← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

لئن أشركت، (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المراد: خسران الآخرة بشرط الموت على الردة، أي: لئن أشركت، وبقيت على الشرك، أو المراد: خسران حبوط العمل، وهو حاصل بكل حال، أو الحكم مختص بالأنيياء، فإن شركهم لا شك أقبح، وهذا خطاب مع الأنبياء، والمراد منه غيرهم، أو كلام على سبيل الفرض، وفائدته تهييج الرسل وإقناط الكفرة، وأدب للأنبياء، وتهديد للأمة، (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ)، يعني: لا تعبد ما أمروك، بل اعبده وحده، فهو ردٌّ لما أمروه به، ونصبه بفعل يفسره ما بعده عند من لم يجوز تقديم ما في حيز الفاء، (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، لإنعامه عليك، (وَمَا قَدَرُوا اللهَ)، أي: عظمته في أنفسهم، (حَقَّ قَدْرِهِ): حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكًا، (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، هذا إخبار عن عظمته، وسهولة

стр. 1717

الأفعال العظام في جنب قدرته، والقبضة المرة من القبض، مصدر بمعنى المقبوضة، أو تقديره: ذات قبضته، وجميعًا حال من المستتر في قبضته إذا قلنا: إنَّهَا بمعنى مقبوضته، أو من العامل المحذوف على طريق الحال المؤكدة، أي: والأرض أعنيها، أو أثبتها مجموعة ذات قبضته، وهو تأكيد لشمول الإفراد، أي الأرضون السبع، أو لشمول الأجزاء، ونحن على طريقة السلف لا نأول اليد، والقبضة، والأصبع، ونؤمن بها، ونكل علمها إلى الله وهي أقرب من السلامة، وأبعد من الملامة، (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ)، من الكل، الذي هو ضد النشر، (بِيَمِينِهِ)، متعلق بمطويات، وفي الحديث (يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)، (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، ما أبعد وأعلا من هذه قدرته، عما ينسب إليه من الشركاء، أو عن إشراكهم، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ): هي النفخة الثانية، إذ النفخة الأولى ريح باردة من قبل الشام، فيموت كل من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويبقى شرار الناس يعبدون الأوثان في رغد من العيش، ثم ينفخ فى الصور، (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ)

стр. 1718

المراد: بعض الملائكة المقربين فإنهم لا يصعقون عند هذه النفخة، بل يقبض الله تعالى أرواحهم بعدها، حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، فلا ييقى إلا الله تعالى، فيقول: لمن الملك اليوم؟، ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: لله الواحد القهار، وقد ورد في حديث أن المراد منهم الشهداء، فإنهم متقلدون أسيافهم حول عرشه، وقد مر فى سورة النمل، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ): في الصور، (أُخْرَى)، مرفوع بأنه فاعل نفخ، كما يقال: جاءتني أخرى، أو منصوب بمصدر أي: نفخة أخرى، ونفخ مسند إلى الجار والمجرور، (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ): قائمون من مهلكهم، (يَنْظُرُونَ)، إلى الجوانب كما كانوا قبل ذلك، أو ينتظرون أمر الله تعالى فيهم، (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ): أضاءت أرض القيامة، (بِنُورِ رَبِّهَا)، الذي خلقها من غير وساطة جرم، وذلك حين تجليه سبحانه للخلق لفصل القضاء، أو معناه أضاءت بما يقام فيها من العدل، كقولك: أضاءت الدنيا بقسطك، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ): كتاب الأعمال للجزاء، واكتفى باسم الجنس، (وَجِيءَ بالنبيِّينَ)، يشهدون على الأمم، أنَّهم بلغوهم رسالة الله تعالى، (وَالشُّهَدَاءِ)، من الملائكَة، الحفظة على أعمال العباد، أو الذين يشهدون للرسل بالتبليغ، وهم أمة محمد ﵊، (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ): بالعدل، ولكل من الطرفين صلاحية أن يقوم مقام الفاعل، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ): فلا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم، (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ)، أي: جزآءه، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)، فلا يفوته شيء مما عملوا. * * *

стр. 1719

(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥) * * * (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ)، كما يفعل بالأسارى يساقون إلى حبس وقتل، (زُمَرًا): أفواجًا، بعضها على إثر بعض، (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا): السبعة التي كانت مغلقة قبل ذلك، (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا)، توبيخًا وتنكيلاً، (أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ منكُمْ): من جنسكم، (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)، أي: وقتكم هذا، أو هو وقت دخولهم النار، َ (قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ): وجبت، (كَلِمَةُ الْعَذَابِ)، في قوله: " لأملأن جهنم من الجنة والناس " [هود: ١١٩]، أو المراد حَكَمَ اللهُ تعالى بشقاوتهم، (عَلَى الْكَافِرِينَ)، من وضع المظهر بدل المضمر، أي: علينا، (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ)، حال مقدرة، (فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ): جهنم، (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ)، أي: عن الكفر به، يشعر به مقابلته بالذين كفروا، وذلك الإسراع بهم إلى النعيم، والمراد سوق مراكبهم، (إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا): فوجًا بعد فوج على تفاوت رتبتهم في

стр. 1720

الشرف، (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا): الثمانية، قيل: الواو للحال، أي: وقد فتحت، فهو يدل على أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، بخلاف أبواب جهنم، (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ): طاب لكم المقام، أو طهرتم من خبث الخطايا، أو كنتم طيبين في الدنيا، (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)، أي: مقدرين الخلود، وحذف جواب إذا، إشارة إلى أنه شيء لا يحيط به الوصف، كأنه قال: إذا جاءوها، وكذا وكذا سعدوا وفازوا وفرحوا، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ): بالثواب، (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ)، أي أرض الجنة، نتصرف فيها تصرف الوارث لميراثه، فإن ملكية الميراث أتم، (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ): ننزل حيث نريد، وقد أغنى الله تعالى كلا منهم عن منازل غيرهم، (فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ): الجنة، (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ): محيطين، وهو حال؛ لأن ترى من رؤية البصر، (مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ)، قيل: مزيدة، وقيل متعلق بـ ترى، وقيل لابتداء الغاية، (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، أي: متلبسين بحمده تسبيح تلذذ لا تعبد، (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ): بين الخلائق، (بِالْحَقِّ): بالعدل، (وَقِيلَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ): على عدله، القائل الملائكة، أو المؤمنون وأما إذا كان القائل بالحمد حينئذ المؤمنين، والكافرين، ولهذا لم يسند إلى قائل، فحمد الكافر لمعاينة عدله، كما ترى ظالِمًا استوفى عادلٌ منه حق جنايته، يأخذ في مدح العادل، التكرار من المؤمنين، فالحمد الأول: على صدق الوعد، وإيراث الجنة، والثاني: على القضاء بالحق. والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ. * * *

стр. 1721

سورة المؤمن مكية وآياتها خمس وثمانونَ آية وتسع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) * * * (حم) الكلام على الحروف المقطعة قد تقدم، وقيل: حم اسمٌ من أسماء الله تعالى

стр. 1722

وقيل معناه: قُضي ما هو كائن فيكون من حُم بالضّم وتشديد الميم (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ) مبتدأ وخبر، (الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ)، عطف هذه الصفة من بين الصفات يدل على زيادة ارتباط وجمعية أو الواو دال على نوع مغايرة وليست في الموصوف، فيعتبر في المتعلق أي: غافر الذنب لمن شاء وقابل التوب لمن تاب (شَدِيدِ الْعِقَابِ) هذه الإضافة لفظية ألبتَّة؛ لأنها من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها؛ فالأولى أن نقول إن الصفات كلها أبدال ليندفع خلل تخلل بدل بين النعوت فيلزم أن البعض من الأوصاف مقصود والبعض غير مقصود والمتبوع مقصود غير مقصود أو هو أيضًا نعت والأصل الشديد العقاب فحذف اللام للازدواج (ذِي الطَّوْلِ): ذي السعة والغناء، أو ذي النعم والفواضل (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، فيجازى كلًّا بعمله، (مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ اللهَ): بالباطل من الطعن فيها والقصد إلى إطفاء نورها (إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ): تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم وربحهم، فإنها لا تدل على حسن عاقبتهم، بل عاقبتهم كعواقب كفار الأمم السوالف، ثم بين حالهم فقال: (كَذبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ): الذين تحزبوا على رسلهم بالتكذيب، (مِن بَعْدِهِمْ): كعاد وثمود، (وَهَمَّتْ كُل أُمَّةٍ): من هؤلاء (بِرَسولِهِمْ لِيَأخُدوهُ):

стр. 1723

ليأسروه فيقتلوه أو يعذبوه، (وَجَادلوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا): ليزيلوا (بِهِ الْحَقَّ فأَخَدتُهُمْ): أخذ إهلاك جزاء لهمِّهم وفعلهم (فَكَيْفَ كَان عقَابِ)، هذا الاستفهام بكيف حمل على الإقرار وفيه تعجيب للسامعين (وَكَذَلِكَ) أي: كما وجب إهلاك الأمم (حَقَّتْ) وجبت (كَلِمَتُ رَبِّكَ) أي: كلمته بالعذاب، (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا): من قومك (أَنَّهُمْ) أي: لأنَّهُم، (أَصْحَابُ النَّارِ): أو أنَّهم أصحاب النار بدل من كلمة ربك وحينئذ معناه كما وجب عذابهم في الدنيا بالاستئصال وجب عذابهم في الآخرة بالنار، فالمراد من الذين كفروا الأمم السالفة (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) وَمَنْ حَوْلَهُ): من الملائكة المقربين الذين هم الكروبيرن (يُسَبِّحُونَ) متلبسين

стр. 1724

(بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)، فائدة إثبات الإيمان لهم إظهار فضل الإيمان والترغيب فيه، كإثبات الصلاح والصدق للأنبياء (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، لما بينهم من المناسبة بالإيمان، (رَبَّنَا) أي: يقولون ربنا، (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) أصله وسعت رحمتك كل شيء، فنصب الفاعل بالتمييز وأسند الفعل إلى صاحب الرحمة للمبالغة، كأن ذاته رحمةٌ واسعة كلَّ شيء (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا) أي: لمن علمت منه التوبة (وَاتَّبَعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ): إياها، (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائهِمْ)، عطف على مفعول أدخل (وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) أي: أدخلهم وهؤلاء، وساو بينهم في المنزلة، لتُتم سرورهم وتُقر أعينهم. عن سعيد بن جبير إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أقاربه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا هذه الآية وهذا معنى قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان) الآية [الطور: ٢١] (إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ): الغالب القادر على كل شيء، (الْحَكِيمُ): فى جميع أفعالك (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) أي: العقوبات أو وبال السيئات، وهو تعميم بعد تخصيص (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ) أي: تقه (يَوْمَئِذٍ): يوم القيامة (فَقَدْ رَحِمْتَهُ)، وجاز أن يراد من السيئات في الموضعين المعاصي، فيكون معناه ومن تقه في الدنيا عن المعاصي، فقد رحمته يوم القيامة (وَذَلِكَ): الرحمة والوقاية، (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). * * * (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا

стр. 1725

اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لله الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) * * * (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَا يُنَادَوْنَ): في القيامة ويقال لهم (لَمَقْتُ اللهِ): إياكم، (أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) أي: لمقت الله تعالى أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فأعرضوا أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا العذاب في القيامة، فإنهم أبغضوا أنفسهم ومقتوها غاية المقت عند غمرات النيران لسبب ما اكتسبوا من الآثام، الموجبة للعذاب المخلد، ثم من يجوز الفصل في الظرف لسعته بأجنبي وهو الخبر بين المصدر ومعموله يجوز أن يكون إذ تدعون ظرفًا للمقت

стр. 1726

الأول، ومن لم يجوز فعنده أنه منصوب بمقدر، هو اذكروا، أو مصدر آخر أي: مقته إياكم إذ تدعون، وقيل متعلق بمقتكم، أو أكبر على سبيل العلية والسببية، ومعناه بغض الله تعالى إياكم أكبر من بغض بعضكم بعضًا، لأنكم كنتم تدعون إلى الإيمان في الدنيا فكنتم تكفرون (قَالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) أي: إماتتين وإحياءتين وذلك لأنَّهُم في أرحام أمهاتهم نطف، لا حياة فيهم، فأحيوا في الدنيا ثم أميتوا عند آجالهم ثم أحيوا للبعث وهذا هو الصحيح الذي عليه ابن عباس وابن مسعود وكثير من السلف ﵃ وهذا إقرار منهم بالبعث، والقدرة التامة التي أنكروها في الدنيا، (فَاعْتَرَفْنَا بذُنوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ): من النار، (مِنْ سَبِيلٍ) فنسلكه فأجيبوا بقوله: (ذَلِكُمْ) أي: ما أنتم فيه من العذاب، (بِأنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ) أى: منفردًا بالذكر (كَفَرتمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا): بالإشراك (فَالْحُكْمُ لله): حيث حكم بالعذاب السرمد عليكم (الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ): من أن يشرك به (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) الدالة على توحيده وكمال قدرته، (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ

стр. 1727

رِزْقًا): أسباب رزق أي: المطر، (وَمَا يَتَذَكَّرُ): بالآيات، (إِلَّا مَنْ يُنِيبُ): يرجع إلى الله تعالى، فإن المنكر المعاند لا ينظر فيما ينافي مقصوده (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أخلصوا له العبادة (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ): إخلاصكم (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) كناية عن علو شأنه، أو درجات الجنة للمؤمنين، خبر ثانٍ لهو أو خبر لمحذوف (ذُو الْعَرْشِ): مالك أصل العالم الجسماني ومدبره (يُلْقِي الرُّوحَ)، خبر رابع، والروح الوحي فإنه محيي القلوب من موت الكفر أو المراد جبريل (مِنْ أَمْرِهِ): من قضائه ومن ابتدائية متعلقة بـ يلقى أو حال من الروح " قل الروح من أمر ربي " [الإسراء: ٨٥] (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، فيجعله نبيًا (لِيُنْذِرَ): الضمير لمن (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ): يوم القيامة يلتقي فيه الخالق والمخلوق، وأهل السماء والأرض، والظالم والمظلوم، والعباد وما عملوا من خير وشر، (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ): ظاهرون لا يسترهم شيء بدل من يوم التلاق الذي هو مفعول به، ويوم مضاف إلى جملة " هم بارزون " (لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) من أعمالهم وأحوالهم وذواتهم (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم حين إفناء الخلق (لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، حكاية لما يجاب به، لا أحد يجيبه فيجيب نفسه، وقيل: الجواب للعباد كلهم، والسؤال عنهم (الْيَوْمَ تُجْزَى كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ): يجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته (لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ)، فإنه سبحانه عادل متفضل حَرَّم الظلم من فضله على نفسه (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)،

стр. 1728

لأنه لا يشغله حساب أحد عن حساب آخر، (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ): القيامة الآزفة القريبة (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ): من الخوف زالت عن مقارها فلا هي تعود ولا تخرج فيموتوا أو يستريحوا (كَاظِمِينَ): ممتلئين كربا، أو ساكتين والكظوم السكوت وتعريف القلوب والحناجر عوض أي: قلوبهم لدى حناجرهم، فـ " كاظمين " حال من المضاف إليه في حناجرهم، والعامل ما في الظرف من معنى الفعل أو من الضمير في " لدى " الراجع إلى القلوب (مَا لِلظَّالِمِينَ): الكافرين (مِنْ حَمِيمٍ): محب مشفق (وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ): فيشفع ويكون للشفاعة فائدة، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) أى: خيانتها كلحظة المرأة الحسناء إذا غفل الناس وغمزها، أو الخائنة صفة للنظرة (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أي ما تخفيه، وجملة يعلم خائنة الأعين مستأنفة كالتعليل لقوله تعالى: " وأنذرهم " (وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) لا يظلم مثقال ذرة (وَالَّذِينَ

стр. 1729

يَدْعُونَ) أي: المشركون إياهم (مِنْ دُونِهِ) كالأصنام (لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) لأنهن جمادات ففيه تهكم لأنه لا يقال في الجماد يقضي أو لا يقضي (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وعيد للمشركين وتقرير لإحاطة علمه. * * * (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) * * * (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ) فإنه يظهر من مساكنهم علامات سوء عاقبتهم (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) قدرة وتمكنًا، وهم ضمير الفصل والأصوب أن يُجعل هم مبتدأ لا فصلاً (وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) مثل الحصون والقصور (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ) ولم تنفعهم قوتهم (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ) يقيهم من عذابه فمن زائدة وواقٍ اسم كان (ذلِكَ) الأخذ (بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): الدالة على صدقهم، (فَكَفَرُوا

стр. 1730

فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ): لا عجز له أصلاً، (شَدِيدُ الْعِقَابِ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ): حجة ظاهرة، (إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ): وزير فرعون (وَقَارُونَ) أغنى الناس في ذلك الزمان (فقَالُوا): هو (سَاحِرٌ كَذابٌ)، وفي هذه الحكاية تسلية وبشارة لرسول الله ﷺ (فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْحَقِّ): الدليل على نبوته، (مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ): للخدمة وهذا أمر من فرعون بإعادة ما كانوا يفعلون بهم، فإنه كان قد أمسك عن قتل أبناءهم ولما بعث موسى أعاد القتل عليهم، (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ): ضياع وزوال (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى) كان فيهم من يمنعه نصحًا عن قتله خوفًا من العذاب، (وَلْيَدْعُ): موسى، (رَبَّهُ): الذي يزعم أنه أرسله فيقيه منا، وفيه دليل على أن قوله ذروني تمويه وتورية، فإن ظاهره الاستهانة به وباطنه الخوف من دعائه ربه (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ): الذي أنتم عليه إن لم أقتله (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ): من الفتن والتهارج والخلاف أراد يبدل دينكم أو دنياكم (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ) حقيقة وهو الله تعالى (مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) أظهر التوكل على الله وعلَّمهم. * * *

стр. 1731

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧) * * * (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ): من أقاربه وهو ابن عمه، وعن بعض السلف أنه إسرائيلي، وعنده إن قوله: " من آل فرعون " متعلق بقوله: (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ):

стр. 1732

من فرعون، (أَتَقتلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ) أي: لأن يقول: (رَبِّيَ اللهُ): وحده، (وَقَدْ جَاءكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): المعجزات على صدقه، (مِنْ ربِّكُمْ)، هذا إظهار لإيمانه وإرشاد ثم أخذ في الاحتجاج فقال: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ): وبال كذبه على نفسه لا يتخطاه، (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ) أي: لا أقلَّ من أن يصبكم (بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)، ففيه إظهار الإنصاف وكمال الشفقة فإنه بنى الكلام في النصح على التنزل (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)، كلام ذو وجهين يعني لو كان مسرفًا لما هداه الله إلى البينات، ولو كان كاذبًا فهو غير مهتد، فخلوا سبيله ولا تعظموا شأنه وكان فيه تعريضًا لفرعون بالإسراف والكذب (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، وهذا من تتمة نصحه (ظَاهِرِينَ في الْأَرْضِ): غالبين في مصر، (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ): عذابه، (إِنْ جَاءنَا)، فلا تتعرضوا لبأس الله بقتله، (قَالَ فِرْعَوْنُ): حين منع من قتله: (مَا أُرِيكُمْ): من الرأي، أي: لا أشير عليكم، (إِلَّا مَا أَرَى): من المصلحة يعني قتله، (وَمَا أَهْدِيكُمْ)، بهذا الرأى: (إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ): طريق صلاحكم، (وَقَالَ الَّذِى آمَنَ) من قوم فرعون: (يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ)؛ يوم وقائع الأمم الماضية، (مِثْلَ دَأْبِ)

стр. 1733

عطف بيان لمثل الأول (قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: مثل جزاء عادتهم من الكفر وتكذيب الرسل، ترك جمع اليوم والدأب لعدم الإلباس فإن لكل منهم يومًا ودأبًا (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)، فلا يعاقبهم من غير استحقاق، (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ): يوم القيامة سمي بذلك لكثرة النداء فيه بالسعادة والشقاوة، ونداء بعضهم بعضًا خوفهم عن عذاب الدنيا أولاً ثم عن عذاب الآخرة، (يَوْمَ تُوَلُّونَ): عن الموقف، (مُدْبِرِينَ): فارِّين عن النار ذاهبين، (مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ): يعصمكم من عذابه، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَلَقَد جَاءَكم يُوسُفُ مِنْ قبْلُ): يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى من قبل موسى رسولاً يدعو القبط إلى طاعة الله وحده فما أطاعوه تلك الطاعة، نعم أطاعوه لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي وهذا أيضًا من كلام مؤمن آل فرعون، (بِالْبَيِّنَاتِ): المعجزات، (فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ): من الدين، (حَتَّى إِذَا هَلَكَ) مات، (قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا): جزمتم بأن لا رسول بعده مع الشك في رسالته (كَذَلِكَ): مثل ذلك الإضلال (يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ): في معصيته، (مُرْتَابٌ): شاك في دينه المبين بالحجج (الذِينَ يُجَادِلُون)، بدل من " من هو مسرف "، وهو في معنى الجمع أو تقديره هم الذين (في آيَاتِ اللهِ): ليبطلوه، (بِغَيْرِ سُلْطَانٍ): حجة، (أَتَاهُمْ)، بل بمجرد تشهيهم (كَبُرَ)، فاعله ضمير راجع إلى من والحمل على المعنى أولاً ثم على اللفظ ثانيًا، جائز من غير ضعف أو إلى الجدال المدلول

стр. 1734

عليه بقوله يجادلون، (مَقْتًا): بغضًا تمييز، (عِنْدَ الله وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ): مثل ذلك الطبع، (يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ): يختم عليه فلا يعي خيرًا، ولا يفقه الرشاد، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا): قصرًا عاليًا ظاهرًا، (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) أي: الطرق أو الأبواب (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) أبهمه ثم أوضحه تعظيمًا وتشويقًا إلى معرفته، (فأَطَّلِعَ) من قرأ بالنصب فبجواب الترجي، تشبيهًا بالتمني من جهة إنشاء التوقع (إِلَى إِلَهِ مُوسَى)، فهو جاهل، أو متجاهل، يلبس على قومه، فإن الوصول إلى السماء بالبناء محال، (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا): في أن

стр. 1735

له إلهًا في السماء (وَكَذَلِكَ) مثل ذلك التزين، (زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ): عن طريق رشاده ومن قرأ صَدَّ فمعناه صَدَّ فرعونُ الناسَ عن الحق بأن أوهم رعاياه بأنه يعمل شيئًا يتوصل به إلى العلم بكذبه (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) خسار لا ينفعه كيده. * * * (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)

стр. 1736

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) * * * (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ) مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ): أدلكم عليه، (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَياةُ الدُّنيَا) أي: ما هذه الحياة، إلا (مَتَاعٌ): تمتع قليل تذهب عن قريب، (وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ): فإنها لا تزول، (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ): بغير تقدير لا كالسيئة فإنها بموازنة العمل وما هذا إلا من سعة فضله ورحمته (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ): إلى ما هو سبب لها (وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ)، وهذا المنادى عطف على قوله يا قوم اتبعوني لا على يا قوم إنما هذه؛ لأن الثاني كالبيان للأول ولهذا تراه بغير عطف بخلاف الثالث (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ)، بيان للثاني، والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام (وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ): شيئًا ليس لي بربوبيته حجة وبرهان أي ما ليس بإله (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ): الغالب القادر المطلق (الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنَّمَا

стр. 1737

تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ): لا ردّ لما دعوه إليه وجَرَمَ فعل بمعنى حق وما بعده فاعله أي: حق، وثبت أن الذي تدعونني إليه باطل ليس له ثبوت أصلاً في زمان، أو بمعنى كسب، وفاعله ضمير إلى ما قبله وما بعده مفعول أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوة ما تدعونني إليه، أي: ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، أو اسم بمعنى القطع ولا لنفي الجنس وما بعده خبره أي لا قطع ولا انقطاع لبطلان دعوة الأصنام، ومعنى ليس له دعوة أنا ليس له دعوة إلى نفسه ومن شأن المعبود الحق أن يدعو العباد إلى طاعته أو معناه ليس له استجابة دعوة فيكون من تسمية أثر الشيء وثمرته باسم ذلك الشيء (وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى الله): مرجعنا إليه، (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ): المشركين، (هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ): من النصح وتتحسرون على عدم القبول (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ): فيعصمني عن كل سوء، (إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)، وذلك حين أوعدوه بمخالفة دينهم (فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، فما وصل إليه آثار مكرهم، ونَجَا مع موسى (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ): بفرعون وقومه واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك (سُوءُ الْعَذَابِ) الغرق في الدنيا ثم النقلة منه إلى النار (النَّارُ يُعْرَضُونَ

стр. 1738

عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) مبتدأ وخبر أو النار بدل من سوء العذاب، ويعرضون حال، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)، قيل لهم، (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، في الصحيحين " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أَهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتي يبعثك الله إليه يوم القيامة "، وهذه الآية أصل في استدلال عذاب القبر وعليه سؤال وهو أن الآية لا شك في أنها مكية، وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين أن يهودية في المدينة كانت تعيذ عائشة عن عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله ﷺ فقال: " كذب يهود لا عذاب دون يوم القيامة "، فلما مضى بعض أيام نادى ﵇ محمرًا عيناه بأعلى صوته: " أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإنه حق " فقيل في جوابه: إن الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ وما نفاه أولاً ثم أثبته ﵇ عذاب الجسد فيه، والأولى أن يقال الآية دلت على عذاب الكفار فيه وما نفاه ثم أثبته عذاب القبر للمؤمنين ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن يهودية قالت: أشعرت أنكم تفتنون في القبور فلما سمع ﵊ قولها ارتاع وقال: " إنما يفتن اليهود " ثم قال بعد ليال: " أشعرت أنه أوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور "، ثم كان بعده يستعيذ من عذاب القبر (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ)، واذكر وقت تخاصمهم (فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا): في الدنيا جمع تابع كخدم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ): نصيبًا مفعول اسم الفاعل بتضمين مغنون معنى دافعون (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا): نحن وأنتم وكفانا

стр. 1739

ما علينا (إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) فأعطى كلًّا ما يستحقه (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ)، وعذاب جهنم غير منحصر في النار، (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ) أي: قدر يوم، ومن العذاب بيانه، أو بعضًا من العذاب في يوم من الأيام (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: أكنتم غفلتم عن هذا ولم تك تأتيكم؟ إلخ، (قَالُوا بَلَى): جاءوا بها، (قَالُوا) الخزنة: (فَادْعُوا): أنتم لأنفسكم فنحن لا ندعوا لكم وفيه إقناط لهم، (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ): ضياع لا نفع له. * * * (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) * * *

стр. 1740

(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا): بظهور حجتهم والانتقام من أعدائهم والنصرة بهذا المعنى عام لكل رسول والمؤمنين وقيل: الخبر عام وأريد به الأكثرون فإن بعضًا منهم قد قتل، كيحيى وزكريا وغيرهما، (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ): فإن الملائكة يشهدون للرسل وعلى الكفار، والجمهور على أن فاعلاً لا يجمع على أفعال، وفي الصحاح أنه جمع شَهْدٍ بالسكون وفي المرزوقي جمع شهود (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ)، بدل (الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ)، وإن رخصوا في الاعتذار (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ): يعني جهنم، (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى): ما يهتدى به في أمر الدين، (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ): تركنا عليهم من بعده التوراة (هُدًى وَذكرَى)، مفعول أو حال، هاديًا ومذكرًا (لِأُولِي الْأَلْبَابِ فَاصْبِرْ): على أذاهم، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ): في نصرتك، (حَقٌّ)، واستشْهِدْ بحال موسى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، لفرطاتك ليُعْلى درجتك، وليصير سنة لأمتك (وَسَبِّحْ): متلبسًا، (بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ): أواخر النهار وأوائله أو صلِّ العصر والصبح (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ): برهان (أَتَاهُمْ): يردون الحجج بالشبه، (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ). إلا تكبر عن اتباع الحق يريدون إبطاله، (مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ):

стр. 1741

بواصلي مقتضيه (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) في إطفاء نارهم، وعن كعب وأبي العالية ﵄ نزلت حين قالت اليهود: إن صاحبنا الدجال يخرج، فنملك به الأرض فأمر الله تعالى أن يستعيذ من شره، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ): أعظم وأشق في نظر العقل، (مِنْ خَلْقِ النَّاسِ): إعادتهم (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، فلهذا ينكرون الإعادة مع الاعتراف بخلق الأعظم من غير أصل وهذا رد لجدالهم في رد البعث، ومن قال: الأمر بالاستعاذة من الدجال، فهذا رد لمقال الدجال من دعوى الألوهية، وإنكار البعث (وَمَا يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالبصِيرُ

стр. 1742

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) مزيد لا للمبالغة في نفي مساواته للمحسن، والأولان مثلان للغافل والمستبصر، والآخران للمحسن والمسيء لتغاير وصفيهما أو كأنه قال لا يستوي الأعمى والبصير فكذلك المحسن والمسيء فشبه حالهما فى عدم الاستواء بحالهما، (قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) أي: تذكرون تذكرًا قليلاً، (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا): لأن من تأمل في أطوار الخلق يعلم أنه لابد من معاد يجازى المحسن والمسيء، ولاتفاق كلمة الأنبياء ﵈ مع ظهور معجزتهم عليها، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ): لا يصدقون بها لغفلتهم وجهلهم (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي): سلوني، (أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي): عن دعائي، والدعاء مخ العبادة، وفي الحديث " من لم يدع الله " وفي رواية " لم يسأل الله يغضب عليه "، أو معناه اعبدوني أثبكم، (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) صاغرين ذليلين. * * *

стр. 1743

(اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) * * * (اللهُ الذِى جَعَلَ): أنشأ، (لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ): وتستريحوا من تعب النهار، (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا): الإبصار في الحقيقة لأهل النهار، فأثبته له مجازًا أو مبالغة

стр. 1744

وجعله حالاً، ولم يقل لتبصروا فيه لتلك الفائدة، (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُو) وفي التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، حيث أوقع على صريح اسمهم الظاهر الموضوع موضع المضمر الدال على أن ذلك كأنه شأن الإنسان وخاصيته (ذَلِكُمُ): المختص بتلك الأفعال، (اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أخبار مترادفة أي: هو الجامع لتلك الأوصاف (فَأَنَّى) فكيف ومن أي وجه؟! (تُؤْفَكُونَ): تصرفون عن عبادته (كَذَلِكَ) أي كما أفكوا (يُؤْفَكُ) فعل المضارع للاستحضار، والمعنى على المضي، (الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) أى: من غير دليل ولا تأمل، (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا): مستقرًّا، (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً): قبة على الأرض، (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ): خلقكم في أحسن صورة، فإحسان الصورة بعد التصوير بحسب الاعتبار، وإن لم يكن تعدد بحسب الوجود، (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ): من اللذائذ، (ذَلِكُمُ): المخصوص بتلك الأفعال، (اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، هذا دليل آخر على وحدته (هُوَ الْحَيُّ): المتفرد بالحياة الذاتية الدائمة، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): موحدين له، (الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: قائلين له عن ابن عباس ﵄: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (قُلْ): يا محمد حين يدعونك إلى دين قومك، (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ): الأدلة على وحدانيته (مِنْ رَبِّي) جواب " لما " يدل عليه ما قبله، (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ): أنقاد (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ): من بطون أمهاتكم، (طِفْلًا) وحده لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) أي: ثم يبقيكم لتبلغوا سن

стр. 1745

الشباب، (ثُمَّ لِتَكُونُوا) أي ثم يبقيكم لتكونوا، (شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذه الأحوال (وَلِتَبْلُغُوا) أي: ويفعل ذلك لتبلغوا، (أَجَلًا مُسَمًّى) هو أجل الموت المقدر، وقيل: يوم القيامة، (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): وحدته، عطف على لتبلغوا أجلاً (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى): أراد (أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ): لا يحتاج إلى مادة ومدة وآلة وعدة. * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ): كيف يصرفون عن الحق إلى الجهل؟!، (الَّذِينَ كذَّبُوا بِالْكِتَابِ): بالقرآن، (وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا):

стр. 1746

من سائر الكتب، أو المراد من الكتاب جنس الكتب ومن ما أرسلنا رسلنا الشرائع (فَسَوْفَ يَعلَمُونَ): وباله، (إذِ الْأَغلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)، جعل المتوقع في حكم الموجود لتيقنه، ولهذا جمع بين سوف وإذ فإنه ظرف ليعلمون (وَالسَّلَاسِلُ)، عطف على الأغلال (يُسْحَبُونَ)، حال من ضمير أعناقهم أي: يجرون (فِي الْحَمِيمِ)، وقيل: تقديره يسحبون بها، فيكون السلاسل مبتدأ، والجملة خبره، (ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ): يحرقون، ويصيرون وقود النار (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ) أي: الذي تشركون به، (مِنْ دُونِ اللهِ) أي: الأصنام (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا)، فقدناهم وذلك قبل أن يقرن آلهتهم بهم أو معناه ضاعوا عنا أي: ما كنا نتوقع منهم، (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا): جحدوا شركهم كما قالوا: (وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]، أو ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله ما كنت أعمل شيئًا أي العمل كلا عمل، (كَذلِكَ): مثل ذلك الإضلال (يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ) حتى لا يهتدوا إلى ما ينفعهم في الآخرة بوجه (ذَلِكُمْ): الإضلال، أو العذاب، (بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الشرك والضلال (وَبِمَا كُنتمْ تَمْرَحونَ): تتوسعون في الفرح أو تفسدون (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ): السبعة المقسومة لكم (خَالِدِينَ): [مقدرين] الخلود (فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ): منزل

стр. 1747

المتكبرين عن الحق جهنم، (فَاصْبِرْ): يا محمد، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ): بنصرك وإعلاء كلمتك (حَقٌّ): كائن (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ): كالقتل، والأسر، وإن شرطية وما زائدة، وجزاؤه محذوف مثل فذاك، أو فهو المقصود (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): قبل أن يحل ذلك بهم (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ): فنجازيهم في القيامة، وهذا جواب للثاني أو هو جواب لهما أي: إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة عذابًا شديدًا، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ أن جملتهم مائة ألف وأربع وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ): ليس لهم اختيار في إتيان مقترح أممهم، (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ) قضاؤه بين الأنبياء والأمم، (قُضِيَ بِالْحَقِّ): فنجَّى المؤمنين، (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ): الكافرون، وقيل: أمر الله تعالى القيامة، والمبطلون المعاندون باقتراح الآيات. * * * (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي

стр. 1748

الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥) * * * (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ): إنشاء الإبل والبقر والغنم (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ): من الصوف والدَّرِّ والوبر (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ): من حمل أثقالكم إلى بلد والغنم للأكل وله المنافع والباقي من الأنعام يصلح للكل (وَعَلَيْهَا): في البر، (وَعَلَى الْفلْكِ): في البحر، (تُحْمَلُونَ) دخول اللام في بعض دون بعض للفرق بين العين والمنفعة، والأظهر أن الأنعام هاهنا الإبل ولما كان العمدة في منافعها الركوب والحمل، أدخل اللام عليهما وأما الأكل والانتفاع بالألبان والأوبار وإن كان يصلحان للتعليل أيضًا، لكنهما قاصران عنهما فجعلا مكتنفين لما بينهما من غير دخول لام عليهما وتقديم المعمول في منها تأكلون، وعليها وعلى الفلك لرعاية الفاصلة وزيادة الاهتمام، ومنها تأكلون عطف على جعل لكم الأنعام عطف جملة على جملة بتقدير وجعل لكم الأنعام منها تأكلون، حتى لا يلزم عطف الحال على العلة وكذلك وعليها وعلى الفلك (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) الدالة على كمال القدرة والرحمة، (فَأَى آيَاتِ اللهِ): أي آية منها (تُنْكِرُونَ)، هو العامل في

стр. 1749

أي (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ) عددًا (وَأَشَدَّ قُوَّةً): فإنهم أجسم، (وَآثَارًا فِي الأَرْضِ): كقصورهم، ومصانعهم (فَمَا أَغْنَى)، ما نافية، أو استفهامية منصوبة بـ أغني ودخل الفاء، لأنه كالنتيجة بمعنى أنه ترتب عليه وإن كان عكس المطلوب (عَنْهُمْ): العذاب وسوء العاقبة، (مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): كسبهم أو مكسوبهم (فَلَمًا جَاءتْهُمْ)، الفاء تفسير وتفصيل لما أبهم، وأجمل من عدم الإغناء (رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا): رضوا، (بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ): بزعمهم أو سماه علمًا سخرية، وهو قولهم: نحن

стр. 1750

صفحة فارغة

стр. 1751

أعلم لا بعث ولا عذاب وهذا في الحقيقة جهل، وقيل: معناه استهزءوا بما عند الأنبياء من العلم، وقيل: رضوا بما عندهم من علم الدنيا ومعرفة تدبيرها واكتفوا بها (وَحَاقَ بِهِمْ): وبال (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)، قيل: فيه إشعار إلى المعنى الثاني (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا): عاينوا وقوع العذاب، والفاء لمجرد التعقيب (قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ): منفردًا بالإيمان، (وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ): من الأصنام، (مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ) أي: لم يصح أن ينفعهم (إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) أي: سنَّ الله تعالى ذلك سنة ماضية فهي من المصادر المؤكدة (وَخَسِرَ هُنَالِكَ)، استعير اسم مكان للزمان أي: وقت البأس، (الْكَافِرُونَ) أي: ظهر لهم خسرانهم. والحمد لله على نعمائه. * * *

стр. 1752

سورة حم السجدة مكية وهي ثلاث أو أربع وخمسون آية وست ركوعات * * * سورة فصلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) * * * (حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تنزيل خبر حم إن كان اسمًا للسورة؛ وإلا فهو خبر محذوف، أو مبتدأ مخصص خبره قوله (كِتابٌ)، وعلى الأولين إما خبر بعد خبر، أو بدل أو خبر محذوف (فُصِّلَتْ): ميزت وبينت (آيَاتُهُ قُرْآنًا) نصب على المدح أو حال، (عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ): لقوم صفة أخرى لـ قرآنًا، أو متعلق بـ فصلت أى: هذا التفصيل للعلماء، فإنهم هم العالمون به (بَشِيرًا): للمؤمنين (وَنَذِيرًا): للكافرين (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ): عن تأمله، (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ): سماع قبول،

стр. 1753

(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ): أغطية (مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ): فلا نفقه ما تقول (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ): صمم، (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَاب) يعني نحن في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم، ولا يسمع، وبينه -مع ما هو عليه- وبين داعيه -مع ما هو عليه- حجاب غليظ، فلا تلافى ولا ترآى، وفائدة من أن الحجاب ابتدأ منا ومنك، فيدل على استيعاب ما بين الطرفين بالحجاب (فاعْمَلْ): على دينك، (إِنَّنَا عَامِلُونَ): على ديننا، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أي: لست بجنيٍّ ولا بملك أتكلم بما لا تفهمون، (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ): وجهوا إليه وجوهكم، وأخلصوا له العبادة (وَاسْتَغْفِرُوهُ): من سالف الذنوب (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ): لا يطهرون أنفسهم، (قد أفلح من زكاها) [الشمس: ٩] ، (قد أفلح من تزكى) [الأعلى: ١٤]، أو المراد زكاة أموالهم، وأصلها مأمور به في ابتداء البعثة وأما مقدارها وكيفيتها فبين أمرها بالمدينة. ولفظ الإيتاء يساعد المعنى الثاني، بل كالصريح، لكن الأول منقول عن ابن عباس ﵄ (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ): غير مقطوع وأما المنة فلله على أهل الجنة، (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) [الحجرات: ١٧]. * * * (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ قَالُوا

стр. 1754

لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨) * * * (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) أي في حقيقة يومين معلومين عند الله، لا نعرف كيفيتهما أو في قدر يومين لأن الظاهر من قوله: " رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها " [النازعات: ٢٨ - ٢٩]، أن حدوث اليوم والليلة بعد خلق السماء وعن كثير من السلف أن اليومين: الأحد والاثنان وفيه إشكال، اللهم إلا أن يقال: إن الله تعالى لما خلق الأزمان عى أول يومه السبت ثم الأحد ثم الاثنان ثم وثم، وخلق السماء والأرض وما بينهما في مقدار ستة أيام قبل حدوث الزمان متصل بحدوثه بمعنى أنه لو كان الزمان حين الخلق موجودًا لكانت مدة الخلق ستة أيام يكون أوله يوم الأحد ألبتَّة، وآخره يوم الجمعة (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ): القادر العظيم، (رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا): في الأرض، (رَوَاسِيَ): جبالاً ثوابت وهو عطف على محذوف، أي خلقها وجعل، وقيل: عطف على خلق والفصل بالجملتين كلا فصل؛ لأن الأولى بمنزلة الإعادة لتكفرون، والثانية اعتراضية كالتأكيد لمضمون الكلام، (مِنْ فَوْقِهَا): مرتفعة ليظهر على الناظرين (وَبَارَكَ فِيهَا): بخلق المنافع فيها، (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا): أقوات أهلها، أو قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) أي: تتمتها لقوله: " خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام "

стр. 1755

[السجدة: ٤]، واليومان الثلاثاء والأربعاء (سَوَاءً) أي: استوت استواءً بلا زيادة ولا نقصان، والجملة صفة أيام (لِلسَّائِلِينَ) أي: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلقها، أو متعلق بـ قدَّر أي: قدر فيها للمحتاجين أقواتها (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ): قصد نحوها، (وَهِيَ دُخَانٌ): ارتفع من الماء الذي عليه عرشه، (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا): ما أمركما أي: افعلاه واستجيبا لأمرى، كما يقال: ائت ما هو الأحسن قيل: إتيان السماء حدوثها، وإتيان الأرض أن تصير مدحوة. عن ابن عباس ﵁ أطلعي شمسك وقمرك ونجومَك يا سماء وشققي أنهارك فأخرجي ثمارك ونباتك يا أرض (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا): طائعتين أو مكرهتين أي: شئتما أو أبيتما ذلك (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ): استجبنا لك منقادين لما خاطبهما وأقدرهما على الجواب أجراهما مجرى العقلاء عن بعض السلف أن المتكلم موضع الكعبة، ومن السماء ما يسامنه (فَقَضَاهُنَّ): خلقهن، وأحكمهن الضمير إلى السماء على المعنى (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)، حال (فِي يَوْمَيْنِ): يوم الخميس والجمعة، وهذه الآيات مشعرة بأن خلق الأرض ودَحْوَها مقدم على خلق السماوات، وهو مخالف لما في سورة النازعات (والأرض بعد ذلك دحاها) [النازعات: ٣٠]، فلابد أن نقول أن ثم في (ثم استوى إلى السماء) للتراخي
следующие страницы →