← Акыда

Акыда · id 2908

الرد على من قال بفناء الجنة والنار

ابن تيمية

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بيانات الكتاب عنوان الكتاب: الرد على من قال بفناء الجنة والنار وبيان الأقوال في ذلك تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (٧٢٨هـ) دراسة وتحقيق: محمد بن عبد الله السمهري الناشر: دار بلنسية الرياض الطبعة: الأولى١٤١٥هـ - ١٩٩٥م عدد المجلدات: [١] مصدر الكتاب: موقع المكتبة الرقمية (*) تم الحفاظ على ترتيب الصفحات اعتنى به أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - عضو في ملتقى أهل الحديث

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ... فقد شاع واشتهر على ألسنة كثير من الدارسين لمسائل العقيدة القول بأن شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى القول بفناء النار، وأن له في ذلك رسالة، وأن ما كتبه تلميذه العلامة ابن القيم في كتابه: "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" في الباب السابع والستين حول هذه المسألة -مسألة فناء النار - قد استقاه من كلام شيخه ابن تيمية في تلك الرسالة (١) . وأثناء بحثي في مخطوطات دار الكتب المصرية عثرت على نسخة خطية لرسالة مخطوطة في هذا الموضوع وقد تبيين لي - كما سيأتي - أنها هي رسالة شيخ الإسلام المشار إليها (٢) ، وقد رغبت في تحقيقها وإخراجها وذلك لعدة أسباب أجملها فيما يلي: أولا: أن هذه الرسالة لم تنتشر حتى الآن ضمن مؤلفات الشيخ المطبوعة. ثانيا: أن هذه النسخة نادرة، مع أن بعض العلماء حرصوا على الحصول عليها، يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "ولقد كان أملي كبيرا أن أجد

стр. 3

رسالة ابن تيمية هذه مطبوعة في "مجموع الفتاوى" التي جمعها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في خمسة وثلاثين مجلدا، ولكني - مع الأسف - لم أجد لها أثرا في شيء منها، بعد تقليبي لها كلها، والاستعانة بالفهارس التفصيلية الموضوعة لها ... " (١) . ثالثا: كثرة السائلين عن رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة فناء النار، فلعل في نشر هذه الرسالة إجابة لذلك. رابعا: أن خصوم شيخ الإسلام جعلوا من هذه الرسالة ذريعة للنيل منه والطعن فيه منذ عصره، وعلى رأس هؤلاء الشيخ علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة ٧٥٦هـ، فقد ألف رسالة بعنوان "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (٢) وهي رد على رسالة الشيخ التي هي موضوع البحث، وقد تحامل السبكي في هذه الرسالة في الرد على شيخ الإسلام ولم ينصفه، ثم شقت رسالته تلك طريقها إلى عالم المطبوعات، وصارت منشورة بسعي خصوم شيخ الإسلام المعاصرين ومن سار في ركابهم، فكان لابد من وضع الأمر في نصابه، كما سيأتي إن شاء الله (٣) . خامسا: أن ندرة نسخ هذه الرسالة جعلت الآراء تتضارب في إثباتها ونفيها بالنسبة لشيخ الإسلام كما نراه في كلام الدكتور علي الحربي، في رسالة له مطبوعة متداولة (٤) .

стр. 4

هذا، وقد جعلت خطة البحث بعد تلك المقدمة على النحو التالي: القسم الأول: دراسة الكتاب ومنهجي في تحقيقه، والتعليق عليه، ووصف ما اعتمدت عليه من نسخ الكتاب ويشمل على المباحث التالية: ١ - المبحث الأول: تسمية الكتاب. ٢ - المبحث الثاني: نسبته للمؤلف. ٣ - المبحث الثالث: موقف شيخ الإسلام من مسألة فناء النار وآراء العلماء في ذلك وموقفهم من نسبة هذه المسألة إلى شيخ الإسلام. ٤ - المبحث الرابع: بيان منهجي في تحقيق الكتاب والتعليق عليه. ٥ - المبحث الخامس: وصف ما اعتمدت عليه من نسخ الكتاب. القسم الثاني: نص الكتاب محققا ومعلقا عليه ثم الفهارس.

стр. 5

المبحث الأول: أسباب تحقيق الرسالة القسم الأول: "دراسة الكتاب، ومنهجي في تحقيقه والتعليق عليه، ووصف ما اعتمدته في التحقيق من نسخه " ويشمل عدة مباحث: المبحث الأول: تسمية الكتاب . لم أقف لهذه الرسالة على تسمية معينة من مؤلفها شيخ الإسلام ابن تيمية. نعم قال تلميذه العلامة ابن القيم: "وكنت سألت شيخ الإسلام - قدس الله روحه - فقال لي هذه مسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء، فمضى على ذلك زمن، فكتب فيها مصنفه المشهور - عليه رحمة الله (١) ". لكن هذه ليست تسمية اصطلاحية كما ترى ... ولهذا تعدد عنوانها، فنسخة المكتب الإسلامي جاء في بدايتها ما نصه: "قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - في رسالته في "الرد على من قال بفناء الجنة والنار" "ما نصه ... " (٢) . وهذا العنوان يوافق ما ذكره الإمام ابن عبد الهادي حيث ذكر من مؤلفات الشيخ "قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار" (٣) . أمَّا نسخة دار الكتب المصرية (٤) فكتب فوق بدايتها من الجهة اليمنى

стр. 6

للصفحة ما نصه: "فصل في فناء الجنة والنار، وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال". وذكر الثلاثة (١) . وهذا العنوان مطابق لمضمون الكتاب. ولكن جاء في بداية الرسالة بعد البسملة والحمدَلَة ما نصه "مسألة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار وعلى من قال (٢) . كالفارابية وذكر اختلاف الناس". وجاء مقابل هذا الهامش الأيسر للنسخة ما نصه "حاشية" "مسألة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار وبقائها، وبيان الصواب من ذلك" ثم كتب عقب ذلك ما نصه: "هذا في نسخة". ومقتضى ذلك أن هذه الرسالة اختلفت عناوين نسخها بناء على فهم لمضمون الرسالة عند نسخها. وأما أحد خصوم الشيخ ومعاصره وهو: الشيخ علي بن عبد الكافي السُبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هجرية، فقد ألف رسالة بعنوان "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" وهي رد على رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية قال فيها: "وبدأنا بالنار، لأنا وقفنا على تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها" (٣) . وقال الدكتور علي الحربي: إن الرسالة "رد على من قال بفناء النار" وإنها لهذا لا يصح استدلال الخصوم بها على أن ابن تيمية يقول بفناء النار، لأنها حجة عليهم لا لهم، كما هو صريح عنوان الرسالة المزعومة (٤) . ومما تقدم يظهر لنا أن الكتاب تعددت تسميته فيما توفر لدينا من نسخة الخطية، وفي بيان بعض العلماء والباحثين لموضوعه.

стр. 7

وخلاصة ذلك: أنه تارة أطلق على الكتاب أنه "رد على من قال بفناء الجنة والنار". وتارة أطلق عليه أنه: "تصنيف في فناء النار". وتارة أطلق عليه "فصل في فناء الجنة والنار، وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال". وهذا الإطلاق الأخير هو المطابق لمضمون الكتاب فعلا. أما الإطلاق الأول: وما رتب عليه الدكتور الحربي فغير مسلَّم، لأن هذا العنوان ليس من صنع المؤلف وهو شيخ الإسلام ابن تيمية، وليس متفقا فيما توفر لدينا من نسخ الكتاب الخطية، كما أنه ليس مطابقا لواقع مضامين الكتاب كما تقدم. أما الإطلاق الثاني: فهو صادر من خصم في معرض الرد والانتقاد لشيخ الإسلام، فاقتصر في عنونة الكتاب على بعض مضامينه، التي يريد الرد عليها، مع أن مضامين الكتاب أعم من ذلك، كما صرح به السُبكي نفسه في كتابه المتقدم الإشارة إليه فقال: "وقد وقفت على تصنيف المذكور وذكر - يعني شيخ الإسلام - فهي ثلاثة أقوال في فناء الجنة والنار" (١) . وعلى ذلك يكون العنوان المطابق لواقع الكتاب هو: "الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وبيان الأقوال في ذلك". وهو أقرب شيء لأحد عناوين نسخة دار الكتب المصرية كما سبق ذكره. ولهذا جعلته عنوانا للكتاب، والله الموفق للصواب.

стр. 8

المبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى المؤلف تعتبر نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه شيخ الإسلام ابن تيمية أمرا هاما، نظرا لما وقع في ذلك من اختلاف بين الباحثين والمفهرسين، وشمل الخلاف المؤيدين للشيخ والمعارضين له، ووصل الأمر إلى حد إنكار وجود هذا التأليف لشيخ الإسلام، والحكم بوهم من نسبه إليه، وإن كان الذي نسبه من ألصق الناس وأخبرهم به، وهو تلميذه ابن القيم وبيان ذلك: أن النسخة التي وجدت من هذا الكتاب في دار الكتاب المصرية (١) لم يذكر فيها نسبتها إلى شيخ الإسلام، وبناء على ذلك تردد المفهرسون في نسبتها للمؤلف، فقالوا عند فهرستها: يظن أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢) . وتبعا لذلك ذكر الدكتور عوض الله حجازي في كتابه "ابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي" (٣) أن تلك الرسالة مجهولة المؤلف، لكنه اتبع ذلك بقوله: "ويظهر أنها من مؤلفات ابن تيمية". أما الدكتور علي بن علي جابر الحربي، فتعدد إنكاره لوجود قول لشيخ الإسلام بفناء النار، أو وجود تأليفه له في هذا الموضوع، وذكر أن ابن القيم وابن الوزير قد وهما في نسبة ذلك إلى شيخ الإسلام، ثم راح يلمتس لهما عذرا بأن

стр. 9

الكمال لله وحده وأن ذلك من الوهم اليسير الذي لا يخرج العالم عن حد الثقة (١) . وفي بعض المرات ذكر أن ما صرح به ابن القيم من أن شيخه شيخ الإسلام صنف في هذه المسألة مصنفه المشهور لكنه لم يصل إلينا -حسب علمي - ولو نشر لأقام الدنيا وأقعدها خصومه (٢) . وفي موضع ثان قال: "ويغلب على ظني عدم وجوده" (٣) . وفي موضع آخر قال: "إن الرسالة المزعومة" (٤) . فلما رأى الدكتور الحربي أن الشيخ الألباني ذكر قطعة من نسخة خطية، وجدت لدى المكتب الإسلامي ومصرح فيها بنسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام كما سيأتي توضيحه (٥) لما رأى الدكتور ذلك وحاول دفع نسبتها لشيخ الإسلام فقال: "وأما الورقات الثلاث التي ذكر الألباني أنه وجدها في دشت ضمن مخطوطات المكتب الإسلامي، وصورها في مقدمته لكتاب "رفع الأستار" للصنعاني، وأنها لكاتب مجهول من خطوط القرن الحادي عشر الهجري من رسالة لابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، فلا تعتبر من مصنفات ابن تيمية، لانتفاء الشروط المتبعة في مناهج البحث والتحقيق المعروفة عند أهل هذا الشأن، ومن ذلك جهالة الكاتب" (٦) .

стр. 10

وقال: "شهادته - يعني ابن القيم - بأن شيخه في هذه المسألة مصنفه المشهور الذي لم يظهر منه شيء سوى لصفحات الثلاث المشار إليها سابقا بأنها مجهولة الناسخ والتاريخ، مفتقرة للشروط المتبعة في مناهج البحث والتحقيق، ومعلوم عند أهل هذا الشأن ما يترتب على ذلك من عدم الثبوت" (١) . ويمكن الجواب عن هذا بما يلي: أولا: أنه طالما صرح في هذه القطعة بنسبة الكتاب لشيخ الإسلام، فلا يطعن في ذلك جهالة تاريخ النسخة، ولا جهالة ناسخها، محاولة الاستناد في دفع الثبوت إلى الشروط المتبعة في مناهج البحث والتحقيق، بناء على جهالة الناسخ وتاريخ النسخ، فهذا غير مُسَلَّم، حيث لم يعرف في تلك المناهج والقواعد أن جهالة الناسخ، وجهالة التاريخ للنسخة مما يقدح أيُّ منهما في نسبتها لمؤلفها المصرح به في صدر النسخة (٢) . ثانيا: أننا لو جعلنا جهالة الناسخ وتاريخ النسخ يقدحان في النسبة المصرح بها للمؤلف لترتب على ذلك أن نقدح في نسبة كثير من المؤلفات المخطوطة مما لم يوجد عليها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، كما يعرف ذلك من مراجعة فهارس المخطوطات، على أنه قد توفرت نسخة ثانية كاملة للكتاب وأثبت في آخرها اسم الناسخ، ومقابلته لها بأصلها. ثالثا: ومما يؤيد صحة نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ما تضمنه من نصوص وإحالات. تتطابق مع النقول والمؤلفات التي تثبت نسبتها لشيخ الإسلام كما يتضح ذلك من مراجعة النص المحقق وتوثيقه والتعليق عليه (٣) .

стр. 11

رابعا: أنه قد صرح بنسبة هذا الكتاب للمؤلف من لا يشك في خبرته بالشيخ، وولائه له ولاعتقاده السلفي، ألا وهو العلامة ابن القيم. فقد قرر أن لشيخه ابن تيمية تصنيفا مشهورا في مسألة فناء النار (١) وشهادته دليل قاطع. بل إن ما ذكره في كتابه "حادي الأرواح" حول هذه المسألة قد اعتمد فيه على رسالة شيخه ابن تيمية التي هي بصدد التحقيق، فإنه أحيانا يصرح بالنقل وأحيانا ينقل بتصرف وقد أشرت إلى ذلك في الهامش أثناء التحقيق. خامسا: هذه الرسالة قد نسبها إلى شيخ الإسلام من خصومه المعاصرين له الشيخ: علي بن عبد الكافي السبكي، حيث ألف رسالة بعنوان "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" وفي أثنائها قال: "وبدأنا بالنار لأنا وقفنا على تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها" (٢) . ثم قال: "وقد وقفت على التصنيف المذكور، وذكر فيه ثلاثة أقوال في فناء الجنة والنار" (٣) : أحدها: أنهما تفنيان وقال إنه لم يقل به أحد من السلف. والثاني: أنهما لا تفنيان. والثالث: أن الجنة تبقى والنار تفنى (٤) . وجميع النصوص التي ساقها السُبكي في رسالته موجودة في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية التي هي موضوع التحقيق. وبكل حال، فإن الناظر في هذه الرسالة يلحظ سمة بارزة لمنهج شيخ

стр. 12

الإسلام من حيث الأسلوب ومناقشة القضايا ولا يختلف أسلوب هذه الرسالة عن سائر مؤلفاته. وهذا مما يؤيد صحة نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -

стр. 13

المبحث الثالث: ويتضمن الآتي: ١ - من تناول مسألة فناء النار غير ابن تيمية. ٢ - موقف شيخ الإسلام من مسألة فناء النار، وآراء العلماء في ذلك ومناقشتها. وإليك تفصيل: أولا: من تناول مسألة فناء النار غير ابن تيمية: قبل الشروع في التعرف على موقف شيخ الإسلام من مسألة فناء النار يجدر معرفة أمر مهم، ألا وهو: بيان من تكلم في هذه المسألة غير ابن تيمية، فإن المتتبع لها في مظانها يجد العلماء السابقين على ابن تيمية واللاحقين له، قد تكلموا فيها تارة بذكر الروايات الواردة عن السلف فيها، وأحيانا بالإشارة إلى هذا القول وذكر الخلاف فيه، وقد أشار إلى ذلك جمع من العلماء منهم: عبد بن حميد فقد ذكر الروايات في "تفسيره" (١) وعبد الحق بن عطية الأندلسي في تفسيره (٢) والفخر الرازي في تفسيره (٣) ، والقرطبي في "التذكرة" (٤) ، وابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" (٥) ، وابن القيم في "حادي الأرواح" (٦) وهو أوسعهم كلاما، ومحمد الأمين الشنقيطي في كتابه: "دفع إيهام الاضطراب

стр. 14

عن آيات الكتاب" (١) ، وأبو حامد الغزالي في كتابه: "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (٢) ، وابن الوزير في كتابه: "إيثار الحق على الخلق" (٣) ، والإمام الذهبي له مصنف في "صفة النار" يقع في جزأين (٤) ، والحافظ بن رجب في كتاب "التخويف من النار" (٥) ، والشيخ مرعي بن يوسف له كتاب: "توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (٦) . والشيخ الصنعاني في كتابه ... رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (٧) . هذا وبناءً على ما تقدم تبيين لي أن الكلام في مسألة فناء النار معروف لدى العلماء قبل عصر ابن تيمية وفي عصره، وبعده كما في عصره، وبعد كما في المصادر السابقة، وعليه ما موقفه من هذه المسألة؟ ثانيا: موقف شيخ الإسلام من مسألة فناء النار، وآراء العلماء في ذلك ومناقشتها: لا يوجد لشيخ الإسلام - فيما أعلم - نص واضح جلي في هذه المسألة، ولكن له هذه الرسالة التي ألَّفها جوابا عن سؤال وجه إليه، فأجاب بذكر آراء غيره من العلماء في ذلك، وبين الفرق بين الدوام الجنة والنار، وفنائهما، ولم يعقب على ما ذكر من الآراء بقول خاص له هو، ومن هنا اختلفت الآراء والمفاهيم حول موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من المسألة، وذلك على ثلاثة أقسام: القسم الأول: تحاملوا على ابن تيمية وجعلوه حامل لواء هذه المسألة، وجعلوا منها غرضا للنيل منه وتضليله، وعلى رأس هذا القسم الشيخ علي بن عبد الكافي

стр. 15

السُبكي المتوفي سنة ٧٥٦هـ، فإن له رسالة بعنوان "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" ألفها ردا على رسالة شيخ الإسلام التي أقوم بتحقيقها، لكن بالمقارنة بين الرسالتين، رسالة ابن تيمية ورسالة السُبكي، نجد أن رسالة السبكي في رسالته تلك قد تحامل على ابن تيمية، سيأتي بيان أوجه ذلك. القسم الثاني: من أنكر نسبة القول بفناء النار إلى شيخ لإسلام ابن تيمية، وقال إنه بريء منه براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب، ومن هؤلاء الدكتور علي بن علي الحربي اليماني، مؤلف كتاب "كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار"، المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية" وسأعرض وجهة نظره في ذلك (١) . القسم الثالث: تأملوا النصوص الواردة عن ابن تيمية في هذه المسألة وقالوا: إنه يميل فقط إلى القول بفناء النار انطلاقا من سعة رحمة الله وسيأتي ذكر هؤلاء. وهذا أوان عرض تلك الآراء ومناقشتها: أولا: ما كتبه السبكي في رسالته "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" فبعد استعراض ما ذكره السبكي في هذه الرسالة التي هي رد على رسالة ابن تيمية، لاحظت أمورا سأشير إلى بعضها بإيجاز: أولا: عنوان الرسالة "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" فهو يشعر بأن ابن تيمية يقول بفناء كل من الجنة والنار كما هو مذهب الجهمية والمعتزلة، وليس الأمر كذلك بدليل أنه يرد على هؤلاء القائلين بفناء الجنة والنار، وإنما الذي نسب إليه مسألة فناء النار فقط. ثانيا: في هذه الرسالة تطاول السبكي على أن ابن تيمية، وصفه بأوصاف

стр. 16

بشعة. حيث إن من يطلع على رسالة السبكي يفهم أن ابن تيمية هو أول من تكلم في هذه المسألة، والحال أنه مسبوق إلى ذلك، والواجب على السبكي وغيره الإنصاف والعدل وهذا اللائق بمقام العلماء، لكن السبكي أغفل كلام العلماء السابقين على الشيخ وجعل ابن تيمية مبتدعا لها. وقد ذكر الفخر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦هـ القائلين بذلك وساق في "تفسيره" أدلة القائلين بفناء النار من القرآن والمعقول" (١) . ثالثا: عزى السبكي لابن تيمية أنه يختار القول بفناء النار، وأنه ينسبه للسلف (٢) . بالرجوع إلى رسالة ابن تيمية، نجد أن ما ذكره السبكي ليس مسلما له، وذلك من وجهين: أ - زعمه أن القول بفناء النار اختيار ابن تيمية، فإن هذا الاختيار لا يوجد في هذه الرسالة ولا غيرها من كتبه - فيما أعلم -. ب - قوله: "إنه قول السلف"، ليس بصحيح فإن عبارة الشيخ هكذا "وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف" (٣) . رابعا: عرض السبكي في رسالته أكبر قدر من أدلة الكتاب والسنة الدالة على بقاء النار، وابن تيمية لم يكن يجهل هذه الآيات والأحاديث وحاشاه ﵀ أن ينكر ثبوتها ودلالتها على البقاء، وبالتالي فإن اهتمام السبكي باستقصاء ذكر الأدلة لا يضيف شيئا جديدا غاب عن ابن تيمية بل هو تجاهل منه لمعرفة شيخ الإسلام بها ملاحظته والتسليم بها. وعليه فالإشارة أو التلميح من السبكي بنسبة شيخ الإسلام للتضليل.

стр. 17

والتبديع مردود عليه وفي هذا المعنى يقول العلامة ابن القيم "فقولكم إنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم.." (١) . ويقول: الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: " ... وغاية ما يقال إنه قول خطأ، أو رأي غير صواب، ولا يقال بدعة، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول ولكن قصدي ببيان أنه ليس بدعة ولا ينطبق عليه ضابط البدعة وهو أنه من المسائل القديمة" (٢) التي وقع الخلاف فيها قبل ابن تيمية. خامسا: ابن تيمية ﵀ نظرا في أدلة بقاء الجنة ودوامها، وأدلة النار ودوامها، فلاحظ أن بعض أدلة النار لا تصرح ببقاء ولكن تكل الأمر إلى مشيئة الله وما يريده بعباده وبعضها تقيده بحد كما في قوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) . وكما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ (٥) . وعند ذلك رأى أن هذه الأدلة تصلح أن تكون مقيدة لما أطلق من أدلة البقاء الدائم، وأن في تقييد المطلق جمعا بين الأدلة وهو أولى. وكون تلك الأدلة أقل عددا من أدلة البقاء لا يؤثر، لأن العبرة بالثبوت، ولم

стр. 18

يكن ابن تيمية هو الوحيد في هذا الفهم فقد أورده بعض المفسرين عند الآيات السابقة. سادسا: لاحظ السبكي على ابن تيمية استدلاله ببعض الآثار الدالة على فناء النار وكونها متكلما فيها، ويمكن الجواب عنه: بأنه ربما لم يكن ابن تيمية وقف على علتها حينذاك، ولهذا اعتذر عنه العلامة الألباني بقوله: "ولعل ذلك كان منه إبان طلبه للعلم، وقبل توسعه في دراسة الكتاب والسنة، وتضلعه معرفة الأدلة الشرعية" (١) وأيضا فلم تكن هذه الآثار هي دليله الوحيد بل استدل كما تقدم بالآيات المقيدة (٢) . سابعا: علل ابن تيمية ما ذكره في رسالته بأمر مقرر بأصل الشرع وهو سعة رحمة الله تعالى قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣) . وعلق على ذلك الشيخ الألباني بقوله: "إلا أن الحامل له على ذلك إنما كان ثقته البالغة في رحمة ربه وعفوه، وأنها وسعت كل شيء دون ما استثناء، ووافق ذلك منه خلقا كريما وطبعا رحيما جبله الله عليه، عرف به بين أصحابه" (٤) . وكما سبق شيخ الإسلام إلى ذلك من بعض السلف فقد وافقه في ذلك بعض العلماء كالإمام ابن القيم وابن الوزير وغيرهما، بل ذكر مؤلف "كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار" بأنه نوقشت رسالة ماجستير مقدمة من الباحث: فيصل عبد الله لجامعة أم القرى بمكة بعنوان "الجنة والنار والآراء فيهما" رجح صاحبها القول بفناء النار، وعلل ذلك بأنه يتفق مع رحمة الله الواسعة وكرمه الشامل وعفوه

стр. 19

الفياض، وحكمته ولكنه لم يتعرض لما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لا نفيا ولا إثباتا" (١) . القسم الثاني: من أنكر نسبة القول بفناء النار إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، من هؤلاء الدكتور علي الحربي اليماني مؤلف كتاب "كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار" حيث ادعى فيه أولية السبق في الذب عن شيخ الإسلام في هذه المسألة العظيمة" (٢) . وقرر في خاتمة البحث "براءة شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بفناء النار براءة الذئب من دم يوسف ﵇" (٣) . هذا، وباستعراض كتابه نجد أن حجته فيما توصل إليه من نتيجة تتلخص في الآتي: أولا: قام باستقراء وتتبع كتب ابن تيمية فأخرج منها نصوصا من ردود الشيخ على مذهب الجهمية والمعتزلة القائلين بفناء الجنة والنار، علق على تلك النصوص بقوله: "فهل يصح القول بعد هذا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول بفناء النار" (٤) . والجواب: أنه ينبغي أن يعلم أن هذه النصوص منصبَّة في الرد على مذهب الجهمية والمعتزلة القائلين بفناء الجنة والنار وهذا لا خلاف فيه ومحل النزاع في المذهب القائل ببقاء الجنة وفناء النار وحدها.

стр. 20

وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم هذه الأقوال (١) . وعليه فتكون النصوص المذكورة في غير محل النزاع، وبالتالي لا يدفع بها نسبة تلك الرسالة إلى شيخ الإسلام كما سيأتي بيان ذلك. ثانيا: قال الدكتور الحربي ولو صح إسناده يعني رسالة القول بفناء النار إلى ابن تيمية لأقام الدنيا وأقعدها خصومه واقتطفوا منها الكلام الذي يحتجون به على شيخ الإسلام، ولصاحوا وما سكتوا عن إلزامه من كلامه مع كثرة الخصوم قديما وحديثا (٢) . والجواب: أن ما نفاه الدكتور الحربي هو ما وقع فعلا فإن خصوم الشيخ أقاموا الدنيا وأقعدوها وذلك في عصر الشيخ وبعده، فالسبكي وهو ممن عاصر الشيخ ونسب إليه تلك الرسالة وتتبع الشيخ - كما سيأتي - وتعقبه فيما جاء بها وراح من خلال ما جاء فيها يلزمه بإلزامات هو منها براء، ورسالة السبكي بعنوان "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" كذلك جاء بعده من خصوم الشيخ ممن نسج على منواله وقد ساق الدكتور الحربي في رسالته أمثلة على ذلك" (٣) . ثالثا: أن الدكتور الحربي تردد موقفه فمرة يقول أن ما ذكره ابن القيم في كتابه: "حادي الأرواح" عن شيخه وهم منه أو أنه رجع عنه (٤) . وفي موضع آخر قال عن شيخ الإسلام "أنه كان في أول الأمر يميل إلى

стр. 21

القول بفناء النار فعليه تحمل شهادة تلميذه العلامة ابن القيم فيما حكاه عنه (١) ، فهذا هو المناسب لثبوت نسبة الرسالة للشيخ ولتبرئة الشيخ ابن القيم وغيره من الوهم، كما سأوضحه فيما يلي: وفي موضع آخر قال: "وأما شيخ الإسلام ابن تيمية وإن شهد أخص تلاميذه بأنه صنف مصنفه المشهور في هذه المسألة العظيمة، الذي لم يبين فيه ابن القيم نفيا ولا إثباتا - فلم يصل إلينا شيء من مؤلفات ابن تيمية في هذه المسألة العظيمة الخطيرة (٢) وكذا ما ذكره ابن الوزير (٣) والصنعاني (٤) ، قال إن مخطوطة المكتب الإسلامي التي ذكرها الألباني في مقدمة كتاب "رفع الأستار" لا تصح نسبتها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٥) . وتقدم الجواب عن هذا أثناء الكلام عن نسبة الكتاب للمؤلف (٦) . القسم الثالث: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى القول بفناء النار، ومن هؤلاء السفاريني في "لوامع الأنوار" (٧) والشيخ صديق حسن خان في كتابه "يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار" (٨) . والشيخ الألوسي في "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" (٩) .

стр. 22

مع أن هذا قول وسط بين القولين السابقين، إلا أن هنا حقائق يمكن ذكرها وهي على النحو التالي: أولا: أن ميل الشخص إلى قول من الأقوال لا يدل على أنه يجزم به ويقطع به، بل ظن لديه فمال إليه. ثانيا: الميل نوعان: ١ - ميل ناشئ عن اجتهاد ونظر وموازنة بين الأدلة الشرعية، فهذا صاحبه مأجور، لكونه مجتهدا وإن أخطأ. ٢ - ميل ناشئ عن الهوى وتعصب وشهوة النفس ونفي للدليل فهذا ميل مذموم قد ذم الله فاعله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (١) . ثالثا: أن شيخ الإسلام وإن مال إلى هذا القول فهو مسبوق إليه، بقول الشيخ الألوسي أثناء كلامه عن شيخ الإسلام في هذه المسألة "ولئن سلم أنه - أي شيخ الإسلام - مال إلى ذلك فقد ذهب إليه بعض السلف وأفراد من الخلف ... " (٢) . وبالتالي لا يكون مبتدعا في ذلك كما تقدمت الإشارة إلى هذا (٣) . رابعا: أن ابن تيمية كتب هذه الرسالة بناء على سؤال وجه إليه من تلميذه ابن القيم، وذكر له في السؤال أن هذه المسألة تشكل عليه كما في نص السؤال. إذن فلا عجب أن الشيخ يستقصيها من جميع جوانبها ويوازن بين أدلتها، وعند ذلك ظن من ظن بأنه يقول بفناء النار أو يميل إلى القول به.

стр. 23

يقول العلامة ابن القيم: "كنت سألت شيخ الإسلام - قدس الله روحه - فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة، ولم يجب فيها بشيء، فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في "تفسير عبد الحميد الكشي" بعض تلك الآثار - الدالة على فناء النار - فأرسلت إليه كتاب وهو في مجلسه الأخير، وعلَّمت على ذلك الموضع، وقلت للرسول: قل له: هذا الموضع يشكل عليه، ولا يدري ما هو. فيكتب فيه مصنفه المشهور - رحمة الله عليه" (١) . خامسا: أن هذا الميل الذي فهم من تلك المسألة غير مشهور في كتب الشيخ المتداولة، بل المشهور عنه فيها تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة عموما والذب عنها، ومن ذلك الرد على الجهمية والمعتزلة القائلين بفناء الجنة والنار. وقد تتبع الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني ما جاء عنه في ذلك فذكرها في مقدمة تحقيق الكتاب "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (٢) . سادساً: يحتمل عدم ذكر الشيخ ﵀ رأيا خاصا له في هذه المسألة سببه بقاؤه على الأصل وهو القول بما عليه أهل السنة والجماعة من دوام النار وعدم فنائها. وعليه فلا ضير من نسبة هذه الرسالة إلى الشيخ ونشرها لإظهار موقفه من المسألة في حجمه الطبيعي دون إفراط في الإنكار، ولا تفريط في الثبوت.

стр. 24

استشكال وجوابه: إن قال قائل على فرض أن شيخ الإسلام يميل إلى القول بفناء النار، فهل لأحد - بناء على ذلك الميل - أن يقول بهذا القول وينتصر له؟ فالجواب: أن الواجب على المسلم أن ينتصر للقول الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكان عليه جمهور سلف الأمة، وهو: أن النار لا تفنى ولا تبيد أبدا، والقول بفنائها بعد بقائها مددا متطاولة قول مرجوح، وإذا كان بعض العلماء المشهورين بإمامتهم في الدين له اجتهاد في مسألة - كهذه - وهذا الاجتهاد ناشئ عن حسن نية وسلامة قصد، ونظر في الأدلة الشرعية وتجرد من الهوى والتعصب، فأخطأ فيها فهو مأجور على اجتهاده. لكن هذا لا يجيز لأحد متابعة ذلك، وللإمام الحافظ ابن رجب كلام بناسب هذا المقام، قال ﵀. "وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو: أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول قولا مرجوحا ويكون مجتهدا فيه مأجورا على اجتهاده فيه، موضوعا عنه خطؤه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله، ولا انتصر له ولا إلى من يوافقه، ولا عادى من خلفه، ولا هو مع هذا يظن انه إنما انتصر للحق وإن أخطأ في اجتهاد وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق فافهم هذا فإنه مهم عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (١) .

стр. 25

المبحث الرابع: منهجي في تحقيق الكتاب والتعليق عليه ويتلخص في النقاط التالية: أولا: كتابه النص، وقد راعيت فيه قواعد إملاء الحديثة، وعلامات الترقيم كالفواصل، وعلامات الاستفهام، والتنصيص. ثانيا: تحقيق النص وضبطه وذلك بمقابلة النسخة الخطية، وإثبات أهم الفروق بين النسخ في الهامش. ثالثا: الرجوع إلى بعض المصادر التي نقل منها المؤلف سواء كان حرفيا أو بتصرف. رابعا: تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية حسب الاستطاعة، أما الحكم عليها فإني أبذل الجهد في ذلك معتمدا على ما قاله أئمة هذا الشأن. خامسا: التعليق على بعض المسائل التي تحتاج إلى تعليق. سادسا: ترقيم آيات القرآن الكريم. سابعا: الفهارس وهي على النحو التالي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية والآثار مرتبة على حروف الهجاء. ٣ - فهرس الأعلام. ٤ - فهرس الفرق والقبائل. ٥ - فهرس أسماء الكتب الواردة في الرسالة. ٦ - فهرس مراجع ومصادر البحث. ٧ - فهرس الموضوعات.

стр. 26

المبحث الخامس: وصف ما اعتمدت عليه من نسخ الكتاب لقد تيسر لي - بحمد الله - من نسخ الكتاب ما يلي: ١ - صورة نسخة المكتب الإسلامي: وهي عبارة عن ثلاث صفحات فقط، مكتوبة بخط نسخ مقرؤ، ما عدا عدة كلمات في أعلا الصفحة الأخيرة مطموسة، عدد سطور تلك الصفحات مختلفة. فالصفحة الأولى عدد سطورها ٢٣، والصفحة الثانية ٣١، والصفحة الثالثة ١٧ سطرا، والكلام في الصفحات الثلاثة متصل من أولها إلى آخرها. وتعتبر تلك الصفحات من أواخر الكتاب، كما ظهر لي ذلك من مقابلتها بنسخة دار الكتب المصرية، الآتي التعريف بها، وليس عليها علامة مقابلة النسخة بالأصل المنقولة عنه ولا بغيره، ولم يبين فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، ولكن هذا لا يقدح في نسبتها للمؤلف كما قدمت ذكره (١) . وقد ذكر الشيخ الألباني - حفظه الله - أن خطها لعله من خطوط القرن الحادي عشر الهجري (٢) ، وأهم ميزة لتلك النسخة التصريح في بدايتها بنسبة الكتاب لشيخ الإسلام كما مر ذكره (٣) . ٢ - نسخة دار الكتب المصرية: هذه النسخة تقع ضمن مجموعة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٨٩٩، من علم الكلام. وخطها نسخ جيد، وعدد صفحاتها ١٢ صفحة، وعدد السطور ٢١ سطراً

стр. 27

وبعضها ٢٢سطرا، وقد سبق ذكر تعدد عنوانها (١) ، وهي تبدأ بعد البسملة والحمد له والصلاة والتسليم على النبي ﷺ بما نصه "مسألة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وعلى من قال بفناء (٢) كالفارابية، وذكر اختلاف الناس في دار الجزاء بالعقاب، ودار الثواب بالإنعام، للناس في ذلك ثلاثة أقوال ... ولم يذكر في النسخة اسم المؤلف، ولا تاريخ النسخ، برغم هذا وجدت في النسخة علامات أخرى تدل على توثيقها وسلامة مضمونها، فقد كتب بهوامشها عدة تصحيحات لما في الصلب، وجاء بالهامش الأيمن وبالهامش الأسفل للصفحة ٣/أعبارة "بلغ" وكلا الأمرين يدلان على مقابلة هذه النسخة بأصلها المنقولة عنه، وقد صرح بهذا في آخرها كما سيأتي، كما أنه جاء بهامش الصفحة الأولى ذكر عنوان للرسالة وكتب في آخره، "كذا في نسخة" وكتب بهوامشها أيضا عدة عبارات يختلف نصها عن نص العبارات المقابلة لها في صلب النسخة باختلافات دقيقة، ووضع فوق تلك العبارات حرف "خ" إشارة إلى أن العبارة جاءت هكذا في نسخة أخرى. وهذا يدل على مقابلة النسخة، ليس بأصلها فقط، ولكن بنسخة أخرى للكتاب (٣) وعلى هذا يمكن القول: إن هذه النسخة بمثابة نسختين للكتاب، كما أن ذلك يعطيها توثيقا هاما، بحيث يجعلها صالحة للاعتماد عليها في تحقيق نص الكتاب، وتعتبر هذه النسخة أيضا كاملة وبذلك تتميز عن النسخة السابقة التي بلغت ثلاث صفحات فقط كما سبق بيانه، وجاء في نهايتها ما نصه" بلغ مقابلة وتصحيحا حسب الإمكان، كتبه أحمد بن سعد الله الحراني، عفا الله عنه برحمته، آخرها، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل".

стр. 28

القسم الثاني: النص محققا ومعلقا عليه "١/أ" بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. مسألة في الرد على من قال: بفناء الجنة والنار، وعلى من قال بفناء (٢) كالفارابية (٣) وذكر اختلاف الناس في دار الجزاء بالعقاب، ودار الثواب بالإنعام، وللناس في ذلك ثلاثة أقوال: قوم قالوا بفنائهما جميعا، وقوم قالوا ببقائهما جميعا، وقوم قالوا: بفناء دار الجزاء، وبقاء دار الإفضال، والإنعام، والإكرام.

стр. 29

رد شيخ الإسلام على مذهب الجهمية وقد تكلم الشيخ (١) ﵀ على الجهمية (٢) ، والهذيلية (٣) ، الفارابية، ورجح أدلة أهل السنة، وهدم شبه أهل البدعة، وأشار إلى بعض أدلة غلبة الرضا على الغضب، فقال ﵀: وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال (٤) : قيل: ببقائهما، وقيل: بفنائهما، وقيل: ببقاء الجنة، دون النار. أما القول بفنائها (٥) : فما رأينا أحدا حكاه عن أحد من السلف، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان، وأتباعه الجهمية. وهذا مما أنكر عليه أئمة الإسلام، بل ذلك مما أكفروهم به، كما ذكره

стр. 30

عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" (١) والأثرم في: كتاب "السنة" (٢) ، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد" (٣) ، وغيرهم عن خارجة بن مصعب، أنه قال: كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله ، في غير موضع بأربع آيات من كتاب الله: بقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ (٤) ، وهم يقولون: لا يدوم. ويقول الله تعالى (٥) : ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٦) ، وهم يقولون ينفد. وبقوله تعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٧) ، فمن قال: إنها تنقطع، فقد كفر.

стр. 31

وبقوله (١) تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) . أي: غير مقطوع. فمن قال: إنه (٣) ينقطع، فقد كفر (٤) . "وهذا قاله جهم، لأصله الذي اعتقده، وهو: امتناع وجود ما يتناهى من الحوادث كما بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع (٥) - وهو عمدة أهل الكلام الذين (٦) استدلوا على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث بها (٧) ، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم: أن ما يمنع من وجود ما لا يتناهى بمنعه (٨) في (٩) المستقبل، كما يمنعه في الماضي، فيلزم (١٠) أن يكون الفعل الدائم ممتنعا على الرب في المستقبل كما كان ممتنعا عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف "٢/أ" شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: هذا إنما يقتضي

стр. 32

فناء الحركات، فقال: إنه تفنى حركات أهل الجنة، والنار حتى يبقوا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة" (١) . وزعم طائفة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها، كأبي الحسن بن الزاغواني (٢) ، أن هذا القول هو المقتضى القياس العقلي، لكن السمع لما جاء ببقاء الجنة، والنار، قلنا به (٣) ، ولم يعلم أن ما كان ممتنعا في العقل لا يجيء السمع بوقوعه، فإن السمع لا يخبر بوجود ما كان ممتنعا في العقل (٤) . والأكثرون الذين وافقوا جهما، وأبا الهذيل على أصلها، فرقوا بين الماضي، والمستقبل من جهة العقل، بأن الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل، والممتنع إنما هو أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى. وقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير هذا الموضع (٥) ، وبُيِّنَ غلط أصحابها، وأن الماضي إذا قيل: لا يتناهى، فإنما المراد أنه لا ابتداء له، فلم ينته من طرف الابتداء، وإلا فإذا قدر ماضيا منتقضا، فقد تناهى.

стр. 33

ففرض مالا يتناهى مطلقا، وجعله قاضيا منقضيا جمع بين النقيضين (١) . ولهذا كانت أدلتهم عليه جامعة بين النقيضين، مثل قولهم: يلزم أن يكون اليوم، وما سواه من الحوادث متوقفا على انقضاء ما نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال. فإنه يقال لهم نعم، ما لا يتناهى لا في الابتداء، ولا في الانتهاء، فانقضاؤه محال، أما إذا قدرتموه حتى مضى، وانتهى إلى حد. فقولهم بعد ذلك: أن انقضاءه محال، كلام متناقض، فإنكم فرضتموه قد انقضى وانتهى من هذا الجانب، جانب النهاية، دون جانب البداية، ومثل قولهم في دليل ذلك التطبيق، إذا فرضنا الحوادث إلى حين الطوفان، والحوادث إلى حين الهجرة، ثم طبقنا بينهما: فإما أن يتماثلا، وإما أن يتفاضلا، والتماثل ممتنع، والتفاضل يقتضي وقوع التفاضل فيما لا يتناهى، وهو محال، فإنه يقال لهم: هذه الحوادث، هي بعينها لكنها زادت بما بين الوقتين: وقت الطوفان، ووقت الهجرة، وسواء قدر أنها هي، أو أنها غيرها، فهذه أكثر من هذه، وهذا تفاضل فيما انتهى، وهو الماضي، فهو تفاضل فيما تناهى من أحد "٢/أ" طرفيه من الطرف المتناهي، فإن كان تناهى ما لا ابتداء له في المستقبل ممكنا، فالتفاضل وقع من جهة كونه متناهيا، لا من جهة كونه غير متناه - أي - لا بداية له. وإن كان تناهى ما لا ابتداء له غير ممكن، فقولكم: تناهى الحوادث إلى زمان (٢) الطوفان، أو الهجرة (٣) ، باطل، وذلك أنه إذا قيل: إنه لم يزل الرب متكلما

стр. 34

بمشيئته، وقدرته، أو لم يزل فعالا لما يشاء، نحو ذلك مما يقتضي كونه فاعلها، كان هذا النوع قديما، وما وجب قدمه، امتنع عدمه، وذلك يقتضي امتناع انقضاء فعل الرب، نقيض قول الجهم، فإن عنده يجب انقضاء فعله وانقطاعه، ويمتنع عنده دوامه أبدا كما امتنع دوامه أزلا، ويجب عنده أن يكون لم يزل غير فاعل في الماضي، ولا في الأبد إذا فنيت الجنة والنار. وحقيقة قوله: أنه لم يزل غير قادر، ثم صار قادرا، ثم يصير غير قادر وهو يقول: ما كان له بداية، وجب أن يكون له نهاية. فأما إذا قدر أن الرب لم يزل قادرا على الفعل، والكلام بمشيئته، وأنه لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء، فهنا وجب وجود ما لا ابتداء له، ولا نهاية لابتدائه، فإذا قدر انتهاء هذا النوع كان باطلا، فإذا قيل: إن الحوادث انتهت إلى الطوفان أو الهجرة. فإن قيل: يقدر (١) الرب ما بقي بفعل شيئا، فهذا تقدير خلاف الواقع، بل هو ممتنع. وإن قيل: يقدر (٢) فضلا في الذهن بين ما مضى وبين ما يستقبل، فهذا التقدير الذهني لا يغير الحقائق، بل الفعل الدائم في نفسه، ثم إذا قدر هذا في الذهن، فقد قدرت الحوادث الماضية انتهت إلى هذا الحد. وإذا انتهت قبلت الزيادة والنقصان، فإن ما ينتهي من الحوادث يقبل الزيادة والنقصان، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (٣) ، ولكن نبهنا هنا على أصل قول الجهم الذي أوجب له أن يقول بفناء الجنة والنار، حتى أنكر ذلك

стр. 35

عليه أئمة الإسلام، وجمهورهم كفروه. والذين وافقوه على الأصل خالفوه في لوازمه فتناقضوا (١) . وفرق من فرق بين الماضي والمستقبل، بأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل، فرق ضعيف "٣أ" لوجوه: أحدها: إن الماضي قد جعله متناهيا، فلم يقع التفاضل إلا فيما تناهى دون ما لا تناهى كما تقدم، وحينئذ فما دخل في الوجوه إلا ما يتناهى من هذا الجانب، فهو تقدير يتناهى فما قدر متناهيا، ثم هذا إذا قدر أن تنهايه ممكن، فكيف إذا كان ممتنعا؟. الثاني: أن الدليل شامل للنوعين، فإنه يمكن أن يقال: الحوادث من الهجرة، ومن الطوفان إلى ما لا يتناهى، هل هما متفاضلان؟ أم متماثلان. فإن تماثلا فهو محال، لأن أحدهما أزيد من الآخر، وإن تفاضلا فهو محال، لأن التفاضل في ما لا يتناهى محال. فإن (٢) قيل: هذا تقدير التفاضل، والتماثل في ما لم يكن بعد. قيل: نعم، لكنه تقدير التفاضل والتماثل، بتقدير وجوده لا في حال كونه معدوما، كما أن الماضي قدرتهم فيه التماثل، والتفاضل بعد عدمه بعد عدمه لا في حال وجوده، لكن قدرتهم تلك الحوادث الماضية التي عدمت كأنها موجودة. ففي كلا الموضعين إنما هو تقدير التفاضل، والتماثل فيما هو معدوم. فإن صح في أحد الموضعين صح في الآخر، وإن امتنع في أحدهما امتنع في الآخر.

стр. 36

الوجه الثالث: أن يقال: كون الشيء ماضيا، ومستقبلا أمرا إضافي بالنسبة إلى المتكلم المخبر، فيما مضى قبل كلامه، كان ماضيا، وما يكون بعده يكون مستقبلا، وبنسبة أحدهما إلى الآخر، فالماضي ماض على ما يستقبل، والمستقبل مستقبل لما قد مضى، وما من ماض إلا وقد كان مستقبلا، وما من مستقبل إلا وسيصير ماضيا، فليس ذلك فرقا يعود إلى صفات النوعين، حتى يقال: إن أحدهما ممكن، والآخر ممتنع، بل هذا الماضي كان مستقبلا، وهذا المستقبل يصير ماضيا، فتتصف كل الحوادث بالمضي والاستقبال، فلم يكن في ذلك ما هو لازم للنوعين يوجب الفرق بينهما. وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر (١) . "والمقصود هنا: أن هذا القول "هو القول بفناء الجنة، والنار قول لم يعرف عن أحد من السلف: من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، والذين قالوه لم يقولوه تلقيا له من خطاب الرسول ﷺ . وإعلامه وبيانه، ولا من قياس معقول دل عليه الرسول، وإنما قالوه عن قياس قاسوه بعقولهم، وهو خطأ في نفس الأمر" (٢) ، وإن كان قد اشتبه على كثير من أهل الكلام فاعتقدوه حقا، حتى بنوا عليه وجوب حدوث ما لم يخل من الحوادث، بل وجوب حدوث ما تقوم به الحوادث "١٣/ب". ومن هذا قالوا: إن القرآن مخلوق هو، وغيره من كلام الله، وإن الله يمتنع أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء، وعليه - أيضا - بنوا نفي الصفات، لأنها أعراض

стр. 37

لا تقوم بإلا بجسم (١) ، ثم منهم من قال: إنه صار يتكلم بمشيئته، بعد أن لم يكن يتكلم بمشيئته، وهؤلاء منهم من قال: الكلام لا يقوم به، فيكون مخلوقا بائنا عنه، ومنهم من قال: بل يقوم بذاته، فيكون جنس كلامه حادثا، والذين وافقوا السلف على أنه لم يزل متكلما وافقوا الجهم على أصله، قالوا: إن كلامه قديم العين، وهو لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل هو لازم لذاته كالحياة، ثم من هؤلاء من قال: إنه معنى واحد، هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل منهي، وهو معنى التوراة. والإنجيل، والزبور وكل كلام يكلم به عبادة المؤمنين، ملائكته وغيرهم. ومنهم من قال: بل هو حروف، أو حروف وأصوات أزلية، لم تزل ولا تزال لازمة لذاته، لا تتعلق بمشيئته وقدرته فهذه الطوائف الأربعة قد دخل في كل طائفة كثير من أهل النظر المعدودين من أكابر النظار، وأهل العلم، الناصرين للإسلام، أو للإسلام، والسنة وأصل أمرهم موافقتهم لجهم على قوله بامتناع دوام الحوادث، وأن الله يمتنع أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء، فعالا لما يشاء، فوافقوه على أن كلام الرب (٢) وفعله يمتنع أن يكون دائما بقدرته، ومشيئته، وعلى أن يمتنع أن يكون كلمات الله لا نهاية لها، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (٣) .

стр. 38

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) . روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢) عن سليمان بن عامر، قال: سمعت البيع بن أنس يقول: "إن مثل علم العباد كلهم في علم الله ربهم، كقطرة من هذه البحور كلها، وقد أنزل في ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) . وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (٤) . ذلك الذي عني في هذا الحديث، يقول: لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، والشجر كلها أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة دائمة (٥) لا يفنيها شيء، لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو (٦) الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما نقول، وفوق ما نقول، ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره في نعيم الآخرة، كحبة من خردل في خلال الأرض كلها" "٤/أ".

стр. 39

قلت (١) : ومثل هذا الكلام يقصد به التعبير عن عدم النهاية والنفاد والانقضاء. والمراد: أن كلمات الله لا انتهاء لها، فلا تنفد، ولا تنقضي، وقد ذكر الربيع مع ذلك نعيم الجنة، فإن الله تعالى - قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٢) . فاخبر أنه: لا ينفد، فلا يكون له انقضاء، ولا فراغ وآخر ينتهي عنده (٣) . وهذه الأقوال، والكلام عليها مبسوطة في غير هذا الموضع (٤) ، والمقصود هنا في (٥) فناء الجنة والنار، فقد تبين أن القول بفناء الجنة لم يعرف عن أحد من السلف، ولا الأئمة، وإنما هو قول جهم، ونحوه، وقد عرف فساده عقلا، ونقلا. وأما القول (٦) بفناء النار: ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين، ومن بعدهم.

стр. 40

وهذا (١) أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها، فإن الذين يقولون: إن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم، كدوام نعيم الجنة قد يقولون: إنها قد تفنى، وقد يقولون: إنهم يخرجون منها، فلا يبقى فيها أحد، لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع (٢) بقاء العذاب فيها على غير أحد، بل يفنى عذابها، وهذا هو معنى فنائها. "وقد نقل هذا القول عن عمر، ابن مسعود، وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم". وقد روى عبد بن حميد - وهو من أجل علماء الحديث - في تفسيره المشهور، قال: أنا سليمان بن حرب، أنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن البصري، قال: قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (٣) ، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه". وقال: أنبأ حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه" (٤) .
следующие страницы →