[المقدمة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الكريم القائل في محكم تبيانه الحكيم: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» والصلاة والسلام على من نزل عليه الروح الأمين بكلام رب العالمين وعلى آله وصحبه المكرمين ومن تبعهم إلى يوم الدين. وبعد:
فقد حظي كتاب شرح طيبة النشر في القراءات العشر لإمام الحفّاظ وحجة القرّاء أحمد ابن الجزري بمكانة لامعة بين طلبة العلم الشرعي وخاصة من يحفدون لجمع القراءات.
فكان موردا ينهلون من معينه ومرجعا يهديهم إلى الرشاد، حيث تفيض من بين صفحاته معلومات سلسبيلة تروي الظمآن وتنعش الروح وتثلج الصدر وتنير الفكر.
سيما وأن المؤلف رحمه الله تعالى بيّن بإتقان ملموس وإخلاص مرموق شرحا برّاقا لمتن طيبة النشر يتغذى به بصر كل مماقل له.
ثم أتى فضيلة الشيخ العلامة علي محمد الضّباع جزاه الله خيرا وأسدل عليه ثوبا مزركشا بالضبط والإيضاح فازداد بهاء بحلّته النفيسة. ومعاذ الله أن يتجرأ طويلب علم مثلي بالزيادة على ما أفاد به عالمان جليلان جزاهما الله تعالى عنا خير الجزاء، وإنما حاولت قدر المستطاع إزالة كل ما يتعثر به طالب هذا العلم الشريف أو يلحظ منه غموضا، فكان دأبي بعون الله تعالى أن تنقشع هذه الغياهب من الإشكال لينال لبانته وفؤاده مفعم بالأمان.
لقد كان نهجي تدوين بعض التعليقات والتشكيل لبعض الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وسعيت سعيا حثيثا إلى تليين الرموز الجزلة فعمدت إلى تنظيمها في جداول تسهّل على الطالب الإحاطة بها دونما تعقيد.
стр. 2
ومحاولتي هذه عن تجربة عشتها خلال دراستي لهذا الكتاب الغزير بكل ما ضمّ بين دفتيه من فوائد مع ما يحوي من اختصار في مبناه.
وإني أنصح لوجه الله تعالى كل من أراد التمكن منه والاستزادة من المعلومات الجمّة والشاملة أن يشبع مقلتيه وحجاه من كتاب النشر في القراءات العشر للمؤلف رحمه الله تعالى فزيادة مبناه تدل على زيادة معناه والله الموفق لكل خير. وختاما فهذا مما كان يجيش في ذاتي أفضته من فؤادي إلى قلمي ليرشح على الأسطر الهادئة مدادا يفوح منه شذا الرجاء والتوسّل للحق المبين أن يحفّ أعمالي بالقبول، وأن يجعلني أهلا لخدمة كتابه العزيز، وأن يغفر ويتجاوز عن تقصيري، وأن ينفعنا بكتابه الكريم كي يكون حجة لنا لا علينا، وأن يجعلنا تحت لواء سيد العالمين وإمام العالمين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أنس مهرة
стр. 3
ترجمة يسيرة عن المؤلف ابن الجزري
(٧٨٠ نحو ٨٣٥ هـ- ١٣٧٨ نحو ١٤٣٢ م) أحمد بن محمد بن محمد أبو بكر شهاب الدين ابن الجزري مقرئ، دمشقي المولد والوفاة.
أخذ عن أبيه وغيره وسمع القراءات الاثنتي عشرة، وتصدر للتدريس ومات بعد أبيه المتوفّى ﵀ سنة ٨٣٣ بقليل. له (الحواشي المفهمة في شرح المقدمة) وهي المقدمة الجزرية. (الأعلام ١/ ٢٢٧).
стр. 4
[خطبة الطيبة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:
قال محمّد هو ابن الجزري ... يا ذا الجلال ارحمه واستر واغفر
الحمد لله على ما يسّره ... من نشر منقول حروف العشرة
ثمّ الصّلاة والسّلام السّرمدي ... على النّبيّ المصطفى محمّد
وآله وصحبه ومن تلا ... كتاب ربّنا على ما أنزلا
وبعد: فالإنسان ليس يشرف ... إلّا بما يحفظه ويعرف
لذاك كان حاملوا القرآن ... أشراف الأمّة اولي الإحسان
وأنّهم في النّاس أهل الله ... وأنّ ربّنا بهم يباهى
وقال في القرآن عنهم وكفى ... بأنّه أورثه من اصطفى
وهو في الاخرى شافع مشفّع ... فيه وقوله عليه يسمع
يعطى به الملك مع الخلد إذا ... توّجه تاج الكرامة كذا
يقرا ويرقى درج الجنان ... وأبواه منه يكسيان
فليحرص السّعيد في تحصيله ... ولا يملّ قطّ من ترتيله
وليجتهد فيه وفي تصحيحه ... على الّذي نقل من صحيحه
فكلّ ما وافق وجه نحو ... وكان للرّسم احتمالا يحوي
وصحّ إسنادا هو القرآن ... فهذه الثّلاثة الأركان
وحيثما يحتلّ ركن أثبت ... شذوذه لو أنّه في السّبعة
فكن على نهج سبيل السّلف ... في مجمع عليه أو مختلف
стр. 5
وأصل الاختلاف أنّ ربّنا ... أنزله بسبعة مهوّنا
وقيل في المراد منها أوجه ... وكونه اختلاف لفظ أوجه
قام بها أئمّة القرآن ... ومحرزو التّحقيق والإتقان
ومنهم عشر شموس ظهرا ... ضياؤهم وفي الأنام انتشرا
حتّى استمدّ نور كلّ بذر ... منهم وعنهم كلّ نجم درّي
وها همو يذكرهمو بياني ... كلّ إمام عنه راويان
[باب التراجم]
[ترجمة نافع وراوييه]
(فنافع) بطيبة قد حظيا ... فعنه قالون وورش رويا
هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم المدني. ولد في حدود سنة سبعين، وأصله أصبهاني وكان أسود حالكا؛ انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة وأجمع الناس عليه بعد التابعين، وكان إذا تكلم تشم من فيه رائحة المسك لأنه رأى النبي ﷺ وهو يقرأ في فيه (١). توفي سنة تسع وستين ومائة على الصحيح. وطيبة اسم المدينة سماها بذلك النبي ﷺ وكان اسمها يثرب فنهى (٢) عن ذلك، وهي أفضل البقاع عند الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقوله حظيا: أمي حصلت له بها حظوة بخت كبير وقبول كثير حتى أقرأ بها أكثر من سبعين سنة، وقال مالك: قراءة نافع سنة.
وقالون: هو عيسى بن مينا الزرقي، لقبه نافع بقالون لجودة قراءته لأنه بلغة الروم جيد، وكان قارئ المدينة ونحويها. ولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة عشرين ومائتين.
وورش: هو أبو سعيد عثمان بن سعيد القبطي المصري، ولد سنة عشر ومائة، ولقب بورش لشدة بياضه، انتهت إليه رئاسة الإقراء بمصر مع التجويد وحسن الصوت، ومات سنة سبع وتسعين ومائة رحمه الله تعالى، وقوله: رويا:
أي روى كل منهما عن نافع بنفسه بغير واسطة.
стр. 6
[ترجمة ابن كثير وراوييه]
(وابن كثير) مكّة له بلد ... بزّ وقنبل له على سند
هو أبو سعيد عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان ابن فيروزان بن هرمز الداري المكي إمام الناس في الإقراء بمكة. ولد سنة خمس وأربعين، وكان فصيحا بليغا أبيض اللحية طويلا أسمر جسيما، يخضب بالحناء ذا سكينة ووقار، لقي بعض الصحابة، ومات سنة مائة وعشرين. ومكة هي البلد الحرام، وأم القرى، ومهبط الوحي، وأفضل البقاع عند الجمهور.
والبزي: هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع ابن أبي بزة المكي، كان إماما في القراءة محققا ضابطا لها ثقة قيما؛ انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة وكان مؤذن المسجد الحرام. ولد سنة مائة وسبعين ومات سنة مائتين وخمسين.
وقنبل: هو أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجة بجيمين بضم أولاهما مع إسكان الراء، وقنبل لقب له، كان إماما في القراءة متقنا ضابطا؛ انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز، ورحل إليه الناس من الأمصار. ولد سنة مائة وخمس وتسعين، ومات سنة مائتين وإحدى وتسعين، يقال رجل قنبل: أي غليظ شديد ولذا اختلف في تلقيبه بذلك، والضمير في قوله له عائد على ابن كثير يعني هما راويان له على معنى الاختصاص، أو تكون اللام بمعنى عن كما في قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه (١) أي عن الذين آمنوا، وقوله على سند: أي معتمدين على سند منهما إليه فيكون الجار والمجرور في موضع الحال منهما؛ والسند الذي بينهما وبين ابن كثير أنهما قرآ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن علقمة القواس، وقرأ هو على أبي الإخريط، وقرأ على إسماعيل بن عبد الله، وقرأ على ابن
كثير.
[ترجمة ابى عمر وراوييه]
ثمّ (أبو عمرو) فيحيى عنه ... ونقل الدّوري وسوس منه
هو زبان بن العلا بن عمار بن العريان بن عبد الله المازني البصري، اختلف في اسمه كثيرا، كان أعلم الناس بالقرآن والعربية مع الثقة والأمانة والدين. ولد سنة ثمان وستين ومات سنة مائة وخمس (٢) وخمسين.
стр. 7
ويحيى: هو ابن المبارك بن المغيرة أبو محمد اليزيدي، كان ثقة إماما في القراءة وعلامة في اللغات والأدب، مات سنة مائتين واثنتين.
والدّوري: هو أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان البغدادي الضرير شيخ الإقراء في وقته مع الثقة والضبط والإتقان، مات سنة مائتين وست وأربعين.
والسّوسي: هو أبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله الرقي، ثقة ضابط مقرئ جليل، مات سنة مائتين وإحدى وستين وقد قارب التسعين.
[ترجمة ابن عامر وراوييه]
ثمّ (ابن عامر) الدّمشقي بسند ... عنه هشام وابن ذكوان ورد
هو أبو عمران عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي، إمام جامع دمشق وقاضيها وشيخ الإقراء بها، إمام كبير وتابعي جليل؛ ولد سنة إحدى وستين ومات سنة مائة وثمان عشرة.
وهشام: هو أبو الوليد هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي الدمشقي، ولد سنة مائة وثلاث وخمسين، وكان عالم دمشق وخطيبها ومقريها ومحدثها ومفتيها ثقة ضابطا، مات سنة مائتين وخمس وأربعين.
وابن ذكوان: هو أبو عمرو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القوشي الدمشقي، ولد سنة مائة وثلاث وسبعين، وكان شيخ الإقراء بالشام على الإطلاق، مات سنة مائتين واثنتين وأربعين، وقوله: بسند نصب على الحال: أي ملتبسين بسند، وقوله: ورد: أي جاء، تقول ورد عن فلان كذا أي جاء، وروى:
يعني كل منهما جاء راويا عن ابن عامر بسند لا أنهما رويا عنه نفسه، وذلك أنهما قرآ على أبي سليمان أيوب بن تميم، وعلى أبي محمد سويد بن عبد العزيز، وعلى أبي العباس صدقة بن خالد، وقرأ الثلاثة على أبي عمرو يحيى بن الحارث الذماري، وقرأ هو على ابن عامر رحمه الله تعالى:
[ترجمة عاصم وراوييه]
ثلاثة من كوفة (فعاصم) ... فعنه شعبة وحفص قائم
أي ثلاثة من الأئمة العشرة من مدينة الكوفة، وهم عاصم وحمزة والكسائي كما سيأتي. والكوفة في الأصل: الرملة الحمراء وبها سميت الكوفة، وهي مما مصّر زمن عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 8
فعاصم: هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود بهدلة الأسدي مولاهم الكوفي، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد السلمي جلس موضعه ورحل إليه العالم من الأقطار، جمع بين الإتقان والفصاحة والتجويد وحسن الصوت، مات سنة مائة وسبع وعشرين.
وشعبة: هو أبو بكر شعبة بن عياش بن سالم بن الحناط بالنون الأسدي الكوفي، واختلف في اسمه وهو الأشهر، ولد سنة خمس وتسعين، وكان من الأئمة الأعلام حجة ثقة، مات سنة مائة وثلاث وتسعين.
وحفص: هو أبو عمر حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي الغاضري البزّاز ولد سنة تسعين. وكان أعلم أصحاب عاصم بقراءة عاصم. قال ابن معين: الرواية الصحيحة التي رويت من قراءة عاصم رواية حفص، مات سنة مائة وثمانين، وقوله قائم: أي قائم بالقراءة، يقال قام بأمر كذا: أي نهض به وتولاه:
[ترجمة حمزة وراوييه]
(وحمزة) عنه سليم فخلف ... منه وخلّاد كلاهما اغترف
هو أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي الزيات. ولد سنة ثمانين، وكان إمام الناس في القراءة بالكوفة بعد عاصم والأعمش، وكان ثقة كبيرا حجة مجوّدا (١) فرضيّا نحويّا حافظا للحديث، ورعا زاهدا خاشعا ناسكا، مات سنة مائة وست وخمسين، رحمه الله تعالى.
وسليم: هو أبو عيسى سليم بن عيسى بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، كان إماما في القراءة أخص أصحاب حمزة وأضبطهم، وهو الذي خلفه في القيام بالقراءة، مات سنة مائة وثمان وثمانين.
وخلف: هو أبو محمد خلف بن هشام البزار وسيأتي ترجمته عند ذكره (٢).
وخلاد: هو أبو عيسى خلاد بن خالد الشيباني مولاهم الكوفي، كان إماما ثقة في القراءة محققا مجودا ضابطا أجل أصحاب سليم وأضبطهم، مات سنة
стр. 9
مائتين وعشرين، وقوله منه: أي من سليم، وقوله كلاهما: أي خلف وخلاد، وقوله: اغترف من الاغتراف: وهو تناول الماء باليد: أي أنهما أخذا القراءة من سليم بلا واسطة لما كان بحرا من بحور القراءة.
[ترجمة الكسائى وراوييه]
ثمّ (الكسائيّ) الفتى عليّ ... عنه أبو الحارث والدّوريّ
هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن تميم بن فيروز الكسائي الكوفي، كان إمام الناس في القراءة في زمانه وأعلمهم بالقراءات وبالنحو ولغة العرب، رحل إليه الخلق وكثر عليه الآخذون حتى كان يجمعهم في مجلس واحد ويجلس على كرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ؛ وكان ذا كرم وحشمة وجاه عريض، أدب الخليفتين الأمين والمأمون، مات سنة مائة وتسع وثمانين وبه تم القراء السبعة.
وأبو الحارث: هو الليث بن خالد البغدادي، كان ثقة محققا للقراءة قيما بها ضابطا، مات سنة مائتين وأربعين.
والدّوري: هو أبو عمر حفص بن عمر المتقدم (١) عن أبي عمرو، وقوله:
الفتى: الكريم السخي، وعنه: أي رويا عنه بلا واسطة.
[ترجمة ابى جعفر وراوييه]
ثمّ (أبو جعفر) الحبر الرّضى ... فعنه عيسى وابن جمّاز مضى
هو أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني تابعي جليل، أخذ القراءة عن الصحابة، وكان كبير القدر، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة. وقال أبو الزناد: لم يكن بالمدينة أقرأ للسنة من أبي جعفر. وقال مالك: كان أبو جعفر رجلا صالحا. وقال نافع: لما غسل أبو جعفر بعد وفاته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك أحد ممن حضره أنه نور القرآن؛ ورؤي في المنام على صورة حسنة، فقال: بشر أصحابي وكل من قرأ القرآن على قراءتي أن الله قد غفر لهم، مات سنة مائة وثلاثين، وهو ثامن القراء بالنسبة إلى هذا الترتيب.
стр. 10
وأما عيسى: فهو أبو الحارث عيسى بن وردان المدني الحذاء، كان رئيسا في القراءة ضابطا محققا من أصحاب نافع في القراءة على أبي جعفر ومن قدماء أصحابه، وقد مات في حدود سنة ستين ومائة.
وابن جماز: هو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز الزهري مولاهم المدني، كان مقرئا جليلا ضابطا مشارا إليه في قراءة أبي جعفر ونافع، مات بعيد سنة مائة وخمس وسبعين. والحبر بالفتح على المشهور، ويجوز كسره وهو العالم، والرضى مصدر وصف به للمبالغة: أي مرضي، وقوله: عنه: أي رويا عنه بلا واسطة، وقوله: مضى: أي ذهب، ويقال: أمضى الأمر: أي أنفذه.
[ترجمة يعقوب وراوييه]
تاسعهم (يعقوب) وهو الحضرميّ ... له رويس ثمّ روح ينتمي
أي تاسع القراء العشرة على ترتيب الناظم: هو أبو محمد يعقوب ابن إسحاق بن يزيد بن عبد الله بن إسحاق الحضرمي مولاهم البصري، كان إماما كبيرا ثقة عالما، انتهت إليه رئاسة الإقراء بعد أبي عمرو، وكان إمام جامع البصرة. قال أبو حاتم السجستاني: كان أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهب النحو، مات سنة مائتين وخمس.
ورويس: هو أبو عبد الله محمد بن المتوكّل اللؤلؤي البصري المعروف برويس، كان إماما في القراءة ضابطا مشهورا من أحذق أصحاب يعقوب، مات سنة مائتين وثمان وثلاثين.
وروح: هو أبو الحسن روح بن عبد المؤمن بن عبدة الهذلي مولاهم البصري النحوي، كان ثقة ضابطا مقرئا حاذقا من أوثق أصحاب يعقوب، مات سنة مائتين وخمس وثلاثين، وقوله: له: أي عنه، وينتمي: أي ينتسب في القراءة.
[ترجمة خلف البزّاز وراوييه]
والعاشر البزّار وهو (خلف) ... إسحاق مع إدريس عنه يعرف
أي من الشموس المشار إليهم بقوله: فمنهم عشر شموس: هو أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار بالراء. ولد سنة خمسين ومائة، وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، وكان إماما جليلا عالما ثقة زاهدا، مات سنة مائتين وتسع وعشرين.
стр. 11
وإسحاق: هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله الوراق المروزي البغدادي، كان قيما بالقراءة ضابطا ثقة، انفرد برواية اختيار خلف عنه، مات سنة مائتين وست وثمانين.
وإدريس: هو أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم الحداد، كان إماما ضابطا محققا ثقة، سئل عنه الدارقطني، فقال ثقة وفوق الثقة بدرجة، روى عن خلف روايته واختياره، مات سنة مائتين واثنتين وتسعين، وقوله: عنه: أي عن خلف، ويعرف بالرواية والقراءة.
[باب فى بعض مباحث التراجم]
[مبحث طرق الطيبة وراوييه]
وهذه الرّواة عنهم طرق ... أصحّها في نشرنا محقّق
يعني العشرين؛ لأنه ذكر عن كل قارئ راويين فبلغوا بذلك عشرين إلا أن الدوري منهم روى عن أبي عمرو وعن الكسائي؛ فهم من حيث الذات تسعة عشر، ومن حيث الرواية عشرون، والطرق جمع طريق، وهي لغة: السبيل والمذهب، واصطلاحا هي الرواية عن الرواة عن أئمة القرآن وإن سفلوا، فتقول مثلا: هذه قراءة نافع من رواية قالون من طريق أبي نشيط من طريق بن بويان (١) من طريق الفرضي، ولا يقال رواية نافع كما لا يقال قراءة قالون ولا طريق قالون كما لا يقال رواية أبي نشيط؛ فما كان عن أحد الأئمة العشرة أو من هو مثلهم يقال قراءة، وما كان عن أحد رواتهم يقال رواية، وما كان عمن بعدهم وهلم جرا يقال طريق سواء كان من مؤلفي الكتب أو غيرهم؛ فيقال طريق الداني مثلا وطريق الشاطبي، وطريق أبي العز، وطريق الكندي ونحو ذلك، وقد يعد بعض الراويين طريقا بالنسبة إلى قراءة، ويعد رواية بالنسبة إلى أخرى كإدريس هو بالنسبة إلى قراءة حمزة في رواية خلف طريق وبالنسبة إلى خلف في اختياره رواية.
إذا علم ذلك، فليعلم أن المؤلف أثابه الله تعالى نظر في هذه الروايات العشرين وجعل في كتابه النشر أصح طرق وردت عنهم، فاختار منها عن كل راو طريقين، وعن كل طريق طريقين فيكون عن كل راو من العشرين أربع طرق غالبا. وحيث لم يتأتّ له ذلك من رواية خلف وخلاد عن حمزة جعل عن خلف
стр. 12
أربعة عن إدريس عنه وعن خلاد بنفسه أربعة، وفي رواية رويس عن التّمّار عنه أربعة، وفي رواية إسحاق عن خلف أربعة اثنين عن نفسه واثنين عن ابن أبي عمر عنه، وفي رواية إدريس أربعة عن نفسه ليتم عن كل راو أربعة ويكون عن الرواة العشرين ثمانون طريقا ثم تتشعب هذه الطرق فيما بعد فتبلغ عدة الطرق عن الأئمة العشرة تقريبا من ألف طريق كلها مذكورة في النشر مسماة. فهذا ملخص معنى ما في هذا البيت والبيت الآتي بعده، وأصح الطرق التي عن هؤلاء الرواة مذكور في النشر محقق واضح.
باثنين في اثنين وإلّا أربع ... فهي زها ألف طريق تجمع
تقدم بيانه في البيت السابق: أي بطريقين في طريقين كما تقدم بيانه ونزيده الآن إيضاحا؛ مثاله في ورش ذكره من طريقين وهما الأزرق والأصبهاني، وعن الأزرق طريقين وهما النحاس وابن سيف، وعن الأصبهاني طريقين وهما هبة الله والمطوعي فصارت طريقين في طريقين، وقوله: فهي زها ألف الخ بيان كون تلك الطرق الثمانين تبلغ ألف طريق أو نحوها أن قالون مثلا ذكره من طريقين: أبي نشيط والحلواني. فأبو نشيط من طريقي ابن بويان والقزّاز، فابن بويان اجتمع له إحدى وعشرون طريقا، والقزاز إحدى عشرة طريقا فيكون لأبي نشيط اثنان وثلاثون طريقا. وأما الحلواني فذكره من طريق ابن أبي مهران وجعفر بن محمد؛ فابن أبي مهران من تسع وعشرين طريقا وجعفر من أربع طرق فيكون لقالون خمسة وستون طريقا، وخذ على ذلك؛ ومن أعظم فوائد معرفة الطرق تحقيق الخلاف وعدم التخليط والتركيب بما لم يقرأ به، فقد وقع في التيسير مع اختصاره مواضع خرج فيها عن طرقه وتبعه على ذلك الشاطبي كما نبه عليه في النّشر مع أنه لم يكن في التيسير عن الأربعة عشر راويا الذين هم عن السبعة سوى أربعة عشر طريقا فليعلم من ذلك قدر ما زاد المؤلف على كتاب التيسير والشاطبية من الطرق والروايات ولله الحمد وهو المستعان؛ وإذا جمعت طرق العشرة الأئمة من النشر تبلغ أكثر من تسعمائة وثمانين طريقا كما فصلت عن راو راو والله أعلم (١).
стр. 13
[مبحث رموز الائمة العشرة ورواتهم]
جعلت رمزهم على التّرتيب ... من نافع كذا إلى يعقوب
أي جعل الناظم أثابه الله تعالى لتسعة من هؤلاء العشرة ورواتهم رمزا يعرف به قراؤهم ورواتهم على الترتيب في الكلام الآتي في البيت الآتي وهي تسع كلمات كل كلمة على ثلاثة أحرف، الحرف الأول للقارئ والحرفان الآخران لكل راو من راوييه على الترتيب الذي رتبهم في نظمه السابق. بيان ذلك أبج الأولى من الكلمات التسع، الألف منها لنافع والباء لقالون لأنه المذكور بعد نافع، والجيم لورش لأنه بعد قالون ثم كذا في دهز الدال لابن كثير والهاء للبزى والزاى لقنبل، وهكذا في كلمة كلمة وقارئ
قارئ وراو راو حتى يعقوب وكلمته ظغش، فالظاء ليعقوب والغين لرويس والشين لروح.
(أبج دهز حطّى كلم نصع فضق ... رست ثخذ ظغش) على هذا النّسق
أي على هذا النظام من الترتيب وإنما جعل رمزهم كذلك ليسهل على أهل هذه الصناعة فإنهم ألفوا ذلك بمناسبة ما رتبته الشاطبية، واستمد ذلك عنهم وما أراد أن يخالف هذه الطريقة ليكون من يحفظها قادرا على استخراج ما في الشاطبية، وكذلك من يحفظ الشاطبية يقدر على استخراج ما فيها وجعلت الكلمتان الأخيرتان دليلا على رمز أبي جعفر ويعقوب ورواتهما لأن حروفهما جعلت في الشاطبية دليلا على الجمع، فجعل الناظم رمز الجمع كلمات (١).
стр. 14
والواو فاصل ولا رمز يرد ... عن خلف لأنّه لم ينفرد
أي أنه جعل الواو فاصلة بين أحرف الخلاف وذلك أنه لما استكمل القراء ورواتهم سبعة وعشرين حرفا لم يبق إلا الواو فجعلها للفصل، ولو لم يجعل ذلك لاختلطت المسائل وعسر التمييز في أكثرها فجعلت لذلك عند الاحتياج إليها، وربما لم يأت بها عند أمن اللبس كقوله: مالك نل ظلا روى السراط مع البيت؛ وأما عند اللبس فلا بد من الإتيان بها نحو قوله: صحب بميت بلد، والميت هم البيت ونحو: وجزمه مدا شفا ويحسب، ونحو ذلك فلا بد من الإتيان بها، وقد تكون الواو في الفصل زائدة كما مثل به وقد تكون من نفس الكلمة نحو قوله:
... وبعد مؤمنا فتح ... ثالثه بالخلف ثابتا وضح
وقد تكون من حرف القرآن نحو: لا تأثيم لا لغو مدا كنز، ولا يقبل أنث حق وأعدنا أقصرا، وقوله فاصل؛ يعني فاصلة، والحروف يجوز تذكيرها وتأنيثها باعتبار اللفظ واعتبار المعنى، وعدل عن قول الشاطبية فيصلا إلى فاصل لأنه المشهور إلى هذه الصيغة من أجل سناد التأسيس الذي هو من عيوب القافية ولا رمز يرد الخ، أشار إلى وجه كونه لم يذكر لخلف رمزا وهو أنه لم يكن له حرف من حروف الخلاف انفرد فيها عن قراءة واحد من السبعة أو رواتهم بل انفرد عن حمزة والكسائى وشعبة إلا في حرفين أحدهما (وحرام على قرية أهلكناها) في الأنبياء (١) قرأه على رواية حفص وغيره، والثاني في سورة النور (٢) قرأه على قراءة غيرهم، وكذلك في وجه السكت بين السورتين على ما ذكره أبو العز القلانسى ومن تبعه، ولذلك ذكره الناظم صريحا كما سيأتي، وكذلك ذكر خلاف إدريس عنه في يعكفون في الأعراف (٣) صريحا؛ فإنه لم يبق له من الحروف ما يجعل له رمزا فإن الحروف استغرقت الأئمة التسعة السابقين ورواتهم كما تقدم ولم يبق منها سوى الواو وجعلت فاصلة؛ ولما كانت موافقته تارة لحمزة وهو الأكثر، وتارة للكسائي، وتارة لشعبة جعل له مع كل رمزا على حدة كما سيأتي، لذلك
стр. 15
جعله داخلا في رمز حمزة والكسائي ومعهما وشعبة ومعهما وحفص ومع الكوفيين كما سيأتي بيانه قريبا.
وحيث جاء رمز لورش فهو ... لأزرق لدى الأصول يروى
ومن هنا أخذ في بيان اصطلاحه فذكر في ذلك أنه إذا جاز رمز لورش وهو الجيم فلا يخلو إما أن يكون في الأصول وهي الأبواب المذكورة إلى الفرش كما سيأتي فإنها على ورش من طريق الأزرق ويكون من طريق الأصبهاني كقالون، وذلك لأن الخلاف من طريقى الأزرق والأصبهاني في الأصول كثير فلا بد من إفراده لئلا يقع التركيب، فإن اتفق الأزرق والأصبهاني في حرف سمى ورش باسمه؛ وأما إذا وقع رمز ورش في الفرش فالمراد به ورش من الطريقين، ولم يخرج عن ذلك إلا في حرف واحد وهو «اصطفى» في الصافات (١) ذكر فيه الخلاف عن ورش وهو مفرع على الطريقين، فالوصل للأصبهاني والقطع للأزرق كالجماعة واغتفر له ذلك لأنه لا تركيب فيه.
والأزرق: هو أبو يعقوب يوسف بن عمرو بن يسار المدني ثم المصرى، كان عدلا أستاذا كبيرا محققا ثقة ضابطا قام بالقراءة بعد ورش بمصر وتلقى الناس روايته من طريقه بالقبول، وأجمع أهل مصر والمغرب والأندلس عليها، ولذلك لم يذكر في التيسير ولا في التبصرة ولا في الهادى ولا في الهداية ولا في الكافي ولا في العنوان ولا في الشاطبية ولا في أكثر كتبهم غيرها؛ ولهذا كانت متقنة محررة عندهم، بخلاف من ذكرها غيرهم كالعراقيين فإنها عندهم غير محققة ولا منقحة ولا صحيحة أيضا، وتوفى الأزرق في حدود الأربعين ومائتين.
والأصبهانيّ كقالون وإن ... سمّيت ورشا فالطّريقان إذن
هو أبو بكر محمد بن عبد الرحيم بن سعيد بن يزيد بن خالد الأسدي الأصبهاني، كان إماما في رواية ورش ضابطا لها ثقة رحل بسببها إلى مصر فقرأها على أصحابه
وأصحاب أصحابه، ثم رجع إلى بغداد فكان أول من أدخلها العراق وأخذها عنه الناس حتى صاروا لا يعرفون رواية ورش إلا من طريقه ولذلك تنسب
стр. 16
إليه دون من أخذها هو عنه، مات في بغداد سنة مائتين وست وتسعين؛ مثال ما وقع في الأصول من ذلك قوله في باب البسملة وهو أول ما وقع فيه: فاسكت فصل والخلف كم حماجلا، فإنه يدل على أن لكل من ابن عامر وأبي عمرو ويعقوب وورش من طريق الأزرق ثلاثة أوجه وهي السكت والوصل والبسملة كما سيأتي، فيكون للأصبهاني عن ورش مثل قالون له البسملة فقط، وذلك من قوله في أول الباب: (١) بسمل بين السورتين بي نصف؛ ومثال ما سمى فيه ورش من الأصول ليدخل الطريقان قوله في صلة ميم الجمع: وقبل همز القطع ورش؛ ومثاله أيضا قوله: في باب الهمزتين من كلمتين:
وسهل الأخرى رويس قنبل ورش وثامن، وقيل تبدل مدا زكا جودا الخ كما سيأتي (٢)(٣)
стр. 17
(فمدنيّ) ثامن ونافع ... (بضريهم) ثالثهم والتّاسع
يعني إذا ذكر المدني فالمراد به نافع وأبو جعفر الذي هو ثامن القراء على ما تقدم ترتيبه، وذلك لأنهما كانا بالمدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: والمدني نسبة إلى المدينة؛ وكذلك إذا ذكر البصرى فالمراد به أبو عمرو الذي وهو ثالث القراء ترتيبا، ويعقوب الذي هو تاسعهم أيضا لأن كلا منهما كان من البصرة. والبصرة بفتح الباء: المدينة المشهورة التي مصّرت زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وحكى كسر صادها؛ ومعناها في الأصل الحجارة البيض الرخوة وبها سميت البصرة، والنسبة إليها بكسر الباء على الفصيح وهو مما خرج عن القياس في باب النسب، وقيل للفرق بين النسب إلى الحجارة وإلى البلد.
وخلف في الكوف والرّمز (كفى) ... وهم بغير عاصم لهم (شفا)
أي في الكوفة؛ والكوف والكوفات من أسماء الكوفة، يريد أن خلفا داخل في الكوفيين الذين هم عاصم وحمزة والكسائي كما تقدم من قوله ثلاثة من كوفة، فعاصم وإنما أدخله فيهم لأن مادة قراءته منهم ولا يخرج عن قراءتهم ولا عن قراءة أحدهم كما تقدم قوله والرمز كفا: أي ورمز الكوفيين وخلف فيهم كفا.
فيكون مدلول كفا لعاصم وحمزة والكسائي وخلف، واختار ذلك لهم لخفته وسهولة دلالته عليهم من حيث الاشتقاق الأكبر ولدلالته على الكفاية وهي مما يثنى به على القراءة كقوله: كفلها الثقل كفا، أو على القارئ كقوله: فرح ظهر كفا أو عليهما، نحو قوله: وقبلا كسر أو فتحا ضم حق كفا؛ قوله وهم الخ يعني رمز هؤلاء بغير أن يكون معهم عاصم شفا فيكون مدلول شفا لحمزة والكسائي وخلف، واختار لهم ذلك لأنه كثيرا ما يرد في الشاطبية لحمزة والكسائي فيكون معينا لحافظ أحد الكتابين كما ذكره في الرمز الحرفي ولحسن دلالته أيضا ولكثرة التصرف في معانيه، فإنه يأتي اسما بمعنى حرف الشيء وطرفه، كقوله تعالى «شفا جرف هار» وبمعنى البقية وبمعنى القليل كقولهم: ما بقى منهم إلا شفا، ويأتي نحو شفا الله، وقد استعمله الناظم بحسب ما يناسبه من المعاني تارة اسما وتارة فعلا وتارة قد يحتملهما.
وهم وحفص (صحب) ثمّ (صحبه) ... مع شعبة وخلف وشعبه
стр. 18
أي رمز هؤلاء الثلاثة ومعهم حفص صحب، فيكون مدلول صحب لحمزة والكسائي وخلف وحفص وهو جمع صاحب كراكب وركب وهو أخف من صحاب الذي استعمله الشاطبي في مدلول حمزة والكسائي وحفص (قوله ثم صحبة) أي رمز صحبة للثلاثة المذكورين ومعهم شعبة فيكون مدلول صحبة لحمزة والكسائي وخلف وشعبة وهو أيضا جمع صاحب كفارة وفرهة وهو في الشاطبية لحمزة والكسائي وشعبة فوافقه الناظم أيضا (قوله وخلف الخ) وأول البيت الآتي يعني ورمز خلف وشعبة صفا، لأنه يأتي في الشاطبية لشعبة، ولأنه يأتي اسما مقصورا جمع صفاة: وهو الحجر الأملس، وممدودا وهو خلاف الكدر وفعلا من ذلك ومن الخلاصة:
(صفا) وحمزة وبزّار (فتا) ... حمزة مع عليهم (رضى) أتى
أي ورمز حمزة مع خلف فتا، لأن الفاء لحمزة فيسهل استحضاره وخلف من جملة رواته؛ والفتى الكريم والسخي والشاب، ويستعمل في الكامل الأخلاق وذي الصفات الجميلة، وقوله: رضى: يعني أن رمز حمزة إذا اتفق مع الكسائي (رضي) لأن الراء رمز الكسائي وهو صاحب حمزة وهو مصدر يوصف به للمبالغة في الثناء ويكون بمعنى المرضى.
وخلف مع الكسائيّ (روى) ... وثامن مع تاسع فقل ثوى
أي رمز خلف مع الكسائي روى فإن الراء للكسائي وخلف من الآخذين عنه وروى يأتي اسما ممدودا بمعنى أنه حلو وعذب ولطيف، يقال ماء روا إذا وصفته بذلك،
ويأتي فعلا من الرواية ومن الرواء أيضا على لغة طيء، يقال رويت من الماء ورويت منه على قلب الياء ألفا في لغتهم (قوله وثامن الخ) أي ورمز أبي جعفر ويعقوب (ثوى) لأن الثاء رمز أبي جعفر فيسهل تناوله ومعناه أقام؛ يقال ثوى بالمكان: إذا أقام به ثواء بالمد.
ومدن (مدا) وبصريّ (حما) ... والمدني والمكّ والبصري (سما)
يعني رمز المدني وتقدم أنه عبارة عن نافع وأبي جعفر مدا من أجل سهولة النظم ومبادرة دلالته على ذلك من حيث الاشتقاق كما ذكره في كفا للكوفيين ومعناه كفاية (قوله: وبصرى) أي رمز البصرى الذي هو أبو عمرو ويعقوب حما،
стр. 19
لأن الحاء رمز أبي عمرو فيبادر إليه ولأن يعقوب كثير الموافقة له، ومعناه الممنوع من القرب منه والتعرض إليه، ويجيء ممدودا ومعناه المدافع عنه، يقال حاميت عن فلان حمى: أي ناءيت عنه ودافعت (قوله: والمدني الخ) أي رمز المدني والمكى والبصرى سما فيكون مدلوله لنافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، وقد وافق الشاطبية على ذلك إلا أنه أدخل فيهم أبا جعفر ويعقوب ومعناه علا وارتفع، وقد يأتي اسما من الممدود وهو كل ما علاك؛ والسماء أيضا المطر والسماء واحد السموات يذكّر ويؤنّث.
مكّ وبصر (حقّ) مكّ مدني ... (حرم) و (عمّ) شامهم والمدني
أي رمز المكى والبصرى حق فيكون مدلوله لابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وتبع فيه الشاطبية أيضا (معناه خلاف الباطل) قوله مك أي رمز المكى والمدني حرمى وهو مما تبع فيه الشاطبية أيضا إلا أنه أدخل فيه أبا جعفر وأصله حرمى نسبة إلى الحرمين الشريفين فخفف (١) كما خفف غيره من المكى والمدني ونحو وأجرى مجرى المنقوص، ومن ذلك قول الشاعر:
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
(قوله: وعم) أي رمز لابن عامر ونافع وأبي جعفر تبع في ذلك الشاطبي أيضا وهو يأتي اسما وفعلا ومركبا من حرف واسم؛ فمن الإسم العم أخو الأب والعم الجماعة من الناس والمحترم منهم، والفعل من العموم ومن المركب «يتساءلون» أصله عن ما فأدغم وحذف ألف الاستفهام.
و (خبر) ثالث ومك (كنز) ... كوف وشام ويجيء الرّمز
يعني ورمز (حبر) لأبي عمرو وابن كثير ومعناه العالم المقتدي به فوافق كون الحاء لأبي عمرو وهو أحد أصحاب ابن كثير الذي مادة قراءته منه فكأنهما واحد.
قوله: (كنز) أي ورمز كنز للكوفيين وابن عامر ووافق أن الكاف لابن عامر فيبادر الفهم إليه ومعناه المال المجموع والمدفون والمدخر؛ وفي الجملة فكل هذه
стр. 20
الكلمات دالة على الثناء بالكفاية والصحبة والاصطحاب والصفا والفتوة والرواية والثبات والحماية والسمو، ونحو ذلك قوله: ويجيء الرمز. لما فرغ من الرموز الحرفية والكلمية أخذ في بيان فروعهما في كتابه، ثم ذكر مصطلحه فقال ويجيء الرمز: يعني من الكلمى والحرفي بعد حرف القراءة وقبله كما سيأتي في البيت الآتي بعد.
قبل وبعد وبلفظ اغنى ... عن قيده عند اتّضاح المعنى
مثاله بعد الحرف وهو الغالب قوله:
من الحرفى وأزال في أزل ... فوز وآدم انتصاب الرفع دل
ومن الكلمى ينزل خف حق، وقوله: والغيث مع منزلها حق شفا، ومن الكلمى والحرفي جميعا: مالك نل ظلا روى، وقوله ويكتمون حبر صف، وقوله وكسر حج عن شفا، ومثاله قبل الحرف في الحرفي قوله: وصف يمسك خف، وفي الكلمى وعم يرتدد ومنهما جميعا ودم رضا حلا الذي يبشر قوله: (وبلفظ أغنى الخ) يعنى أنه ربما يلفظ بالقراءة في بعض المواضع من غير تقييد وذلك حيث المعنى وأمن اللبس إما بالوزن أو بالخط أو بهما فتارة يلفظ بإحداهما ولا يقيد الأخرى لشهرتها كقوله: مالك نل ظلا، روى السراط مع سراط زن خلفا غلا كيف وقع وتارة يلفظ بإحداهما ويقيد الأخرى كقوله: تفجر الأولى كتقتل ظبا، وتارة بلفظ بالقراءتين معا من غير تقييد لواحدة منهما، كقوله وما يخادعون يخدعون كنز ثوى، وتارة يلفظ بالقراءتين ويقيد بعض الأخرى كقوله: وفي وطأ وطاء واكسر أحزكم (١).
وأكتفي بضدّها عن ضدّ ... كالحذف والجزم وهمز مدّ
يعني أنه إذا كان قيد القراءة ضد للقيد الآخر فإنه يكتفي بذكر أحدهما عن الآخر للاختصار فإن الضدين يدل على الآخر كالحذف مثلا، فإن ضده الإثبات وبالعكس؛ وفي معنى الإثبات قوله زد، وفي معنى الحذف قوله دع، وكالجزم
стр. 21
ضده الرفع ولكنه لا ينعكس، لأنه ذكر بعد ذلك أن الرفع ضده النصب وكالهمز ضده عدم الهمز وبالعكس وكالمد ضده القصر وبالعكس وكالتحريك ضده التسكين
وبالعكس، وكالتنوين ضده عدم التنوين وبالعكس، وكالنقل ضده عدم النقل وبالعكس، وكالإمالة ضدها الفتح ولا عكس لأنه ذكر أن ضد الفتح الكسر وسيأتي كالإدغام ضده الإظهار وبالعكس، وكالجمع ضده التوحيد وبالعكس، وكالغيب ضده الخطاب وبالعكس وكالتذكير ضده التأنيث وبالعكس وكالتخفيف ضده التشديد وبالعكس وكالاختلاس ضده الإتمام؛ أي إتمام الحركة ولا ينعكس لاختلاف الحركات، وكالتغليظ ضده الترقيق وبالعكس وكذلك التفخيم، وكالقطع ضده الوصل وبالعكس، وكالإهمال ضده الإعجام وتسمية الفاعل ضدها تجهيله وبالعكس، وكل ذلك سيأتي في موضعه فلا حاجة إلى ذكر أمثلته هنا.
ومطلق التّحريك فهو فتح ... وهو للاسكان كذاك الفتح
أي إذا أطلق التحريك فإن المراد به الفتح دون الضم والكسر كقوله وكسفا حركا عم نفس. يعني فتح السين بخلاف ما إذا قيد كقوله: نصب إضم حركا به عفا ومقابله الإسكان فيكون ضده سواء كان التحريك مطلقا أو مقيدا كالفتح مع الكسر وكالنصب مع الخفض وكالنون مع الياء؛ فكل من هذه الأربعة يقابل الآخر ويكون ضدا له طردا وعكسا قوله: (وهو للإسكان) أي والتحريك المطلق طردا وعكسا كقوله: حسنا فضم اسكن نها حز عم دل، قوله: والدرك سكن كفا قوله:
(كذاك الفتح) أي مثل الفتح للكسر كما سيأتي طردا وعكسا كقوله، واتخذوا بالفتح كم أصل، وقوله: وفتح السلم حرم رشفا.
للكسر والنّصب لخفض إخوة ... كالنّون لليا ولضمّ فتحة
أي النصب للخفض طردا وعكسا كقوله: وأرجلكم نصب ظبا عن كم أضا، وقوله: أخفض نوره صحب دد ووجه كون هذه الأربعة إخوة لأضدادها جعل كل اثنين منهما يغنى ذكر أحدهما عن الآخر قوله: (كالنون) يعني كذلك النون أخ للياء طردا وعكسا كقوله: نجمعكم نون ظبا، وقوله: ويا سنوتيهم فتا قوله:
(ولضم فتحة) أي وجعل أيضا للضم الفتح ضدا طردا وعكسا كما سيأتي في البيت الآتي كقوله: ضم يخافا فز ثوى، وليس في شيء من هذه إشكال لأن أضداد هذه
стр. 22
الثلاثة لا يأتي بها إلا مقيدة كقوله: أولاد نصب شركائهم يجر ومثله لا يعقلون خاطبوا وتحت عم، وقوله: يقبل أنث حق. فإن قيل ذكر هذا تكرار لأن قوله وبلفظ أغنى عن قيده عند اتضاح المعنى. فالجواب أن قوله عند اتضاح المعنى يرده، وليعلم أيضا أن هذه الثلاثة لم تأت في جميع الكتاب مطلقة بل المراد أنها إذا أطلقت من غير قيد يكون كذلك وذلك بحسب ما تيسر في النظم، وإلا فقد وردت مقيدة في كثير من المواضع كقوله: قتل ارفعوا يقول يا فز يعملو، وقوله غيبا وما تشاءون، وقوله خف تساقط في علا ذكر صدا.
كالرّفع للنّصب اطردن وأطلقا ... رفعا وتذكيرا وغيبا حقّقا
أي كذل جعل الرفع ضد النصب كقوله: يقول ارفع ألا العفو حسنا. وقوله اطردا: يعني أن هاتين الحركتين المذكورتين (١) وهما الضم والرفع يكون ضدهما الفتح والنصب كما ذكر على وجه الطرد من غير عكس؛ لأنه تقدم أن الفتح ضده الكسر والنصب ضده الخفض طردا وعكسا، وقوله أطلقا الخ؛ يعني أنه ذكر هذه الأحوال الثلاثة وهي الرفع والتذكير والغيب مطلقة ويريد بها التقييد: أي يعلم من إطلاقه لها أنها المرادة لا أضدادها كقوله: وصية حزم صفا ظلا رفه، وقوله:
يكون إذ حما نفا، وقوله: ويغلبون يحشرون رد فتا، وقد جمع الثلاثة في بعض بيت وهو قوله: خالصة إذ يعلموا الرابع صف يفتح في روى.
وهذه أرجوزة وجيزة ... جمعت فيها طرقا عزيزه
ولما فرغ من اصطلاحه أخذ في ذكر منظومته وما ذكر فيها، فقال وهذه إلى آخر الأبيات وأرجوزة أفعولة من الرجز، وهو ضرب من الشعر؛ سمى بذلك لتقارب أجزائه وقلة حروفه، وجيزة: أي مختصرة من أوجزت الكلام: إذا اختصرته وقصرته مع توفية المعنى، وطرقا: أي روايات ومذاهب، وعزيزة: أي قليلة الوجود كثيرة الدلالة عظيمة القدر.
ولا أقول إنّها قد فضلت ... حرز الأماني بل به قد كملت
فضلت: أي غلبت في الفضل، من فاضله ففضلته إذا غلبته في الفضل،
стр. 23
وكملت: أي تمت انتهت وجاءت كاملة من غير نقص، وفي كملت ثلاث لغات فتح الميم وضمها وكسرها وهو أقلها، ووجه كما لها بحرز الأماني أن ناظمها هو المتقدم، والفضل للمتقدم: وأنه الفاتح لهذا الباب والآخذ من كل فضل بأسباب ومقترح ذلك المصطلح، وما وصل صاحب هذه الأرجوزة إلى ما وصل إلا ببركة ذلك الكتاب، وحفظه له حالة الصغر منذ كان في الكتاب، ولولاه لم يصل إلى هذه الرتبة ولم يكن له من هذا العلم نصيب ولا حبة، فالله تعالى يتغمده بالرحمة والغفران ويبوئه في الدار الآخرة أعلى الجنان.
وحرز الأماني هي الشاطبية نظم الإمام ولى الله أبي القاسم بن فيرة ابن خلف الرّعينى الشاطبي شيخ الإقراء بالديار المصرية رحمه الله تعالى وجزاه عنا خيرا، توفى في ثامن عشر جمادى الأخرى سنة خمسمائة وتسعين بقاهرة مصر.
حوت لما فيه مع التّيسير ... وضعف ضعفه سوى التّحرير
أي جمعت هذه الأرجوزة لما في حرز الأماني ولما في كتاب التيسير من القراءات والطرق والروايات ومثله ومثل مثله، وبيان ذلك تقدم عند قوله: وهذه الرواة عنهم طرق، ويجوز في ضعف النصب عطفا على موضع لما فيه والخفض عطفا على ما والتيسير أيضا، وضعف الشيء: مثله، وضعف ضعفه: مثل مثله، وضعفاه: مثلاه، ولو قيل
وضعف ضعيفه لجاز وصح ولعله أولى، قوله سوى التحرير: أي غير ما فيها من الإتقان والتحقيق والتقويم، ومن نظر في ذلك بعين الإنصاف علم ذلك بحقه.
ضمّنتها كتاب نشر العشر ... فهي به (طيّبة) في النّشر
يعني كتاب نشر العشرة وهو كتاب القراءات الذي ألفه الناظم يرجو به رضى الله عنه جزيل ثوابه، ولا حاجة إلى زيادة في وصفه وإطنابه، فإن من وقف عليه علم مقداره حتى قال بعض العلماء من المصنفين: لا تصح رواية القراءة لأحد بعد تأليفه حتى يطلع عليه، وسميت هذه الأرجوزة طيبة؛ وفي تسميتها بذلك تورية حسنة تامة تخدم في معان من طيب الرائحة ومن الحياة ومن البسط ومن الإذاعة ومن كتاب النشر.
وها أنا مقدّم عليها ... فوائدا مهمّة لديها
стр. 24
ها حرف تنبيه وأنا ضمير للمتكلم وحده والمتكلمة أيضا، والألف فيه زائدة عند البصريين تحذف منه وصلا عند الجادة وتثبت على إجرائه مجرى الوقف كما أتى هاهنا، وقوله عليها: أي فيها، ومجيء على بمعنى في شائع كقولهم كان هذا على عهد فلان: أي في عهده، ويحتمل أن يكون في أصل معناها، ويكون على حذف مضاف: أي القراءة المذكورة فيها، وقوله فوائدا جمع فائدة: ما أستفيد من علم أو مال، ومهمة: أي شديدة في الاحتياج إليها، وقوله لديها: أي عندها، يريد قارئها وحافظها والراغب فيها، وهذه التي قدمها لا بد من معرفتها لطالب هذا العلم قبل شروعه فيه كما سيأتي:
[مبحث التجويد]
كالقول في مخارج الحروف ... وكيف يتلى الذّكر والوقوف
مخارج هي جمع مخرج: وهي عبارة عن موضع خروج الحرف من الفم، وهي مختلة كما سيأتي بيانه: أي مثل الكلام في مخارج الحروف فإنه من أهم ما يحتاج إليه القارئ والمقرئ، وإن كان أكثر مؤلفى القراءة لا يذكرونه فإنهم يحيلونه على كتب التجويد، وقد ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى في آخر كتابه.
والأولى تقديمه ليحيط به المبتدئ علما قبل شروعه لما يتبنى على ذلك من الإظهار والإدغام والإمالة والترقيق والتفخيم، وكذا ما يتعلق بصفات الحروف وتجويدها والوقف والابتداء وغير ذلك قوله: (وكيف يتلى الذكر) يعني من التجويد والتحقيق والتصحيح والحدر والترتيل والتدوير وغير ذلك على ما سيأتي، وقوله والوقوف معطوف على مخارج الحروف: أي كالقول في مخارج الحروف وفي الوقوف وهو جمع وقف ويجمع أيضا على أوقاف مع كونه مصدرا لتنوعه.
(مخارج الحروف) سبعة عشر ... على الّذي يختاره من اختبر
اختلف في عدد مخارج الحروف؛ فالفصيح عند الناظم وجماعة من المحققين سبعة عشرة مخرجا وهو الذي اختير من حيث الاختبار. وقال كثير من النحاة والقراء ستة عشر لإسقاطهم مخرج الجوفية وهي حروف المد واللين؛ فجعلوا مخرج الألف من أقصر الحلق والواو والياء من مخرج المتحركتين؛ وذهب آخرون إلى أنها أربعة عشر لإسقاطهم مخرج النون واللام والراء فجعلوها من مخرج واحد، وقوله من اختبر: أي من طلب خبر ذلك ومعرفته تحقيقا،
стр. 25
واختبار مخرج الحرف بحقه هو أن يلفظ بهمزة الوصل ويأتي بالحرف بعدها ساكنا أو مشددا وهو أبين مع ملاحظته صفات ذلك الحرف.
فالجوف للهاوى وأختيه وهي ... حروف مدّ للهواء تنتهى
أي المخرج الأول الجوف وله الألف واسمه الهاوى والواو الساكنة المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها وهي التي يقال لها حروف المد واللين وتسمى الجوفية، قال الخليل: وإنما نسبن إلى الجوف لأنه آخر انقطاع مخرجهن وتسمى الهاوية أيضا لأنها تنتهي إلى الهواء: أي تتصل به بخلاف غيرها من الحروف؛ وذكر سيبويه في تسميته الألف بالهاوي فقال هو حرف اتسع بهواء صوت مخرجه أشد من اتساع مخرج الياء والواو لأنك تضم شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قبل الحنك. وقال العلامة أبو شامة: وتسمى هذه الحروف الثلاثة الهاوية، لأنها تخرج من هواء الفم، وقوله وأختيه: يعني أختي الألف الياء والواو في المد لمشاركتهما لها في كون كل واحدة منها حركة ما قبلها من جنسها، وقوله تنتهي: أي انتهاء مقطعها الهواء، فهي تتصل به وليس ذلك لغيرها من الحروف ولهذا امتازت بمخرج وحدها.
وقل لأقصى الحلق همز هاء ... ثمّ لوسطه فعين حاء
وهذا المخرج الثاني وهو أقصى الحلق وله حرفان الهمزة والهاء قوله: (ثم لوسطه) أي يتلوه المخرج الثالث وهو وسط الحلق وله العين والحاء، والضمير في لوسطه عائد إلى الحلق.
أدناه غين خاؤها والقاف ... أقصى اللّسان فوق ثمّ الكاف
وهذا المخرج الرابع وهو أدنى الحلق: أي أقربه إلى اللسان وله حرفان وهما الغين والخاء وهذه الأحرف تسمى الحلقية لأنها تخرج من الحلق والمخرج الخامس أقصى اللسان مما يلي الحلق وما فوقه من الحنك وهو القاف قوله:
(قوله ثم الكاف) ثم المخرج السادس وهو أقصى اللسان من أسفل وهو للكاف ويسمى كل منهما لهويا لأنه يخرج من اللهاة وهي بين الفم والحلق.
أسفل والوسط فجيم الشّين يا ... والضّاد من حافته إذ وليا
قوله: (والوسط) أي المخرج السابع وسط اللسان، وبينه وبين وسط الحنك
стр. 26
وهو للجيم والشين والياء غير المدية؛ وتسمى الشجرية، لأنها تخرج من الشجر؛ وهو عند الخليل مفرج الفم: أي مفتحه، وقال غيره مجمع اللحيين، والمخرج الثامن أول
حافة اللسان وما يليه من الأيسر عند الجمهور ومن الأيمن عند الآخرين وهو للضاد، وهو عند الخليل من الحروف الشجرية كما تقدم من تفسير الشجر.
لاضراس من أيسر أو يمناها ... واللّام أدناها لمنتهاها
أي الأضراس فنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها واعتدّ بالعارض كما سيأتي في النقل وهو منصوب بولى، وقوله من أيسر: أي من الجانب الأيسر عند الجمهور أو من الجانب الأيمن عند الآخرين وقدم الأيسر لأنها منه أيسر، وقوله:
واللام الخ: أي المخرج التاسع وهو أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه وهو اللام.
والنّون من طرفه تحت اجعلوا ... والرّا يدانيه لظهر أدخل
أي المخرج العاشر: وهو طرف اللسان أسفل اللام للنون قوله: (والراء) أي المخرج الحادي عشر وهو طرف اللسان أيضا يداني مخرج النون ولكنه أدخل إلى ظهر اللسان قليلا، وهذه الحروف الثلاثة تسمى الذلقية نسبة إلى ذلق اللسان: أي طرفه.
والطّاء والدّال وتا منه ومن ... عليا الثّنايا والصّفير مستكن
أي المخرج الثاني عشر وهو طرف اللسان ومن أصول الثنايا العليا للطاء والدال والتاء وتسمى النطعية لأنها تخرج من نطع الغار الأعلى وهو سقفه. والثنايا قسمان عليا وسفلى، فميز بالإضافة نحو على القوم وليس في كل جهة إلا ثنيتان لكن المجموعة أربع فعبروا عن المثنى بالجمع تخفيفا وهو هنا أولى من قولهم غليظ الحواجب عظيم المناكب قوله: (والصفير) أي المخرج الثالث عشر لحروف الصفير، وهي الصاد والزاى والسين كما سيأتي في صفات الحروف وهو بين طرف اللسان وفويق الثنايا السفلى؛ وتسمى الحروف الأسليّة لأنها تخرج من أسلته: أي مستدقّه.
منه ومن فوق الثّنايا السّفلى ... والظّاء والذال وثا للعليا
стр. 27
أي المخرج الرابع عشر لهذه الأحرف الثلاثة وهو بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا وتسمى اللثوية نسبة إلى اللثة وهي اللحم المركب فيه الأسنان.
من طرفيهما ومن بطن الشّفه ... فالفا مع أطراف الثّنايا المشرفة
أي المخرج الخامس عشر: وهو باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا للفاء قوله: (من طرفيهما) أي من طرفي اللسان وأطراف الثنايا العليا، وقوله الشفة؛ أي الشفة السفلى بدليل قوله الثنايا المشرفة فإنه يريد العليا، فتعين أن تكون الشفة السفلى.
للشفتين الواو باء ميم ... وغنّة مخرجها الخيشوم
أي المخرج السادس عشر: وهو بين الشفتين العليا والسفلى للواو غير المدية والباء والميم فيطبقان في الباء والميم وهذه الثلاثة الأحرف تسمى الشفوية والشفهية لخروجها من الشفتين؛ والمخرج السابع عشر الخيشوم وهو الغنة، وقد تكون في الميم والنون الساكنتين حالة الإخفاء أو ما في حكمة من الإدغام بالغنة، فإن مخرجهما يتحول في مخرجه في هذه الحالة عن مخرجهما الأصلى على القول الصحيح كما يتحول مخرج حروف المد من مخرجهما إلى الجوف على الصواب، ولبعض هذه الحروف فروع صحت القراءة بها كالهمزة المسهلة بين بين فهي فرع عن المحققة وألفى الإمالة والتفخيم عن الألف المنتصبة والصاد المشمة بين الصاد والزاى واللام المفخمة. والله الموفق، والخيشوم: هو الخرق المنجذب من الأنف داخل الأنف.
(صفاتها) جهر ورخو مستفل ... منفتح مصمتة والضّدّ قل
لما فرغ من مخارج الحروف أخذ في بيان صفاتها وذلك مما يحتاج إلى معرفته بين القوي منه والضعيف فذكر في هذا خمسا منها وهو ما له ضد وهي الجهر والرخو والمستفل والمنفتح والمصمت، وأشار إلى أضدادها بقوله: والضد قل؛ ثم ذكر الأضداد المشار إليها عقب هذا البيت كما سيأتي قوله: (والضد قل) أي قل أو أذكر فيما يأتي عقبه.
مهموسها (فحثّه شخص سكت) ... شديدها لفظ (أجد قط بكت)
أي مهموس الحروف، ثم ذكر هذه الكلمات الثلاث وهي عشرة الفاء
стр. 28
والحاء والثاء والهاء والشين والخاء والصاد والسين والكاف والتاء، قيل لها مهموسة لضعفها، ولذلك يضعف الصوت بها حين جرى النفس معها، فلم يقو الصوت قوته في المجهورة فصار في الصوت بها نوع خفاء إذ كان الهمس من صفات الضعف؛ كما أن الجهر الذي هو ضده من صفات القوت فالهمس الصوت الخفي ومنه قوله تعالى فلا تسمع إلا همسا (١) قيل هو صوت مشى الأقدام، وأقوى المهموس الصاد والخاء لما فيهما من الاستعلاء وهو من صفات القوة. وغير المهموس مجهور من قوله جهرت بالشيء إذا أعلنته وذلك لما امتنع النفس أن يجري معها انحصر الصوت بها فقوى التصويت،
ولما فرغ من بيان المهموسة أخذ في بيان الشديدة وهي ثمانية أحرف يجمعها لفظ الكلمات الثلاث، وهي الهمزة والجيم والدال والقاف والطاء والباء والكاف والتاء قيل لها شديدة لامتناع الصوت أن يجري معها حال النطق بها لأن الصوت انحصر في المخرج فلم يجر: أي وامتنع قبوله للتليين، بخلاف الرخوة وذلك من صفات القوة وهي ثمانية منها ستة من المجهورة واثنان من المهموسة التاء والكاف، والستة الباقية اجتمع فيها أن النفس لا يجري معها ولا الصوت، وذلك معنى الجهر والشدة جميعا.
وبين رخو والشّديد (لن عمر) ... وسبع علو (خصّ ضغط قظ) حصر
أي الحروف التي بين الحروف الرخوة وبين الحروف الشديدة خمسة يجمعها حروف هاتين الكلمتين: وهي اللام والنون والعين والميم والراء. يعني أنها بين القبيلين الرخوة والشدة، والباقي من الحروف رخو وهي ستة عشر؛ ومعنى قوله «لن عمر» يا عمر لن فهو منادى حذف حرف ندائه: أي استعمل اللين في أمورك ولا تكن ذا عنف وفظاظة، وفي الحديث «المؤمن هين لين» (٢) قوله:
(وسبع علو) أي هذا الضد الثالث وهو ضد الحروف المستفلة. يعني والحروف المستعيلة سبع حصرتها هذه الكلمات الثلاث، وهي: الخاء والصاد والضاد والغين والطاء والقاف والظاء، وهي حروف التفخيم على الصحيح قوله: (سبع
стр. 29
علو) أي سبع أحرف كما تقدم من جواز تأنيث الحروف وتذكيرها، وإنما ذكر عددها لئلا يتوهم دخول حصر فيها قوله: (حصر) أي حصرها هذا اللفظ من هذه الكمات؛ ومعناها أقم في القيظ في خص ضغط: أي دنى ضغط: أي ضيق.
(وصاد ضاد طاء ظاء) مطبقة ... و (فرّ من لبّ) الحروف المذلقة
يعنى هذه الأربعة أحرف هي الحروف المطبقة وهي ضد الحروف المنفتحة، سميت لأنه انطبق على مخرجها من اللسان ما حاذاه من الحنك وذلك غاية القوة، وقوله: وفر من لب: الأصل من لب بالتنوين فحذف الساكن تخفيفا كما قرئ أحد. الله الصمد وهو خبر مقدم والحروف مبتدأ والمذلقة صفة؛ ومعنى اللب: العقل، أي هرب من عقله حيث لم يطق الجور، إذ الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين. اللهم نجنا من القوم الظالمين. والمذلقة: أي المتطرفة وهي ستة يجمعها الكلمات الثلاث، وهي: الفاء والراء والميم والنون والباء، قيل لها مذلقة لتطرفها، لأن ثلاثة منها من طرف اللسان وثلاثة من طرف الشفتين.
وضدها المصمتة؛ وسميت بذلك لثقلها وامتناع الكلام بها، فلا توجد كلمة من كلام العرب رباعية فما فوقها بناؤها من الحروف المصمتة، وندر عسجد وعسطوس؛ وقيل إنهما غير أصليين في كلام العرب بل ملحقان فيه؛ ولسهولة هذه الحروف وخفتها على اللسان لا يخلو منها الكلام إلا ما ندر فلذلك ينطق بها بسهولة بلا تكلف.
صفيرها (صاد وزي سين) ... قلقلة (قطب جد) واللّين
لما فرغ من صفات ما ذكر لها وضده أخذ في صفات أخرى لأحرف مخصوصة لم يذكر لها ضدا، منها حروف الصفير وهي الثلاثة المذكورة؛ سميت حروف الصفير، لأنها يصفر بها وغيرها من الحروف لا صفير فيها. قال مكي:
والصفير حدة الصوت. ومنها حروف القلقلة وهي خمسة جمعها في كلمتين وهي: القاف والطاء والباء والجيم والدال؛ سميت بذلك، لأنها إذا سكنت ضعفت فاشتبهت بغيرها فتحتاج إلى إظهار صوت شبه النبرة حال سكونها وإلى زيادة إتمام النطق بها فذلك الصوت في سكونها أبين منه في حركتها، وقوله:
قطب جد، يجوز أن يكون أصله قطب جدي فنقلت كسرة الياء إلى الدال على نية
стр. 30
الوقف وعومل معاملة المنقوص فحذف الياء، فيكون فيه إشارة إلى قطب الجدي؛ وهو القطب الشمالي الذي بين الجدي والفرقدين. والجدي: هو النجم الذي إلى جانب القطب، تعرف به القبلة (قوله: واللين) أي وحرفا اللين، وهما: الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما؛ سميا بذلك، لما فيهما من اللين القابل لمدهما كما في باب المد.
(واو وياء) سكنا وانفتحا ... قبلهما والانحراف صحّحا
يعني وحروف الانحراف اللام والراء على الصحيح خلافا لمن جعله اللام فقط؛ سميا لانحرافهما عن مخرجهما حتى اتصلا بمخرج غيرهما، ويقال إن اللام فيها انحراف إلى ناحية طرف اللسان والراء: فيها انحراف قليل إلى ناحية اللام، ولذلك يجعلها الألثغ لاما.
في (اللّام والرّا) وبتكرير جعل ... وللتّفشّي الشّين ضادا استطل
يعني وجعل في الراء صفة تكرير فهي صفة ذاتية لها؛ فمعنى تكريرها:
ربوها في اللفظ لا إعادتها بعد قطعها هنا، ولذلك يجب أن يتحفظ من إظهار تكريرها لا سيما إذا شددت كما سيأتي النص عليه قريبا، وفي تقديم تكريرها على جعل إشارة إلى أن الراء خص بذلك، فجمع بين الانحراف والتكرير (قوله:
وللتفشي) أي وجعل للتفشي الشين؛ والتفشي هو الانتشار، فسمي الشين بذلك، لأنه انتشر صوتها حتى اتصل بمخرج الظاء، وقوله: ضادا استطل: أي أجعلها مستطيلة، أي موصوفة بالاستطالة، وسمي الضاد مستطيلا، لأنه استطال عن الفم عند النطق حتى اتصل بمخرج اللام وذلك لما فيه من القوة بالجهر والاستعلاء والإطباق.
(ويقرأ القرآن) بالتّحقيق مع ... حدر وتدوير وكلّ متّبع
لما فرغ من الكلام على مخارج الحروف وصفاتها شرع في بيان كيف يقرأ القرآن، فذكر أنه بالتحقيق وبالحدر والتدوير: أي التوسط بين حالي التحقيق والحدر. والتحقيق: هو المبالغة في الإتيان بالشيء على حقه من غير زيادة فيه ولا نقص منه؛ وهو عند أئمة القراء: إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد وتحقيق الهمز وإتمام الحركات وإظهار الحروف وكمال التشديدات وتوفية
стр. 31
الصفات وتفكيك الحروف وهو بيانها وإخراج بعضها عن بعض والسكت والترتيل والتؤدة وملاحظة الجائز من الوقوف من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط.
والحدر: هو الإسراع وهو عندهم عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها وتحقيقها بالقصر والاختلاس والإبدال والإدغام ونحو ذلك مما صحت به الرواية مع إيثار الوصل وإقامة الإعراب، فهو ضد التحقيق؛ لتكثير الحسنات وإحراز فضل كثرة التلاوة، فليحترز فيه عن بتر الحروف المدية وإذهاب صوت الغنة وقصر المد المتصل واللازم، وعن التفريط إلى حالة لا تجوز القراءة بها. والتدوير: عبارة عن التوسط بين المقامين كما هو مذهب أكثر القراء.
مع حسن صوت بلحون العرب ... مرتّلا مجوّدا بالعربي
أي ويراعى هذه الأحوال الثلاثة مع حسن الصوت، لقوله ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» (١) وقوله: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» (٢) وغير ذلك من الأحاديث، وقوله: «بلحون العرب» لما ورد عنه ﵊ «اقرءوا القرآن بلحون العرب وإياكم ولحون أهل الفسق» (٣) وقوله: مرتلا، لقوله تعالى:
ورتل القرآن ترتيلا (٤)، قال ابن عباس: بينه. وقال مجاهد: تأنّ فيه، وقال غيره: تثبت في قراءته وتمهل فيها؛ وعن علي ﵁: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (قوله: مجودا) أي في غاية الجودة كما سيأتي في البيت الآتي، وقوله بالعربي: أي بلفظ العرب من اللغة العربية لا باللفظ العجمي من تفخيم الألفات وتصفير الصادات وتطنين النونات وتسمين الحروف. وترعيد المدات، بل قراءة سهلة عذبة حلوة لطيفة لا مضغ فيها ولا لوك فيها ولا تعسف ولا تكلف ولا تصنع ولا تقطع (٥) غير خارجة عن طباع العرب وكلام الفصحاء.
стр. 32
والأخذ بالتّجويد حتم لازم ... من لم يصحّح القرآن آثم
أي القراءة والإقراء بالتجويد: وهو انتهاء الغاية في التصحيح وبلوغ النهاية في التحسين، من جوّد فلان كذا: أي فعله جيدا، وهو ضد قوله: رديئا، فلذلك كان عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجودة اللفظ بريئة من الرداءة في النطق وذلك واجب على من يقدر؛ لأن الله تعالى أنزل به كتابه المجيد ووصل من نبيه ﵊ متواترا بالتجويد قوله: (من لم يصحح القرآن) أي من لم يصحح القرآن مع قدرته على ذلك فهو آثم عاص بالتقصير غاشّ لكتاب الله تعالى على هذا التقدير. وقال ﷺ «الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله» (١) الحديث وقال ﵊ «إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل». (٢)
لأنّه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا
أي لأن الله تعالى به: أي بالتصحيح أنزله، والضمير ضمير الشأن، ويجوز أن يعود على القرآن، وهذا بيان لما قدمه واستدلال على ما ذكره من أنه من لم يصحح القرآن؛ أي ألفاظه مع القدرة فهو آثم، وذلك أن الله تعالى أنزل العظيم بهذا التصحيح من التجويد الذي تواتر عن رسول الله ﷺ ، كما تلقاه من الملك الكريم أمين الله على وحيه المجيد، وكلامه القديم عن رب العالمين، على هذا الوجه أجمع أئمة القراءة من أهل الأداء وتلقته الأمة المعصومة من الخطأ عنهم كذلك.
وهو إعطاء الحروف حقّها ... من صفة لها ومستحقّها
مكمّلا من غير ما تكلّف ... باللطف في النّطق بلا تعسّف
فرقّقن مستفلا من أحرف ... وحاذرن تفخيم لفظ الألف
ثم شرع في النص على أمور مهمة تتعلق بتصحيح التلاوة وتجويد القراءة لا بد للقارئ من الوقوف عليها: منها أن الحروف المستفلة وهي ما عدا المستعيلة تكون أبدا مرققة إلا ما وردت الرواية بتفخيمه كاللام والراء في بعض الأحوال كما
стр. 33
الأحوال كما سننبه عليه قريبا إن شاء الله تعالى قوله: (وحاذرا) أي احذر من تفخيم الألف وذلك مهم يجب التنبيه عليه، فإن ذلك قد فشا كثيرا وأخذ عن العجم تقليدا وذلك لا يجوز، والألف حرف هواء لا توصف بتفخيم ولا ترقيق بل تبع لما قبله إن كان مفخما فخم، وإن كان مرققا رقق، خلافا لمن أطلق ترقيقه وإن كان قبله حرف تفخيم.
كهمز الحمد أعوذ اهدنا ... الله ثمّ لام لله لنا
وهذا أمثلة مما يتحفظ بترقيقه من حيث إن اللسان ربما سبق إلى تفخيمه وهو سر ما سرقته الطباع من العجم والنبط؛ مثل الهمز في الحمد لله إذا ابتدأ بها وكذلك من أعوذ بالله واهدنا حالة الابتداء وكذا الله، والتحفظ فيه آكد لوجود اللام المفخمة بعده، وكذلك ينبغي أن يتحفظ بترقيق اللام من لله ولنا، وكل ذلك مما تحكمه المشافهة وتسهله الرياضة.
وليتلطّف وعلى الله ولا الض ... والميم من مخمصة ومن مرض
أي وكذلك يجب التحفظ بترقيق اللام من قوله: «وليتلطف» (١) أعني اللام بعد التاء، فإن الطاء بعده لقوته وشدة تفخيمه يجذب اللسان إلى تفخيمه، وما ذكره بعض المغاربة من تفخيمه لورش فخطأ كما نبه عليه في النشر. ورأيت في النوم سنة تسعين وسبعمائة وأنا أقرأ في النوم سورة الكهف، فلما وصلت إلى هذه الكلمة فإذا شخص يلفظها إلى مرققة في غاية اللطف وكأنه يقول قل هكذا، وكذا يجب ترقيق اللام الأولى من «وعلى الله» (٢) ومن «ولا الضالين» (٣) لأن تفخيم الحرف بعده يجذبه إلى التفخيم، وكذلك يتحفظ بترقيق الميمين من «مخمصة» (٤) لأن الأولى بعدها خاء والثانية صاد وكلاهما حرف تفخيم وكذلك الميم من مرض يتحفظ بترقيقها، فإن كثيرا من القراء لا يكادون يأتون بها إلا مفخمة بسبب تفخيم الراء وذلك خطأ فاحش.
وباء بسم باطل وبرق ... وحاء حصحص أحطت الحقّ
стр. 34
وكذا ينبغي أن يتحفظ بترقيق الباء من بسم فإن كثيرا من الناس يريد أن يبين صفة الشدة منها فيسبق لسانه إلى تفخيمها وهو لا يشعر، وكذلك الباء من باطل من أجل الطاء فكثير من الناس لا يأتي بها إلا مفخمة مع الألف بعدها أيضا، وكذلك يتعين التحفظ بترقيق الباء من برق والحاء من حصحص وكذا من أحطت ومن الحق، فكل ذلك يسبق اللسان فيه إلى التفخيم من أجل الحرف المفخم بعده.
وبيّن الإطباق من أحطت مع ... بسطت والخلف بنخلقكم وقع
فيه إشارة إلى مسألة يجب الاعتناء بمعرفتها، وهي أنه إذا التقى متماثلان أو متجانسان وسبق إحداهما بالسكون فإنه يجب إدغامه كما سيأتي قريبا؛ ولما التقت في أحطت (١) وبسطت (٢) الطاء والتاء وكان لا بد من الإدغام وكانت الطاء أقوى من التاء لما فيها من صفات القوة أدغمت وبقي من صفتها ما يدل عليها وهو الإطباق فليلفظ بالخاء والسين ثم يشار باللفظ إلى صفة الإطباق ثم يلفظ بالتاء مشددة، ونظير ذلك إدغام النون الساكنة في الياء والواو مع بقاء الغنة؛ وقد ذهب بعض أهل الأداء إلى أن ذلك في هذه الحروف ليس بإدغام لكنه إخفاء لوجود ما يمنع من الإدغام فيه وهو الصفة القائمة، والصحيح أنه إدغام لكنه ليس بكامل؛ ثم إن أهل الأداء اختلفوا في إدغام القاف الساكنة في الكاف من قوله: «ألم نخلقكم من ماء مهين» (٣) هل يلفظ بها كاملا من غير إبقاء صفة الاستعلاء من القاف أو ناقصا تبقيه للصفة لأجل قوة القاف بذلك؟ فذهب الداني وجماعة إلى الأول وهو الأصح، وذهب مكي إلى الثاني، وكلاهما مأخوذ به كما بينه في النشر، وهذا معنى قوله: والخلف بنخلقكم وقع: أي كان ووجد وجرى.
وأظهر الغنّة من نون ومن ... ميم إذا ما شدّدا وأخفين
يشير إلى فائدة يكثر دورها ويغفل عنها وهي أن النون والميم إذا وقعتا مشددتين نحو: إن و «منا بعد» وأما ومما ولما، فإنه لا فرق بينهما وبين «عن
стр. 35
نفس، وهم من» فليعلم ذلك وليتحفظ به (قوله: وأخفين الخ) من البيت الثالث ذكر أحكام الميم الساكنة كما سيأتي.
الميم إن تسكن بغنّة لدى ... باء على المختار من أهل الأدا
اعلم أن للميم الساكنة أحكاما كما للنون الساكنة، وقد ذكر القراء أحكام النون الساكنة استطرادا لما وقع في بعضها من الخلاف ولم يذكروا الميم، بل نبه بعض من ألف في التجويد على بعض أحكامها ووقع بسبب ذلك وهم كثير، وقد استوفى الناظم ذكرها بأحسن بيان في كتاب النشر، وأشار هنا إلى ما فيه كفاية فقال: وأخفين الميم إن تسكن بغنة الخ البيت الآتي بعد، وأشار إلى تتميم ذلك في البيت الثالث، ومراده أن للميم الساكنة أحكاما ثلاثة إدغام وإخفاء وإظهار؛ فالإدغام إذا سكنت عند ميم مثلها
كما يخرج من قوله فيما يأتي: وأولى مثل وجنس إن سكن، وهذا الإدغام يكون بغنة كما تقدم من قوله السابق:
وأظهر الغنة من نون ومن ميم إذا ما شددا ...
الثاني الإخفاء، يعني إذا سكنت الميم وأتى بعدها باء نحو: «ومن يعتصم بالله، ربهم بهم»، فإن أهل الأداء اختلفوا في اللفظ بها، فقال بعضهم تكون مخفاة بغنة. وقال آخرون تكون مظهرة والأول هو المختار عند الناظم؛ وعند أكثر المحققين كما أشار إليه عمرو كما سيأتي في بابه، وعلى إخفائها إذا كانت مقلوبة من الساكنة كما سيأتي في بابها.
والحكم الثالث الإظهار كما سيأتي عند باقي الحروف في البيت الآتي.
أظهرنها عند باقي الأحرف ... واحذر لدى واو وفا أن تختفي
وهذا الحكم الثالث من أحكام الميم وهو الإظهار عند سائر الحروف: أي سوى الباء كما تقدم وسوى الميم كما سيأتي في البيت الآتي نحو الحمد، وأنعمت، وعليهم غير، وهم يوقنون، ولهم عذاب أليم، عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وأنهم هم وليتحفظ بإظهارها إذا وقعت بعدها فاء أو واو نحو هم فيها، عليهم ولا لئلا يسبق اللسان إلى إخفائها من أجل قرب المخرجين وهذا مما لا خلاف فيه، وما وقع من حكاية الإخفاء عندهما عن السوسي وغيره فشاذ لا يقرأ به، وكذلك ما يفهم من عبارة بعضهم من الإخفاء
стр. 36
عند غيرهما فغلط فاحش لا يلتفت إليه كما حققنا ذلك في غير هذه المواضع.
وأوّلى مثل وجس إن سكن ... أدغم كقل ربّ وبل لا وأبن
وهذه قاعدة كلية أشار إليها الناظم؛ وهي أنه إذا التقى حرفان وكانا مثلين أو جنسين وكانا أولهما ساكنا وجب إدغام الأول منهما نحو: «فاضرب به، وقد دخلوا، وإذ ذهب، وقل لهم، وهم من، عن نفس، بل لا، يدرككم، يوجهه» والجنسان نحو: «قل رب، (١) قالت طائفة، (٢) أثقلت دعوا الله، (٣) إذ ظلمتم، (٤) قد تبين» (٥) إلا يكون أول المثلين حرف مد وأول الجنسين حرف حلق كما سيأتي في البيت الآتي:
سبّحه فاصفح عنهم وقالوا وهم ... في يوم لا تزغ قلوب قل نعم
أي وأظهر الحاء عند الهاء من سبحه: يعني من قوله تعالى ومن الليل فسبحه (٦) لأنها حرف حلق، وكثير من الناس من سبق لسانهم إلى النطق بها حاء مشددة، وذلك لأن الحاء حرف ضعيف والهاء أقوى منه فيجذب الحاء الهاء فيقلبها من جنسها ثم تدغم فيها وذلك لحن وخطأ فليحترز منه، وكذلك قوله:
«فاصفح عنهم» (٧) وإن كانا من مخرج واحد فإنه لا يجوز إدغام الحاء في العين فلذلك نص عليه، وكذلك لا يجوز إدغام الواو المدية في واو بعدها نحو «قالوا وهم» ولا الياء المدية في ياء بعدها نحو «قالوا وهم» ولا الياء المدية في ياء بعدها نحو «في يوم» بخلاف الواو اللينة نحو «عصوا وكانوا» فإنه لا خلاف في إدغامها ولم تقع في القرآن المجيد ياء لينة بعدها ياء ولو وقع لوجب الإدغام أيضا نحو رأيت غلامي يوسف؛ ثم نص على إظهار الغين عند القاف من قوله تعالى لا تزغ قلوبنا فإنه ربما نطق بإدغامها من لا يعلم لقرب المخرجين، وكذلك يجب إظهار اللام الساكنة من قوله: قل نعم، وإن كانا متجانسين عند بعضهم والله الموفق.
وبعد ما تحسن أن تجوّدا ... لا بد أن تعرف وقفا وابتدأ
стр. 37
أي وبعد علمك بالتجويد يجب أن تعرف الوقف والابتداء لما نقل عن عليّ ﵁ وقد سئل عن قوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا فقال: الترتيل هنا تجويد الحروف ومعرفة الوقوف، فيلزم المقرئ أيضا أن يعرف الوقف والابتداء؛ ولهما حالتان: إحداهما ما يوقف عليه ويبتدأ به، وثانيهما كيف يوقف وكيف يبتدأ؟ وهذا يتعلق بالقراءة كما سيأتي في بابي الوقف على أواخر الكلام وعلى مرسوم الخط، والكلام هنا على ما يوقف عليه ويبتدأ به، وللناس في ذلك كتب ومصطلحات، وأقربها ما قرره الناظم على مقتضى اصطلاح الحافظ أبي عمرو الداني ومن تبعه كما سيأتي في البيت الآتي بعده.
فاللّفظ إن تمّ ولا تعلّقا ... تامّ وكاف إن بمعنى علّقا
يعني أن الكلام إما أن يتم أولا؛ فإن تم، فلا يخلو إما أن لا يكون له تعلق بما بعده لا لفظا ولا معنى أو يكون له تعلق، والأمل الوقف المصطلح عليه بالتام فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده، وإن كان له تعلق، فلا يخلو إما أن يكون تعلقه من جهة المعنى أو من جهة اللفظ؛ فالأول الوقف المصطلح عليه بالكافي، وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده، وإن كان متعلقا من جهة اللفظ فهو الوقف المصطلح عليه بالحسن، فيجوز الوقف عليه لتمامه ولا يجوز الابتداء بما بعده لتعلقه بما قبله لفظا ومعنى، إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز في اختيار الأكثر لمجيئه عن النبي ﷺ كما سنذكره. وبقي القسم الثاني من التقسيم الأول وهو أن لا يتم الكلام عليه فهو الوقف القبيح في مصطلحهم لا يجوز الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده قوله: (تام) خففه ضرورة وذلك جائز في الشعر، وهذا القسم من الوقوف وهو التام أكثر ما يجيء في رءوس الآي وانقضاء القصص كالوقف على بسم الله الرحمن الرحيم والابتداء من الحمد لله رب العالمين والوقف على مالك يوم الدين والابتداء بإياك نعبد ونحو وأولئك هم المفلحون والابتداء ب «إن الذين كفروا» وقد يكون قبل انقضاء الآية نحو وجعلوا أعزة أهلها أذلة فإنه آخر حكاية كلام بلقيس، ثم قال تعالى وكذلك يفعلون وقد يكون وسط الآية نحو: لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وهو حكاية تمام قول الظالم، ثم قال تعالى وكان الشيطان للإنسان خذولا وقد يكون بعد انقضاء الآية بكلمة نحو لم نجعل لهم من دونها سترا هذا آخر الآية
стр. 38
وتمام الكلام «كذلك» أي أمر ذي القرنين كذلك؛ وقد يكون على تفسير دون آخر وعلى إعراب دون آخر وعلى قراءة أخرى كما بسطناه في كتاب الاهتداء وأشار إليه في النشر.
قف وابتدئ وإن بلفظ فحسن ... فقف ولابتدا سوى الآي يسن
أي قف على كل من التام والكافي وابتدئ بما بعدهما، وإن تعلق باللفظ فهو الحسن كما سبق قوله: فقف ولا تبدأ: أي يجوز الوقف على الوقف المصطلح عليه بالحسن دون الابتداء بما بعده، وكذلك يجوز الوقف على الحمد لله وعلى رب العالمين وعلى الرحيم وعلى المستقيم وأنعمت عليهم فإن الوقف على ذلك ونحوه حسن لأن المراد منه فهم، ولكن الابتداء بما بعده لا يجوز إلا ما كان منه رأس آية كما استثناه فقال: سوى الآي يسن: أي إلا أن يكون الحسن رأس آية فإنه ورد عن النبي ﷺ الوقف عليه في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وهو حديث حسن وإسناده صحيح، والحديث (١) أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. قال الداني وغيره وهو سنة.
وغير ما تمّ قبيح وله ... يوقف مضطرّا ويبدا قبله
أي وغير ما تم من الكلام الوقف عليه قبيح لا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة كانقطاع نفس أو اختبار أو نحو ذلك لعدم الفائدة أو لفساد المعنى وذلك كالوقف على بسم أو (الحمد) أو (رب) أو (مالك) أو (إياك) أو صراط الذين فإن اضطر إلى الوقف بدأ بما قبله قوله: (يوقف) أي حالة اضطراره من انقطاع نفس أو نحوه قوله: (ويبدأ قبله) أي إذا اضطر إلى الوقف على القبيح فلا يبدأ بما بعده بل يعود إلى ما قبله ويبتدئ به كما وقف على الحمد لله رب مثلا، فإنه يبتدئ رب العالمين أو لله رب العالمين.
وليس في القرآن من وقف يجب ... ولا حرام غير ما له سبب
وهذه مسألة يتعين التنبيه عليها وهي أنه وقع في كلام كثير ممن ألف في
стр. 39
الوقوف قولهم الوقف على هذا واجب أو لازم أو حرام أو لا يحل أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الوجوب أو التحريم، ولا يريدون بذلك المقرر عند الفقهاء مما يثاب على فعله ويعاقب على تركه أو يعاقب على فعله ويثاب على تركه، بل المراد أنه ينبغي للقارئ أن يقف عليه، لنكتة، (١) أو لمعنى يستفاد من الوقف عليه، أو لئلا يتوهم من الوصل تغيير المعنى المقصود، أو لا ينبغي الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده لما يتوهم من تغيير المعنى أو بشاعة اللفظ ونحو ذلك؛ فمن الأول قوله تعالى ولا يحزنك قولهم (٢) قال السجاوندي: الوقف عليه واجب لئلا يتوهم أن ما بعده، وهو إن العزة لله جميعا من قولهم بل هو ابتداء من قول الله تعالى، ويؤدي هذا المعنى كسر إن فإنها تكسر بعد القول، ومن الثاني الوقف على قوله: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى (٣) فإنه يفهم أن الموتى يستجيبون مع الذين يسمعون وليس كذلك، وإنما المعنى أن الموتى لا يستجيبون بل يبعثهم الله تعالى، وكذلك الوقف على نحو إن الله لا يستحي (٤) وإن الله لا يهدي (٥) كل ذلك لا يجوز، فإن قصد أحد ذلك والعياذ بالله تعالى تغير المعنى المراد إلى غيره كان حراما معاقبا عليه بهذا السبب لا بغيره، والله أعلم.
[مبحث الوقف والابتداء]
وفيهما رعاية الرّسم اشترط ... والقطع كالوقف وبالآي شرط
يعني أن في الوقف والابتداء يشترط رعاية الرسم: أي رسم المصاحف العثمانية المجمع عليها أو أحدها فيوقف على ما حذف لفظا بالإثبات كالألف من قوله تعالى: وقالا
الحمد لله (٦) والياء من يؤتى الحكمة (٧) والواو من ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله (٨) وكذلك على التنوين في حالة الرفع والجر بحذفه وعلى المنصوب منه بالألف، وكذلك يبتدأ بما حذف لفظا بالإثبات فيبتدأ
стр. 40
الذي أؤتمن (١) ونحوه بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة ولقاءنا ائت (٢) بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، وكذلك سائر همزات الوصل، وكذلك لا يقف إلا على منفصل رسما، ولا يبتدأ إلا بمنفصل في الرسم أيضا كما سيأتي بيانه في باب الوقف على مرسوم الخط قوله: (والقطع كالوقف الخ) يشير إلى مسألة جليلة قلّ من نبه عليها وهو الفرق بين القطع والوقف، فالقطع عبارة عن قطع القراءة رأسا، فهو انتهاء القراءة كالمعرض عن القراءة، أو المنتقل منها من حالة إلى حالة أخرى كالقطع على حزب أو عشر أو أربع أو نحو ذلك، فهو كالوقف حيث لا يجوز إلا على تام سواء كان تاما أم كافيا أم حسنا، ويجب فيها أيضا رعاية الرسم إلا أنه يشترط فيه أن لا يكون إلا على رأس آية، وذلك بخلاف الوقف فإنه يكون على رأس الآية وعلى أبعاضها كما تقدم. والوقف عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة، وينبغي معه البسملة في فواتح السور، كما ينبغي الاستعاذة في القطع كما سيأتي في بابها.
والسّكت من دون تنفّس وخص ... بذي اتّصال وانفصال حيث نص
أي المصطلح عليه عند أئمة القراءة.
ولما ذكر الوقف وأقسامه والقطع وحكمه شرع في بيان السكت وتعريفه لتعرف معناه وتفرق بينه وبين الوقف والقطع، وإن كان المتقدمون يطلقون كلا منهما على الآخر، فالسكت عبارة عن قطع الصوت زمنا دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، وقد اختلفت عبارة أئمة القراء في التأدية بما يدل على طول زمن السكت وقصره والمشافهة تحكم ذلك بحقه، وهو مخصوص بما اتصل رسما نحو: الأرض، والآخرة، وشيء، وقرآن، وبما انفصل نحو قد أفلح، (٣) وقل أوحى (٤) ومن راق (٥) وبين السورتين حيث نص عليه أئمة القراءة ووردت به الرواية وذلك بخلاف الوقف والقطع كما تقدم قوله: (حيث نص) أي نص عليه أئمة القراءة رحمهم الله تعالى.