Полный текст (4 879 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
سفرنا هذا خيراً واخلفنا في أهلنا ويقال في الوداع خليفتي عليك الله وفي التعزية الذي ذكر الشافعي في مسنده أن أهل بيت رسول الله ﷺ سمعوا صوت معز عزاهم بها يا أهل بيت رسول الله ﷺ إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت
стр. 3712
وذلك لأن الخليفة لا يكون إلا مع تغيب المستخلف لا مع شهوده والله شهيد على عباده لا يغيب عنه شيء مدبر للجميع فلا يستخلف من يقوم مقامه في ذلك كما يستخلف المخلوق للمخلوق بل هو الخالق لكل شيء المدبر لكل شيء فالآدميون يموتون ويغيبون فيكون من يخلفهم والله حي قيوم لا يغيب فلا يكون له من يخلفه بل هو سبحانه يخلف من يغيب أو يموت كما يكون خليفة المؤمن في أهله إذا سافر ويكون خليفة له إذا مات فيكون أولئك الذين كان المؤمن يكفيهم في هدايتهم ورزقهم ونصرهم
стр. 3713
يبين ذلك أن الإنسان إذا آتاه الله ملكًا أو لم يؤته إما أن يكون عند الله عاملاً بطاعته وطاعة رسوله أو لا يكون فإن كان من القسم الأول كان من عباد الله كالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وقال إبليس فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) [ص ٨٢-٨٣] ونحو ذلك والعبد العامل بأمر الله هو عابد لربه متوكل عليه لم يخالف ربه في أمر من الأمور كما أن الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ليس خالفين لله في أمر من الأمور وإن كانوا عاملين بأمره عابدين له مطيعين وهم المدبرات أمراً والمقسمات أمراً وإن كان الإنسان غير عامل بطاعة الله ورسوله بل هو عاصٍ لله ورسوله فهذا أبعد أن يكون عمله ذلك خلافة عن ربه وهو يعمل ما يبغضه الله ويكرهه وينهى عنه
стр. 3714
فقد ظهر أنه لا وجه أن يجعل واحد من هذين خليفة عن الله لا من يعبده ولا من يطيعه ولا من يشرك به ويعصيه هذا من جهة القضاء والقدر والأمر الكوني فإن الله خالق كل شيء فهو خالق كل حي من الملائكة والإنس والجن والبهائم وخالق قدرهم وإراداتهم وأفعالهم كما أنه خالق غير الأحياء وهو وإن كان يخلق الأشياء بعضها ببعض كما يخلق النبات بالمطر ويخلق المطر بالسحاب فليس شيء من ذلك خليفته إذ هو الخالق له ولما يخلقه به فهو رب كل شيء ومليكه ولو جاز ذلك لكان كل مخلوق خليفة عن الله بل جميع ذلك مسخر بأمره مصروف بمشيئته مدبر بقدرته منظوم بحكمته والله غني عن جميع ذلك وكل ذلك فقير إليه وليس الصغير أفقر إليه من
стр. 3715
الكبير ولا المسبب بأفقر إليه من السبب بل الجميع فقراء إليه وهو رب الجميع ومليكه وهو سبحانه ليس كمثله شيء في شيء من تدبيره كما قال سبحانه أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ٩-١١] يبين ذلك أن كل من خلف غيره في شيء فإنه يكون معيناً له فيما يعجز عنه المخلوف إما لعدم علمه به وإما لعدم قدرته فالخالف شريك للمخلوف ولقوله كالأمير الذي يستخلف في الأمصار خلفاء عنه فهم كلهم فاعلون ما لا يقدر هو وحده أن يفعله وهم مشاركون له مكافئون له وهو وهم متعاونون على جملة التدبير وكل منهم ينتفع بما يعاونه الآخر عليه والله تعالى ليس كذلك بل هو الغني
стр. 3716
مطلقاً بنفسه عن الخلق وهو الخالق لكل شيء ثم إن من رحمته أنه يأمر العبيد بما يصلحهم وينهاهم عما يفسدهم وهو الذي يعينهم على فعل المأمور وترك المحظور ولا يقدرون على فعل ذلك إلا بإعانته بل يخلق ذلك كله قال تعالى قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ ٢٢-٢٣] وقال تعالى وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) [الإسراء ١١١] وإنما يتخيل أنه خليفة عن الله ونائب عنه بمنزلة ما يعهد عن الخلفاء والنواب عن المخلوقين منهم من يكون جباراً منازعاً لله في كبريائه وعظمته كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال يقول الله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحداً منهما عذبته فيكون مختالاً يتخيل في نفسه أنه عظيم كبير وأن أمره ونهيه وفعله بالنسبة إلى الله تعالى من جنس أمر الخليفة النائب عن غيره ومن جنس نهيه
стр. 3717
وفعله وهذا شرك وكذب وضلال وكبرياء واختيال وذلك أن الخليفة عن غيره يأمر وينهى ويفعل أموراً لم يدر بها المستخلف ولم يقدر عليها ولا يكون أمر بها ونهى بل يكون أمر هذا من جنس الأمر الأول كالوكيل مع موكله وكالوصي مع الموصي وهؤلاء بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر ولهذا جاءت الشريعة بذلك فجعل الفقهاء الشركة في التصرف مبنية على الوكالة وأن الشريك يتصرف لنفسه بحكم الملك ولشريكه بحكم الوكالة والنيابة وأما الوصي فهو ابلغ من هذا لأنه يتصرف بعد انقطاع أمر الموصي بالموت فهذا يكون له من الاستقلال ما ليس للوكيل والشريك حتى تنازع الفقهاء في جواز توصيته فأجاز ذلك من منع توكيل الوكيل وحتى أجازوا له من التصرفات
стр. 3718
ما لا يجوز للوكيل وهكذا خلفاء ولاة الأمور مثل خليفة الإمام الكبير ذي الإمامة الكبرى وخليفة الحاكم وخليفة إمام الصلاة وغير ذلك كل من هؤلاء يفعل من جنس ما يفعله مستخلفه وكل هذا في حق الله ممتنع واعتقاد ذلك في حق أحد هو من أعظم الشرك ومن باب اتخاذ البشر أرباباً قال تعالى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) [النوبة ٣١] وقال تعالى مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) [آل عمران ٧٩-٨٠] يبين ذلك أن أعظم الخلق منزلة عند الله هم رسله والرسل إنما هم مبلغون أمره ونهيه لا يأمرون إلا بما أمر ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله
стр. 3719
فطاعتهم طاعة الله كما قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء ٨٠] لأنهم بلغوا أمر الله إلى عباده فالمطيع لهم مطيع لأمر الله لأنه فاعل ما أمره الله به وأين الرسول المبلغ أمر غيره من النائب له الخليفة عنه الذي يتصرف كما يتصرف المستخلف بينهم فرقان عظيم قال ﷺ فيما رواه البخاري إني والله لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فأما من يتصرف في عباد الله بمشيئته وهواه فيعطي من أحب ويمنع من أحب ويوالي من أحب ويعادي من أحب
стр. 3720
بغير أمر الله ولا إذنه فهذا عدو لله جبار مختال من جنس فرعون الذي علا في الأرض واتخذ١ أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين فهل يكون هؤلاء نواباً عن الله أو خلفاء عنه وهم أعداؤه وعصاته كإبليس وإن كان الله هو الخالق لكل شيء فليس كل ما خلقه الله من الأعيان والأفعال يكون محبًّا له راضياً به وإن كان بمشيئته فإنه سبحانه خالق إبليس وذويه وهو يبغضهم ويلعنهم ويعاقبهم ومن قال عن نفسه أو غيره إني نائب الله أو خليفة عن الله ولم يكن أمر بما أمر الله به على ألسن رسله فقد كذب على الله واستكبر في الأرض بغير الحق كما يذكر ذلك عن طائفة من الملوك الجاهلين الظالمين بل المنافقين المشركين وإن كان إنما أمر بما أمر الله به فهو مصيب في إيجاب
стр. 3721
طاعته إذا أمر بما أمر الله به ومصيب في معاقبة من عصى الله وإكرام من أطاعه وقوله نائب إن كان بمعنى المبلغ والرسول والمنفذ فصحيح وإن كان بمعنى أني أنوب عنه في ما لا يفعله هو ولا يقدر عليه فهذا كذب وهذا قد يقوله القدري الذي يظن أنه مستقل بفعله وأن الله لم يخلق فعله وهو مبطل في ذلك نغم لو قال نائب رسول الله ﷺ أو خليفة رسول الله لكان هذا صحيحاً ولهذا لما قالوا للصديق يا خليفة الله قال لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك فلا يطلق على أحد أنه نائب عن الله ولا خليفة عنه أصلاً بخلاف الرسول فإنه قد روي في وصف خلفاء الرسل أنهم الذين يحيون سنتهم ويعلمونها للناس ولهذا تجب طاعتهم كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله
стр. 3722
ومن عصى أميري فقد عصاني وذلك لأنه ﷺ لا يأمر إلا بما أمر الله به فالمطيع له مطيع لله وكذلك أميره الذي استخلفه على بعض أمته كأمراء السرايا الذي أوجب طاعته إنما أوجبها إذا كان يأمر بما أمر الرسول به كما قال ﷺ إنما الطاعة في المعروف وكما
стр. 3723
قال لا طاعة في معصية الله فقوله من أطاع أميري قد بين أن معناه إطاعته في الطاعة وهو ما كان من الفعال التي يأمر الله ورسوله بها فيكون هذا الأمير منفذاً لذلك الأمر كما كان عمر ابن عبد العزيز يقول يا أيها الناس لا كتاب بعد كتابكم ولا نبي بعد نبيكم كتابكم آخر الكتب ونبيكم آخر الأنبياء
стр. 3724
وإنما أنا متبع ولست بمبتدع وإنما أنا منفذ ولست بقاض فقد تبين أن هذه الدعاوي في الخلافة عن الله ونحو ذلك إنما هي من دعاوي المتكبرين الجبارين المشركين الذين يريدون العلو في الأرض كفرعون وهؤلاء الاتحادية والموافقين لفرعون المدعين أنهم مضاهون لله تعالى وأنه يحتاج إلى عباده كما يحتاج عباده إليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً يبين هذا أن إيتاء الله للعبد الملكَ والسلطان والمال لا يقتضي أن ذلك إكرام منه له ومحبة بل هو ابتلاء وفتنة له وامتحان قال تعالى فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ
стр. 3725
رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) [الفجر ١٥-١٧] وقال تعالى وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) [يونس ١٣-١٤] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) [الأنعام ١٦٥] فبين أنه جعلهم خلائف ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما يرقع درجة ذي الملك والسلطان ليبلوهم فيما آتاهم وإذا كان كذلك فمن كان منهم عاملاً بطاعة الله غير عامل بمعصيته كان من أولياء الله وعباده الصالحين ومن كان منهم عاملاً بمعصية الله مريداً للعلو في الأرض والفساد متخيلاً متكبراً جباراً كان من أعداء الله وممن سخط الله عليه ولعنه قال بعض السلف أظنه مجاهداً في قوله تعالى وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) [الشعراء ١٣٠] قال هو السوط والسيف والعصا في غير طاعة الله فمن كان يضرب
стр. 3726
ويقتل لغير طاعة الله ورسوله فإنما هو جبار من الجبارين فإن لم يتب وإلا جاءه بأس الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً فكيف يستجيز مسلم أن يقول في مثل هذا أنه خليفة عن الله ونائب عنه وهذا يقتضي أن فرعون والنمرود ونحوهما كانوا خلفاء عن الله نواباً عنه ثم إن هؤلاء يجعلون هذا المعنى ثابتاً لكل إنسان أنه خليفة عن الله لأنه من الجنس المسلطين على غيرهم من أجناس الحيوان وعلى أنواع من التدبير ولا يفرقون بين من أطاع الله ومن عصاه بل يجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار وهذا كله
стр. 3727
من الإشراك والجمع لما فرق الله بينه ولهذا شرع الاتحادية كل شرك في العالم ونظير هذا الإشراك الذي يجعل فيه العباد خلفاء عن الله ونواباً عنه تشبيهاً لذلك بالخلافة والنيابة عن الملوك ما يوجد في كثير من الناس المشركين من تشبيههم لمسألة الله ودعائه وعبادته بمسألة الملوك فيقول الناس لأ حدهم إذا أردت أن تأتي السلطان وتسأله فابدأ بالوسائط التي بينك وبينه كالحجاب والنواب والأعوان فإن قصدك السلطان من الباب قِلَّةِ مَعْرُوفِه وقلة تعظيم وإكرام وذلك لا يصلح لك فيأمرونه بالتواضع والإشراك بالمخلوقين وهذا من الأسباب الذي به عبدت الكواكب والملائكة والأنبياء والصالحون وقبورهم وهذا كله
стр. 3728
من أعظم الشرك والضلال والقياس الفاسد فإن الله بكل شيء عليم وهو سميع بصير بكل شيء ليس بمنزلة الملك الذي لا يعلم إلا ما أنهي إليه ولا يسمع ولا يبصر أكثر أمور رعيته وأيضاً فإن الله على كل شيء قدير لا يحتاج أن يستعين بالأعوان على إجابة الداعي كما يحتاج الملك وأيضاً فإن الله قريب إلى عباده كما قال وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة ١٨٦] وهو رحيم بعباده رؤوف بهم مع أنه هو الجبار المتكبر المتعالي بالحق ليس كالملوك الجبارين المتكبرين بالباطل على بني جنسهم ومن هو مثلهم حتى لا يسمعوا كلامه ولا يرحموه وحتى يزدروا الضعيف والفقير فهذا الإشراك في ربوبية الله وإلهيته والاستكبار والاختيال الموجود في العباد كله منافٍ لدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه وكلا النوعين يتضمن من تعظيم الخلق وجعلهم أنداداً لله ومن التفريط في جنب الله وتضييع حقوقه ما هو من أعظم الجهل والظلم
стр. 3729
وأصل هذه المقالات توجد في مقالات المشركين ومن دخل في الشرك من الصابئين وأهل الكتاب وهو في الغالية من هذه الأمة كغالية الرافضة وغالية المتصوفة ونحو هؤلاء وأما الدقيق منه فهو كثير كما قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) [يوسف ١٠٦] لاسيما شرك العمل والحال وإن لم يكن العبد مشركاً في مقاله وما يقترن بذلك من الخيلاء والكبر وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وأما قول من يقول إن العالم نفسه هو وجود الله وأن الإنسان هو مظهر ذات الله الأكمل ففيما تقدم كفاية في بطلان قول من حمل الحديث على مجرد كون الإنسان
стр. 3730
مخلوقاً على صورة الله التي هي العالم وبطلان كونه خليفة عن الله وأما ما يختص به هؤلاء من الرد عليهم وبيان كفرهم وضلالهم فهو مذكور في غير هذا الموضع بل على أصلهم يمتنع أن يكون آدم مخلوقاً على صورة الله إذ على أصلهم ليس في الوجود شيئان أحدهما خالق والآخر مخلوق بل الخالق هو المخلوق عندهم وأيضاً فإنه قال لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته فنهى عن تقبيح الوجه لكون آدم مخلوقاً على صورة الله وعندهم أن وجود كل موجود هو عين وجود الرب وكل تقبيح ولعن وشتم وذم في العالم فهو واقع على الرب عندهم كما يقع عليه كل مدح ودعاء وهو عندهم الداعي والمدعو له واللاعن والملعون والشاتم والمشتوم والقاتل والمقتول والناكح والمنكوح فلا يتصور عندهم أن يختص شيء بعينه بالنهي عن التقبيح لكونه على صورة الله إذ ليس في الوجود مقبح وغير مقبح إلا ما هو من صورة الله عندهم وكذلك قوله لا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من
стр. 3731
أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته جعل مجرد المشابهة لوجه الله مانعاً من الضرب وعندهم أن كل ضرب في العالم أو قتل واقع على نفس الرب وهو ضارب لنفسه بنفسه وأن العالم كله هو صورة الله الذاتية لا يعنون بها الصورة المخلوقة المملوكة بل عين وجود العالم هو عين وجود الحق ثم إن صاحب الفصوص وهو مع كونه إمامهم فهو أبعدهم عن محض الإلحاد لما يوجد في كلامه من لبس الحق بالباطل يفرق بين الوجود والثبوت فيقول إن الأشياء ثابتة بأعيانها في القدم ونفس الوجود الفائض عليها هو
стр. 3732
وجود الحق فيوافق من يقول إن المعدوم شيء في الخارج لكن يجعل وجود الكائنات عين وجود الحق ولا يجعل وجوداً متميزاً عن المخلوقين ولهذا يضطرب فيجعله هو هو من وجه وهو غيره من وجه لأن الفرق بين الوجود والثبوت فرق باطل فجاء بعده من أتباعه مثل القُونوي ونحوه من لم يسلك هذا المسلك بل فرق بين الوجود المطلق والمعين فجعل الحق الوجود المطلق الساري في
стр. 3733
الموجودات وأما المعين فهو الخلق ومن المعلوم أنه ليس في الخارج وجود مطلق سوى الموجود المعين فهو أراد أن يفرق بين الحق والخلق فلم يفرق في الحقيقة بل اضطرب كما اضطرب أستاذه فجاء بعد هذا من أصحابه وغير أصحابه كابن سبعين وخادمهم التلمساني فعلموا فساد الفرق بين الرب والعبد فصرحوا بأنه هو الموجودات وليس ثم غير ولا سوى بوجه من
стр. 3734
الوجوه كما قد بسطنا قولهم في غير هذا الموضع وحقيقة قولهم هو قول فرعون الجاحد لرب العالمين كما يقوله من يقوله من طواغيتهم إن قولنا هو قول فرعون لكن فرعون كان ينكر وجود الحق بالكلية وهؤلاء أقروا به قالوا هو الوجود الذي اعترف به فرعون وهو وجود المخلوقات فخالفوا فرعون في اعتقادهم وقصدهم حيث اعتقدوا أنهم مقرون بالله عابدون له من بعض الوجوه وإن كان العابد والمعبود والمقر بالله هو الله عندهم لا غيره والمقصود هنا ما يتعلق يقولهم في صورة الله كما قال صاحب الفصوص ابن عربي في فص حكمة أحدية في
стр. 3735
كلمة هودية فهو محدود بحد كل محدود فيما يحد شيء إلا وهو حد للحق فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود فهو عين الوجود فهو على كل شيء حفيظ بذاته ولا يؤوده حفظ شيء فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته ولا يصح إلا هذا فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير فهو الكون كله وهو الواحد الذي قام كوني بكونه ولذا قلت يغتذي فوجودي غذاؤه وبه نحن نحتذي فيه منه إن نظر ت بوجه تعوذي
стр. 3736
وقال أيضاً في التوجيه فإن للحق في كل نطق ظهوراً فهو الظاهر في كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم إلا فهم من قال إن العالم صورته وهو منه وهو الاسم الظاهر كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صورة العالم نسبة الروح المدبر للصورة فيوجد في حد الإنسان مثلاً باطنه وظاهره وكذلك كل محدود فالحق محدود بكل حد وصورة العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صوره فلذلك
стр. 3737
يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة وهذا محال حصوله فحد الحق محال وقال ابن عربي أيضاً في فصوصه في فص حكمة علوية في كلمة موسوية كذلك تدبير الحق العالم ما دبره إلا به أو بصورته فما دبره إلا به كتوقف الولد على إيجاد الوالد والمسببات على أسبابها والمشروطات على شروطها والمعلولات على عللها والمدلولات على أدلتها والمحققات على حقائقها وكل ذلك من العالم وهو تدبير الحق فيه فما دبره إلا به وأما قولنا أو بصورته أعني صورة العالم فأعني به الأسماء الحسنى والصفات العلا التي تسمى الحق بها واتصف بها فما وصل إلينا من اسم تسمى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في
стр. 3738
العالم فما دبر العالم أيضاً إلا بصورة العالم ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال إن الله خلق آدم
стр. 3739
على صورته وليست صورته سوى الحضرة الإلهية فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية وحقائق ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل وجعله روحاً للعالم فسخر له العلو والسفل لكمال الصورة فكما أنه ليس شيء من العالم إلا وهو يسبح بحمده وكذلك ليس شيء من العالم إلا وهو مسخر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته فقال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية ١٣] فكل ما في العالم تحت تسخير الإنسان علم ذلك من علمه وهو الإنسان الكامل وجهل ذلك من جهله وهو الإنسان الحيوان
стр. 3740
المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة
بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية
تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت ٧٢٨هـ)
الجزء السابع
الصورة - الرؤية - الساق - رؤية النبي ﷺ النفس
اليد - الشخص - الغيرة - الصمد
حققه
د. محمد البريدي
стр. 3741
فصل قال الرازي الخبر الثالث ما روى صاحب شرح السنة في كتابه في باب آخر من يخرج من النار عن أبي هريرة ﵁ في حديث طويل عن رسول الله ﷺ أنه
стр. 3742
قال فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإن بيننا وبينه علامة فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ثم قال واعلم أن الكلام على هذا الحديث من وجهين الأول أن تكون في بمعنى الباء والتقدير فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوه بها في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكًا من الملائكة ونظيره قول ابن عباس رضي الله عنهما
стр. 3743
في قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] أي بظلل من الغمام ثم إن تلك الصورة تقول أنا ربكم وكانَّ ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة وتكون الفائدة فيه تثبيت المؤمن على القول الصالح وإنما يقال الدنيا دار محنة والآخرة دار الجزاء على الأعم والأغلب وإن كان يقع في كل واحدة منهما ما يقع في الأخرى نادرًا أما قوله ﷺ إنهم يقولون إذا جاء ربنا عرفناه فيُحمَل على أن يكون المراد إذا جاء إحسان ربنا عرفناه وقوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فمعناه يأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها أمارات الإحسان وأما قوله ﷺ فيقولون بيننا وبينه علامة فيحتمل أن تكون تلك العلامة كونه تعالى في حقيقته مخالفًا للجواهر
стр. 3744
والأعراض فإذا رأوا تلك الحقيقة عرفوا أنه هو الله تعالى التأويل الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة والمعنى أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه مالم يألفوه ولم يعتادوه من معاملة الله تعالى معهم ثم يأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة على الوجه الذي اعتادوه وألفوه والكلام على ذلك أن يُقال أما هذا الخبر في الجملة فهو متواتر عند أهل اعلم بالحديث ورواته من التابعين وأتباعهم من أجلِّ الأمة قدرًا في العلم والدين وهو معروف عن عدد من الصحابة فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مجتمعين ومن حديث أبي سعيد مفردًا وهو أيضًا في صحيح مسلم من حديث جابر وهو في المسانيد من حديث ابن
стр. 3745
مسعود وأبي موسى وفد جمع الحافظ أبو الحسن الدارقطني
стр. 3746
كثيرًا من طرقه في كتاب الرؤية له وهو حديث طويل في وصف ما يكون في القيامة من تجلِّي الله لعباده وخطابه لهم ومرورهم على الصراط وخروج أهل التوحيد من النار وهو مشتمل على جمل من أصول أهل السنة التي يُكذِّبُ بها طوائف من أهل الأهواء والخوارج والمعتزلة
стр. 3747
والجهمية والقرامطة
стр. 3748
والباطنية مثل الإتيان والرؤية والصراط وخروج أهل الكبائر من النار وغير ذلك مما يدخل في باب الإيمان بالله واليوم الآخر مما يكذب به الجهمية والخوارج ومن اتبع الطائفتين من المعتزلة ونحوهم وقد كان النبي ﷺ يُحَدِّثُ به مرارًا وكذلك أصحابه من بعده كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث ابن مسعود على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وبذلك تتبين فوائد جليلة وجواب على إشكالات كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى روى البخارىُّ
стр. 3749
ومسلم في الصحيحين من حديث أبي اليمان عن شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن
стр. 3750
يزيد الليثي أن أبي هريرة أخبرهما ومن حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن النَّاس قالوا للنبي ﷺ يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ هل تُضَارُّونَ في القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال
следующие страницы →