← Акыда

Акыда · id 2864

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية

Полный текст (4 879 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

رداء الكبرياء فكيف ما يمنع من إدراكه وإحاطته أليس هو أحق بأن يكون من صفة الكبرياء

стр. 3397

فصل قال الرازي العاشر قال ﷺ لأبي ابن كعب يا أبا المنذر أية آية في كتاب الله تعالى أعظم قال فتردد فيه مرتين ثم قال في الثالثة آية الكرسي فضرب بيده ﷺ على صدره قال أصبت والذي نفسي بيده إن لها لسانًا يقدس الله عند العرش ولابد فيه من التأويل قال فثبت بكل ما ذكرناه أن المصير إلى التأويل أمر

стр. 3398

لابد منه لكل عاقل وعند هذا قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أن الله منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحًا لئلا يكون ذلك سببًا للطعن فيها فهذا تمام القول في المقدمة وبالله التوفيق والكلام على هذا من وجوه أحدها أن لفظ الحديث الذي ذكر عن أبي ﵁ على ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن رباح عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال قلت اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قال فضرب في صدري وقال ليهنك العلم

стр. 3399

يا أبا المنذر وهكذا رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده زاد أبو مسعود الدمشقي صاحب أطراف البخاري ومسلم والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش لكن هذه الزيادة ليست موجودة فيما بأيدي الناس من صحيح مسلم

стр. 3400

لكن رواها الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة ورواها ابن أبي شيبة في مصنفه ذكر هذا عبد الحق في الجمع بين الصحيحين

стр. 3401

والقول في ذلك كالقول فيما تقدم من مجيء القرآن والأعمال الصالحة كما تقدم بيانه ونظير ذلك ما ورد من أن للكلم الطيب حول العرش دويًّا كما ورد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إن لها دويًّا حول العرش تذكر بصاحبها وما يشبه هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود قال قال النبي ﷺ لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد

стр. 3402

أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي حديث حسن فمعلوم أنه ليس المعنى الظاهر من هذا الباب أن نفس العمل أو القول الذي يقوم بالقائل والقائل هو نفس شجر الجنة ولكن يظهر منه أن هذا الكلام يصير منه شجر في الجنة فيغرسه الله غراسًا في الجنة كلما تكلم العبد بهذه الكلمات غرس له غراس هذا هو المعنى الذي يظهر منه سواء كان الله تعالى يصور نفس هذا العمل ذلك الغراس كما يصور

стр. 3403

من الحب ونوى شجرًا ومن المني حيوانًا أو كان بذلك العمل يخلق شجرًا وإن لم يكن من نفسه الوجه الثاني قوله فثبت بكل ما ذكرنا أن المصير إلى التأويل أمر لابد منه لكل عاقل يقال قد ذكر تسعة عشر وجهًا على عدد خزنة جهنم وليس فيها ما يوجب التأويل الذي يدعي نظيره وهو وجوب صرف الخطاب عن معناه الذي يظهر للمستمعين إلى ما ينافي ذلك الوجه الثالث أن التأويل الذي هو صرف الخطاب عن ظاهره الذي يظهر للمخاطبين إلى خلاف ظاهره لدليل شرعي يبين ذلك قد لا ينازعونه فيه فإن كلام الله وكلام رسوله

стр. 3404

يبين بعضه بعضًا وإنما ينازعونه في وجوب هذا الصرف لما يعتقد الإنسان من معقوله وهذا لم يذكر له حجة وما يعرف معناه ببديهة العقل والحس أن المتكلم لم يقصده ليس هو من هذا الباب في أحد القولين كما تقدم وهذا المؤسس قد قرر ضد ذلك فإنه قرر كما سيأتي حكايته وجوب صرف الكتاب والسنة لما سماه أدلة عقلية وقرر أنه لا يجب صرف ذلك لدليل من الكتاب والسنة فكان الذي قرره نقيض ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وهو مخالف أيضًا لما عليه أكثر المتكلمين وأكثر الجهمية فإنهم يوجبون التأويل لمعارضة الدليل الشرعي الواضح أيضًا وسنتكلم إن شاء الله على ما قاله الوجه الرابع أن يقال سلَّمنا أنه يجب التأويل عند مخالفة الحس والعقليات الضرورية كما يخص العموم بذلك عند من يسمي ذلك تخصيصًا في مثل قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل ٢٣] وتُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الأحقاف ٢٥] ونحو

стр. 3405

ذلك فلٍمَ قلت إنه يجوز أو يجب التأويل عند مخالفة النظريات العقلية والفرق بينهما من وجوه أحدها أن ما يعلم بالحس والبديهة يكون علمه حاصلاً عند المستمعين وبيانه مقارنًا لخطاب المتكلم أو سابقًا عليه أو لاحقًا له قريبًا ومعلوم أن الخطاب لا يكون إلاَّ لمن معه من العلم ما يدله على معنى الخطاب بحيث يكون عالمًا بالمتكلم ولغته وغير ذلك وإذا كان كذلك كان وجود العلوم الضرورية والحسية عند المخاطبين مما لابد منه في صحة كونهم مخاطبين فيكون ذلك من أسباب معرفتهم بمعنى الخطاب ويكون الخطاب على هذا الوجه هدى وبيانًا وشفاء ولا يكون إضلالاً ولا تلبيسًا أما النظريات التي لا تعرف إلا بدقيق النظر وطويله ويقع فيها النزاع فإذا خوطبوا بما ظاهره الكفر والضلال ولم يتبين لهم المعنى المراد ولا يعرفونه إلا بمثل هذه الوجوه إن عرفوه كان هذا إضلالاً وتلبيسًا بل كان عدم الخطاب أنفع وأهدى لهم إذ كانوا بدون الخطاب يعرفون الحق بهذه النظريات من غير معارض وإذا خوطبوا بما يعارض هذه العلوم

стр. 3406

كان قد أظهر لهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والأمر باعتقاد الباطل من غير بيان الوجه الثاني أن العلوم الحسية والبديهية تكون مقارنة للخطاب فتمنع عن فهم الباطل ابتداء بخلاف هذه النظريات الوجه الثالث أن مثل هذه العلوم لا يقع فيها نزاع واختلاف فلا يفضي ذلك إلى ما نهوا عنه من التفرق والاختلاف بخلاف النظريات الدقيقة المشتبهة الوجه الخامس أن يقال لا خلاف بين المسلمين بل بين العقلاء أن التأويل حيث ساغ سواء كان في كلام الله أو كلام رسوله ﷺ أو كلام غير الله ورسوله إنما فائدته الاستدلال على مراد المتكلم ومقصوده ليس التأويل السائغ أن ينشئ الإنسان معاني لذلك اللفظ أو يحمله على معاني سائغة

стр. 3407

لم يقصدها المتكلم بل هذا من أبطل الباطل وأعظمه امتناعًا وقبحًا باتفاق العقلاء وهو الذي يقع فيه هؤلاء المتأولون المحرفون كثيرًا وبذلك أشعر لفظه حيث قال فعند ذلك قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أنه تعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحًا فإن قوله نضع ظاهره أنهم يضعون لها ما يمكن من المعاني الصحيحة من غير نظر منهم في أن المتكلم قصد تلك المعاني أو لم يقصدها وعلى هذا فيكون التأويل كذبًا وافتراء على المتكلم إذا قيل معنى هذا الكلام هذا فإن معنى التأويل أنه قصد وأراد به كذا وليس عند المتأول إلا أن هذا المعنى يصلح في الجملة أن يراد بهذا الكلام ولكن قد يصلح أن يريد غيره ولا يصلح أن يريد هو فمن فسر كلام الفقهاء كالشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة

стр. 3408

بدقائق الأطباء التي يقصدها بقراط وجالينوس أو فسر كلام الأطباء بما يختص بدين المسلمين من معاني الحج والصلاة وغير ذلك لكون ذلك المعنى يصلح لذلك اللفظ في الجملة كان مع كونه من أكذب الناس وأعظمهم افتراء من أبعد الناس عن العقل والدين وأشدهم إفسادًا للعلوم والمخاطبات فهكذا من نظر إلى ما يحتمله اللفظ من المعاني مما يصلح

стр. 3409

أن يريده من ينشئ الخطاب بذلك اللفظ ففسر كلام الله وكلام رسوله به كان في إفكه وضلاله بل في كفره ونفاقه أعظم من أولئك لأن الفرق بين كلام الله ورسوله وما يقصده الله ورسوله بالخطاب من معاني أسمائه وصفاته وبين الأعراب ونحوهم وما يقصدونه في خطابهم من وصف الإبل والشاء والمنازل والمياه والقبائل أعظم من الفرق بين كلام الفقهاء وكلام الأطباء وبهذا تبين أن ما يذكره طائفة من الناس مثل هذا المؤسس وأمثاله في أصول الفقه أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين كان لمن بعدهم إحداث تأويل آخر بخلاف الأحكام قول باطل فإن تأويل الأمة للقرآن والحديث هو إخبارهم بأن هذا هو مراد الله تعالى منه قطعاً أو ظاهرًا فاتفاقهم في ذلك على قول أو قولين هو كاتفاقهم في الأحكام على قول أو قولين ولو قدر أنه أريد بالتأويل تجويز الإرادة مثل أن تقول طائفة يجوز أن يكون هذا هو المراد وتقول طائفة أخرى يجوز أن يكون هذا هو المراد كانوا متفقين على

стр. 3410

أنهم لم يعلموا لله مرادًا غير ذينك الوجهين فلا يجوز أن يكون من بعدهم هو العالم بمراد الله تعالى دونهم ولهذا كانت هذه المعاني التي يفسرون بها كملام الله تعالى ورسوله ﷺ ويتأولونها عليها يعلم في كثير منها أو أكثرها بالضرورة أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يريدا تلك المعاني أكثر مما يعلم بالضرورة انتفاء ما ذكره من خلاف بعض الظواهر وحينئذ فينقلب ما ذكره من الدليل عليه أعظم انقلاب بأن يقال في الوجه السادس أنه لا خلاف بين جميع الطوائف أن كثيرًا من هذه التأويلات أو أكثرها باطل بل كثير من التأويلات يعلم فسادها بضرورة العقل وذلك أنه ما من طائفة من الطوائف الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته ويسمون ذلك تأويلاً من أصناف المتجهمة ونحوهم إلاَّ وهي ترد كثيرًا من تأويلات الطائفة الأخرى وتقول إنها باطلة كما أن المؤسس وأمثاله يردون تأويلات المعتزلة للآيات والأخبار التي فيها وصف الله تعالى بأن له علماً وقدرة وحياة

стр. 3411

وسمعًا وبصرًا وأن له كلامًا قائمًا بنفسه وأنه يرى ونحو ذلك ويردون تأويل الجهمية من المعتزلة وغيرهم لعذاب القبر والصراط والميزان وغير ذلك وهم والمعتزلة يردون تأويلات الفلاسفة الصابئين للجنة والنار وما فيهما من نعيم وعذاب والفلاسفة العقلاء مع سائر المتكلمين يردون تأويل القرامطة والباطنية للصلاة والزكاة والحج وغير ذلك والباطنية ترد كل طائفة منهم تأويل الآخرين فإن بينهم نزاعًا طويلاً والمعتزلة أيضًا ترد تأويل الأشعرية ونحوهم للآيات التي فيها تنزيه الله نفسه عن الظلم وفيها إثبات فعل العباد لأفعالهم فيها وإخراج الأعمال الصالحة من الإيمان ونحو ذلك

стр. 3412

وهذا المؤسس قد اعترف بذلك في هذا الكتاب وغيره فقال في الفصل الثالث من القسم الثالث من هذا الكتاب في الطريق الذي يعرف كون الآية محكمة أو متشابهة ثم قال اعلم أن هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات الموافقة لمذهب خصمه متشابهة فالمعتزلي يقول إن قوله تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف ٢٩] محكم وقوله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان ٣٠] متشابه والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلابد ههنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما ذكره من القانون وإذا كان العقلاء من جميع الطوائف مقرين بأنه لابد من إبطال جنس التأويل وأن فيه ما هو باطل محرم فمعلوم أن هذا ليس هو مثل ما ذكره من اتفاق الطوائف على الإقرار بأنه لابد من

стр. 3413

التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار فإنه لم يذكر نقلاً للإجماع في شيء مما ذكره وأما هذا فهو منقول بالاتفاق لا ينكره أحد بل ما من أحد إلا وهو ينكر كثيرًا من تأويل ظواهر القرآن والأخبار التي قد يتأولها بعض الناس ويقول إنها باطلة إما بالضرورة وإما بالنظر وكل من هؤلاء المختلفين يقول إن العقل يوجب عليه التأويل الذي يزعم الآخر أنه تأويل باطل وعند هذا فيقول نفاة هذه التحريفات الحق الذي هو أحسن تفسيرًا من قول أولئك المتكلمين يقولون إذا ثبت أن هذه التأويلات منها باطل كثير باتفاق الطوائف وثبت أن الحق الذي يدعيه مدع فيها لم يتفق على أنه حق بل النزاع واقع فيه هل هو حق أو باطل وهم يقولون لا يفصل بينهم إلا العقل وكل منهم يدعي أن العقل معه وليس العقل متكلمًا ظاهرًا يفصل بينهم كان الفصل بينهم متعذرًا وكذلك النزاع بينهم واقعًا لازمًا ضرورة عدم الفصل بينهم وكان معهم باطل قطعًا ولم يعلم أن معهم حقًّا أو الحق الذي معه لا يمكن تمييزه كانت مذاهبهم من جنس مذاهب اليهود والنصارى بعد التبديل بل أولئك أجود مما يقوله هؤلاء من التأويلات وإن لم

стр. 3414

يكونوا أجود في الجملة مما هو عليه كل طائفة من طوائف المسلمين إذ مع كل طائفة من المسلمين الذين هم مسلمون حقيقة من الحق الذي لا ريب فيه أعظم مما مع اليهود والنصارى لكن الكلام هنا في تأويلاتهم التي ينازعهم فيها أهل الإثبات فإن أهل الكتابين معهم حق مأثور عن الأنبياء بلا ريب ومعهم باطل ابتدعوه وباطل حرفوه كما مع هؤلاء الجهمية ونحوهم من المتكلمين ومع هذا فلا نزاع بين المسلمين أنه لا يجوز اتباعهم في علومهم وأنهم ضلال وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه

стр. 3415

كان هؤلاء المتكلمون بهذه التأويلات أولى أن ترد عليهم كلها ولا يقبل منها شيء إذ لم يعلم أن فيها ما هو حق فإذا كان الكلام الذي علم أن فيه حقًّا وباطلاً قد أمرنا أن لا نقبله فمثل هذا الكلام أولى أن لا نقبله وهذا بينٌ ظاهر لمن قصده إسكات هؤلاء عن التأويلات ومنعهم من التكلم بها ومنع قبولها وأما من يقصد إبطالها وبيان فسادها فإنه يقول في الوجه السابع قد أجمعت هذه الطوائف وسائر المسلمين وسائر أهل الأرض على أن في التأويلات ما هو باطل ولم يتفقوا على أن ما فيها ما هو حق كما تقدم وأن الحق الذي اتفقوا عليه قليل معروف وكل منهم يدعي أن العقل يوجب تأويله يدعي الآخر أنه باطل وأن العقل الذي يدعي أنه أوجب باطل يعلم بطلانه بالعقل أيضًا كانوا مختلفين فيما يقولون إنه العقل الذي يجب اتباعه وحينئذ فلابد من عقل يميز بين العقل الصحيح والعقل الفاسد لكن هذا العقل هو من جنس عقولهم فيكون معرفة صحيح ذلك من باطله

стр. 3416

بما يسمونه العقل متعذرًا وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يمكن معرفة الصحيح من الفاسد فيما يسمونه عقليات مما يسمونه عقلاً وإذا لم يمكن معرفة ذلك امتنع اعتقاد موجبه أو القول به وإذا كان كذلك وهذا هو مستندهم الذي أوجبوا به تأويل النصوص فيكون هذا برهانًا قاطعًا على أن مستندهم الموجب للتأويل باطل وإذا بطل مستند التأويل بطل التأويل لأنه لولا معارضة المعقول لهذه النصوص لما كان تأويلها باطلاً بالاتفاق فثبت أن تأويلها باطل وهذا يدل على شيئين يدل على أن التأويل محرم إذ هو قول بلا علم ويدل على أنه باطل بمعنى أنه غير مطابق للحق لأن المتكلم الذي تكلم بكلام له ظاهر وله باطن يخالف الظاهر

стр. 3417

يمتنع أن يريد به إفهام المخاطبين خلاف الظاهر بلا دليل فإذا ثبت أنه لا دليل يعلم به ما يخالف الظاهر وهذا بشرط أن يكون المتكلم مقصوده البيان والإفهام وهو حكيم فأما إن كان مقصوده التدليس والتلبيس أو كان جاهلاً فلا يمتنع أن يخاطب الناس بما يفهمون منه خلاف مقصوده أو أن يدلهم بغير دليل لكن هذا متفق على انتفائه في حق الله ورسوله الوجه الثامن إذا ثبت أن ما تسمونه معقولاً يمتنع أن يفصل بينهم النزاع أو يبين لهم الحق من الباطل من هذه التأويلات والله سبحانه قد أقام الحجة على عباده وبين أنه ما كان ليضلهم حتى يبين لهم ما يتقون علم أنه لابد أن يكون ما يفصل النزاع ويبين الحق من الباطل غير هذه المستندات التي يسمونها المعقولات ولا يجوز أن يكون ذلك هو التخيلات التي يدعي بعض الناس الاختصاص بها ويسميها مكاشفات أو اتباع الأهواء التي يسمونها الذوقيات

стр. 3418

كما يذكره طائفة من المتصوفة لأن الاختلاف والنزاع في ذلك عظيم كثير والضلال به أعظم وأكثر فتعين أن يكون الفاصل بين النزاع والحاكم بين الناس الهادي لهم إلى الرشاد هو كتاب الله كما أخبر بذلك في كتابه حيث قال كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة ٢١٣] وقال فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء ٥٩] وقال كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) [إبراهيم ١] وقال إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء ٩] وقال وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى ٥٢-٥٣] وقال تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [الزمر ١-٢] وقال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) [الأنعام ١٥٥] وذلك كثير في كتاب الله تعالى فإذا ثبت أنه لا هادي للعباد ولا فاصل بينهم في موارد

стр. 3419

النزاع والعناد إلا كتاب الله امتنع حينئذ أن يكون له معارض يعارضه يتقدم عليه لأنه حينئذ يكون ذلك المعارض حاكمًا عليه وهاديًا دونه عند التعارض وذلك خلاف ما ثبت باتفاق العباد كما بيناه وإذا امتنع المعارض الذي يقدم عليه ثبت بطلان جميع التأويلات لأنه لبد فيها من أن يقال عارض هذه النصوص معارض يجب تقديمه عليها كما يقرره هذا المؤسس ونحوه ممن يلحد في أسماء الله وآياته ويحرف الكلم عن مواضعه وهذا الكلام له شعب ودعائم كثيرة يطول تعريفها في هذا الموضع وهو حجة قاطعة عليهم كما قال تعالى لنبيه وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) [الفرقان ٣٣] فإن هؤلاء جاؤوا بأمثال وهي مقاييسهم العقلية التي يعارضون بها كتاب الله وقد تكفل الله أنه يأتي بالحق وأحسن تفسيرًا وهو فيما ينزله على رسول الله ﷺ ويجعله ميزانًا لأهل العلم والإيمان إلى يوم القيامة وما زال السلف والأئمة ينبهون على هذا الأصل وهو اضطراب الناس فيما يختلفون فيه ويدعي كل فريق أنه قال ذلك بالمعقول

стр. 3420

كما قال عثمان بن سعيد الدارمي في رده على الجهمية قال في مسألة الرؤية وقال بعضهم إنا لا نقبل هذه الآثار ولا نحتج بها قلت أجل ولا كتاب الله تقبلون أرأيتم إن لم تقبلوها أتشكون أنها مروية عن السلف مأثورة عنهم مستفيضة فهم يتوارثونها عن أعلام الناس وثقاتهم قرنًا بعد قرن قالوا نعم قلنا فحسينا بإقراركم بها عليكم حجة لدعوانا أنها مشهورة تداولتها العلماء والفقهاء فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كذبتها الآثار كلها فلا يقدرون أن يأتوا فيها بخبر ولا أثر وقد علمتم إن شاء الله أنه لا تدرك سنن رسول الله ﷺ وأصحابه وأحكامهم وقضاياهم إلا بهذه الآثار

стр. 3421

والأسانيد على ما فيها من الاختلاف هي السبب إلى ذلك والمنهج الذي درج عليه المسلمون وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله منها يقتبسون العلم وبها يقضون وبها يفتون وعليها يعتمدون وبها يتزينون يورثها الأول منهم الآخر ويبلغها الشاهد منهم للغائب احتجاجًا واحتسابًا في أدائها إلى من لم يسمعها يسمونها السنن والآثار والفقه والعلم ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها يحلون بها حلال الله ويحرمون بها حرامه ويميزون بها بين الحق والباطل والسنن والبدع ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى فمن رغب عنها فإنما يرغب عن آثار السلف وهديهم ويريد مخالفتهم ليتخذ دينه هواه وليتأول كتاب الله برأيه خلاف ما عنى الله به فإن كنتم من المؤمنين وعلى منهاج أسلافهم فاقتبسوا العلم من آثارهم واقتبسوا الهدي من سبيلهم

стр. 3422

وارضوا بهذه الآثار إمامًا كما رضي القوم بها لأنفسهم إمامًا فلعمري ما أنتم بأعلم بكتاب الله منهم ولا مثلهم بل أضل وأجهل ولا يمكن الاقتداء بهم إلاَّ باتباع هذه الآثار على ما تروى فمن لم يقبلها فإنما يريد أن يتبع غير سبيل المؤمنين قال تعالى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) [النساء ١١٥] فإن قال قائل منهم لا بل نقول بالمعقول قلنا ها هنا ضللتم سواء السبيل ووقعتم في تيه لا مخرج لكم منه لأن المعقول ليس بشيء واحد موصوف محدود عند جميع الناس فيقتصر عليه ولو كان كذلك لكان راحة للناس ولقلنا به ولم نعد ولكن الله تعالى قال كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) [المؤمنون ٥٣] فوجدنا المعقول عند كل حزب ما هم عليه

стр. 3423

والمجهول عندهم ما خالفهم فوجدنا فرقكم معشر الجهمية في المعقول مختلفة كل فرقة منكم تدعي أن المعقول عندها ما تدعوا إليه والمجهول ما خالفها فحين رأينا المعقول اختلف منا ومنكم ومن جميع أهل الأهواء ولم نقف له على حد بين في كل شيء رأينا أرشد الوجوه وأهداها أن ترد المعقولات كلها إلى أمر رسول الله ﷺ وإلى المعقول عند أصحابه المستفيض بين أظهرهم لأن الوحي كان ينزل بين أظهرهم فكانوا أعلم بتأويله منا ومنكم وكانوا مؤتلفين في أصول الدين لم يتفرقوا فيه ولم تظهر فيهم البدع والأهواء الحائدة عن الطريق فالمعقول عندنا ما وافق هديهم والمجهول ما خالفهم ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقهم إلا بهذه الآثار وقد انسلختم منها وانتفيتم عنها بزعمكم فأنَّى تهدون وقال الإمام أحمد ﵀ الحمد لله الذي جعل في

стр. 3424

كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين الوجه التاسع أن يقال هب أنهم لم يتفقوا على اشتمال

стр. 3425

التأويلات على أصناف الضلالات فذلك معلوم بالضرورة العقلية فيما ذكره هذا المؤسس وأمثاله من التأويلات وهذا مما يتعذر عده وإحصاؤه فإنه ما زال أهل العقل والعلم إذا سمعوا كثيرًا من هذه التأويلات ورأوها في المصنفات يعلمون أنها من أظهر الأمور فسادًا في البديهي من المعقولات ولا ينقضي تعجبهم من قوم يذهبون إلى تلك التأويلات ممن له في العلم صيت مشهور وقد رأيت وسمعت من ذلك بعجائب ولكن ننبه ببعض ما ذكره هذا المؤسس وذلك بأمثلة أحدها قوله في تأويل قوله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] الوجه الثاني إن الرب هو المربي فلعل ملكًا عظيمًا هو أعظم الملائكة كان مربيًا لمحمد ﷺ وكان هو المراد من قوله وَجَاءَ رَبُّكَ فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل إيمان أنه من المعلوم بالاضطرار في دين الإسلام أن هذا من أعظم الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى كلامه وأن الله لم يجعل لمحمد

стр. 3426

قط ربًّا غير الله وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام ١٦٤] وقد قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام ١١٢-١١٥] وأيضًا فقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام ١٥٨] وقال وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] والملك اسم جنس ففصل بين ربه وبين الملائكة والملائكة تعم جميع الملائكة كما قال في الآية التالية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة ٢١٠] ففصل بين اسم الله وبين الملائكة وهناك سمى نفسه الله وهنا سمى نفسه ربك فإذا جعل الجاعل رب محمد بعض الملائكة فهذا مع أنه من أعظم الإلحاد في أسماء الله وآياته أليس يعلم كل مسلم بل كل عاقل أنه معلوم الفساد بالضرورة وأن الله ورسوله لم يرد

стр. 3427

بهذا الخطاب ذلك وهل هذا التأويل إلاَّ من جنس تأويل غلاة القرامطة في قوله وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) أنه علي ابن أبي طالب بل ذلك التأويل أقرب لأن غايته أن يجعل علي بن أبي طالب من جنس المسيح ابن مريم وهذا مذهب مع كونه من أعظم الكفر والضلال فعليه أمة عظيمة من بني آدم وهم النصارى ومن اتبعهم على الحلول والاتحاد ودلالة لفظ العلي على علي بن أبي طالب أظهر من دلالة قوله وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] على أن ربه ملك من الملائكة وإذا جاز تسمية بعض الملائكة رب محمد لأنه رباه مع العلم بأن أحدًا من الملائكة لم يرب محمدًا فتسمية علي العلي العظيم لماله من علو القدر والعظمة أقرب المثال الثاني قوله في تأويل قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ

стр. 3428

يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) [البقرة ٢١٠] الوجه الخامس وهو أقوى من كل ما سبق أنا ذكرنا في التفسير الكبير قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة ٢٠٨] إنما نزل في حق اليهود وعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة ٢٠٩] خطاباً مع اليهود فيكون قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] حكاية عنهم والمعنى أنهم لا يقبلون دينكم إلا لأنهم

стр. 3429

ينتظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ومما يدل على أن المراد ذلك أنهم فعلوا ذلك مع موسى ﵇ فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة ٥٥] وإذا ثبت أن هذه الآية حكاية عن حال اليهود وعن اعتقادهم لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها وذلك لأن اليهود كانوا على دين التشبيه وكانوا يجوزون المجيء والذهاب على الله تعالى وكانوا يقولون إنه تعالى تجلى لموسى على الطور في ظلل من الغمام فظنوا مثل ذلاك في زمان محمد ﷺ ومعلوم أن مذهبهم ليس بحجة وبالجملة فإنه يدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله وليس في الآية دلالة على أن أولئك الأقوام محقون أو مبطلون وعلى هذا التقدير زال الإشكال وهذا هو الجواب المعتمد عن تمسكهم بالآية المذكورة في سورة الأنعام فإن قيل هذا التأويل كيف يتعلق

стр. 3430

بهذه الآية لأنه قال في آخرها وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) [البقرة ٢١٠] هذا لفظه فمن تدبر هذا الكلام أليس يعلم بالضرورة أن هذا من أعظم الافتراء على الله وعلى كتابه حيث جعل خطابه مع المؤمنين خطاباً مع اليهود مع أن الله سبحانه دائماً في كتابه يفصل بين الخطابين فيقول لأولئك يا بني إسرائيل أو يا أهل الكتاب ويقول لهؤلاء يا أيها الذين آمنوا والخطاب لبني إسرائيل للمؤمنين فيه اعتبار لأن القرآن كله هدى للمؤمنين فإذا جعل خطاب المؤمنين الصريح خطاباً لليهود فقط أليس هذا من أعظم تبديل القرآن وقد قال بعد هذه الآية سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة ٢١١] فلم سماهم بني إسرائيل وإنما أمر المؤمنين بالدخول في السلم كافة أي في جميع الإسلام لا في بعضه دون بعض وأن

стр. 3431

يدخلوا كلهم لا يدخله بعض دون بعض ولهذا قال لهم فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) [البقرة ٢٠٩] ولا يقال لهم إن زللتم لمن هم مقيمون على الكفر والضلال والزلل كاليهود ثم جعل قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] هو من اعتقاد اليهود الفاسد لا من كلام الله الذي توعد به عباده وجعل هذا هو الجواب المعتمد أليس يعلم ببديهة العقل والدين كل من قرأ القرآن من المؤمنين أن هذا من أعظم الكذب والافتراء على رب العالمين وأن رد هذا لا يحتاج إلى دليل وهو كذب على اليهود أيضاً فإن القوم لم ينقل أحد عنهم أنهم كانوا ينتظرون في زمن محمد ﷺ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ليخاطبهم وقد ذكر أهل التفسير والسير والحديث والمغازي مخاطبات اليهود الذين كانوا بالحجاز للنبي ﷺ مع كثرة من كان من اليهود بالحجاز ومع كثرة ما نزل بسببهم من القرآن ومع هذا فما نقل هذا أحد وكذلك ما نقله عنهم من أنهم كانوا يقولون إنه تجلى لموسى على الطور في ظلل من الغمام أمر لم يذكره الله تعالى عنهم على هذا الوجه فإن كان هذا حقًّا عنهم وكانوا

стр. 3432

ينتظرون مثل ذلك فيكونون قد جوزوا أن يكون الله تجلى لرسول آخر في الغمام كما تجلى لموسى ومعلوم أن اليهود لا تقول ذلك وما ذكر الله تعالى عنهم في طلبهم رؤية الله جهرةً فهذا حق لكن أخبر أنهم طلبوا الرؤية لم يخبر أنهم انتظروها والمتطلب للشيء معتقد لأنه يكون لا طالب من غيره أن يكونه وهذا كما قال تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [البقرة ١٠٨] وأما قوله إن اليهود كانوا على دين الشبيه وكانوا يجوزون المجيء والذهاب على الله فيقال إنه لا ريب أن التوراة مشتملة على صفات الله تعالى التي يسميها الجهمية تشبيهاً وهي إلى الآن كذلك مثل ما ذكره فلا يخلو إما أن يكون ذلك من التوراة المنزلة أو مما بدلوه فإن كان الأول كان ما سماه تشبيهاً هم الحق المنزل من عند الله تعالى وإن كان الثاني كان إنكاره ذلك عليهم وذمهم عليه أولى

стр. 3433

بالإنكار والذم على أمور دون ذلك كأخذ الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل ومعلوم أن الكتاب والسنة لم تنكر على اليهود قط ما عندهم من هذه الصفات ولا ما يقولونه من ذلك وإنما ذمهم على وصفهم الله بالعجز والكلال والفقر والبخل كما ذكر في قوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) [آل عمران ١٨١] وفي قوله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة ٦٤] وفي قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) [ق ٣٨] وهو قد ذكر ذنوبهم في مثل قوله قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) [المائدة ٦٠] وفي قوله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء ١٦٠-١٦١] وفي قوله تعالى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) [آل عمران ١١٢] ونحو ذلك

стр. 3434

ولم يعبهم قط بإثبات الصفات التي يسميها الجهمية تشبيهاً ولا ذكر ذلك من ذنوبهم وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) [مريم ٦٤] وهذا دليل قاطع على أن هذه الصفات في الجملة منزلة من عند الله وأنها حق ليست مما افتراه اليهود وابتدعوه بل ذمهم على كتمان ذلك وغيره وعلى تحريف الكلم عن مواضعه فإن كثيرًا منهم يحرفون ذلك ويكتمونه أكثر من تحريف الجهمية المنتسبين إلى الإسلام وأكثر من كتمانهم وقد روي أن الجهم بن صفوان أخذ هذا المذهب الذي يتأول فيه الصفات عن الجعد بن درهم والجعد أخذه عن

стр. 3435

بيان بن سمعان وأخذه بيان من طالوت بن أخت لبيد بن أعصم وأخذه طالوت من لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر النبي ﷺ وهون من أعظم من نزل فيه قوله تعالى وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
следующие страницы →