حفظ الله تعالى القرآن العظيم من التحريف والتبديل فيه والزيادة والنقصان أبد الآبدين
لقد أثبت البحث العلمي في حفظ القرآن على عهد الصحابة الكرام أنه قد ثبت قطعا ويقينا حفظ الصحابة للقرآن الكريم بعدد يفوق التواتر حفظا في الصدور، كما أنه حفظ تسجيلا في السطور في الصحف حتى بلغ عدد النسخ جملة كثيرة عند كتّاب الوحي الذين زاد عددهم على الأربعين.
وهذا يدل قطعا على أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان. ويدل على ذلك أيضا أدلة أخرى كثيرة قطعية يقينية، نذكر نبذة منها فيما يلي:
أولا: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١). فقد دل على أنه سبحانه هو الذي أنزل هذا القرآن وهو تكفل أن يحفظه من التلاعب والزيادة والنقصان، فكما يجب الإيمان قطعا بأن هذا القرآن أنزله الله تعالى، يجب الإيمان قطعا بأن الله هو حافظ لهذا القرآن قطعا. وذلك يوجب ألا يدخل عليه أي تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان.
فلو جرى على هذا القرآن تبديل أو تغيير أو زيادة أو نقص: لما صحّ الخبر في قوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ولما صدق الله تعالى وعده بالحفظ لهذا القرآن العظيم، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإن الله تعالى لا يخلف
стр. 177
وعده، وإن خبره صادق محتم الوقوع. ومن أصدق من الله قيلا! ومن أوفى بعهده من الله!! فإنه سبحانه لا يكذب خبره ولا يتخلّف وعده ولا تنقض كفالته.
ثانيا: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (١).
فإنه لو جرى على هذا القرآن الكريم تبديل أو زيادة أو نقص: لكان ذلك منافيا ومعارضا لقوله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن الله تعالى أخبر أن الباطل لا يأتي هذا القرآن ولا يتسرب إليه لا في نصوصه ولا في معانيه، فهو لا يعارض ولا يناقض، ولا يزاد فيه ولا ينقص منه، لأن الزيادة فيه باطلة ليست منه، والنقص منه هو إبطال لما هو منه حقا دالا على حق. فقوله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ دليل صيانته وحفظه من التلاعب والزيادة والنقص. وهذا الخبر القرآني لا يتخلف ولا يتبدل. إذن فالباطل لا يمكن أن يتسرب إلى هذا القرآن قطعا، لا في نصوص كلماته بزيادة أو نقص، ولا في معانيه بتكذيب أو نقض.
ثالثا: لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص: لكان ذلك منافيا ومخالفا لقوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ الآية. وذلك أن الله
تعالى أمر نبيه ﷺ بقوله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. فقد أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر به أول هذه الأمة وأوسطها وآخرها على حد سواء، وجعل الله تعالى القرآن الكريم حجة لرسول الله ﷺ على جميع العباد، وبلاغا عنه لكافة العباد إلى يوم المعاد، فإنه ﷺ صاحب الرسالة العامة للثقلين إلى يوم القيامة، ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يبقى كتابه الذي أنزله الله عليه، يبقى محفوظا إلى يوم الدين، لتقوم الحجة على العباد، وليهتدوا به إلى سبيل
стр. 178
الرشاد، ويبلّغه آخر هذه الأمة كما بلغه ﷺ لأولها.
فلو جاز أن يجري عليه تحريف أو زيادة أو نقص لما تحقق إنذاره ﷺ بالقرآن لمن يأتي من بعده، كما أنذر الذين في عصره، في حين أن الآية تخبر بإنذاره ﷺ لمن في عصره ومن بعده على حد سواء.
رابعا: لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص:
لأدّى ذلك إلى ذهاب الثقة به، ولأدّى ذلك إلى عدم الإيمان الجازم بما جاء به، وكيف لا يوثق به ولا يقطع جزما بما جاء به، مع أن الله تعالى بيّن لعباده أن هذا الكتاب الذي هو بجميع آياته موثوق به ومقطوع بحقيقته لا يتطرق الباطل ولا الخلل إلى جانب من جوانبه. قال تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن فحوى هذه الآية ونصها يناديان العباد ويخبرانهم أن الثقة كل الثقة، واليقين كل اليقين، والحق كل الحق، في هذا الكتاب العزيز الذي لا يجد الباطل والوهم والكذب والافتراء والتلاعب وما شابه ذلك- لا يجد ذلك إلى الكتاب سبيلا أصلا.
فلو جرى عليه تحريف أو زيادة أو نقص لذهبت الثقة واليقين به.
أما ذهاب الثقة بالمزيد فالأمر بيّن. وأما ذهاب الثقة بالمزيد عليه فإن العاقل يقول: لعل في هذا الأصل زيادة أيضا، فما يدرينا أنها كلّها أصل؟! وأما ذهاب الثقة به حالة النقص: فذلك لأن بين الأصل المنقوص عنه والشيء الناقص منه ارتباطا في المعاني والأحكام والأخبار وغير ذلك، ولو جرى عليه النقص لأدى ذلك إلى عدم الثقة بالناقص والمنقوص منه. فلا يكون أحد من المسلمين على ثقة بدينه، لاحتمال نسخ بعض الصلوات أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها، أو نسخ الزكاة أو مقاديرها، أو نسخ الصيام أو الزيادة فيه أو بتبديله بغيره، أو نسخ الحج، أو تحليل الخمر والميسر ونحوهما من المحرمات، أو تحريم بعض أنواع من الحلال، وبذلك لا يكون أحد من الناس على عبادة إلا وهو على شك منها، ولا يقدم على حلال ولا يحجم عن
стр. 179
حرام إلا وهو متشكّك، فأين الإيمان والجزم بشرع الله تعالى! نعوذ بالله تعالى! إن ذلك يخل بوجوب امتثال الإسلام، الذي كلف الله تعالى به جميع الأنام، في كل الأزمان، وذلك الإخلال ضد نصوص القرآن القطعية التي تطالب الناس بالإسلام في كل عصر وآن. قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً. وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً الآية. وقال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فلذلك كان أيضا حفظ كتابه النازل عليه ﷺ ثابت بالأدلة القطعية المفحمة للعقول، كما تقدم.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً فقد بيّن سبحانه في هذه الآية أن وظيفة سيدنا محمد ﷺ عبد الله ورسوله أن ينذر العالمين إلى يوم الدين، دون أن يقتصر على أهل زمانه فحسب. ولا بد لهذا الخبر أن يتحقق وقوعه، لأنه من الله تعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا فكيف كان ذلك؟ هل تحقق أم لا؟.
نعم كان ذلك حقا، كما بيّن الله تعالى في قوله وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أي وأنذر القرآن كل من بلغه هذا القرآن إلى يوم الدين، لأن هذا القرآن باق كما هو، إلى يوم الدين بحفظ رب العالمين (١).
خامسا: إن من المعلوم قطعا أن القرآن الكريم كان في حياة الصحابة والسلف الصالح بمنزلة الروح من الجسد، به آمنوا بالإسلام، وبه جاهدوا، وبه جادلوا وقارعوا أهل الملل، ولأجله عاشوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة من أجل القرآن ودعوته، واستحفظوه حوافظهم الفذة، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. فمن المحال أن يحصل في كتاب الله تعالى خلل أو زيادة أو نقص من أي شخص كان مهما عظم شأنه سهوا أو عمدا إلا وينهض القوم بأجمعهم
стр. 180
كبيرهم وصغيرهم، دانيهم وقاصيهم لتقويم العوج وتصحيح النص.
ويحاربون لأجله، ويجاهدون في سبيله، لا سيما وأن إعداد نسخة المصحف التي أريد أن تكون مرجعا للناس، التي أعدت في عهد أبي بكر الصديق ﵁ ثم نسخ
المصاحف عنها في عهد عثمان بن عفان ﵁ كان ذلك كله باطلاع المسلمين كلهم، ومراجعة كل من عنده علم بشيء من كتاب الله تعالى، الأمر الذي يوقن به كل عاقل بأن نص القرآن الموجود هو طبق الوحي الذي نزل على النبي ﷺ ، وكما هو في اللوح المحفوظ، يتعبد به المسلمون ربهم، ويتشرف به القارءون، ويهتدي به العالم (١).
سادسا: على أنه لو كان عليّ بن أبي طالب ﵁ يعلم أن في القرآن الكريم الذي نشره عثمان في الأمصار إسقاطا، أو تغييرا ما، لما أمكن أن يتجاوزه أبدا، ولما جاز له أن يشتغل وهو خليفة آلت إليه أمور المسلمين لمدة ست سنوات تقريبا يشتغل بمقاتلة من خالفوه في السياسة عن تصحيح القرآن ومقاتلة الذين رضوا بتحريفه وتبديله. فكيف وهو لم يفعل شيئا من
стр. 181
ذلك، ولا فاه بكلمة حوله، بل كيف وقد كان هو يتلو القرآن وفق المصحف الذي نشره عثمان ويؤم الناس به في الصلوات.
سابعا: لقد ذكر الله تعالى بالمدح والتعظيم- التوراة، ثم ذكر الإنجيل، ثم ذكر هذا القرآن الكريم، وبيّن منزلته من بين الكتب الإلهية، ورفعة رتبته على جميع الكتب، وأنه المهيمن على الكتب السماوية التي نزلت قبله! قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ الآية. ثم قال تعالى ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ الآية. ثم قال تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ.
فقد أخبر سبحانه عن رتبة هذا الكتاب العزيز بالنسبة لجميع الكتب قبله بأنه مصدق لما جاءت به من عند الله تعالى، وأنه المهيمن على جميع الكتب قبله.
قال ابن عباس ﵄: «المهيمن الأمين. والقرآن أمين على كل كتاب قبله».
وقال أيضا: «المهيمن: الحاكم».
وكلا قوليه هنا صحيح.
فإذا كان أمر القرآن وموقفه من الكتب السابقة أنه هو الأمين عليها، والحاكم على ما فيها فلا يمكن أن يجري عليه تحريف في كلمة، ولا زيادة أو نقص، لأن ذلك يعني أن الله تعالى قد نصب على كتبه السماوية السابقة أمينا غير مضمون وحكما غير مأمون. تعالى الله الحكيم العليم عن ذلك علوا كبيرا.
بل إن في جعل الله تعالى هذا القرآن الكريم أمينا وحكما على الكتب قبله شهادة منه سبحانه بضمانة وأمانة هذا القرآن وحفظه من التلاعب فيه والزيادة والنقص، ولذلك حقّ له أن يكون مهيمنا على الكتب السماوية قبله،
стр. 182
حاكما عليها وشاهدا وأمينا، يحقّ ما فيها من حق، ويبطل ما حرّف منها، أو زيد فيها.
وهكذا نجد الأدلة القطعية اليقينية تشهد بحقية نقل القرآن، ذلك النقل الذي لم يكن لكتاب غيره قط باجتماع التواتر له حفظا في الصدور وتدوينا في السطور. وضمان من الله تعالى بل ضمانات، وتكفل بل كفالات، وأي ضمان أعظم من ضمان الله، وأي كفالة أحفظ من كفالة الله تعالى، كيف وقد أكّد وعده القاطع وكفالته الضامنة بمؤكدات على غاية القوة، فقد أكّد ب «إنّ»، ثم أكد بالضمير «نحن»، ثم باللام في لَحافِظُونَ.
ثم زاد هذه المؤكدات قوة بالتعبير بصيغة العظمة التي في الجمع إِنَّا نَحْنُ، وبالجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام، فأفاد ذلك تأكيدا بالغا غاية الغايات، ونهاية النهايات.
وبهذا آمنا بحفظ القرآن الكريم من التبديل والتغيير والزيادة أو النقص، إيماننا بنزوله من عند الله، وإيماننا بمن أنزله وهو الله ، لنقبل عليه تلاوة وتدبرا، وعلما وعملا، ودعوة للخلق إليه، بكل يقين واطمئنان، كما تشير لذلك عبارة الآية الكريمة، لمن تأملها:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
стр. 183
الفصل التاسع عشر رسم القرآن الكريم
هذا البحث يظهر لنا غاية حفظ الأمة لكتاب ربها، حتى في طريقة كتابته.
والمراد برسم القرآن هنا كيفية كتابة الحروف والكلمات في المصحف على الطريقة التي كتبت عليها في المصاحف التي أمر عثمان اللجنة الرباعية فكتبتها، ووزّعها على الأمصار. ويطلق عليه: رسم المصحف، ومرسوم الخطّ (١).
ويرجع هذا الرسم في الأصل إلى كتابة القرآن بإملاء النبي ﷺ على كتاب الوحي، فكتبوه حسبما يعرفون وبإشرافه ﷺ واطلاعه عليه (٢).
ومن هنا فإن جمهور العلماء ذهبوا إلى منع كتابة المصحف بما استحدث الناس من قواعد الاملاء، للمحافظة على نقل المصحف بالكتابة على الرسم نفسه الذي كتبه الصحابة واستمرت عليه الأمة (٣)، وقد صرح الإمام أحمد فيه
стр. 184
بالتحريم فقال: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك» (١).
وسئل الإمام مالك: هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.
قال الإمام أبو عمرو الداني: «ولا مخالف له من علماء الأمة» (٢).
وهكذا اتخذت الأمة الإسلامية الرسم العثماني سنّة متبعة إلى عصرنا هذا، كما قال البيهقي في شعب الإيمان: «واتباع حروف المصاحف عندنا كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (٣).
وكان ذلك للمبالغة في المحافظة والاحتياط على نص القرآن حتى في مسألة شكلية هي كيفية رسمه.
لكن العلماء استثنوا من ذلك نقط المصاحف وتشكيلها، لتمييز الحروف، والحركات فأجازوا ذلك بعد اختلاف في الصدر الأول عليه، وذلك لما اضطروا إلى ذلك لتلافي الاخطاء التي شاعت بسبب اختلاط العرب بالعجم.
وكان أول ما فعلوه من ذلك ضبط حركات الحروف، وقد رمزوا لذلك في بادئ الأمر بنقط على كيفية معينة، ثم تلا ذلك تمييز الحروف المعجمة عن غيرها.
وقد اختلفوا في أول من نقّط المصاحف، فقال المبرد: «أول من نقّط المصاحف أبو الأسود الدؤلي صاحب علي بن أبي طالب، وذكروا أن ابن سيرين التابعي كان له مصحف نقّطه له يحيى بن يعمر، وذكر الجاحظ في
стр. 185
كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول من نقّط المصاحف وكان يقال له: نصر الحروف (١).
وهكذا حافظت الأمة على صورة الحروف والكتابة وفق الرسم العثماني، إنما أضافت له النقط والشكل، لما أن ذلك دلالة على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها.
وإذا ما نظرنا لمتطلبات العصر وللحاجة إلى تسهيل قراءة القرآن وتعلمه على الناس فبوسعنا أن نقول: إنه يجوز كتابة القرآن بالرسم المعتاد لنا في مجالس التعليم، لتسهيل التعلم ولكي يتم نقل المتعلم إلى الرسم الأصلي بسهولة، نتيجة تدربه على أسلوب القرآن الكريم، على ما يستفاد من رأي الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀، الذي توسّع في هذه المسألة ولم يلزم العامي بالرسم العثماني قائلا: «لئلا يوقع في تغيير الجهّال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة» (٢).
أحكام تختص بالمصحف:
لما كان المصحف يضم بين دفتيه كلام الله ﵎، فقد اختص بأحكام شرعية ليست لغيره من الكتب مهما جلّت أو عظمت أهميتها، وقد عني العلماء بتفصيل تلك الأحكام، وتفريعها، نذكر مهمات منها فيما يلي:
١ - كره كثير من العلماء بيع المصاحف وشراءها، لما أخرج ابن أبي داود عن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يشددون في بيع المصاحف».
والمختار عند بعض الأئمة ومنهم الشافعية كراهية البيع دون الشراء، والثمن يتوجه إلى الورق أو أجرة الكتابة، أو يتوجه لهما معا.
стр. 186
ولعل هذا بالنسبة لمن عنده مصحف في بيته فلا يبيعه، أما أصحاب المكتبات فلا يمكن تطبيق ذلك عليهم، لما فيه من تعطيل مصالح المسلمين، غير أنه لا يسمى بيعا بل هبة، ولا يقال اشترى بل استوهب، تأدبا واحتراما.
٢ - يستحبّ تقبيل المصحف وتطييبه، وجعله على كرسي، ويحرم توسده، لأن فيه امتهانا، وكذا مد الرجلين إليه.
٣ - يستحب الاستياك لقراءة القرآن.
٤ - إذا احتيج إلى تعطيل أوراق فيها قرآن لبلاء أو نحوه فلذلك طرق:
غسلها بالماء إن أمكن أو إحراقها بالنار، واختار الحنفية أن يحفر له في الأرض ويدفن في موضع بعيد عن أن تطأه الأقدام.
٥ - اتفق جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة على تحريم مسّ المصحف للمحدث حدثا أصغر أو أكبر، لقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، ولما ثبت في الحديث: «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر» (١).
стр. 187
الفصل العشرون إعجاز القرآن الكريم
المعجزة في اصطلاح علماء التوحيد هي:
«أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة».
ويطلق على المعجزات دلائل النبوة وأعلام النبوة، ونحو ذلك، وهذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجودا في الكتاب ولا في السنّة، وإنما فيه لفظ الآية، والبينة، والبرهان» (١).
الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر:
قد يكرم الله تعالى بعض أوليائه من المتقين الأبرار بأمر خارق يجريه له، ويسمى ذلك «الكرامة».
وثمة فرق شاسع بين المعجزة والكرامة، لأن الكرامة لا يدّعي صاحبها النبوة، بل لا يتحدى بها الناس، وإنما تظهر على يده لصدقه في اتباع النبي، لذلك قرر كثير من المحققين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره أن الكرامات التي تقع للأولياء هي من جملة معجزات الأنبياء، وهذا حق وصواب، لأن هؤلاء الأبرار ما كانت تقع لهم هذه الخوارق لولا اعتصامهم بالاتباع الحق للنبي ﷺ ، وقيامهم بدعوته، فكانت الكرامة لهم معجزة للنبي
стр. 188
صلى الله عليه وسلم، ومن ثم تقررت هذه القاعدة: «كل كرامة لولي معجزة لنبيه».
وهذا يبين لنا أن شرط الكرامة للولي صدق الاتباع للنبي ﷺ لكن ليس من شرطه العصمة، فإن الولي قد يقع في المعصية، أما الأنبياء فقد عصمهم الله تعالى.
وأما السحر فهو أبعد شيء عن المعجزة أو الكرامة، وإن كان قد يقع فيه غرابة وعجائب، لكنه يفترق عن المعجزة والكرامة من أوجه كثيرة تظهر في شخص الساحر وفي عمل السحر:
فمما يفترق به الساحر عن الولي ركوب متن الفسق والعصيان، والطاعة للشيطان، والتقرب إلى الشياطين بالكفر والجنابة والمعاصي، حتى ترى الساحر أكذب الناس وأشدهم شرا.
وأما عمل السحر فقد يكون مستغربا طريفا، لكنه لا يخرج عن طاقة الإنس والجن أو الحيوان، كالطيران في الهواء مثلا، بل هو أمر مقدور عليه لأنه يترتب على أسباب إذا عرفها أحد وتعاطاها صنع مثلها أو أقوى منها، لذلك ما إن يواجه السحر بالحقيقة حتى يذهب سدى، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى، ومن هنا خضع السحرة لموسى ﵇، لأنهم وهم أعرف الناس بالسحر، كانوا أكثر الناس يقينا بحقية معجزته، وصدق نبوته فما وسعهم أمام جلال المعجزة الإلهية إلا أن خروا سجدا وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
تنوع المعجزة وحكمته: وتنقسم المعجزات إلى قسمين:
القسم الأول: المعجزات الحسية:
مثل معجزة الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ حتى روى المئين، وتكثير الطعام القليل، وقلب الحصى حية، وإحياء
الموتى ...
стр. 189
القسم الثاني: المعجزات العقلية:
مثل الأخبار عن المغيبات، والقرآن الكريم، واستجابة الدعاء.
وقد جرت سنّة الله تعالى كما قضت حكمته أن يجعل معجزة كل نبي مشاكلة لما يتقن قومه ويتفوقون فيه. ولما كان العرب قوم بيان ولسن، يقادون بمقولهم كانت معجزة النبي ﷺ الكبرى هي القرآن الكريم.
مصدر علمنا بإعجاز القرآن:
وقد أعلن إعجاز القرآن على العالم من أعظم مصدر ثابت وهو القرآن نفسه، حيث نادى على رءوس الأشهاد وفي كل جيل وقبيل يتحدى الناس بل العالم أن يأتوا بمثله، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (١).
فقد كبّلهم بالعجز عن هذا التحدي فلم يفعلوا ما تحداهم، فجاءهم بتخفيف التحدي فتحداهم بعشر سور فحسب في هذه الآية:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٢).
ثم أرخى لهم حبل التحدي، ووسّع لهم غاية التوسعة فتحدّاهم بسورة واحدة أيّ سورة ولو من قصار السور، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣).
وقد مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاما والمسلمون قليل مستضعفون، وكان الوحي يتتابع وهو يتحداهم، ويفضح عجزهم الذي استبان وظهر لكل من له عين تبصر، وأذن تسمع، وعقل يعي،
стр. 190
وقد قطع الله عليهم بل على الثقلين كلهم منافذ اللدود لهذا الإعلان الحاسم قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (١).
وقد أمعن القرآن في هذا التحدي وأكده في سورة البقرة المدنية، فتحداهم ثانية بسورة منه، وأكد عجزهم عن ذلك بالإعلان على العالم أنهم لن يستطيعوا ذلك، ولن يفعلوه أبدا:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢).
القدر المعجز من القرآن:
وهكذا نجد القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل سورة واحدة من القرآن، ولو كانت من قصار سوره، وإذا كانت أقصر سورة فيه هي سورة الكوثر تتألف من ثلاث آيات قصار علمنا أن كل آية طويلة معجزة، وكل عدة آيات قصار تبلغ سورة الكوثر أو أكثر من ذلك فهي معجزة كذلك.
وإذا علمت أن عدد آيات القرآن يزيد على ستة آلاف آية علمت كم عدد المعجزات في القرآن الكريم، فضلا عن النظر فيما يحمله من أوجه الإعجاز المتعددة، فتكون معجزاته بذلك كثيرة متنوعة يضيق عنها الحصر والتعداد.
خصائص إعجاز القرآن:
إن من المقرر المعلوم أن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى بين سائر المعجزات، لما اختص به في إعجازه من خصائص ليست لمعجزة سواه.
١ - اختص القرآن: «مع كونه معجزا أنه معجز لجميع المكلفين، فوجب في الحكمة أن يكون أمرا يبقى ببقاء التكليف، ولذلك تكفل الله تعالى
стр. 191
بحفظه وحراسته، وخصّه بأن أودعه من علم الأولين والآخرين ومن دلالة الحرام والحلال ما يدعو إلى تحفظه والتوفر على تأمله ... » (١).
٢ - اختص بالقرآن بكونه معجزة بذاته بخصوصية ثانية انفرد بها عن جميع المعجزات بل عن جميع البراهين والبينات، قال ابن خلدون:
«فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه، وهذا معنى قوله ﷺ «ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٢). يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهي كونها نفس الوحي، كان المصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدق والمؤمن وهو التابع والأمة» (٣).
٣ - ثمة خصوصية أخرى بالغة الأهمية هي أن الإعجاز في الخوارق الحسية أنها أمور مخالفة للمعتاد من سنن الكون، وقواعد الطبيعة، فتأتي المعجزة الحسية ويدركها الناس بتلك المخالفة لقوانين الطبيعة فيعلمون إعجازها وصدق النبي الذي ظهرت على يديه (٤).
стр. 192
أما إعجاز القرآن فإنه لم يكن بواسطة مخالفة السنن الكونية، وصرف الإنسان عنها، بل إن معجزة هذا القرآن يدركها الإنسان بمقدار إعمال عقله وفهمه، بل إنه كلما ازداد معرفة بسنن الكون والطبيعة ازداد يقينا بإعجاز هذا القرآن.
ولذلك واجه القرآن عناد المشركين وتطلبهم للمعجزات بخصوصية القرآن الكبرى التي تجعله يكفي عن كل معجزة، فقال :
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١).
شهادة العالم بإعجاز القرآن
شهادة العرب بأحوالهم وأفعالهم:
بعث الله محمدا ﷺ والعرب أكثر ما كانت شاعرا وخطيبا،- كما ذكر الجاحظ- وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت في البيان عدة، لهم القصيد العجيب، والرّجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، إذا تأملت بالذوق الصحيح والملكة الفنية المذواق تبينت من خلال أدبهم ما بلغوه في هذا المضمار.
فلما أمر الله نبيه أن يبلغ دعوته للناس راح يتتبع أفراد عشيرته وقومه، يقرأ عليهم ما نزل عليه من القرآن، ولم يكن برهانه ولا ما أمر به أن يلزمهم حجة وبرهانا، أنما هو إله واحد وأن محمدا نبي لله إلا دليلا واحدا هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه.
стр. 193
قال الإمام الباقلاني: «فلو كان هذا القرآن من ذلك القبيل- الشعر- أو من الجنس الذي ألفوه لم تزل أطماعهم عنه، ولم يدهشوا عند وروده عليهم، فكيف وقد أمهلهم، وفسح لهم الوقت، وكان يدعوهم إليه سنين كثيرة، وقال عزّ من قائل: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ.
وبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدي بان أنه خارج عن عاداتهم وأنهم لا يقدرون عليه .. » (١).
بل إن العرب قد تحملوا في مواجهة التحدي بالقرآن وركوبهم متن العناد والتصميم على الشرك وعبادة الأوثان الأهوال والأخطار، فلو كان ذلك بوسعهم، وتحت مقدورهم لما عدلوا عن السهل المتناول من القول يخملون به حجته، ويصرفون الناس عن دعوته، إلى ركوب متن كل صعب وذلول، وتكلف الوعر المضني من الفعل بخوض غمار الحروب.
شهادة بلغاء العرب بإعجاز القرآن بأقوالهم:
صدرت عن سادة العرب الفصحاء البلغاء اعترافات صريحة بإعجاز القرآن، أملتها عليهم سجيتهم العربية، وطبيعتهم الفنية التي لا يمكن معها جور ولا محاباة، وإن كانوا مخالفين لرسول الله ﷺ معاندين دعوته إلى الإيمان، وقد أوردت لنا المصادر وقائع كثيرة يطول بسطها واستقصاؤها هنا (٢).
من ذلك ما روى الإمام محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ﷺ في
المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁ ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ قد اشتد
стр. 194
ساعدهم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من السّطة (١) في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم وسفّهت به أحلامهم، وعبت آلهتهم ودينهم وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها؟
قال فقال له رسول الله ﷺ : «قل يا أبا الوليد أسمع».
قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع (٢) على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: «أفرغت يا أبا الوليد» قال: نعم. قال: فاستمع مني، قال:
أفعل. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٣). ثم مضى رسول الله ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه فلما سمع عتبة أنصت وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال:
«قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك».
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: «نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن
стр. 195
تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإنّ يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزّكم وكنتم أسعد به. فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم» (١).
ولقد تحيرت العرب في شأن هذا القرآن لأنه نزل بلسانهم، لسان عربي مبين، ثم هم يجدونه مباينا لكلامهم، فحاروا ماذا يقولون فيه من طغيان اللدد والخصومة.
وإنه لخبر مشهور، خبر تحير الملأ من قريش، حينما ائتمرت حين حضر موسم الحج، لكي يتفقوا على قول واحد يقولونه للناس، وقد رأوا شتات كلامهم السابق المختلف، وأداروا الرأي فيما يقولون في هذا القرآن وفي النبي الكريم الذي سوف يتلو هذا القرآن على الناس في الموسم؟.
فطرحوا فكرة القول بأنه شاعر، وأنه كاهن، أو أنه مجنون أو ساحر، وصاحب المشورة فيهم الوليد بن المغيرة يرد كل ذلك عليهم بالحجة والبرهان، ثم قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: «ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته».
فهذا التحير المظلم الذي غشاهم وأخذ منهم بالكظم، والذي نعته الوليد فأجاد النعت، كان تحيرا لما يسمعون من نظمه، وإعظاما ودهشة لما يحسون من إعجاز بيانه.
ولهذا فإنهم كانوا يخافون أن يفلت الزمام من أحدهم فيدخل في الإسلام لتأثره بعظمة القرآن، حتى قالوا لبعضهم كما سجل القرآن ذلك عليهم:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
فكانوا إذا تلا النبي القرآن عليهم صخبوا وصفقوا كيلا يتمكن الناس من
стр. 196
سماع القرآن بهذا الضجيج، فكانت طريقة في الغلبة طريفة ...
بلغاء كبار سمعوا القرآن فآمنوا:
وهذا أعظم الشهادات بإعجاز القرآن، إن سادة العرب في البيان ألقوا زمام قيادتهم وأسلموا لهذا القرآن وللنبي ﷺ «مثل لبيد بن ربيعة العامري في حسن إسلامه وكعب بن زهير في صدق إيمانه، وحسان بن ثابت، وغيرهم: من الشعراء والخطباء الذين أسلموا.
على أن الصدر الأول ما فيهم إلا نجم زاهر، أو بحر زاخر» (١).
وما قصة إسلام عمر بخافية عنا، وما أسلم إلا بتلاوته للقرآن الكريم من سورة «طه» كما هو معلوم.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ حديثا طويلا عن إسلامه، وفيه: أن أنيسا أخا أبي ذر ذهب إلى مكة ثم عاد فقال لأبي ذر:
«لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت فما يقول الناس؟
قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم. ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر. والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» (٢).
ونسوق لك تصريح جبير بن مطعم بأن سبب تحول قلبه إلى الإسلام، أنه أصغى إلى تلاوة الرسول سورة الطور في صلاة المغرب. فقد روى البخاري في صحيحه عن محمد بن جبير عن أبيه قال:
стр. 197
«سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي» (١).
شهادة بلغاء من النصارى بإعجاز القرآن:
قال الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا في تقديمه كتاب إعجاز القرآن للرافعي:
«فإن من أوتي حظا من بيان هذه اللغة وفاز بسهم رابح من آدابها حتى استحكمت له ملكة الذوق فيها، لا يملك أن يدفع عن نفسه عقيدة إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته، وبأسلوبه في نظم عبارته. وقد صرّح بهذا من أدباء النصرانية المتأخرين الأستاذ جبر ضومط مدرس علوم البلاغة بالجامعة الأمريكانية في كتاب (الخواطر الحسان)».
قال الرافعي يعلق على هذا:
«وصرح لنا بذلك «بإعجاز القرآن» أديب هذه الملة وبليغها الشيخ إبراهيم اليازجي الشهير، وهو أبلغ كاتب، أخرجته المسيحية، وقد أشار إلى رأيه ذلك في مقدمة كتابه (نجعة الرائد)، وكذلك سألنا شاعر التاريخ المسيحي الأستاذ خليل مطران، ولا نعرف من شعراء القوم من يجاريه فأقرّ لنا بمثل ما أقرّ به أستاذه اليازجي، والأمر بعد إلى العقل «المنصف»، والعقل «المنصف» ليس له دين إلا الحق. والحق واحد لا يتغير» (٢).
كذلك الأديب الشاعر المعاصر نقولا حنا قد تلا القرآن، فجذبه إليه وشغل قلبه وفؤاده، وزاده إيمانا بالله على إيمانه، وقذف في أعماق فكره وضميره يقينا راسخا بأن القرآن هو كتاب الله المعجز العزيز وأنه يسمو على سائر معجزات الأنبياء، فهو معجزة إلهية خالدة تبرهن بنفسها على نفسها. وأعلن ذلك في قصيدة من روائع الشعر، عنون لها بهذا العنوان «من وحي القرآن» وقال في مقدمة هذه القصيدة:
стр. 198
«قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت ... آمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله، النبي العربي الكريم، أما الله فمن نصرانيتي ورثت إيماني به، وبالفرقان عظم هذا الإيمان ...
«وكيف لا أومن ومعجزة القرآن بين يديّ أنظرها وأحسها كل حين ..
هي معجزة لا كبقية المعجزات .. معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدّث عنها أو يبشر بها.
وكان يقول: «وكم احتاجت وتحتاج الأديان السابقة إلى علماء ومبشرين وشواهد وحجج وبراهين لحضّ الخلق على اعتناقها، إذ ليس لديها ما هو منظور محسوس يثبّت أصولها في القلوب. أما الإسلام فقد غني عن كل ذلك بالقرآن، فهو أعلم معلم وأهدى مبشر، وهو أصدق شاهدا وأبلغ حجة وأدمغ برهانا ... هو المعجزة الخالدة خلود الواحد الأزلي، المنظورة المحسوسة في كل زمان ... ومن إيماني العميق هذا استلهمت أبيات قصيدتي هذه» (١).
وذكر في قصيدته ثبوت نبوة محمد ﷺ بمعجزات كثيرة أجلّها القرآن، وكان مما قال فيها:
يقولون ما آياته، ضلّ سعيهم ... وآياته- ليست تعدّ- عظام (٢)
كفى معجز الفرقان للناس آية ... علا وسما كالنجم ليس يرام
فكل بليغ عنده ظل صامتا ... كأن على الأفواه صرّ كمام (٣)
وشاء إله العرش بالناس رحمة ... وأن يتلاشى حقدهم وخصام
ففرّق ما بين الضلالة والهدى ... بفرقان نور لم يشبه قتام
стр. 199
منشأ إعجاز القرآن
رأي الإعجاز بالصّرفة:
على الرغم من إجماع العلماء على إعجاز القرآن، وأن إعجازه وصف ثابت له، فقد شذّ بعض المتكلمين وهو أبو إسحاق النظّام من المعتزلة، ونحى في هذه المسألة منحى انفرد به دون أهل العلم قاطبة، وعرف رأيه بينهم ب «الصّرفة».
وقد فسر النظام إعجاز القرآن بهذا وقال يشرح رأيه: «إن الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به».
وقد جرّ النظّام لهذا القول بعده عن معاناة أساليب البيان وانشغاله بالأساليب الفلسفية، مما أدى إلى وقوعه في هذا الخلط في تفسير إعجاز القرآن.
وجدير بالذكر أن هذا القول لا يدخل فيه عنصر الطعن في القرآن، ولا كان في قصد صاحبه ما يحوم حول ذلك، لأنه يعترف ويشهد بأنه من عند الله تعالى، إلا أنه شذّ في تفسير إعجاز القرآن، وحسب القارئ هنا أن أحدا من علماء البيان لم يوافقه على ذلك، حتى المعتزلة أنفسهم ومنهم تلميذه الجاحظ، الذي عني برد هذا الرأي وجلاء إعجاز نظم القرآن حتى كان- أي الجاحظ- أول من يبلغنا عنه هذا التعبير «نظم القرآن».
والحقيقة أن هذا الرأي من الضعف بحيث يغني شرحه عن تكلف الردّ عليه، ولولا ترداده على ألسنة بعض المتحذلقين في هذا العصر لما عرضنا له بشيء لمصادمته بدهيات الدلالة من القرآن والإجماع والعقل والواقع، كما أوضحه العلماء.
стр. 200
قال الإمام الزركشي في البرهان (١):
١ - «وهو قول فاسد، بدليل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم. ولو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره.
٢ - هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة- أي نسبة- الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا غيره وليس فيه صفة إعجاز بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم قدرتهم عن الإتيان بمثله ...
٣ - «ومما يبطل القول بالصّرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصّرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون المنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضلا على غيره في نفسه». يعني وأن فضيلة القرآن ظاهرة، ومزاياه معجزة باهرة، مما يدل على بطلان تفسير إعجاز القرآن بالصرفة، ويثبت الإعجاز الذاتي للقرآن العظيم.
ونتكلم عن أوجه إعجاز القرآن فيما يلي:
أوجه إعجاز القرآن الكريم
كثرت الدراسات واستفاضت البحوث في تبيان أوجه الإعجاز الذاتي للقرآن فما من عصر إلا قدمت فيه مجموعة من الدراسات والآراء تحاول كشف أوجه إعجاز القرآن مما قدم للدراسات القرآنية واللغوية البيانية كنوزا لا تفنى ذخائرها ولا تبيد.
والجدير بالذكر هاهنا أن تعدد الآراء في بيان أوجه إعجاز القرآن وتنوع الوجهات في دراستها ليس تنوع اختلاف وتعارض، إنما هو تنوع ناشئ من غزارة فنون هذه المعجزة وعظمتها، مما يجعل أي فكر أو أي عصر من
стр. 201
العصور عاجزا عن استنفاد أوجه إعجاز القرآن والإحاطة بها خبرا، وإنما يبلغ من ذلك مقدارا يتناسب مع ما يمكن أن يحققه هذا الإنسان العاجز المحدود، وهو يحاول
فك أسرار الإعجاز، الذي تجاوز الطاقة والحدود.
عرض الإعجاز عند المتقدمين:
وسوف نكتفي بنموذج من بيان الأسلاف لأوجه إعجاز القرآن يساعد على استجماع الأفكار وتلخيص عصارة زبدة دراساتهم، ويمهد لتحليل جديد لهذه الأوجه.
وهذا النموذج للإمام المفسّر الكبير أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ في مطالع كتابه العظيم في التفسير «الجامع لأحكام القرآن». قال القرطبي رحمه الله تعالى (١).
ووجه إعجاز القرآن الكريم عشرة:
١ - منها: النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء، وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذرّ قال لأبي ذر: لقيت رجلا في مكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت:
فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر لما قرأ عليه رسول الله ﷺ : حم فصلت، فإذا اعترف عتبة بن ربيعة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه.
٢ - ومنها: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.
стр. 202
٣ - ومنها: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلى آخرها، وقوله سبحانه: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى آخر السورة [الزمر: ٦٧ - ٧٥]، وكذلك قوله سبحانه:
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إلى آخر السورة [إبراهيم: ٤٣ - ٥٢].
قال ابن الحصار: فمن علم أن الله هو الحق، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول:
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا أن يقول: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ.
قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كلّ سورة، بل هي لازمة كلّ آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة لا تنفرد بهذه الثلاثة، من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة، فهذه سورة «الكوثر» ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيّبين:
أحدهما: الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل.
والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قول الحق: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً. وَبَنِينَ شُهُوداً. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثم أهلك الله- سبحانه- ماله وولده، وانقطع نسله.
[قال نور الدين: قال القرطبي آخر تفسيره يفسّر الآية: «الأبتر: أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة». انتهى. قال نور الدين: «وهذا هو الصحيح. وقد حصل ذلك لمبغضي النبي ﷺ على أبلغ وجه.
الصحيح. وقد حصل ذلك لمبغضي النبي ﷺ على أبلغ وجه.
وفي الآية على هذا إشارة إلى غيب ثالث، هو عزّة الإسلام وانتشاره، حتى يؤدي إلى بتر مبغض النبي ﷺ وانقطاع ذكره، من خير الدنيا والآخرة].
٤ - ومنها: التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به مخلوق،
стр. 203
حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
٥ - ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه به من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم- وهو أمّي من أمة أميّة ليس لها بذلك علم- بما عرفوا من الكتاب السالفة صحته، فتحققوا صدقه.
قال القاضي أبو الطيب: ونحن نعلم ضرورة أن هذا ما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى المتعلم
منهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي.
٦ - ومنها: الوفاء بالوعد، المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله ﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، وإلى وعد مقيد بشرط كقوله:
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وشبه ذلك.
٧ - ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ الآية، ففعل ذلك.
وكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه، ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا، برا وبحرا، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ
стр. 204
قَبْلِهِمْ وقال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وقال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وقال:
الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ....
فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه.
٨ - ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام.
٩ - ومنها: الحكم البالغة التي لم تجر العادة أن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي.
١٠ - ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف، قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. انتهى كلام القرطبي.
وبالنظر في هذه الأوجه العشرة نجد أن إعجاز القرآن يتنوع تنوعا واسعا شاملا للأسلوب وللمضمون أي المعنى، مما يجعل إعجازه متناولا كل أنواع البشر: من كان مميزا للكلام البليغ والأبلغ، ومن لم يرزق تلك الموهبة، وإن كانت الحجة تلزم هذا النوع من الناس بشهادة أهل الموهبة الفنية والذوق الأدبي، من الفصحاء العقلاء، والبلغاء المراجيح الألبّاء.
لكن إذا أفحم هؤلاء القاصرون بمضمون القرآن وبما اشتمل عليه من المعاني لم يبق في الإعجاز أبلغ ولا أعظم من ذلك.
عرض الإعجاز عند المعاصرين:
وقد عني العلماء المعاصرون والباحثون المحدثون بتحقيق البحث في أوجه إعجاز القرآن مستفيدين من دراسات القدماء ومن نتائج بحث الحدثاء، وقدموا دراسات متوالية تنقّح كلّ دراسة الدراسة التي قبلها وتضيف إليها ما ولّدته
стр. 205
قريحة كل دارس جاء بعدها. وكان أول المشاهير في العصر الحديث علّامة الأدب مصطفى صادق الرافعي ﵀ في كتابه «إعجاز القرآن»، ثم جاء البحّاثة المحقق الدكتور محمد عبد الله درّاز ﵀ فقدّم دراسات متعددة عن إعجاز القرآن كان أشهرها كتابه «النبأ العظيم»، الذي تميز بنظرات جديدة في الموضوع، ثم جاء معاصره العلّامة محمد عبد العظيم الزرقاني (١) فنقح القول في أوجه إعجاز القرآن وأفاد من دراسات الدكتور درّاز واستكمل دراسته فجاءت دراسة عصرية وافية اقتبس منها الدارسون وأفادوا من نتائجها، وعني بعضهم أخيرا (٢) بتنقيحها والبناء عليها فجاء عمله بذلك أتم وأوفى.
[نتائج مستفيدين من هذه الدراسات]
وسنقدم فيما يلي خلاصات ونتائج مستفيدين من هذه الدراسات مع الإيجاز الشديد مراعاة لمقتضى المقام في هذا الكتاب:
القسم الأول من أوجه إعجاز القرآن: أسلوب القرآن الكريم
هذا القسم من أوجه إعجاز القرآن فيه أعظم جوانب الإعجاز في القرآن، وإن كان قد يخفى معنى عظمه على كثير من الناس، والسبب في عظمة هذا الوجه أنه هو الذي به كان القرآن قرآنا، وأن المنهج البياني المعجز للقرآن هو سمة عامة لجميع القرآن الكريم، أما الأوجه الأخرى فيوجد الوجه منها في بعض الآيات دون الآخر، مثل أخبار الغيب، والإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي وهكذا.
وهذا الوجه يدركه العرب، وهم أول من يخاطب به وإذا عجزوا هم عنه، فغيرهم أعجز وأعجز، لكن جلال الإعجاز في هذا الكتاب لا يقتصر
стр. 206
على ذلك بل إنه يشمل أوجها أخرى يدرك الإعجاز فيها كل من يفقه معاني الكلام، ولو لم يكن له في ساحة البيان جولات.
وقد أطال الدارسون القدماء والمحدثون في بيان خصائص أسلوب القرآن الكريم، ونلخص منها هذه الجوانب فيما يلي:
الوجه الأول: خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله وجوهره:
وهي خاصية بارزة عني بها بعض المتأخرين، وصاغها نظرية في إعجاز القرآن الموسيقى، وهو الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي ﵀ (١).
أما خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله:
فهي أول ما يسترعي سامع القرآن الكريم عن بعد بحيث يسمع فيه جملة الحركات والسكنات، والغنّات والمدّات وهكذا ... فإن السمع يجد نفسه إزاء لحن غريب عجيب لا يجده في كلام آخر، هو لحن فرد اختص به القرآن لا يوجد في الموسيقى ولا في الشعر، وذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد فيها الأوزان بيتا بيتا وشطرا شطرا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أصداؤها وتذهب مذهبا متقاربا، فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد بينما أنت من القرآن أبدا في لحن متنوع ومتجدد، على أوضاع مختلفة يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم.
وأما جوهر تأليف القرآن الصوتي:
فيكمن في نظم حروفه ورصفها وترتيب أوضاعها: هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر حرف استعلاء وغيره حرف شدة أو رخاوة، وهكذا، ترى الجمال اللغوي ماثلا أمامك في هذا التناغم الموسيقى المعجز، الذي جعل منه القرآن قالبا لما حمله من معاني الرسالة وحكمها وأحكامها، وعقائدها وقواعدها، ومواعظها وزواجرها، وما امتاز به أسلوبها في عرض هذه المعاني من سائر الخصائص المعجزة.
стр. 207
الوجه الثاني: القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى:
وهما نهايتان في اتجاهين متضادين، لا يقبل المرء على إحداهما إلا ابتعد عن الأخرى، ذلك أن البليغ إما أن يؤدي مراده جملة مختصرا، مقلّا من الألفاظ فلا بد أن يحيف على المعنى قليلا أو كثيرا، وإما أن يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره وإبراز كل دقائقه، فلا يجد بدا من أن يمدّ في نفسه مدا، لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة.
ولئن وفق البليغ لتقريب هاتين الغايتين تقريبا ما في جملة أو جملتين، فلا يلبث أن يدركه الكلال والإعياء، وضعف الطبع الإنساني فلا يسترجع قوته إلا في الشيء بعد الشيء، كما تصادف في التراب قطعة من التبر هاهنا وقطعة هنالك، فتقول هذا نفيس جيد، وهذا أنفس وأجود ... وقد أجمع نقّاد الشعر والنثر على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة من قصائد معدودة، ثم وراء ذلك الوسط والرديء والغثّ والمستكره ...
أما القرآن الكريم فقد جاء البيان فيه مقدرا أحسن تقدير، فلا تحسّ فيه بالإسراف ولا بالتقتير، فهو يؤدي لك الصورة وافية نقية لا يشوبها شيء مما هو غريب عنها، ولا يشذ عنها شيء من عناصرها وكمالها، كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه، كما قال الإمام أبو بكر الباقلاني: «محاسن تتوالى، وبدائع تترى».
ولنزيدك إيضاحا في هذا فخذ ما شئت من القرآن، واحص كلماته عدّا، ثم احص مثل عددها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن المصحف، وانظر ما حواه هذا الكلام من المعاني، وقايسه إلى ذلك، ثم انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها من غير القرآن أو يمكن أن تبدلها بأخرى غيرها دون إخلال بغرض قائله؟ وانظر مقابل ذلك أي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من القرآن؟؟ لما وجدت لذلك سبيلا في القرآن، بل إن كتاب الله تعالى- كما
стр. 208
قال الإمام ابن عطية (١): لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد»، بل هو كما وصفه الله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.
الوجه الثالث: خطاب العامة وخطاب الخاصة:
وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك- إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقها كاملا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال، فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته، فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسّر لكل من أراد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
الوجه الرابع: إقناع العقل وإمتاع العاطفة:
في النفس الإنسانية قوتان قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها: فأما إحداهما فتنقّب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى
فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا.
стр. 209
فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟
لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوّا في جانب، وقصورا في جانب، فأما الحكماء فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوّ عن الطباع، وأما الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور في نفسك، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيّا أو رشدا، وأن يكون حقيقة أو تخيلا، فتراهم جادين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويطربون وإن كانوا لا يطربون:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.
هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعا لها حين قال أو كتب، فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية قلت: هذا ثمرة الفكرة، وإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها، قلت هذا ثمرة العاطفة، وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر فتفرّغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه.
وأما أن أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا ويجمع في يديك هذين الطرفين معا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقا وأزهارا وأثمارا معا، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.
فمن لك إذا بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟
стр. 210
ذلك الله رب العالمين، فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان، وأن يمزج الحق والجمال معا يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابا خالصا سائغا للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجّهت، ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟.
أولا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ.
الوجه الخامس: تآلف الألفاظ والمعاني:
التآلف في الألفاظ هو ألا تكون بينها ثغرة في المخارج، ولا في النغم بل تتآلف وتتآخى في نسق واحد.
ويقول الإمام أبو بكر الباقلاني في هذا: «واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ليست له عشيرة تحميه، ولا أهل بيت عصمة تفطن لما فيه، وهو أدقّ من السحر وأهول من البحر، وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزلّ عن مكان لا تزل فيه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها، وتراها في مكانها، وتجدها غير منازعة في أوطانها، وتجد الأخرى لو وضعت في موضعها لكانت في محل نفار، ومرمى شرار، ونابية عن استقرار ... » (١).
وأما التآلف في المعاني: فهو ألا يكون معنى لفظ نافرا من المعنى الذي بليه، وأن تتآلف الألفاظ والمعاني: وما تثيره من الصور والأخيلة، وما
стр. 211
تستدعيه من معان يستلزم بعضها بعضا، فيتألف من ذلك علم كثير، وأفهام زاخرة.
وهذه الخصوصية هي كغيرها أيضا مستوفاة في جميع القرآن، وفي كل آية منه، لا يحتاج الدارس والباحث إلى اختيار وانتقاء، بل كيفما قلب المصحف ونظر بعين البصيرة المدركة وجد أي خصوصية يطلبها على أعظم منازل الكمال الذي لا يطيقه إنسان، ووجد أسلوبه ينفذ من كافة أقطار النفس، ويتغلغل في أعماق الأفئدة، فيحملها على الخشوع والإخبات، لما في طياته من قوة وهيمنة تدل على تنزله من علو، وصدوره من عظمة الألوهية وشرف الربوبية، وقدرة الإله الحق ذي الجبروت.
فالقرآن بنفسه يدل على قدر متكلمه ويخبر عن مقام منزله ، كما ينبه على عظيم شأنه ﵎، فيثبت لكل عاقل صحة رسالة محمد ﷺ ، وصدق نبوته (١).
القسم الثاني من أوجه إعجاز القرآن: الإعجاز بالمضمون
يمتاز هذا القسم من أوجه إعجاز القرآن بأنه معجزة عقلية، يعقلها ويدركها كل من يفهم الخطاب ويرد الجواب، سواء كان يملك ذوقا أدبيا فنيا أم لا يملك، بل سواء كان
عربيا أو أعجميا. وذلك من غاية كمال الإعجاز في القرآن الكريم.
ونقتصر على مهمات من أوجه إعجاز المضمون في القرآن فيما يلي:
стр. 212
الوجه الأول: الإخبار عن الغيب:
والقرآن حافل بأنواع الاخبار عن الغيب: غيب المستقبل، وغيب الحاضر، وغيب الماضي، مما يحتاج تفصيله لتأليف واسع كبير، لذلك سنكتفي هاهنا بإلماعة ولمحة وجيزة لضيق المقام عن التوسع فضلا عن الاستيفاء.
أولا: الإخبار عن غيب المستقبل:
في القرآن تنبؤات كثيرة جدا عن أمور ستقع في المستقبل، لعل أهم ما نذكر منها تلك الأخبار المتعلقة بأمور مصيرية، إذا لم تتحقق بدقة كاملة أدت إلى انتقاض دعوة القرآن من الأساس، ومن ذلك:
١ - إخبار القرآن في مكة والمسلمون في أقل القلة وأشد الضعف عن تحول المؤمنين إلى القوة وانتصارهم، وهزيمة المشركين، وذلك في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (١).
فنبّأ القرآن بهزيمة جموع المشركين في وقت لا مجال فيه للتفكير بالحرب، لغاية ما كان عليه المسلمون من الضعف والقلة، لذلك تساءل عمر: أيّ جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدّبر»، فعرفت تأويلها (٢).
وفي الحديث الآخر عن ابن عباس في يوم بدر قال: «وهو- يعني النبي ﷺ في الدرع فخرج وهو يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٣).
стр. 213
٢ - إخباره بوقوع الجدب على المشركين وكشف الله إياه عنهم وعودهم إلى الكفر:
قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ. رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ. أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ. يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١).
فأخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أمرين: رفع العذاب عن قريش بدعائهم وعدم اتعاظهم بذلك وعودهم إلى الكفر، وهزيمتهم يوم البطشة الكبرى، وهو يوم بدر.
كما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: « ... إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا فقال: اللهم سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ .. إلى قوله إِنَّكُمْ عائِدُونَ قال:
أفيكشف عذاب الآخرة؟ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ فالبطشة الكبرى يوم بدر ... » (٢).
٣ - إخباره عن عودة النصرة للروم بعد هزيمتهم المنكرة أمام الفرس حتى اضطر ملك الروم للالتجاء إلى القسطنطينية.
وقد فرح المشركون بذلك لكون الفرس مجوسا يعبدون النار والأصنام، والروم أهل كتاب، فأنزل الله تعالى:
стр. 214
الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ ....
وهذا مثال مشهور من أخبار الغيب بالقرآن، وقد اشتمل على خبرين خطيرين:
أولهما: انتصار الروم على الفرس في فترة وجيزة جدا بالنسبة لتغير ميزان القوى بين الدول، ولا سيما في ذلك العصر، وخصوصا بعد هزيمة ساحقة منكرة، وقد تحقق
ذلك في سبع سنين من تاريخ الحادث ونزول القرآن فيه.
ثانيهما: احتفاف ذلك بتغير ميزان القوة لمصلحة المسلمين وانتصارهم على المشركين وكان ذلك يوم بدر، وفرح المؤمنون بنصر الله لهم، كما فرحوا بنصر الروم وهم أهل كتاب على الفرس وليس لهم كتاب (١).
ثانيا: الإخبار عن غيب الحاضر:
في القرآن أخبار كثيرة عن مغيبات حدثت في زمن النبي ﷺ ولا سيما مما كان يبيته الاعداء والمنافقون، وقد عنيت سورة التوبة بكشف دخائل المنافقين ودسائسهم، وفضح مؤامراتهم حتى سميت الفاضحة.
ومن هذا النوع من الأخبار أيضا هذان المثالان:
١ - مؤامرة المشركين في بعض الغزوات على المسلمين أن يعطوهم الهدنة التي اعتادوها لأجل الصلاة، ويفاجئوهم بالهجوم عليهم غدرا وهم يصلون، فأنزل الله تعالى بيان كيفية صلاة الحرب بما فيه الوقاية من هذه المكيدة وقال فاضحا نوايا العدو:
стр. 215
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً (١).
٢ - ائتمر المنافقون بتوجيه من اليهود فبنوا مسجدا بجوار مسجد قباء، زعموا أنه للصلاة وللمساكين يأوون إليه، وطلبوا من النبي ﷺ أن يصلي فيه، فأنزل الله تعالى يكشف خبيئة نفوسهم الخبيثة (٢): وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (٣).
ثالثا: أخبار الغيب الماضي:
وذلك كثير جدا في القرآن يتضمن الإخبار عن حوادث قديمة وقعت من قبل، وقصص الأنبياء وأممهم مما سنعرض له بشيء من التفصيل في بحث القصة في القرآن (٤).
الوجه الثاني: الإعجاز التشريعي:
إن القرآن قد جاء بتشريع معجز يثبت أنه تنزيل من الله ووحي منه ﵎، وذلك من أوجه كثيرة نذكر منها:
١ - إنها جاءت على لسان رجل أمي وفي أمة أمية، تعيش الحياة القبلية بكل كيان أفرادها، لا يخطر على بال أحد منهم انتظام أو التزام بقانون عام أو نظام حضاري.