← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

نظير ما يعني بالدهر إذا أريد بالدهر نحو ذلك من أمر عدمي أو بعض صفات الحي أو أمر إضافي أو نحو ذلك فإنه كما يقال إن الحيز تقدير المكان فإنه يقال الدهر تقدير الزمان وكما يقدر الذهن فيهما العالم أحيازًا عدمية هي تقدير الأمكنة فإنه يقدر قبل العالم دهورًا عدمية هي تقدير الأزمنة وهذا هو الذي يجعله بعض الفلاسفة أمرًا وجوديًّا كما يُذكَر ذلك عن أفلاطون ويحكون أنه يُثبِت المادة والمدة والخلا والمثل الأفلاطونية

стр. 2732

وأرسطو صاحبه وجمهور العقلاء يعلمون أن هذه إنما هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان بل العقلاء يعلمون أن ما بيَّنه أرسطو وأتباعه من الهيولى المطلقة إنما هي أيضًا في الأذهان لا في الأعيان بل وكذلك ما يثبتونه من العقول المحرفات وإذا كان كذلك فتقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في

стр. 2733

الحيز وما لا يكون نظيره تقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في الذهن وما لا يكون ومعلوم أن هذا تقسيم ذهني لا خارجي وإلا فكل موجود في الخارج فهو في الذهن ومعلوم بهذا التفسير فكذلك كل موجود في الخارج فهو في الحيز بهذا التفسير وليس من الموجودات شيء يمتنع عليه أن يقال هو في أمر عدمي وإن سمي ذلك العدمي حيزًا أو دهرًا ولا في الموجودات ما يمتنع أن يضاف إليه أو ينتسب إليه شيء بل إذا كان لا موجود إلا ويمكن أن يقارنه ما يقدر فيه الزمان فلا موجود إلا ويقارنه ما يقدر فيه المكان وأما خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فنظيرُه خلو الشيء عن ثبوت الفوقية ولا ثبوتها فقول القائل إما أن يكون للشيء أول أو يكون مسبوقًا بغيره أو لا يكون فإن كان له أول فهو العالم والمحدث وإن لم يكن له أول فهو الرب القديم نظيره قول القائل إما أن يكون للشيء فوق بمعنى أنه علاه غيره أو لا يكون فإن علاه غيره فهو العالم وإن لم يَعْلُهُ غيره فهو الرب الأعلى ولهذا قال النبي ﷺ أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء

стр. 2734

وأنت الباطن فليس دونك شيء وكذلك إذا فسر المُحْدَثُ بالذي كان بعد أن لم يكن أو بالمسبوق بعدم نفسه وقيل يكون مسبوقًا بتقدير زمان فإنه يفسر الأسفل بالذي يمكن لأن يعلوه غيره ويقال هو مخصوص بعلم ما يمكن بتقدير موجود فيه وإذا قيل الأول القديم هو الذي لم يزل موجودًا وهو الذي لم يسبقه شيء فتفسير الظاهر بأنه العلي الأعلى وهو الذي لا يعلوه شيء وإذا قيل إن الباري لم يسبقه عدم يصلح لتقدير الزمان قيل إنه لا يعلوه عدم يصلح لتقدير المكان فكما لا يمكن أن يكون شيء قبله لا يمكن أن يكون شيء فوقه بل هو كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء

стр. 2735

وقد تكلمنا بنحوٍ من ذلك في أول هذا الحكم العادل بينه وبين منازعه الذي خلَّصنا فيه ما التبس من الحق بالباطل في تأسيسه ولكنا تكلمنا هنا على ما ذكره في نهايته وقد ظهر بما ذكرناه أنه عمد إلى تقدير المكان والزمان فذكر في أحدهما المقارنة له وذكر تقسيم الموجود إلى المقارن له وغير المقارن وذكر في الآخر الذي في القسمين جميعًا المقارنة له لكن فتتميمها إلى المقارن المطلق والمقيد وليست هذه موازنة عادلة ومقايسة صحيحة وتمثيلاً مطابقًا في الموضعين بل هذا من الأقيسة الفاسدة الجائرة الظالمة بل يجب أن يوزن ونسبة كل واحد بنظيره وحينئذ فيكون في كل من الصنفين نوعان فيجيء المجموع أربعة كما ذكرناه الوجه الثالث أنه ينبغي أن يعرف أن الأمثال والمقاييس تُضرب للشيء تارة لخفاء حكمه وظهوره بالتمثيل سواء كان التمثيل لتصوُّره أو للتصديق به وتارة يكون هو في نفسه مع سلامة الفطرة جليًّا بديهيًّا ظاهرًا ولكن في القلب ظن أو هوى يصرفه عن معرفة نفسه فضرب المثل الذي لا يعارض

стр. 2736

الحق فيه لا ظن ولا هوى فيدركه القلب ويعلم أن هذا مثل ذلك بالضرورة فينقاد إلى الحق لزوال المانع فالغرض أن الأمثال تضرب تارة لتحقيق المقتضى وتارة لدفع المانع ويكون المقصود بها العلم تصورًا أو تصديقًا ويكون المقصود بها أيضًا اتباع العلم والعمل بموجبه أيضًا وهذا كما أن الملكين لما نزلا على داود فقالا فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ ﴿٢٢﴾ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴿٢٣﴾ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ الآية [ص ٢٢ - ٢٤] فلما حكم داود تبيَّن أن هذا مثل مضروب له وعلم حال نفسه ومعلوم أن الأدلة العلمية على قضية كلية يحصل بها التصورات العلمية على هذه القضية لكن هذه لم يكن فيها مانع يخاف أن يعوقه عن معرفة الحق واتباعه فكان التمثيل بما يؤمن فيه المانع محصلاً للمقصود وما نحن فيه من تمثيل المكان وتقديره بالزمان وتقديره هو من هذا الباب فإن مورد النزاع قد حصل فيه للمنازع من الاعتقاد ما قد يصرف عن تصور المطلوب وإلا فالأمران بديهيان فطريان ضروريان في الحقيقة وإذا كان كذلك فنحن نتكلم على ما ضرب من المثل

стр. 2737

فيقول له المنازع لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن التقدم عليه والحدوث وهذا هو المثل الذي ضربه والأصل الذي مثل به وهو خلو الموجود عن هذين النعتين جميعًا اللذين لابد للموجود من أحدهما فإن الذي سبقه غير محدث والذي سبق غيره أو سبق كل شيء قديم يـ قال وكذلك مسألتنا لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن العلو والسفول خاليًا عن الدخول في غيره والخروج عنه فهو أيضًا ذكر خلو الموجود مع غيره عن هذين النعتين وكل من هذين النعتين ينقسم إليهما الموجود له والموصوف به نسبة وإضافة إلى النعت الآخر وموصوفه فللقدم والقديم نسبة وإضافة إلى المحدث والحدث وبالعكس وكذلك العلو والعلي نسبة وإضافة إلى السفل والسافل فالقديم متقدم على المحدث فلا شيء أقدم منه والمحدث ما تقدمه القديم أو ما تقدم عدمه أي كان بعد أن لم يكن كائنًا فكان قبله تقدير زمان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود في غيره والعلي عالٍ على السافل وهو العلى فلا شيء أعلى منه والسافل ما علاه العلي وما علاه عدم أي كان يجب أن يكون ما لم يكن

стр. 2738

فيه أو كان فوقه حيز وهو تقدير مكان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود فيه غيره وهذه موازنة صحيحة وأنت ذكرت في الجواب أن صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية وعدمها وكونه حاصلاً في الحيز أو ليس فيه وفي غيره والخروج منه قسمان للمتحيز على ما يقوله فهو كما لو قيل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الدهر وإلى ما لا يكون فكان الواجب أن تذكر نفس الصورة التي ادعى منازعك العلم الضروري بها إما بلفظها أو بلفظ آخر ثم تعرضها على العقل هل يقبلها أو يردها وهو قد قال العقل لا يحكم حكمًا بديهيًّا عن الموجود مع غيره إما أن يكون داخلاً فيه أو خارجًا عنه غير داخل فيه ويحكم بأن الموجود مع غيره إما أن يكون محدثًا معه أو متقدمًا عليه غير محدث وهو لا يذكر هذه الصورة للاحتجاج بها أو أن الحكم فيها أقوى بل نفس ما ذكره معلوم بفطرة العقل وضرورته كما أن الثاني كذلك وليس العلم بالأول مستفادًا من العلم بالثاني ولا بالعكس بل كل منهما معلوم

стр. 2739

بنفسه والعقل بفطرته وبديهته يعلم أن الموجودين إما أن يكون أحدهما داخل الآخر أو خارجه وإما أن يكون فوقه أو لا يكون فوقه وإما أن يكون محايثًا له مجامعًا له في حيزه بل مباينًا لحيزه وكل هذه العلوم مستقرة في الفطرة وقول القائل العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون متحيزًا أو إلى ما لا يكون ليس نظيرًا لذلك لا في اللفظ ولا في المعنى فلا يدفع ما علم من ذلك بالبديهة وحينئذ فلا حاجة إلى القياس والتمثيل ويعرف ذلك بالوجه الرابع وهو أن يقال قول القائل لا أعقل موجودًا خاليًا عن القدم والحدوث أو لا أعقل موجودًا لا داخل الموجود الآخر ولا خارجه ولا مباينًا له ولا محايثًا له ليس معناه أني لا أعلم ذلك ولا أعرفه أو أني أعجز عن عقله ومعرفته فإن كون الإنسان لا يعلم الشيء ويعقله أو لا يقدر على عقله وعلمه لا يدلُّ على عدمه ولا على امتناعه إذ في الموجودات التي لا يعلمها كثير من بني آدم ولا يقدرون على علمها ما لا يحصيه إلا الله وإنما مراد القائل بقوله هذا غير معقول أي لا يتصور أن يكون معقولاً ومعلومًا وجوده أي يمتنع أن يعقل وجوده أو يعلم وجوده وما امتنع العقل أو العلم بوجوده كان ممتنعًا في نفسه وهذا كقوله تعالى قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ [يونس ١٨] أي بما لا يكون فإنه لو

стр. 2740

كان لعلمه وهكذا ما عقل الإنسان وعلم امتناعه في نفسه وأنه لا يمكن وجوده يقال فيه أنه غير معقول وأن هذا لا يُعقل وإن كان هذا اللفظ يقال على المعنى الأول فاللفظ إذا كان فيه اشتراك قد يغلط الناس في فهمهم فـ لا يعرف المعنى وإذا علم أن هؤلاء المنازعين قالوا إنا نعقل عقلاً ضروريًّا فطريًّا أو نعلم علمًا ضروريًّا فطريًّا امتناعَ وجود موجودين ليس أحدهما داخل الآخر ولا خارجه ونعلم أن من أثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه فإنه أثبت ما لا يتصور أن يعلم وجوده وما لا يكون وجوده بل هذا بمنزلة جعلِه لا موجودًا ولا معدومًا ولا قديمًا ولا محدثًا ولا عالمًا ولا غير عالم ولا قادرًا ولا غير قادر والموجود يمتنع أن يخلو عن هذين النقيضين فمن أثبتهما أو نفاهما يكون قد وصف الموجود بصفة الممتنع وجوده فضلاً عن أن يكون معدومًا فيكون قد أثبت واجب الوجود وجعله ممتنع الوجود فيكون قد جمع في كلامه بين إثبات واجب الوجود بين وجوده وبين عدمه وهذه صفة هؤلاء الملاحدة من الجهمية وأشياعهم هم منافقون مذبذبون بين الإقرار بالصانع واجب الوجود وبين إنكاره وإحالة وجوده لا جحدوه بالكلية ولا أقروه بالكلية

стр. 2741

وصفوه بما يقتضي أنه واجب الوجود ووصفوه بما يقتضي أنه ممتنع الوجود ثم قد يكون هذا في كلامهم اغلب وقد يكون هذا أغلب وحينئذ فيكون الكفر الصريح على بعضهم أغلب وهو حال الملاحدة النفاة للنقيضين جميعًا فإن جحود هؤلاء وجعلهم له ممتنعًا أضعاف إقرارهم بوجوب وجوده وقد يكون الإثبات أغلب وهو حال من أقر بعامة أسمائه وصفاته وإنما جحد منها شيئًا يسيرًا كما يوجد في بعض الصفاتية كثيرًا وهؤلاء يؤمنون ببعض أسناء الله تعالى ويكفرون ببعض ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولهذا تنازع الناس في إيمانهم وكفرهم بما ليس هذا موضعه ولا ريب أن فيهم الجاهل المتأول الذي لا يجوز أن يُحكم عليه بحكم الكفار وأن قوله من قول الكفار كما أن فيهم المنافق الزنديق الذي لا ريب في نفاقه وكفره وإذا كان منازعك قد قال إنا نعلم ونعقل بالفطرة امتناع وجود ما ذكرته من وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فقولُك صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى متحيز وغير متحيز ليس فيه جواب عن هذا القول أصلاً فإنك

стр. 2742

لم تقل إن صريح العقل يقبل وجود موجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه فإنك لو قلت هذا كان رجوعًا إلى قولك الأول وكان ذلك مقابلة لدعوى العلم الضروري بالامتناع بدعوى العلم الضروري بالإمكان وإذا وصل الأمر إلى أن يقول أحد المناظرين أنا أعلم بالضرورة امتناع هذا ويقول الآخر أنا أعلم بالضرورة إمكانه لم يكن الفصل بينهما إلا من وجوهً أخرى كما بيَّناه في غير هذا الموضع ومع هذا فلا يكون أحدهما قد قطع الآخر فإذا كنت لو ادعيت العلم الضروري بإمكان لم يكن له وحينئذٍ يكون كلٌّ منهما متكافئًا فكيف إذا لم تذكر ذلك بل ادّعيت العلم بشيء آخر غير محل النزاع الذي ادعى المنازع العلم الضروري به ومن المعلوم أن أحدًا من الخلق لا يمكنه أن يدعي الضرورة بإمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه بل غايته أن يذكر علمًا نظريًّا وأن

стр. 2743

يزعم أن ما عند المنازع ليس علمًا ضروريًّا وأن لا يقول أنا أعلم بالضرورة امتناع هذا فغايته أن ينفي العلم الضروري الذي إنْ اضطر إليه بعض الناس لم يضطر إليه آخرون لم يكن هذا دافعًا لما عند أولئك لأنه إنْ جوّز اختصاص بعض الناس بالعلوم الضرورية كما يختصون العلوم النظرية كما يختصون بالعلم بالأخبار المتواترة والمخبريات وعلم الأشياء الدقيقة وهذا أصح القولين فلا يضرهم عدم علم غيرهم وإن قيل بل يجب اشتراك الناس في كل العلوم الضرورية كما تقوله طائفة من أهل الكلام فإذا قال هؤلاء نحن مضطرون إلى العلم وقال هؤلاء لم نضطر إليه لم يكن قبول قول أحدهما أولى من الآخر إلا بموجب منفصل وعلى هذا التقدير فلا يندفع ما ذكره المنازع من العلم الضروري بنفي ذلك عن محل النزاع لو فعله المنازع فكيف إذا لم يذكر ذلك إلا في ضرورة أخرى يقرّر هذا الوجه الخامس وهو أن هذه الصورة التي ادعى أن العقل الصريح لا يأباها إمّا أن تكون مستلزمة لإمكان ما أحاله المنازع أو لا تكون مستلزمة لإمكانه فإن لم تكن مستلزمة لم يكن جوابًا أصلاً وإن كانت مستلزمة كانت غايته أنه قدح فيما

стр. 2744

ذكره المنازع من العلم الضروري بحجة نظرية لأنه يقول العقل يجوِّز هذا وتجويز هذا يستلزم تجويز ذاك والقدح في الضروريات بالنظريات غير مقبول لأن الضروريات أصل النظريات فلو جاز القدح في الضروريات بالنظريات لكان ذلك قدحًا في أصل النظريات والقدح في أصل الشيء قدح فيه نفسه فيكون القدح في الضروريات بالنظريات يتضمن القدح في الضروريات والنظريات وإذا كان على هذا التقدير لا تصح الضروريات ولا النظريات لم يكن هذا علمًا ولا كلامًا صحيحًا فلا يقدح به في شيء وهذا من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وهو كما قيل حُجَجٌ تهافت كالزُّجاج تَخَالُهَا حقًّا وكُلٌ كاسرٌ مكسورٌ وإذا كان القدح في الضروريات بالنظريات مستلزمًا ألاَّ يكون واحدٌ منهما علمًا ولا يثبت أنه حق وصدق كان كلام القادح

стр. 2745

ليس علمًا ولا يثبت أنه حق وصدق فلا يكون مقبولاً فثبت أنه على التقديرين لا يقبل ما ذكره وليس هو علمًا ولا ثبت أنه حق وصدق فبقي ما قاله المنازع على حاله غير مقدوح فيه الوجه السادس أن هذه الصورة التي قد ذكر أن العقل الصريح لا يأباها وهو أنه لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما لا يكون فيقال له تعني بقولك إن العقل الصريح لا يأبى هذا التقسيم أتريد أن العقل الصريح لا يعلم امتناع هذا في الحيز أو أن العقل الصريح يعلم إمكان هذا في الخارج فإن قال العقل الصريح يعلم إمكان هذا في الخارج كان معنى ذلك أن العقل الصريح يعلم أنه يمكن في الخارج وجود موجود متحيز ووجود موجود غير متحيز كما يعلم وجود موجود متحيز وقائم بالمتحيز ووجود الجسم وصفاته والعقل الصريح هنا إنما يُراد به العلم الضروري وإلا لم يحصل المقصود ومعلوم أنه لم يَدَّع ولا ذكر عن أحد من ذويه أنهم ادعوا أنهم يعلمون علمًا ضروريًّا وأن عقلهم الصريح يحكم بإمكان وجود موجود في الخارج ليس بمتحيز ولا قام بالمتحيز إذا فُسِّر المتحيز بالمباين لغيره بالجهة بل هؤلاء إنما يثبتون إمكان ذلك كما يثبتون وجوده بالأدلة النظرية ولو أمكنهم دعوى العلم الضروري بذلك كانوا يدعون العلم

стр. 2746

الضروري بإمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ثم لو قُدِّر أنه ادعى ذلك مدعٍ لم يكن دعواه دافعة لما ادعاه أولئك بل يكون الحكم لغيرهما وحينئذ فعليهم جميعًا أن يسلِّموا الحمم لكتب الله المنزلة وأنبيائه المرسلة ولا نزاع بين الخلائق أن دلالة الكتب الإلهية والآثار النبوية على أنه سبحانه فوق العالم أعظم من دلالتها على نفي كيفيته وكَمِّيتهِ وذلك يقتضي رجحان ذلك لو فرض أن لهؤلاء في السمع دليلاً فكيف وجميع علمائهم وعلماء الأولين والآخرين يعلمون أن السمع ليس فيه دلالة تدل لا نصًّا ولا ظاهرًا على أن الله ليس فوق العالم وفيه من الأدلة التي هي نصوص وظواهر على أن الله فوق العالم ما لا يحصيه إلا رب العباد ولما علم الله أن بني آدم يصل الأمر بينهم في المناظرات إلى هذا الحد وكانوا يدعون وجدا وعلمًا ضروريًّا إما صادقين في ذلك وهم غالطون لا يعرفون وجه غلطهم وإما كاذبين في ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وأمرهم أن يحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه ولهذا لا يقطع النزاع عن بني آدم إلا بالنبي والرسول وحاجتهم إلى ذلك ضرورية قال الله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة ٢١٣] وقال تعالى فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ

стр. 2747

الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿٥٩﴾ [النساء ٥٩] وهذا كله إذا ادعى مدعٍ العلمَ الضروري العقلي بنقيض ما ادَّعاه أولئك فكيف ولم يذكر أن أحدًا ادعاه ولا يدعيه إلا من خالف أصحابه ودخل في السفسطة الصريحة والجحود والبهتان ولا ريب أن باب الكذب والافتراء ليس مسدودًا فيمكن أن يحمل بعض الناس اعتقاده وظنه أو هواه وغرضه أو كليهما على ادعاء ذلك وإن قال معنى قولي إن العقل الصريح لا يأباها أي لا يعلم امتناعها فهذا إذا علم لم يضر المنازع فإن المنازع إذا قال أنا أعلم بالضرورة امتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وأنت لم تعلم امتناع صورة تستلزم إمكان ذلك لم يكن عدم العلم بامتناع ما يوجب إمكان ذلك قادحًا في العلم بامتناعه فإنا إذا علمنا أن الشيء ممتنع وكان إمكان غيره مستلزمًا لإمكانه وذلك اللزوم لا يعلم امتناعه لم يكن عدم علمنا بامتناع مستلزم الإمكان مثبتًا للإمكان هذا ولا مانعًا من العلم بالامتناع وقد تقدم أنه لو قال لا أعلم امتناع ذلك لم يكن هذا جوابًا فكيف إذا قال بما يثبت به الإمكان أني أعلم امتناع هذا التقسيم لم يكن عدم العلم بامتناعه موجبًا عدم العلم بامتناع ذلك الخلو عن القسمين إذ أحدهما ليس هو الآخر وإن كان

стр. 2748

بينهما تلازمًا الوجه السابع أن يقال لا نسلّم أن العقل الصريح لا يأبى هذا التقسيم إذا بين معناه وزال عنه الاشتباه وذلك أن الحيز يراد به الأمر الوجودي المنفصل عن المتحيز ويراد به ما لا ينفصل عن المتحيز ولا يستلزم وجود غيره فإن تحيز العالم وغيره من الأجسام لا يستلزم وجود شيء غيره وبالجملة فالمتحيز إن أريد ما يستلزم وجود شيء غيره لم ننازع فيما ذكره من التقسيم فإن العقل يعلم أن الموجود قد يكون في حيز منفصل عنه وقد لا يكون ولكن هذا لا يضر فإن المنازع إنما ادعى العلم الضروري أن الموجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه لم يذكر المتحيز وكذلك إن أريد بالمتحيز الجسم فقط دون العرض فقد علم أن الموجود فيه أجسام وصفات يقوم بها وإن كان هذا فيه نزاع ومن الناس من يقول لا موجود إلا الجسم وهذا تنازع في هذا التقسيم ويقول لا أسلّم أن العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون متحيزًا أو غير متحيز لكن ليس الغرض الكلام من جهة هؤلاء فقط بل يقالُ كلامًا عامًّا إذ لا حاجة إلى هذه الأقوال فإذا أراد بالحاصل في الحيز المتحيز أصالة أو تبعًا ولم يعين بالحيز أمرًا وجوديًّا منفصلاً عنه لم يسلم له منازعه أن العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الحيز وما لا يكون حاصلاً فيه لا بمعنى أن العقل يعلم جواز ذلك في الخارج كما تقدم

стр. 2749

ولا يعني أن العقل الصريح لا يعلم امتناع ذلك بل نقول العقل الصريح يعلم امتناع ذلك مما صرح ذوو العقول الصريحة من أئمة الإسلام وعلمائهم بأن العقل يمنع ذلك ولم يعرض على ذوي عقل صريح هذا إلا أنكره ونفاه إذا فهم حقيقة المعنى وأما من لم ينكر عقله ذلك فلأنه لم يعرضه على العقل الصريح فإن الصريح هو المحض الخالص الذي لا يشوبه هوى ولا جهل فكثير من الناس يسمع هذه الألفاظ المتداولة مثل الحيز والمتحيز والجسم والجوهر والعرض والصفات ونحو ذلك وهي فيها من الاحتمال والاشتراك ما يوجب تنازع العقلاء فيها فيكون كثير من النظر في مسماها ليس بعقل صريح خالص من الاشتباه والاشتراك ومن الناس من أَلِفَ قولاً واعتاده وتقلده عن بعض المعظَّمين في قلبه مثل تقلده أن الباري ليس في جهة أو أنه ليس بمتحيز أو ليس بجسم ولا جوهر أو هو جسم أو جوهر فيكون هذا التقليد مانعًا له من أن يكون عقله صريحًا كما قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ ن

стр. 2750

َتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴿١٧٠﴾ [البقرة ١٧٠] وقد قال تعالى وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴿١١٦﴾ [الأنعام ١١٦] وقال تعالى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴿٤٤﴾ [الفرقان ٤٤] فالعقل الصريح قليل في بني آدم ولكن علامته متابعة ما جاء به الرسل عن الله تعالى فإن العقل الصريح لا يخالف ذلك قط بل لو وَحَّدَه لوجد الإيمان ولهذا قال أهل النار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ [الملك ١٠] فأخبروا أنه أي الأمرين وجد منهم العذاب وقد قال تعالى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴿٤٦﴾ [الحج ٤٦]

стр. 2751

وأعظم الناس عقلاً وأعظمهم إيمانًا ويقينًا بما جاءت به الرسل وهم أعظم الناس علمًا كما قال تعالى وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٦﴾ [سبأ ٦] وأن العقل الصريح يوجب الاجتماع فإن الحق لا يختلف ولا يتناقض ولهذا كان ما جاء من عند الله كذلك كما في قوله كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ [الزمر ٢٣] وقال في خلافه وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴿٨٢﴾ [النساء ٨٢] وقال إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴿٨﴾ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿٩﴾ [الذاريات ٨- ٩] وقد قال تعالى تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿١٤﴾ [الحشر ١٤] فَبَيَّنَ أن تشتُّتهم بسبب عدم العقل ومعلوم أن هؤلاء المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم من أعظم الناس تفرقًا واختلافًا ولهؤلاء في معنى الجسم والجوهر والمتحيز والعرض وأحكامه نفيًا وإثباتًا من الاضطراب ما لا يعلمه إلا الله فأين العقل الصريح معهم ولكن معهم دعوى العقل ولكن بين دعوى صفات الكمال وبين وجودها بون عظيم فما أكثر من ادعى بنوة الله وولايته وهم من أكذب الناس وكل من خرج عن شريعة الله فلابد أن يفتري ويكذب في دعواه منهم من ادعى

стр. 2752

النبوة والرسالة كمسيلمة والعنسي والثقفي وغيرهم ممن قال الله تعالى فيهم وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام ٩٣] ومنهم من ادعى ولاية الله تعالى وأنه من أهله وخاصته كما يدعي ذلك الملاحدة من القرامطة والباطنية والرافضة والاتحادية وأمثال هؤلاء ممن

стр. 2753

هو إما منافق وإما فاسق وإما داعٍ إلى بدعة عظيمة ونحو ذلك وكذلك فيمن يدعي العقل الصريح والمعرفة بالمعقولات ويدعي صحة النظر ومعرفة الأدلة القطعية والبراهين الموزونة بالميزان العدل وغير ذلك من هم في كثير من أمورهم أو أكثرها من أبعد الناس عن العقل والمعقول وهذا كله تسمية الشيء من العيان والصفات بغير أسمائها كما قال تعالى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ [النجم ٢٣] وإذا كان كذلك فالمنازعون يقولون إن العقل الصريح يمنع أن يكون العقل الصريح موجودًا مع غيره ليس بداخلٍ في غيره ولا خارج أو ليس بمباين له ولا محايث أو يكون قائمًا بنفسه لا يباين القائم بنفسه بالجهة ونحو ذلك من المعاني التي يمكن التعبير عنها بعبارات متنوعة وما زال أئمة الإسلام يذكرون أن العقل يمنع وجود هذا فقول القائل هذا

стр. 2754

قول بأن الموجود لا يكون إلا جسمًا أو قائمًا به ونحو ذلك لا يدفع ما ذكر بعد ذكرنا بعض ما تقدم من قولهم فإن أول من ابتدع في هذه الأمة وصف الموجود بعدم النهاية هو الجهم ولفظ المتحيز والجسم والحد والنهاية وتنزيه الرب سبحانه بهذه الأسماء كلها من بدع الجهمية قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي وادعى المعارض أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية قال وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من

стр. 2755

العالمين أي من هذه الأمة وإلا فهذا النفي كان موجودًا قبل هذه الأمة في كثير من مبتدعه اليهود والنصارى وفي طائفة من المشركين والصابئين والفلاسفة لهم في ذلك قولان مشهوران قبل الإسلام قال عثمان فقال للجهم قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك منها أيها الأعجمي وتعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأنه لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء أبدًا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك لا حد له يعني أنه لا شيء قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره

стр. 2756

ولا يُجَوِّزُ أحدٌ أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونَكِل علم ذلك إلى الله تعالى والمكانة أيضًا حد وهو على عرشه فوق سماواته فهذان حدان اثنان قال وسئل ابن المبارك بِمَ نعرف ربنا قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل بحد قال بحد وتقدم ذكر هذا بتمامه وقال عبد العزيز المكي في رده على الجهمية بعد أن ذكر بيان فساد قولهم في مسألة العرش وأبطل قولهم إنه في كل مكان قال فلما شنعت مقالته قال أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء مع الشيء ولا كالشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء قال يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا لأنه لو كان شيئًا ما خلا في القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجًا منه فلما لم يكن في قولك شيء استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو خارجًا من الشيء فوصفت لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل وقال الإمام أحمد إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون

стр. 2757

مكان فقل أليس الله كان ولا شيء معه فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل وقد تقدم تمام هذا الكلام وقوله أيضًا فلما ظهرت الحجة على الجهم بما ادعى على الله أنه مع خلقه قال هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس قال لا فقلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة مَوَّهَ عليهم وقال في خطاب الجهمية وقلنا هو شيء فقال هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية فإذا قيل من تعبدون قال نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يُعرَف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم

стр. 2758

لا تؤمنون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلَّم موسى قالوا لم يكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم نظر أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله ولا يشعر أنهم إنما يعود قولهم إلى فرية في الله تعالى أو قال إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر إذا تبين ذلك أن يقال في الوجه الثامن كونه خارج العالم لا يخلو إما أن يستلزم كونه حاصلاً في الحيز أو لا يستلزم ذلك فإن كان ذلك لا يستلزم كونه متحيزًا أمكن أن يقال هو خارج العالم ولا يكون متحيزًا وحينئذ فالعلم بأن الموجود لا يكون إلا داخل العالم أو خارجه لا ينافيه العلم بأنه إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون فإن لم ينافِهِ لم يكن هذا جوابًا عن الأول بل يكون قول الأولين أن الموجود إما داخل الآخر أو خارجه صحيحًا وذلك يوجب أن يكون الباري إما داخل العالم وإما خارجه وهو مقصودهم وإن كان مع ذلك ليس بحاصلٍ في الحيز وهذا يقوله من يقول إنه فوق العرش مباين للعالم وليس بجسم

стр. 2759

فقوله الموجود إما حاصل في الحيز وإما غير حاصل في الحيز حينئذٍ يجتمع مع قول الأولين على هذا التقدير فلا يضرهم التزامه وإن كان هذا منافيًا للأول بحيث أنه إذا قيل الموجود قد يكون حاصلاً في الحيز وقد لا يكون وما ليس في الحيز ليس بداخل في غيره ولا خارج منه كان قول من قال إن الموجود لا يكون إلا داخلاً في غيره أو خارجًا قولاً منهم بأنه لا موجود إلا حاصل في الحيز وهذا هو الذي يقوله من يقول ليس فوق العرش وليس بجسم كما يقوله المؤسس وذووه ويقوله من يقول هو فوق العرش وهو جسم وهو أيضًا يقتضي قول من قال إن الله فوق العرش بحدٍّ وعلى هذا التقدير فيكون الأئمة الذين قالوا إنه لا موجود مع غيره إلا داخل الآخر أو خارجه أو أنه على العرش يقولون بهذا وأنـ ـه كان كذلك وقد علم أن هؤلاء يقولون إن العقل الصريح يمنع وجود موجود لا داخل الآخر ولا خارجه فيكونون هؤلاء على هذا التقدير يقولون إن العقل الصريح يأبى

стр. 2760

وجود موجود غير حاصل في الحيز على هذا التقدير والتفسير وقد صرح طوائف من أهل الكلام باللغة التي يتخاطبون بها بذلك وقالوا لا موجود إلا الجسم أو الجسم وما يقوم به وقالوا لا يعقل موجود إلا كذلك ومن ادعى وجود موجود غير ذلك فقد خالف العقل الصريح وهذا كله إذا ادعى المنازع ذلك بغير قياس على القديم والمحدث وأما تقديره بالقياس فيقال في الوجه التاسع المكان المشهور المعروف هو الأعيان المشهورة وما يقوم بها سواء قيل إن المكان هو نفس الأجسام التي يكون الشيء عليها أو فيها أو قيل إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاصق للسطح الظاهر للجسم المحوي وأما الزمان المعروف فإنه تابع للجسم سواء قيل إنه تقدير الحركة أو مقارنة حادث لحادث أو مرور الليل والنهار قال تعالى في كتابه الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام ١] وقال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [البقرة ١٦٤] ولا نزاع بين أهل الملل أن الله سبحانه كان قبل أن يخلق هذه الأمكنة والأزمنة وأن وجوده لا يجب أن يقارن وجود هذه الأمكنة والأزمنة كما تقدم بيان ذلك لكن مع هذه الأمكنة المخلوقة الموجودة يقدر الذهن لها أحيازًا حاوية لها ويقدر ذلك مع عدم هذه الأمكنة

стр. 2761

وهذا معنى قولهم الحيز وتقدير المكان وكذلك الذهن يقدر أن هذه الأزمنة لها دهر يحيط بها ويقدر فيه تعاقبًا كتعاقب الأزمنة وتقدير هذا الدهر مع عدم هذه الأزمنة وليس الغرض هنا الكلام بأن هذا الدهر والحيز هل هو وجودي كما يقوله بعض الناس أو هو عدمي لا وجود له في غير الذهن كما يقوله الجمهور وإنما الغرض ذكر مقايسة أحدهما بالآخر وقد علم أنه لابد من وجود واجب وأن هذا لا يمكن النزاع فيه وذلك هو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولا ريب أنه لم يزل موجودًا وأنه يمتنع عدمه فإن وجوب الوجود ينافي جواز العدم فضلاً عن وقوعه ولا نزاع بين من يقول بحدوث العالم أو تقدمه ووجوبه عنه في أنَّ العالم مفتقر إليه محتاج إليه وأنه متقدم عليه بالمرتبة والغلبة والذات وهؤلاء أيضًا قد يقولون العالم محدث ويعنون حدوثه وجوده بالرب ووجوبه به وافتقاره إليه لا يشترطون في المحدث أن يكون معدومًا ثم يوجد والمعروف في اللغة ما هو عُرْفُ أهل الكلام وغيرهم أن المحدث ما كان بعد أن لم يكن بل المحدث في اللغة أخص من المحدث عند أهل الكلام فإن المحدث والحدث يقابل القديم والمتقدم

стр. 2762

والقديم في اللغة ما كان متقدماً على غيره ولو كان مخلوقاً كما قال تعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿٣٩﴾ [يس ٣٩] وقال وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴿١١﴾ [الأحقاف ١١] وقال قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ ﴿٩٥﴾ [يوسف ٩٥] وقال الخليل ﵇ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ [الشعراء ٧٥-٧٦] والأقدم أبلغ من القديم والقديم فعيل من قدم يقدم ومنه قولهم أَحْدَثيّ فيما قدم وما حدث وقد زعم بعض أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم أن القديم حقيقة فيما لم يسبقه عدمٌ وهو الله وهو مجاز فيما تقدم على غيره مع كونه مخلوقاً وقال قوم لئن حرم أن الله لا يجوز أن يسمى قديماً لأن ذلك لم يرد به الشرع فأسماء الله شرعية والصواب أن القديم ما تقدم على غيره في اللغة التي جاء بها القرآن وأما كونه كان معدوماً أو لم يكن معدوماً فهذا لا يشترط في تسميته قديماً والله أحق أن يكون قديماً لأنه متقدم على كل شيء لكن لما كان لفظ القديم فيه نواحٍ

стр. 2763

لا تدل مطلقة إلا على المتقدم على غيره كان اسم الأوَّل أحسن منه فجاء في أسمائه الحسنى التي في الكتاب والسنة أنه الأول وفرق بين الأسماء التي يُدعَى بها وبينما يُخبر به من الألفاظ لأجل الحاجة إلى بيان معانيها كما هو مذكور في غير هذا الموضع فصار المتكلمون الذي يقولون إن القديم هو الله فقط وأن تسمية غيره به مجاز يجعلون القديم الذي لم يكن معدوماً ولم يزل موجوداً وجعلوا المحدث ماكان معدوماً ثم وجد وقالـ وا إن الله هو القديم وما سواه محدث وسبق العدم داخل في معنى المحدث عندهم ولا ريب أن من قال إن العالم لم يزل موجوداً يقول إنه قديم ولا ريب أن الله سبحانه قديم سواء فسر القديم بما لم يسبقه عدمه أو فسر القديم بأنه

стр. 2764

متقدم على غيره بل هو متقدم على كل شيء إذ هو الأول الذي ليس كمثله شيء وأما الحديث ففي اللغة لا يكون إلا ما حدث بعد أن لم يكن وهو عند أهل اللغة مقابل للقديم ولهذا يراد به المتجدد القريب الزمان كما يقال تمر قديم وتمر حديث لكن هؤلاء سموا العالم محدثاً باعتبار تقدم الباري عليه وإن لم يكن ذلك على محض اللغة ولهذا لم يوجد في كلام سلف الأمة وأئمتها لفظ حدوث العالم لأن هذا اللفظ يقتضي التجدد المنافي للتقدم الإضافي بل يقولون كما قال الله إنه مخلوق ونحو ذلك مـ ما أخبرت به الرسل وإن كان يوصف بالقدم الإضافي كما في العرجون القديم إذا عرف ذلك فقولُ القائل الموجود إما أن يكون قديماً أو محدثاً إذ لا يخلو عن القدم والحدوث ينبغي أن يعرف على هذه الاصطلاحات فمن جعل القديم ما لم يسبقه عدم وما سوى ذلك فهو محدث يقول الموجود إما أن يكون بعد

стр. 2765

عدمه أو يكون موجوداً لم يزل وهذا تقسيم حاصر وعلى هذا فالقِدم له وجهان أحدهما ذاتي للموصوف وهو يعود إلى كونه أزليًّا وهو كونه موجوداً لم يزل سواء قدر وجود غيره أو لم يقدر والثاني أن يكون قدمه باعتبار تقدمه على غيره وذلك معنى كونه الأول فإن اسم الأول فيه معنى للإضافة إلى غيره كما في المتقدم على غيره بحيث لو لم يفرض وجود غيره لم يعقل كونه أولاً أو آخراً كما لم يفهم كونه متقدماً أو سابقاً فإذا قيل الموجود إما أن يكون قديماً أو محدثاً فهو بالمعنى الذاتي إما أن يكون أزليًّا أو لا يكون وبالمعنى الثاني إما أن يكون قبل غيره أو لا يكون وكونه قبل غيره له وجوه قد تقدم ذكرها ومن قال بقدم العالم يقول هو قبل العالم بوجه مع أنهما أزليان وكنوه أزليًّا معناه أنه لم يزل موجوداً وهذا الأزلي الدايم الباقي يقدر العقل معه دهوراّ متعاقبة شيئاً بعد شيء لا ابتداءَ لها كما لا ابتداءَ له هذا مع تقدير أنه لا وجود للزمان المعروف لكن قد تقدم أن هذا الدهر المقدر لا وجود له إلا في الذهن عند أكثر الناس ومنهم من يجعل وجوده خارجيًّا وكذلك القديم بالمعنى الثاني فإن المتقدم على غيره يعقل تقدمه عليه مع عدم الليل والنهار والزمان المعروف والذهن يقدِّر بينهما دهوراً متعاقبة كنحو ما يقدره مقارناً لوجود الأزل وهكذا يوجد في اسمه الكبير والعظيم والعلي والظاهر

стр. 2766

ونحوه من أسماء الله المتعلقة بالمكان فإنه هو سبحانه في نفسه قائم بنفسه متميز بحقيقته وهو في نفسه كبير عظيم سواء كان غيره موجوداً أو لم يكن لكن العقل يقدر معه أحيازاً خالية لا نهاية لها وهذه تقديرات ذهنية لا وجود لها في الخارج عند عامة العقلاء ومنهم من يزعم أنها وجودية وهي تقدير المكان وهذه المباينة والامتياز وكونه بحيث يشار إليه أمر ثابت له سواء كان غيره موجوداً أو لم يكن ثم إذا وجد غيره فهو أيضاً مباين له منفصل عنه فمباينته تابعة لوجوده لا يكون موجوداً إلا بحقيقته التي يباين بها غيره وهو العظيم الكبير ولا يكون واجب الوجود إلا بوجوب هذه المباينة له لاختصاصه بحقيقته التي تستلزم مباينته لغيره وهو الصمد الذي لا يجوز عليه التفرق وهو الكبير العظيم وكما أن وجوده بنفسه يقتضي أزليته فوجوده بنفسه يقتضي عظمته وبينونته التي هي أعظم من كل عظمة وبينونة وأن يكون أحداً صمداً لا يخرج منه شيء فيكون والداً ولا يخرج من شيء فيكون ولداً إذا حقيقته مباينة لكل شيء فإنه كما أن وجوبه بنفسه ينافي عدمه فلا يكون محدثاً موجوداً بعد عدمه لأنه حينئذ يكون مفتقراً إلى غيره فلا يكون وجوده بنفسه ينافي تعلقه بغيره وملابسته له بحيث يكون محتاجاً إلى مماسته ومخالطته ونحو

стр. 2767

ذلك فإن ذلك ينافي وجوبه بنفسه بل هو الغني مطلقاً الصمد مطلقاً فيكون مبايناً لغيره لا يحتاج إليه ولا يتعلق به بوجه من الوجوه كما لا يجوز عليه العدم والحدوث بوجه من الوجوه وهذه المباينة لها وجهان أحدهما ذاتي للموصوف وهو يعود إلى كونه موجوداً ووجوبها يعود إلى كونه واجب الوجود صمداً والثاني أن تكون مباينته باعتبار انفصاله عن غيره إذا وجد وذلك معنى كونه الظاهر والأعلى والظاهر في المباينة كالأول في المتقدم قال تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد ٣] وقال النبي ﷺ أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء فقول القائل لا يكون الموجود إلا مبايناً أو محايثاُ كقوله لا يُعقل موجود إلا قديماً أو محدثاً بالاعتبارين الذاتي والإضافي فإنه إن أراد بالقديم ما لم يسبقه عدم والمحدث ما سبقه عدم فالمباين هو القائم بنفسه والمحايث ما لا يقوم بنفسه وذلك في الموضعين تابع لوجوده ووجوب وجوده وغن أراد بالقديم ما تقدم على غيره وبالمحدث ما تقدمه غيره فالمباين ما باين غيره وقام بنفسه والمحايث ماكان قيامه

стр. 2768

بغيره لا يباينه وقول القائل إما أن يكون داخل العالم أو خارجه كقول القائل إما أن يكون مع العالم أو قبله فإن محايثته للعالم في المكان ومجامعته للعالم في الحيز كمقارنته للعالم في الزمان ومجامعته له فيه وهو إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً له وإما أن يكون مقارناً للعالم أو متقدماً عليه وكذلك كل موجود مع وجود غيره إما أن يكون قبله أو لا يكون وإذا لم يكن قبله فإما أن يكون معه أو بعده وإما أن يكون مبايناً له فإما أن يكون محلاًّ له أو حالاًّ فيه والحجة التي حكاها المنازع لم يحرِّرها تحريراً يظهر فيه التماثل فإنه قال لا نعقل موجوداً خالياً عن القدم أو الحدوث فكذلك لا نعقل موجوداً ليس في العالم ولا خارج العالم ولا في شيء من جهاته الست وكان تحرير التماثل أن يقال لا يُعقل موجودان إلا أن يكون أحدهما متقدماً على الآخر أو هما متقارنان فكذلك لا يعقل موجودان إلا أن يكون أحدهما خارجاً عن الآخر بائناً منه أو يكونا متحايثين فيكون أحدهما داخلاً في الآخر أو

стр. 2769

يقال لا يُعقل موجود خالٍ عن القدم أو الحدوث فكذلك لا يعقل موجود خال عن المباينة والمحايثة ونحو ذلك ما يظهر به تماثل التباين ومما يوضح ذلك أن من قال العالم قديم والباري متقدم عليه بالذات والغلبة وغير ذلك وهو محدث باعتبار تقدمه عليه يمكنه أن يقول أيضاً إن الباري فوق العالم بالذات والغلبة والرتبة وغير ذلك وهو تحته باعتبار عُلوَِه عليه ومن قال إنه متقدم عليه تقدماً حقيقيًّا بحيث يقدر الذهن بين وجوده ووجود العالم أزمنة لا نهاية لها كما يقدر ذلك في وجوده مفرداً وإن لم يكن لذلك وجود يقول إنه ظاهر عالٍ على العالم ظهوراً وعلوًّا حقيقيًّا بحيث يقدر الذهن بينه وبين العالم أحيازًا خالية كما يقدر ذلك في وجوده ووجود العالم وإذا كان ذلك تقديراً لما لا وجود له في الخارج فمن جعل علوه على العالم ليس إلا بالرتبة والقدرة ونحوهما فهو شبيه بمن جعل تقدمه على العالم ليس إلا بالرتبة والتوليد

стр. 2770

ونحوهما وهذا في الحقيقة إنكار لكونه الأول وإثبات لمقارنة العالم له في الزمان وذلك إنكار لكونه هو الظاهر وإثبات لمقارنة العالم له في المكان وكلا القولين يعود إلى تعطيل الصانع في الحقيقة وأنه ما ثَمَّ غير هذا العالم ولهذا كان الاتحادية وغيرهم من هؤلاء يصرحون بذلك ويقولون إن العالم هو حقيقته وهويته وهذا في الحقيقة قول المعطلة للصانع كما أظهره فرعون ولهذا يعترف أئمتهم بأنهم على قول فرعون وكنت قد ذكرت أنه يلزمهم قول فرعون لبعض من له خبرة وصدق حتى حدثني عن إمام من أئمتهم أنه قال له ونحن على قول فرعون والله سبحانه قبل الأزمنة وفوق الأمكنة ولكن الذهن يقدر تقدمه بدهر وتقدم فوقيته بحيز كما تقدم ذكره وهما أمران ذهنيان مقدران لا وجود لهما في الخارج عند جمهور الناس لكن بين النوعين فرق لابد منه وهو أن الدهر المقدر والزمان الموجود هو يقتضي شيئًا بعد شيء لا يجتمع أوله وآخره في زمان واحد
следующие страницы →