← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 292

رحلة الحج إلى بيت الله الحرام

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (322 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٨) رحلة الحج إلى بيت الله الحرام تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ) إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. الحمد للَّه الذي أكرم هذه الأمة المتأخرة الزمان، بأن جعل منها أشرف المرسلين المصطفى من معد بن عدنان، ﵊ دائمين من الرحمن، وجعل دينها أفضل من سائر الأديان، مؤيدًا بالمعجزات الباهرات التي أعظمها القرآن، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على كل دين وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران/ ٨٥]. ووعدنا على لسانه صلى اللَّه وعليه وعلى آله وسلم وعدًا يزيل الطمع من الفرق، وهو ما صح عنه أن صف مؤمننا في الجنة وإن زنى وإن سرق، وجعلنا ثلاث طوائف في كتابه المنير: قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر/ ٣٢]. ووعد جميع الطوائف الثلاث بدخول الجنات، والتحلية بالأساور، ولبسِ الحرير، قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر/ ٣٣]. فأتى في قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بواو الجمع الشاملة للظالم لنفسه، وقدَّمه لئلا يقنط، وأخرَّ السابق بالخيرات لألا يعجب بعمله فيحبط، وخاطب المسرفين منا خطابًا تجعل لذّته الأصمَّ سميعًا، قال: ﴿قُلْ

стр. 3

يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر/ ٥٣]. فاعجب لأمة يخاطب اللَّه مسرفيها هذا الخطاب في الآيات البينات المحكمات من الكتاب. وقوله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كلام مبدوء بحرف تأكيد مختوم باسم تأكيد، وتأكيد اللَّه وعده على إنجازه أصدق شهيد؛ إذ قال في كتابه المنزل على خير العباد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران/ ٩]. وخصنا من بين سائر الأجناس بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١١٠]. جاءنا بالحنيفية السمحة، وبذل لنا نصحه، وكان مما أنزل عليه صلوات اللَّه وسلامه عليه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام/ ١٩]. فقد بَلَغَنَا، وآمنا بكل ما فيه، وائتمرنا بأوامره، وانتهينا بنواهيه، فهو النور المبين، والحبل المتين، وقد جعلناه في أمور ديننا دليلاً، فتحركنا من مسقط الرأس بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران/ ٩٧]. جعلنا اللَّه ممن يأتمر بالأوامر، وينزجر بالزواجر، فامتثال هذه الآية الكريمة جَشَّمَنَا هذا السفر المبارك السعيد حتى أتينا من مكان بعيد، فبها نهضنا للسفر هذه النهضة السريعة، لا بقول عمر بن أبي ربيعة: إن كنت حاولت دنيا أو أقمت لها ماذا أخذت بترك الحج من ثمن

стр. 4

أما بعد: فليكن في علم ناظره أنا أردنا تقييد خبر رحلتنا هذه إلى بيت اللَّه الحرام، ثم إلى مدينة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ليستفاد بما تضمنته من المذاكرة، والأحكام، وأخبار البلاد والرجال، وما تجوَّل فيه الأدباء من المجال، والغرض الأكبر من ذلك تقييد ما أجبنا به عن كل سؤالٍ علميٍّ سئلنا عنه في جميع رحلتنا. اعلم أنا خرجنا من عند أهلنا بجانب الوادي ذي البطاح والمياه والنخيل، وودَّعَنَا كل قريب وخليل، والبين يهيج في القلوب الداء الدخيل، فترى ورد الخدود يطله جمود الدموع، والأعين تنكر السِّنَةَ والهجوع، ماء العيون في الجفن حائر، حسبما قال الشاعر: ومما شجاني أنها يوم ودعت ... تولت وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ ... إليّ التفاتًا أسلمته المحاجر وكان يوم الخروج لهذه القاعدة الكبيرة لسبع مضين من جمادى الآخرة، من سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف، أَمَّنَنَا اللَّه مما نخشاه من الأمام والخلف، فخرجنا من بيوتنا يصحبنا بعض تلامذتنا إلى قرية اسمها "كيفة"، فوصلناها في مدة خفيفة، ونحن تَحْدِي بنا الجمال، في الأودية والرمال. في مدة إقامتنا بـ "كيفة" سألتنا كريمة من بنات العم، وهي أم الخيرات بنت أحمد بن المختار الجكنية عن مسألتين، وطلبت فيهما منا التحرير، وأحضرت فهم العالم النحرير. أولاهما: ما يحيك في النفس من عدم الفرق بين عَلَم الجنس

стр. 5

واسم الجنس. والثانية: قول المتكلمين: إن الصفة النفسية لا يدرك لدونها الموصوف، وإن الإنسان مثلاً بدون النطق غير معروف، لِمَ لا يعرف الإنسان بخواصه، كالمشي على الاثنين مع الانتصاب، وكالضحك وكتابة الكتاب. فكان جوابنا عن المسألة الأولى: ما حاصله: أن الفرق بين علم الجنس واسمه اصطدمت فيه عقول العقلاء، واختلفت فيه آراء العلماء، حتى قال بعضهم: لا يُعقل الفرق بينهما في المعنى. واختار بعض المحررين من المتأخرين من ذلك الاختلاف ما حققه ابن خاتمة من أن الفرق بينهما أمر اعتباري، وهو أن عَلَم الجنس موضوعٌ للحقيقة الذهنية، ليميزها عن غيرها من الحقائق الذهنية، مع قطع النظر عن وجودها في أفرادها الخارجية، واسم الجنس موضوع للحقيقة باعتبار وجودها في أفرادها الخارجية، ولذا كان الأول جزئيًّا، والثاني كليًّا، والجزئي الحقيقي يكون عَلَمًا بالإجماع، والعَلَمُ قسمان: عَلَم شخصٍ، وعَلَم جنس. ودليل حصره فيهما أن العَلَم لابد أن يعيّن مسماه بتشخيصه إياه، فإن كان التشخيص باعتبار الخارِج فهو عَلَم الشخص، كزيد ومكة، وإن كان باعتبار الذهن فهو عَلم الجنس، كأسامة وأبي الحارث للأسد. قال مقيّد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: هذا الفرق الذي ذكره ابن خاتمة بين عَلَم الجنس واسمه، وإن اختاره المحقق البناني في شرحه لسلم الأخضري في علم المنطق، وغيره من محققي المتأخرين، إذا فرَّعنا

стр. 6

على قول ابن الحاجب والآمدي ومن تبعهما من الأصوليين بأن المطلق والنكرة شيءٌ واحدٌ، فهو -أي فرق ابن خاتمة- أمرٌ معقولٌ واضحٌ لا شبهة فيه. وأما إذا ما فرعنا على ما عليه جمهور الأصوليين من أن المطلق والنكرة شيئان متغايران فالفرق الذي ذكره ابن خاتمة لا يكاد يعقله الذهن السليم. وإيضاح ذلك: أن المطلق هو اسم الجنس بعينه عند جمهور الأصوليين، وجمهورهم على أن النكرة والمطلق الذي هو اسم الجنس أمران متغايران، خلافًا لابن الحاجب والآمدي وطائفة، والفرق بينهما -عند القائل به-: أن المطلق هو ما دل على الماهية بلا قيد، والنكرة ما دل على الواحد الشائع في جنسه. ومما يوضح الفرق بينهما أن المطلق الذي هو اسم الجنس يكون موضوع القضية الطبيعية، ولا يكون موضوع كلية ولا جزئية. والنكرة تكون موضوع الكلية والجزئية، ولا تكون موضوع الطبيعية. فبهذا يظهر الفرق. والقضية الطبيعية عند المناطقة هي: التي حكم بمحمولها على ماهية موضوعها الذهنية من حيث هي ماهية وحقيقة، مع قطع النظر عن وجود تلك الماهية الذهنية في أفرادها الخارجية، ولذا لو حمل محمولها على أفراد موضوعها الخارجية لكذبت باعتبار كونها طبيعية. ومثالها -أعني الطبيعية-: قولك: حيوان جنس، وإنسان نوع. فحكمك بالجنسية على الحيوانية، وبالنوعية على الإنسانية إنما هو باعتبار ماهية الحيوان والإنسان الذهنية دون أفرادها الخارجية،

стр. 7

فالجنسية المحكوم بها على الحيوان، والنوعية المحكوم بها على الإنسان، كلتاهما لا يصدق الحكم بها إلا على الماهية، وإن حكمت بها على الأفراد كذبت، لأن أفراد الإنسان -مثلًا- كزيد وعمرو ليس واحدٌ منها يصح الحكم عليه بالنوعية، لأنها كلها أشخاص، فلو قلت: زيد نوع، وعمرو نوع؛ لكان كذبًا، مع صدق قولك: إنسان نوع، فظهر قصد الماهية دون الأفراد. وكذلك أفراد الحيوان لا يصدق الحكم على واحد منها بأنه جنس، فلو قلت: الإنسان جنس، والفرس جنس مثلًا؛ لكان كذبًا، لأن أفراد الحيوان أنواعٌ لا أجناس، والحكم على النوع بأنه جنسٌ كذبٌ ظاهرٌ، فَكَذِبُ قولك: الفرس جنس والإنسان جنس، مع صدق قولك: الحيوان جنس، يظهر به قصد الماهية دون الأفراد، وهذا يخالف الكلية والجزئية اللتين موضوعهما النكرة، فالحكم بالمحمول فيهما إنما هو على أفراد الموضوع، لا على ماهيته العارية من اعتبار الأفراد. فقولك: كل إنسان حيوان، الحكم في هذه الكلية بالمحمول الذي هو الحيوان على كل فرد من أفراد الموضوع الذي هو الإنسان، لصدق قولك: زيد حيوان وعمرو حيوان مثلًا، وليس الحكم على الماهية؛ لأن ماهية الإنسان شيءٌ واحدٌ متركبٌ عندهم من حيوانية وناطقية، والشيء الواحد لا يجوز دخول السور عليه لعدم تعدده، فلا يجوز مع اعتبار الماهية قولك: كل إنسان، لأن ماهية الإنسان شيء واحد كما هو مقرر في مبحث أطراف السور.

стр. 8

وما ذكرنا من الحكم بالمحمول على أفراد الموضوع في الكلية، ومثَّلْنا له هو بعينه في الجزئية، لأن الفرق بين الكلية والجزئية إنما هو بشمول الحكم جميع الأفراد وعدمه، فإن شمل الحكم بالمحمول جميع أفراد الموضوع فهي كلية، نحو كل إنسان حيوان، وإلا فجزئية نحو بعض الحيوان إنسان، والحكم في كل منهما على الأفراد لا على العاهية، فظهر الفرق بين اسم الجنس الذي هو المطلق وبين النكرة، بأن الأول موضوع الطبيعية، والأخير موضوع الكلية والجزئية. وقد بنى الأصوليون على هذا الفرق مسألة تزيده إيضاحًا وبيانًا، وهي ما لو قال رجل لزوجته: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق، فولدت ذكرين. فعلى مراعاة المطلق الذي هو اسم الجنس الدال عندهم على الماهية بلا قيد تطلق زوجته، لأنه علق طلاقها على ماهية الذكر وقد وجدت، ولا نظر إلى الأفراد في المطلق. وعلى مراعاة النكرة الدالة على الواحد الشائع لا تطلق زوجته، لأنه علق الطلاق على ولادتها واحدًا بمقتضى النكرة الدالة على الواحد الشائع، فلم تلد واحدًا بل ولدت اثنين، فجاءت بغير المعلق عليه. فإذا حققت هذا الفرق المذكور المشار إليه بقوله في "مراقي السعود": وما على الذات بلا قيد يدل ... فمطلق وباسم جنس قد عقل وما على الواحد شاع النكرة ... والاتحاد بعضهم قد نصره علمت أن قول ابن خاتمة في فرقه المتقدم: "واسم الجنس

стр. 9

موضوع للحقيقة الذهنية باعتبار أفرادها الخارجية" لا يصح بحال، لأن اعتبار الأفراد قيدٌ، وهم يقولون: ما دل على الماهية بلا قيد. إلا على القول بمراعاة الأفراد في اسم الجنس، فيتحد مع النكرة كما ذهب إليه ابن الحاجب والآمدي وطائفة، والعجب من غفلة البناني عن هذا مع دقة نظره، وما أطال به العبادي في "الآيات البينات" من أن المطلق ما دل على الماهية بلا قيدٍ، وأن الأفراد توجد في الخارج في ضمن الماهية الذهنية = يَرِدُ عليه ما ذكرنا من جواز مراعاة الماهية بقطع النظر عن وجود الأفراد في ضمنها كما ذكرنا، وكما يدخل في قولهم: "بلا قيدٍ" فلا يمكن الفرق إذًا بين عَلَم الجنس واسمه. وقد فرّق بعض النحاة بين عَلَم الجنس واسمه بأن الفرق بينهما في اللفظ فقط، وهما في المعنى شيءٌ واحدٌ، كما قال ابن مالك في "ألفيته": ووضعوا لبعض الاجناس عَلَم ... كعَلَم الأشخاص لفظًا وهو عمّ لأن قوله: "لفظًا وهو عمّ" معناه عنده أنهما مفترقان في اللفظ، متحدان في المعنى؛ لأن عَلَم الجنس يتناول كل فرد من أفراد الجنس كما يتناوله اسم الجنس، فالفرق بينهما لفظي، ومعناهما واحدٌ. هذا مراده، ومثله له في التسهيل، وتعقبه المرادي، وهو جدير بأن يتعقب؛ لأن ما ذكر من الفرق اللفظي يتعذر معه اتحاد المعنى عند النظر الصحيح. وإيضاحه: أن جعل معنى أسامة عَلَمًا لجنس الأسد، متحدًا مع معنى أسد، اسم جنس للأسد؛ لا يكاد يعقل، مع جواز دخول الألف

стр. 10

واللام على أسد لأنه نكرة، ومنع دخولهما على أسامة لأنه معرفة للعلمية، ومنع مجيء الحال متأخرة من أسد لأنه نكرة، وجواز مجيئها من أسامة لأنه معرفة للعلمية، ومنع الابتداء بأسد حيث لا مسوغ للابتداء لأنه نكرة، وجواز الابتداء لأسامة لأنه معرفة لكونه عَلَمًا. فهذه التفرقة اللفظية بينهما تدل على الفرق المعنوي ضرورةً؛ لأن معنى النكرة مغاير لمعنى المعرفة ضرورةً، وإلا لزم التحكم بلا موجب، وهو جعل أحد المتساويين في المعنى نكرة، وجعل مساويه الآخر معرفة، وهو ظاهر البطلان. فتحصَّل أن الذي يظهر لمقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه أن الفرق بين علم الجنس واسمه -على القول بأن اسم الجنس والنكرة شيءٌ واحدٌ- أمرٌ معقولٌ لا شبهة فيه. وأما على القول بالفرق بين اسم الجنس والنكرة فالفرق بين اسم الجنس وعلمه لا يكاد يظهر عند التأمل الصادق، والعلم عند اللَّه جل وعلا. وكان جوابنا للسائلة عن المسألة الثانية التي هي: قول المتكلمين: "إن الصفة النفسية لا تعقل الذات دونها" أن معناه عندهم: أن الصفة النفسية التي هي عندهم الجنس أو الفصل لا تعقل الذات دونها، لأنها لا تكون عندهم إلا جزءًا من الذات. والماهية عندهم لا تعقل بدون أجزائها، فالإنسان عندهم لا يمكن تعقله ممن لم يعقله إلا بالنطق؛ لأنه صفته النفسية، والنطق عندهم القوة المفكرة لا نفس الكلام، حسبما قال الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا

стр. 11

فالإنسان عندهم لو عُرِّفَ بأنه جسم لشاركه الحجر في الجسمية، فإذا زيد في تعريفه أنه نامٍ -أي يكبر تدريجًا- شاركه الشجر؛ لأنه جسم نامٍ، فإذا زيد في تعريفه كونه حسَّاسًا شاركه الفرس مثلًا؛ لأنه جسم نام حسّاس، فإذا عُرِّفَ بأنه منتصب القامة يمشي على اثنين شاركه الطير، فإن زِيد في التعريف كونه لا ريش له شاركه منتوف الريش وساقِطُه من الطير، فإن عُرِّفَ بأنه ناطق تميزت ماهيته عن غيرها من الماهيات وحصل الإدراك. فإذا قيل: يمكن تعريفه بأنه الضاحك أو الكاتب؛ لأن الضحك والكتابة خاصتان من خواصه. فجوابهم أنهم يقولون: إن الضحك حالة تعرض عند التعجب من أمر بعد أن تتفكر فيه القوة الناطقة، والكتابة نقوش على هيئات مخصوصة لا توجد إلا بتفكير القوة الناطقة، فانحصر موجب الإدراك بالأصالة في النطق. هذا هو المراد عندهم، وما أورد عليهم من أن النطق الذي هو القوة المفكرة يشترك مع الإنسان فيه الملائكة والجن؛ لأن عندهم القوة الناطقة = فقد أجاب عنه بعضهم بأن الملائكة والجن خارجون بقيد الحيوانية؛ لأن الحيوان عنده هو الجسم النامي الحساس، والإنسان عندهم مركب من حيوانٍ وناطقٍ، والحيوان لا يكون إلا ناميًا، والملائكة والجن لا ينمون؛ لأن القدر الذي خلق الواحد منهم عليه يستمر عليه ولا يكبر بعد ذلك. هكذا ذكر بعضهم، واللَّه تعالى أعلم، فالسائلة سألت عن مصطلحٍ

стр. 12

كلاميٍّ، وأجبناها بالمراد عند أهل ذلك المصطلح. ثم ارتحلنا من قرية "كيفة" عشية بعد أن توادعنا مع من يعز علينا، وذهب معنا يشيعنا ابن الأمراء الرئيس وأنيس الجليس العيشى محمد بن عثمان، وقانا اللَّه وإياه من شر حوادث الزمان، ونحن متوجهون إلى قرية "تامشكط". فمررنا في الطريق بوادي "أم الخز"، ونزلنا عند حي من قبيلة "الأقلال" اسمه: "حلة أهل الطالب جدة" (١)، فأحسنوا إلينا غاية الإحسان، ومن جملة من زارنا عالم ذلك الحي ومفتيه الشيخ الأستاذ محمد فال بن أحمد نوح، فسألنا عن قول الأخضري في "سلَّمه" في كلامه على القياس الاستثنائي: وهو الذي دل على النتيجة ... أو ضدها بالفعل لا بالقوة فكيف يدل القياس الاستثنائي على النتيجة بمادتها وصورتها، والنتيجة لابد أن تكون مغايرة لمقدمتي القياس، بدليل قول الأخضري نفسه في سلمه: * مستلزمًا بالذات قولًا آخرًا * والقياس إذا أنتج إحدى المقدمتين كان ذا خطأ عندهم، كما قال الأخضري عاطفًا على خطأ البرهان من جهة المادة: * أو ناتج إحدى المقدمات *

стр. 13

وكان جوابنا عن هذا السؤال: أن لفظ النتيجة -وإن اتحد مع لفظ إحدى مقدمتي القياس- فالمغايرة حاصلة بالاعتبار؛ لأن النتيجة قضية تتضمن نسبة خبرية، ولفظها في القياس جزء قضية، لا قضية بالاستقلال، والمغايرة بين قضيةٍ مستقلةٍ وجزء قضيةٍ واضحةٌ، وإيضاحه بمثاله، أنَّك إذا قلت مثلًا: "لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا، لكنه إنسان، ينتج: فهو حيوان"، فالنتيجة التي هي "فهو حيوان" هي تالي الشرطية؛ لأن قولنا في القياس: "لكان حيوانًا" الذي هو التالي في الشرطية موافقٌ لقولنا في النتيجة: "فهو حيوان"؛ لأن الفعل الناسخ الذي هو "كان" داخل على المبتدأ والخبر اللذين هما: "هو حيوان". فهذه القضية التي هي "هو حيوان" في حالة كونها نتيجةً قضيةٌ حمليةٌ مستقلةٌ، وأما في القياس فهو جزء قضيةٍ، لا قضيةٌ؛ لأنها لم تتضمن نسبة خبرية باستقلالها، لكونها جواب شرط، وجواب الشرط غير مستقل دونه، لأن قولنا: "لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا" مجموع طرفي القضية الشرطية من المقدم الذي هو الطرف المقترن بـ "لو"، والتالي الذي هو الطرف المقترن باللام، [فهما معًا] قضيةٌ واحدةٌ شرطية، فمقدمها ليس بقضيةٍ مستقلة؛ لأنه شرط، وتاليها ليس بقضيةٍ؛ لأنه جزاء الشرط، فقولنا: "هو حيوان" في حالته في القياس جزء قضية؛ لأنه جزاء شرطٍ وهو المسمى عندهم بـ "التالي"، وقولنا: "هو حيوان" في حالته في النتيجة قضية حملية مستقلة. فظهرت المغايرة، وارتفع الإشكال. ثم وصلنا قرية "تامشكط" عند صلاة المغرب، فزارنا جل من فيها من الأكابر والعلماء، وعاملونا معاملة الكرماء، وكنَّا في ضيافة الرئيس

стр. 14

سيدي أحمد بن العربي رئيس أهل جدة بن خليفة من قبيلة الأقلال، ومن جملة من زارنا قاضي القرية المذكورة الشيخ الأستاذ المحفوظ بن الغوث، والشيخ الأستاذ محمد الأمين بن الشيخ أحمد الذي كان قاضيًا أيضا للقرية المذكورة. ومما دار في أثناء تلك المذاكرة السؤال عن مسألتين: إحداهما: بيان كيفية استحالة تسلسل هيولى العالم، أي تأثير بعضها في بعض إلى ما لا نهاية، والبرهان الدالّ على أن كل ما سوى اللَّه جل وعلا حادث. والثانية: تحقيق الفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع. فكان جوابنا على المسألة الأولى: أنَّ البراهين الدالة عقلًا على حدوث ما سوى اللَّه جل وعلا كثيرةٌ، وسنذكر منها البعض على قدر الكفاية، فمن ذلك أن نقول: أفراد الهيولى المتسلسلة إلى ما لا نهاية له -عند الفلاسفة القائلين بقدم الهيولى التي هي مواد الأشياء وأصولها- لابد أن يقترن واحدٌ منها بالأزل، بحيث لم يسبق عليه عدم أصلًا، أو لا يقترن واحدٌ منها بالأزل بأن يكون كلُّ واحدٍ منها مسبوقًا بعدم، ولا يخلو المقام من أحد هذين الأمرين ضرورةً. فإن قالوا: لم يقترن واحد منها بالأزل، بل كل فرد منها مسبوق بعدم.

стр. 15

قلنا لهم: أقررتم بحدوث جميعها وانقطاع تسلسلها، لإقراركم بأن الأول منها مسبوقٌ بعدم، وهو المطلوب. وإن ادعوا أن أولها مقترن بالأزل بحيث لم يسبق عليه عدم. قلنا: لو كان غير مسبوق بعدم لكان قديمًا، والقديم يستحيل فناؤه عقلًا، وأنتم مقرُّون بفناء الفرد الأول الذي ادعيتم اقترانه بالأزل. فإن قالوا: لا نسلم أن القديم يستحيل فناؤه. قلنا لهم: البرهان العقلي قاضٍ باستحالة فناء القديم. وإيضاح ذلك: أنه لو جاز عدمه لكان عين الجائز العقلي؛ لأنه هو ما يجوز فيه الوجود والعدم، وكل ماجاز وجوده وعدمه عقلًا استحال رجحان وجوده على عدمه المساويه عقلًا أزلًا بلا مرجحٍ؛ لأن العقل يوجب بقاء المساواة حتى يوجد مرجح، وإلا لزم رجحان أحد المتساويين بلا مرجح، وهو محالٌ عقلًا كاقتضائه كونهما متساويين وغير متساويين، وهو محالٌ ضرورةً، فظهر عقلًا أن كل ما جاز عدمه استحال قدمه، وكل ما وجب قدمه استحال عدمه. وأول الأفراد المتسلسلة المزعومة معدوم الآن قطعًا فهو حادث قطعًا؛ إذ لا يجوز العدم إلا على حادث، لأن ما يجوز فيه أمران -أعني الوجود والعدم- يحتاج إلى مرجح يرجح أحد الجائزين على مساويه الآخر، وإلا لبقيا متساويين، والمحتاج إلى مرجح حادثٌ؛ لأنه مسبوق بمرجحه الذي رجح وجوده على عدمه المساوي عقلًا أزلًا. فظهر بهذا البرهان العقلي أن كل ما سوى اللَّه حادث، وأن ادعاء

стр. 16

الفلاسفة قدم هيولى العالم، وأن أفرادها قديمة الجنس حادثة النوع لا يصح، لما ذكرنا من أنها إن لم يقترن درد منها بالأزل كانت حادثة، ولو اقترن فرد منها بالأزل لكان قديمًا، والقديم لا يفنى، وكلها فانية، فاتضح بطلان دعواهم. ومما استدل به بعض النظار على استحالة قدم هيولى العالم، وأنها حوادث لا أول لها: أن ذلك يلزم عليه وجود عددين لا متماثلين ولا متفاضلين؛ لأن المماثلة لا تصح؛ لكون الأفراد من اليوم إلى الأزل تشارك الأفراد من الطوفان إلى الأزل في هيولاها التي هي موادها وأصولها، وتزيد عليها بما بين اليوم والطوفان، والمفاضلة بين العددين لا تعقل؛ لأن الفرض أن كلا من العددين لا نهاية له، وما لا يتناهى لا يعقل كونه أقل من شيء؛ لأن معنى القلة مقابلة العدد القليل بقدره من أفراد العدد الكثير، وانتهاؤه مع بقاء شيءٍ من الكثير، فانتهاؤه قبله هو قلت عنه، وبقاء بعض أفراد الآخر بعده هو كثرته عنه. وربما يظهر للناظر القدح في هذا الدليل بأن يقول: أفراد الهيولى من اليوم إلى الأزل أكثر من أفرادها معتبرة من الطوفان إلى الأزل؛ لأنها لما شاركتها فيما بين الطوفان والأزل وزادت عليها بما بين اليوم والطوفان صارت أكثر منها. وقال بعضهم: هذا القدح مدفوع عند التأمل الصادق؛ لأن هذا إنما يكون إذا اعتبرنا العددين من جهة النهاية إلى جهة الأزل، وإيضاحه أن يقول: لو فرضنا أن شخصين يعدان أفراد الهيولى المزعوم تسلسلها، أحدهما يعد من اليوم إلى الأزل، والثاني يعد من الطوفان

стр. 17

إلى الأزل، فالذي يعد من الطوفان إلى الأزل لا ينتهي عدده قبل الذي يعد من اليوم إلى الأزل؛ لأن الفرض عدم النهاية، وما لا ينتهي قبل شيء لا يعقل كونه أقل منه، فثبت أن حوادث لا أول لها يلزمه وجود المحال، وما أدى إلى المحال فهو محال، مع أن قول الفلاسفة حوادث لا أول لها كلامٌ متناقضٌ؛ لأن لفظة "حوادث" جمع حادث، وهو فاعل من الحدوث الذي هو الطروء بعد عدم، وقولهم: "لا أوَّل لها" نقيض ذلك، فهو بمثابة ما لو قالوا: حوادث لا حوادث. وهو محال لاستحالة اجتماع النقيضين. وهذا الكلام كله في استحالة تسلسل تأثير بعض أفراد الهيولى في بعض، أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها بإيجاد اللَّه، فذلك لا محال فيه، ولا يلزمه محذور؛ لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا، وهو في كل لحظةٍ من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء، فالحكم عليه بأن إحداثه للحوادث له مبدأ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزًا عن الإيجاد عن ذلك. وإيضاح المقام: أنك لو فرضت تحليل زمن وجود اللَّه في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض أن ابتداء إيجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات، فإنك إن قلت: هو مقترن باللحظة الأولى. قلنا: ليس هناك أولى البتة. وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى، فإن اللَّه موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات، وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء، فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ لم يكن فعل قبله شيئًا يوهم

стр. 18

أن له مانعًا من الفعل قبل ابتداء الفعل. فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له، وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء، فجميع ما سوى اللَّه كله مخلوق حادث بعد عدم، إلا أن اللَّه لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع من الفعل عن ذلك. فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه، وكل فرد منها كائنًا ما كان فهو حادثٌ مسبوقٌ بعدم، لكن محدثه لا أول له، وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء . وكان جوابنا عن المسألة الثانية: أن الفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع ظاهرٌ، فالتكليف -عند الأصولين-: إلزام ما فيه مشقة أو كلفة. وبعضهم يقول: طلب ما فيه كلفة. وهو الخطاب المتعلق بفعل المكلف الذي هو أقسام الحكم الشرعي وهي: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة. وقيل بإخراج الإباحة منها؛ إذ لا كلفة فيها، وعلى دخولها ففي الحد مسامحة. وقيل: التكليف بالمباح من حيث اعتقاد أنه مباح تتميمًا للأقسام، وإلا فغيره كذلك. وخطاب الوضع: هو الخطاب الوارد بأن هذا الشيء مانعٌ لغيره، كالحيض للصلاة، أو سبب لغيره، كالوقت لها، أو شرط لغيره،

стр. 19

كالطهر لها، أو كون الفعل صحيحًا، أو فاسدًا. على نزاع في الصحة والفساد. وعلامة خطاب الوضع أمران: أحدهما: أن لا يكون في طوق المكلف أصلًا، كالحيض ودخول الوقت. والثاني: أن يكون في طوقه ولم يؤمر بتحصيله، كنصاب الزكاة، واستطاعة الحج. فإن من لم يكونا عنده لا يكلف تحصيلهما، كما قال في "مراقي السعود": وما وجوبه به لم يَجِبِ ... في رأي مالك وكل مذهبِ فمعنى خطاب الوضع: أن اللَّه جل وعلا وضع المنع من الصلاة عند حصول الحيض، ووضع وجوب الصلاة عند دخول الوقت مثلًا، وهكذا. . . ثم ذهبنا من قرية "تامشكط" قبيل غروب الشمس، ونحن على جمالنا في أخريات جمادى الأخيرة، وشيعنا جل من فيها من الأكابر، وودعونا، وقَدَّمَ لنا وقت الوداع العالم الأديب واللوذعي الأريب الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن جدة بن خليفة القلاوى أبياتًا، وهي هذه: مني إلى المعهود ذي الفتح الجلي ... درع الكماة إذا التقت في الجحفل مَن كَعَّ صَوْبُ المزن عن إروائه ... وانحط في المعقول عنه الدؤلي هذا وإنا حامدون لوصلكم ... ولكم علينا المستناخ النوفلي

стр. 20

ثم سرنا متوجهين تلقاء قرية "العيون" والعيون التي تسمى بها القرية عيون متعددة متفجرة من جبال هناك، ويقال لها باللسان الدارجي: "عيون العتروس" وهو بلسانهم الدارجي "التيس"، ويقال لها أيضًا: "عيون المكفى" بكاف معقودة قبل الفاء. فوصلناها في ليال قلائل، فقابلنا من فيها من الفضلاء باللائق من الإكرام والتبجيل، وبالغ في إكرامنا قاضيها، مع هدية سنية، وأخلاق مدنية، وسألنا عن الكاغد المتعامل به في نواحي البلاد التي تحت أيدي فرنسا، هل يجوز سَلَمُه في فلوس النحاس المتعامل بها أيضًا عندهم في مذهب الإمام مالك رحمه اللَّه تعالى، أم لا؟ فكان جوابنا أن قلنا له: لا يجوز ذلك في مذهب مالك. فطلب منا دليل المنع، فقلنا له: للمنع ثلاثة أوجه: الأول: أن فلوس النحاس لا توجد غالبًا في الأماكن التي وقع فيها السؤال، والمُسْلَمُ فيه يشترط وجوده غالبًا عند الحلول في البلد المعين لقبضه، أو بلد العقد إن لم يعين للقبض محل. قال خليل في "مختصره" في عدة شروط السَّلَم: "ووجوده عند حلوله". الوجه الثاني: أنهم لم يسوُّوا بين العين وبين فلوس النحاس، فلا يُسْلَمُ عندهم دينار ولا درهم في فلوس نحاس، مع أن العين بنوعيها مباينة لفلوس النحاس، فالنسبة التي بين النحاس وبين الذهب أو الفضة التباين، وهم ذكروا منع سلم أحدهما في الآخر نظرًا لاتحاد منفعتهما، واتحاد المنفعة عندهم موجب لمنع السلم؛ لأن الشيئين المتحدي المنفعة عندهم في باب السلم كالشيء الواحد، وإن اختلفا بالذات

стр. 21

والحقيقة. وإن تقاربت منفعتهما ولم تتحد ففيهما في مذهب مالك خلاف. والمشهور أن التقارب في المنفعة لا يمنع السلم، ولا يجعلهما كالشيء الواحد، كما قال خليل في "مختصره": "ولو تقاربت المنفعة" وقد قال في الترجمة: "وبـ "لو" إلى خلاف مذهبي". وفلوس النحاس والكاغد المتعامل بهما في بلاد السؤال من أفريقية الفرنسية منفعتهما متحدة من كل وجهٍ، إذ لا نفع في أحدهما إلا برواجه بتعهد الحكومة بأن من دلمحعه يعطى كذا، فنحاس الفلوس في بلد السؤال لا يصلح لشيء من أنواع الصناعات البتة، ولا نفع فيها إلا التعامل الواقع به، وكذلك الكاغد. والوجه الثالث: المنع لأجل التهمة؛ لأن أكثر الناس في محل السؤال إذا أفتاهم بعض العلماء بأن الكاغد المتعامل به لا يجوز سَلَم شيءٍ منه في أكثر منه من جنسه؛ لأن الشيء في مثله قرض عند المالكية، فيؤول إلى القرض بزيادةٍ، وهو حرام، يتحيلون إلى سلم كاغد في كاغدين بأن يسمّوا المُسْلَمَ فيه نحاسًا، ثم إذا حل الأجل لا يأخذون إلا نفس الكاغد؛ لأنه هو قصدهم، وتسميتهم النحاس تحيل بالظاهر للتوصل إلى باطن حرام. والشيء إذا كثر قصد الناس لباطنه الحرام متوسلين له بظاهره المباح، يحرم عند مالك، قال خليل في "مختصره": "ومنع للتهمة ما كثر قصده". والحاصل أن الإمام مالكًا يوجب سد الذريعة الوسطى.

стр. 22

وإيضاحه أن الذريعة عند العلماء واسطة وطرفان، طرف يجب سده بإجماع العلماء، وطرف لا يجب سده بإجماع العلماء، وواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وسدها أصل من أصول مذهب الإمام مالك ﵀. فالطرف الذي يجب سده إجماعًا كتحريم سب الأصنام إذا كان عابدوها يسبون اللَّه بسبب سب المسلمين أصنامهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٨]، وكحفر الآبار في طرق المسلمين الذي هو وسيلة ترديهم فيها. والطرف الذي لا يجب سده إجماعًا كغرس شجر العنب الذي هو وسيلة لعصر الخمر منه الذي هو وسيلة لشربها المحرم، وكمساكنة الرجال والنساء في قربة واحدة التي هي وسيلة الزنى. وضابطه أن تكون المصلحة أقرب والفساد أبعد، أو تكون المصلحة راجحة على الفساد، كفداء أسارى المسلمين بسلاح لا تقوى به شوكة الكفار قوة تضر المسلمين، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: وبالكراهة وندب وردا ... وألغ إن يك الفساد أبعدا أو رجح الإصلاح كالأسارى ... تفدى بما ينفع للنصارى وانظر تدلي دوالي العنب ... في كل مشرق وكل مغرب والذريعة الوسطى التي هي محل الخلاف بين العلماء ضابطها أن

стр. 23

يكون الأمر حلالًا في ظاهر الأمر إلا أن الناس يقصدون بظاهره الحلال التوسل إلى باطن حرام. ومذهب مالك تحريم ذلك حسمًا للمادة وسدًّا للذريعة. مثال ذلك: ما لو بعت سلعة بثمن لأجل، ثم اشتريتها بعينها بثمن أقل من الأول نقدًا أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول، أو اشتريتها بثمن أكثر من الأول لأجلٍ أبعد من الأجل الأول. فالشراء الثاني مباح في الظاهر إذ لا موجب لمنعه ظاهرًا، لكن يمكن التوسل به إلى باطن حرام، فمنعه مالك رحمه اللَّه تعالى حسمًا للمادة وسدًّا للذريعة؛ لأن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤول الأمر إلى أنك دفعت دراهم فأخذت عنها بعد ذلك أكثر منها، أو أخذت دراهم فدفعت عنها بعد ذلك أكثر منها، وكل ذلك حرام عند مالك، وإن سمي بيعًا في الظاهر؛ لأن الشيء في مثله عند المالكية قرض، وإن سمي بيعًا أو سَلَمًا؛ لأن العبرة عندهم بالحقيقة لا بالعنوان، فالحقائق لا تتغير بتغير عناوينها. ومثل هذه البيوع المحرمة عند المالكية المسماة في اصطلاحهم الخاص بهم "بيوع الآجال" جائزة كلها عند الإمام الشافعي ﵀، وكثير من العلماء، لأنهم لا يوجبون سد الذريعة الوسطى التي بيناها، وسَدُّها أصل من أصول مذهب مالك ﵀. قال في "مراقي السعود": سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم

стр. 24

وبالكراهة وندب وردا ... . . . . . . . . . .. . ومن الأصول الدالة على سد الذرائع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٨]، وقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يشتم الرجل والديه، قال: "نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ . فتراه صلوات اللَّه عليه وسلامه جعل ذريعة السب سبًّا، وهو دليل على أن وسيلة الحرام حرام؛ لأن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فهم يسمون فلوس النحاس تحيُّلًا عند العقد، ليأخذوا بعد ذلك عند الحلول "فِرَنكيْنِ" عن واحد، والجميع ورق. ومالك لا يجوز عنده سَلَمُ شيءٍ في أكثر منه من جنسه، وإن جاز عند الشافعي وغيره. وكنا أيامنا في قرية "العيون" نازلين عند أمير أولاد الناصر عثمان بن الحبيب الناصري، واجتمع علينا تجار من قبيلتنا الجكنيين، وأسدوا إلينا صنائع الإحسان. ثم ارتحلنا من قرية "العيون" أثناء رجب الفرد قاصدين قرية "تنبدقة" المعروفة على لسان الأفرنج "بتنبدره"، ورفع تجارنا الذين هم في قرية "العيون" إلى قاضي "تنحدقة" برقية بتوجهنا إلى "تنبدقة"، وأنَّا سننزل في ضيافته، فخرجنا من قرية "العيون" وقت الضحى، يشيعنا جل من فيها من الفضلاء، وودعنا ثَمَّ صديقنا ابن الأمراء الرئيس وأنيس

стр. 25

الجليس محمد بن عثمان العيشى حفظنا اللَّه وإياه من حوادث الزمان، وأهدى لنا جملًا ذلولًا، وكان افتراق ركبينا في شهر اللَّه رجب الفرد، فتذكرت قول مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني: ما مَرَّ بي رجب إلا نعمت به ... يا حبذا رجب لو دام لي رجب فذهبنا على جمالنا قاصدين قرية "تنبدقة" فوصلناها بعد ليال قلائل، فوجدنا قاضيها في انتظارنا، لأجل البرقية التي رفعت إليه بخبرنا، وهو العالم الأديب واللوذعي الأريب المحفوظ بحابيه المسومي، فأقمنا عنده أيامنا في غاية التبجيل والإعظام والإحسان والإكرام، وكثرت بيننا المذاكرات في كثير من فنون العلم، ومما دار في أثناء تلك المذكرات أن قال هو: النص الفلاني منسوخ بالإجماع. فقلت له: الإجماع لا يجوز النسخ به شرعًا . قال: وَلِمَ؟ قلت: لأن المنسوخ إما كتابٌ وإما سنةٌ، والإجماع لا ينسخ واحدًا منهما؛ لأن الإجماع لا يعتبر إلا بعد وفاة نبينا صلوات اللَّه عليه وسلامه؛ لأنه ما دام حيًا فالعبرة بقوله ﷺ ، لأن قوله حجة على كل أحد، وليس قول أحدٍ حجةٌ عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولذا لابد في حد الإجماع من القيد بقولهم: من بعد وفاته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. قال في "مراقي السعود" في حدّ الإِجماع: وهو الاتفاق من مجتهدي ... الأمة من بعد وفاة أحمد وإذا حققت أن الإجماع لا يعتبر إلا بعد وفاته صلى اللَّه عليه وآله

стр. 26

وسلم، فبعد وفاته لا يصح النسخ بحال؛ لأنه تشريع جديد، وهو صلوات اللَّه وسلامه عليه لا مشرع بعده، بل لم يبق بعده إلَّا اتباع ما جاء به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فظهر منع النسخ بالإجماع. قال في "مراقي السعود": فلم يكن بالعقل أو مجرد ... الإِجماع بل ينمى إلى المستند ومعنى قوله: "بل ينمى إلى المستند" أنك إذا وجدت في كلامهم: هذا الحكم منسوخ بالإجماع فإنهم يعنون كونه منسوخًا بالنص الذي هو مستند الإجماع؛ إذ لابد للمجمعين من مستند من كتاب أو سنة، وذلك المستند هو الناسخ لا الإجماع نفسه، لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وحينئذٍ فلا نسخ لأنه تشريع جديد. ثم قال لنا القاضي المذكور: ما الحكمة في النسخ، هل هي التخفيف ، أو لا؟ فقلت له: لا، لجواز نسخ الأخف بالأثقل. قال في "مراقي السعود": * ويُنْسَخُ الخِفُّ بما له ثِقَل * ومنه نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤] بإيجاب الصوم المدلول عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، والتخيير بين الصوم والإطعام أخف من إيجاب الصوم. وقيل في آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أنها محكمة، وتقدَّر: "لا

стр. 27

يطيقونه" (١) فيكون المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه كالهَرِم والزَّمِن فدية طعام مسكين. والجمهور على القول بأنها منسوخة، والناسخ فيها أثقل من المنسوخ. ومن نسخ الأخف بالأثقل نسخ حبس الزواني في البيوت المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء/ ١٥] بالجلد والرجم المدلول على الأول منهما بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢]، وعلى الثاني بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم). والناسخ الذي هو الجلد والرجم أثقل من المنسوخ الذي هو الحبس في البيوت. قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: كون حبس الزواني في البيوت منسوخًا بالجلد والرجم ذهب إليه كثيرٌ من أجلاء العلماء، والذي يظهر أن تسمية ذلك نسخًا فيه نظر، بل هو خطأٌ؛ لأن الحبس في البيوت كان مغيًّا بغاية هي جعل اللَّه لهن سبيلًا، كما يدل عليه قوله ﷺ : "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث، وكما هو صريح الآية الكريمة؛ لأن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ غاية لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، فالإمساك في البيوت نص جل وعلا على أن له غاية ينتهي إليها، وهي

стр. 28

أحد أمرين: الموت أو جعل اللَّه لهن سبيلًا. وقد وجد أحد الأمرين وهو جعل اللَّه لهن السبيل، وقد تقرر عند الأصوليين أن الغاية من المخصصات المتصلة، فالكف عن الصيام عند مجيء الليل مثلًا المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة/ ١٨٧] ليس ناسخًا لصوم النهار، بل الصوم مغيًّا بغاية هي النهار ينتهى بانتهائها. وإذ بان لك مما ذى نا أولًا أن الأخف ينسخ بما هو أثقل منه كما عليه جمهور العلماء، ظهر أن حكمة النسخ ليست هي التخفيف. وقد أورد بعض العلماء على ما ذكرنا من جواز نسخ الأخف بالأثقل إشكالًا قويًّا، وهو أن اللَّه جل وعلا يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]. قال: فإن كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فيه امتنع نسخ الأثقل بالأخف؛ لأنه ليس خيرًا منه ولا مثله، مع أنه جائز وواقع، كنسخ قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران/ ١٠٢] بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]، ونسخ قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ٢٨٤] بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦]، وكنسخ الاعتداد بحول بأربعة أشهر وعشرًا. والناسخ في الجميع أخف من المنسوخ. وإن كان الأخف خيرًا لسهولته، امتنع نسخه بالأثقل؛ لأنه ليس خيرًا منه ولا مثله، مع أنه جائز واقع كما قدمنا. قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: لم نر من العلماء من شفى

стр. 29

الغليل في رفع هذا الإشكال، والذي يظهر لنا أن الخيرية تارةً تكون بالتخفيف، وتارةً تكون بالتثقيل، فاللَّه جل وعلا ينسخ الأخف بالأثقل لكثرة الأجر، وينسخ الأثقل بالأخف إذا عسر امتثال الأثقل رحمةً وتخفيفًا، كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. وإيضاحه بمثاله: أن قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ٢٨٤] لو لم ينسخه اللَّه تعالى بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] لما نجا من ذلك الحساب أحدٌ؛ لأن ما يخطر في القلوب يعسر التحرز منه جدًّا، فلو استمر تكليفنا بما يخطر في قلوبنا لعسر علينا جدًّا تجنبه ووقعنا في المعصية لا محالة؛ لعسر اجتناب هذا المنهي، وكذلك اتقاؤه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لو لم ينسخ بقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦] لما قدرنا على الامتثال. فالتخفيف عنَّا به خير لنا، إذ لولاه لوقعنا في المعصية لعسر الاجتناب. وأما نسخ التخيير بالصوم مثلًا، فلكثرة أجر الصوم، فهو خيرٌ لكثرة أجره، وعامة الناس يقدرون على القيام به من غير تعسر مفرط يكون سببًا لانتهاك الحرمة، وإذا وجد سبب التعسر كالسفر والمرض رفع ذلك التعسر برخصة الإفطار. والتحقيق في حكمة النسخ أن اللَّه جل وعلا ينيط الحكم والمصالح بالتكليف، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت

стр. 30

حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن، فالمنسوخ وقت العمل به كانت فيه الحكمة والمصلحة، والناسخ هو المشتمل على الحكمة والمصلحة وقت النسخ، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل/ ١٠١]، وكما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]. فإن قيل: يزول بهذا التحقيق الإشكال في قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لكن يبقى الإشكال في قوله ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]. ووجهه أن الأمر الجديد الذي هو الناسخ إذا كان مماثلًا للأول الذي هو المنسوخ، فأيُّ حكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله. فالجواب: أن الناسخ -وإن كان مثل المنسوخ في حدّ ذاته- لابد أن يكون مستلزمًا لحكمةٍ خارجة عن ذاته، فيكون باعتبار ذاته مماثلًا للمنسوخ، وباعتبار الحكمة اللازمة لذاته الخارجة عنها فيه فائدة ليست في المنسوخ، فيكون مماثلًا للمنسوخ من جهة؛ وخيرًا منه من جهةٍ أخرى. وإيضاحه بمثاله: أنهم مثلوا لقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت اللَّه الحرام، وهما جهتان كلتاهما تماثل الأخرى، ولا فرق بينهما في حد ذاتيهما، إلا أن الناسخ الذي هو استقبال بيت اللَّه الحرام يستلزم حكمة بالغة، وهي دفع حجة اليهود وحجة المشركين على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. فاليهود يحتجون عليه بقولهم: "تعيب ديننا وتصلي لقبلتنا"، ويحتجون أيضًا بأن عندهم في كتابهم أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم

стр. 31

يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يحول إلى بيت اللَّه الحرام. فلو لم يحول إليه لقالوا: لست النبي الموعود، لأنه يحول إلى بيت اللَّه الحرام وأنت لم تحول إليه. والمشركون يقولون: تدَّعي أنك على ملة إبراهيم وتصلي لغير قبلته؟ ! فاستقبال بيت اللَّه الحرام يدفع هذه الحجج. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة/ ١٤٩ - ١٥٠]. فقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ دليلٌ على أن الناسخ مستلزم لحكمة لم تكن في المنسوخ، وإن كانا متماثلين في ذاتيهما. والحكمة في استقبال بيت المقدس أولا هي تمييز قوي الإيمان من ضعيفه، وقت النسخ، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة/ ١٤٣]. فالحاصل أن التحقيق في حكمة النسخ إناطة الحكم والمصالح بالأحكام. وقال بعض العلماء: ومن الحكمة في النسخ الامتحان بكمال

стр. 32

الانقياد والاستسلام، فإن المكلف إذا أمره ربه بأمر فامتثله، ثم أمره بنقيض ذلك الأمر فامتثله أيضًا، كان ذلك دليلًا على كمال انقياده واستسلامه لمولاه جل وعلا. انتهى. ثم دارت المذاكرة بيني وبين قاضي "تنبدقة" -وهو المحفوظ بن بيه المذكور- في الكلام على الأختين، هل جمعهما في التسري بملك اليمين جائزٌ، أم لا؟ فقلت له: إني سألني قبل ذلك المرحوم الأمير ابن الأمراء محمد محمود بن سيد المختار الحاجي ﵀ عن الأختين بملك اليمين، هل يجوز التسري بهما، أو لا؟ وما النصوص الدالة على حكم التسري بهما معًا من كتاب أو سنة؟ فأجبته وأوردت جوابي له لقاضي "تنبدقة" وفيه مقنع في حكم وطء الأختين بملك اليمين. وحاصله أن الأختين بعقدِ نكاحٍ جَمْعُهما حرامٌ بإجماع العلماء، ووطؤهما معًا بملك اليمين حرامٌ عند جميع العلماء، إلا طائفة قليلة، وهي داود بن علي الظاهري ومن تبعه. وما هو شائعٌ من نسبة القول بجوازه إلى الإمام أحمد ﵀ لا يصح. أما دليل جمهور العلماء على منع وطء الأختين بملك اليمين فهو قوله تعالى عاطفًا على ما يحرم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣]، وقوله: ﴿الْأُخْتَيْنِ﴾ محلى بـ "أل"، والمحلى بها مفردًا أو تثنية أو جمعًا يعم عند جمهور الأصوليين ما لم يحقق كونها عهدية. قال في "مراقي السعود" عاطفًا على صيغ العموم:

стр. 33

. . . . . ... وما معرفًا بأل قد وجدا أو بإضافة إلى معرف ... إذا تحقق الخصوص قد نُفِي وعموم المعرف بـ "أل" هو مذهب مالك، كما عزاه له القرافي. وقد احتج مالك على من قال: إن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد نبيٍّ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة/ ١٨٧]. قال زكريا: وإنما كان المعرف بقسميه للعموم لتبادره منه إلى الذهن، والتبادر علامه الحقيقة. وهذا مذهب أكثر أهل الأصول، فلا عبرة بقول أبي هاشم من المعتزلة: إن المعرف بـ "أل" لا يعم مطلقًا احتمل عهدًا أم لا، فهو عنده للجنس الصادق ببعض الأفراد. ولا بقول إمام الحرمين: لا يعم إن احتمل عهدًا. ولا بقوله وقول الغزالي: لا يعم إذا لم يكن واحده بالتاء، كالماء. زاد الغزالي: أو تميَّز (١) واحده بالوحدة، كالرجل إذ يقال: رجل واحد، فهو في ذلك للجنس الصادق بالبعض ما لم تقم قرينةٌ على العموم، نحو الدينار خير من الدرهم، لأن كل دينار خير من كل درهم. وإنما قلنا: لا عبرة بقول من ذكر، لأنه خلاف قول الجمهور. وإذا حققت أن الجمهور على أن المعرف بـ "أل" يحمل على العموم إلا لدليل يدل على الخصوص، فقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] محلى بـ "أل"، فهو يعم جمعهما بنكاح وملك

стр. 34

يمين. وما ذهب إليه داود بن علي الظاهري من الإباحة استدل عليه بايتين من القرآن العظيم، إحداهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون/ ٥ - ٦] في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وسورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، والآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]؛ إذ تقرر عند الأصوليين أن المخصص المتصل كالاستثناء إذا جيء به بعد جمل متعاطفة يرجع لجميعها، وهو الجاري على أصول مالك والشافعي وأحمد رحمة اللَّه عليهم؛ فلو قال إنسان: "هذه الدار حَبْسٌ على الفقراء، وبني زهرة، وبني تميم، إلا الفاسق منهم" خرج الفاسق من الجميع، لرجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة في أصول الأئمة الثلاثة، خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط. قال في "مراقي السعود": وكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلًّا يقفو دون دليل العقل أو ذي السمع ... . . . . . . . . . . . . فبهذا الأصل المقرر الذي هو رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة استدل داود بن علي الظاهري على جواز جمع الأختين بملك اليمين من قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]، فإنه جعل الاستثناء الذي هو: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ راجعًا لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] كرجوعه لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء/

стр. 35

٢٤]، فيكون المعنى: وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ملكت أيمانكم، أي فلا يحرم الجمع فيه بين الأختين. ووجه استدلال داود بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون/ ٥ - ٦] أن لفظة "ما" من صيغ العموم، سواء كانت شرطية أو موصولة أو استفهامية. قال في "مراقي السعود" عاطفًا على صيغ العموم: أين وحيثما ومَنْ أيٌّ وما ... شرطًا ووصلًا وسؤالًا أفهما فقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣] يقتضي بعمومه كانتا أختين أم لا؛ للشمول المدلول عليه بما الموصولة. وقد تقرر عن عثمان ﵁ أنه قال: "أحلتهما آية وحرمتهما أخرى". يعني بالآية المحللة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون/ ٥ - ٧، المعارج/ ٢٩ - ٣١]، فقد رفع تعالى الملامة عمن لم يحفظ فرجه عن ملك يمينه، وأطلق، وجعل العداء فيما وراء ذلك، وأطلق. ويعني بالآية المحرمة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣]. وقد كان مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه أيام درسه لفن أصول الفقه يشكل عليه جواب الجمهور عن استدلال الظاهرية بالآيتين المذكورتين على إباحة جمع الأختين بملك اليمين، ولم يزل يبحث عنه حتى حرر الجواب المقنع عن الاستدلال بهما.

стр. 36

وحاصل تحرير المقام فيهما هو ما ستراه: أما في آية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٥ - ٦، المعارج/ ٢٩ - ٣٠] فإن بين قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبين قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ عمومًا وخصوصًا من وجهٍ يحصل التعارض بينهما في جمع الأختين بملك اليمين بحسب ما يظهر للناظر، وإلا فالقرآن ما نزل ليضرب بعضه بعضًا، ولا ليكذبه، بل نزل ليوافق بعضه بعضًا ويصدقه. وقد تقرر عند الأصوليين أن النصين إذا كان بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ تعارضا في الصورة التي يجتمعان فيها، ووجب المصير إلى الترجيح، فإن رجّح أحدهما وجب العمل به إجماعًا. قال في "مراقي السعود": وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر والعمل بالراجح إذا كان رجحانه قطعيًّا لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا إذا كان ظنيًّا عند الجميع، إلا القاضي أبا بكر من المالكية، فالراجح رجحانًا ظنيًّا لا يجب العمل به عنده. قال في "مراقي السعود": وعملٌ به أباه القاضي ... إذا به الظن يكون القاضي وهو محجوج بالإجماع. فإذا حققت ذلك فاعلم أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ أرجح من عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من أربعة أوجه كلها كاف وحده

стр. 37

في الترجيح: الأول: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل القضية لإبانة الحكم؛ لأن السورة "سورة النساء" والمحل محل ذكر المحرمات منهن، حيث قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وأما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] فمساق الآية في ذكر صفات المتقين، فذكر منها حفظ الفرج، ولمَّا ذكره منها ذكر أنه لا يلزم في الزوجة والسرية. وقد تقرر عند الأصوليين أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها. الوجه الثاني: أن ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] ليس باقيًا على عمومه، بل هو عام مخصوص بإجماع العلماء؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا؛ لأن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ بلا خلاف، وكذلك موطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعًا؛ لأن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء/ ٢٢] بإجماع العلماء. والعام الذي لم يدخله تخصيص مقدم على العام الذي دخله تخصيص عند المحققين من الأصوليين. وإن قال طائفة من الأصوليين بترجيح العام الذي دخله تخصيص، كما أشار لذلك الخلاف في "مراقي السعود" في المرجحات بقوله: تقديم ما خُصَّ على ما لم يُخَصّ ... وعكسه كلٌّ أتى عليه نص

стр. 38

والتحقيق أن العام الذي لم يدخله تخصيص مقدم على العام الذي دخله تخصيص؛ لأن العام الذي دخله تخصيص إذا كان عامًّا مرادًا به الخصوص فهو مجاز عند القائلين بالمجاز في القرآن قولًا واحدًا، وإن كان عامًا مخصوصًا فهو مجاز عند بعضهم، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: والثانيَ اعْزُ للمجاز جزما ... وذاك للأصل وفرعٍ يُنْمَى والعام الذي لم يدخله تخصيص حقيقةٌ قولًا واحدًا، وما هو حقيقة بالاتفاق أولى بالاعتبار مما قيل فيه: إنه مجاز. الثالث: أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ جيء به في معرض مدح المتقي، والعام الوارد في مدح أو ذم اختلف فيه الأصوليون، هل يكون عامًّا، أم لا؟ وإن كان جل الأصوليين على أنه على عمومه، وأن وروده في معرض المدح أو الذم لا يجعله خاصًا، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: وما أتى للمدح أو للذم ... يعم عند جل أهل العلم وكون العام الذي سيق لمدح أو ذم يجعله ذلك خاصًا، عزاه غير واحد للشافعي؛ لأنه سيق لقصد المبالغة في الحث أو الزجر، ولهذا منع التمسك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة/ ٣٤] الآية في وجوب زكاة الحلي. فالعام الذي لم يرد لمدح ولا ذم مجمع على عمومه، والوارد لمدح أو ذم مختلف فيه، والمجمع عليه أولى من المختلف فيه.

стр. 39

الوجه الرابع: أنا لو سلمنا أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] يقاوم عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] كما روي عن عثمان ﵁، فالأصل في الفروج التحريم حتى يدل دليل جازم سالم من المعارض على الإباحة، إذ لا يجوز الإقدام على فرج مشكوك في حلِّيته كما هو ظاهر. فهذه الأوجه الأربعة التي بيّنا، يظهر بها رد استدلال الظاهرية بهذه الآية الكريمة على جمع الأختين في الوطء بملك اليمين. وأما الجواب عن استدلالهم بالآية الثانية التي هي ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤] فهو ما حققه بعض المتأخرين من الأصوليين، كابن الحاجب والآمدي والغزالي، وهو أن الاستثناء الآتي بعد جمل متعاطفة الحكم فيه الوقف، وألا يحكم برجوعه إلى الجميع ولا إلى الأخيرة فقط إلا بدليل منفصل، فالاستثناء بمجرده ليس بنص في الرجوع إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة. وإنما قلنا بأن هذا المذهب هو التحقيق لشهادة القرآن العظيم له في آيات كثيرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء/ ٩٢] فالاستثناء راجع للدية لسقوطها بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولًا واحدا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور/ ٥٤] فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾؛ لأن القاذف إذا تاب لا تُسْقِطُ عنه توبتُه

стр. 40

حدَّ القذف، ولا يرجع الاستثناء في الآية عند الإمام أبي حنيفة ﵀ لقبول الشهادة جريًا على أصله من رجوعه للجملة الأخيرة فقط. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء/ ٨٩ - ٩٠] الآية. فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ لا يرجع قولًا واحدًا للجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل إليه التي هي قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ إذ لا يجوز اتخاذ وليٍّ ولا نصير من الكفار ولو وصلوا إلى قومِ بينكم وبينهم ميثاق. بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء/ ٨٩]. والمعنى: فخذوهم واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فليس لكم أخذهم بأسر ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم وقتلهم، كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي ﵌؛ لأن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر. ولا يرجع الاستثناء لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ لأن اتخاذ وليٍّ أو نصير من الكفار ممنوع مطلقًا لا يُستثنى منه شيءٌ. وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع للجملة التي هي أقرب الجمل منه فلا يكون نصًا في الرجوع لغيرها بالأحرى. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء/ ٨٣] فالاستثناء غير راجع
следующие страницы →