Полный текст (4 879 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
ذلك فهذا يحتاج إلى أن يحتج له كما سيأتي وإن كنت هنا ادعيت وجوب التأويل بالإجماع فذكرت هذا وأمثاله فيما لا يشك احد في وجوب تأويله وليس الأمر كذلك قال القاضي أبو يعلى اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره وان الحقو والحُجْزَة صفة ذات لا على وجه الجارحة والبعض وأن الرحم آخذة بها لا على وجه الاتصال والمماسة بل يطلق تسمية ذلك كما أطلقها الشرع
стр. 3327
ونظير هذا ما حملناه على ظاهره في وضع القدم في النار وفي أخذ داود بقدمه لا على وجه الجارحة ولا على وجه المماسة كما أثبتنا خلق آدم بيديه فاليدان صفة ذات والخلق بهما لا على وجه المماسة والملاقات وكذلك هاهنا قال وذكر شيخنا أبو عبد الله في كتابه هذا في الحديث وأخْذُه يظاهره وهو ظاهر كلام أحمد قال المروذي جاءني كتاب من دمشق فعرضته على أبي عبد الله فنظر فيه وكان فيه أن رجلاً ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت
стр. 3328
الرحم فأخذت بحقو الرحمن وكان الرجل تلقاه يعني حديث أبي هريرة فرفع المحدث رأسه فقال أخاف أن تكون كفرت فقال أبو عبد الله هذا جهمي وقال أبو طالب سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث هشام بن عمار أنه قرأ عليه حديث يجيء الرحم يوم القيامة فتتعلق بالرحمن فقال أخاف أن تكون قد
стр. 3329
كفرت فقال هذا شامي ما له ولهذا قلت ما تقول قال يمضي الحديث على ما جاء قلت أما قول القاضي على غير وجه الاتصال والمماسة وغير ذلك ففيه نزاع يذكر في غير هذا الموضع وأما ما ذكره عن شيخه أبي عبد الله بن حامد فقد قال ابن حامد في كتابه فصل ومما يجب التصديق به أن لله حقوًا قال المروذي قرأت على أبي عبد الله كتابًا فنظر فيه فإذا فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أن الله خلق الرحم حتى إذا فرغ منها أخذت بحقو الرحمن فرفع المحدث رأسه وقال أخاف أن تكون قد كفرت قال أبوعبد الله هذا جهمي وقال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار أنه قرئ عليه حديث
стр. 3330
الرحم تجيء يوم القيامة فتتعلق بالرحمن تعالى فقال أخاف أن تكون قد كفرت فقال هذا شامي ما له ولهذا قلت ما تقول قال يمضي كل حديث على ما جاء وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ الرحم شجنة يعني لها تعلق تقرب من الرحمن تعالى تتعلق بحقو الرحمن تعالى تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني قال فقال أحمد في الحديث في كنَفَه قيل له
стр. 3331
قول النبي ﷺ يضع عليه كنفه قال هكذا يقول بيديه وهذه أحاديث مأثورة عن النبي ﷺ في الرحم والحقو وأنه يضع كنفه على عبده ومثل ذلك أيضًا ما رواه عنه أبو علي الصانع من أصحاب إدريس الحداد المقري قال سمعت عمران النجار يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول وسألته ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ [الروم ٢٥] فمن قال إن دعوة الله مخلوقة فقد كفر قال فجملة هذه المسائل مذهب إمامنا فيها الإيمان والتصديق بها والتسليم والرضا وأن الله يضع كنفه على عبده تقريبًا له إلى أن يضع كنفه عليه وذلك صفة ذاته لا يدري ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها وكذلك في الرحم تأخذ بحقو
стр. 3332
الرحمن صفة ذاته لا يدري ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها وكذلك دعوة الله لعباده وهم في الأرض أموات بالخروج منها فيخرجون كل ذلك صفات ذاته من غير تكييف ولا تشبيه قال فأما الحديث في الرحم والحقو فحديث صحيح ذكره البخاري وقد سئل إمامنا عنه فأثبته وقال يمضي الحديث كما جاء وأما الحديث في كنفه فهو حديث ثابت رواه الأئمة أحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني
стр. 3333
ووكيع أن الله يدني عبده يوم القيامة يقول أُدْنُه أُدْنُه حتى يضع كنفه عليه فيقول أتذكر كذا أتذكر كذا ثم قال ابن حامد فصل ومما يجب الإيمان به والتصديق ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب من الحق سبحانه لنبيه ﵊ وقد اعتمد أصحابنا في ذلك على جواب أبي عبد الله في هذا في المقام المحمود فقال أبو بكر بن صدقة ذكر الحديث عند أبي عبد الله فقال فاتني عن ابن فضيل وجعل يتلهف
стр. 3334
وقال عبد الله قال أبي ما وقع لي بعلو وجعل كأنه يتلهف إذ لم يقع له بعلو وهو حديث أحمد بن حنبل عن ابن فضيل عن ليث عن
стр. 3335
مجاهد عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) [الإسراء ٧٩] قال يقعده معه على العرش فيطلق ذلك كما جاء به النبي ﷺ ويجوز أن يكون مقامًا مخصوصًا لمقعد النبي ﷺ ويشهد لذلك ما رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الله كتب كتابًا بيده قبل أن يخلق
стр. 3336
السموات والأرض وهون معه على العرش إن رحمتي تغلب غضبي وأحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا
стр. 3337
أبو هريرة عن رسول الله ﷺ لما قضى الله يعني الخلق كتب كتابًا هو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي قال ابن حامد وقد ذكر في كتاب السنة أخبارًا عن الصحابة في الدنو فروى عن محمد بن بشر قال حدثنا
стр. 3338
عبد الرحمن بن شريك عن أبيه حدثني عبد العزيز بن رفيع وسالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال إذا
стр. 3339
نظر داود إلى خطيئته ولى هاربًا فيناديه الله يا داود اُدْنُ مني فلا يزال يدنيه حتى يمس بعضه ورواه وكيع عن سفيان عن منصور وعن مجاهد عن عبيد ابن عمير وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى [ص ٢٥] قال ذكر الدنو حتى يمس بعضه قال وقد روي أشد من هذا عن مجاهد فرووا منه
стр. 3340
طريق الحديث الأول قال حدثني إبراهيم بن مهاجر وليث بن أبي سليم قالا حدثنا مجاهد قال إذا كان يوم القيامة ذكر داود ذنبه فيقول الله تعالى كن أمامي فيقول ذنبي ذنبي فيقول الله كن خلفي فيقول ذنبي ذنبي فيقول الله خذ بقدمي وبالإسناد حدثني أبو يحيى القتات وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن
стр. 3341
أبي مالك عن ابن عباس في قوله تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) [ص ٢٥] قال يدنو منه حتى يقول الله خذ بقدمي قال ابن حامد وهذا كله يقطع به كما جاءت به الأخبار والمقصود هنا أن هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء وردوا على من نفى مُوجَبه والغرض أن هذا ليس مما اتفقت الأئمة على تأويله
стр. 3342
فلا يكون حجة له فإن قيل فقد ذكر الخطابي وغيره أن هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق فقال أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين القول في مراتب الصفات أن قومًا من المثبتين للصفات أفرطوا في تحقيقها حتى خرجوا إلى ضرب التشبيه والتمثيل كما أفرط قوم في نفيها حتى صاروا إلى نوع من الإبطال والتعطيل وكلا القولين خطأ وخطل وللحق
стр. 3343
بينهما نهج واضح لا يخفى صوابه على من وفقه الله فأما النفاة من الجهمية فإنهم قصدوا إلى كل شيء يفهم ويدري أو يتوهم من أسماء الله وصفاته فسموه تشبيهًا بغير حجة وأما المشبهة فإنهم حملوا كل شيء من هذا على حقيقة اسمه بظاهر معناه من غير تأويل له أو يخرج على وجه يصح على معاني أصول العلم وتعسفوا أيضًا في جهات مأخذها حتى جعلوا شيئاً كثيرًا مما تلقفوه من أفواه الناس وحفظوه من ألسن القصاص وسمعوه رواية عن قراءة الكتب مثل كعب
стр. 3344
ووهب وأمثالهما مثل نوف البكالي وعن بعض أهل التفسير كمقاتل بن سليمان وكأشياء تروى عن مجاهد ومن نحا نحوه من المقتحمين في هذا الباب أصلاً يعتقدونه دينًا ويتخذونه مذهبًا وهذا مما يجب التثبت فيه
стр. 3345
والتوقف عنه فإن هذا الشأن أعظم من أن يدخله شيء من التساهل أو يكون فيه للظن مدخل أو للتأويل موضع أو للعقل والقياس متعلق إنما طريق العلم به السماع أو التوقيف من قبل الكتاب المنزل أو قول الرسول المرسل بالخبر الصحيح الذي يقطع العذر به وقد أخبر الله أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فقطع الشبه بينه وبين الأشياء كلها وأبطل القياس فيها وقال وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة ٢٥٥] وقال وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء ٣٦] وقال وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) [البقرة ١٦٩] فأما ما ثبت من الصفات بكتاب الله وبما صح عن رسول الله ﷺ بالخبر الذي ينقطع العذر به فإن القول به واجب لأن الله شهد لرسوله ﷺ بقوله الصدق ونزهه عن الكذب فقال وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) [النجم ٣-٤] وقال جل وعلا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا
стр. 3346
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) [الجن ٢٦-٢٧] قال والكلام فيها ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم منها يحقق ولا يتأول كالعلم والقدرة ونحوهما وقسم يتأول ولا يجري على ظاهره وذلك كما روي عن النبي ﷺ حكاية عن الله تعالى من تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وما أشبهه لا أعلم أحدًا من العلماء أجراه على ظاهره أو اقتضى منه أو احتج بمعناه بل كل منهم تأوله على القبول من الله تعالى لعبده وحسن الإقبال عليه والرضا بفعله ومضاعفة الجزاء له على صنيعه وكما روي عن النبي ﷺ أنه قال لما خلق الله الرحم تعلقت بحقو الرحمن فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال سبحانه وعزتي لأقطعنّ من قطعك ولأصلن من وصلك
стр. 3347
ولا أعلم أحدًا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضى الاسم له في موضع اللغة وإنما معناه اللياذ والاعتصام به تمثيلاً له بفعل من اعتصم بحبل ذي عزة واستجار بذي ملكة وقدرة كما روي الكبرياء رداء الله قال وليس هذا الضرب في الحقيقة من أقسام الصفات ولكن ألفاظه متشاكلة لها في موضع الاسم فوجب تخريجه ليقع بع الفصل بين ما له حقيقة منها وبين ما لا حقيقة له من جملتها ومن هذا الباب قوله تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر ٥٦] لا أعلم أحدًا من علماء المسلمين إلا تأول الجنب في هذه الآية ولم أسمع أحدًا منهم أجراه على ظاهره أو اقتضى منه معنى الجنب الذي هو الذات وإنما تأولوه على القرب والتمكين وقال الفراء معنى الجنب معظم الشيء كما يقول الرجل
стр. 3348
لصاحبه هذا قليل في جنب ما أوجبه لك والقسم الثالث من الصفات يحمل على ظاهره ويجري بلفظه الذي جاء به من غير أن يقتضي له معرفة كيفية أو يشبه بمشبهات الجنس ومن غير أن يتأول فيعدل به عن الظاهر إلى ما يحتمله التأويل من وجه المجاز والاتساع وذلك كاليد والسمع والبصر والوجه ونحو ذلك فإنها ليست بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء ولكنها صفات الله لا كيفية لها ولا تُتَأوَّل فيقال معنى اليد النعمة والقوة ومعنى السمع والبصر والعلم ومعنى الوجه الذات على ما ذهب إليه نفاة الصفات فإن قيل ما منعكم أن تجعلوا سبيل هذا الضرب من الصفات سبيل الضرب الأول في حملها على حقيقة مقتضى
стр. 3349
الاسم أو سبيل الضرب الثاني في حملها على سعة المجاز والتأويل وما الذي أوجب التفريق بينه وبينها وتعليق القول فيها على الوجه الذي ذكرتموه قيل منعهم من إجرائها على حقيقة مقتضى أسبابها في العرف أن ذلك يفضي بنا إلى التشبيه والتمثيل وهو منفي عن الله وأما حملها على الوجه الآخر فإن الكتاب قد منع منه لأنك إذا تأملت لفظه في الكتاب وجدته ممتنعًا على تأويل القوم غير مطاوع له ألا تراه يقول مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] بتشديد الياء في الإضافة وذلك تحقيق التثنية والعرب إنما تستعمل ذلك في موضع لا يجوز أن يكون وراءه ثالث كما يقول الرجل رد علي درْهَمي إذا لم يكن عندي غيرهما وكما قال سبحانه مخبرًا عن شعيب أنه قال لموسى ﵇ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص ٢٧] إذ لم يكن له غيرهما وإذا تحققت التثنية لم
стр. 3350
يجز صرفها إلى النعمة ولا إلى القوة لأنه ليس تخصيص التثنية في نعم الله تعالى ولا في قوته معنى يصح لأن نعمه أكثر من أن تعد أو تحصى قال الله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم ٣٤] فدل ذلك على تحقق خلق الله آدم ﵇ بيديه اللتين هما صفتان له من صفات ذاته كما قال في تكذيب اليهود عند قولهم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة ٦٤] مستقصاً ذكر اللفظ الموضوع للتثنية فدل ذلك على تحقيق ما قلناه وأيضًا فإن معنى اليد لو كان النعمة والقوة لوجد إبليس متعلقًا من هذه الجهة لما امتنع من السجود لآدم ﵇ فيقول وما في خلقك إياه بنعمتيك أو قوتيك مما يوجب علي أن أسجد له لقد خلقتني بنعمتيك وقوتيك وأنا مساوٍ له في خلقك إيانا جميعًا بيديك اللتين هما النعمة والقوة لأنه لا يخفى على أحد من ذوي العقول أن الله سبحانه خلق
стр. 3351
الأشياء بقوته وقدرته فلما لم يتعلق إبليس بهذه الحجة وأعرض عنها إلى قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) [ص ٧٦] كان فيه أوضح دليل على أنه علم تخصيص الله لآدم ﵇ في خلقه إياه بمعنى لم يشاركه إبليس ولا غيره من الملائكة فيه وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله في قوله تعالى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] على ما نطق به التنزيل وشهد بصحته التأويل والله أعلم وأيضًا فإن نعم الله تعالى مخلوقة كآدم لا فرق بينهما في سمة الخلق فكيف يخبر عن خلق مخلوق بمخلوق وأي فائدة في ذلك إذا كان هكذا وأيضًا فإن الله لا يوصف بالقوة عند نفاة الصفات فكيف يثبتون له في تأويل هذه الآية ومن مذهبهم أن القوة عن الله منتفية وقد زعم بعضهم أن معنى النعمتين هنا الماء والطين لأنه خلق آدم ﵇ منهما وهذا تأويل ساقط لا معنى له ولو أراد ذلك لقال لما خلقت من
стр. 3352
يدي ولم يقل بيدي كما يقول القائل صنعت هذا الكوز من الفضة أو النحاس وطبعت هذا السيف من الحديد ونسجت هذا الثوب من الكتان ولا يقول في شيء من هذا بالباء لأن الباء حرف للإلصاق وحرف لتعدية الفعل قال وكذلك القول في الوجه والبصر وسائر الصفات التي تذكر في الباب وذلك أنه تعالى لما قال وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) [الرحمن ٢٧] فأضاف الوجه على الذات وفي حكم اللغة أن المضاف غير المضاف إليه وأن إعراب النعوت تابع لإعراب المنعوت فلو كان الوجه
стр. 3353
ههنا صلة ولم يكن صفة للذات لقال ذي الجلال والإكرام فيكون نعتًا للذات فلما رَفَع فقال ذو الجلال والإكرام علم أنه نعت للوجه وصفة للذات ولو كان معنى البصر العلم كما تأوله هؤلاء القوم لذهب فائدة قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام ١٠٣] لأنه قد نفى عن خلقه شيئًا أثبته لنفسه دونهم وقد احتج القوم بهذه الآية في أن الله تعالى لا يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة فلو كان معناه يعلم بالأبصار لم يكن بينه وبين خلقه في ذلك فرق لأنهم يعرفون الله ويعلمونه فما الذي أثبته لنفسه ونفاه عن خلقه إذاً إذا كانت الأبصار لا تراه ولا يراها نظرًا وقد روي عن النبي ﷺ في إثبات اليد والوجه والسمع والبصر مع ما جاء في الكتاب من ذكرها أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة والكتاب يطول باقتصاصها وهي مشهورة عند أهل العلم والعناية بهذا الشأن قال والأصل أن الخطاب في الكتاب والسنة وبيان الشريعة محمول على ما تعقله العرب وتستعمله في كلامها
стр. 3354
فإن الله تعالى لم يخاطبنا بما لا نعقله ولا نفهمه إلا أنا لا ننكر التأويل في بعض ما تدعو إليه الحاجة من الكلام والعدول عن ظاهر اللفظ وموضوعه لقيام دليل يوجبه أو ضرورة تلجئ إليه فأما أن يكون الظاهر المفهوم وهو الحجة والبيان بلا حجة ولا بيان فلا يجوز ذلك وكفانا أن ننفي الكيفية عن صفات الله تعالى فأما أن نبطل الصفات مع ورود التوقيف بها فلا يجوز ذلك في حق دين ولا دلالة علم وهذا الباب من نوع العلم الذي يلزمنا الإيمان بظاهره لوقوع الحجة به وقيام الدليل عليه من جهة التوقيف ولا يجوز لنا البحث عن باطنه والكشف عن علته كما لا يجوز لنا ذلك في معرفة ذات الله بل يصح الإيمان والعلم به وبأنِيَّنِه من غير علم بالمائية التي
стр. 3355
هي سؤال عن التجنيس إذ لا جنس له سبحانه ولا بالكيفية التي هي سؤال عن الهيئة والصورة فإنه سبحانه واحد ليس بذي هيئة ولا صورة ولا بالكمية التي هي سؤال عن العدد فإنه سبحانه واحد ليس بذي عدد ولا كثرة ولا بالكمية التي هي سؤال عن برهان الشيء وعلته وتعالى الله فإن الماهية والكيفية والكمية عن الله منفية ولهذا كان إعراض موسى ﵇ في الجواب لما سأله فرعون حين قال له وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قال موسى ﵇ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) وذلك أنه لما أحال في سؤاله فسأله عن جنس ما لا جنس له ولا تحديد استجهله موسى ﵇ فأضرب عن سؤاله فلم يجب عنه ثم أخبره عن قدرته وعظم ملكه وسلطانه بما يرد به من جهله فيما سأل عنه وانتظر الجواب فيه
стр. 3356
كما يقول الرجل العاقل للجاهل إذا سأل عن الباطل والمحال ليس لك عندي جواب إلا أن الذي أعرف وأجيب به كذا وقد أمرنا بالإيمان بملائكة الله تعالى وهم مخلوقون لله تحيط بهم الحدود وتصفهم الكيفية ثم إنا لا نعلم خواصهم ولا نقف على حقائق صفاتهم ولم يكن ذلك قادحًا في صحة العلم بكونهم والإيمان بهم وقد حجب عنا علم الروح ومعرفة كيفية العقل مع علمنا بأنه آلة التمييز وبه تدرك المعارف وهذه كلها مخلوقات لله فما ظنك بصفات رب العزة سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] فإن قيل أما هذه الأمور فإنما جاز أن يطوى عنا علمها لأنك لم تجد عليها دلالة من حس ولا في كيفيتها بيانًا من نص ولا رأيتَ لها مثالاً من نظير وشكل واليد والسمع والبصر والوجه معلومة بأسمائها ونظائرها موجودة بخواص صفاتها قيل هذا ظلم في المعارضة وجور في حق المطالبة وذلك أن اليد والسمع والبصر إنما كانت جوارح لذات هو جسم عريض عميق فلما كان الذات الذي به قيام هذه الصفات معلوم الكيفية كانت صفاته كذلك فأما إذا كانت هذه
стр. 3357
الأسماء صفة للذات المتحاشي عن هذه النعوت المنزهة عما جرى الأمر عن النزاهة والبعد عن التحديد والتكييف حصل العلم بظاهرها من طريق التوقيف حسب ولا حول ولا قوة إلا بالله قيل هذا الذي ذكره الخطابي ذكره بمبلغ علمه حيث لم يبلغه في حديث الرحم عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت والخطابي له مرتبة في العلم معروفة ومرتبة أئمة الدين المتبوعين فوق طبقة الخطابي ونحوه وهذه الطريقة التي سلكها في تقسيم الأحاديث إلى الأقسام الثلاثة وما ذكر في الصفات الخبرية هي تشبه طريقة أبي
стр. 3358
محمد بن كُلاَّب وهي طريقة طوائف كثيرة ممن يقول بالكلام والحديث وغير ذلك وهي طريقة الشعري نَفسِه والبيهقي في آخر أمره وطريقة ابن عقيل في آخر
стр. 3359
أمره وجمهور أئمة الحديث وأئمة الفقهاء وأئمة الصوفية طريقهم أكمل من ذلك وأتبع للسنة كما قد بين في مواضع وأما ما ذكره الخطابي من الحاجة إلى تأويل بعض النصوص وكذلك يقول القاضي أبو يعلى وأمثاله فهؤلاء وإن قالوا بذلك فالقاضي قد بين أن التأويل يكون لدلالة نص آخر على خلاف ظاهر النص المؤول والخطابي قد ذكر أن التأويل يكون لدلالة أو ضرورة ومعنى الضرورة أن العلم بالضرورة نفي الظاهر وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن العموم ونحوه من الظواهر إذا علم بالحس أو الضرورة أنه انتفاءُ ظاهرها ففي تسمية ذلك تخصيصًا وصرفًا ونزاع بين الناس لأن ذلك يجري مجرى القرائن المتصلة وهؤلاء المثبتون للصفات التي يسمونها الصفات الخبرية
стр. 3360
كاليد والوجه بينهم نزاع في أصلين أحدهما فيما ثبت من ذلك هل هو ما جاء به القرآن أو ما يوافقه من الأخبار أو ما جاء به القرآن والأخبار المتواترة أو ما جاءت به الأخبار الصحيحة أيضًا أو ما جاءت به الأخبار الحسان أو ما جاءت به الآثار ويعنون بإثباتها أنه ليس القول بها ممتنعًا على نزاع لهم في ذلك والأصل الثاني هل إثبات معاني هذه النصوص على الوجه الذي ذكره الخطابي وهو الذي يقوله ابن كلاب والأشعري وكثير من طوائف أتباع الأئمة ويقوله القاضي أبو يعلى وغيره في كثير من الأحاديث أو أكثرها أو على وجوه أخرى لهم في ذلك أيضًا نزاع وليس هذا موضع تفصيل مقالاتهم ولكن نبهنا على أصله
стр. 3361
فصل قال الرازي السادس قال ﷺ إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد من النار
стр. 3362
ولابد من التأويل
стр. 3363
فصل قال الرازي السابع قال ﷺ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وهذا لابد فيه من التأويل لأنَّا نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا إصبعان بينهما قلوبنا قلت هذا الحديث في الصحيح والكلام عليه من وجوه أحدها أنه ليس ظاهر هذا الحديث أن أصابع الرب في صدور العباد إنما أخبر أن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء لم يقل إن الأصابع في صدورهم ولا قال إن قلوبهم معلقة بالأصبع أو متصلة بها بل قال إنها بين أصبعين وكون أن الشيء بين شيئين ليس ظاهره أنه مماس لهما كما في قوله عن الجنة والنار وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ [الأعراف ٤٦] وكما في قوله تعالى يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ [الزخرف ٣٨]
стр. 3364
الوجه الثاني أنه لو فرض أنه أخبر عن شيء من الغيب بأنه في قلوب العباد لم يكن ما ذكر من الضرورة مانعة من ذلك لأن الضرورة تمنع أن تكون الأشياء التي نشاهدها في قلوبنا ونحن لا نشاهد كذلك أما إذا أخبرنا بأن الملائكة تنزل على قلوبنا أو الشياطين تنزل أو أن على أفواهنا ملائكة تكتب كلامًا ونحو ذلك من الأمور الغائبة التي ليست من جنس المشاهدات لنا فإذا أخبرنا بوجودها لم نعلم بالضرورة انتفاء ذلك فقول القائل نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا يقال له المعلوم بالضرورة أن الأصابع التي شهدناها مثل أصابع الآدميين ليست في صدورنا أما لو أخْبِرنا أن أصابع الملائكة أو الجن في صدورنا لم نعلم انتفاء ذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال ما من مولود إلاّ يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه
стр. 3365
إلا مريم وابنها ثم قرأ أبو هريرة وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) [آل عمران ٣٦] وكما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال إذا استيقظ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خياشيمه وفي الصحيحين أيضًا عنه أنه قال إن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد يضرب
следующие страницы →