← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قام دليل الهزل لم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصداق. وأما بيع الهازل وتصرفاته المالية فإنه لا يصح عند القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال أبو الخطاب في «انتصاره»: يصح بيعه كطلاقه. وخرَّجها بعض الشافعية على وجهين، ومن قال بالصحة قاسَ سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة. والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملتزمٍ لحكمه، وترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، وذلك أن الهازل قاصد للقول مريدٌ له مع علمه بمعناه وموجبه، وقصدُ اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك المعنى لتلازمهما، إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال؛ فإنهما قصدَا شيئًا آخر غير معنى القول وموجبه. ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه فلم يقصد السبب ابتداء، والمحلّل قصد إعادتها إلى المطلِّق، وذلك منافٍ لقصده موجب السبب، وأما الهازل فقصد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه فترتَّب عليه أثره. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بلغو اليمين، فإنه لا يترتَّب عليه حكمه. قيل: اللاغي لم يقصد السبب، وإنما جرى على لسانه من غير قصدٍ؛ فهو بمنزلة كلام النائم والمغلوب على عقله. وأيضًا فالهزل أمر باطن لا يُعرف إلا من جهة الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر. ومن فرَّق بين البيع وبابه والنكاح وبابه قال: الحديث والآثار تدلّ على أن من

стр. 1787

العقود ما يكون جدُّه وهزلُه سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلا لقال (١): العقود كلها أو الكلام كله جدُّه وهزله سواء، وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حقٌّ لله، أما العتق فظاهر، وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع، ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنه يفيد حِلَّ ما كان حرامًا وحرمةَ ما كان حلالًا، وهو التحريم الثابت بالمصاهرة؛ ولهذا لا يستباح إلا بالمهر، وإذا كان كذلك لم يكن للعبد ــ مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام ــ أن لا يرتِّب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هَزَل بها كما صرّح به القرآن؛ فإن الكلام المتضمن لحقّ الله لا يمكن قولُه مع رفع ذلك الحق؛ إذ ليس للعبد أن يهزِل مع ربّه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب بحدوده. وفي حديث أبي موسى: «ما بالُ أقوامٍ يلعبون بحدود الله ويستهزئون [٤٢/ب] بآياته؟» (٢) في الهازلين. يعني ــ والله أعلم ــ يقولونها لعبًا غير ملتزمين لأحكامها، وحكمها لازم لهم، وهذا بخلاف البيع وبابه؛ فإنه تصرُّف في المال الذي هو محض حق الآدمي، ولهذا يملك بذله بعوض وغير عوض، والإنسان قد يلعب مع الإنسان وينبسط معه، فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجادّ؛ لأن المزاح معه جائز.

стр. 1788

وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله غير جائز، فيكون جدُّ القول وهزلُه سواء، بخلاف جانب العباد. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح مع أصحابه ويباسطهم، وأما مع ربه ﵎ فيجِدُّ كلَّ الجِدّ، ولهذا قال للأعرابي يمازحه: «مَن يشتري منّي العبدَ؟» فقال: تجدني رخيصًا يا رسول الله؟ فقال: «بل أنت عند الله غالٍ» (١). وقصد ﷺ أنه عبد الله، والصيغة صيغة استفهام. وهو ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا (٢). ولو أن رجلًا قال: «من يتزوَّج أمي أو أختي» لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر ﵁ يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود (٣) أن رجلًا قال لامرأته: يا أُخَيَّة (٤)، فقال النبي ﷺ : «أختُك هي؟». وإنما جعل إبراهيم ذلك حاجةً لا مُزاحًا (٥). ومما يوضّحه أن عقد النكاح يُشبِه العبادات في نفسه، بل هو مقدَّم على

стр. 1789

نفلها، ولهذا يُستحبُّ عقدُه في المساجد، ويُنهى عن البيع فيها، ومن يشرِط له لفظًا بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقًا له بالأذكار المشروعة، ومثل هذا لا يجوز الهزل به، فإذا تكلّم به رتّب الشارع عليه حكمه وإن لم يقصده، بحكم ولاية الشارع على العبد، فالمكلَّف قصد السبب، والشارع قصد الحكم، فصارا مقصودين كليهما (١). فصل وقد ظهر بهذا أن ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة ، فإنه ﷺ أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله. ولم يُؤمَر أن ينقَّب عن قلوبهم ولا أن يُشقَّ بطونهم، بل يجري عليهم أحكام الله (٢) في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه [٤٣/أ] في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان، ولهذا قبِلَ إسلام الأعراب، ونفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنه لا ينقُصهم مع ذلك من ثواب طاعتهم لله ورسوله شيئًا، وقبِلَ إسلام المنافقين ظاهرًا، وأخبر أنهم لا ينفعهم يوم القيامة شيئًا، وأنهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الرب ﷻ جارية على ما يُظهِر العباد، ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله. وأما قصة المُلاعن فالنبي ﷺ إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رُمِيَتْ به: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، فهذا ــ والله

стр. 1790

أعلم ــ إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللعان لكان شَبَهُ الولد بمن رُمِيتْ به يقتضي حكمًا آخر غيره، ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه، فإنهما دليلان، وأحدهما أقوى من الآخر؛ فكان العمل به واجبًا. وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه، فإنا نُعمِل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع، فأين في هذا ما يُبطِل المقاصد والنيات والقرائن التي لا معارضَ لها؟ وهل يلزم من بطلان الحكم بقرينة قد عارضها ما هو أقوى منها بطلانُ الحكم بجميع القرائن؟ وسيأتي دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها في الأحكام. وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعًا غيرُ هذا، وهذا شأن عامة المتداعين، لا بدَّ أن يكون أحدهما مُحِقٌّ والآخر مُبطِل (١)، وينفذ حكم الله عليهما تارةً بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل، وتارةً بغير ذلك إذا لم يكن مع المحقّ دليل. وأما حديث ركانة لما طلّق امرأته البتةَ وأحلفه النبي ﷺ أنه إنما أراد واحدةً (٢)، فمن أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة، وأن الاعتبار في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهرَ ألفاظهم؛ فإن لفظ البتة يقتضي أنها قد بتَّتْ منه وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنه لم يبقَ له عليها رجعة، بل بانت منه البتةَ كما يدل عليه لفظ البتة لغةً وعرفًا، ومع هذا فردَّها عليه، وقَبِلَ قوله أنها واحدة مع مخالفة الظاهر اعتمادًا على قصده ونيته، فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف

стр. 1791

ظاهر لفظه مخالفة ظاهرة (١) بينة. فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة، وقد قبِلَ منه في الحكم، وديَّنه فيما بينه وبين الله، فلم يقضِ عليه بما أظهر من لفظه لما أخبره بأن نيته وقصده كان خلاف ذلك. وأما قوله (٢): «إن النبي ﷺ أبطل في حكم الدنيا استعمالَ الدلالة التي لا يوجد أقوى منها» يعني دلالة الشبه، فإنما أبطلها بدلالة أقوى منها وهي اللعان، كما أبطلها مع قيام دلالة الفراش، واعتبرها حيثُ لم يعارضها مثلُها ولا أقوى منها في إلحاق الولد بالقافة [٤٣/ب] وهي دلالة الشبه، فأين في هذا إلغاء الدلالات والقرائن مطلقًا؟ وأما قوله: «إنه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا أقوى منها وهي خبر الله سبحانه عنهم وشهادته عليهم»، فجوابه: أن الله سبحانه لم يُجرِ أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصَبَها أدلة عليها، وإن علم سبحانه أنهم مُبطِلون فيها مُظهِرون لخلاف ما يُبطِنون، وإذا أطلع الله رسولَه (٣) على ذلك لم يكن ذلك مناقضًا لحكمه الذي شرعه ورتّبه على تلك الأسباب، كما رتَّب على المتكلم بالشهادتين حكمَه وأطلع رسولَه وعبادَه المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولُهم اعتقادَهم. وهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين ظاهرًا، ثم أطلع رسوله

стр. 1792

والمؤمنين على حال المرأة بشَبَه الولد لمن رُمِيتْ به، وكما قال: «إنما أقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فإنما أقطعُ له قطعةً من النار» (١). وقد يُطلِعه الله سبحانه على حالِ آخذِ ما لا يحلُّ له أخذه، ولا يمنعه ذلك من إنفاذ الحكم. وأما الذي قال: «يا رسول الله، إن امرأتي ولدتْ غلامًا أسودَ» (٢)، فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كنايةً (٣)، وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد: أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ وقرَّب له الحكمَ بالشَّبه الذي ذكره؛ ليكون أذعنَ لقبوله وانشراحِ الصدر له، ولا يقبله على إغماض. فأين في هذا ما يُبطِل حدَّ القذف بقول من يشاتم غيره: «أما أنا فلستُ بزانٍ، وليستْ أمي بزانية»، ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجعُ وأنكى من التصريح، وأبلغ في الأذى، وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، فهذا لون وذاك لون، وقد حدَّ عمر بالتعريض في القذف، ووافقه الصحابة ﵃. وأما قوله ﵀ (٤): «إنه استشار أصحابه فخالفه بعضهم»، فإنه يريد ما رواه عن مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبَّا في زمن عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه وأمه،

стр. 1793

وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلده عمر الحدَّ ثمانين (١)، وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر؛ فإنه لما قيل له إنه قد كان لأبيه وأمه مدحٌ غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة. وقد صحَّ عن عمر من وجوه أنه حدَّ في التعريض، فروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر كان يحدُّ في التعريض بالفاحشة (٢)، وروى ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن صفوان وأيوب عن عمر أنه حدَّ في التعريض (٣). وذكر أبو عمر (٤) أن عثمان كان يحد في التعريض وذكره ابن أبي شيبة (٥)، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الحدّ في التعريض (٦). وهو قول أهل المدينة [٤٤/أ] والأوزاعي، وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية، واللفظ إنما يُراد لدلالته على المعنى؛ فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كبير فائدة. وأما قوله: «من حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم لم يسلَمْ من خلاف التنزيل والسنة»، فإنه يشير بذلك إلى قبول توبة الزنديق وحَقْن دمه بإسلامه، وقبول توبة المرتدّ وإن وُلِد على الإسلام، وهاتان مسألتان فيهما

стр. 1794

نزاع بين الأمة مشهور، وقد ذكر الشافعي الحجة على قبول توبتهما، ومن لم يقبل توبتهما يقول: إنه لا سبيل إلى العلم بها؛ فإن الزنديق قد عُلِم أنه لم يزل مظهرًا للإسلام، فلم يتجدَّد له بإسلامه الثاني حالٌ مخالفةٌ لما كان عليه، بخلاف الكافر الأصلي؛ فإنه إذا أسلم فقد تجدّد له بالإسلام حالٌ لم يكن عليها، والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام. وأيضًا فالكافر كان معلنًا لكفره غير متستِّرٍ به ولا مُخفٍ له، فإذا أسلم تيقنَّا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفًا من القتل، والزنديق بالعكس فإنه كان مخفيًا لكفره متستِّرًا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه، فإذا ظهر على لسانه وَاخَذْناه به، فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مُظهِرًا له غير خائف من إظهاره، وإنما رجع خوفًا من القتل. وأيضًا فإن الله سبحانه سنَّ في عباده أنهم إذا رأوا بأسه لم ينفعهم الإسلام، وهذا إنما أسلم عند معاينة البأس، ولهذا لو جاءنا من تلقاء نفسه وأقرَّ بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله. وأيضًا فإن الله سبحانه سنَّ في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قُبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان, وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى أن لا تُقبل توبته بعد القدرة عليه، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلومًا، وكان مُظهِرًا لكفره غير كاتمٍ له، والمسلمون قد أخذوا حِذرهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة. وأيضًا فإن الزنديق هذا دأبه دائمًا، فلو قُبلت توبته لكان تسليطًا له على

стр. 1795

بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه، ولا سيَّما وقد علم أنه أمِنَ بإظهار الإسلام من القتل، فلا يزَعُه خوفه عن المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبَّة الله ورسوله، فلا ينكفُّ عدوانُه عن الإسلام إلا بقتله. وأيضًا فإن من سبَّ الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، فجزاؤه القتل حدًّا، والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا، ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادًا (١)، فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على [٤٤/ب] عشرة دراهم لذمي أو على بدنه ولا تقبل توبته، ولا تأتي بقتل من دأبه الصولُ (٢) على كتاب الله وسنة رسوله والطعنُ في دينه وتقبل توبته بعد القدرة؟ وأيضًا فالحدود بحسب الجرائم والمفاسد، وجريمة هذا أغلظُ الجرائم، ومفسدة بقائه بين أظهر المسلمين من أعظم المفاسد. وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبلَ توبة الكافر الأصلي مِن كفرِه بالإسلام لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به؛ لأنه مقتضٍ (٣) لحقن الدم والمعارض منتفٍ. فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدلُّ على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالةً قطعية ولا ظنية، أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن فلأن الظاهر إنما يكون دليلًا

стр. 1796

صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه (١)، فإذا قام دليل على الباطن لم يُلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن يخالفه. ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه، وإن شهد عنده بذلك العدولُ (٢)، وإنما يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها. وكذلك لو أقرَّ إقرارًا عُلِم أنه كاذب فيه، مثل أن يقول لمن هو أسنُّ منه «هذا ابني» لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقًا. وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العدل والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليل أقوى منها يخالف ظاهرها. وإذا عُرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه واستهانته بالدين، وقَدْحه فيه؛ فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر ما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة؛ فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمُّنه إلغاءَ الدليل القوي وإعمالَ الدليل الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته، ولا يخفى على المنصف قوةُ هذا النظر وصحةُ هذا المأخذ. وهذا مذهب أهل المدينة: مالك وأصحابه والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى (٣) الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنصُّ الروايات عنه، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو قول الشافعي، وعن أبي يوسف روايتان؛ إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية الأولى عنه، ثم قال آخرًا: أقتلُه

стр. 1797

من غير استتابة، لكن إن تاب قبل أن يُقدَر عليه قبلت توبته، وهذا هو الرواية الثالثة عن أحمد. ويا لله العجب! كيف يقاوِم دليلُ إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلةَ زندقتِه، وتكررها منه مرة بعد مرة، وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع، مع استهانته بحرمات الله واستخفافه [٤٥/أ] بالفرائض وغير ذلك من الأدلة؟ ولا ينبغي لعالمٍ قطُّ أن (١) يتوقف في قتل مثل هذا، ولا تُترك الأدلة القطعية لظاهرٍ قد تبيَّن عدم دلالته وبطلانها، ولا تسقط الحدود عن أرباب الجرائم بغير موجب. نعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدلُّ على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوح، وتكرر ذلك منه= لم يُقتل، كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات، وهذا التفصيل أحسنُ الأقوال في المسألة. ومما يدلُّ على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تَعصِم دمَه قولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، قال السلف في هذه الآية: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بالقتل (٢) إن أظهرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يُبطِنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل؛ فلو قُبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم لم يمكن المؤمنين أن يتربَّصوا بالزنادقة

стр. 1798

أن يصيبهم الله بأيديهم؛ لأنهم كلما أرادوا أن يعذِّبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا بأيديهم قطُّ. والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، وعند هذا فأصحاب هذا القول يقولون: نحن أسعد بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنِّعين علينا بخلافها، وبالله التوفيق. وأما قوله: «ولا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه، لا يفسد بشيء تقدَّمه ولا تأخَّره، ولا بتوهم، ولا أمارة عليه»، يريد أن الشرط المتقدم لا يُفسِد العقد إذا عَرِيَ صلب العقد عن مقارنته، وهذا أصل قد خالفه فيه جمهور أهل العلم (١)، وقالوا: لا فرقَ بين الشرط المتقدم والمقارن ؛ إذ مفسدة الشرط المقارن لم تزُل بتقدمه وإسلافه، بل مفسدته مقارنًا كمفسدته متقدمًا، وأي مفسدة زالت بتقدم الشرط إذا كانا قد علِمَا وعلم الله سبحانه والحاضرون أنهما إنما عقدَا على ذلك الشرط الباطل المحرَّم وأظهرا صورة العقد مطلقًا، وهو مقيَّد في نفس الأمر بذلك الشرط المحرم؟ فإذا اشترطا قبل العقد أن النكاح نكاح تحليلٍ أو متعة أو شغارٍ، وتعاهدا على ذلك، وتواطآ عليه، ثم عقدا على ما اتفقا عليه، وسكتا عن إعادة الشرط في صلب العقد اعتمادًا على تقدم ذكره والتزامه= لم يخرج العقد بذلك عن كونه عقد تحليلٍ ومتعة وشغار حقيقةً. وكيف يعجز المتعاقدان اللذان يريدان عقدًا قد حرَّمه الله ورسوله لوصفٍ أن يشترطا قبل العقد إرادةَ ذلك الوصف وأنه هو المقصود، ثم يسكتا عن ذكره في صلب العقد ليتمَّ غرضهما؟ وهل إتمام غرضهما إلا عين تفويت مقصود الشارع؟ وهل هذه القاعدة ــ وهي أن الشرط المتقدم لا يؤثّر

стр. 1799

شيئًا ــ إلا فتح لباب الحيل؟ بل هي أصل الحيل وأساسها، وكيف تُفرِّق الشريعة بين متماثلين من كل وجه لافتراقهما في تقدُّم لفظٍ أو تأخُّرِه مع استواء العقدين في الحقيقة والمعنى والقصد؟ وهل هذا إلا من أقرب الوسائل والذرائع إلى حصول ما قصد الشارع عدمه وإبطاله؟ وأين هذه القاعدة من قاعدة سدِّ الذرائع إلى قصد (١) [٤٥/ب] المحرَّمات؟ ولهذا صرَّح أصحابها ببطلان قاعدة سدّ الذرائع لما علموا أنها مناقضة لتلك؛ فالشارع سدَّ الذرائع إلى المحرمات بكل طريق، وهذه القاعدة (٢) تُوسع الطرق إليها وتنهجها. وإذا تأمل اللبيب هذه القاعدة وجدها ترفع التحريم أو الوجوب مع قيام المعنى المقتضي لهما حقيقة، وفي ذلك تأكيد للتحريم من وجهين: من جهة أن فيها فعلَ المحرم وتركَ الواجب، ومن جهة اشتمالها على التدليس والمكر والخداع والتوسل بشرع الله الذي أحبَّه ورضيَه لعباده إلى نفس ما حرّمه ونهى عنه، ومعلوم أنه لا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرقٌ في الحقيقة، بحيث يظهر للعقول (٣) مضادةُ أحدهما للآخر، والفرق في الصورة غير معتبر ولا مؤثِّر؛ إذ الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها بالتقدم والتأخر والمعنى واحد كان حكمها واحدًا، ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال. ومن تأمَّل الشريعة حقَّ التأمل علم صحة هذا

стр. 1800

بالاضطرار؛ فالأمر المحتال عليه بتقدُّم الشرط دون مقارنتِه صورتُه صورة الحلال المشروع ومقصودُه مقصود الحرام الباطل، فلا تُراعى الصورة وتُلغى الحقيقة والمقصود، بل مشاركة هذا للحرام صورةً ومعنى وإلحاقه به لاشتراكهما في القصد والحقيقة أولى من إلحاقه بالحلال المأذون فيه لمشاركته له في مجرَّد الصورة. فصل وقوله: «ولا تفسد البيوع بأن يقال: هذه ذريعة وهذه نية سوء ... إلى آخره»، فإشارة منه إلى قاعدتين، إحداهما: أنه لا اعتبار بالذرائع ولا يُراعى سدّها، والثانية: أن القصود غير معتبرة في العقود، والقاعدة المتقدمة أن الشرط المتقدّم لا يؤثِّر، وإنما التأثير للشرط الواقع في صلب العقد، وهذه القواعد متلازمة؛ فمَن سدَّ الذرائع اعتبر المقاصد وقال: يؤثِّر الشرط متقدمًا ومقارنًا، ومن لم يسدَّ الذرائع لم يعتبر المقاصد ولا الشروط المتقدمة، ولا يمكن إبطال واحدة منها إلا بإبطال جميعها. ونحن نذكر قاعدة سدِّ الذرائع، ودلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والميزان الصحيح عليها. * * * *

стр. 1801

فصل في سدّ الذرائع لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضِي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرّمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصدَ الغايات، وهي مقصودة قصدَ الوسائل؛ فإذا حرَّم الرب ﵎ شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرِّمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حِماه. ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس [٤٦/أ] به، وحكمتُه تعالى وعلمه يأبى ذلك كلَّ الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعُدَّ متناقضًا، ويحصل من جنده ورعيته (١) ضدُّ مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسْمَ الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمَّل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سدَّ الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلةً

стр. 1802

وطريقًا إلى الشيء، ولا بدَّ من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه، فنقول: الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان: أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفرش، ونحو ذلك؛ فهذه أفعال وأقوال (١) وُضِعت مفضيةً لهذه المفاسد ليس لها ظاهر غيرها. والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب، فيتخذها وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصدٍ منه؛ فالأول كمن يعقد النكاح قاصدًا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدًا به الربا، أو يخالع قاصدًا به الحنث، ونحو ذلك. والثاني كمن يصلّي تطوعًا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسبُّ أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلِّي بين يدي القبر (٢) لله، ونحو ذلك. ثم هذا القسم من الذرائع نوعان: أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته. والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته؛ فهاهنا أربعة أقسام: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة.

стр. 1803

الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قُصِد (١) بها التوصُّل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصُّل إلى المفسدة، مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم، ومثال الثالث الصلاة في أوقات النهي، ومسبَّة آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزيُّن المتوفى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك. ومثال الرابع النظر إلى المخطوبة والمُسْتامَة (٢) والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها، وفعلُ ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر، ونحو ذلك. فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهةً أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة. بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول: الدلالة على المنع من وجوه: الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ [٤٦/ب] ... عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فحرَّم الله سبحانه سبَّ آلهة (٣)

стр. 1804

المشركين ــ مع كون السبّ (١) غيظًا (٢) وحميةً لله وإهانةً لآلهتهم ــ لكونه ذريعةً إلى سبِّهم الله سبحانه، وكانت مصلحة ترك مسبَّته سبحانه أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز. الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوتَ الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن. الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية (٣) [النور: ٥٨]، أمر سبحانه مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة، لئلا يكون دخولهم هَجْمًا بغير استئذان فيها ذريعةً إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة، لندورها وقلة الإفضاء إليها، فجعلت كالمقدمة. الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا

стр. 1805

وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير، لئلا يكون قوله ذريعة إلى التشبُّه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السبَّ، ويقصدون فاعلًا من الرعونة، فنُهي المسلمون عن قولها سدًّا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبُّهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤]، فأمر سبحانه أن يُلِينا القول لأعظم أعدائه وأشدِّهم كفرًا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعةً إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، فنهاهما عن الجائز لئلا يترتَّب عليه ما هو أكره إليه سبحانه. الوجه السادس: أنه سبحانه نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعةً إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضَّيم، فمصلحةُ حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة. الوجه السابع: أنه سبحانه نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها. الوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شَتْم الرجل والديه»، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه

стр. 1806

فيسبُّ أمه». متفق عليه (١). ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن [٤٧/أ] يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه». فجعل النبي ﷺ الرجلَ سابًّا لاعنًا لأبويه بتسبُّبِه إلى ذلك وتوسُّله إليه وإن لم يقصده. الوجه التاسع: أن النبي ﷺ كان يكفُّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة، لئلا يكون ذريعةً إلى تنفير الناس عنه وقولِهم: إن محمدًا يقتل أصحابه (٢)، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن لم يدخل، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل. الوجه العاشر: أن الله سبحانه حرَّم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرَّم القطرة الواحدة منها (٣)، وحرَّم إمساكها للتخليل ونجَّسها (٤) (٥)، لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحَسْوة, ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب، ثم بالغ في سدّ الذريعة فنهى عن الخليطَينِ (٦)، وعن شرب العصير بعد

стр. 1807

ثلاث (١)، وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمَّر النبيذ فيها ولا يعلم به، حسمًا لمادة قربان المسكر، وقد صرَّح ﷺ بالعلة في تحريم القليل فقال: «لو رخَّصتُ لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» (٢). الوجه الحادي عشر: أنه ﷺ حرَّم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن، والسفر بها (٣) ولو في الحج وزيارة الوالدين، سدًّا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع. الوجه الثاني عشر: أن الله سبحانه أمر بغضّ البصر ــ وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكُّر في صنع الله ــ سدًّا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحذور. الوجه الثالث عشر: أن النبي ﷺ نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور، وتشريفها، واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها (٤)، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر

стр. 1808

بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شدّ الرحال إليها (١)، لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى اتخاذها أوثانًا والإشراك بها، وحرّم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًّا للذريعة. الوجه الرابع عشر: أنه ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (٢)، وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدًّا لذريعة المشابهة الظاهرة، التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بُعدِ هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة؟ الوجه الخامس عشر: أنه ﷺ نهى عن التشبُّه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يَصْبُغون فخالفوهم» (٣)، وقوله: «إن اليهود؛ لا يصلُّون في نعالهم فخالفوهم» (٤)، وقوله في عاشوراء: «خالفوا

стр. 1809

اليهود صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» (١)، وقال: «لا تَشبَّهوا بالأعاجم» (٢)، وروى الترمذي (٣) عنه: «ليس منّا من تشبَّه [٤٧/ب] بغيرنا»، وروى الإمام أحمد (٤) عنه: «من تشبَّه بقوم فهو منهم». وسرُّ ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل. الوجه السادس عشر: أنه ﷺ حرَّم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها (٥)، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (٦)، حتى لو

стр. 1810

رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علَّل به النبي ﷺ . الوجه السابع عشر: أنه حرّم نكاح أكثر من أربع (١) لأن ذلك ذريعة إلى الجور، وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المُؤْنة المفضية إلى أكل الحرام، وعلى التقديرين فهو من باب سدّ الذرائع. وأباح الأربع ــ وإن كان لا يُؤمَن الجور في اجتماعهن ــ لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن؛ فكانت مصلحة الإباحة أرجحَ من مفسدة الجور المتوقعة. الوجه الثامن عشر: أن الله سبحانه حرَّم خِطبة المعتدَّة صريحًا، حتى حرم ذلك في عدة الوفاة وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة؛ فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعةً إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها. الوجه التاسع عشر: أن الله سبحانه حرَّم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام، وإن تأخَّر الوطء إلى وقت الحلّ لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء، ولا ينتقض هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدًّا، فليس عليه كلفةٌ في صبره بعضَ يومٍ إلى الليل. الوجه العشرون: أن الشارع حرَّم الطيب على المُحرِم (٢) لكونه من أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سدّ الذرائع. الوجه الحادي والعشرون: أن الشارع اشترط للنكاح شروطًا زائدة على

стр. 1811

العقد تقطع عنه شبه السِّفاح، كالإعلان (١)، والولي (٢)، ومنع المرأة أن تليه بنفسها، وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة (٣)؛ لأن في الإخلال بذلك ذريعةً إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وزوال بعض مقاصد النكاح من جحد الفراش، ثم أكَّد ذلك بأن جعل للنكاح حريمًا من العدة تزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكامًا من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة زائدة على مجرد الاستمتاع؛ فعُلِم أن الشارع جعله (٤) سببًا ووُصلةً بين الناس بمنزلة الرحم، كما جمع بينهما في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. وهذه المقاصد تمنع شَبَهه بالسِّفاح، وتبيِّن أن نكاح المحلِّل بالسفاح أشبه منه بالنكاح. الوجه الثاني والعشرون: أن النبي ﷺ نهى أن يجمع الرجل بين سَلَفٍ وبيع (٥). ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعةٌ إلى أن يُقرِضه ألفًا ويبيعه سلعةً تساوي ثمانمائة بألف أخرى؛ فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعةً بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى

стр. 1812

الربا، فانظر إلى حمايته الذريعةَ إلى ذلك بكل طريق. وقد احتج بعض المانعين لمسألة [٤٨/أ] مُدّ عَجْوة (١) بأن قال: إن من جوَّزها يجوِّز أن يبيع الرجل ألفَ دينارٍ في منديل بألف وخمسمائة مفردة، قال: وهذه (٢) ذريعة إلى الربا، ثم قال: يجوز أن يُقرِضه ألفًا ويبيعه المنديل بخمسمائة. وهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، وهو من أقرب الذرائع إلى الربا، ويلزم من لم يسدَّ الذرائع أن يخالف النصوص ويجيز ذلك، فكيف يترك أمرًا ويرتكب نظيره من كل وجه؟ الوجه الثالث والعشرون: أن الآثار المتظاهرة في تحريم العِينة (٣) عن النبي ﷺ (٤) وعن الصحابة (٥) تدل على المنع من عود السلعة إلى البائع وإن لم يتواطآ على الربا، وما ذاك إلا سدًّا للذريعة. الوجه الرابع والعشرون: أن النبي ﷺ منع المُقرِض من قبول الهدية (٦)،

стр. 1813

وكذلك الصحابة (١)، حتى يحسبها من دينه، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعةً إلى تأخير الدَّين لأجل الهدية فيكون ربًا؛ فإنه يعود إليه ماله، وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض. الوجه الخامس والعشرون: أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخَوَنة والضعفاء (٢) والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، وما ذاك إلا لأن قبول هدية مَن لم تجرِ عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحبُّك الشيء يُعمي ويُصِمّ، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بسرّية (٣) وإغماض عن كونه لا يصلح. الوجه السادس والعشرون: أن السنة مضت بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء (٤)، إما عمدًا كما قال مالك، وإما مباشرةً كما قال أبو حنيفة، وإما قتلًا مضمونًا بقصاص أو دية أو كفارة، وإما قتلًا بغير حق، وإما قتلًا مطلقًا كما هي أقوال في مذهب الشافعي وأحمد، وسواء قصد القاتل أن يتعجَّل الميراث أو لم يقصده فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقًا، وما ذاك إلا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل؛ فسدَّ الشارع الذريعةَ بالمنع.

стр. 1814

الوجه السابع والعشرون: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورَّثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتَّهم بقصد حرمانها الميراثَ بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان، لأن الطلاق ذريعة، وأما إذا لم يُتَّهم ففيه خلاف معروف مأخذه أن المرض أوجب تعلُّق حقها بماله؛ فلا يمكن من قطعه أو سدًّا للذريعة بالكلية، وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين. الوجه الثامن والعشرون: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعةً إلى التعاون على سفك الدماء. الوجه التاسع والعشرون: أن النبي ﷺ [٤٨/ب] نهى أن تُقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم (١). الوجه الثلاثون: أن النبي ﷺ نهى عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين (٢)، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك (٣)، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعةً إلى أن يُلحَق بالفرض ما ليس منه.

стр. 1815

وكذلك حرَّم صوم يوم (١) العيد (٢) تمييزًا لوقت العبادة من غيره، لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب كما فعلت النصارى، ثم أكّد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور (٣)، واستحباب تعجيل الفطر يومَ العيد قبل الصلاة (٤)، وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها؛ فكره للإمام أن يتطوع في مكانه (٥)، وأن يستديم جلوسه مستقبل القبلة (٦)، كل هذا سدًّا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه. الوجه الحادي والثلاثون: أنه ﷺ كره الصلاة إلى ما قد عُبِد من دون الله تعالى (٧)، وأحبَّ لمن صلَّى إلى عود أو عمود أو شجرة أو نحوه أن يجعله على أحد حاجبَيْه، ولا يصمُد له صمْدًا (٨)، قطعًا لذريعة التشبُّه بالسجود إلى غير الله تعالى.

стр. 1816

الوجه الثاني والثلاثون: أنه شرع الشفعة وسلّط الشريك على انتزاع الشِّقص من يد المشتري سدًّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة. الوجه الثالث والثلاثون: أن الحاكم منهيٌّ عن رفع أحد الخصمين على الآخر وعن الإقبال عليه دونه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه (١)، لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر وضعفِه عن قيامه بحجته وثقلِ لسانه بها. الوجه الرابع والثلاثون: أنه ممنوع من الحكم بعلمه؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمتُ بعلمي. الوجه الخامس والثلاثون: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى بلوغ غرضه من عدوِّه بالشهادة الباطلة. الوجه السادس والثلاثون: أن الله سبحانه منع رسوله حيث كان بمكة من الجهر بالقرآن حيث كان المشركون يسمعونه فيسبُّون القرآن ومن أَنزله ومن جاء به ومن أُنزِل عليه. الوجه السابع والثلاثون: أن الله سبحانه أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع وليس عليها وازع طبعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جُعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه سبحانه جعل التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له؛ فمن لقيه تائبًا

стр. 1817

توبةً نصوحًا لم يعذِّبه مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحًا قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه الحدُّ في أصح قولي العلماء، فإذا رُفع إلى الإمام لم تُسقِط توبتُه عنه الحدَّ لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى تعطيل حدود الله؛ إذ لا يعجز كل من وجب عليه حدٌّ لله تعالى (١) أن يظهر التوبة ليتخلَّص من العقوبة وإن تاب توبة نصوحًا سدًّا لذريعة [٤٩/أ] السقوط بالكلية. الوجه الثامن والثلاثون: أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفي الجمعة وفي (٢) العيدين والاستسقاء وصلاة الخوف (٣)، مع كون صلاة الخوف بإمامين أقربَ إلى حصول صلاة (٤) الأمن، وذلك سدًّا لذريعة التفرق والاختلاف والتنازع، وطلبًا لاجتماع القلوب وتألُّف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سدَّ الذريعة إلى

стр. 1818

ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة (١)؛ لئلا تختلف القلوب. وشواهد ذلك أكثر من أن تُذكر. الوجه التاسع والثلاثون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم (٢)، وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم وليلتها بالقيام (٣)، سدًّا لذريعة (٤) اتخاذ شرعٍ لم يأذن به الله من تخصيص زمان أو مكان بما لم يخصَّه به؛ ففي ذلك وقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب. الوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمَّنت تمييزَهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يُعامَلَ الكافر معاملة المسلم، فسدَّت هذه الذريعة بإلزامهم التميُّز عن المسلمين. الوجه الحادي والأربعون: أن النبي ﷺ أمر ناجية بن كعب الأسلمي ــ وقد أرسل معه هدْيَه ــ إذا عَطِبَ منه شيء دون المحلِّ أن ينحره، ويَصبُغ نعلَه التي قلَّده بها في دمه، ويخلّي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد

стр. 1819

من أهل رفقته (١). قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يأكل منه أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحلِّ فربما دعاه ذلك إلى أن يقصِّر في عَلْفِها وحفظها، لحصول غرضه من عَطَبها دون المحلّ كحصوله بعد بلوغ المحلّ من أكله هو ورفقته وإهدائهم إلى أصحابهم، فإذا أيِسَ من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى حفظها حتى تبلغ محلَّها وأحسمَ لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف أنواع سدِّ الذرائع. الوجه الثاني والأربعون: أن النبي ﷺ أمر الملتقط (٢) أن يشهد على اللقطة (٣)، وقد علم أنه أمين، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة الطمع والكتمان، فإذا بادر وأشهد كان أحسمَ لمادة الطمع والكتمان، وهذا أيضًا من ألطف أنواعها. الوجه الثالث والأربعون: أنه ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد» (٤)، وذم الخطيب الذي قال: «من يُطعِ الله ورسولَه فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى» (٥)، سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له «ما شاء

стр. 1820

الله وشئتَ»: «أجعلتَني لله نِدًّا» (١)؟ فحسمَ مادة الشرك وسدَّ الذريعة إليه في اللفظ كما سدَّها في الفعل والقصد، فصلوات الله وسلامه عليه أكمل صلاة وأزكاها وأتمَّها. الوجه الرابع والأربعون: أنه ﷺ أمر المأمومين أن يصلُّوا قعودًا إذا صلَّى إمامهم (٢) قاعدًا (٣)، وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجئ عنه ما ينسخه، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة مشابهة الكفار [٤٩/ب] حيث يقومون على ملوكهم وهم قعود، كما علَّل به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا التعليل منه يُبطِل قول من قال: إنه منسوخ، مع أن ذلك دعوى لا دليل عليها. الوجه الخامس والأربعون: أنه ﷺ أمر المصلِّي بالليل إذا نَعَسَ أن يذهب فليرقُد، وقال: «لعله يذهبُ يستغفرُ فيسبُّ نفسَه» (٤)، فأمره بالنوم لئلا تكون صلاته في تلك الحال ذريعةً إلى سبِّه لنفسه، وهو لا يشعر لغلبة النوم. الوجه السادس والأربعون: أن الشارع صلوات الله عليه نهى أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه (٥)، أو يستام على سَوْمِ أخيه أو يبيع على بيع

стр. 1821

أخيه (١)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي؛ فقياس هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا يخطب ولاية أو منصبًا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه. الوجه السابع والأربعون: أنه نهى عن البول في الجُحْر (٢)، وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعةً إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول، فربما آذَوه. الوجه الثامن والأربعون: أنه نهى عن البَرَاز في قارعة الطريق والظلّ والموارد؛ لأنه ذريعة إلى استجلاب اللعن كما علل به ﷺ بقوله: «اتقوا الملاعن الثلاث» (٣)، وفي لفظ: «اتَّقوا اللاعنينِ»، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريق الناس وظلِّهم» (٤). الوجه التاسع والأربعون: أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يَروه قد خرج (٥)؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى قيامهم لغير الله، وإن كانوا (٦)

стр. 1822

إنما يقصدون القيام للصلاة، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة، ولا مصلحة فيها، فنُهوا عنه. الوجه الخمسون: أنه نهى أن تُوصَل صلاة بصلاة الجمعة حتى يتكلم أو يخرج لئلا يتخذ ذريعةً إلى تغيير الفرض، وأن يزاد فيه ما ليس منه. قال السائب بن يزيد: صليتُ الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمتُ في مقامي فصليتُ، فلما دخل معاوية أرسل إليَّ، فقال: لا تعُدْ لما فعلتَ، إذا صليتَ الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن نبي الله ﷺ أمر بذلك أن لا تُوصَل الصلاة حتى يتكلّم أو يخرج (١). الوجه الحادي والخمسون: أنه أمر من صلَّى في رَحْلِه ثم جاء إلى المسجد أن يصلِّي مع الإمام (٢)، وتكون له نافلة؛ لئلا يتخذ قعوده والناس يصلّون ذريعةً إلى إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلّين. الوجه الثاني والخمسون: أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصلٍّ أو مسافرٍ (٣)، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها (٤)، وما ذاك إلا لأن النوم

стр. 1823

قبلها ذريعة إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره. الوجه الثالث والخمسون: أنه نهى النساء إذا صلَّين مع الرجال أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال (١)؛ لئلا يكون ذلك ذريعة منهن إلى رؤية عورات الرجال من وراء الأُزُر، كما جاء التعليل بذلك في الحديث. الوجه الرابع والخمسون: أنه نهى الرجل أن يتخطّى المسجد الذي يليه إلى غيره، [٥٠/أ] كما رواه بقية عن المُجَاشِع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «ليصلِّ أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطَّاه إلى غيره» (٢). وما ذاك إلا لأنه (٣) ذريعة إلى هجرِ المسجد الذي يليه وإيحاشِ صدر الإمام، فإن كان الإمام لا يُتِمُّ الصلاة أو يُرمى ببدعة أو يُعلن بفجور فلا بأس بتخطِّيه إلى غيره. الوجه الخامس والخمسون: أنه يُنهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلّي؛ لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة، كما قال عمار لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم» (٤).

стр. 1824

الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة، كما رواه أحمد (١) في «مسنده» (٢) من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: «نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة»، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى النوم. الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا (٣)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوُّفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصوتها وإبداء محاسنها تدعو إليها؛ فأمرها أن تخرج تَفِلةً، وأن لا تتطيب (٤)، وأن تقف خلف الرجال (٥)، وأن لا تسبِّح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفِّق ببطن كفِّها على ظهر الأخرى (٦)، كل ذلك سدًّا للذريعة وحمايةً عن المفسدة. الوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تَنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها (٧). ولا يخفى أن ذلك سدُّ الذريعة وحماية عن مفسدة (٨)

стр. 1825

وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحبّ غيره بالوصف قبل الرؤية. الوجه التاسع والخمسون: أنه نهى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر المحرَّم، فلما أخبروه أنه لا بدَّ لهم من ذلك قال: «أعطُوا الطريقَ حقَّه»، قالوا: وما حقه؟ قال: «غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام» (١). الوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا مَحرمٍ (٢)، وما ذاك إلا لأن (٣) المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرَّم. الوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تباع السِّلَع حيث تباع حتى تُنقل عن مكانها (٤)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جحد البائع البيعَ وعدمِ إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها، فيغُرُّه الطمع، وتشحُّ نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكّد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يُضمَن (٥)، وهذا من محاسن الشريعة وألطفِ بابِ سدّ الذرائع.
следующие страницы →