Полный текст (4 879 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
المسألة فمن هذا يا جبريل قال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب ﵎ سبعون نوراً ما منها نور كاد يدنو منه إلا احترق وبين يديه لوح فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح حتى يضرب جبينه فينظر فيه فإذا كان من عملي أخبرني به وإن كان من عمل ميكائيل أخبره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قال قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال أنا على الريح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر قلت وعلى أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما هبط إلى الأرض منذ خلقه الله إلى يومه هذا وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة
стр. 4447
فمثل هذه الأحاديث وإن كان لا يحتج بآحادها أئمة الحديث فهي ونحوها المأثور دون ما ذكره وروى الخلال وغيره وهو مشهور عن سفيان الثوري عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله ﵎ عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة ورواه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على
стр. 4448
الجهمية حدثنا محبوب بن الحسن الأنطاكي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن عبيد المكتب عن
стр. 4449
مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله من خلقه بأربعة بنار وظلمة ونور وماء وروى أبو بكر النجاد في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال والذي نفسي بيده إن دون الله يوم القيامة سبعون ألف حجاب إن منها حجاباً من ظلمة ما ينفذها شيء وإن منها حجاباً من نور ما يستطيعه شيء وإن منها حجاباً لا يسمعه شيء لا يربط الله
стр. 4450
على قلبه إلا انخلع فؤاده
стр. 4451
وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة حدثنا حماد وهو ابن سلمة أنا أبو عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي ﷺ سأل جبريل هل رأيت ربك فانتفض جبريل وقال يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور لو دنوت من أدناها حجاباً لاحترقت
стр. 4452
إذا عرفت النصوص فالكلام على ما ذكره من وجوه الأول قوله واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا قالوا يجوز أن يقال إنه محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال إنه محجوب عنهم الوجه الأول يقال له الآية التي ذكرتها ليس فيها ذكر أن الله محتجب ولا محجوب وإنما فيها أن الكفار محجوبون عن الله وإن أردت الآية التي في الشورى وَرَاءِ حِجَابٍ فتلك لم تذكرها ولم تذكر أن كونهم محجوبين يقتضي أنه تعالى محتجب حتى يتم الكلام وإن كان فيه ما فيه الوجه الثاني أن هذا قول طائفة من أصحابه وإلا فآخرون منهم كأبي بكر بن فورك وغيره يقولون لا يجوز أن يكون الله محتجباً ولا محجوباً بحجاب وقالوا الحجاب
стр. 4453
راجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدم الإدراك في أبصارهم قالوا لأن ما ستر بالحجاب فالحجاب أكبر منه ويكون متناهياً محاذياً جائزاً عليه المماسة ومنه قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) [المطففين ١٥] فجعل الكفار محجوبين عن رؤيته لما خلق فيهم من الحجاب والحجاب الذي خلقه فيهم هم عدم الإدراك في أبصارهم قالوا ومن هذا أنه لم يضف الحجاب إلى الله بل أطلق ذكر الحجاب ويبين صحة هذا ما روي عن علي أنه أمر بقصاب وهو يقول لا والذي احتجب
стр. 4454
بسبعة أطباق فقال علي ويحك يا قصاب إن الله لا يحتجب عن خلقه وفي لفظ إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حجب خلقه عنه ومن حجة هؤلاء أنه إذا جاز أن يقال هو محتجب جاز أن يقال هو محجوب أي هو حجب نفسه لم يحجبه غيره وقوله الحجب يشعر بالعجز والذل إنما ذاك إذا حجبه غيره كما في المثال الذي ذكره من قولهم فلان حجب عن الدخول على السلطان أما لو قيل إن السلطان قد حجب نفسه
стр. 4455
أو وكّل من يحجبه أو جعل حاجباً يحجبه لم يكن ذلك مشعراً بالذلة والعجز بل بالقوة ولهذا يسمون الذي يحجبهم من الناس حاجباً ويقولون إنه يحجب الأمير وسُمي حاجب العين حاجباً لأنه يحجب العين وأما الشعري نفسه فذكر ما يوافق أهل الإثبات أنه محتجب بالعرش والسموات فقال في مسألة العرش ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سماوات الوجه الثالث قوله الحجاب محمول عندنا على أن
стр. 4456
يخلق الله تعالى في العين رؤية متعلقة به وهذا تفسير أصحابه الذين يقولون بإثبات الرؤية وينفون الحجاب والمقابلة ونحو ذلك وهذا باطل بالضرورة فإن كون الله تعالى لا يخلق في العين رؤية أمرُ عدمي لا يحتاج إلى إحداث فعل بل هو مثل أن الله تعالى لا يخلق للجسم طعماً أو لوناً أو ريحاً أو حركة أو حياة أو غير ذلك من الأمور العدمية فقول القائل فهم محجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدمُ الإدراك في أبصارهم كلام باطل لأن العدم لا يخلق الوجه الرابع أنه قال في الحديث الصحيح حجابه النور وفي الرواية الأخرى النار ومعلوم أن عدم الرؤية لا يسمى نوراً ولا ناراً لا حقيقة ولا مجازاً بل إذا سُمّي ظلمة كان فيه مناسبة الوجه الخامس أنه قال في الحديث فيكشف الحجاب فينظرون إليه وكشف الشيء إزالته أو رفعه وهذا لا يوصف به المعدوم فإن المعدوم لا يُزال ولا يرفع وإنما يزال ويرفع الموجود ومنه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام ١٧] وقوله وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل ٦٢] وقوله فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ [الأنعام ٤١]
стр. 4457
الوجه السادس أنه قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فجعل النظر متعقباً لكشف الحجاب وعندهم أن الحجاب هو عدم خلق الرؤية أو ضده خلق الرؤية فيكون زوال ذلك العدم هو عين الرؤية لا يكون شيئاً يتعقب الحجاب الوجه السابع أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ولو كان الحجاب عدم خلق الرؤية لم يكن كَشفُ ذلك وهو خلق الرؤية في العبد يحرق شيئاً من الأشياء فإن المؤمنين إذا رأوا ربّهم في عرصات القيامة ثم رأوه في الجنة مرة بعد مرة لا يُحْرَقُ شيء الوجه الثامن أن في الصحيحين وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأثبت رداء الكبرياء على وجهه وعلى قول هؤلاء ما بينهم وبين أن
стр. 4458
ينظروا إليه إلا زوال ذلك العدم بخلق الرؤية في أعينهم ومعلوم أن عدم خلق الرؤية فيهم ليس هو رداء الكبرياء ولا هو على وجه الله ولا هو في جنة عدن ولا هو شيء أصلا حتى يوصف بشيء من صفات الموجود الوجه التاسع أن تسمية مجرد عدم الرؤية مع صحة الحاسة وزوال المانع حجاباً أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولهذا لا يقال إن الإنسان محجوب عن رؤية ما يعجز عنه مع صحة حاسته وزوال المانع وكالأشياء البعيدة ولكن يقال في الأعمى هو محجوبُ البصر لأن في عينه ما يحجب النور أن يظهر في العين ولكن هؤلاء قوم وافقوا المؤمنين على أن رؤية الله جائزة ووافقوا الكفار أعداء الرسل من المشركين والصابئين على ما يوجب أن الله لا يرى كما وافقهم الجهمية كالمعتزلة ونحوهم ثم أثبتوا رؤيةً يُعلم بضرورة العقل بطلانها وجحدوا حقيقة ما جاء به السمع فصاروا منافقين مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل صاروا جاحدين لصريح المعقول باتفاق الطوائف جاحدين لما جاء به الرسول ﷺ عند أهل العلم والإيمان
стр. 4459
الوجه العاشر قوله حقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محال لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين يقال له هذا بعينه وارد في كل ما يضاف إلى الله من أسمائه وصفاته فإن تلك الأسماء والصفات لا تعرف إلا للأجسام وصفات الأجسام كما تقدم التنبيه على ذلك الوجه الحادى عشر أن الرؤية أيضا لا تعقل إلا لجسم ولا يعقل إثبات الرؤية إلا لجسم فإثبات كون الرب مرئيّا ورائياً مع نفي الجسم ليس بأولى من إثبات كونه محجوباً ومحتجباً مع نفي الجسم فإن كان الجمع بين هذا الإثبات والنفي حقّا هو حق في الموضعين وإن كان باطلاً في الموضعين ومن قال إني أعقل الرؤية بغير جسم ولا أعقل
стр. 4460
الحجاب إلا لجسم فهو جاحد لما يعلمه العقلاء بالاضطرار الوجه الثاني عشر أن الحجاب مانع من الرؤية بلا نزاع ومعلوم أن المانع من الشيء لا يكون عين عدمه فإن مجرد عدم الشيء ليس مانعاً من وجوده إذ المانع لا يعقل مانعاً إلا عند وجود المقتضي لوجود الشيء والعدم ليس بشيء أصلاً حتى يكون مانعاً ولو كان عدم الشيء مانعاً من وجوده لما وجد شيء من المحدثات لأن عدمها سابق على وجودها فعلم أنه لابد أن يكون الحجاب المانع من الرؤية شيئاً غير عدم خلق الرؤية فإن كان ذلك محالاً لم يكن للرؤية مانع أصلاً فكان يجب رؤية الله عند صحة البصر وسلامته لأن المقتضي موجود والمانع مفقود كما في رؤية سائر الأشياء الوجه الثالث عشر أنّا إذا عرضنا على العقل أن الإنسان يرى شيئاً لا يقابله بوجه من الوجوه وأنه لا مانع من رؤيته قط إلا مجرد عدم القوة في العين وعرضنا على العقل أن ذلك لا يبعد أن يكون محجوباً لم يحكم العقل بذلك لأن ما أثبت رؤيته أبعد من المعقول من نفي الحجاب عنه والعقل لا يثبت الأخفى
стр. 4461
البعيد دون القريب من ذلك أن الناس تنازعوا في عدم الإدراك الذي هو الرؤية والسمع هل هو مستلزم لوجود ضدّ له أم يكفي عدم وجوده فهل يجب أن يقال إن الأعمى والأصم قام بهما ضد وجودِ السمع والبصر أو لم يقم بهما السمع والبصر أم معناهما عدم السمع والبصر فإن لم يكن الواجب إلا مجرد عدم الإدراك فالعدم لا يكون حجاباً وإن قيل بل هما أمران وجوديان معتادان للإدراك كما يقوله من أهل الإثبات فمعلوم أن الضدين لا يجتمعان لكن ليس تسمية البصر والرؤية حجاباً لامتناع مجامعته الصمم والعمى بأولى من تسمية الصمم والعمى حجاباً لامتناع مجامعته للرؤية والسمع وكذلك لا يقال إن أحدهما هو المانع من الآخر بل يمتنع اجتماعهما نعم إذا كان أحدهما قائماً بالمحل فهل يقال إنه يمتنع الضد الطارئ أن يزيله أو يزول بنفسه حتى يحدث الطارئ هذا فيه نزاع أيضاً من القائلين ببقاء الأعراض ونفاة ذلك والمقصود أنه مع التقدير لا يسمى ذلك حجاباً
стр. 4462
الوجه الرابع عشر أنه لو كان الحجاب لغير جسم بطل ما ذكروه وإن كان لا يكون لجسم فقد تقدم أنه ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي الجسم وأن إطلاق القول بأن الله ليس بجسم ولا جوهر بدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها بل ذلك أعظم ابتداعاً من القول بأنه جسم وجوهر وإذا كان هذا النفي بدعةً باطلةً لم يكن ذلك معارضاً لما ثبت بالكتاب والسنة وهذه الكلمة هي قول الجهمية المُعَطلِة لما جاء به الكتاب والسنة ولما عُلم بضرورة العقل والنظر المُعَطلِة في الحقيقة للرب المعبود ومعرفته وعبادته هي أساس الشر والردة والنفاق وإن كانت قد نفقت على طوائف من أهل الإيمان لم يعلموا ما قصدوا بها الذين
стр. 4463
ابتدعوها أفسدوا بها فطرة الله التي فطر العباد عليها وكتابه الذي أنزل على رسوله وصدوا بها عن سبيل الله وهي لهؤلاء كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لأولئك وهي من السماء التي سموها هم وآباؤهم وما أنزل الله بها من سلطان فإن الله تعالى لم ينزل في شيء من كتبه ولا قال أحد من رسله ولا من ورثتهم أن الله ليس بجسم ولا جوهر وإنما الكلام مأخوذ عن المشركين ومن وافقهم من مبدّلة الصابئة وأهل الكتاب ثم إنه اشتبه على من ضل به من أهل الملل الوجه الخامس عشر أن من تأمل نصوص الكتاب وما ورد في ذلك من الآثار عن الصحابة والتابعين علم بالضرورة علماً يقيناً لا يستريبُ فيه أن لله حجاباً وحجبا منفصلة عن العبد يكشفها إذا شاء فيتجلى وإذا شاء لم يكشفها وإذا كان الحجاب هو الجسم المتوسط بين جسمين فلازم الحق حق لا يمكن أن يُدفع ما علم بالاضطرار من دين المرسلين بمثل نفي هذا الكلام الذي قد تبين أن نفيه من فاسد الكلام وأن الحجة لمثبتيه أقوى منها لنافيه في الفطرة والشرعة والنظر والخِصَام
стр. 4464
الوجه السادس عشر أن الله تعالى قد قال وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى ٥١] ومعلوم أن هذا التكليم هو مثل تكليمه لموسى كما جاء في الحديث المتقدم أنت موسى الذي كلمك الله من وراء حجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه وهذا التكليم أرفع درجة من تكليمه بالوحي أو إرسال رسول باتفاق المسلمين كما دل عليه الكتاب والسنة فإن كان الحجاب هو عدم خلق الرؤية كان المعنى أن الله كلمه مع عدم رؤيته ومعلوم أن عدم الرؤية قدر مشترك في جميع هذه الأنواع وأن ذلك ليس مما يفضل به موسى وإذا لم
стр. 4465
يكن التكليم من وراء حجاب لا يفيد إلا هذا المعنى كان ما ثبت لموسى دون ما ثبت لغيره من الرسل وهذا معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام لاسيما إذا قرن بذلك في أن تكليمه هو خلق إدراك المعنى القائم فيه فيكون لموسى من التكليم ما لا يحصيه إلا رب السماء ولهذا يدّعي طوائف من الجهمية أنه يحصل لهم من التكليم مثل ما حصل لموسى ومنهم من يدّعي أنه يحصل لهم أرفع من ذلك الوجه السابع عشر أنه قال أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى ٥١] أي من خلف حجاب والعدم المحض ليس له خلف لا أمام فعلم أنه حجاب موجود يكون له وراء الوجه الثامن عشر أنه لو صرح بالمعنى الذي ذكروه فقال أو من وراء عدم خلق الرؤية لكان هذا من الكلام الذي يُعلم جنون صاحبه أو هو كلام لا حقيقة له ولا يَحمل كلام الله على ذلك إلا زنديق منافق متلاعب بالقرآن والإسلام أو جاهل فيحكم عليه بالجهل بما يخرج منه من الكلام
стр. 4466
الوجه التاسع عشر أنه قال في حق الكفار كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) [المطففين ١٥] فخص الحجاب بأنه يومئذٍ فلو كان هو عدم خلق الرؤية لكانوا ما داموا محجوبين الوجه العشرون أنه تعالى خصّهم بذلك دون المؤمنين وجعل ذلك مما يعذبهم به فلو كان هو عدم خلق الرؤية لكان المؤمنون في الدنيا محجوبين معذبين بهذا الحجاب الذي حجب به الكفار في الآخرة فعلم أن ذلك حجاب خاص يحجب الله به الكفار حين يتجلى للأبرار الوجه الحادي والعشرون أن الله قال في قصة موسى وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف ١٤٣] فأخبر سبحانه أنه تجلى للجبل وأنه لما تجلى له جعله دكًّا فتجليه له إما أن يكون مجرد خلق الرؤية فيه كما يقولون إن ذلك هو تجليه لسائر من يراه أو يكون تجليه هو رفع الحجاب حتى ظهر للجبل فإن كان التجلي هو خلق الرؤية كان قد أخبر أن الجبل أطاق رؤيته وأن الجبل رأى الله وإذا كان كذلك لم
стр. 4467
يجب أن يصير دكًّا إذا ورد عليه ما يعجز عن مقاومته فإذا كان التجلي ليس هو إلا أن جعل رائياً فمعلوم أنه يكون قادراً على ما جُعل فاعلاً له فلا يكون دكًّا ولو كان كذلك لكان العبارة المناسبة أن يقال فلما رأى الجبلُ ربَّه جعله دكًّا فلما دلّ القرآن مع ما ورد به الحديث في تفسير هذه الآية أن التجلي هو ظهوره وأنه مع ذلك قد لا يطيق المتجلي له رؤيته لعجزه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عُلم أنه قد يتجلى لمن يراه ولمن لا يراه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عند الاحتجاب فعلم أن هناك حجاباً خارجاً عن الإنسان وأن التجلي يكون برفع كل الحجاب الوجه الثاني والعشرون قوله والحجاب عند من ينكر الرؤية محمول على أنه منع وصول آثار إحسانه إليهم فيقال لو كان الحجاب منع الإحسان لكان من كلمه الله من وراء حجاب كما كلم موسى وهو التكليم الذي فضله الله به على سائر العباد منعاً من الإحسان فيكون الذي ناداه الله وقربه نجيا أو اصطفاه على الناس برسالاته وكلامه ممنوعاً من الإحسان إليه وهذا من أفسد ما يكون في بداهة
стр. 4468
العقول وهو من أبلغ التحريف وقلب الحقائق والإلحاد في آيات الخالق ومعلوم أن هذا ما قالوه إلا في قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) [المطففين ١٥] لم يقولوا في هذه الآية لكن الحجاب مذكور في الآيتين
стр. 4469
الوجه الثالث والعشرون أن هذا حمل للفظ على ما لا تحتمله اللغة بوجه من الوجوه وهو تبديل اللغة كما أنه تبديل للقرآن وتحريف له الوجه الرابع والعشرون أن ألفاظ الحديث صريحة في الحجاب المانع من الرؤية كقوله ﷺ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة وفي رواية فيتجلى لهم ولا يجوز تفسير النظر هنا بالإحسان لقوله فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولأن اقتران كشف الحجاب بالنظر صريح في الرؤية وكذلك قول وما بين قوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا صريح في أنه حجاب مانع من النظر لا من الإحسان الوجه الخامس والعشرون قوله حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه والنور والنار لا تختص بمنع الإحسان وذلك الحجاب
стр. 4470
لو كشف لم يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه بل عندهم إذا كشفه حصلت الرحمة والإحسان إلى المحجوبين الذين كانوا محجوبين أي ممنوعين من الإحسان الوجه السادس والعشرون أن إحسان الله إلى عباده لا يمنعه شيء أصلاً كما قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر ٢] وقال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس ١٠٧] وذلك أنه إن أحسن إلى العبد امتنع أن يكون الإحسان ممنوعاً وإن لم يحسن فليس هناك شيء يكون ممنوعاً فأحد الأمرين لازم إما وجود إحسانه ونعمته فلا مانع له كما قال النبي ﷺ اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت وإما عدم وجوده فذلك يكون لأنه لم يشأه لا يكون لوجود مانع الوجه السابع والعشرون أنه قال كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ
стр. 4471
رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) [المطففين ١٥-١٦] فجعل الحجب قبل دخول النار وذلك لا يكون إلا في عرصة القيامة أو ما قبل ذلك ومعلوم أن الله لم يخلق في عَرصة القيامة إحساناً موجوداً حجب الكفار عنه فإن العرصة ليست محل ثواب ولا عقاب وإذا لم يكن هناك نعيم موجود يصح منعهم عنه عُلم أن الحجب عن نفسه الوجه الثامن والعشرون أن ما ذكره من الخبر الثاني الذي قال إنه مروي في الكتب المشهورة عن النبي ﷺ أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره ثم إنه فسره بذلك التفسير العجيب الذي لم يدل عليه اللفظ لا حقيقة ولا مجازاً هو من جنس ما فعله في كتابه الكبير الذي سماه المطالب العالية وجمع فيه من مباحث الفلاسفة والمتكلمين وذكر فيه كتاباً مفرداً في تفسير المعراج فرواه بسياق لا يعرف في شيء من كتب الحديث وفسره بتفسير الصابئين
стр. 4472
والمنجمين وهذه الأمور تلقاها من زنادقة الفلاسفة الجهال بالمعقول والمنقول وهي عندهم من أسرار الحقائق كما يدعي ذلك القرامطة ونحوهم من الداخلين في هؤلاء وذلك أن
стр. 4473
هذا الحديث في أن لله سبعين حجاباً من نور
стр. 4474
وكون الفاعل أكمل من المفعول والأعلى أكمل من الأدنى ليس في ذلك ما يدل عليه لفظ سبعين حجاباً من نور الوجه التاسع والعشرون أن هذه المخلوقات لا تسمى عنده حجاباً فإن الأجسام لا تحجب الله بل هي آيات ودلالات على الرب الوجه الثلاثون أم كشف الحجاب زواله ورفعه فيكون المعنى لو كُشفت هذه المخلوقات أي رفعت وزالت ومعلوم أن رفعه لا يحصل به فائدة عنده فإن الله لا يُرى إذا رفعت ولا يزداد العلم به بل تنقص آياته فيكون العلم به بوجودها أكمل وأتم الوجه الحادي والثلاثون قوله كمال الأدنى بالنسبة إلى الأعلى كالعدم أمر لا حقيقة له إذ كون الشيء دون غيره ولو كان بأي مرتبة كان لا يوجب أن يكون مثل المعدوم بل له حظه من الوجود ومعلوم أن الله عز وجا قد كرّم بني آدم بأنواع الكرامات التي تمنعهم عن مشابهة المعدومات الوجه الثاني والثلاثون أن الذي يقال إن الإنسان عاجز عن إدراك ربه والإحاطة به غاية العجز وهذا حق لكن قوله لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره لا يدل
стр. 4475
على هذا المعنى أصلاً فتفسير هذا بهذا من باب التحكم بل تفسير جهال الرافضة للإمام المبين بأنه علي بن أبي طالب
стр. 4476
أشبه من هذا لأن عليًّا يسمى إماماً وكذلك تفسيرهم لللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين فيه من المناسبة أكثر من هذا حيث قتل هذا وسم
стр. 4477
هذا الوجه الثالث والثلاثون أن كشف هذه الحجب إما أن يعني به وجودها فهي موجودة ولم يحصل هذا أو يراد به عدمها فإذا عدمت لم تكن معرفة الله بذاتها إلا دون معرفة الله مع وجودها وكذلك رؤيته على أصله إذ ليس للرؤية تعلق بوجود هذه ولا عدمها عنده وإذا كان كذلك علم أن تفسير قوله لو كشف هذه الحجب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه لا يصح على التقديرين الوجه الرابع والثلاثون أنه قال لأحرقت كل شيء أدركه بصره لم يخص بذلك الإنسان العاجز عن مطالعة تلك الكمالات الوجه الخامس والثلاثون أن قوله في الحديث الصحيح حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه قد بينوا السبحات في لغة العرب قال
стр. 4478
الخلال في كتاب السنة سألت ثعلباً عنها وقد رواه ابن بطة في كتاب
стр. 4479
الإبانة عن أبي بكر عنه قال سألت ثعلباً عن قول
стр. 4480
النبي ﷺ لأحرقت سبحات وجهه فقال السُبحات يعني من ابن آدم الموضع الذي يسجد عليه وهذا الذي قال ثعلب معروف يقول أحدهم أما ترى إلى سبحات وجهه يعني إلى نور هذا الموضع وكأنه والله أعلم سمى ذلك سبحات لأن الصلاة تسمى تسبيحاً ويسمون صلاة التطوع سُبْحة لغة مشهورة لأن العبد يجمع فيه بين كمال القول والفعل وهو حال السجود الذي يكون العبد فيه أقرب ما يكون من ربه إذ أفضل أقوال الصلاة القراءة لكن نهي عنها في الركوع والسجود وأفضل أفعالها السجود وذكره التسبيح والسُّبْحة ما يسبح به كما يسمى النظام الذي فيه خرز يسبح به سبحة وسبحات وجهه ما يُسبح به وقال القاضي أبو يعلى فأما قوله كل شيء أدركه بصره من
стр. 4481
خلقه معناه أن نور وجهه يحرق ما يدركه من خلقه وذكر قول ثعلب وهذا يطابق معنى الحديث حيث أخبر أن حجابه النار أو النور وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه الذي حجابها النور أو النار ما أدركه بصره من خلقه قال نور سبحاته تحرق ما أدركه بصره من خلقه وقد تقدم أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود كان إذا روى هذا الحديث عن أبي موسى يقرأ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) [النمل ٨] الوجه السادس والثلاثون أنه قد تقدم من حديث عدي بن حاتم قوله مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له وهذا يقتضي أنه يمكن أن يكون له حجاب يحجبه كما يمكن أن يكون له ترجمان يترجم له وقد صرح القرآن بأن التكليم يكون من وراء حجاب وعلى رأي المؤسس وذويه لا يمكن أن يكون بينه وبين عباده حاجب ولا ترجمان إذ
стр. 4482
تكليمه هو خلقٌ لإدراك المعنى القائم بنفسه وهذا لا يتصور أن يكون فيه ترجمان ورؤيته هي خلق الرؤية في العين وذلك لا يتصور أن يكون له حجاب وأيضا فنفيه للحاجب والترجمان في تكليمه ذلك اليوم دليل على أن المر في الدنيا ليس كذلك وعند المؤسس لا فرق بين الدنيا والآخرة بل إذا فهم أحدهما المعنى القائم بذاته يُعَدُّ كلمه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان الوجه السابع والثلاثون أن قول القائل إن الله لا يُحجب أو لا يحتجب لفظ مجمل كقوله إن الله لا يغيب فإن هذا يراد به أن لا يحتجب أن يشهد خلقه ويراهم كما أنه لا يغيب عن أن يشهدهم ويراهم وهذا حق فإن الله لا يحجبه شيء عن علمه وبصره ولا يتوراى منه شيء الوجه الثامن والثلاثون ما احتج به الأشعري في مسألة العرش حيث قال ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم يقولون
стр. 4483
يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سموات قال قال وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى ٥١] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم ممن ليس من جنس البشر لكان أبعد من الشبهة وأدخل في الشك على من سمع الآية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً وترك
стр. 4484
أجناساً لم يعمهم بالآية فيدل ما ذكرناه على أنه خصَّ البشر دون غيرهم فهذا الأشعري أثبت بذلك أن الحجاب قد يكون خاصًّا لبعض المخلوقات دون بعض وذلك يدل على ثبوت الحجاب المنفصل عن المخلوقات إذ الحجاب الذي هو عدم خلق الرؤية لا يختص بنوع دون نوع واستدل بذلك على أن الله بائن من خلقه فوق العرش إذ لا يمكن أن يكون بعض المخلوقين محجوبين عنه إلا على هذا القول دون من ينكر ذلك ويقول إنه بذاته في كل مكان أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه فإن نسبة جميع الخلق إليه واحدة في ثبوت هذا الحجاب ونفيه وقوله لو كشفها عن وجهه معناه لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سُبحات وجهه أي أحرقت محاسنَ
стр. 4485
وجه المحجوب عنه بالنار فالهاء عائدة على المحجوب لا إلى الله ومثل هذا يقال في الخبر الذي رواه أُبيّ لأحرقت سبحات وجه العبد كل ما أدركه بصره فتكون السبحات محرقة لما أدركه العبد فيقال هذا من أبطل الباطل من وجوه أحدها أن هذا تحريف للفظ الحديث وهو أبلغ من تحريف معناه فإن لفظ الحديث حجابه النار أو النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره وهذا التحريف نظير قراءة من قرأ من الجهمية وكلم الله موسى تكليما وجعل موسى هو المُكلّم الذي كلم الله الوجه الثاني أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفها لم يقل لو كشف عنها وكشف الشيء إزالته ورفعه والكشف عنه إظهاره كما قال في الحديث الآخر فيكشف الحجاب فينظرون إليه ولو أراد ذلك المعنى بها لقال لكشف عنها الوجه الثالث أنه قال حجابه نور والضمير عائد إلى الله
следующие страницы →