Полный текст (4 879 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
ممتنع فإنه يقال نظيره في محل النزاع كما قال من قال من المتكلمين إنه لم يكن فعله إلا حين فُعلَ بل قد يدرك العقل الإحالة في العدم أعظم مما يُدركه في هذه الخصائص والله أعلم. وأما مخالفة هؤلاء لما جاءت به الرسل عن الله وما نزلت به كتبه فهو أعظم وأكثر من أن يوصف هنا وإن كان من دخل في الملل من منافقيهم من الملاحدة القرامطة الباطنية ومن ضاهاهم من المتفلسفة ونحوهم يزعمون أنهم يجمعون بين الكتب الإلهية وبين هذه الفلسفة الفاسدة الحائدة كما فعل أصحاب الرسائل التي سمَّوها رسائل إخوان الصفا وغيرهم فإن من تحققت معرفته ببعض ما جاءت به الرسل وببعض ما عليه هؤلاء علم أنهم أعداء الرسل وسُوْسُ الملل وأنهم من أعظم الناس نفاقاً للمرسلين إذا أظهروا موافقتهم وأعظمهم معاداة لهم وكفراً بهم ومحاربة لهم إذا اظهروا مخالفتهم بل هم أئمة الكفر من كل طائفة كما قال تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) [القصص ٤١] وقال تعالى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) [غافر ٥٦] وقال تعالى فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا
стр. 2872
بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥) [غافر ٨٣-٨٥] وقال تعالى مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) [غافر ٤-٥] وقال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) [الفرقان ٣١] وقال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [النعام ١١٢] وقال تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدثر ١١-٢٦] وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وقد تكلمنا على كثير مما يتعلق بهذا في غير هذا الموضع وإنما نبَّهنا هنا على ذلك لِتعلُّق الكلام في المكان بالكلام في الزمان وتعلق الكلام في كونه فوق العالم بكونه قبل العالم كما قال سبحانه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) [الحديد ٣] وقال النبي ﷺ أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
стр. 2873
الوجه الثاني عشر أن خروج هؤلاء الجهمية عن النقيضين ومنعهم من ثبوت العلو الحقيقي والمباينة الحقيقية هو كخروج سائر إخوانهم من ملاحدة المتفلسفة والقرامطة ونحوهم عن النقيضين ومنعهم من أسمائه الحسنى فقول القائل ليس بداخل العالم ولاخارجه أو لا على العالم ولا فيه أو ليس بمباين للعالم ولا محايث له كقوله لا قائم بنفسه ولابغيره ولامقارن للعالم ولايتقدم عليه ذلك كقولهم ليس بحي ولاميت ولاعالم ولاجاهل ولا قادر ولاعاجز ولامتكلم ولا أخرس ولاسميع ولا أصم ولابصير ولا أعمى ومنعهم من أن يكون له العلو والمباينة الحقيقية كمنع أولئك من أن يكون له التقدم والأولوية الحقيقية أو يكون عالماً أو قادراً أو حيًّا والسؤلات التي يوردها هؤلاء على ثبوت علوه ومباينته كالسؤالات التي يوردها إخوانهم على ثبوت علمه وقدرته وحياته أو على ثبوت كونه عالماً قادراً حيًّا سواء بسواء وإذا كان المؤسس وغيره يعلمون أن قول الملاحدة خروج عن النقيضين فقولُه وقول موافقيه أيضاً خروج من النقيضين جميعاً وهم وإن قرروا بألفاظ النصوص مثل اسمه العلي والظاهر والكبير والمتعالي ونحو ذلك فقد جحدوا حقائقها كما أن إخوانهم الجهمية لما نفوا أن يكون عِلمٌ وقُدرةٌ وحَيَاةٌ فهم في
стр. 2874
الحقيقة قد نفوا أن يكون حيًّا عالماً قادراً موافقةً للزنادقة الملاحدة النافين للأسماء كما قال أبو الحسن الأشعري في الإبانة وزعمت الجهمية والقدرية أن الله تعالى لاعلم له ولا قدرة ولا حياة ولاسمع ولابصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعَهم من ذلك خوف السيف من إظهار نفي ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لاعلم ولاقدرة لله فقد قالوا ليس بعالم ولاقادر ووجب ذلك عليهم قال أبو الحسن وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ولاقادر ولاحي ولاسميع ولابصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عالمٌ قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن تثبت لله علماً وقدرة أو سمعاً أو بصراً وحقيقتهم القرمطة في السمعيات والسفسطة في
стр. 2875
العقليات فهؤلاء بمنزلة الملاحدة من وجهين أحدهما إقرارهم بلفظٍ مع جحدهم بحقيقة معناه كما هو عادة القرامطة الباطنية في تحريف الكلم عن مواضعه وكما ذكره الأشعري عن المعتزلة وه النفاق في القرآن وهو من الإلحاد في أسماء الله وآياته والوجه الثاني السفسطة في العقليات من وجوه منها نفيُهم للنقيضين جميعاً بقولهم ليس بعالم ولاجاهل ولاحي ولا ميت ولاقادر ولاعاجز ومن تدبر هذا وتدبر قول هؤلاء في قولهم ليس فوق العالم ولابداخل العالم أو ليس بمباين للعالم ولامحايث له أو لاداخل العالم ولاخارجه عَلِم أن هذا في العقل مثل الأول بل أبلغ وأبدَهُ للعقل وهو بمنزلة قول القائل لاقائم بنفسه ولابغيره ولامع العالم ولاقبله لأن ذلك نفي للنقيضين في الصفات وهذا في الحقيقة نفي للنقيضين في الذات أو مما هو لزومه للذات ووجوبه لها أعم من وجوب تلك الصفات وأيضاً فهذان النقيضان لايُتصَوَّر أن يخلو عنهما وجود بخلاف تلك الصفات والمرجع في هذا التناقض إلى الفِطَرِ الصحيحة السليمة وكل من أنصف وعلم ما في فطر الخلق وما عليه الموجودات علم هذا يقيناً لاريب فيه ولهذا تجد عامة بني آدم
стр. 2876
السليمي الفطرة ينفرون عن نفي هذين النقيضين أعظم من نفورهم عن نفي ذينك النقيضين إذ هو عام لكل موجود بخلاف الصفات المختصة بالكامل من الموجودات والله أعلم وما يعتذر به هؤلاء من أنه ليس بقابل للدخول والخروج هو من جنس ما يعتذر به القرامطة والفلاسفة من الفرق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة كقولهم إنه لايقبل
стр. 2877
هذه الصفات حتى يقال إنه يلزم من نفي أحد النقيضين إثبات الآخر وإذا كان المسلمون قد بينوا أن واجب الوجود أحق بالصفات الوجودية وبصفات الكمال من سائر الموجودات وأن مَن نفى قبوله لها ألحقه بالمعدوم والموات كان هذا جواباً للفريقين وليس هذا موضع بسط ذلك إذ المقصود هاهنا أنهم من جنس القرامطة الملاحدة في هذا المقام الوجه الثالث عشر أن هؤلاء الجهمية كما نفوا النقيضين جميعاً فإنهم يثبتون النقيضين جميعاً فإنهم يقرون بأنه موجود وبأنه حي عالم قادر ثم يقولون إنه لاعلم له ولاقدرة وهذا نفي لكونه عليماً قديراً ويقولون ليس بداخل العالم ولاخارجه ولامباين ولامحايث ولاجسم ولاجوهر ولايشار إليه ولايجوز أن يُرى ونحو ذلك وهذا نفي لوجوده وهذا بيان لقولهم هو موجود فحقيقة أقوالهم أنه موجود معدوم قائم بنفسه ليس بقائم بنفسه عالم ليس بعالم قادر ليس بقادر حي ليس بحي فقولهم يستلزم الجمع بين النقيضين من هذا الوجه وأحدهما إيمان والآخر كفر فجمعوا في قولهم بين ما يستلزم الإيمان والكفر جميعاً للإقرار بالصانع والإنكار له والنقيضان لايجتمعان ولايرتفعان وهم يجمعون بين النقيضين من هذا الوجه كما يرفعون النقيضين في الوجه الذي قبل هذا
стр. 2878
الوجه الرابع عشر من شبههم ادعاء التماثل بين الله وخلقه أن هؤلاء الجهمية مدار جميع حججهم في هذا الباب على التمثيل بين الله تعالى وبين خلقه مثل قولهم لو كان له صفات لكان مثل سائر الموصوفين من الجسام ولو كان مرئيًّا لكان حكمه حكم سائر المرئيات ولو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام لأن الأجسام متماثلة وكل حجة مبناها على التمثيل بين الله وبين خلقه تحقيقاً أو تقديراً فإنها حجة باطلة لأن هذا منتفٍ في نفس المر والعلم وبانتفائه ضروري فإذا كانت الحجة لا تتم إلا بهذه المماثلة الباطلة كانت باطلة وهم يستعملون التمثيل في حق الله من وجوه أحدها أنهم يجعلون ما يثبتون له من الصفات التي ورد بها الشرع مثل الثابتة للمخلوق ويحكمون عليه بما يحكمون على ذلك ثم ينفون بعد ذلك فيمثلون ويعطلون الثاني أنهم يمثلونه في السلوب والأمور العدمية التي لاتستلزم صفة كمال بالمعدومات الناقصات الثالث أن ما ينفونه عنه يقدرون ثبوته له وأنه إذا ثبت له كان مساوياً لغيره وهذا أيضاً باطل
стр. 2879
الرابع أن ما يثبتونه مثل وجوده وكونه عالماً قادراً ونحو ذلك يثبتونه على مماثلته لما يوصف بهذه الأمور الخامس أن ما أقروه من الصفات الشرعية أثبتوا فيه المماثلة فهم يثبتون المقايسة والمماثلة فيما يثبتونه بالعقل وفيما يقرونه من الشرع وفيما ينفونه من الصفات الشرعية ومن الصفات العقلية ويمثلونه أيضاً بالناقصات والمعدومات فهذا عدلهم وإشراكهم بالله من هذه الوجوه الخمسة وأما تعطيلهم فمن وجوه أيضاً أحدها نفي مضمون السماء والصفات الشرعية والثاني نفي الحقائق العقلية والثالث وصفه بالصفات العدمية التي لاتستلزم وجوداً وهذه الصفات لاتكون إلا لمعدوم الرابع جمعهم بين النقيضين وهذا هو صفة المعدوم الممتنع وأما منازعوهم فحجتُهم مبناها على قياس الأَولَى والأحرى وهذه حق في الشرع والعقل فإنهم أوجبوا عُلوَّه ومباينته ومنعوا خُلوَّّه عن النقيضين بقياس الأولى وذلك أن علوه على العالم مع أنه معلوم بالفطرة فهو ثابت أيضاً بالأقيسة العقلية البرهانية التي مبناها على الأولى والأحرى وذلك
стр. 2880
كقولهم إن القائم بنفسه لابد أن يكون مبايناً للقائم بنفسه بالجهة وقولهم إن القائم بنفسه المباين للقائم بنفسه لاتكون مباينته له بمجرد الحقيقة والزمان بل بقدر زائد على ذلك وليس إلا الجهة وقولهم إن القائم بنفسه إما أن يكون مماساً لغيره أو مبايناً له وقولهم الموجود هو إما قائم ينفسه أو قائم بغيره وهذا متفق عليه وهو إما مباين لغيره وإما محايث له وإما داخل في غيره وإما خارج عنه وهو مباين لغيره إما بالحقيقة أو المكان أو الزمان وأمثال هذه المقاييس التي هي عندهم من البراهين العقلية التي يثبتون بهام باينته وعلوه ووجوب ذلك له وأما ما يثبتون به امتناع ما تقوله النفاة فمثل قولهم إثبات موجود لامباين لغبره ولامحايث له ممتنع في البديهة وهو إثبات موجود لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره وكذلك قولهم لاداخل العالم ولاخارجه وعلى هذا فمن فسَّر الجوهر بالقائم بنفسه والعرض بالقائم بغيره وادعى وجود موجود ليس بجوهر ولا عرض فقد ادعى ما يعلم فساده بالبديهة ثم إنهم يقولون ما وجب للقائم ينفسه أو للموجود من وجوب المباينة لغيره الذي يقتضي عدم المحايثة وكونه فيه فاللهُ أحق به وأولى لأن الله تعالى هو القيوم الغني فهو أحق بما يستوجبه القيام والغنى ويقولون ما امتنع على الموجود من كونه غير قائم بنفسه ولاقائم بغيره ولامحايثاً ولامبايناً أو لاداخل العالم ولاخارجه فإنما امتنع المنافي
стр. 2881
لعدمه وأن هذه صفة المعدوم وكل أمرٍ منه الوجود واختص به المعدوم فوجودُ الرب أحق بمنعه والله أحق بالتنزيه عنه من غيره من الموجودات والله سبحانه ابعد عن كل ما ينافي الوجود ويمانعه ويعارضه ويختص بالمعدوم إذ وجوده هو الوجود الواجب الذي ينافي العدم من كل وجه فتبين أن هؤلاء لما رأوا نوع كمالٍ وغنىً يجب للمخلوقات علموا أن الخالق أحق به ولما رأوا نوع عدم يمتنع على الموجودات ويتنزَّه عنه علموا أن تنزيه الخالق أحق بذلك وهو عن ذلك أبعد وهذا من أحسن النظر والاعتبار العقلي الموافق للعقل الصريح وبهذا جاء كتاب الله في غير موضع فيما ضربه من القياس والمثال كقوله سبحانه حيث نفى عن نفسه الشريك والولد في مواضع مثل قوله في سورة النحل وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الآيات ٥٧-٦٠] وكقوله وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) [النحل ٧١] وقوله تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ
стр. 2882
فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ [الروم ٢٨] وكقوله تعالى وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) [الإسراء ٣٩-٤٢] وكقوله سبحانه فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) [الصافات ١٤٩] وقوله تعالى وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) [الزخرف ١٥-١٩] وقال تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) [النجم ١٩-٢٢] وقال وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) [الأنعام ١٣٦] وقال وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) [يس ٧٨-٨١] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
стр. 2883
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) [الروم ٢٧] وقال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) [الأحقاف ٣٣] وقال إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) [غافر ٥٦-٥٧] وليس هذا الموضع موضع استقصاء الكلام في هذا كله وإنما نبهنا على جماع ذلك وأصله
стр. 2884
فصل وأما قول الرازي في الجواب الثاني عن حجة الامتناع وهو أن يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولاخارجه كما يمتنع أن يكون لا مع العالم ولا متقدماً عليه لا قديماً ولا محدثاً قال وأيضاً فالعقل يأبى إثبات موجود في جهةٍ لايمكن أن يُنسب إلى موجود في جهة أخرى بأنه يساويه أو أنه أصغر منه أو أعظم منه وأنتم تمنعون أن يقال الباري مساوٍ للعرش أو أعظم منه وأنت تمنعون أن يقال الباري مساوٍ للعرش أو أعظم منه أو أصغر منه فإن التزموا ذلك لزمهم انقسام ذاته فالكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له هذا من الأجوبة القياسية الإلزامية وأنت قد قرَّرت في أول نهايتك أن مثل هذا الكلام باطل لا ينفع في النظر ولا يقبل في المناظرة كما تقدم نظير ذلك غير مرة
стр. 2885
إذ حاصله الاستدلال بخطأ المنازع في موضع على صواب المستدل في موضع آخر فمضمونه بيان تناقض المنازع فإنه يقول له كما قلت ذلك فقل هذا لازمٌ له فيقول المنازع أنا اعتقدت عدم التلازم فإن كان اعتقادي صحيحاً لم يلزم وإن لم يكن صحيحاً فقد يكون خطئي في نفس اللازم لا في إثبات الملزوم الذي تنازعنا في ثبوته وبيان ذلك هنا أن الذين قالوا هو فوق العرش وهو مع ذلك يمتنع أن يكون اكبر منه أو أصغر منه أو مساوياً له إما أن يكون العقل يأبى قولهم كما يأبى وجود موجود لاداخل العالم ولاخارجه أو لا يأباه فإن كان يأباه فهذا العلم الضروري حجة في الموضعين عليهم وعلى غيرهم ولا إجماع في ذلك بل قد تقدم بعض ما في ذلك من النزاع وإن لم يكن العقل يأبى ذلك لم يصلح معارضتهم بذلك ولم يكن هذا الكلام لازماً لهم فهذا في النظر أما في المناظرة فإنهم يقولون نحن فرَّقنا بين الموضعين لأنا نعتقد أن
стр. 2886
الموجود الخارج عن العالم يمكن أن يكون لا أكبر ولا أصغر ولا مساوياً لأن هذه التقادير من عوارض التركيب والتقسيم وهو ليس بمركب ولامنقسم وأما كونه موجوداً لا بخارج العالم ولا داخله فهو معلوم الامتناع بالبديهة فإما أن يكون هذا الفرق صحيحاً أو باطلا فإن كان صحيحاً حصل الجواب وإن كان باطلاً فنحن نمنع الحكم في صورة الإلزام ونقول إنه أكبر من العرش وقوله يلزم انقسام ذاته فقد تقدم جوابه الوجه الثاني أن يقال أما كونه فوق العرش فهو قول سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل الإثبات للصفات كالكرامية والكُلابية والشعرية وأئمتهم وقدمائهم وعامة أئمة الفقهاء والحديث والتصوف ثم من هؤلاء من قال إنه ليس بجسم ولا يكون
стр. 2887
مقدراً ولا له حَدّ فيمتنع أن يُقال هو أكبر أو اصغر أو مساوٍ لأن الاتصاف بقدر دون قدر من لوازم كونه في نفسه له قدر وحد فإذا لم يكن له في نفسه قدر ولا حدّ لم يَجُز أن يوصف بما يستلزم ذلك من كونه أكبر أو اصغر أو مساوياً وهذا قول الكُلابية والأشعرية وطوائف من أهل الفقه والحديث والتصوف فإما أن يكون قول هؤلاء حقًّا أو باطلاً فإن كان حقًّا اندفع الإلزام وإن كان باطلاً لزم بطلان إحدى مقالتيه لا بعينها إما مقالته التي وافقكم عليها وهي نفي الجسم المستلزم لنفي الحد والقدر وإما في مقالته التي وافق عليها أهل الإثبات وهو كونه فوق العرش خارج العالم فإذا كان خطؤه إنما يستلزم بطلان إحدى المقالتين لا بعينها لم يكن لكم أن تجعلوا المقالة الباطلة هي القول الذي نخالفكم فيه دون الذي نوافقكم عليه إلا بحجة وأن لم تذكر هنا حجة توجب ذلك بل جعلت ما يلزمهم بموافقتكم معارضة محضة وقد تقدم الكلام على ما ذكروه في نفي الانقسام الوجه الثالث أن الذي خالفكم فيه هؤلاء قد تقدم قول المحتج فيه أنه معلوم بالاضطرار والبديهة فإن البديهة تنكر وجود موجود لا داخل العالم ولاخارجه كما تنكر وجود موجود لا قائم بنفسه ولا بغيره ولا مع العالم ولا قبله ولا قديم ولا محدث والقول الذي وافقكم عليه من نفي الحد
стр. 2888
والقدر وملازم ذلك لم يذكر أحد أنه معلوم بالضرورة أو البديهة أكثر ما يقال أنه ثابت بالقياس العقلي وأنت قد ذكرت أن المعلوم بالضرورة ثبوت ذلك بتقدير ثبوت الأول وإذا كان كذلك لنم يصح أن تقدح في قولهم الذي يقولون إنه معلوم بالضرورة بقولهم الذي يقولون إنه معلوم بالنظر لأن القدح في الضرورة بالنظر باطل كما تقدم بل إذا كان ما ألزمتهم لازماً ضروريًّا وقد ادعوا أن الملزوم ضروري كان كلاهما ضروريًّا فلا يقدح فيه النظري بحال إذ الضروري أصل النظري فالقدح في الضروري بالنظري يستلزم القدح فيهما الوجه الرابع إذا أنهم خالفوا موجب العقل في هذا الموضع لم يكن ذلك عذراً لهم في مخالفته في موضع آخر بل يكون ذلك زيادة في ضلالهم والإنسان لايسوغ له في عقل ولا دين أن ينتقل عن ضلال قليل إلى ضلال كثير بل بقاؤه على قليلِ ضلال خير من الانتقال إلى كثيره وإنما هذا بمنزلة شخص احتج على شخص في مسألة بنص أو إجماع فقال أنا وأنت قد خالفنا النص والإجماع في نظير هذه المسألة فنخالفه فيها ومعلوم أن هذا كلام فاسد أو رجل طلب من يشهد له بالزور في قضية أخرى لأنه شهد له بالزور في قضية أو أن يفعل محرماً
стр. 2889
ل أنه فعل محرماً آخر وأمثال ذلك من الإلزامات الباطلة وإن كان ذلك إذا وقع كان جزءاً للموافقة على الباطل أولاً الوجه الخامس أنه ليس إنكار العقل لوجود موجود فوق العالم لايوصف بكونه أكبر منه أو أصغر مثل إنكاره لوجود موجود لايكون داخل العالم ولا خارجه فإن هذا الثاني مثل إنكار لوجود موجود لا قائم بنفسه ولابغيره ولامباين لغيره ولامحايث له وذلك إنكار للمساواة وعدمها والمساواة وعدمها من عوارض المقدار والمباينة وعدمها من عوارض نفس الحقيقة ومعرفة الفطرة بنفس الموجودات قبل معرفتها بأقدارها وأيضاً فإنهم مفطورون على الإقرار بأن ربهم فوق السموات وإنكار هذا إنكار للعلم الضروري الفطري الذي فُطِر عليه بنو آدم وأما كونه مساوياً أو غير مساوٍ فليس هو في فطرتهم مثل ذلك وإذا لم يكن إنكار العقل لهذا كإنكار العقل لهذا لم يكن المنازع في الأدنى كالمنازع في الأعلى ولم يَجُز إلزام المقر بالأعلى أن يقر بالأدنى لكونه مثله الوجه السادس أن يقال ما ذكرته من كون العقل يوجب
стр. 2890
أن يكون مساوياً أو زائداً أو ناقصاً يوجب عليهم وعليك الإقرار به إذا كان مبايناً للعالم فكيف إذا كانت مباينته ضرورية وإلا فالجواب عنه بجواب سديد وأنت لم تجب عنه بجواب سديد بل قلت ذلك يستلزم انقسام ذاته وهذا قد تقدم الجواب عنه بما في لفظ الانقسام من الاشتراك وأن الانقسام المعروف غير لازم بالاتفاق وأمّا ما سميته أنت انقساماً فقد تقدم أنه لازمٌ لكل موجود وأنه لامحذور فيه وإن كان كذلك كان العقل مطابقاً لما دل عليه بالنص والإجماع من أن الله أكبر من كل شيء وأعلم من كل شيء كما قال النبي ﷺ لعديّ بن حاتم يا عدي ما يُفِركَ أيُفِرُّكَ أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله إلا الله يا عدي ما يُقِرُّكَ أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئاً أكبر من الله رواه احمد والترمذي وقد تقدم
стр. 2891
حديث أبي رزين العقيلي المشهور في سنن أبي داود وابن ماجة قلت يارسول الله أَكُلُّنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين ألي كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال فإنما هو من خلق الله فالله أعظم
стр. 2892
وقال ابن عباس أو عكرمة لمن سأله عن قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ألست ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى قال لا قال قال فالله أعظم الوجه السابع أن يقال العلم بنفي الانقسام على الوجه الذي ادعيته يخالفك فيه أكثر العقلاء ومثبتوه واختلفوا في طرق إثباته ولم يتفقوا على طريق واحد بل كل منهم أبطل طريق صاحبه ومنازعوهم أبطلوا طرقهم ولاخلاف أنها نظرية دقيقة خفية وأما العلم بالمباينة ولوازمها فهو ضروري فطري فإذا نفيت ما زعمته من الانقسام على هذه الطريق ونفيت لوازمه
стр. 2893
المعلومة بالفطرة والضرورة وباقيه واضح من تلك الأقيسة ومنازعوك وأثبتوا ما يُعلَم بالفطرة والضرورة والأقيسة الواضحة وشاهده الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة كان معلوماً عند كل عاقل لأن ما فعلوه هو الحق دون ما فعلته
стр. 2894
فصل ثم ذكر الرازي في نهايته الحجة الثالثة لمثبتي الجهة وهي الاستدلال برفع الأيدي في الدعاء وقد تقدم ذكرها ثم قال ورابعها التمسُّك بظاهر الآيات كقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وقوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وقوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وقوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ قال ومما تمسكوا به على اختصاصه بجهة فوق خاصة بعد أن بينوا كونه في الجهة هو أن فوق اشرفُ الجهات فيجب أن يكون مختصاً به
стр. 2895
قال والجواب عما تمسكوا به رابعاً أنا نعارضهم بقوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وبقوله تعالى مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا وبقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) وبقوله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) قال وأما التفصيل في تأويل كل واحدة من الآيات فقد صنفوا فيه كتباً فلا حاجة بنا إلى ذكره قلت والكلام على ما ذكره من وجوه أحدها أن الذي ذكره لايصلح أن يكون معارضاً وإنما يعارض بمثل ذلك من لايعلم حقيقة المعارضة وذلك أن المعارضة نوعان معارضة في الحكم ومعارضة في الدليل
стр. 2896
فالمعارضة في الحكم نفي قول المستدل أو إثبات نقيضه بدليل آخر والمعارضة في الدليل بيان انتقاضه أو انتقاض مقدمة من مقدماته ويقال هذا معارضة في مقدمة الدليل وما ذكره ليس بمعارضة في الحكم ولامعارضة في الدليل وذلك أن المعارضة في الحكم المعارض به هو الذي يدل على نقيض قول المستدل أو على مثل قول المعارض فإنه إذا ثبت قول المعترض نفى قول منازعه الذي يناقضه ومتى نفى قول المستدل حصل مقصود المعترض وذلك يستلزم صحة قوله الذي يناقضه وهذه الآيات لاينازع هذا المؤسس وموافقوه أنها لاتنفي أن يكون الله فوق العرش ولا هي أيضاً دالة عندهم على أن الله بذاته في كل مكان حتى يقال يلزم من ذلك نفي كونه فوق العرش بل المنازع وذووه لايستريبون أنها لا تدل على شيء من ذلك ومن ادَّعى دلالتها على أن الله تعالى بذاته في كل مكان فهو مبطل سواء قيل إن ظاهرها يقتضي ذلك أو لايقتضيه فإن أكثر ما يقال إن ظاهرها يقتضي أنه في كل مكان لكنْ المؤسسُ وموافقوه
стр. 2897
لاينازعون لأولئك في أنها لاتدل على ذلك ولم يُرد بها ذلك وأنه لايجوز أن يستدل بها على ذلك وإذا كانوا متفقين على عدم جواز الاستدلال بها على أن الله في كل مكان وعلى أن ذلك لم يُرد بها ولم تدل عليه لم تكن منافية ومعارضة لما استدل عليه به المثبتون بتلك الآيات وإذا لم تكن معارضة لها لم تكن المعارضة بها معارضة صحيحة وهذا بيِّنٌ لما يقابله فإن الاتفاق إذا حصل من الخصمين على أن قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام ٣] وعلى أنها لم تدل على أن ذات الله في الأرض بل معناها أنه إلهُ مَن في السماء ومن في الأرض ونحو ذلك كانت الآيات الدالة على أنه الله فوق وأنه فوق العرش لا تعارضها هذه الآيات فإن كونه فوق العرش لايعارضه كونه معبوداً في السماء والأرض وكونه مع الخلق بعلمه وقدرته ونحو ذلك بل الذين يقولون ليس هو فوق العرش يوافقون المثبتة على أن معنى هذه الآيات فتعيَّن التأويل لهما أو لأحدهما ويجعل هذا معارضة في الدليل لا في الحكم أي أن التمسك بالظاهر يقتضي الجمع بين هذا وهذا وذلك ممتنع فتكون دلالة الإثبات منتقضة وهذه المعارضة باطلة فإن الأدلة على أنه مباين للعالم فوق العرش نصوصٌ كثيرة قطعية يعلم بالضرورة
стр. 2898
مضمونها ويعلم ذلك أيضاً بأدلة كثيرة ويعلم بالسنة المتواترة ويعلم بإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم إنه موافق للفطرة الضرورية والبراهين العقلية وأما ما يظن أنه يدل على أنه في العالم فيقال أولاً لا نسلِّم أن شيئاً من الآيات ظاهر ة في ذلك ولو سلم ظهوره فمعه قرائن لفظية تبين المراد به فلا يكون ذلك مراداً ومع القرائن اللفظية لايبقى ظاهراً في المحايثة ثم إنه قد ثبت تفسيره باتفاق سلف الأمة بما ينفي المحايثة ويُعلم بالحس والعقل ضرورة ونظراً انتفاءُ ما يتوهم فيه من المحايثة ومع ذلك من ظن أنه دالٌ على المحايثة يكون ضالاً من جهة نفسه لا من جهة الآيات ثم يقال ليس هذا معارضة في الدليل بأن تكون قدحاً من آيات تدل على أنه فوق مثل هذه الآيات ولم يُرد بها أنه فوق فيبقى اللفظ محتملاً للتعيين ونقض دلالاته وأما ما يدل على نفي الفوقية فهذه معارضة في الحكم حينئذٍ فيقال لهم ليس للمعترض أن يعارضه بظاهر يوافق خصمه على عدم منافاته لمذهبه وأيضاً فإذا قدر تعارضهما في الظاهر كان ذلك محوجاً إلى تأويل أحدهما فلماذا يجب تأويل
стр. 2899
الصنفين جميعاً بل لو قال لهم القائلون إنه بذاته في كل مكان نحن نقول بنصوص المحايثة ونتأوَّل نصوص المباينة لكانوا أقرب إلى اتباع النصوص منهم ف إنه من المعلوم أن صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح الذي يسميه المتأخرون التأويلَ على خلاف الأصل وما كان على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل فيكون مثبتو المحايثة أقل مخالفة للنصوص من نفاة المحايثة والمباينة ولهذا كان عوامهم وعبادهم إنما يفهمون من قولهم المحايثة استدلالاً يهدم الشبهات الوجه الثاني أن يقال ظاهر هذه الآيات إما أن يقتضي أنه بذاته في كل مكان أو لا يقتضي فإن اقتضى الأول وجب القول بمضمون الصنفين جميعاً فيقال إنه فوق العرش وإنه بذاته في كل مكان كما تقوله طائفة من الجهمية المجسمة وغير المجسمة كما تقدم ذكره فكان على هذا المؤسس أن يقول
стр. 2900
بقول هؤلاء إن كانت هذه الآيات تقتضي أنه في كل مكان بذاته ويحتاج أن يجيب إخوانه هؤلاء الجهمية عن دلالة الصنفين من الآيات على مذهبهم وإن لم تكن هذه الآيات تقتضي أنه بذاته في كل مكان وهو الذي تقوله الجماعة لم يصلح لمعارضة ما دل على أنه فوق العرش فقد ظهر على التقديرين بطلان قوله وهو أنه لاداخل العالم ولاخارجه فإنه سواء كانت هذه الآيات دالة على أنه في كل مكان أو لم تكن دالة فإن القرآن يدل على بطلان قولهم إنه لا داخل العالم ولا خارجه إذ مضمون القرآن على أحد التقديرين أنه خارج العالم وعلى التقدير الآخر الذي عارض به المنازع أنه داخله والقول بمضمونها قد قاله القوم وعلى التقديرين فقولُ المؤسس باطل يقرر هذا الوجه الثالث أنه إن لم تكن هذه الآيات دالة على أنه داخل العالم فلا تصلح المعارضة بها وإن كانت دالة كان في القرآن ما يدل على أنه خارج العالم وفيه ما يدل على انه داخل ومن المعلوم أن النصوص إذا تعارضت فالواجب استعمالها جميعاً أو ترجيح أحد النصين وتأويل الآخر فأما ترك العمل بجميع النصوص فلا يقوله أحد ولا يستحلُّه مسلم فكان الواجب حينئذٍ أن نقول إنه خارج العالم وتأويل ما دل على داخله أو نقول إنه داخله ويتأول كما دل على أنه خارجه أو نقول بمجموع
стр. 2901
النصين وهو أنه داخله وخارجه والأقوال الثلاثة قد قال بها طوائف فأما قوله وقول ذويه من أنه لاداخل العالم ولاخارجه فهو خلاف النصوص جميعاً وتركُ لاتباعِ جميع آيات القرآن ومعلوم أن هذا باطل بالضرورة من دين المسلمين ودين كل من آمن بالرسل فيكون فسادُ قوله معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام يوضِّحه الوجه الرابع وهو أن يقال لاريب أن نصوص العلو والفوقية كثيرة جدًّا في القرآن وهذه الآيات القليلة قد يزعم من يزعم أنه تدل على أنه في داخل العالم فإن كان الواجب اتباع هذا وتأويل هذا أو بالعكس أو اتباعهما جميعاً كان ذلك مما قد يقال إنه يسوغ أما إذا كان الحق خلاف ما يُعرَف ويفهم من الآيات كلها وهذا الحق وهو أنه لاداخل العالم ولاخارجه لم يدل عليه الكتاب لا نصًّا ولا ظاهراً كان الكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس قد أكثر فيه من الآيات التي لا هدى فيها بل ظاهرها الإضلال والكفر والحق الذي يجب اعتقاده لم تذكره قط فيه ومعلوم أن من تكلم كلاماً كثيراً بما يظهر منه نقيض الحق ولم يتكلم بكلام يظهر فيه الحق لم يكن هادياً إلى الحق
стр. 2902
ولا مبيناً له ولا دالاً على الحق بل كان سكوته عما يدل على الباطل كما سكت عما يدل على الحق خيراً مما يتكلم بما يدل على الباطل ويسكت عما يدل على الحق وهذا مقتضى قول المؤسس وموافقيه وحينئذٍ يكون عدم الكتاب والرسول في هذا الباب الذي هو من أعظم أصول الدين على قولهم خيراً وأنفع للخلق من وجود الكتاب والرسول فإن الكتاب والرسول على قولهم لم يهدهم إلى الحق في ذلك ولا بيَّنه ولا سكت أيضاً عما يدل على الباطل حتى يكونوا كما كانوا عليه في الجاهلية بل تكلم بكلام كثير يدل على الباطل عندهم ومعلوم أن هذا القول كفرٌ بصريح الكتاب والرسول وكل قول يستلزم الكفر فهو من أعظم الباطل والضلال بل هو كفر وهذا لازم لهؤلاء لزوماً لا محيدَ عنه وإن كان منهم من لايهتدي إلى هذا الضلال الذي وقعوا فيه وهذا الكفر الذي لزمهم ولو اهتدى إلى ذلك لرجع عن قوله ولهذا لم يُحكم بكفر من يتكلم بنا هو كفر إن لم تقم عليه الحجة البلاغية إذ قد لا يكون عَلِمَ ما جاء به الرسول في ذلك ومن هؤلاء من قد يظن أن قوله حزبه عليه دليل من كتاب أو سنة أو أثر عن بعض السلف فإذا عرف أن هذا القول الذي يقولونه من أنه ليس فوق العرش ولا فوق العالم لم يدل عليه الكتاب ولا السنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها أهل القرون الثلاثة الفاضلة بل نطقوا بنقيض ذلك كما هو معروف في موضعه تبين لهم أنهم ضلال مخالفون لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المؤمنين السابقين ومن علم أن قولهم مخالف لذلك
стр. 2903
واتبعه كَفَرَ كما كَفَّرهم السلف والأئمة الوجه الخامس أن هذه الآيات إنما يعارض بها الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان كما ذكر ذلك الأئمة وإن كان كثير من هؤلاء ملبِّساً كما لَبَّس هذا المؤسس لايقول بموجب الآيات ولابموجب هذه وإنما يذكر هذه ليدفع بها في الظاهر دلالة تلك الآيات وهي عنده لا تدفع دلالتها كما ذكرناه وهؤلاء الجهمية إذا قالوا إنه في كل مكان بذاته فقد لزمهم من المحاذير والمناقضات التي فروا إليه من كونه فوق العرش أكثر مما فروا منه وإذا كان كذلك لم يكن لهم حجة عقلية يحتجون بها في تأويل تلك الآيات دون هذه فيكون احتجاجهم بهذه الآيات باطلاً كاحتجاج إخوانهم فظهر فساد المعارضة بها من الطائفتين جميعاً وذلك أن المعارض بها إذا قال إنه في كل مكان بحيث يماس الجسام ويكون محدوداً بها أوقال إنه داخل العالم وخارجه وهو جسم محدود ففي هذه الأقوال من الفساد ما ليس في قول من يقول إنه فوق العرش وهو جسم كما تقدم وإذا كان كذلك لم يكن كما تقدم له القول فيما ادعاه من موجب هذه الآيات لاقتران الدليل العقلي بها دون تلك بل الأدلة العقلية على موافقة تلك الآيات أدل منها على هذه كما
стр. 2904
تقدم بيانه وإن قال إنه في كل مكان بلا مماسة أو أنه داخل العالم وخارجه وليس بجسم أو أنه ذاهب في الجهات إلى غير غاية وليس بجسم ونحو ذلك فمن المعلوم أن هذا أبعد عن المعقول وأعظم إحالة من كونه فوق العرش وليس بجسم ومن المعلوم أيضاً أن هذه الآيات التي ذكرها لا تدل على ذلك فحينئذ لا يكون قد قال بموجب هذه الآيات ولابموجب تلك بل ترك النصين جميعاً مع مخالفته للمعقول وهذا كله يبين أن هذه الآيات لا تصلح أن يعارض بها أحد ممن يقول إن الله ليس فوق العرش الوجه السادس أن هذه الآيات ليس فيها ما يعارض تلك الآيات بوجه من الوجوه كما تقدم حكاية أقوال الأئمة وكما سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام مفصلاً إذا ذكرنا قوله مبسوطاً فإن قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام ٣] ليس ظاهرها أن ذاته في السموات والأرض فإنه لم يقل وهو في السموات وإنما قال وَهُوَ اللَّهُ فالظرف متعلق باسم الله فيكون بمنزلة قوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف ٨٤] وأما آيات المَعِيَّة فنحن نعلم بالاضطرار من لغة العرب أنها لا تقتضي أن الله تعالى مختلط بالخلق ممتزج بهم
стр. 2905
بل عامة ما استعمل فيه لفظ مع في القرآن لايدل على ذلك لا في الله تعالى ولا في حق المخلوق وإنما يدل على المقارنة والمصاحبة وقد قال النبي ﷺ اللهم أنت الصاحب في السفر وكون الشيء مقارناً لغيره أو مصاحباً له لايمنع أن يكون فوقه ولا يجب أن تكون ذاته مختلطة ممتزجة بذاته وإذا لم يكن لفظ مع في جميع القرآن يدل على الممازجة والمخالطة علم أن ذلك ليس مدلول هذه الكلمة بل كون الشيء مع الشيء على أي وجهٍ قيل لا يمنع أن يكون فوقه ولا يجب أن يكون تحته وإذا لم يكن بين الآيات تنافٍ لم تصلح المعارضة بها وأما قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) فلا منافاة أيضاً بين علوه وبين قربه إن أريد بهذه الآية الله وأما إن أريد بها الملائكة اندفعت المعارضة من كل وجه وقد تكلمنا على قربه في جواب الأسولة المصرية
стр. 2906
كلاماً مبسوطاً وحينئذ فلا حاجة إلى تأويل شيء من هذه الآيات الوجه السابع أنا لو فرضنا الحاجة إلى التأويل فلا ريب أنه على خلاف الأصل وما كان على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل فإذا كان أحد القولين مستلزماً لتأويل آيات قليلة اثنتين أو ثلاث أو عشر فالقول الآخر يستلزم مع تأويل هذه أو مع ترك تأويلها تأويل نحو خمسمائة موضع لم يكن هذا القول مثل ذاك بل كان كل قول أقرب إلى تقرير النصوص خيراً من القول المقتضي تأويلها الوجه الثامن أن تلك الآيات نصوص لاتحتمل التأويل كما سنقرره إن شاء الله الوجه التاسع أن الظواهر إذا تعاضدت على مدلول واحد صار قطعيًّا كأخبار الآحاد إذا تواردت على معنى واحد صار تواتراً فإن الظنون إذا كثرت وتعاضدت صار بحيث تفيد العلم اليقيني وهذه النصوص كذلك
стр. 2907
الوجه العاشر أن كل من تدبر هذه النصوص بلا هوى ونظر فيما جاء عن السلف في تفسيرها وما روي عن النبي ﷺ من جنسها أفاده ذلك علماً ضروريًّا من أقوى العلوم الضرورية على أن الرسول ﷺ أخبر بمضمونها وأن الله فوق العالم والعمل الضروري لا يندفع بالتأويلات وبسط هذه الأجوبة وغيرها له موضع آخر ثم قال الرازي والجواب عما تمسكوا به خامساً من أن الفوق أشرف الجهات فيجب أن يكون الباري مختصاً به إذ من يقول الأرض كُرَيَّةٌ يقول إن جهات الفلك كلها فوق
стр. 2908
لأنه لو كان بعض الحيوان تحت أرجلنا ورأسه مسامِتاً لأخمصنا إذا كان قائماً لكان الفوق عنده ما سامت رأسه وإذا كانت الجهات كلها فوق فكيف قلتم إنه يجب حصوله تعالى في بعضها لأنه أشرف مما عداه ولأنا لو تصورنا أنفسنا إذا ضممنا رؤوسنا إلى جهة الأرض وكانت الأنوار في هذه الجهة وجهة فوق مظلمة لتصورنا أن الأرض هي الشريفة ولأنه لا حيِّزَ إلا ويُفرض فوقه حيز آخر فإذاً لاحيز إلا بالقياس إلى ما فوقه أسفل فوجب أن لايحصل في شيء من الجهات والكلام على هذا من وجوه٩ الأول أن قولـ ـه من يقول إن الأرض كُرَيَّةٌ يقول إن جهات الفلك كلها فوق يُشعر أن الفلك جهات متعددة عند من يقول ذلك وليس الأمر كذلك باتفاق علماء المسلمين الذين يقولون الفلك مستدير وباتفاق علماء الهيئة الذين يقولون
стр. 2909
بكُرِية الأرض واستدارة الفلك فإن العلو عندهم جهة واحدة لاجهاتٍ متعددة وليس للعالم عندهم إلا جهتان جهة السفل وهو المركز في جوف الأرض وأسفلها وجهة العلو وهي جهة السماء وهي جهة المحيط فقولُه جهات الفلك كلها فوق كلامٌ لا حقيقة له فإذًا لاجهة للفلك إلا جهة واحدة وهي جهة فوق فلا جهات هنالك عند هؤلاء الوجه الثاني أنه إذا كان الفلك عالياً من جميع جوانبه وهو في العلو والأرض هي السفلى وجوفها هو المركز وهو أسفل سافلين وليس للعالم إلا جهتان العلو والسفل كان قولُهم إن الله في العلو وفوق العرش تخصيصاً له بالجهة العالية دون السافلة وذلك تخصيص له بالجهة الشريفة فظهر بذلك شرف العالية الفوقانية على السفلى التحتانية
стр. 2910
الوجه الثالث أن كونه فوق العالم أمرٌ يلزم كونه خارج العالم على قول هؤلاء وكل ما كلن خارج العالم كان فوقه بالضرورة إذ لايمكن أن يكون شيء خارج العالم ولا يكون فوقه إذ المحيط بالعالم هو أعلى شيء فيه من جميع النواحي وإذا كان كذلك كان كونه فوق العالم من لوازم كونه خارج العالم وكونه خارج العالم من لوازم ذاته وكونه قائماً بنفسه كما تقدم ذلك فصار كونه فوق العالم من لوازم وجود نفسه الوجه الرابع أن قوله إذا كانت الجهات كلها فوق فلما قلتم إنه يجب حصولها في بعضها لأنه أشرف مما عداه يقال له كونها كلها فوق هو وصف لها في نفسها وهيمن ذلك الوجه جهة واحدة لا جهات لايتصور أن يكون في بعضها دون بعض بل يجب أن يكون في تلك الجهة وهي الجهة العالية بالذات على العالم وأما كونها جهات ست فهو بالإضافة إلى الحيوان إذ يسمّى ما يسامت رأسه فوق وما يسامت رجليه تحت وما يحاذي بيمينه يميناً وما يحاذي شماله يساراً وما يحاذي وجهه أماماً وما يحاذي قفاه خلفاً لأنه يؤم هذا ويقصده ويخلف هذا وهذه أمور إضافية فأمام هذا يكون خلفاً لغيره وخلفاً له أيضاً إذا استدار وكذلك ما يكون يميناً له يكون يساراً لغيره وله أيضاً إذا انفتل ومن المعلوم أن ما كان أعلى كان
следующие страницы →