءة شيء من القُرْآن في الصلاة بعد الفاتحة ليس واجباً لا عند الحنفية ولا عند غيرهم.
قال الطحاوي ﵀:
[ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة، منه بدا، نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر نفياً للتشبيه عقيب الإثبات، يعني: أنه تعالى وإن وصف بأنه متكلم لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلماً، فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين، يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، والمعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً.
стр. 766
وسيأتي في كلام الشيخ: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَّ ولم يصب التنزيه] وكذا قوله: [وهو بين التشبيه والتعطيل] أي: دين الإسلام، ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه، لِمَا سأذكره إن شاء الله تعالى، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً بل صفات الخالق كما يليق به وصفات المخلوق كما يليق به وقوله: [فمن أبصر هذا اعتبر] أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف، ونفي التشبيه، ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار] اهـ.
الشرح:
اختتم المصنف ﵀ بما يتعلق بموضوع القرآن عند ما قال الإمام الطحاوي: [ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر] فهذا زيادة في الإيضاح.
وفي نفي المماثلة في القرآن أو في غيره قال: [ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر] حتى لا يظن أن أهل السنة والجماعة يشبهون الله بخلقه عندما يقولون: إنه تعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، فهم يثبتون من غير تشبيه، وينفون من غير تعطيل.
وضرب على ذلك هذا المثل الذي ذكره الله ﵎ في سورة النحل عن اللبن أنه مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ [النحل: ٦٦] فيكون أهل السنة والجماعة مثل اللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، فشبه التعطيل بالفرث، وشبه التشبيه بالدم، فأهل السنة والجماعة لا يشبِّهون، كما يفعل الذين يقولون له: يد كيدنا، أو يقولون إن الله هو عيسى -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- أو يقولون: إنه علي بن أبي طالب أو نحو ذلك أو يصفونه بصفة من صفات المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 767
وهم أيضاً: لا ينفون صفات ذات الله كما يقول الجهمية والمعتزلة والأشعرية الذين ينفون الصفات جميعاً فراراً من التشبيه فيقولون: نحن نفر من التشبيه فلا نصفه بأي شيء، وهذا هو حقيقة التعطيل، لأن التعطيل هو نفي الصفات وجحودها، فالتعطيل كما قال أحد العلماء في مناقشته لهم: لو وصف أحد العدم بمثل قول نفاة الصفات: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولاتحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله، لما كان هناك أبلغ من هذا، فكيف يجعلونه هكذا.
وأما المشبه فهو عابد صنم، كما أخبرنا القرآن عن قوم إبراهيم ﵇ أنهم كانوا يعبدون أصناماً ينحتونها بأيديهم، فينحت الحجر، ويجعل له يداً ورجلاً وعيناً، ثم يعبده ويقول: هذا هو الإله، وكما فعل السامري لما صنع العجل وبنو إسرائيل تسمع خوار العجل، ويرونه أمامهم عجلاً من الذهب ويقول السامري لهم: هذا إلهكم وإله موسى، ويقولون: صدقت، ويتبعونه ويعبدون العجل، فعبد هؤلاء الأشياء المادية الضئيلة وهي محدودة ومشاهدة وملموسه، فالذين يقولون: إن يده كيد المخلوقين أو كلامه ككلام الخلوقين أو وجهه كوجه المخلوقين أو يقولون: إنه عيسى أو علي أو ما أشبه ذلك، مثلهم كمثل هؤلاء عباد الأصنام عبدوا شيئاً مجسداً مادياً محسوساً يراه الناس ويمكن لهم أن يفعلوا به ما شاءوا.
كما فعل إبراهيم ﵇ لما جعلهم جذاذاً إلا كبيرهم، وكما فعل موسى ﵇ لما حَّرق العجل ونسفه في اليم نسفاً، فمن قال: إنه على هذه الصفات فقد شبه الله بخلقه فهو عابد صنم، ومن نفى عن الله تعالى صفاته فهو عابد عدم، وبلغ الأمر بالباطنية أنهم قالوا: إن لفظ الوجود لا يطلق على الله ، فلا يقولون: موجود ولا غير موجود والعياذ بالله.
стр. 768
إذاً: لا نصفه بأي وصف على الإطلاق، إذاً هذا هو العدم بل العدم يمكن أن يعرف فيُقال: العدم غير موجود، وهذا دليل على أن الناس ضلوا في هذا الطريق على طرفي نقيض، فرث التعطيل، ودم التشبيه، ووفق الله أهل السنة والجماعة إلى إثبات بلا تشبيه، وإلى تنزيه ونفي بلا تعطيل كما قال جل شأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا نفي وتنزيه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ إثبات لله وإثبات صفاته ﵎.
قال الطّّحاويّ ﵀:
[والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] ، وتفسيره عَلَى ما أراد الله تَعَالَى وعلمه، وكل ما جَاءَ في ذلك من الحديث الصحيح عن رَسُول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه عَلَى ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ، ورد علم ما اشتبه عليه إِلَى عالمه] اهـ
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[المُخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين , وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إِلَى السنة والجماعة، وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون] اهـ.
الشرح:-
стр. 769
إن مسألة رؤية الله تَعَالَى في الجنة من أشرف مسائل أصول الدين ومن أعظمها، ولم تكن عند الصدر الأول ولا عند السلف موضع جدال ولا خلاف وكان اهتمامهم بموضوع الرؤية هو اهتمامهم بالجد في طاعة الله والاجتهاد في عبادته والتقرب إليه، ليحظوا بهذه المنزلة وبهذه الدرجة العظيمة، وهذا النعيم الذي لا يعادله نعيم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فإن رؤية وجه الله ﵎ أعظم من كل نعيم لأهل الجنة، وهو الذي اشتاق إليه السلف الصالح الذين عبدوا الله ، وزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة وتتطلعوا إِلَى ما عند الله وإلى رضوانه وإلى رؤية وجه الله ، وكان هذا من أعظم ما خفف عنهم أعباء الحياة، وأعباء الدعوة إِلَى الله ، وتكاليف الجهاد والمشقات والأذى والعنت، الذي لقيه هَؤُلاءِ من الْمُشْرِكِينَ ومن المضلين والمبتدعين، فكان هذا هو أعظم غاية يسعون إليها، فلم يخطر ببال أحدهم أن ينكر ذلك أيُّ إنسانٍ، ولكن لمَّا ظهرت البدع وفتنت هذه الأمة بالتفرق، ولما ألبسها الله ﵎ شيعاً، وأذاق بعضها بأس بعض عقوبةً عَلَى ما وقع منهم من ركونٍ إِلَى الدنيا، ومن تفريطٍ في بعض الحق الذي أنزله الله ، حينئذٍ تشعبت الآراء والأهواء حتى خاضوا في هذا الأمر.
الزائغون في هذا الطريق
هناك طائفة لم يذكرها المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ويجدر بنا أن نذكرها قبل أن نخوض في موضوع أهل الكلام.
هذه الطائفة هي زنادقة الصوفية، الأولون الذين نشأوا وخرجوا في الوقت الذي خرج ونشأ فيه المعتزلة،، فمثلاً: رابعة العدوية كانت في نفس الفترة التي كَانَ فيها واصل بن عطاء فقد كَانَ واصل بن عطاء يؤسس بدعة الكلام وبدعة الاعتزال ونفي الصفات ونفي رؤية الله .
стр. 770
وكانت رابعة وأمثالها في الطرف الآخر يقولون: إن الله تَعَالَى يُعْبَد بالحب؟! ماذا يريدون من ذلك؟ يقولون: نريد أن نعبده لكي نتمتع برؤية وجهه فقط!! هذا الذي نريده، ولا نريد جنة ولا نخاف من ناراً، ولا نخاف من حساب ولا من عقاب ولا نرجو جزاءً ولا ثواباً.
إنما الهدف محصور في أنهم يريدون أن يروه في الدنيا أو في الآخرة!!
وأصل هذه الفكرة من مذاهب ودين البوذيين والهندوس الذين يرى دينهم أن الإِنسَان أنزل إِلَى هذه الدنيا ليكابد العناء والمشقات والعبادات لكي يصفي وينقي روحه فترتقي من الجسد وتلتصق وتلتحق بالروح الأعظم الروح الكلي -الذي هو الله- عندهم وتصبح جزءاً من ذاته وتتحد به والعياذ بالله، فلذا كانت عبادة الرهبان الهندوس مثل الصيام الطويل، وتعذيب الجسد، والهيام في الغابات، والانقطاع في الخلوات والإكثار من الأذكار والعبادات التي ابتدعوها ولم يشرعها الله ، كل ذلك من أجل أن يسلموا من التناسخ المستمر، ومعنى التناسخ عندهم: أن نفس الإِنسَان إذا ارتكبت ذنباً وأتاها الأجل وهي مرتكبة للذنوب تخلق في زمن بعيد آخر في شكل حيوان، وتعاقب وتتصفى حتى تكون مؤهلة لئن تتحد بالبراهما الذي يسمونه الله، يسمون البراهما "الإله الكلي" التي تلتحق به هذه النفوس.
стр. 771
وهَؤُلاءِ الصوفية، يقولون:نحن نعذب الجسد في هذه الحياة فنكتفي بدورة واحدة فقط ولا نأخذ دورات من التناسخ، ونلتحق بهذا الرب فهذا مذهبهم وانتقلوا إِلَى بلاد الإسلام من الهند، لِمَا في الإسلام من الروحانية والشفافية وطهارة القلب وتزكية النفس ودخلوا من هذا المدخل، والإسلام فيه الحب والذل والخضوع والخوف والرجاء لله تَعَالَى وهذا صحيح بلا شك ولكنهم لم ينظروا إلا إِلَى جانب المحبة فقط، فَقَالُوا: نأخذ هذا الجانب ونتستر ونتلبس به وننتسب إِلَى دين الإسلام ثُمَّ نضيف في هذا الدين ما نشاء، فالذي يريد أن تتحد هذه الروح ببراهما فليسلك طريق النصرانية أو البوذية أواليهود بأي طريق.
ولهذا فالدين الهندوسي والبوذي ليس له عبادات محددة لكن المهم أن يعذب الإِنسَان نفسه بأي شكل، وهذا هو الذي ورثه الصوفية، وكل طريقة لها أذكار ولها خلوات ولها تعبدات خاصة بها، وهكذا كل أحد يمشي في المسلك والمنهج الذي يريده من التعبد، فلم يلتزموا بما جَاءَ به النبي ﷺ من العبادة والتقرب، بمعنى: أننا لا نفترض أنهم لا بد أن ينكروا ما جَاءَ به النبي ﷺ وأن يقولوا: إن هذا ليس هو الطريق الصحيح، لا؛ بل منهم من يقول: إن النبي ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَر والصحابة جميعاً سلكوا طريقاً في التعبد يوصل إِلَى الله ، لكننا لسنا ملزمين في أن نتبع نفس الطريق فلنا أن نتخذ طريقاً آخر وغيرنا له أن يتخذ طريق آخر وهكذا.
стр. 772
ويمكن لأي إنسان أن ينتهج أي طريق لكن المهم هو أن يكون القلب متعلقاً بالله، ويكون هدفه محبة الله ولا يفكر في جنة ولا في نار ولا في حساب ولا ثواب، كما يزعمون! المهم أنه يرى الله حتى قال قائلهم: لو أدخلني النَّار وهو راضٍ عني، أو أدخلني النَّار وأراني وجهه لم أبالِ بحرها، فليدخلني النَّار أو ليضعني أينما شاء -والعياذ بالله- من ذلك، فجعلوا رؤية الله محوراً أو ستاراً لبث الضلالات والكفر بين الْمُسْلِمِينَ وإدخال دين الهندوس والبوذيين بين هذه الأمة.
ثُمَّ قالوا: إن من يعبد الله قاصداً بذلك الجنة أو النَّار فهذا مجرد تاجر يبيع ويشتري، هذا لا محبة عنده ولا يريد محبة الله فدرجته منحطة -هكذا يزعمون- وقد سبق الرد عليهم كما قال الله ﵎ في حال الأَنْبِيَاء وعباده الصالحين: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:٩٠] فالعبادة تكون بالحب وبالخضوع وبالذل وبالخوف وبالرجاء، ولا يجوز أن نكتفي بشيء منها عن شيء، فلا بد أن تجتمع فيها هذه الأربعة غاية الحب مع غاية الذل والخضوع، وغاية الرجاء مع غاية الخوف، وبذلك تكون العبودية الصحيحة لله ﵎ أما قولرابعة:
أُحِبُكِ حُبَينِ حُبُ الهَوى وحبٌ لأنَّكِ أَهْلٌ لِذَاكا
فهذا البيت وإن احتمل معنى صحيحاً فلسنا بحاجة إليه فإن الله أغنانا عنه والمعاني الباطلة التى يتضمنها -هو وأمثاله- مردودة بكتاب الله وبسنة رسوله الله ﷺ الذي كَانَ أكثر دعاؤه كما روىأنس بن مالك رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كما في الصحيحين رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار [البقرة:٢٠١] .
стр. 773
فالنبي ﷺ يستعيذ من النَّار وأصحاب النبي ﷺ يقومون الليل وكانوا إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النَّار بكى خوفاً منها، فالسلف الصالح كانوا يعبدون الله طمعاً ورغبة في أجره وثوابه ومغفرته وجنته، وكانوا يعلمون ويعتقدون أن أفضل النعيم نعيم الجنة، وأعلى ما في الجنة من النعيم هو رؤية الله ﵎، كما جَاءَ ذلك في الأحاديث الصحيحة.
وأما هَؤُلاءِ الصوفية فيقولون: لا نريد جنة ولا ناراً، وإنما يريدون الذات ويريدون الوجه.
وبعضهم يقول: إن هذا يمكن أن يحصل في الدنيا وكثير منهم يزعم ذلك، فإذا حصلت الرؤية في الدنيا فما الحاجة إذاً إِلَى الآخرة، إذاً انتهى الحساب وانتهى الجزاء وانتهى التكليف، وقد أخبر النبي ﷺ أنه لن يحصل ذلك لأحد في الدنيا، كما قال ﷺ : (لن يرى أحدكم ربه حتى يموت) .
стр. 774
شرح العقيدة الطحاوية
الحوض
فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي.
قال أبو جعفر الطّّحاويّ:
[والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غِيَاثاً لأمته حق]
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تَبْلُغُ حَدَّ التواتُرِ، رواها من الصحابة بِضْعٌ وثلاثونَ صحابياً، ﵃، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عِمَادُ الدين ابن كثير -تغمده الله برحمته- في آخر تاريخه الكبير المسمى بالبداية والنهاية.
فمنها: ما رواه البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عن أنس بن مالك ﵁ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن قدر حوضي كما بينأيلة إِلَى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) .
وعنه أيضاً عن النبي ﷺ قَالَ: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصيحابي، فَيَقُولُ: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ورواه مسلم.
وروى الإمامُ أَحْمَد عن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: (أغفى رَسُول الله ﷺ إغفاءةً فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثُمَّ قَالَ: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد الكواكب يُخْتَلجُ العبد منهم، فأقول: يارب إنه من أمتي، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) .
стр. 775
ورواه مسلم، ولفظه (فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ) والباقي مثله. ومعنى ذلك أنه يَشْخُبُ فيه مِيزَابَانِ من ذلك الكوثر إِلَى الحوض] اهـ.
الشرح:
هذا الموضوع هو أحد أمور الغيب التي صح بها الخبر وثبتت عن النبي ﷺ بأحاديث كثيرة، وهذا مما يجب الإيمان به، فيجب أن نؤمن بالحوض، وبالصراط وبالميزان، وبجميع ما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أمور الغيب، والمراد إثبات هذه العقيدة، والرد عَلَى من خالف فيها وإبطال شبههم، وقوله: (والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غياثاً لأمته حق) ، والضمير في (أكرمه) يعود إِلَى النبي ﷺ ، وابتدأ المُصنِّفُ ببيان الأحاديث الواردة في الحوض وأنها تبلغ حد التواتر.
اختلف العلماء في الحوض: هل هو مختص بالنبي ﷺ أم أن غيره من الأَنْبِيَاء لهم حوض؟
وسبب الاختلاف: يرجع إِلَى الحكم في تصحيح النقل في ذلك، لأن علماءأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كما علمنا في باب المغيبات وغيرها إنما يتبعون النقل الصحيح عن النبي ﷺ ، فهذا النقل ورد فيه حديث وراه التِّرْمِذِيّ (إن لكل نبي حوضا) وهذا الحديث قال التِّرْمِذِيّ بعد أن ذكره، اختلف في وصله وإرساله، والمرسل أصح، وهذا القول هو الصحيح.
وقال الحافظابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- المرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن فالحديث مرسل، فمن يعمل بالمرسل -من الفقهاء- فقد رأى أن هذا الحديث صحيح وثابت، والاستدلال به جائز، ومن كَانَ لا يقبل المرسل أو لا يعمل به أولم يثبت لديه هذا الحديث -وهو مذهب المحدثين- فلا يثبت، وعليه فلا نثبت لغير النبي ﷺ حوضاً، إلا أن يصح النقل من غير هذه الطريق.
следующие страницы →