Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
من اللقاء هو الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب والثاني أن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه دخل هناك تحت حكمه وقهره دخولاً لا حيلة له في دفعه فكان ذلك اللقاء سبباً لظهور قدرة الملك عليه على هذا الوجه قلما ظهرت قدرته وقوته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم عبَّر عن تلك الحالة باللقاء والذي يدل على صحة قولنا إن أحداً لا يقول بأن الخلائق تلاقي ذواتهم ذات الخالق على سبيل المجاورة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة لم يبق إلا ما ذكرناه والله أعلم والكلام على هذا أن يقال لفظ اللقاء من أسماء الأفعال المقتضية للحركة والقرب إلى الله تعالى وفي الكتاب والسنة من هذا أنواع عديدة كلفظ المجيء في قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام ٩٤] وقوله لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف ٤٨] وقوله حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف ٣٨]
стр. 4342
وفيها قراءتان مشهورتان وقوله إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) [الصافات ٨٤] ولفظ الذهاب وهو قول إبراهيم إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) [الصافات ٩٩] ولفظ الإتيان كما في قوله تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) [النمل ٨٧] وقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) [مريم ٩٣] ولفظ الرجوع كقوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة ٢٨١] وقال قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) [البقرة ١٥٦] لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) [المائدة ١٠٥] وقال كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) [الأنعام ١٠٨] وقال فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [المائدة ٤٨] وقوله إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)
стр. 4343
[العلق ٨] وقوله يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر ٢٧-٣٠] ولفظ الحشر كقوله تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام ٣٨] وقوله وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام ٥١] ونحو ذلك مما في كتاب الله يكاد يبلغ مئين وقوله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) [الجاثية ١٥] وقوله فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) [يس ٨٣] وقوله وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان ٢٣] ولفظ الإياب
стр. 4344
كقوله إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) [الغاشية ٢٥-٢٦] ولفظ المصير كقوله وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) [التغابن ٣] وقوله رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) [الممتحنة ٤] وقوله اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) [الشورى ١٥] وهذا أيضاً كثير ولفظ الكدح وهو قوله يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) [الانشقاق ٦] ولفظ الانقلاب لقوله عن السحرة لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) [الشعراء ٥٠] وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) [العنكبوت ٢١] ولفظ الاستقرار وهو قوله يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ
стр. 4345
الْمُسْتَقَرُّ (١٢) [القيامة ١٠-١٢] ولفظ السوق كقوله تعالى وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) [القيامة ٢٩-٣٠] ونحوه وقوله وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) [ق ٢١] لكن هنا لم يذكر اللفظ الذي يبين إلى من يساق ونحن لم نذكر من ألفاظ القرآن إلا ما صرح فيه بما هو ذهاب إلى الله ولفظ التبتل وهو قوله وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) [المزمل ٨] ولفظ العروج لقوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج ٤] ولفظ الرد كقوله تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الجمعة ٨] وقوله عن المؤمن وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ [غافر ٤٣] وقوله وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا
стр. 4346
مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) [الكهف ٣٦] وقوله ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) [الأنعام ٦٠-٦٢] ولفظ الانتهاء كقوله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) [النجم ٤٢] ولفظ الفرار كقوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات ٥٠] ولفظ الإنابة كقوله تعالى وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ [الزمر ٥٤] وقال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) [الشورى ١٠] وقوله وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ [لقمان ١٥] ولفظ التوبة كقوله تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) [النور ٣١] وقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم ٨] وقال وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف ١٥] وقوله فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) [الفرقان ٧١] وقوله قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) [الرعد ٣٠] ولفظ الأوب كقوله إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) [الرعد ٣٦]
стр. 4347
ولفظ الاستقامة كقوله تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت ٦] ولفظ الهجرة قال وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) [العنكبوت ٢٦] ولفظ الصعود كقوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر ١٠] ولفظ الملجأ كقوله تعالى وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة ١١٨] إلى أمثال ذلك كما هو في كتاب الله كافٍ مبلّغ مبين وأما ذكر لقاء الله فقد ذكره الله في القرآن في مواضع كثيرة كقوله نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) [البقرة ٢٢٣] وقوله فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) [البقرة ٢٤٩] وقوله قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) الآية [الأنعام ٣١] وقوله وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
стр. 4348
بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) [يونس ٤٥] وقوله ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) [الأنعام ١٥٤] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) [التوبة ٧٥-٧٧] وقوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) [يونس ٧] وقوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس ١٥] وقوله فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) [الكهف ١١٠] وقوله قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
стр. 4349
[الكهف ١٠٣-١٠٥] وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت ٢٣] وقوله وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) [الأعراف ١٤٧] وقوله مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت ٥] وقوله وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) [الروم ٨] وقوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب ٤٤] وقوله أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) [فصلت ٥٤] إذا عرف أن الإخبار بلقاء العباد لربهم مذكور في كتاب الله في قريب من عشرين موضعاً وأن ما يشبه هذا مذكور في مواضع يدخل في الناس فقد ذكر الله هذا اللفظ في حق غير الله في مواضع كقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) [الأنفال ١٥]
стр. 4350
وقوله إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الأنفال ٤٥] وقوله قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران ١٣] وقوله إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال ٤١] وقوله لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ [غافر ١٥-١٦] من هذا الباب على أكثر الأقوال وقد أخبر الله بلقاء يوم القيامة في قوله فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) [الطور ٤٥] وقوله فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) [الزخرف ٨٣] [المعارج ٤٢] وإذا كان كذلك فالكلام على ما ذكره من وجوه أحدها أن الذي ذكره المؤسس عن منازعيه أنهم قالوا اللقاء من صفات الأجسام يقال التقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان لم يذكر عنه جواباً فإن قوله اعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم وجب حمل اللفظ على أحد وجهين تسليم لهم أن
стр. 4351
اللفظ يدل على التجسيم وأن هذه النصوص المذكورة في القرآن تدل على أن الله جسم وإذا سلّم لهم هذه الدلالة فلم يذكر ما يعارضها لأن ما ذكره هو وغيره من الأدلة قد تقدم بيان حالها بحيث يظهر كل من فهمها أنها ليست بأدلة ألبتة وأن الحجج العقلية التي حكوها عن منازعيهم في الإثبات أقوى من حججهم المذكورة على النفي وحينئذ فيكون ما سلّمه من دلالة القرآن على قول منازعيه سليماً عن المعارض الوجه الثاني أن يقال تأويل هذه النصوص لكون ظاهرها التجسيم لا يجوز فإن قول القائل هذا من صفات الأجسام وارد في كل اسم وصفة لله تعالى مثل كونه موجوداً وقائماً بنفسه وموصوفاً ومبايناً لغيره ومثل كونه حيًّا عالماً قديراً سميعاً وبصيراً ورؤوفاً ورحيماً فإن هذا جميعه لا يعترف الناس انه يسمى ويوصف به إلا الجسم فإن كان مثل هذا موجباً لصرف الأسماء والصفات عن ظاهرها وجب أن يُصرف الجميع ومن المعلوم أنه إذا صرف شيء منها فلابد أن يصرف إلى معنى آخر يعبر عنه بلفظ آخر وذلك اللفظ الثاني يردُ عليه مثل ما ورد على الأول فإنه لا يعرف إطلاقه إلا على
стр. 4352
الجسم وإذا كان كذلك علم أن جميع هذه التأويلات باطلة لأنه يلزم من رفعها إثباتها وما استلزم عدمه وجوده كان عدمه ممتنعاً وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وكل دين أن هذا باطل وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة العقلية أن هذا باطل فإن كل من أقر بموجود لابد أن يعلم منه معنىً يعبر عنه بلفظ وقد قدمنا أن الغالية من الملاحدة الذين لا يسمونه باسم لابد
стр. 4353
أن يعثروا بما يلزمهم فيه أعظم مما فروا منه فإن نفس الإقرار بالوجود الواجب يستلزم وهذا لازم في نفس الوجود وبهذا يظهر أن الحق هو ترك هذه التأويلات مطلقاً وأن الإقرار ببعضها دون بعض تحكم وتناقض الوجه الثالث أن يقال إذا كانت هذه الأمور جميعها لا يعرف أنه يسمى ويوصف بها إلا الجسم فأحد الأمرين لازم وإما أن يكون ثبوت ما يسمونه جسماً هو الحق في نفس الأمر وإن كان السلف والأئمة لم ينطقوا بلفظ الجسم لكن نطقوا بالألفاظ التي هي صريحة في المعنى الذي يسميه هؤلاء جسماً وإما أن يكون جميع هذه الأسماء والصفات وإن كانت لا تقال إلا على جسم فإنها تقال لله وليس بجسم وبهذا نجيب كل من أثبت شيئاً من هذه الصفات لمن نفاها فنقول إذا اتفقنا على أنه حي عليم قدير وليس
стр. 4354
بجسم فكذلك يكون عالماً بعلم وقادراً بقدرة ولا يكون جسماً وقد قدمنا أن لفظ الجسم لفظ مجمل وان كل واحد من إطلاق القول بإثباته أو نفيه عنه بدعة لا يؤثر عن أحد من السلف والأئمة ولا لذلك أصل في الكتاب وأن الواجب أحد أمرين إما ترك إطلاق هذا الاسم نفياً وإثباتاً وإما التفصيل وهو أن يقال إن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى حق وإن كنا لا نسميه بهذا الاسم لما فيه من الإجمال والاشتراك والإبهام والإيهام والبدعة وإن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى باطل ولا يحتاج أن ينفى مثل هذا اللفظ المجمل بل ينفى بالألفاظ الناصة كما دل على ذلك الكتاب والسنة الوجه الرابع أنه مازال الصفاتية نفاة الجسم ومثبتوه
стр. 4355
يستدلون بهذه الآيات ونحوها على أن الله تعالى فوق العرش ليس هو في الخلق بحيث يصح أن يؤتى إليه ويوقف عنده كما استدل بذلك أبو الحسن الأشعري في مسألة
стр. 4356
العرش فقال وقال الله تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام ٦٢] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام ٣٠] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة ١٢] وقال سبحانه وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام ٩٤] كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً جل عما يقوله الذين لم يثبتوا له في وصفه حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم
стр. 4357
على النفي في التأويل ويريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل فاحتجاجه بهذه الآيات على أن الله فوق العرش صريح في أن الله نفسه هو الذي رُدُّوا إليه وهو الذي جاءوا إليه فرادى ووقفوا عليه ونكسوا رءوسهم عنده كما دل القرآن على ذلك فلو كان الله بنفسه لا يجوز أن يلقى ولا يؤتى ولا يوقف عليه لم تصح هذه الدلالة بالنصوص المشتملة على ذكر إتيان الله ومجيئه ونزوله وكذلك استدلال الأشعري على أنه على العرش قال ومما يذكر لكم أن الله مستو على عرشه دون
стр. 4358
الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله
стр. 4359
ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له حتى يطلع الفجر رواه نافع عن جبير ابن مطعم عن أبيه
стр. 4360
وروى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا بقي ثلث الليل نزل الله إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه من ذا الذي يسترزقني أرزقه حتى ينفجر الصبح
стр. 4361
قال وروى رفاعة الجهني قال قفلنا مع رسول الله
стр. 4362
صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد أو قال بقديد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إذا مضى ثلث الليل أو ثلثا الليل نزل الله إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من ذا الذي يسألني فأعطيه حتى ينفجر الفجر
стр. 4363
قال وقد قال يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل ٥٠] وقال سبحانه تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج ٤] وقال ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة ٢٩] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [الفرقان ٥٩] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة ٤] وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه وهذا
стр. 4364
الاستدلال قال الأشعري قال الله سبحانه تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [القرة ٢١٠] وقال ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) [النجم ٨-١٠] واستدلاله بهذه الآيات على أن الله فوق العرش يقتضي أن الله عنده هو الذي يأتي ويجيء إذ لولا ذلك لم يصح الدليل كما تقدم قال وقال يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران ٥٥] وقال وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء ١٥٧-١٥٨] قال وأجمعت الأمة على أن الله تعالى رفع عيسى إلى السماء فهذه دلالة الأشعري وهو من أكبر أئمة المتكلمين الصفاتية تصرح بأنه كان يثبت أن الله نفسه تأتيه عباده ويأتي عباده مع قوله بأنه ليس بجسم وكذلك أبو محمد عبد الله
стр. 4365
لبن سعيد بن كلاب قبله وغيرهما فإذا كان هؤلاء يقررون هذا التقرير فكيف بمن لا ينفي الجسم ولا يثبته أو بمن يثبته وهذا الاستدلال منه ومن غيره من علماء الأمة وسلفها بهذه الأحاديث على أن الله فوق يبين أن نزول الرب عندهم ليس مجرد نزول شيء من مخلوقاته مثل ملائكته أو نعمته أو رحمته ونحو ذلك إذ لو كان المراد بهذا الحديث عندهم هو نزول بعض المخلوقات لم يصح الاحتجاج به على أنه فوق العرش فإن ذلك يكون كإنزال المطر وخلق الحيوان وذلك منا لا يستدل به على مسألة العرش كما يستدل بقوله ينزل ربنا فلما استدلوا بقوله ينزل ربنا علم أنهم كانوا
стр. 4366
يقولون إن الله هو الذي ينزل لتستقيم الدلالة ولهذا كل من أنكر أن الله فوق العرش لا يمنع أن الله ينزل ذلك الوقت بعض المخلوقات الوجه الخامس أن يقال إن هذه الآيات المذكورة في اللقاء من قرأها علم بالاضطرار أن مضمونها إخبار الله ورسوله ﷺ بأن العبد يلقى الله اللقاء الذي هو اللقاء كما أن سائر النصوص تخبر بما هو من جنس ذلك وإذا كان هذا معلوماً بالاضطرار من إخبار الرسول ﷺ فيقال إن كان ذلك مستلزماً لأن الملقي جسم كان ذلك حجة قاطعة في إثبات جسم وليس في نفي ذلك حجة تعارض هذا لا سمعية ولا عقلية أما الحجج الشرعية فظاهرة لم يدّع أحد من العقلاء أن الكتاب والسنة دلالتهما على نفي الجسم أظهر من دلالتهما على ثبوته بل عامة الفضلاء المنصفين يعلمون أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الله تعالى ليس بجسم وجميع الطوائف من نفاة الجسم ومثبتته متفقون على أن ظواهر الكتاب والسنة تدل على إثبات الجسم وإنما ينازعون
стр. 4367
في كون الدلالة محتملة التأويل أم لا فعلم اتفاق الطوائف على أن الأدلة الشرعية الثبوتية لا تدل على قول نفاة الجسم بل إنما تدل على قول المثبتين سواء قيل إن تلك الدلالة مقررة أو مصروفة وإنما يدعي النفاة دلالة الأدلة العقلية على النفي وقد تقدم ما ذكره النفاة من حجتهم وحجة منازعيهم أظهر لكل ذي فهم أنهم اقرب إلى المعقول وأن حجتهم أثبت في النظر والقياس العقلي وإذا كان كذلك فإذا قيل إن مدلول هذه النصوص مستلزمة للجسم فلازم الحق حق وكان الواجب حينئذ إثبات الملزوم ولازمه لا نفي اللازم ثم نفي
стр. 4368
ملزومه كما يفعله من يجعل أقيسته النافية هي الأصل مع ما يبين منازعوه من فسادها واضطرابها وردها بـ ما علم بالاضطرار وبالأقيسة العقلية ويجعل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع سلف الأمة وأئمتها تبعاً لها فلا يقبل حكمه ولا شهادته فيما يخالفها وهؤلاء أسوأ حالا من هذا الوجه ممن ادعى أن مسيلمة مع محمد رسول الله ﷺ أو من جنسه فإن أولئك لا يظهرون أنهم يتركون أوامر محمد ﷺ لأمر مسيلمة وإن كان كذلك لازمًا لهم وهؤلاء يصرحون بهذا وقد بينا أنهم أن أقيستهم من باب الإشراك وجعل الأنداد لله والعدل به
стр. 4369
فصار أصل قولهم شركاً وردة ظاهرة ونفاقا أعني من الجهة التي يخالفون فيها الرسول ﷺ وإن كانوا من جهة أخرى مؤمنين به مقرين بما جاء به ولكنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ومنهم من يعلم ذلك فيكون منافقاً محضاً ومنهم جهال اشتبه الأمر عليهم وإن كانوا فضلاء فهؤلاء فيهم إيمان وقد يغفر للمخطئ سيئة المجتهد وفي متابعة الرسول ﷺ ولهذا قال عبد الله بن المبارك ولا أقول بقول الجهم إن له قولاً يضارع قول الشرك أحياناً وقال إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن
стр. 4370
نحكي كلام الجهمية الوجه السادس قوله والذي يدل على صحة قولنا إن أحداً لا يقول إن الخلائق تلاقي ذواتهم ذات الله على سبيل المجاورة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة ولم يبق إلا ما ذكرناه
стр. 4371
يقال له إما أن تعني بذلك المماسة والاتصال أو تعني به المواجهة أو المقاربة فإن عنيت الثاني فلا نزاع بين القائلين إن الله تعالى على العرش وأن ذوات العباد تقرب من ذات الله تارة وتبعد أخرى ومن المعلوم أن إحدى الذاتين إذا قربت من الأخرى صارت الأخرى منها قريبة وإنما نازع بعضهم في أن ذات الله نفسها هل تدنو من العباد مع أن جمهورهم يثبتون ذلك وهذه الأقوال المحفوظة عن سلف الأمة وأئمتها وهي مذهب جماهير أهل الحديث وأئمة الفقهاء والصوفية وطائفة من أهل الكلام وإن عنيت بالملاقاة على سبيل المجاورة ومماسة إحدى الذاتين للأخرى ففيه جوابان أحدهما أن هذا لا يشترط في معنى لفظ اللقاء قال تعالى إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) [الأنفال ١٥] ومعلوم أن هذا يكون بدون تباين الذوات وقال تعالى إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال ٤٥] وقال تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [آل عمران ١٣]
стр. 4372
ومن المعلوم أن أكثر الفئتين لم تمس أحدهما أحداً من الأخرى وإن كان قد تقع المماسة بين بعضهم ومثله قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال ٤١] وقوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال ٤٤] وقد سماهما ملتقيين حين الترائي قبل التواصل ومن هذا قول متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتسطتارا
стр. 4373
فإنه لا يعني به إلا المواجهة والمقاربة وقد قال تعالى وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان ٧٥] وليس التحية والسلام مما تمس الإنسان وإن كان كذلك وهؤلاء متفقون على صحة هذا المعنى بين العبد وربه بطل ما ذكره من اتفاق الخلائق الجواب الثاني أنه لو قدر أن المراد بالملاقاة في اللغة المماسة فليس هذا المعنى مما اتفق على نفيه بل أكثر الصفاتية يجوزون أن الله يمس المخلوقات وتمسه كما يجوزون أن يراها وتراه بل هذا مذهب أئمة الأشعرية أيضاً وقد ذكره هو عنهم في مسألة الإدراكات الخمسة وقد تقدم ذكر ذلك
стр. 4374
قال في مسألة الرؤية قوله يعني المعترضين هذا الدليل يقتضي صحة تعلق إدراك اللمس بالله قلنا إن إخواننا التزموا ذلك ولا طريق إلا ذلك وقال أيضًا في حجة المخالف الرابعة شبهة الأجناس وهي أن المرئيات في الشاهد أجناس مخصوصة وهي الجواهر والألوان والحركات والسكنات والافتراق والاجتماع ولا يخرج من هذه الأجناس ما هو منها ولا يدخل فيها ما ليس منها فلا يصح أن ترى إلا ما كان من جنسها كما أن المسموعات لما كانت في الشاهد جنساً واحداً مخصوصاً وهو الصوت وكما لا يجوز أن يسمع ما ليس
стр. 4375
بصوت فكذا لا يجوز أن يرى ما ليس من هذه الأجناس قال وربما قالوا ابتداء لو جاز تعلق الرؤية بالباري تعالى فَلِمَ لا يجوز أن تتعلق به سائر الإدراكات حتى يكون مسموعاً مشموماً مذوقاً ملموساً ولما بطل ذلك بضرورة العقل فكذلك ها هنا ثم قال في الجواب وأما التزام اللمس والشم والذوق والسمع فقد التزمه أصحابنا وفي نسخة بعض أصحابنا وذلك بالحقيقة لازم على م اعتمد في هذه المسألة على الوجوه العقلية فأما من اعتمد على الوجوه السمعية فله أن يقول لما دلت الدلالة السمعية على كونه مرئيًّا قلت به ولم تقم الدلالة علو كونه مذوقاً
стр. 4376
ملموساً مشموماً فلا يلزمني أن أقول به وقال أيضا في مسألة إثبات أن الله سميع بصير بعد أن ذكر الطريقة العقلية وذكر الأسئلة عليها قال فيها ثم لئن سلمنا أن هذا الكلام يدل على كون الباري سميعاً بصيراً لكنه يقتضي اتصافه بإدراك الشم والذوق واللمس قال وللأصحاب اضطراب فيه وقياس قولهم يوجب القول بإثباته على ما هو مذهب القاضي وإمام الحرمين وغيرهما
стр. 4377
ثم قال الفصل الخامس عشر في أنه تعالى هل هو موصوف بإدراك الشم واللمس والذوق أثبت القاضي والإمام هذه الإدراكات الثلاثة لله تعالى وزعموا أن لله خمس إدراكات وزعمت المعتزلة البصرية أن كون الله تعالى حيّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها فأما أبو القاسم بن سهلوية فإنه نفى كونه تعالى مدركا للألم واللذة وأما الأستاذ أبو إسحاق
стр. 4378
منا فإنه نفى عن الله تعالى هذه الإدراكات والأول مذهب القاضي والإمام والدليل على ذلك ما ذكرناه في باب السمع والبصر فإذا كان هو وأئمة مشايخه يقولون إن الله تعالى يدرك الأجسام باللمس لم يصح أن ينفي مماسته للأجسام وهذا هو المفهوم من اللقاء على سبيل المجاورة ولكن دعواه اتفاق الخلائق على عدم قول ذلك مثل قول المعتزلة الذين ناظرهم في ذلك معلوم بالضرورة ثم إنه لم يقبل ذلك منهم وأثبته والحكم بينهم له موضع غير هذا وإنما الغرض نفي ما ادعاه حتى لمذهبه بل إذا كان قد ذكر عن المعتزلة البصريين أن كون الله حيًّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها يعنون إدراك اللمس وما معه فكيف بغيرهم والمعتزلة
стр. 4379
البصرية أقرب إلى الإثبات من البغداديين والأشعري كان في أول أمره منهم من أصحاب أبي علي الجبائي شيخهم في وقته ولعل هذا البحث القياسي إنما أخذه الأشعري عنهم فإذا كان هؤلاء يثبتون بالقياس إدراك اللمس والشم والذوق فكيف بأصحاب الحديث والآثار فإنهم أكثر إثباتاً وإن كان النزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في ثبوت ذلك كما تنازعوا في كونه على العرش هل هو بمماسة أو بغير مماسة وملاصقة أو لا يثبت ذلك ولا ينتفي على ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم من الطوائف
стр. 4380
وكذلك خلق آدم بيديه وإمساكه السموات والأرض ونحو ذلك هل يتضمن المماسة والملاصقة على هذه الأقوال الثلاثة وأما السلف وأئمة السنة المشاهير فلم أعلمهم تنازعوا في ذلك بل يقرون ذلك كما جاءت به النصوص ولكن يذكر هذا في موضعه وهذا كقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي قال ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها
следующие страницы →