← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 292

رحلة الحج إلى بيت الله الحرام

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (322 стр.). Показаны 316–322 · переход к 321.

стр. 316

مالي، وهو أداء نجوم الكتابة في الأولى، وبيع العبد في الثانية. والثاني: غير مالي، وهو العتق في كل منهما؛ لأن أداء نجوم الكتابة الذي صحت الشهادة المذكورة به يلزمه خروج المكاتب حرًّا، وكذلك بيع العبد ممن يعتق عليه يلزمه عتقُه. والمالكية يثبتون الجميعَ الماليَّ وغيرَه بشهادة الرجل والمرأتين، وكذلك بشهادة الرجل والمرأتين على بيع الأمة من زوجها، فإنها تتعلق بأمرين: أحدهما: مالي، وهو بيع الأمة للزوج. والثاني: غير مالي، وهو فسخ نكاحها اللازم لملك الزوج لها بالشراء. والمالكية يثبتون الجميع بشهادة الرجل والمرأتين. فأي وجه للفرق بين ما أثبتوا فيه المالي دون غيره، وبين ما أثبتوا فيه الجميع؟ هذا هو وجه الاعتراض الثاني. وإيضاح الجواب عنه: أن الضمان والقطع لا ملازمة بينهما، فوجود الضمان لا يستدعي القطع حتى لا يتم إلا به، فالغاصب ضامن ولا قطع عليه، والسارق من غير حرز ضامن ولا قطع عليه، والسارق أقل من نصابٍ ضامن ولا قطع عليه، فظهر انفكاك الربط بين الضمان والقطع، بخلاف الكتابة وأخواتها. فأداء نجوم الكتابة يلزمه عتق المكاتب لزومًا لا يتخلف ولا ينفك، وكذلك بيع العبد لمن يعتق عليه يلزمه عتقه، وكذلك بيع الأمة لزوجها يلزمه فسخ نكاحها. فظهر الفرق، وبظهوره يظهر دفع الاعتراض المذكور. والعلم عند اللَّه.

стр. 317

ثم سافرنا من "مكة المكرمة" وبعد أن اعتمرنا من التنعيم، وطفنا وقت السفر طواف الوداع، ودعونا اللَّه ألا يجعل ذلك آخر عهدنا ببيته الحرام، فنزلنا "جدة" في البيت الذي نزلنا فيه أول نزولنا بـ "جدة" من الباخرة، وبتنا في "جدة" ليلة واحدة، وسافرنا منها بعد صلاة العصر متوجهين إلى "المدينة" فركبنا في سيارة، ومالكها معنا فيها، وهو يحفظ القرآن العظيم، وعرض علينا في الطريق أجزاء عديدة من القرآن، ولا بأس بقرائته وحفظه، وقد ضاع علينا اسمه قبل تقييده، فوقفت بنا قليلًا بعد المغرب في محطة اسمها "ذهبان"، ثم مرت بنا على محطة اسمها "تول" ووقفت فيها قليلًا، ثم سارت بنا، فقدمنا على البلد المعروف بـ "رابغ" فسألتهم عن موضع يسمى "عزور" هل يعرفونه؟ فأخبرني بعض أهل "رابغ" أنه معروفٌ عندهم الآن، ويقولون له باللسان الدارجي: "عزورة" وأراني حرَّةً زعم أنها عند الموضع المذكور. وسبب سؤالي لهم عن "عزور" المذكور أني تذكرته بسبب ذكر عمر بن أبي ربيعة المخزومي له غير بعيد من "رابغ" في شعره حيث يقول: فلما أجزنا الميل من بطن رابغ ... بدت نارها قمراء للمتنور ولما أضاء الفجر عنا بدا لنا ... ذرى النخل والقصرالذي دون عزْوَر ووجدنا في "رابغ" غالب الطعام الموجود لحم السمك. ثم ذهبنا في تلك الليلة من "رابغ"، وبعد ظرفٍ قليلٍ من الزمن صعدت بنا السيارة جبلًا عبدت فيه الطريق للسيارات، فقال لنا صاحب السيارة: هذا الجبل اسمه "هرشى" فتذكرت قول الشاعر وتمثلت به:

стр. 318

خذا بطن هرشى أوقفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق وأخبرتهم أنه يروى عن بدوي من الأعراب أنه قرأ سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ " فقالو اله: قدمت المؤخر وأخرت المقدم فقال له: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق يعني أن تقديم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ وتأخيره سواء، وإنما قال ذلك لجهله وجفائه. ثم عرسنا آخر الليل بين جبال كثيرة، وأخذنا هجعة لنستريح، ما استيقظنا حتى اتضح الصبح فتوضأنا وصلينا الرغيبة، وفرض الفجر، وركبنا ومررنا بمحطات متعددة، وما مكثنا في شيء منها حتى ارتفعت الشمس، وتمكن وقت الضحى، فجئنا محطة تسمى "مسيجيد"، فَقِلْنَا فيها، وصلينا فيها الظهر والعصر، وركبنا منها بعد صلاة العصر، ومررنا قبل وقت المغرب بمحطة تسمى "الفريش" وما وقفنا فيها، وصلينا المغرب في خلاء من الأرض. ولما كنا غير بعيد من "ذي الحليفة" وهو المعروف الآن "بآبار علي" حصل للسيارة عائق منعها من السير حتى تمكن وقت صلاة العشاء، ثم خلصت منه فركبنا فيها، فقدمت بنا المدينة المنورة بعد صلاة العشاء، ووقفت بنا في مناخة المدينة المعروفة، فوجدنا الحرم النبوي قد غلقت أبوابه، وانصرف الناس عنه على العادة من إغلاقه بعد

стр. 319

صلاة العشاء إلى آخر الليل. فنزلنا عند أخينا الأستاذ الشيخ محمد عبد اللَّه بن آدُ، فتلقانا بالبشر والترحيب والسرور، ولم ندرك ذلك اليوم صلاة الصبح مع الجماعة، لأنا لم نستيقظ من شدة تعب السفر حتى ضاق الوقت، فصلينا الرغيبة وفرض الصبح في محلنا لضيق الوقت، ثم لما ارتفعت الشمس وحل النفل ذهبنا إلى الحرم النبوي فدخلنا مسجد النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من باب "الرحمة"، وقلنا عند دخوله: أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك؛ وصلينا في الروضة ركعتين، ثم ذهبنا إلى المواجهة للسلام على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه ﵄، وسألنا اللَّه له الوسيلة، وأن يجازيه عنا خير ما جازى به نبيًا عن أمته. وصلينا عليه وسلمنا أيضًا على صاحبيه، وعند سلامنا عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم خطر في قلوبنا حديث أبي هريرة الذي أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "ما من أحد يسلم علي إلا رد اللَّه روحي حتى أرد ﵇" فقلنا في أنفسنا: هذه مزية عظيمة ينالها من سلم عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وهي أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يرد ﵇، ومعلومٌ أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يرد إلا بمثل التحية أو بأحسن منها، لأن اللَّه أنزل عليه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء/ ٨٦]. وكان سلامنا عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم "السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته" كما روي عن إمامنا مالك ﵀ أنه كان سلامه.

стр. 320

فقلنا في أنفسنا: إذا كان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يرد علينا السلام والرحمة والبركة فهذا أمر عظيم. ولما خطر في قلوبنا أن هذا الأمر مزية يختص بها من سلَّم على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم حالة القرب من قبره صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، كما فهمه العلماء من حديث أبي هريرة المذكور = تذكرنا في ذلك الموضوع النص الدالَّ أن هذه الفضيلة لا يختص بها من سلَّم عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من قرب، بل دلَّ النص على أن الصلاة والسلام عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في أي ناحيةٍ من مشارق الأرض ومغاربها تحصل بكل منها فضيلة أكبر، وأعظم من المزية المذكورة. وبيان ذلك أن من صلى على نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم مرةً واحدةً صلى اللَّه بها عشرًا، ومن سلم عليه مرةً واحدةً سلّم اللَّه عليه بها عشرًا، ولا يخفى أن صلاة اللَّه وسلامه عشر مرات على من سلّم على خير الخلائق وصلى اللَّه عليه صلوات اللَّه وسلامه عليه تترى إلى يوم القيامة أكبر وأعظم من رد النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم على ذلك المسلِّم، ولا نزاع في أن سلام اللَّه تعالى أعظم من سلام النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. فاتضح أن فضائل الصلاة والسلام عليه، وسائر أنواع طاعته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا تختص بمكانٍ لا زمانٍ؛ لأنها فضائل منتشرة عامة؛ لعموم الفضل الذي أكرم اللَّه به هذه الأمة على يد نبيها صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، نسأل اللَّه له الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة

стр. 321

والمقام المحمود الذي وعده إنه لا يخلف الميعاد، وأن يجزيه عنا خير ما جازى به نبيًا عن أمته، وأن يمسكنا بسنته حتى نلقى اللَّه غير مفتونين ولا ضالين، إنه قريب مجيب. واعلم أن ما ذكرنا من أن من صلى عليه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- صلى اللَّه عليه بها عشرًا ثابتٌ عنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. ففي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلّى عليّ مرةً صلى اللَّه عليه بها عشزا، ثم سلو اللَّه لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل اللَّه لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي". وما ذكرنا من أن من سلَّم عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم واحدة سلّم اللَّه عليه بها عشرًا وردت فيه أحاديث: منها ما فيه: "أن من سلم عليه مرة سلم اللَّه عليه عشرًا". ومنها ما فيه: "أن من سلم عليه سلم اللَّه عليه" من غير ذكر عدد. ومعلوم أن المطلق الذي لم يقيد بعشر محمولٌ على المقيد بعشر؛ لأن المقيد مفسر للمطلق، كما عليه المحققون من علماء الأصول. وإليه الإشارة بقوله في "مراقي السعود": وحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب

стр. 322

ومن أشهر الأحاديث المقيدة بعشر حديث عبد اللَّه بن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن سليمان مولى الحسن بن علي عن عبيد اللَّه بن أبي طلحة عن أبيه، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال: "إنه جاءني جبريل ﵇ فقال: أما يرضيك يا محمد أنه لا يصلّي عليك أحدٌ من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا". ومن الأحاديث التي لم يذكر فيها عدد ما ذكره عياض من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه ﵊ قال: "لقيت جبريل فقال لي: أبشرك أن اللَّه يقول من سلّم عليك سلمت عليه، ومن صلّى عليك صليت عليه". قال: ونحوه من رواية أبي هريرة، ومالك بن أوس بن الحدثان، وعبيد اللَّه بن أبي طلحة (١).