← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩]، وقال تعالى بعد ذكر الشيطان: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤] فدل على أن المقصود الأعظم بجميع المخلوقات، وشرع الشرائع هو هذان الأمران. وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وهذه معارفٌ شرعية، وليس للعقول فيها حكم قاطع كما ذكرته المعتزلة، وربَّما تعلقت بهذا مباحث ليس هذا موضع شرحها، فثبت أن الثواب غير ثابت عقلاً للمطيعين، وبطل مع هذا قول المعتزلة: إن المشقة إنما كانت شرطاً في حسن التكليف ليجب الثواب عقلاً، وثبت أن الله تعالى لو هدى العصاة بإزالة المشقة في فعل الخير وترك الشر كان ذلك على الله يسيراً، وكان حسناً جميلاً، ولم يكن مُحالاً ولا قبيحاً. الوجه السادس: أن السمع قد دل على قدرة الله تعالى على هداية الخلق أجمعين دلالة ضرورية أو قطعية يتعذر تأويلها (١) لوجهين: أحدهما: ما تقدم من المنع من تأويل آيات المشيئة وأمثالها مما شاع مع الخاصة والعامة في عصر النبوة والصحابة وانقضاء ذلك العصر الذي هو عصر الهدى المجمع عليه والبيان لِمُهمات الدين، ولم يذكر لذلك الظاهر تأويل ألبتة، ولا حذر من اعتقاد ظاهره، فإن العادة تقضي بذلك وإن لم يكن واجباً كما مرَّ تقريره. وثانيهما: أنه يُعْلَمُ من سياقها أن المراد بها التمدُّحُ بالقدرة على الهداية

стр. 2207

التي يستحق بها الثناء والثواب، ويلزم من لم يقبلها حصول الذم والعقاب، وهي الهداية التي تكرَّر وصف رسول الله ﷺ بالحرص عليها، والعجز عنها، والرغبة إلى الله تعالى فيها، والمبالغة في طلبها بعبارات متنوعة وصيغ مختلفة كقوله : ﴿إنَّك لا تهدي من أحببتَ ولكنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿لعلَّكَ باخِعٌ نفسَك أن لا يكونُوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠]. وأمثال هذه السياقات مما يدلُّ على أن الله لو شاء لحصل منهم المطلوب، ولكنه لم يشأ ذلك لبالغ حكمته التي عجز عن دركها أذكياء النُّظار، وعَشِيَتْ عن أنوارها المضيئة منهم الأبصار، وفيها قال الله : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وفي جواب: ﴿أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها﴾، قال: ﴿إنِّي أعلَمُ ما لا تَعْلَمون﴾ [البقرة: ٣٠]. ومن ذلك ما حكاه الله عن المشركين من قولهم: ﴿لو شاءَ الله ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] مع قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ (١) [الأنعام: ١٠٧]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] المعلوم (٢) أن هذه الهداية هي التي ينتفعون بها لا الإكراه الذي يمنع نسبة الفعل إلى المكره، ولا يُغني عنه شيئاً. وكذلك قوله : ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] أي:

стр. 2208

لكانوا مؤمنين ينفعُهم إيمانُهم، ويُنجيهم من عذاب الله، كقولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي: لصرفنا عن الشرك بمشيئته، فهدانا بالإيمان الذي به سَعِدَ (١) المؤمنون. وإذا تتبعت آيات المشيئة، اضطرَّك مجموعها إلى القطع بما ذكرناه، وأفادك رِكَّةَ تأويلات المعتزلة، بل بطلانها، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولو شِئْنا لرَفَعْناه بها﴾ بعد قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، فإن الآية الأولى دلَّت على أنه لما انسلخ من آيات الله باطراحها، والعمل بخلافها وقع في مَهْواةٍ من الهلكة، استولى عليه فيها الشيطان، ثم جاءت الآية الثانية مبينة أن الله لو شاء، لعصمه عصمة أوليائه الصالحين، فقال : ﴿ولو شئنا﴾ أي: أن نرفعه ونُنجيَه من الهلكة، ونَعْصِمَهُ من الوقوع في المعصية، لرفعناه بها، أي: بالآيات التي أوتيها، وهذه المشيئة التي دلَّت " لو " على انتفائها ليست هي مشيئة الإكراه، لأن تلك لا ترفعه ولا تنفعه، وعلَّلَ سبحانه عدم المشيئة بقوله: ﴿ولكنَّه أخْلَدَ إلى الأرضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] أي: بسبب ركونه إلى الأرض، ونسيانه الآخرة، واتباع هواه، استحقَّ انتفاء مشيئة نجاته وعصمته، فجعل الامتناع من رفعه عقوبته على اتباع هواه وإخلاده، لا عدم انتفاعه بإكراهه، ولا عدم القدرة على إرشاده، وفيه تنبيهٌ على أنه عُوقِبَ على اتباع هواه بترك هدايته النافعة، وأما ترك إكراهه، فليس بعقوبةٍ كما أن إكراهه ليس بنعمةٍ ولا مثوبةٍ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] فلو كانت هذه المشيئة المذكورة (٢) هي مشيئة الإكراه، لكان المعنى على زعمهم أنه لا

стр. 2209

يصح منهم الإيمان اختياراً، وإنما يصحُّ منهم مكرهين، وهذا غيرُ مُرادٍ بالاتفاق بينهم وبين أهل السنة. والمعلوم أن الآية مسوقةٌ لنفي تأثير كل من يعتقد أنه يُؤَثِّر في الإيمان من دون مشيئة الله، وسواءٌ ذُكِرَ (١) ذلك المؤثِّر في هذه الآية أو لم يذكر، فليس لقائلٍ أن يقول: إنهم لو سمعوا النفخ في الصُّور، ورأَوُا السماوات تمور، وشاهدوا بعثرة القبور، آمنوا، وإن شاء الله أن لا يؤمنوا، وذلك لأن هذه الأمور المسكوت عنها في الآية هي في حكم الأمور المذكورة في الآية. وإنما نظير هذه الآية في استواء المنطوق والمفهوم ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] في إفادة تحريم جميع أنواع الأذى، وإن لم يكن تأفيفاً ولا نهراً. وقد ألطف الزمخشري (٢) العبارة، وأغرب (٣) الحيلة في تأويلها، فحاول أن يجعل هذه الآيات في (٤) الآيات التي اقترحها المشركون، فتأوَّل قوله فيها: ﴿وحَشَرْنا عليهم كُلَّ شَيءٍ قُبُلاً﴾ بقولهم: ﴿أوْ تَأْتيَ بالله والملائكةِ قَبيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢]. وكيف يصح له هذا وتنزيل الملائكة هو الذي صدر الله به الآية، وخصَّصهم بذكر الإنزال، لكونهم في السماء، ثم عطف عليهم غيرهم بلفظ الحشر الذي هو بهم أليقُ من الإنزال، ثم جاء فيما عطفه عليهم بأدلِّ (٥) الأشياء على المغايرة، وهو كل شيء الذي لا يصلح (٦) أسماء للملائكة على جهة الحقيقة مطلقاً، ولا على جهة المجاز في هذا الموضع، والمجاز يحتاج إلى مساعدة القرينة، ولا نصَّ مع عدمها، فكيف مع دِلالة (٧) القرينة على بُطلانه؟

стр. 2210

وبالجملة: فلو سُلِّمَ للزمخشري ما حاوله من تنزيل الآية على ما اقترحوه من الآيات، لم يسلم لهم أن ما اقترحوه من الآيات غير مسقطٍ للاختيار في العادة لولا مشيئة الله تعالى، ولا له على ذلك دليلٌ، ولا يمنع من (١) ذلك مع بقاء مفهوم الآية في تعظيم تأثير إرادة الله تعالى، فإنها أعظم أثراً من قيام الساعة، فإن قيام الساعة لو أراد الله ما أثَّرَ في إيمان أحد. بل قد ورد النصُّ الذي لا يمكن تأويله بذلك حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] وحيث قالوا لأعضائهم حين أنطقها الله بالشهادة عليهم فيما جحدوا من الحق يومئذٍ: ﴿لِمَ شَهِدْتُم علينا﴾ [فصلت: ٢١] وتأويل هذه النصوص ممن تأوَّلها من أعظم الجنايات على الكتاب العزيز. وقد صح الامتحان بنوع من التكليف يوم القيامة كما يأتي في مسألة الأطفال، ووقعت المخالفة من بعض المكلفين (٢) يومئذ، وأجمع أهل السنة على صحة ذلك كما يأتي مقرَّراً إن شاء الله تعالى. وليت شعري ما المانع أن يقترح الكفار ما يسقط معه الاختيار في العادة، بل لم يزل دأبُهم اقتراح مثل ذلك، وقد نص الله سبحانه على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢١ - ٢٢]. فهذه آية واحدة مما ذكر الله سبحانه من تلك الآيات صارت ملجئة لهم إلى الإيمان بحيث لا ينفعهم عندها الإيمان، ولكنها لا تلجئهم إليه إلاَّ بإرادة الله سبحانه.

стр. 2211

وأوضح منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] أي: لم تكن كسبته من قبل كقوله: لَلْبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْني (١) أي: وقرارها، وهذا ليس من مقصودنا، ولكنه قيدتُه هنا خوف ضياعه. وبالجملة إما أن يُسَلِّمَ الزمخشري أن الآيات لا تؤثِّر في الاضطرار إلاَّ مع إرادة الله للاضطرار أو لا، إن سلَّم ذلك، لزمه مذهب أهل السنة: أن التأثير لإرادة الله تعالى، فلو شاء ما آمن أحد ولو يوم القيامة، ولو شاء لآمن كل أحد اختياراً ولو بأدنى الآيات أو بغير آية، وإن لم يسلم ذلك، قام عليه الدليل من العقل والسمع.

стр. 2212

أما العقل، فلأن وقوع الاضطرار إنما هو فعل الله تعالى في العبد، ولذلك كان اضطراراً، ولو كان فعل العبد، كان اختيارياً، فإذا كان فعل الله، توقف على مشيئته. بيانه: أنه راجع إلى قوة الرعب، وهو من مقدورات الله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، وقال رسول الله ﷺ : " نُصِرْتُ بالرُّعب " (١). يُوَضِّحه: أن قوة القلب وشجاعته ورقته وجبنه من فعل الله تعالى إجماعاً، وكل ذلك ما لا يقف على حد، فلو شاء الله، لزاد في قوة بعض القلوب حتى لا تخضع لآية، ولو شاء لأضعفه حتى ينفلق لأدنى خيالٍ لا حقيقة له. ومن الدليل على أن مذهب أهل السنة هو الفطرةُ التي فطر الناس عليها، أن (٢) المخالفين يرجعون عند تحقق الحقائق إليها، وقد ختم الزمخشري كتابه " الكشاف " (٣) بدعاء طويل جعل خلاصته أن يهب الله سبحانه له خاتمة الخير، بهذا اللفظ، فلو أنه حافظ على مذهبه في وجوب اللطف على الله، لكان ذلك التضرُّع الطويل لَعِباً وعبثاً لا فائدة فيه، لأن الله تعالى على زعمهم إن كان في علمه وقدرته لطفٌ لأحدٍ من جميع خلقه وجب عليه أن يفعله وجوباً يقبح منه تركه، ولا يُسَمَّى واهباً من قضى واجباً، وإن لم يكن ذلك في علم الله، فليس من مقدوراته حقٌّ يَهَبُه. ولهذه النكتة احتج الإمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة ﵇ على قدرة الله تعالى على هداية جميع المكلفين بإجماع المسلمين على سؤال الهداية واللطف، وهم لا يسألون الله تعالى ما لا يقدر عليه، وهذا واضح ولله الحمد والمنة.

стр. 2213

وأما الدليل على ذلك سمعاً، فقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] مع قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]. فانظر كيف نصَّ سبحانه على خضوعهم لآية واحدة، وذلك لا يكون إلا مع مشيئته سبحانه أن يخضعوا، ونص على عدم خضوعهم بفتح باب من السماء وعروجهم فيه، وهي من أعظم الآيات لما لم يُرِدِ الله خضوعهم لذلك، ولو أراد الله سبحانه أن يخضعوا لذلك أو لدونه، لطارت أفئدتهم، ولانت شدتهم لأقل من ذلك، ولكن حكمة الله جارية بوقوع الأشياء بأسبابها مع قدرة الله تعالى على وقوعها من غير أسبابها (١)، ولذلك قال في إنزال الملائكة يوم بدر: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وما أعظم اغترار الجُهَّال بالأسباب، ونسبة التأثير إليها دون ربِّ الأرباب، فهي على الحقيقة للغافلين أعظم حجاب، ومن أبياتٍ كنت قلتها في ذلك: حَجَبْتَ مَنْ شئت بالأسباب عنك فما ... يراكَ إلاَّ بصيرُ القلب ذو حَالِ وأوضح من ذلك كله قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فسبحان من هو بكل شيء بصيرٌ، وعلى كل شيءٍ قدير، وما كفرت الفلاسفة إلا لظنهم أن الأسباب مؤثرة لما رأوا من ملازمتها المسببات، كقولهم: إن إحياء الموتى من المحالات، وأمثال ذلك.

стр. 2214

ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. والدليلُ على أن الهداية في هذه الآية مما لا يصح تأويله بالإكراه أنها هداية مانعة من دخولهم النار، بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ فلو كانت هداية إكراه، لصحَّ أن يهديهم بها، ثم ملأ بهم جهنم، ولما كان لهذا (١) الاستدراك (٢) معنى، وسياق الكلام من أول الآية يؤيد هذا ويدل عليه. وذلك أن الكفار حين تحققوا صحة المعاد قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهذا الكلام إنما يليق لو كان الله -تعالى عن ذلك- لم يقدر على هدايتهم فيما تقدم من حياتهم الأولى، ولم يدعها عمداً لحكمة راجحة استأثر بعلمها، فلذلك رد الله عليهم بما يدل على سَبْقِ قدرته على ذلك، وإنه لو أراد ذلك لم يعجز عنه في حياتهم الأولى حتى يستدركه بعد البعث، والله سبحانه أعلم. ويوضحه قوله: ﴿ولو رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ومن هنا قالت المعتزلة: إن الله بناهم على بنيةٍ لا تقبل اللطف، وقد بيَّنَّا أول مسألة الإرادة أن تغيير تلك البنية مقدور لله عقلاً وسمعاً، وكفى دليلاً على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٥٠ - ٥١]، وقد تقدم الكلام عليها. بل هو سبحانه قادر على هدايتهم من غير تغيير بنيتهم، وكفى في بيان ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وقد تقدم الكلام عليها قريباً. فإن قيل: إنما أتى (٣) الاستدراك مع الإكراه للتنبيه على أن الإكراه مانعٌ أن

стр. 2215

يملأ بهم جهنم، لأنهم لا يتمكنون معه من الكفر الموقع في ذلك. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الإكراه وإن منعهم فعل القبيح، وما يترتب عليه من العذاب، فإنه لا يمنعهم استحقاق العذاب على ترك الواجب الذي منه التوحيد وشكر المنعم، لأن الإكراه على فعل الواجب لا يسقط وجوبه ممن لم يكن فاعلاً له لولا أُكْرِهَ عليه. وإنما قلنا هذا، لأن الآيات نزلت في حق المكلفين الذين ثبت وجوب الواجبات عليهم، وأما إكراه من ليس بمكلَّفٍ، فلا يُسمى إكراهاً، وإنما يقال: إنهم لم يكلَّفُوا ألبتة. ثانيهما: أن هذا إنما يتمشى لو سلم على مذهب أهل السنة، لا على طريقة المعتزلة، وذلك أنهم يقولون كلهم بوجوب الأصلح في الدين، فهذا التأويل يُبْطِلُ قولَهم، فإنَّ الأصلح في هذه الصورة أن يُكْرَهوا على الهدى ليَنْجُوا من العذاب، فإن (١) لم يُثابُوا، وقد دلت الآية على أنه ممكنٌ مقدور عليه، فتخلُّفه يرُدُّ عليهم قاعدتهم ردّاً صريحاً، وإن أحالوا حسن هذه الصورة على حكمةٍ لا نعلمها (٢) فهذا بعينه عمدة أهل السنة في تقرير السمع على ما هو عليه. وأي فرقٍ بين الصورتين مع السلامة من ارتكاب وجوهٍ من التأويل يغلب على الظن أو يتحقق بطلانها. فإذا ثبت سقوط هذا التأويل، فإنه يقتضي نفي المشيئة في شمول الهدى لجميع الناس هدىً ينتفعون به، ويسمون به مهتدين، ويستحقون به النعيم

стр. 2216

الأبدي، ويقتضي أن هذا الهدى أُوتيه بعضٌ ومُنِعَهُ بعضٌ بمفهوم هذه الآية وبمنطوق كثير من الآيات كقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وأمثال ذلك مما يكثر تعداده كقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، ومنه ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] فإنها لو كانت بمعنى الإكراه، لكان المعنى: وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يُكْرِهَكُم الله عليها، وهذا نقيض مذهب المعتزلة، بل مذهب الجميع أن الاستقامة لا تصح مع الإكراه. وإن قالوا: هذه المشيئة المنسوبة إلى الله هي مشيئة الطاعة التي تلازم الأمر عندهم، وقد شاءها الله تعالى فيما مضى، فالجواب من وجهين: الأول: أن تلك عندهم غير مؤثرة في وقوع الاستقامة، وهذه مرتبٌ (١) حصول الاستقامة عليها، فافترقا. الثاني: أن تلك حاصلة من قبل الأمر المقتضي للتكليف في الاستقامة أو معه، فلا يصح ترتيب حصول الاستقامة عليها، كما لا يصح ترتيبه على الأمر لأنهما عند المعتزلة في اللزوم سواءٌ، ولا يصح عندهم أن يقول الله تعالى: وما تشاؤون إلاَّ أن يأمركم الله، ولا جاء مثل هذا في آيةٍ ولا حديثٍ. فكذلك لا يصح مثله في إرادة الطلب اللازمة للأمر، لأن التكليف بالاستقامة مشروطٌ بحصول المشيئة المقارنة للأمر عندهم، فأيُّ فائدة في أن يقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] وقد شاء أن (٢) تستقيموا كلُّكم، فاستقام الأقل منكم، ولم يستقم الأكثر، فلم تُغْنِ مشيئته عن الأكثرين شيئاً، ولا أثَّرت في استقامة الأقلين، وهذا يناقض مقتضى الشرط في حق الكافرين، وهو باطل، أو عدم تأثيره فيه في حق

стр. 2217

المستقيمين (١)، وهو لغوٌ لا يصدر من الحكيم سبحانه، والمحتملات العقلية في الآية لا يتأتى على كل منها مصححٌ للتأويل في مذهب المعتزلة، لأن قوله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إما أن يكون مُطلقاً أو مقيداً بالاستقامة. وعلى كلا (٢) التقديرين، فإما أن يكون الاستثناء مُتَّصلاً أو منقطعاً. الوجه الأول: وهو أن يكون مطلقاً غير مقيد بالاستقامة، فهو يقتضي نفي المشيئة إلاَّ لحصول مشيئة الله ، وهذا بعينه هو قول أهل السنة هذا إن كان الاستثناء متصلاً، وهو الأمر الذي لا شك فيه، وإن قدَّرناه مُنقطعاً، لم يصح لا على مذهب المعتزلة ولا على مذهب أهل السنة، لاقتضائه نفي المشيئة عنهم مطلقاً غير مُخْرَجٍ منه شيءٌ ولا قائلٌ بذلك، ثم يكون الاستثناء على تقدير انقطاعه جارياً مجرى الاستدراك، فيكون المعنى: لكن مشيئة الله هي الثابتة الحاصلة، وهي أشد بعداً من مذهب المعتزلة، ولا يوافق مذاهب أهل السنة، لأنهم لا ينفون المشيئة المضافة إلى العباد، بل يثبتونها. وإن ادعى مُدَّع أن مفعول المشيئة المذكورة بعد إلاَّ على تقديرها (٣) منقطعة هو الإكراهُ لم يصح ما ادَّعاه، إذ لا مُشْعِرَ بهذا المفعول، ولا مُرَجِّحَ له على تقدير الاختيار، ثم هو باطل، لأنه يكون تقديره: ولكن مشيئة الله إكراهكم (٤). وحينئذٍ فإما أن يقدر الثبوت تماماً للكلام أو لا، فإن قُدِّرَ، فهو باطلٌ باتفاق الجميع، لأنه يقتضي أن مشيئة الإكراه واقعة، وإن لم يُقَدَّر، فهو باطلٌ لعدم (٥) تمام الكلام بعد " إلا " المنقطعة لا لفظاً ولا تقديراً، فإن الصحيح أن " إلا "

стр. 2218

المنقطعة بمعنى " لكن "، ولا بُدَّ لها من خبرٍ ظاهر أو مقدر، فالظاهر كقوله : ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ [يونس: ٩٨]، والمقدر كقولك: ما في الدار أحد إلاَّ حماراً، أي لكنَّ حماراً في الدار. ذكره نجم الدين (١). وقول سيبويه (٢): إلاَّ المنقطعة بمثابة " لكن " العاطفة، والمذكور بعدها مفرد، لا ينافي ما قلناه من لزوم تقدير الثبوت، لأنه الذي به حسن إيرادُها، لأنها تقتضي المخالفة اقتضاء " لكن " العاطفة. وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون مقيداً بالاستقامة، فإما أن يكون عامَّاً لكل أحد أو خاصاً بالمؤمنين، أو خاصاً بالكافرين، فأما الاحتمال الأول، فهو الأظهر، لأنه خطابٌ للمكلفين عموماً، وهو الذي تمسك به أهل السنة، فالمعنى: وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يشاء الله (٣) التي تنجيكم من العذاب يقتضي الاختيار من المستقيم. فدعوى المعتزلي أن التقدير: وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يشاء الله أن تستقيموا كرهاً، باطلٌ عند الجميع، لأن المؤمنين قد شاؤوا الاستقامة غير مُكْرَهين. ومن أجل ذلك جاء الزمخشري بحيلةٍ لطيفةٍ في تنزيل هذه الآية على

стр. 2219

مذهب المعتزلة، فقسَّم المخاطبين طائفتين، ووصف كُلَّ طائفةٍ بوصفٍ ينافي أختها، ثم قسم الاستثناء بينهم، فجعله (١) في حق قومٍ متصلاً وفي حق آخرين منفصلاً، ثم قيَّد المشيئة بعد " إلا " بقيدين مختلفين في حق الطائفتين، فقال: وما تشاؤون الاستقامة يا من يشاؤها إلاَّ أن يشاء الله أن تستقيموا بلطفه بكم، وما تشاؤون الاستقامة يا من لا يشاؤها إلاَّ أن يشاء الله أن يُكرهَكم عليها (٢). والدليل على فساد ما ذكره من وجوه: أحدها: أن هذا التقدير الذي قدَّره، والتفريق الذي أبداه لا قرينة تُشْعِرُ به، وما كان كذلك، فهو باطل، ولو صَحَّ مثل ذلك، لكان لكل أحدٍ أن يقدر في مطلقات كتاب الله تعالى ما يطابق هواه مما لم يقم عليه دليلٌ، ولا أشْعَرَتْ به قرينة. والعجبُ كل العجب من إنكاره تقدير مفعول أمرنا مُتْرَفيها بالطاعة، لعدم القرينة الدالة عليه عنده، وارتكابه أن التقدير فيها: أمرنا مترفيها بالفِسق، ففسقوا على معنى إسباغ النعم عليهم التي تقتضي غفلتهم (٣) عن ذكر ربهم، وتماديهم في طُغيانهم، فأطلق على هذا الأمر بالفسق مجازاً، هذا على أنه لم يُجَوِّدِ (٤) الاختيار في هذا الموضع، بل اختار خلاف المختار، وركب التعاسيف المؤدية إلى العثار، فإن السيد المرتضى الإمامي الحسيني (٥) ذكر في كتابه " الغُرر " (٦) أن

стр. 2220

التقدير في هذه الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا، وحذف المفعول اتِّكالاً على ما يقتضيه الأمر من الطاعة، وعلى مناقضة الفسوق للأمر، كما تقول: أمرتُه فعصاني، فإنه يعلم أن المراد: أمرته أن يطيعني فعصاني، وكلام المرتضى في هذا الموضع قويٌّ جداً، كما أن كلام الزمخشري فيه ساقطٌ جدّاً، فيقضي العجب من نسيان الزمخشري في آية المشيئة لفساد تقدير لم يقم عليه من الكلام قرينةٌ ولا دلَّ عليه دليل. وثانيها: أن الآية تقتضي ترتُّبَ مشيئة المكلفين على مشيئة الله تعالى ترتُّبَ المشروط على الشرط، والمسبَّب على السبب ولا يستقيم ذلك على تقدير الزمخشري. أما في حق من يشاء الاستقامة، فلأن اللطف لا يلزم من تخلفه عنده تخلُّف مشيئة الاستقامة ممن يشاؤوها، ولا يلزم أيضاً من وجوب وجوده وجودها منهم، ومثل هذا لا يصلح أن يرتَّب على حصوله (١) مشيئتهم. وأما في حق من لا يشاء الاستقامة، فلأنَّ الإكراه نسبة مشيئة الاستقامة إليهم، لأنه يسلُبُهم صفة المدح بها والوصف بالاستقامة التي أمر بها في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] والتي مدح الله بها ورتب الجزاء عليها في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فلا يصح نسبتها إلى المكره لا حقيقة ولا مجازاً. أما الحقيقة: فظاهر. وأما المجاز: فلعدم العلاقة الظاهرة ها هنا المقتضية لتشابه المجبور على الاستقامة والمختار لذلك، فإن هذه الأسماء التي في الاستقامة في هذا الموضع، والهدى والرِّفعة في غير هذا الموضع معدومةٌ عند القهر والعدم منقطعة التشبيه، ولو جاز وصف المجبورين بذلك لجاز وصف الممسوخين قردةً وخنازير

стр. 2221

بطاعة الله، والاستقامة على امتثال أوامره، لأنهم كانوا قردة حين قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسئينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وهذا لا يجوز حقيقة (١) ولا مجازاً، فكيف يصح أن يُحمل عليه كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأفصحه وأفضله. وثالثها: أن تقدير " إلا " في هذه الآية دليلاً على الاستثناء وعلى انقطاعه معاً يقتضي إطلاق المشترك على معنييه معاً، أو إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه، وهو باطلٌ، فهذا باطل (٢). بيان ذلك أن المشترك هو اللفظ المتناول لمعنيين فأكثر بوضعين مختلفين، فإطلاقه على معنييه معاً خلاف وضعه، حتى قال أبو هاشم: إنه محالٌ أن يُراد به معنياه معاً، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه مشهورة، وإنما أردنا الإشارة إليها. وأما الاحتمال الثاني، وهو اختصاصه لمن شاء الاستقامة، وهم المؤمنون، فلا يصح أيضاً، لأنهم إما أن يفسروا المشيئة باللطف أو يحملوها على ظاهرها. وعلى الثاني فإما أن تكون المشيئة هي المقارنة للأمر المقتضي للطاعة، أو تكون مشيئةً خاصة بالمؤمنين، والثاني هو مذهب أهل السنة، -وهو أن يراد بها المقارنة للأمر- باطلٌ لما تقدم من ترتب الاستقامة عليها، وجعلها مؤثرة فيها، والمشيئة المقارنة للأمر غير مُؤثِّرةٍ في حصول الاستقامة. وأما تفسيرُ المشيئة باللطف، فممنوع بعدم النقل الصحيح من اللغة في ذلك، ولا مُلجىء إلى التأويل كما تقدم. وعلى تقدير صحة المُلجىء للقاطع إلى ذلك، وصحة المطابقة لغةً ولو مجازاً، فذلك ركيكٌ جداً نازلٌ منزلة تحصيل الحاصل، وذلك لوجهين: الوجه الأول: أن اللطف بالكافر والمسلم معاً واجب عندهم على الله عز

стр. 2222

وجل، وهو لا يُخِلُّ بالواجب، فهو عندهم بمنزلة خلق القدرة، وما لا بد منه في التكليف لا يصلح إيراده على هذه الصفة، كما لا يصلُحُ أن يقال: لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلاَّ أن يخلقكم الله أو يقدركم عليها (١)، فهذا ما لا ثمرة في ذكره، لأنه معلوم، ومعلومٌ أنه معلوم، ولا يصح الإخبار بمثل هذا عند أهل العربية، ولا دخوله في كلام سائر العقلاء، فكيف بكلام أحكم الحاكمين؟! فإنه يُنَزَّلُ منزلة قول القائل: إن المعدوم أو الجماد: لا يستقيم حتى تخلق فيه القدرة. الوجه الثاني: أن لطف الله تعالى عندهم غير موجبٍ للطاعة، ولا مانع للمعصية، لأنه من قبيل الدواعي، ولا تأثير لها عندكم في الأفعال، وكذلك مشيئته، فدلَّ على أنها عندهم لم تُؤَثِّر أثراً في طاعة المطيع، وإنما هما إزاحة (٢) عذر لا غير. فعلى هذا كيف يصح اشتراط حصولهما في حصول أفعال المختارين الذين لا تقف أفعالهم عليها، بل الذي نفع (٣) السعداء اختيارهم ومشيئتهم، وليس لله تعالى في عملهم إلاَّ مثل ماله في عمل الكفار من خلق القدرة والتمكين مع الامتحان بشدة الرغبة في القبيح. فدلَّ على أنه لا بد من تأثير مشيئة الله تعالى، وإلا لكان الاستثناء لغواً، ولا تأثير لها عندهم في أفعال العباد الاختيارية، فتعين على هذا الاحتمال مذهب أهل السنة. الاحتمال الثالث: وهو اختصاصه بمن (٤) لا يشاء الاستقامة -وهم الكافرون- فإما أن يُجرى على ظاهره، فيكون المعنى: وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء الله أن تستقيموا، فتستقيمون، فهذا هو اختيار أهل السنة، وهو

стр. 2223

الحق، وأما أن تُحمل المشيئة المستثناة على مشيئة القَسْرِ والإلجاء، فهو باطلٌ بما تقدم. ونزيد هنا وجهاً آخر وهو أنه يقتضي أن الله أخبر المخاطبين من الكافرين أنهم لا يؤمنون خبراً مقطوعاً عن الاستثناء، وخبره سبحانه واجب الصدق، فلو آمنوا بعد ذلك، كان إيمانهم تكذيباً لخبره سبحانه، فيستحيل -والحال هذه- منهم الإيمان بصدق الله ورسوله، ويكون في تصديقه تكذيبه -تعالى عن ذلك- وهذا باطل، وما أدَّى إليه، فهو باطلٌ، فيلزم من ذلك بطلان التكليف أو تكليف ما لا يطاق، وليس هذا مثل قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] لأنه خطابٌ لنوح، لا للمشركين، فكأنه بمنزلة علم السابق المحجوب عن المكلَّفين، والفرق بينهما واضح، فإنه يبقى الابتلاء مع جَهْلِهم بذلك، ولا يبقى مع علمهم به، وقد أشار إليه ابن الحاجب في " مختصر المنتهى ". وأما قوله في أبي لهبٍ: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] فجعله ابن الحاجب مثل خبر نوح، كأنه التزم عدم بلوغه أبا لهب، وهو ممكنٌ، وفيه بعد، ويمكن عندي في ذلك أنه خرج مخرج الوعيد لا مخرج الخبر المحض عن الكائن في الاستقبال، وكل ما خرج مخرج الوعيد، فإنه مشروط بعدم التوبة كوعيد جميع العصاة، فيبقى معه الابتلاء صحيحاً، ولو لم يكن ذلك ظاهراً، فلا أقل من الاحتمال، ومعه يزول الإشكال. على أنه وإن قال قائل من أهل السنة بجواز انقطاع الابتلاء من بعض العُصاة قبل الموت والاضطرار إلى الإيمان، فإنه يَصِحُّ على قواعد أهل السنة من [أن] الله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما علمنا وجهلنا. وأقوى ما ورد في ذلك قوله تعالى للشيطان: ﴿لأمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ

стр. 2224

تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥] فقوله: " منك " نص فيه، والخبر فيه خاصة أظهر من الوعيد بقرينة إجماع المسلمين على أنه لا تُرجى له توبة. فأمَّا مذهب المعتزلة، فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك فيه، ولا يلزم منه تكليف ما لا يُطاق، لأنه إنما يلزم على تقدير أن يؤمن من أخبر الله أنه لا يؤمن، وذلك غيرُ واقعٍ قطعاً، ولا فرق بين التزام ذلك للمُحال، والتزام مخالفه علم الله تعالى لذلك، فكما أن علم الله لم يستلزم انقلاب الممكن لذاته مُحالاً، فكذلك خبره. وهذه المسألة هي المعروفة بالممتنع لغيره، ولا خلاف بين الأشعرية والمعتزلة في جواز ورود التكليف، وإنما اختلفوا في جواز التكليف بالممتنع لذاته، كما سيأتي بيانه ولا حجة بالممتنع لغيره على الممتنع لذاته (١)، لأنه لو خرج بذلك عن كونه مقدوراً أوجب خروج الرب سبحانه عن صفة القدرة لِسَبْقِ علمه تعالى بما هو خالقٌ وبما ليس هو خالقاً (٢)، وقد قال تعالى: ﴿كَانَ عَلَى ربِّك حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١] ولم يخرُج عن القدرة على خلاف ذلك. وهذا عارض، ولنرجع إلى المسألة المقصودة. فعلى هذا يمتنع في مذهبهم إخبار الله للمكلفين بذلك لعدم الابتلاء، ولأنه عندهم مفسدة، والمفسدة قبيحةٌ، ولأنه يؤدي إلى إفحام الرسل بالإيمان لاستلزامه (٣) حينئذٍ تكذيبهم، ويستلزم بطلان الترهيب والترغيب ومحو آثار الحكمة فيهما. فإن قالوا: إنه عمومٌ يجوزُ تخصيصه فيبقى الابتلاء.

стр. 2225

فالجواب: أن المعتزلة لا تجيز تخصيص العموم فيما يفيد الاعتقاد فقط بمخصصٍ غير مقارن للعموم، لأن ذلك عندهم يؤدي إلى اعتقاد الجهل في صحة العموم أول ما يسمع، أو التوقف في المراد إن لم يقطع بصحة العموم، ولا يجوز الخطاب عندهم بما لا يفهم المكلف المراد منه على التفصيل ولو قبل وقت الحاجة. فإن قيل: هذا الذي قدمتم من تأدية ذلك إلى ما لا يجوز دليل عقلي إجمالي يدلُّ على أن العموم غير مراد، لأن إرادته تستلزم تلك المفاسد. فالجواب: أن الدليل الإجمالي لا يصح عندهم إلاَّ عند أبي الحسين، وذلك لأنه عندهم (١) يؤدي إلى خطاب المكلفين بما لا يفهمون، وهو عندهم قبيحٌ، وليس الفهم الجملي عندهم كافياً، وإلا جاز خطاب العجمي بالعربية، لأنه يفهم أن له معنى في الجملة، والرد عليهم في هذه المذاهب مُبَيَّنٌ في كتب أصولِ الفقه، وإنما الغرض بيان بطلان تأويلهم في هذه الآية على قواعدهم. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاءَ الله﴾ [التكوير: ٢٩] على ظاهره يناقض قوله في الآية: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُم أن يَستَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] لأن أولها يدل على التمكين، وآخرها يناقضه. قلت: أما أنَّ أولها يدل على التمكين، فصحيحٌ، وأما أن آخرها يناقضه، فممنوع، بل هو يدُلُّ على أن عبد السوء إذا لم يُعْطَ من الهدى (٢) إلاَّ ما تقوم به الحجة، ويصح معه الفعل والأمر والنهي والثواب والعقاب، لم يفعل إلاَّ ما وافق هواه حتى يتفضَّل الله عليه بالهدى الزائد على القدر الذي يصح معه الفعل، وتقوم به الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور: ٢١] وفي مثله يقول سبحانه: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥].

стр. 2226

وسيأتي تعليل التخصيص بالعلم والحكمة، لقوله: ﴿وأضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقوله في إبراهيم ﵇: ﴿وكُنَّا به عالمين﴾ [الأنبياء: ٥١]. ومنه قوله : ﴿ولو شاءَ الله لَجَمَعَهُمْ على الهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] لا يَصِحُّ تأويله بالإكراه، لأنه يؤدِّي إلى محو اسم الهدى عندهم، لأنه صفة مدح، وهو الاهتداء الذي من فِعْلِ العبد يمدُح عليه (١) ويُثاب، وهو الذي لا يذكر مفعولُهُ في آيات كثيرة، أعني مفعوله الثاني المذكور في قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقيم﴾. ومثال الآيات التي لا يذكر فيها المفعول الثاني قوله : ﴿إنك لا تَهْدِي من أحببتَ ولكنَّ الله يَهْدي من يشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وكقوله: ﴿يهدي به من يشاءُ من عباده﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي من يشاءُ﴾ [النمل: ٩٣]، وقوله: ﴿من يَهْدِ الله فهو المُهْتَدي﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ الله فما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧]، وقوله: ﴿فلو شاءَ لَهَدَاكُم أجْمعينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وحاصلُ الأمر: أن الهدى في كتاب الله على ثلاثة أقسامٍ، ثالثُها مجاز. القسم الأول: هدىً هو فعل الله لجميعِ المكلَّفين وهو نوعان: النوع الأول: وهو نصبُه الدلالة والتعريف لا اختيار للعبد فيه، وهو من قبيل العلوم الضرورية كالعقل، والعلم الضروري يُسميان هدى، بل هما أساس الهدى، ومن ذلك قوله : ﴿وأمَّا ثمودُ فَهَدَينَاهُم﴾ [فصلت: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿الذي قدَّر فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]، وإنما حُذِفَ مفعول " قدَّر "، ومفعول " هدى " للتعميم بدليل سائر الآيات، وقوله : ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾

стр. 2227

[البلد: ١٠] أي: طريق الخير والشر، فسمى مطلق التعريف الذي لا يستحق عليه ثوابٌ هداية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وقوله: ﴿إنَّ علينا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقوله: ﴿فألهَمَهَا فُجورها وتقواها﴾ [الشمس: ٨] وقوله تعالى: ﴿بلى قد جاءتك آياتي فكذَّبْتَ بها﴾ [الزمر: ٥٩]، جواباً على من قال: لو أن الله هداني، ولذلك ذكر الجواب عليهم بالهدى العام الذي هو بعثة الرسل، وإقامة الحجة، وهو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربُّك من بني آدم﴾ إلى قوله: ﴿أنْ تقولوا يومَ القيامة إنَّا كُنَّا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿لِئَلاَّ يكون للناسِ على الله حجةٌ بعد الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥]. النوع الثاني من القسم الأول الهدى الخاص، وهو اللطف والتثبيت (١)، والعصمة والتأييد وما في معناها، وهو يختص بمن اقتضت حكمة الله تخصيصه به. القسم الثاني: هدىً هو فعل العبد، وهو المتوقف على اختياره، وهو العمل بمقتضى الهدى، وهو المعبر عنه بالاهتداء في قوله : ﴿مَنْ يَهْدِ الله فهو المهتدي﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقوله: ﴿فعسى أولئك أن يكونوا من المُهْتَدينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله: ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧]، وقوله: ﴿فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]، وقوله : ﴿والذين اهتدوا زادهم هُدىً﴾ [محمد: ١٧]. ففعل العبد هو (٢) قبول الهدى كما ذكرنا، ثم إني وقفت على نحو هذا مما حكاه النواوي عن العلماء كافة، فقال في كتاب الجمعة من " شرح مسلم " (٣) ما لفظه: قال العلماء: لفظ الهُدى له معنيان: أحدهما: الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد،

стр. 2228

قال الله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، و ﴿إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ﴾ [الإسراء: ٩]، و ﴿هُدىً للمتقين﴾ [البقرة: ٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿وأما ثمودُ فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧] أي: بينا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وهديناه النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. والثاني بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد، وهو الذي تفرد الله تعالى به، ومنه قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببتَ ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦]. الثالث: الهدى المجازي، ولا بد فيه من ظهور القرينة كقوله : ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣]، وقوله: ﴿فأنه يُضِلُّهُ ويَهْديه إلى عذابِ السعير﴾ [الحج: ٤] ولا بُدَّ فيه من ذكر المفعول الثاني، لأنه قرينته الدالة على المراد منه. إذا ثبت ذلك، فآيات الهدى المعلق على ثبوت المشيئة هنا لا يصلح جعلها من القسم الثالث لفقد القرينة، ولا من القسم الأول، وهو نصب الدلالة مطلقاً لثبوته للجميع في غير آيةٍ كما قدمناه، وهذه الآيات التي فيها المشيئة تقتضي أنه لم يكن، وكذلك الآيات المطلقة في قوله: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُلَ السلام﴾ [المائدة: ١٦]، وقوله: ﴿سَيَهْديهم ويُصْلحُ بالَهُم﴾ [محمد: ٥] يدلُّ على أنه هدىً خاص يستحق به العبد الثواب والثناء لا الهدى الذي لا اختيار معه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]. وقوله: ﴿ولو شاءَ الله لجمعهم على الهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].

стр. 2229

وقوله: ﴿ولَوْ شاءَ ربُّك لجَعَلَ الناس أُمَّةً واحدةً﴾ [هود: ١١٨]. وقوله: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [النحل: ٩]. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. فهذه الآيات لا يصح تأويلها بمشيئة الإكراه في الكافرين ومشيئة الاختيار في المؤمنين، لأنهم حينئذٍ يكونون (١) أمتين مختلفتين لا أمةً واحدة كما تقدم في تقريره في قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ [التكوير: ٢٨]. وهو قد تمدح بأنه لو شاء، لجعلهم أمة واحدة، ولا بد لتأكيد الأمة بواحدةٍ من فائدة، وما هي إلاَّ عدم افتراقها وتشعبها، ولا يمكن تأويل ذلك بجمعهم على الكفر فقط، لقوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ونحوها. وأصرح من هذه الآيات، وأبعد من التأويل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، فهذه مصادمة لمذهب المعتزلة مُصادمة النصوص. وكذلك قوله: ﴿ولا تقولَنَّ لِشَيءٍ إنِّي فاعلٌ ذلك غداً إلاَّ أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٤] لا (٢) يصح حمله على مشيئة الإكراه، لأنها تناقض معنى الفاعلية، كما لا يصح الاحتجاج على الخبر، ونفي الاختيار بها لمثل ذلك، ومنه قوله: ﴿إنَّ رَبِّي لطيفٌ لِما يشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، فلا يصح تأويله بمشيئة الإكراه، لأنها تناقض معنى (٣) اللطفِ.

стр. 2230

وكذلك قوله: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ من يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] لأن المقهور غير حكيم. و ﴿مَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] لأن المقهور غير مفتون إلاَّ إذا كانت بمعنى العذاب. وكذا قوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببتَ ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] لأنه لا يصح أن يكون المعنى: لا تُكْرِهُ على الهدى من أحببت، ويلزم أن تكون الثانية مثلها، وإلا لم يحسن الاستدراك، وكان بمنزلة أن تقول: ولكن الله يرزق من يشاء. ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٧ - ٨٨]، وبيانه: أن ذلك في قوله تعالى: ﴿ذلك هدى﴾ إشارة إلى ما تقدم من هداية أنبيائه وأوليائه والضمير في قوله: ﴿يهدي﴾، راجعٌ إلى ذلك الهدى الذي هدى به أنبياءه وأولياءه (١)، هو الهدى الذي يهدي به من يشاء من عباده، والمعلوم أن هدى من تقدم ذكره ما كان إلاَّ اختياراً لا قسراً. وإذا ثبت أن هدى من تقدم ما كان إلاَّ اختياراً وجب أن يكون هدى من شاء من عباده مثله، لأنه هو. وأما الدليل على أن الضمير في " يشاء " راجع إلى الله تعالى لا إلى " من " فوجوه (٢): أحدها: أنه جاء كذلك في آيات كثيرة مصرحاً به، ولم يأتِ على العكس، والقرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضاً، ولو سلمنا إجمال هذا كان في ذلك التصريح كفاية.

стр. 2231

وثانيها: أن الهدى في أول الآية مضافٌ إلى الله تعالى كذلك آخرها. وثالثها: أن هذا مجرد دعوى من غير دليلٍ، وتجويز هذا حرامٌ وِفاقاً خصوصاً في تفسير كتاب الله. ورابعها: أنه يفسد مرادُهم على تسليم صحة تأويلهم، فإنه حينئذ يدُلُّ على قدرة الله على هداية الجميع، إذ لو كان لا يَقْدِرُ إلاَّ على هداية البعض لم يحسن منه التمدح بهداية من يشاء الهداية من جميع العباد، وتكرير التمدح بذلك من غير إشعار بتخصيص، وما يدعونه من المخصصات العقلية ممنوعٌ، بل معكوسٌ كما أوضحناه في هذا الكتاب. وذكر الرازي أنه لا يحبُّ الجهل أحد، فإن الله قادر على تعريف جُهَّال الكفرة بما جَهِلُوه من علوم الإسلام، ونفيه لمحبة الجهل صحيحٌ على جميع القواعد كما سيأتي بيانه في مسألة الدواعي. وخامسها: -وهو المعتمد- ما تقدم من أن نفوذ مشيئة الله معلوم من ضرورة الدين لمن لم يعتقد أنه من جملة المحالات، وقد تقدم بيانه. وسادسها: أنه يلزم الاحتمال في قولنا: زيدٌ يكرم من يشاء، أو رجحان رجوع الضمير إلى " من " أو إلى " زيد "، وكلاهما عنادٌ واضح. فإن سلموا رجحان رجوع الضمير إلى زيدٍ في هذه الصورة لزمهم رجوع الضمير إلى مثله وإلى مثله في أمثالها، وإن (١) خصُّوا بقلب المعنى كلام الله لأجل الدلالة العقلية، فقد سلَّموا أن ما قلناه هو ظاهرُ كتاب الله، وقد تقدم أن تأويل هذا المعنى بدعةٌ حادثة، وأن العقل موافقٌ للسمع في ذلك. ومن ذلك تمدُّحه تعالى بأنه فعَّالٌ لما يريد، وأنه يفعل ما يريد، لأنه لا يجوز

стр. 2232

أن يكون معناه بعض ما يريد، لأن جميع عباده الضعفاء كذلك يفعلون بعض ما يريدون ويفوتهم بعضه، فوجب أن يكون الربُّ هو المختص بفعل جميع ما يُريد لا يتعذَّر عليه شيءٌ، فوجب متى أراد أن يلطف بعبد أن يقدر على ذلك وإن كان العبد أكفر الكافرين، وأفجر الفاجرين. وهذا كله زيادة بيان على جهة التفصيل، والعمدة ما قدمته من الوجه القطعي الجُملي من أن آيات المشيئة لو كان ظاهرها قبيحاً باطلاً، لقضت العادة بالتعريف بذلك في عصر النبوة والصحابة والتابعين، فثبت بمجموع هذه الآيات وأمثالها وما عضدها من الأحاديث الصِّحاح وآثار الصحابة والتابعين (١) مع الأدلة العقلية القاطعة أن إرادة الله سبحانه نافذةٌ، ومراداته كلها واقعة. والعجب من مخالفي أهل السنة في تأويل جميع ذلك، واعتقاد أنه من المتشابه كما صنعوا مثل ذلك في آيات الصفات، وليس يصح أن يكون في القرآن متشابه إلاَّ وفيه محكمٌ يُرَدُّ إليه ذلك المتشابه كما قال تعالى، ولم يرد في آيةٍ واحدة، ولا في حديثٍ واحد من حديث رسول الله ﷺ ، ولا في أثرٍ واحد من آثار الصحابة ﵃ أن الله تعالى يريد ما لا يكون، بل ما يعلم أنه لا يكون أبداً، كما لم يَرِدْ في شيء من ذلك أن الله تعالى لا يهدي من يشاء، ولا يقدر على اللطف بمن يشاء كما هو الحق الواضح، والمحكم البين عند المعتزلة. وما أفحشَ ما ادَّعوا أنه الحق، وأخبثه في الأسماع وأوحشه في الإسلام، وجميع آيات المشيئة تقتضي تنزُّه (٢) الرب ﷻ ، وترفعه عن هذه النقيصة التي لا تليق بكمال ربوبيته وجبروته وقدرته وقوته وعِزَّتِه، وما قنعت المعتزلة بإنكار هذه الصفة الشريفة حتى كفَّرت من آمن بما ورد في كتاب الله تعالى من

стр. 2233

ذلك، فزادت على الخوارج فإنهم كفَّروا المسلمين بأصغر الذنوب، وهؤلاء كفروهم بأعظم الحسنات، وهو الإيمان بكتاب الله تعالى. ولنذكر الآن شبهة المعتزلة في إيجاب اللطف على الله تعالى حتى يظهر ضعف ما عارضوا به هذه الأدلة الباهرة المتظاهرة، فنورد كلام الإمام يحيى بن حمزة في كتاب " التمهيد " لأنه من المُبالغين في النظر في علومهم، والناصرين لكثيرٍ من مذاهبهم، وإنما يخالفهم فيما اتَّضحت ركَّتهُ، وظهر ضعفه مثل هذه المسألة. فنقول (١): قال في " التمهيد " في أوائل الباب الأول في النبوات ما لفظه: فلِمَ قلتم: إن اللطف واجبٌ؟ قالوا: لأمرين: أمَّا أولاً، فلأنَّ اللطف جارٍ مجرى التمكين. قلنا: لا نُسَلِّمُ. قالوا: إن من قدم الطعام إلى إنسان (٢)، وأراد من ذلك الإنسان أن يتناول (٢) من ذلك الطعام، فإنه لا يتناول منه (٢) إلاَّ إذا تواضع له، فإنَّ تركه للتواضع يقدح في كونه مريداً من ذلك الإنسان أن يتناول طعامه. قلنا: لا نُسَلِّمُ أن تركه للتواضع، والحال هذه مقدرة (٣) يقدح في كونه مُريداً على الإطلاق. وبيانه: أن الإرادات مختلفة بحسب العادة والأخلاق، فقد يكون الإنسان مُريداً من غيره أن يتناول طعامه إرادة بالغة في العادة مبلغاً عظيماً، حتى إنه يقدر

стр. 2234

في نفسه أن يفعل كل ما يعلم أن ذلك الضيف يتناول طعامه عند فعله، وقد يكون مُريداً من غيره أن يتناول طعامه، ولكن لا إلى هذا الحد. فإذا عرفت هذا التفصيل، فنقول: الإرادة إذا كانت واقعة على الوجه الأول كان ترك التواضع قادحاً فيها، فأمَّا إذا كانت واقعة على الوجه الثاني، فلا نُسَلِّمُ أن ترك التواضع يقدح فيها، والعلم بذلك بعد الاختيار ضروري. إذا ثبت ذلك قلنا: لِمَ قلتم: إن الله تعالى أراد من المكلفين فعل الطاعات والاجتناب عن المعاصي على الوجه الأول حتى يلزمه فعل اللطف. بيانه: أن التكليف إنما هو تفضُّلُ وإحسانٌ، والمتفضِّلُ لا يجب عليه أن يأتي بأقصى مراتب الفضل. فإذا كان الأمر كما ذكرنا حَسُنَ من الله تعالى أن يريد من المكلف فعل الطاعة، وترك المعصية على الوجه الثاني، وعلى هذا التقدير لا يلزم من ترك اللطف القدح في الإرادة. وأما قولهم ثانياً: إن ترك اللطف كفعل المفسدة. فنقول: ما عنيتم بقولكم: كفعل المفسدة، بمعنى أن حقيقة أحدهما كحقيقة الآخر، فهو باطلٌ قطعاً، لأن عَدَمَ فعلٍ لا يكون مثلاً لفعل آخر. وإن عنيتم أن ترك اللطف يماثل فعل المفسدة في القبح، فهذا خطأ أيضاً، لأن (١) ترك اللطف إنما يماثل فعل المفسدة في القبح لو كان فعل اللطف واجباً، وهذا هو أول المسألة. لا يقال: إنا نعني بهما تماثلهما في كونهما ضرراً بالغير، وذلك علة القبح، ويلزم من الاشتراك في العلة الاشتراك في الحكم، لأنا نقول: الفرق بينهما

стр. 2235

ظاهر، لأنه لا معنى (١) لكون ترك اللطف لم يكن (٢) ضرراً إلاَّ أنه ترك الانتفاع، ولا يلزم من قبح فعل الإضرار قبح ترك الانتفاع، ألا ترى أنه يقبح منا أن نَضُرَّ بالفقير، ولا يقبح منا أن لا ننفعه، فحصل الفرق. انتهى بحروفه. وهو يقتضي بطلان قول المعتزلة: إنه ليس في معلوم الله ولا مقدوره لطفٌ لأحد من العصاة، والحمد لله على موافقة هذا الإمام في هذه المسألة الجليلة، فإنه من عيون أهل البيت ﵈، وإن كان المختار في الاستدلال هو ما أشرت إليه من الوجوه العقلية والنقلية. والذي ذكره الإمام زيادةٌ وإفادة، وقد أحال الإمام في " النهاية " و" الشامل " إلى كلامه في " التمهيد "، فدلَّ على بقائه عليه، وذكر الإمام يحيى بن حمزة في كتابه " النهاية " لمن لم يوجب اللطف من المعتزلة ثلاث حُجَجٍ. الحجة الأولى: أنه لو وجب ذلك، لفعله الله، ولو فعله لم يوجد في العالم كافرٌ. الحجة الثانية: حسن سؤال العافية من الألم، وعلى كلام المعتزلة لا يحسن ذلك لتجويز أنه لُطْفٌ واجب. الحجة الثالثة: يلزم لو كان مكلَّفٌ يختار الإيمان عند فعل، ومكلَّفٌ آخر يختار الكفر عنده أن يكون واجباً قبيحاً بالنظر إلى الجهتين (٣). وأشار في الفصل الثاني من الأصل الخامس إلى حجةٍ أخرى، وهي الاجتماع (٤) على حُسْنِ الرغبة من كل مكلَّفٍ إلى الله تعالى أن يلطف به، وذلك يدلُّ على قُدرته على ذلك وأنه غيرُ مُحال.

стр. 2236

وحكى في الفصل الثاني هذا عن قاضي القُضاة أنه حكى عن قومٍ أنهم منعوا من تكليف من لا لطف له، وأما من علم الله أن اللطف له في فعلٍ قبيحٍ من الله، فأربعة أقوال: الأول: لأبي هاشمٍ، أنه يحسن تكليفه، ويكون بمنزلة من لا لطف له. الثاني: لأبي عبد الله البصري، أنه لا يحسن. الثالث: أنه لا يسمى لُطفاً لقبحه، فيجوز التكليف بدونه، وهو قول الشيوخ. الرابع: لقاضي القضاة، أنه لا يحسن، لأنه غير مُزاحِ العلة. وإنما ذكرت أقوالهم هذه ليعتبر السُّني من فضول الكلام إلى ما لا (١) ينتهي بأهله من الحكم (٢) على الله تعالى، وتنزيل حكمته على قدر أفهامهم القاصرة في المواضع الخفية التي تختلف فيها أفهام العقلاء، وخوضهم (٣) في ذلك مع عدم الضرورة إليه، وتكفيرهم لأهل السنة مع عفو بعضهم عن بعض. ألا ترى أنه يلزم قاضي القضاة تكفير سائر الشيوخ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى جواز تكليف من لا يجوز تكليفُه، وذلك قبيح، ومن جوَّز القبيح على الله، فهو كافرٌ لكن بشرط (٤) أن يكون من أهل السنة. وكذلك اختلافهم في الأعراض يوجب التكفير عندهم ولا يكفر بعضهم بعضاً، وسيأتي ذلك. وقد تمَّ الكلام في نفوذ مشيئة الله تعالى وإرادته (٥)، وهذه المسألة هي رأس

стр. 2237

الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، ولم يتحقق من اختلافهم في سائر المراتب الثلاث الماضية ولا فيما يأتي الآن في المرتبة الخامسة ما يوجب التنافي الكثير، فإن المعتزلة تُقِرُّ بأن الله خيَّرَ (١) الخلق على التكليف الاختياري، وهي المرتبة الأولى. وتُقِرُّ بالقضاء والقدر بمعنى العلم والكتابة، وأن ما علمه الله لم يقع سواه قطعاً، وهذه المرتبة الرابعة. وتقر بأن ما دعا إليه الداعي الراجح، وقع قطعاً، وهذه المرتبة الثالثة. ويأتي في المرتبة الخامسة إقرار أهل السنة أجمعين أن العبد مختارٌ في فعله حتى في قول غُلاتِهم في الجَبْرِ. فوضح لك أن حقيقة اختلافهم إنما هو في مسألة الإرادة، وإنما بَيَّنْتُ لك هذا لِتَخُصَّها بفضل التأمل التام، والنظر الصحيح، وتضرع إلى الله أن يَهْدِيَك إلى المنهج القويم والصراط المستقيم، فإنه سبحانه كما قال في كتابه: ﴿لَطيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، و ﴿يُؤْتي الحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، و ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨]، و ﴿بيدِهِ الملكُ وهو على كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ﴾ [الملك: ١]، و ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ بَصيرٌ﴾ [الملك: ١٩]. وأما شُبَهُ المعتزلة السمعية في هذه المسألة، فهي ضعيفة جداً، وجوابُها يظهر بأدنى تأمُّلٍ بحمد الله تعالى، وهي أنواعٌ. النوع الأول منها وهو أهمُّها: ما حكاه الله تعالى عن المشركين من تعرُّضِهم لإفحام الرسل كما تعرَّضت المعتزلة لإلزام أهل السنة ذلك بقولهم: إن مشيئة الله نافذةٌ، وقد سبقهم المشركون إلى الاحتجاج بذلك على الله

стр. 2238

تعالى، ثم على رُسُلِه الكرام ﵈، وجاء سؤالهم وجوابه في كتاب الله تعالى، وأفحم الله تعالى المشركين وأسكتهم، فما فَهِمَتِ المعتزلة. فالعجب منهم مع دعواهم للنظر الدقيق كيف حسبوا أن الله كرَّر شُبَهَ المشركين وقرَّرها وأجابها عليهم بجوابٍ غير مقنع، ولنذكر الآيات الواردة في ذلك، وهي ثلاثٌ. الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٥ - ٣٧]. وهذه أبين الآيات وأبعدها من الاشتباه، وقد بيَّن الله سبحانه أن شُبَهَهُم (١) هذه من قبيل قول الخوارج: لا حكم إلاَّ لله، وجوابهم من قبيل قول علي ﵇: إن هذه كلمة حقٍّ يُراد بها باطل (٢).

стр. 2239

وذلك أنه سبحانه أجاب عليهم بقوله: ﴿فَهَلْ على الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبينُ﴾، وصدَّر الجواب بالمبالغة في الاستنكار حيث استعار للاستنكار حرف الاستفهام، فإن الاستنكار لا يورد على صيغة الاستفهام إلاَّ في المعلومات التي لا يتجاسَرُ الخصم على العناد في إنكارها كما يعرف ذلك أدنى من له ذوقٌ. ولذلك نظائرُ، منها: قوله تعالى: ﴿هَلْ جزاءُ الإحسانِ إلاَّ الإحسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله: ﴿وَهَلْ يُجازَى (١) إلاَّ الكَفورُ﴾ [سبأ: ١٧]. وتقول لمن أساء إليك وأحسنت إليه: هل قدمت إليك ما يوجب الإساءة؟ وبيان ذلك من العقل: أن الله تعالى لمَّا نصَّ في كتبه الكرام، وعلى ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام أنه أراد ابتلاء الخلق وتمحيص المؤمنين، وتمييز الخبيث من الطيب بأنه حفَّ الجنة بالمكاره، وحفَّ النار بالشهوات (٢)، حتى ابتلى خليله ﵇ بالأمر (٣) بذبح ولده، وقال: ﴿إنَّ هذا لَهُوَ البَلاَءُ المُبينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، وحتى أنكر ورود التكليف بغير هذه الصفة بعبارات كثيرة (٤) مختلفة متنوعة، يطولُ ذكرُها، وسيأتي منها طرفٌ صالح عند ذكر الكلام في المرتبة الثالثة في الدواعي قريباً.

стр. 2240

ثم عند ذكر حكمة الله تعالى في التكليف، وفي المتشابه، وفي تقدير الشرور في مسألة الأقدار من ذلك قولُه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، كان من رعونة المشركين، وقلة تمييزهم المجادلة بما علموا أن الأنبياء جاؤوا به، وجَهِلَتْه (١) المعتزلة من نفوذ مشيئة الله من غير مَثْنَوِيَّةٍ (٢)، ولولا علموا ذلك ضرورة من دين الأنبياء ما احتجوا به، ولو جوَّز المشركون أنه يوجد من يقول: إن الله لا يقدر على هداية عاصٍ، لعدلوا عن هذه الشبهة إلى قولهم: لو شاء الله ما خلقنا أو ما كَلَّفنا، فإنهم قوم خَصِمُون كما وصفهم الله تعالى، وهم أحذق من أن يحتجوا على الأنبياء بما لا يلتزمونه، وهم أهل اللسان العربي والفهم لدقائقه، والقرآن الكريم نزل على لُغتهم، و" لو" في لغتهم موضوعة لامتناع الشيء لامتناع غيره، فمعنى كلامهم أن إيمانهم امتنع لامتناع مشيئة الله، فلو كانت مشيئة (٣) حاصلة من الله عند الأنبياء ما نَطَقَ بها (٤) فرسان البلاغة، كما لا يحسن أن يقولوا: لو أمرنا الله ما أشركنا، ولا: لو أرسل الله إلينا ما أشركنا، وإنما يوردون ما هو ممتنع، مثل ما أوردوا مثل ذلك في إنزال الملائكة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٤]. وأما قول من قال منهم: إن الله أمرهم بالفحشاء، فإنهم لم يريدوا أمر بها على يدي محمد ﷺ ، لأنهم غير مصدقين له فيما جاء به، وإنما ادَّعَوْا ذلك فيما

стр. 2241

توارثوه عن آبائهم عن الشرائعِ المتقدمة التي يمكن الكاذبُ الكذب عليها. والعجبُ أنهم مع طول مخالطتهم للأنبياء ومجادلتهم، لم يعرفوا ما عرفته المعتزلة من أن عقيدة الأنبياء أن الله أراد ما علم أنه لا يكون، ولا فهموا ما فهمته المعتزلة من لغتهم أن الأمر لازمٌ للإرادة، فلو كان لغتهم تقتضي (١) ذلك، لم يُطيلوا اللجاج بمثل هذا الإلزام الذي يعلمون ظهور فساده. وأعجب من هذا أن هذا السؤال تكرَّر منهم، وذكره الله في كتابه الكريم مكرراً، فما أجاب عليهم في آيةٍ واحدة بالجواب الحقِّ على قول المعتزلة، فيقول مثلاً: وقد شاء الله أن يؤمنوا، وأراد ذلك كما أجاب على من افترى، وقد زعم أن الله أمر بالفحشاء، فقال تعالى: ﴿إنَّ الله لا يأمُرُ بالفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، بل عَدَلَ عن هذا بالمرة، وأعاد شبهتهم بنفسها مقرِّراً لكونهم نطقوا (٢) بالحق متوصِّلين به إلى الباطل على نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وذلك ظاهر في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الذين أشركُوا لو شاءَ اللهُ ما أَشْركنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قوله: ﴿كَذلك كَذَّبَ الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ ... قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] بمنزلة قوله ﴿والله يعلمُ إنك لرسولُه﴾، إذ كل منهما تقريرٌ لصحة ما نطق به الخصم، وقوله: ﴿قُلْ فَلله الحُجَّةُ البالغة﴾ [الأنعام: ١٤٩] كقوله: ﴿والله يَشْهَدُ إنَّ المُنافقينَ لكاذِبونَ﴾ [المنافقون: ١]، إذ كل منهما مُناقضةٌ لمقصود الخصم، ودلالة على أن ما نطق به من الحق غير مستلزم ما قصد من الباطل والتمويه، بل ظاهر آية المنافقين بين الحاجة (٣) إلى التأويل

стр. 2242

لتكذيبه لهم فيما قالوه من الحق، ولذلك تمَسَّك به الجاحظ في أن المطابقة لا تكفي في الصدق إلاَّ مع اعتقاد المتكلم لصحتها، وأما آيات المشركين فإنها مُصَرِّحةٌ بتقرير مذهب أهل السنة لنصوصه (١) عليه دون غيره. والعجب أن المعتزلة احتجوا بها وهي بريئة من ذكر مذهبهم، وأرادوا إبطال مذهب أهل السنة إلى غيرها، ولو لم يرد في كتاب الله سواها، لما احتاج أهل السنة إلى (٢) غيرها في تثبيت مذهبهم، ألا تراهُ يقولُ في هذه الآية: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقال في الآية الأولى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وقال فيها: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] ولم يقل كما قالت المعتزلة: فمنهم من اهتدى ومنهم من لم يقدر الله على هدايته، وهذا موضع الحاجة إلى بيان الحقِّ ومحو (٣) تمويه المشركين، فكيف يُقَرّرُ في نفس الجواب ما يقتضي عند المعتزلة إفحام الرسل؟ وهل يصح مثل هذا من حكيم؟ ولو قدرنا حسن ورود المتشابه، فليس في مثل هذا المقام، فهذا مقام الحجاج والبيان، وإيراد المتشابه هنا يوهم صحة الإشكال، والعجز عن الجواب، ويُغري بالقبيح ويحطُّ رتبة المجيب، فإلى متى يُؤَخَّرُ المحكم، ويأتي بيان الحق، ولا مخبأ بعد بؤسٍ، ولا عطر بعد عروسٍ (٤).

стр. 2243

وهذه نكتةٌ نفيسةٌ فتأملها. ويزيدها وضوحاً أن الحاكم على تَشَيُّعه روى في " المستدرك " (١) أن ابن عباس احتج بهذه الأولى على ثبوت القدر وصحته كما وفقنا الله لفهمه، وفهمه حجة، لأنه من أهل اللسان والفطرة الصحيحة.

стр. 2244

ومن العجب قول المعتزلة: إن هذا متشابهٌ، فأين المحكم؟ وأيُّ آيةٍ في كتاب الله جاءت على وفق مذهب المعتزلة في أن الله يشاء ما لا يكون، ويريد ما يعلم أنه لا يكون حتى يُرَدَّ المتشابه إليها، فإن الله لم يصف القرآن بأنه متشابه كله، وقد تقدم تقرير هذا، وهو نفيسٌ جداً لمن تأمله، وليس في هاتين الآيتين ما يحتاج أهل السنة إلى تأويله ألبتة. أما قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كذَّب﴾ [الأنعام: ١٤٨] فإن القراء السبعة اتفقوا على أن القراءة (كذَّبَ) (١) بتشديد الذال، يعني: كذبوا الأنبياء والحق الذي جاءهم، وهي كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهم﴾ [النحل: ٣٣] والقرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضاً، وليس يحتاج إلى التأويل. وأما من قرأ: ﴿كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ على تقدير صحة القراءة بتخفيف الذال (٢) من (كذب) فهو كقوله تعالى في هذه الآية ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وذلك كله راجع إلى ما سبقت الآيات لإبطاله من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى آخر قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهي قدر سِتَّ عشرة آية مشتملة على تكذيبهم، وتجهيلهم في تحريم بعض الأنعام، واستحلال قتل أولادهم، يعني: وَأْدَ البنات. وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه، لأنه يدلُّ على تجزئهم على الله، وعدمِ تأويلهم، وعدم نظرهم في الجليَّات، لأن كل عاقل يعلم مع أدنى تأمل أنه لا يدلُّ على ما افتروه في هذه الأشياء شبهةٌ عقلية، ولا أثارةُ علمٍ شرعية، ولذلك قال: ﴿هَلْ عِنْدَكُم مِنْ عِلْمٍ فتُخرجوه لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ثم بيَّنه بقوله: ﴿قُلْ

стр. 2245

هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠]. وليس هذا الجواب من التأويل المخالف للظاهر، بل فيه بيان ما رجع إليه اسم الإشارة بالحجة كفعل الخصم بغير حجة. وغاية الأمر أن هذه الآية الكريمة كآية المنافقين سواء، حيث احتجوا بالحق على الباطل، وسيأتي تمام الكلام على هذا مستوفى في جواب الآية الثالثة، فتأمَّلْهُ هنالك، فإنه مفيدٌ جداً، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وليس مع المعتزلة شُبهةٌ إلاَّ كون المشركين احتجوا بذلك، وليس يلزم في كل ما نطق به المشركون أنه باطل، وإن ظنوا أنه حجةٌ لهم، فما زالوا يحتجون بالحق على الباطل، وذلك كثيرٌ في كتاب الله ولا فرق بين قولهم: ﴿لو شاءَ الله ما أَشْركْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وبين قولهم: ﴿لو شَاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، وقولهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ الله أطْعَمَه﴾ [يس: ٤٧] من قبيل قول الخوارج (١): لا حكم إلاَّ لله، والجواب عليهم من قبيل قول علي ﵁: كلمة حق يراد بها باطل. وقد جمع الله سبحانه تمسُّكهم بهذه الشبهة وتمسكهم بنظيرها من مقدورات الله الممتنعة بالحكمة في آيةٍ واحدة يساوي فيها بين الشبهتين، ولله الحمد، وذلك قوله تعالى في الزمر: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٧ - ٥٨]. ألا تراه قد أجاب عن كل واحدة من هاتين الشبهتين في كتابه الكريم، فقال في جواب الأولى: ﴿قُلْ فلِلهِ الحُجَّةُ البالغةُ فلَوْ شاءَ لَهَدَاكُم أجْمَعينَ﴾
следующие страницы →