← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وهؤلاء إما أنهم ضلوا معتقدين أنهم متبعون القرآن وإما أنهم جعلوا ظاهر القرآن ضلالاً لا هدىً للناس ونذكر مقدمة مختصرة فنقول قول القائل إقرار الطوائف بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار يقتضي أن إقرار بعض ظواهر الكتاب والسنة ضلال باتفاق الأئمة فبقال له أتقول حيث كان الظاهر ضلالاً غير مراد للمتكلم إن الله لم يبين ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله أو أنه لابد من بيان ذلك بالنصوص فإن أراد الأول كان مضمون كلامه أن من الآيات والأحاديث ما ظاهره ضلال وباطل إما كفر وإما ما دون الكفر وأن الله لم يبين ذلك ولا ذكر المراد الحق ولا ما ينفي المراد الباطل وعلى هذا فلا يكون القرآن كله هدى للناس ولا بياناً للناس ولا يكون الرسول بلَّغ البلاغ المبين ولا يكون الله قد بين للناس ما يتقون بل ضلوا بكلامه قبل أن يبين لهم ما يتقون ولايكون الناس مأمورين بتدبر القرآن كله ولا مأمورين باتباعه كله فإنه إذا كان بعض القرآن دلالته باطلة مضلة ولم يبين في القرآن ما يزيل هذا الضلال الباطل لزم من اتباعه الضلال

стр. 3047

وأما إن قال ما لم يُرَد ظاهره فإنه قد بين بخطاب آخر ما يبين المراد أو ينفي الباطل لم ينازعه عامة العلماء في هذا فإنه بالجمع بين النصوص من الآيات والأخبار يكون البيان من الله ورسوله حاصلاً وتقوم الحجة على الناس بالرسالة إذ على الناس أن يؤمنوا بالكتاب كله ولايؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض وللإمام أحمد ﵀ في هذا رسالة معروفة في الرد على من تمسك ببعض الظواهر دون ما يفسره من الآيات والأخبار لكن هذا ما ينفعه في باب الصفات كما سنبينه إن شاء الله تعالى ونحن لا نقصد الكلام في إثبات التأويل في الجملة ولا نفيه ولا وجوب موافقة الظاهر مطلقاً ولا مخالفته إذ في هذا تفصيل وكلام على الألفاظ المشتركة كما قد تكلمنا على ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية وفي غير ذلك وإنما المقصود تعقب كلامه بما يجب من ردٍّ أو قبول ونبهنا على أنه ليس كل ما يدعي المدعي أنه ظاهر اللفظ يكون

стр. 3048

كذلك سواء وافق ذلك الظاهر أو خالفه وهذا الغلط ما زال ولا يزال في الناس حتى أنه كان منه قطعة في الصدر الأول مثل ما ظن بعضهم أن ظاهر قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة ١٨٧] أن يتبين لهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود فكان يعمد أحدهم فيربط في رجليه حبلين ففي الصحيحين عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال أُنزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار

стр. 3049

وفي الصحيحين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يتبين لي فغدوت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار وفي رواية قال إن وسادك إذا لعريض وهذه الحال جرت لبعض الناس الذين شهدناهم ولا ريب أن هؤلاء غلطوا فيما ظنوه الظاهر لا لقصورٍ في بيان اللفظ ودلالته ولكن لقصورٍ في فهمهم فإن الله تعالى قال حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فذكر خيطين مفردين مُعرَّفَيْن باللام واللام تصرفهما إلى الخيط المعروف

стр. 3050

المعهود والخيط إنما يقال للشيء الدقيق دون الغليظ وقوله حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ يقتضي أن الخيطين المعروفين يتناولهم كلهم فمن جعل ذلك عُقُلاً لكل الناس عقالان يختصان بهما ويختلفون في التبيّن بحسب المكان الذي هم فيه فإنما أُتي من نفسه قال الإمام أحمد أكثر ما يغلط الناس من جهة التأويل والقياس فالتأويل كحال هؤلاء الذين تأولوا القرآن على غير تأويله والمراد بالتأويل المعنى العام كما سنذكره إن شاء الله والتأويل في الألفاظ المسموعة كالقياس في المعاني المعقولة مثل ما ظن بعضهم لمَّا سمع أن الجنب يتيمم بالصعيد أن البدل يكون مثل المبدل منه فقاس التراب على الماء فَتَمَعَّكَ كما تتمعك الدابة ليوصِّل التراب إلى جميع البدن بحسب الإمكان كما وصل الماء

стр. 3051

قال الرازي أما في القرآن فبيانه من وجوه الأول وهو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر الجنب الواحد وذكر الأيدي وذكر الساق الواحد فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد ة ولا نرى في الدنيا شخصاً أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا أعتقد أن عاقلاً يرى بأن يوصف ربه بهذه الصفة

стр. 3052

يقال قد ادعى في هذا الوجه أن ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده وهو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ادعى أن ظاهر كلامه أنه شخص له وجه فيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد فقد ادعى أن ظاهر ما وصف الله به نفسه في كتابه أنه على هذه الصورة الشنيعة القبيحة فلا يكون الله كما وصف به نفسه إذ قد وصف نفسه بأقبح الصفات في ظاهر خطابه

стр. 3053

ويكفي المرءَ المؤمن أن يعلم أن هؤلاء يجعلون القرآن بهذه الصفة فهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضوه بالباطل وقالوا هو شعر أو سحر أو مفترى بل هذا أقبح من ذلك فإن أولئك اتفقوا على عظمة الكلام وارتفاع قدره لفظاً ومعنى ولم يدَّعوا أن ظاهره وصف الخالق بما لا توصف به القردة والخنازير ولو كان هذا ظاهر القرآن لكان هذا من أقوى الوجوه للذين جعلوا القرآن عضين نبين أن هذا ليس هو ظاهر القرآن من وجوه أحدها أن الله تعالى إنما قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر ١٤] وقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس ٧١] فدعوى المدعي أن ظاهره أعينٌ كثيرة وأيدٍ كثيرة فِريةٌ ظاهرة إذ لفظ الجمع لا يدل بمطلقه على الكثرة أصلاً الثاني دعواه أن ظاهر القرآن أن لله جنباً واحداً عليه أيدٍ كثيرة باطلٌ أيضاً فأين في القرآن أن الأيدي في الجنب غايته

стр. 3054

أن يجعل بالقياس على بني آدم وهذا ليس من ظاهر الخطاب وكذلك جعله للأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما قالع بالقياس على عيون بني آدم التي في وجوههم الثالث أنه من أين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه قال أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر ٥٦] وقال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم ٤٢] وعلى تقدير أن يكون هذا من صفات الله فليس في القرآن ما يُوجِب أن لايكون لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه لو دل على إثبات جنب واحد وساق واحد وسكت عن نفي الزيادة لم يكن ذلك دليلاً على النفي إلا عند القائلين بمفهوم الاسم واللقب لأنه متى كن للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مراداً بلا نزاع ولم يكن المقصود بالخطاب في الآيتين إثبات الصفة حتى يكون المقصود تخصيص أحد الأمرين بالذكر بل قد يكون المقصود حكماً آخر مثل بيان تفريط العبد وبيان سجود العباد إذا كشف عن ساق وهذا الحكم قد يختص بالمذكور دون غيره مثل أن

стр. 3055

يقال هب أنه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة فمن أين في الكلام أنه ليس له إلا ساق واحدة والقائل إذا قال كشفت عن يدي أو عن عيني أو عن ساقي أو قدمي لم يكن ظاهر هذا أنه ليس له إلا واحد من ذلك بل قد يقال إنه لم يكشف إلا عن واحد فدعواه النفي في ظاهر القرآن دعوى باطلة وهو ممن لايقول بمفهوم الصفة فكيف بما ليس من باب المفهوم بحال فكيف وليس في القرآن ما يقتضي إثبات الوحدة العينية وذلك أن قوله يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر ٥٦] اسم جنس مضاف ومثل هذا إما أن يكون ظاهره العموم على القول المختار كالمعرَّف باللام عند الجمهور وإما أن يكون العموم كثيراً فيه كقوله لَيْلَةَ الصِّيَامِ [البقرة ١٨٧] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم ٣٤] ولو كان هذا صفة لكان بمنزلة قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك ١] وبِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران ٢٦] ووَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) [طه ٣٩] الوجه الرابع أنه يقال من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية بل كثير منهم ينفون ذلك بل ينفون قول أحدٍ

стр. 3056

منهم بذلك قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في النقض على المريسي ومتبعيه وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله تعالى يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر ٥٦] قال يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس على ما يتوهمون قال فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقاً في دعواك فَأَشِر بها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فَلِمَ تُشَنِّع بالكذب على قوم هم أعلم بالتفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك إنما تفسيرها عندهم تحسُّر الكافرين على ما فرَّطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسمّاهم الساخرين

стр. 3057

فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجُنوب فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم وقد قال أبو بكر الصديق الكذب مجانبٌ للإيمان وقال ابن مسعود لايجوز من الكذب جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذاباً فهم منافق فاحذر أن تكون منهم وتوجيه ذلك أن الله تعالى قال أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) [الزمر ٥٦-٥٩] فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به

стр. 3058

وعليه هذه النفوس لاتعلم أن الله جنباً ولا تقرّ بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنه بذلك وقد قال في كلامهم يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ فجعلوا التفريط في جنب الله والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لايكون قائماً بذات الله لا في جنب ولا في غيره بل يكون منفصلاً عن الله وهذا معلومٌ بالحس والمشاهدة فظاهر القرآن يدل على أن قول القائل يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله تعالى وأبعاضه فأين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا جنب واحد بمعنى الشق لكن قد يقال القرآن فيه إثبات جنب الله تعالى وفيه إثبات التفريط فيه فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه كما في قوله تعالى بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك ١] فإن هناك شيئين اليد وكون الملك فيها ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله

стр. 3059

قال القاضي أبو يعلى فأما قوله تعالى يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ الآية فحكى شيخنا أبو عبد الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله تعالى قال ونقلت من خط أبي حفص البرمكي قال ابن بطة قوله بذات الله أمر الله كما تقول في جنب الله يعني في أمر الله قال القاضي وهذا منه يمنع أن يكون صفة لذات وهو الصحيح عندي وأن المراد بذلك التقصير في طاعة الله تعالى والتفريط في عبادته لأن التفريط لا يقع في جنب الصفة وإنما يقع في الطاعة والعبادة وهذا مستعمل في كلامهم فلان في جنب فلان يريدون بذلك في طاعته وخدمته والتقرب منه ويبين صحة هذا التأويل ما في سياق الآية مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) ، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) وهذا كله راجع إلى الطاعات

стр. 3060

قال وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا فقال في قوله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة ٧] قال المراد به علم الله لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم وقد يقال من يثبت ذلك من الصفات يحتاج إلى استنباط يثبت ذلك بأن يقول الجنب الجانب والناحية وهو الجهة أي على ما فرطت في جهة الله وجانبه وناحيته كما تقول أعيش في جنب الله وجانبه وجهته وكما يقال أعرضت عن جانبي وجنبي وجهتي ويميل على جوانبه ثم يقولون وهذا إنما يقال لما له جانب هو حدُّه ونهايته فيدل بطريق الاستلزام على أن له جنباً هو حدُّه ونهايته كما قد يقال في قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ [البقرة ١١٥] إنه وإن كان المراد قبلة الله كما قال مجاهد والشافعي وغيرهما لأن الذي

стр. 3061

بالمكان الذي يتولاه أي يستقبله إنما هو نفس تضمن الجهة والمكان لا شيء من الله تعالى لكن كونه أضيف إلى الله فقيل وجه الله أي جهة الله وقبلة الله فإنه يدل على أن له وجهاً كما أخبر النبي ﷺ أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قِبَلَ وجهه وأنه يستقبل الله بوجهه والغرض هنا أن المثبتة للصفة في هذا النص يستنبطونه بطريق آخر غير ظاهر النص وليس الغرض تقرير طريقهم الوجه الخامس أن يقال هب أن ظاهره أو مستنبطه إثبات جنب واحد لله فالجنب أعم من أن يكون أحد شِقّي الشيء بل يطلق على جوانبه كلها فيقال جوانب الشيء وقد قال النبي ﷺ لعمران صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب

стр. 3062

ومعلوم أن قوله على جنب لم يدل على أنه ليس لعمران إلا شق واحد بل المراد جميع جنوبه كما قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران ١٩١] وقال فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء ١٠٣] وذلك يدخل فيه المستلقي على ظهره الوجه السادس أنه من أين في ظاهر القرآن لله ساقٌ وليس معه إلا قوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم ٤٢] والصحابة قد تنازعوا في تفسير الآية هل المراد به الكشف عن الشدة أو المراد به أنه يكشف الرب عن ساقه ولم يتنازع الصحابة والتابعون في ما يذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية بخلاف قوله لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن ٢٧] ونحو ذلك فإنه لم يتنازع

стр. 3063

فيها الصحابة والتابعون وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله تعالى لأنه قال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ولم يقل عن ساق الله ولا قال يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقاً منكَّرة غير معرَّفة ولا مضافة وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين الذي قال فيه فيكشف الرب عن ساقه وقد يقال إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والسجود لايصلح إلا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه وأيضاً فحَمْلُ ذلك على الشدة لا يصحّ لأن المستعمل في الشدة أن يقال كشف الله الشدة أي أزالها كما قال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) [الزخرف ٥٠] وقال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ [الأعراف ١٣٥]

стр. 3064

وقال وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) [المؤمنون ٧٥] وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال كشف الشدة أي أزالها فلفظ الآية يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وهذا يراد به الإظهار والإبانة كما قال كَشَفْنَا عَنْهُمُ وأيضاً فهناك تحدث الشدة ولا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهراً من مجرد لفظ ساق بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود الوجه السابع أن دعواه أن ظاهر القرآن أن لله أعيناً كثيرة وأيدياً كثيرة باطلٌ وذلك أنه وإن كان قد قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر ١٤] وقال وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود ٣٧] وقال وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور ٤٨] وقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس ٧١] فقد قال في قصة موسى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه ٣٩-٤٠] فقد جاء هذا بلفظ المفرد في موضعين فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد

стр. 3065

جاء بلفظ المفرد في موضعين بل قد ادعى الأشعري فيما اختاره ونقله عن أهل السنة والحديث هو وطوائف معه إثبات العينين لأن الحديث ورد بذلك وفيه جمع بين النصين

стр. 3066

كما في لفظ اليد بل لو قال قائل الظاهر في العين للمفرد أو المثنى دون المجموع لتوجَّه قوله وذلك أن قوله بِأَعْيُنِنَا في الموضعين مضاف إلى ضمير جمع والمراد به الله وحده بلا نزاع ومثل هذا كثير في القرآن يسمي الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصيغة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) [الفتح ١] وقوله نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف ٣٢] فلما كان المضاف إليه لفظه لفظ الجمع جاء المضاف كذلك فقيل بِأَعْيُنِنَا وفي قصة موسى لما أفرد المضاف إليه افرد المضاف فقيل وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه ٣٩] ومعلوم أن هذا هو الأصل والحقيقة فإن الله واحد سبحانه ومن احتج بما ذكره الله تعالى عن نفسه بلفظ الجمع على العدد فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم كما فعل

стр. 3067

نصارى نجران الذين قَدِموا على النبي ﷺ وناظروه في أمر المسيح وذكروا أن صدر آل عمران أُنزلت بسببهم إذ عامته في ذكر المسيح واتّباعهم للمتشابه أن قالوا ألم يقل في كتابك إنا ونحن فهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة فتركوا المحكم في كتاب الله كقوله وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة ١٦٣] وقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة ٧٣] واتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهكذا قد يقال فيمن عمد إلى لفظ أعيننا وترك لفظ عيني أنه اتبع المتشابه دون المحكم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال يا عائشة إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه

стр. 3068

فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم وهذا الكلام يقال في لفظ أيدينا مع قوله مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] وقوله بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة ٦٤] فإن صيغة المضاف إليه هناك صيغة جمع بخلاف صيغة المضاف إليه في بقية الآيات فجاء على لفظ المضاف إليه ومما يوضح الأمر في ذلك أن من لغة العرب الظاهرة التي نزل بها القرآن استعمال لفظ الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلاً بالمضاف إليه والمعنى ظاهر كقوله تعالى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ [التحريم ٤] وليس لكل منهما إلا قلب فالمعنى قلباكما لكن النطق بلفظ الجمع أسهل والمعنى معروف أنه ليس لكل منهما إلا قلب وكذلك قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة ٣٨] والمعنى فاقطعوا أيمانهما إذ لا يقطع من كل

стр. 3069

واحد إلا يده اليمنى لكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب وظهور المراد وفي قراءة عبد الله فاقطعونا أيمانهما حتى أن التعبير في مثل هذا بلفظ التثنية عدول عن أفصح الكلام وغن كان جائزاً كما قال ظهراهما مثل ظهور الترسين وقد جاء مثل الأول في المضاف المنفصل وهو قليل كقوله وضعا رحالهما

стр. 3070

وإذا كان كذلك قيل لفظُ بأعيننا ولفظ أيدينا مع كون المضاف إليه ضمير جمع أولى بالحسن مما إذا كان المضاف إليه ضمير تثنية فإذا كان من لغتهم ترك استحسان قلباكما ويديهما فلأن يكون في لغتهم ترك استحسان بعيننا أو بعينينا ومما عملت يَدُنَا أو يدانا أولى وأحرى ويكون المضاف مفرداً أو مثنى والمضاف إليه مجموعاً وهذا خروج عن المطابقة وعدول عن الحسن أعظم من ذلك بل هنا يقبح مثل هذا اللفظ فإنه إذا عبر عن نفسه بصيغة الجمع تعظيماً وتفخيماً فالتعبير مع ذلك عما أضيف بما لا تعظيم فيه تناقض في البيان وتناسب الكلام ويوضح ذلك أنه في الصورة المستشهد بها كقوله صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وفَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا يعلل بأنـ ـه حسن العدول عن المثنى بأن صيغة الجمع واحدة معربة

стр. 3071

بالحروف فهي أخف من صيغة التثنية التي تختلف في النصب وفي الرفع والخفض إذ يحتاج أن يقول صيغ قلباهما وقلب الله قلبيهما وزيّن الإيمان في قلبيهما وعلى المعروف يقال صغت قلوبهما وقلب الله قلوبهما وزيّن الإيمان في قلوبهما فهذا أخف وأسهل وأحسن فإذا قال مما عملت يدانا وخلقنا بيدينا وبسطنا بيدينا كان هذا بخلاف ما لو قيل عملت أيدينا وخلقنا بأيدينا وبسطنا أيدينا كان هذا أخف وأسهل وأحسن من الأول فكيف وفي هذه الصور المضاف إليه لفظه لفظ الجمع فإذا كانوا يعدلون عن إضافة المثنى إلى المثنى فيجعلون المضاف بلفظ الجمع فلأن يعدلوا عن إضافة المثنى إلى الجمع ويجعلوا المضاف بلفظ الجمع أولى وأحرى الوجه الثامن أن القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية في قوله مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ولم يقل لما خلقته

стр. 3072

أيدينا كما قال هناك مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا بل أخبر أنه خلق هو وذكر أنه خلق بيديه ومثل هذا اللفظ لايحتمل من المجاز ما يحتمله ما عملت أيدينا فإن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) [الحج ١٠] وقال تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة ٦٤] فأخبر عن اليهود أنهم ذكروا ذلك بصيغة الفرد ثم قال بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ فأخبر أن يديه مبسوطتان وجاء بلفظ المفرد في مواضع كقوله قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران ٢٦] وقوله ﵎ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك ١] ولم يجئ بلفظ الجمع إلا في قوله مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا فإذا ادعى المدعي أن ظاهر القرآن أن لله أيدياً كثيرة بهذه الآية مع معارضة تلك الآيات المتعددة لها أليس هذا في غاية البهتان وكان إذا لم يعرف الجمع بين الآيات يكفيه أن يقول

стр. 3073

لا أعلم ظاهر القرآن أو يدعي أنه ليس له ظاهر أما تعيين المجمل المرجوح للظهور دون غيره فتحريف وتبديل الوجه التاسع أن يقال له أما صيغة التثنية فإنها نص في مسماها لأنها من أسماء العدد وأسماء العدد نصوص لايجوز اثنان أو ثلاثة أو أربعة ويعني به إلا ذلك العدد حتى أنه قيل في مثل قوله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة ٢٢٨] أن ذلك يوجب القروء الكاملة لكونه بلفظ العدد بخلاف قوله الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة ١٩٧] فإنه يراد به بعض الثلاث لكونه لفظ جمع ولكون مثل ذلك مستعملاً في أسماء الزمان وأما صيغة المفرد فكثيراً ما يراد بها الجنس فيتناوله سواء كان واحداً أو اثنين أو ثلاثة كما قد يراد بها الواحد في العين وقد يقال الأصل هو الأول ولهذا إذا دخل حرف النفي عليها كان ظاهرها نفي الجنس وقد يراد بها نفي الواحد من الجنس فيقال ما جاءني رجل بل رجلان هذا خلاف الظاهر والأصل عند الإطلاق إذا قلت ما جاءني رجل أن تكون

стр. 3074

نافية للجنس ونفي الواحد يكون بقرينة ولهذا عامة المفرد المضاف في القرآن كذلك مثل قوله لَيْلَةَ الصِّيَامِ ونِعْمَةَ اللهِ ونحو ذلك وإذا كان كذلك فقوله بِيَدِكَ الْخَيْرُ وبِيَدِهِ الْمُلْكُ يدل على جنس اليد فيعم ما للمضاف إليه سواء كانت يداً أو يدين أو يكون مطلقاً لايدل على عموم ولا خصوص وكذلك قوله وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي يتناول ما للمضاف إليه من ذلك وقوله فيكشف الرب عن ساقه وحتى يضع رب العزة فيها قدمه يقال إنه من المطلق أيضاً إذ الجنس المضاف يراد به العموم تارة ويراد به مطلق الجنس تارة والمقصود أن ذلك لايوجب أن يكون واحداً بالعين وأما صيغة الجمع واستعمالها بمعنى التثنية فقد تقدمت

стр. 3075

شواهده وإذا كان كذلك كان ظاهر القرآن بل نصه أن لله يدين وكان ما ذكر فيه من لفظ المفرد أريد به الجنس وما ذكر فيه من لفظ الجمع أريد به المثنى وكل هذا هو من ظاهر الخطاب وفصيح اللغة ليس فيه شيء من غريب اللغة وخفيها بل هو جارٍ على الاستعمال الظاهر المشهور فتبين أنما جعله ظاهر القرآن هو خلاف نصه وظاهره الوجه العاشر أنه إذا كان مقصوده أن الله ليس موصوفاً بظواهر النصوص فكان ينبغي أن يذكر ما وردت به الأخبار أيضاً فإنه موصوف بالأمرين جميعاً وفيما وصف به من الأخبار ما إذا ضم إلى القرآن تبين من مجموع النصوص زوال ما ادعاه من الشناعة مثل قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين

стр. 3076

فصل قال الرازي الوجه الثاني أنه ورد في القرآن أن الله نور السموات والأرض وأن كل عاقل يعلم بالبديهة أن الله ليس هو هذا الشيء المنبسط على الجدران والحيطان وليس هو النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار ولابد لكل واحدٍ منا أن يفسر قوله اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بأنه مُنور السموات والأرض أو بأنه هادٍ لأهل السموات والأرض أو بأنه مصلح لأهل السموات والأرض وكل ذلك تأويل قلت والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له الله أخبر أنه نور السموات والأرض فإن النار جملة وتفصيلاً كالموجود في السرج والمصابيح وغير ذلك إنما يكون

стр. 3077

في بعض الأرض أو بعض ما بين السماء والأرض فضلاً عن أن تكون هذه النيران نور السموات والأرض وكذلك ضوء الشمس والقمر ليسا نور السموات والأرض وإن كانا موجودين في بعض السموات ومنورين لبعض الأرض فإنا نعلم أن نور الشمس التي هي أعظم من نور القمر ليس هو نور جميع السموات والأرض فإذا كانت هذه الأمور ليست نور السموات والأرض والله قد أخبر أنه هو نور السموات والأرض لم يكن ظاهر كلامه أن الله هو هذه الأنوار حتى يجعل ظاهر كلام الله باطلاً ومحالاً وكفراً وضلالاً بالبهتان وتحريف الكلم عن مواضعه بل لو كان الخطاب الله هو النور الذي تشهدونه في السموات والأرض أو الله هو النور الذي في السموات والأرض لكان لكلامه وجه بل قال هو نور السموات والأرض فالمحرف لهذه الآية ظن أن مسمى نور السموات والأرض هي هذه الأنوار المشهودة المخلوقة من القمرين والنار فاعتقد أن ظاهر القرآن هو هذا الباطل الوجه الثاني أنه قد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول إذا قام من الليل اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيم السموات

стр. 3078

والأرض ومن فيهن وهذا يقتضي أن كونه نور السموات والأرض أمر مغاير لكونه رب ذلك وقيمه ومن المعلوم أن إصلاح ذلك وهدايته وجعله نيِّراً هو داخل في كونه ربه وقيمه فعلم أن معنى كونه نور السموات والأرض غير ذلك الثالث أن الله قد قال في كتابه العزيز وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر ٦٨-٦٩] فقد اخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره وقال الإمام أحمد في الرد على الجهمية نقول إن اله لم يزل متكلماً إذا شاء ولا نقول إنه كان قد لا يتكلم حتى خلق كلاماً ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق

стр. 3079

لنفسه علماً فعلم ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نوراً ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة فقالت الجهمية لنا لمَّا وصفنا من الله هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره لم يزل وقدرته فقلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره ولكن لم يزل بقدرته وبنوره لا متى قدر ولا كيف قدر فكل ما له فهو في نفسه نور فإن إنارته على غيره فرع استنارته في نفسه ولهذا كان لفظ النور يقع على الجواهر المنيرة وعلى الأعراض القائمة بالمستنير بها أخرى قال تعالى وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح ١٦] فجعل القمر نفسه نوراً وهو جوهر قائم بنفسه ويقال لضوئه وضوء الشمس نور

стр. 3080

الوجه الرابع أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال سألت النبي ﷺ هل رأيت ربك قال نورٌ أنَّى أراه وثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال إن الله لاينام ولاينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو قال النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وقال عبد الله بن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أن له حجاباً من النور أو النار وهذا ليس هو نور وجهه الذي لو كشف هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وكذلك روى عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا محمد بن

стр. 3081

كثير أنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله من خلقه بأربعٍ بنارٍ وظلمةٍ ونورٍ وظلمةٍ

стр. 3082

وقال حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي ﷺ سأل جبريل هل رأيت ربك فانتفض جبريل وقال يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نورٍ لو دنوت من أدناها حجاباً لاحترقت

стр. 3083

الخامس أن كونه نوراً أو تسميته نوراً مما لم يكن ينازع فيه قدماء الجهمية وأئمتهم الذين ينكرون الصفات بل كانوا يقولون إنه نور قال الإمام أحمد في الرد على الجهمية وقلنا للجهمية حين زعموا أن الله بكل مكان لايخلو منه مكان فقلنا لهم أخبرونا عن قول الله جل ثناؤه فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف ١٤٣] لِمَ تجلى للجبل إذا كان فيه بزعمكم فلو كان فيه كما تزعمون لَمْ يكن متجلياً لشيء هو فيه لكن الله ﵎ على العرش وتجلى لشيء لم يكن فيه ورأى الجبل شيئاً لم يكن رآه قط قبل ذلك وقلنا

стр. 3084

للجهمية الله نور فقالوا هو نور كله فقلنا قال الله وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا فقد أخبر جل ثناؤه أن له نوراً وقلنا لهم أخبرونا حين زعمتم أن الله في كل مكان وهو نور فلِمَ لايضيء البيت مظلم من النور الذي هو فيه إذ زعمتم أن الله في كل مكان وما بال السراج إذا دخل البيت المظلم يضيء فعند ذلك تبين كذبهم على الله وقال الخلال حدثنا يحيى ن أبي طالب قال كنا عند عمر بن يحيى الواسطي بن أخي علي بن عاصم فتذاكرنا

стр. 3085

من قال القرآن مخلوق فقال حدثني يحيى بن عاصم قال كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي فقلت له يا أبت مثل هذا يدخل عليك قال يا بني ما له قلت إنه يقول القرآن مخلوق وإن الله معه في الأرض وإن الشفاعة باطلة وإن الصراط باطل وإن الميزان باطل وإن منكراً باطل مع كلامٍ كثير قال ويحك أدخِله علىَّ قال فأدخلته فجعل يقول ويلك يا بشر اُدْنُه فما زال يدنيه حتى قرب منه ثم قال ويلك يا بشر ما هذا الكلام الذي بلغني عنك قال وما هو يا أبا الحسن قال بلغني أنك تقول القرآن مخلوق وأن الله في الأرض معك مع كلام كثير فقال ويلك من تعبد وأين ربك قال يا أبا الحسن لم أجئ لهذا إنما جئت لتقرأ عليَّ كتاب خالد قال فقال لا ولا نعمة عين ولا عزازة حتى أعلم ما أنت عليه أين ربك ويلك قال فقال أما إذ أبيت عليَّ يا أبا الحسن فربي نور في نور قال فجعل يزحف إليه
следующие страницы →