← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فالنوعان الأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل، فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاق، ولا بالمنع منه على الإطلاق، بل إن كان المتحيَّلُ به حرامًا لحق (١) الله لم يجز مقابلته بمثله، كما لو جرَّعه الخمرَ أو زنى بحرمته. وإن كان حرامًا لكونه ظلمًا له في ماله، وقدَرَ على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر. وقد توسَّع فيها قوم حتى أفرطوا، وجوَّزوا قَلْع الباب، ونَقْب الحائط، وخَرْق السقف، ونحو ذلك؛ لمقابلته بأخذ نظير ماله. ومنعها قوم بالكلية، وقالوا: لو كان له عنده وديعة أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدْرَ حقِّه إلا بإعلامه به. وتوسَّط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرًا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق، فله أن يأخذ قدْرَ حقِّه من غير إعلامه، وإن لم يكن ظاهرًا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك، لم يكن له الأخذُ إلا بإعلامه. وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وعليه تدلُّ السنة دلالة صريحة؛ والقائلون به أسعدُ بها، وبالله التوفيق. وإن كان بهتًا له وكذبًا عليه أو قذفًا له أو شهادةً عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان دعاءً عليه أو لعنًا أو مسبةً فله مقابلته بمثله على أصح القولين، وإن منعه كثير من الناس. وإن كان إتلافَ مالٍ له، فإن كان محترمًا كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان غيرَ محترمٍ فإن خاف تعدِّيه فيه لم يجز له مقابلته بمثله، كما لو حرَّق داره لم يجز له أن يحرِّق داره، وإن لم يتعدَّ فيه ــ بل كان يفعل به نظيرَ ما فعل به سواء، كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح قفصًا عن طائره أو حلَّ وِكاءَ مائعٍ له أو أرسل

стр. 2242

الماء على مسطاحِه (١) فذهب بما فيه ونحو ذلك، وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء ــ فهذا محلُّ اجتهادٍ، لم يدلَّ على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الأدلة (٢) المذكورة تقتضي جوازه، كما تقدم بيانه في أول الكتاب. وكان شيخنا ﵁[١٤٣/أ] يرجِّح هذا ويقول (٣): هو أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه، والله أعلم. المثال السادس والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة، ولا يمكن الضامنَ والكفيلَ أن يتخلَّص متى شاء، ولا سيما عند من يقول: إن الكفالة توجب ضمان المال إذا تعذَّر إحضارُ المكفول به مع بقائه، كما هو مذهب الإمام أحمد ومن وافقه. وطريق التخلص من وجوه: أحدهما: أن يوقِّتها بمدة، فيقول: ضمنتُه أو تكفَّلتُ به شهرًا أو جمعةً، ونحو ذلك، فيصح. الثاني: أن يقيِّدها بمكان دون مكان، فيقول: ضمنتُه أو تكفَّلتُ به ما دام في هذا البلد أو في هذا السوق. الثالث: أن يعلِّقها على شرط، فيقول: ضمنتُ أو كفلتُ إن رضي فلان،

стр. 2243

أو يقول: ضمنتُ ما عليه إن كفلَ فلان بوجهه، ونحو ذلك. الرابع: أن يشرط (١) في الضمان أنه لا يطالبه حتى يتعذَّر مطالبة الأصيل، فيجوز هذا الشرط، بل هو حكم الضمان في أشهر الروايتين عن مالك؛ فلا يطالب الضامن حتى يتعذَّر مطالبة الأصيل وإن لم يشرطه، حتى لو شرطَ أن يأخذ من أيهما شاء كان الشرط باطلًا عند ابن القاسم وأصبغ. الخامس: أن يقول: كفلتُ بوجهه على أني بريء مما عليه، فلا يلزمه ما عليه إذا لم يحضره، بل يلزم بإحضاره إذا تمكَّن منه. السادس: أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه؛ ليبرأ هو من الضمان إذا كان قد ضمن بإذنه، ويكون خصمًا في المطالبة، وهذا مذهب مالك. فإن ضمِنَه بغير إذنه لم يكن له مطالبته بأداء المال إلى ربه، فإن أدَّاه عنه فله مطالبته به حينئذٍ. المثال السابع والتسعون: إذا كان له داران فاشترى منه إحداهما على أنها (٢) إن استحقت فالدار الأخرى له بالثمن، فهذا جائز؛ إذ غايته تعليق البيع بالشرط، وليس في شيء من (٣) الأدلة الشرعية ما يمنع صحته. وقد نصّ الإمام أحمد على جوازه فيمن باع جارية، وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحقُّ بها بالثمن، وفعله بنفسه لما رهنَ نعله وشرطَ للمرتهن أنه إن جاءه بفِكاكها إلى وقت كذا، وإلا فهي له بما عليها، ونصَّ على جواز تعليق النكاح

стр. 2244

بالشرط فالبيع أولى، ونص على جواز تعليق التولية بالشرط كما نصَّ عليه صاحب الشرع نصًّا لا يجوز مخالفته، وقد تقدَّم تقرير ذلك. وكثير من الفقهاء يُبطِل البيع المذكور، فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها، ويقبضها منه، ثم يشتري بها الدار التي يريد شراءها ويسلِّمها إليه، ويتسلَّم داره، فإن استحقت هذه الدار عليه رجع في ثمنها، وهو الدار الأخرى. وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن إبطالَ حق، ولا دخولًا في باطل، وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما يخاف استحقاقه، ويشترط على البائع [١٤٣/ب] أخذ ما يقابله من حيوان (١) أو رقيق أو غير ذلك. المثال الثامن والتسعون: رجل أراد أن يشتري جارية أو سلعة من رجل غريب، فلم يأمن أن تستحق أو تخرج مَعيبةً فلا يمكنه الرجوع ولا الردّ، فإن قال له البائع: «أنا أوكّل من تعرفه فيما تدَّعي به من (٢) عيب أو رجوع» لم يأمن أن يحتال عليه ويعزِله فيذهب حقه، فالحيلة في التوثُّق أن يكون الوكيل هو الذي يتولى البيع بنفسه، ويضمن له صاحب السلعة الدركَ، ويكون وكيلًا لهذا الذي تولى البيع، فيمكن المشتريَ حينئذٍ مطالبةُ هذا الذي تولَّى البيع بنفسه ويأمن ما يحذره. المثال التاسع والتسعون: رجل قال لغيره: «اشترِ هذه الدار أو هذه السلعة من فلان بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا»، فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها، ولا يتمكَّن من الرد؛ فالحيلة أن يشتريها على أنه

стр. 2245

بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتُها بما ذكرتَ، فإن أخذها منه، وإلا تمكَّن من ردِّها على البائع بالخيار. فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارًا أنقصَ من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع؛ ليتسع له زمن الردّ إن ردّت عليه. المثال الموفي مئة: إذا اشترى منه جارية أو سلعة ثم اطلع على عيب بها، فخاف إن ادَّعى أنه اشتراها بكذا وكذا أن ينكر البائعُ قبضَ الثمن، ويسألَ الحاكمَ الحكمَ عليه بإقراره أو ينكر البيع ويسأله تسليمَ الجارية إليه؛ فالحيلة التي تخلِّصه أن يردَّها عليه فيما بينه وبينه، ثم يدَّعي عليه عند الحاكم باستحقاق ثمنها، ولا يعيَّن السبب، فإن أقرَّ فلا إشكال، وإن أنكر لم يَلزم المشتريَ الثمنُ، فإما أن يقيم عليه بينةً أو يحلِّفه. المثال الحادي بعد المائة: إذا كان له عليه مال حالٌّ فأبى أن يقرَّ له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجّله، ولا بينةَ له، فأراد حيلة يتوصَّل بها إلى أخذ ماله كله حالًا، ويبطل الصلح والتأجيل، فالحيلة له أن يواطئ رجلًا يدَّعي (١) عليه بالمال الذي له على فلان عند حاكم، فيقرّ له به، ويصح إقراره بالدين الذي له على الغير، فإنه قد يكون المال مضاربةً فيصير ديونًا على الناس، فلو لم يصح إقراره به له لضاع ماله. وأما قول أبي عبد الله بن حَمدان في «الرعاية»: «ولو قال: دَيني الذي على زيد لعمرو احتمل الصحة، والبطلانُ أظهر» = فهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ثم قال: هو لعمرو، فيصير نظير ما لو قال: مِلكي كله

стр. 2246

لعمرو، أو داري هذه له، فإن هذا لا يصح إقرارًا على أحد الوجهين للتناقض، ويصح هبةً. فأما إذا قال: «هذا الدين الذي على زيد لعمرو يستحقُّه دوني» صح ذلك قولًا واحدًا، كما لو قال: «هذه الدار له، أو هذا الثوب له» على أن الصحيح صحة الإقرار ولو أضاف الدينَ أو العينَ إلى نفسه، ولا تناقض؛ لأن الإضافة تصدُق مع كونه ملكًا للمقرّ له، فإنه يصح أن يقال: هذه دار [١٤٤/أ] فلان، إذا كان ساكنها بالأجرة، ويقول المضارب: دَيني على فلان، وهذا الدين لفلان، يعني أنه يستحقّ المطالبةَ به والمخاصمةَ فيه، فالإضافة تصدُق بدون هذا، ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته، فيصالحه على بعضه أو يؤجِّله، ثم يجيء المقرّ له فيدَّعي على من عليه المال بجملته حالًا، فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقرُّ له: هذا باطل، فإنه تصرّف فيما لا يملك المصالح، فإن كان الغريم إنما أقرَّ باستحقاق غريمه الدينَ مؤجّلًا أو بذلك القدر منه فقط بطلت (١) هذه الحيلة. ونظير هذه الحيلة حيلة إيداع الشهادة ، وصورتها أن يقول له الخصم: لا أقرُّ لك حتى تُبرِئني من نصف الدين أو ثلثه، وتُشهِد (٢) عليك أنك لا تستحقّ عليَّ بعد ذلك شيئًا، فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشْهَدَا أني على طلب حقي كله من فلان، وأني لم أُبرِئه من شيء منه، وأني أريد أن أُظهِر مصالحته على بعضه لأتوصَّل بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا أَشهدتُ أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل، وأني

стр. 2247

إنما أُشهِد على ذلك توصلًا إلى أخذ بعض حقي. فهذه تعرف بمسألة إيداع الشهادة؛ فإذا فعل ذلك جاز له أن يدَّعي بقاءه على حقه، ويقيم الشهادة بذلك. هذا مذهب مالك، وهو مطَّرد على قياس مذهب أحمد وجارٍ على أصوله، فإن له التوصل إلى حقه بكل طريق جائزة، بل لا يقتضي المذهب غير ذلك، فإن هذا مظلوم توصَّل إلى حقِّه بطريق لم يُسقِط بها حقًّا لأحد، ولم يأخذ بها ما لا يحلُّ له أخذه؛ فلا خرجَ بها من حق، ولا دخلَ بها في باطل. ونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق، فيجحده ويأبى أن يقرَّ به حتى تُقرَّ له بالزوجية، فطريق الحيلة أن تُشهِد على نفسها أنها ليست امرأة فلان، وأني أريد أن أُقِرَّ له بالزوجية إقرارًا كاذبًا لا حقيقة له؛ لأتوصَّل بذلك إلى أخذ مالي عنده، فاشْهدوا أن إقراري بالزوجية باطل أتوصَّل به إلى أخذ حقي. ونظيره أيضًا أن ينكر نسب أخيه، ويأبى أن يقرَّ له به حتى يشهد أنه لا يستحق في تركة أبيه شيئًا، وأنه قد أبرأه من جميع ما له في ذمته منها، أو أنه وهب له جميع ما يخصُّه منها، أو أنه قبضه أو اعتاض عنه ونحو ذلك، فيُودِع الشهادةَ عدلين أنه باقٍ على حقه، وأنه يُظهِر ذلك الإقرار توصلًا إلى إقرار أخيه بنسبه، وأنه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئًا، ولا أبرأ أخاه، ولا عاوضه، ولا وهبه. وهذا يُشبِه إقرار المضطَهَد الذي قد اضطُهِد ودُفِع عن حقه حتى يُسقِط حقًّا آخر، والسلف كانوا يسمُّون مثل هذا مضطهدًا، كما قال حماد بن سلمة:

стр. 2248

ثنا حُميد عن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة، وأراد سفرًا، فأخذه أهلُها، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهرٍ، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه [١٤٤/ب] إلى عليّ (١) فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردَّها عليه (٢). ومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب ولا أخْذِ مال، وإنما طالبوه بما يجب لها عليه من نفقتها، وذلك ليس بإكراه، ولكن لما تعنَّتوه باليمين جعله مضطهدًا؛ لأنه عقدَ اليمين ليتوصَّل إلى قصده من السفر، فلم يكن حلفه عن اختيار، بل هو كالمحمول عليه. والفرق بينه وبين المكْرَه أن المكره قاصد لدفع (٣) الضرر باحتمال ما أُكرِه عليه، وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب منه، وكلاهما غير راضٍ ولا مؤثرٍ لما التزمه، وليس له وَطَرٌ فيه. فتأملْ هذا ونزِّله على قواعد الشرع ومقاصده، وهذا ظاهر جدًّا في أن علي بن أبي طالب لم يكن يرى الحلف بالطلاق مُوقِعًا للطلاق إذا حنِثَ به، وهو قول شريح وطاوس وعكرمة وأهلِ الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي، وهو أجلُّ أصحابه على الإطلاق. قال بعض الحفَّاظ: ولا يُعلم لعليٍّ مخالف من الصحابة، وسيأتي الكلام في المسألة، إن شاء الله، إذ المقصود أن من أقرَّ أو حلفَ أو وهبَ أو صالحَ لا عن رِضًى منه، ولكن منع حقه إلا بذلك، فهو

стр. 2249

بالمكره أشبهُ منه بالمختار، ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود. ومن له قدمٌ راسخ في الشريعة، ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحبَّ إليه من التعصب والهوى، والعلم والحجة آثرَ عنده من التقليد، لم يكد يخفى عليه الصواب، والله الموفق. وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب، والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءةً، ولا الهدى إلا ضلالةً. فقلْ للعيونِ الرُّمْدِ للشمسِ أعيُنٌ ... سواكِ تراها في مَغيبٍ ومَطلعِ وسامِحْ نفوسًا بالقُشور قد ارتضَتْ ... وليس لها لِلُّب من مُتطلّعِ (١) المثال الثاني بعد المائة: اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبْسَ السلعة على ثمنها؟ وهل يملك المستأجر حبْسَ العين بعد العمل على الأجرة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: يملكه في الموضعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٢). والثاني: لا يملكه في الموضعين، وهو المشهور من مذهب أحمد عند أصحابه. والثالث: يملك حبْسَ العين المستأجرة على عملها، ولا يملك حبْسَ المبيع على ثمنه. والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان، ولهذا يقابل بالعوض؛ فصار كأنه شريك (٣) لمالك العين بعمله، فأثر عمله قائم

стр. 2250

بالعين؛ فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه. بخلاف المبيع؛ فإنه قد (١) دخل في ملك المشتري، وصار الثمن في ذمته، ولم يبق للبائع تعلقٌ بالعين. ومن سوَّى بينهما قال: الأجرة قد صارت في الذمة، ولم يشترط رهن العين عليها، فلا يملك حبسها. وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى [١٤٥/أ] حقه: أن يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها، فيقول: رهنتُك هذا الثوب على الأجرة (٢)، وهي كذا وكذا. وهكذا في المبيع يَشرط على المشتري رهْنَه على ثمنه حتى يسلِّمه إليه، ولا محذورَ في ذلك أصلًا، ولا معنى، ولا مأخذٌ قويّ يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهْنَ عينٍ أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟ ولا فرقَ بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين. وقد نصّ الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله. وقال القاضي وأصحابه: لا يصح، وعلَّله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك، فلم يصح، كما لو شرط أن يرهنه عبدًا لغيره يشتريه ويرهنه. وهذا تعليل باطل؛ فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه، واشتراطُه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك. والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد: أن اشتراط (٣)

стр. 2251

رهنِ عبد زيد غررٌ (١) قد يمكن وقد لا يمكن، بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فإنه إن تمَّ العقد صار المبيع رهنًا، وإن لم يتمَّ تبينَّا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن، فلا غررَ البتةَ؛ فالمنصوص أفقهُ وأصحُّ. وهذا على أصل من يقول: «للبائع حبسُ المبيع على ثمنه» ألزمُ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد. وهو الصحيح ــ وإن كان خلاف منصوص أحمد ــ لأن عقد البيع يقتضي استواءهما في التسلُّم والتسليم، ففي إجبار (٢) البائع على التسليم قبل حضور الثمن وتمكينِه من قبضه إضرارٌ به، فإذا ملكَ حبْسَه على ثمنه من غير شرطٍ فلأن يملكه مع الشرط أولى وأحرى. فقول القاضي وأصحابه مخالف لنصِّ أحمد وللقياس. فإن شرطَ أن يقبض المشتري المبيع ثم يرهنه على ثمنه عند بائعه فأولى بالصحة. وقال ابن عقيل في «الفصول»: الرهن أيضًا باطلٌ؛ لأنهما شرطَا رهنه قبل ملكه، وقد عرفتَ ما فيه. وعلَّله أيضًا بتعليل آخر فقال: إطلاق البيع يقتضي تسليم الثمن من غير المبيع، والرهن يقتضي استيفاءه من عينه إن كان عينًا أو ثمنه إن كان عرضًا، فتضادَّا. وهذا التعليل أقوى من الأول، وهو الذي أوجب له القول ببطلان الرهن قبل القبض وبعده، فيقال: المحذور من التضادّ إنما هو التدافع، بحيث يدفع كل من المتضادَّينِ المتنافيينِ الآخرَ، فأما إذا لم يدفع أحدهما الآخر فلا محذور، والبائع إنما يستحق ثمن المبيع، وللمشتري أن يؤدّيه إياه من عين

стр. 2252

المبيع ومن غيره، فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه. وغاية عقد الرهن أن يُوجب ذلك، فأيُّ تدافعٍ وأيُّ تنافٍ هنا؟ وأما قوله: «إطلاق العقد يقتضي التسليم للثمن من غير المبيع»، فيقال: بل إطلاقه يقتضي تسليم الثمن من أي جهة شاء المشتري، حتى لو باعه قفيزَ حنطةٍ بقفيزِ حنطة وسلَّمه إليه، [١٤٥/ب] ملكَ أن يوفِّيه إياه ثمنًا كما استوفاه مبيعًا، كما لو اقترض منه ذلك ثم وفّاه إياه بعينه. ثم قال ابن عقيل: وقد قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه (١): إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب، ولا يكون رهنًا إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهنَ. فظاهرُ هذا أنه إن شرط كونَ المبيع رهنًا في حال العقد صحَّ. قال: وليس هذا الكلام على ظاهره ومعناه إلا أن يشرط عليه في نفس البيع رهنًا غير المبيع؛ لأن اشتراط رهنه (٢) اشتراطُ تعويقٍ للتسليم في المبيع. قلت: ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام أحمد، فإن كلام أحمد المستثنى والمستثنى منه في صورة حَبْس المبيع على ثمنه، فقال: «هو غاصب إلا أن يكون شرطَ عليه في نفس البيع الرهنَ» أي: فلا يكون غاصبًا بحبس السلعة بمقتضى شرطه. ولو كان المراد ما حمله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنًا آخر غير المبيع يسلِّمه إليه. وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره، ولا يتعلَّق به، فضلًا عن أن يدخل في الأول ثم يستثنى منه، ولهذا جعله أبو البركات ابن

стр. 2253

تيمية نصًّا في صحة هذا الشرط، ثم قال (١): وقال القاضي: لا يصح. وأما قوله: «إن اشتراط رهن المبيع تعويقٌ للتسليم في المبيع»، فيقال: واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع، وله فيه غرض صحيح، وقد قدم عليه المشتري فأي محذور فيه؟ ثم هذا يبطل (٢) باشتراط البائع (٣) الخيارَ؛ فإن فيه تعويقًا للمشتري عن التصرف في المبيع، وباشتراط المشتري تأجيلَ الثمن؛ فإن فيه تعويقًا للبائع عن تسلُّمه أيضًا، ويبطل على أصل الإمام أحمد وأصحابه باشتراط البائع انتفاعَه بالمبيع مدةً يستثنيها؛ فإن فيه تعويقًا للتسليم، ويبطل أيضًا ببيع العين المُؤجَرة. فإن قيل: إذا شرطَ (٤) أن يكون رهنًا قبل قبضه تدافعَ موجب البيع والرهن، فإن موجب الرهن أن يكون تلفُه من ضمان مالكه؛ لأنه أمانة في يد المرتهن، وموجب البيع أن يكون تلفُه قبل التمكُّن من قبضه من ضمان البائع، فإذا تلِفَ هذا الرهن قبل التمكُّن من قبضه، فمن ضمان أيهما يكون؟ قيل: هذا السؤال أقوى من السؤالين المتقدمين، والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني، وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكُّن من القبض كان على البائع، ولا يُزيل هذا الضمان إلا تمكُّنُ المشتري من القبض، فإذا لم يتمكن من قبضه فهو مضمون على البائع كما كان، وحبسه إياه على ثمنه لا يُدخِله في ضمان المشتري ويجعله مقبوضًا له كما لو حبسه بغير شرط.

стр. 2254

فإن قيل: فأحمد رحمه الله تعالى قد قال: «إنه إذا حبسه على ثمنه كان غاصبًا إلا أن يشترط عليه الرهن»، وهذا يدل على أنه فرّق في ضمانه بين أن يحبسه بشرط أو يحبسه بغير شرط، وعندكم هو مضمون عليه في [١٤٦/أ] الحالين، وهو خلاف النص. فالجواب: أن الإمام أحمد ﵀ إنما جعله غاصبًا بالحبس، والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أو مثلها، ثم يستوفي الثمن أو بقيته من المشتري، وأما إذا تلِفَ قبل قبضه فهو من ضمان البائع، بمعنى أنه ينفسخ العقد فيه، ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن، وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه، فهذا الضمان شيء، وضمان الغاصب شيء آخر. فإن قيل: فكيف يكون رهنًا وضمانُه على المرتهن؟ قيل: لم يضمنه المرتهن من حيث هو رهن، وإنما ضمِنَه من حيث كونه مبيعًا لم يتمكَّن مشتريه من قبضه، فحقُّ توفيتِه بعدُ على بائعه. فإن قيل: فما تقولون لو حبس البائع السلعة لاستيفاء حقِّه منها، وهذا يكون في صور: أحدها (١): أن يبيعه دارًا له فيها متاع لا يمكن نقله في وقت واحد. والثانية: أن يستثني البائع الانتفاعَ بالمبيع مدة معلومة على أصلكم، أو نحو ذلك، فإذا تلِفتْ في يد البائع قبل تمكُّن المشتري من القبض في هاتين الصورتين هل تكون من ضمانه أو من ضمان البائع؟

стр. 2255

الثالثة: أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار. قيل: الضمان في هذا كله على البائع؛ لأنه لم يدخل تحت يد المشتري، ولم يتمكَّن من قبضه، فلا يكون مضمونًا عليه. فإن قيل: فهل يكون من ضمانه بالثمن أو بالقيمة؟ قيل: بل يكون مضمونًا عليه بالقيمة (١)، بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه؛ فلا يلزم المشتريَ تسليمُ الثمن. المثال الثالث بعد المائة: إقرار المريض لوارثه بدين باطلٌ عند الجمهور؛ للتهمة، فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأَ ذمتُه منه قبل الموت، وقد علم أن إقراره له باطل، فكيف الحيلة في براءة ذمته ووصولِ صاحب الدين إلى ماله؟ فهاهنا وجوه: أحدها: أن يأخذ إقرار باقي الورثة بأن هذا الدين على الميت؛ فإن الإقرار إنما بطل لحقّهم، فإذا أقرُّوا به لزِمَهم. فإن لم تتمَّ هذه الحيلة فله وجه ثانٍ، وهو أن يأتي برجل أجنبي يثِقُ به يقرُّ له بالمال، فيدفعه الأجنبي إلى ربه. فإن لم تتم هذه الحيلة فله وجه ثالث، وهو أن يشتري منه سلعة بقدر دينه، ويقرّ المريض بقبض الثمن منه، أو يقبض منه الثمن بمحضر الشهود ثم يدفعه إليه سرًّا. فإن لم تتم هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده، فيكون أمانة فيُقبل

стр. 2256

قوله في تلفه، ويتأول أو يدَّعي ردَّه إليه، والقول قوله. وله وجه آخر، وهو أن يُحضِر الوارث شيئًا ثم يبيعه من موروثه بحضرة الشهود، ويسلِّمه إليه فيقبضه ويصير ماله، ثم يهبه الموروثُ لأجنبي ويقبضه (١) منه، ثم يهبه الأجنبي للوارث، فإذا فعلت هذه الحيلة ليصلَ المريض إلى براءة ذمته، والوارث إلى أخذ دينه= جاز ذلك، وإلا فلا. المثال [١٤٦/ب] الرابع بعد المائة: إذا أحاله بدينه على رجل، فخاف أن يتْوَى ماله على المحال عليه، فلا يتمكَّن من الرجوع على المُحِيل؛ لأن الحوالة تحوِّل الحقَّ وتنقلُه، فله ثلاث حيل: إحداها: أن يقول: أنا لا (٢) أحتال، ولكن أكون وكيلًا لك في قبضه، فإذا قبضه فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل، وله في ذمة الموكِّل نظيره، فيتقاصَّان. فإن خاف الموكِّل أن يدَّعي الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه، فالحيلة له أن يأخذ إقراره بأنه متى ثبت قبضه منه فلا شيء له على الموكل، وما يدَّعي عليه بسبب هذا الحق أو من جهته فدعواه باطلة، وليس هذا إبراءً معلَّقًا بشرط حتى يتوصَّل إلى إبطاله، بل هو إقرار بأنه لا يستحقُّ عليه شيئًا في هذه الحالة. الحيلة الثانية: أن يشترط عليه أنه إن تَوِي المال رجع عليه، ويصح هذا الشرط على قياس المذهب؛ فإن المحتال إنما قبل الحوالة على هذا الشرط، فلا يجوز أن يلزم بها بدون الشرط، كما لو قَبِل عقد البيع بشرط الرهن أو

стр. 2257

الضمين أو تأجيل أو الخيار، أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها، أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق، أو قبل عقد الضمان بشرط تأجيل الدين الحال على الضامن (١)، أو قبل عقد الكفالة بشرط أن لا يلزمه من المال الذي عليه شيء، أو قبل عقد الحوالة بشرط ملاءة المحال عليه وكونه غير محجوب (٢) ولا مماطل، وأضعاف أضعاف ذلك من الشروط التي لا تُحِلُّ حرامًا، ولا تُحرِّم حلالًا، فإنها جائزٌ اشتراطها لازمُ الوفاءِ بها، كما تقدم تقريره نصًّا وقياسًا. وقد صرّح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط في الحوالة، فقالوا ــ واللفظ للخصَّاف (٣) ــ: يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن (٤) هذا الغريم إن لم يوفِّ الطالبَ هذا المالَ إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامنٌ لهذا المال على حاله، وللطالب أخذُه بذلك، وتقع الحوالة على هذا الشرط، فإن وفَّاه الغريم إلى الأجل الذي يشترطه، وإلا رجع إلى المطلوب وأخذَه بالمال. ثم حكى عن شيخه قال: قلت: وهذا جائز؟ قال: نعم. الحيلة الثالثة: أن يقول طالب الحق للمحال عليه: اضمَنْ لي هذا الدين الذي على غريمي، ويرضى منه بذلك بدلَ الحوالة، فإذا ضمِنَه تمكَّن من مطالبة أيهما شاء. وهذه من أحسنِ الحيل وألطفِها.

стр. 2258

المثال الخامس بعد المائة: إذا كان له عليه دينٌ حالٌّ، فاتفقا على تأجيله، وخاف من عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل؛ فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد الذي هو سبب الدين الحالّ، ثم يعقده عليه مؤجلًا، فإن كان عن ضمان أو كان بدلَ مُتلَفٍ أو عن دية وقد حلّت أو نحو ذلك؛ فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعةً بمقدار هذا الدين، ويؤجِّل عليه ثمنَها، ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين الذي [١٤٧/أ] أجَّله عليه أولًا، فيبرأ منه، ويثبت في ذمته نظيرُه مؤجَّلًا. فإن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجَّله؛ فالحيلة أن يشرط عليه أنه إن حلَّ نجمٌ ولم يؤدِّه قسطَه فجميع المال عليه حال، فإذا نجمه على هذا الشرط جاز، وتمكَّن من مطالبته به حالا ومنجمًا عند من يرى لزوم تأجيل الحال ومن لا يراه، أما من لا يراه فظاهر، وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله بهذا الشرط، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة، والله أعلم. المثال السادس بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارثَ له أن يوصي بجميع أمواله (١) في أبواب البر، فهل له ذلك؟ على قولين، أصحهما: أنه يملك ذلك؛ لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث وكان له ورثة، فمن لا وارثَ له لا يُعتَرض عليه فيما صنع في ماله. فإن خاف أن يُبطِل ذلك حاكم لا يراه، فالحيلة أن يقرَّ لإنسانٍ يثق بدِينه وأمانته بدَين يحيط بماله كله، ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه في

стр. 2259

الجهات التي يريد. فإن خاف المقرّ له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقرَّ له به المريض، اشترى منه المريض عَرضًا من العروض بماله كله، ويسلّم العرض، فإذا حلف المقرُ له حلف بارًّا. فإن خاف أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض، فالحيلة له أن يشتريَ بشرط الخيار سنة، فإن مات بطل الخيار، وإن عاش فسخ العقد. فإن كان المال أرضًا أو عقارًا أو أراد أن يُوقِفه جميعَه على قوم يستغلُّونه ولا يمكن إبطاله، فالحيلة أن يقرَّ أن واقفًا وقف ذلك جميعه عليه ومِن بعده على الجهات التي يعيّنها، ويُشهِد على إقراره بأن هذا العقار في يده على جهة الوقف من واقفٍ كان ذلك العقار مِلكًا له إلى حين الوقف، أو يقرَّ بأن واقفًا معينًا وقفه على تلك الجهات، وجعله ناظرًا عليه، فهو في يده على هذا الوجه. وكذلك الحيلة إذا كان له بنت أو أم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله، ولا عصبةَ له، ويريد أن لا يتعرَّض له السلطان، فله أنواع من المخارج: منها: أن يبيع الوارث تلك الأعيان، ويقرَّ بقبض الثمن منه، وإن أمكنه أن يُشهِد على قبضه بأن يحضر الوارث مالًا يقبضه إياه، ثم يُعيده إليه سرًّا، فهو أولى. ومنها: أن يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة من الثمن، ويُشهِد على الشراء، ثم يعيد إليه تلك السلعة، ويرهنه المال كلَّه على الثمن، فإذا أراد السلطان مشاركته قال: وَفُّوني حقّي ثم خُذوا ما فضلَ.

стр. 2260

ومنها: أن يبيع ذلك لأجنبي يثِقُ به، ويقرّ بقبض الثمن منه، أو يقبضه بحضرة الشهود، ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أو وقفِه عليه. ومنها: أن يقرَّ لأجنبي يثق به بما يريد، ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث. ولكن في هذه الحيل وأمثالها [١٤٧/ب] أمران مَخُوفان، أحدهما: أنه قد يصح فيحال بينه وبين ماله. والثاني: أن الأجنبي قد يدَّعي ذلك لنفسه، ولا يسلِّمه إلى الوارث، فلا خلاصَ من ذلك إلا بوجه واحد، وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي، ويُشهِد عليه في مكتوب ثانٍ: أنه متى ادَّعى لنفسه أو لمن يخاف أن يواطئه على المريض أو وارثِه هذا المالَ أو شيئًا منه أو حقًّا من حقوقه كانت دعواه باطلة، وإن أقام به بينةً فهي بينة زورٍ، وأنه لا حقَّ له قِبَل فلان بن فلان ولا وارثِه بوجهٍ ما. ويُمسك الكتابَ عنده، فيأمن هو والوارث ادعاءَ ذلك لنفسه، والله أعلم. المثال السابع بعد المائة: رجل يكون له الدين، ويكون عليه الدين، فيوكِّل وكيلًا في اقتضاء ديونه، ثم يتوارى عن غريمه، فلا يمكنه اقتضاء دينه منه، فأراد الغريم ممن له الدين على هذا الرجل حيلة يقتضي بها دَينَه منه، ولا يضرُّه تَواري من عليه الدين. فالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين، فيقول له: وكَّلتُك بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه، ووكَّلتُك أن تجعل ماله عليك قصاصًا بمالي (١) عليه، وأجزتُ أمرَك في ذلك وما عملتَ فيه من شيء، فيقبل الوكيل، ويُشهِد على الوكالة على هذا الوجه شهودًا، ثم يُشهِدهم

стр. 2261

الوكيل أنه قد جعل الألف درهم التي لفلانٍ عليه قصاصًا بالألف التي لموكِّله على فلان، فيصير الألف قصاصًا، ويتحوَّل ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل للرجل الذي وكَّله. وهذه الحيلة جائزة؛ لأن الموكِّل أقام الوكيل مقامَ نفسه، والوكيل يقول: مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكِّلي به (١)، فأنا أطالبك بألفٍ، وأنت تطالبني به، فاجعل الألف الذي تطالبني به عوضًا عن الألف الذي أطالبك به، ولو كانت الألف لي لحصلت المقاصَّة، إذ لا معنى لقبضك للألف مني ثم أدائها إليَّ. وهذا بعينه فيما إذا طالبتُك بها لموكِّلي؛ أنا أستحقُّ عليك أن تدفع إليَّ الألف، وأنت تستحقُّ عليَّ أن أدفع إليك ألفًا، فنتقاصُّ في الألفين (٢). المثال الثامن بعد المائة: رجل له على رجلٍ مال، فغاب الذي عليه المال، فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه، حتى يحكم له الحاكم عليه وهو غائب، فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب. فإن كان حاكم البلد لا يرى الحكم على الغائب، فالحيلة أن يجيء رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميعَ مالهِ على الرجل الغائب، ويسمّيه وينسبه، ولا يذكر مبلغ المال، بل يقول: ضمنتُ له جميعَ ما صح أنَّ له في ذمته، ويُشهِد على ذلك، ثم يقدِّمه إلى القاضي، فيقرّ الضامن بالضمان، ويقول: لا أعرف له على فلان شيئًا، فيسأل القاضي المضمونَ له: هل لك بينة؟ فيقول: نعم، فيأمره بإقامتها، فإذا

стр. 2262

شهدت ثبت الحق على الغائب، وحكم على الضمين بالمال، وجعله خصمًا عن الغائب؛ [١٤٨/أ] لأنه قد ضمِنَ ما عليه، ولا ينفُذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان حتى يحكم على الغائب المضمونِ عنه بالثبوت؛ لأنه هو الأصل، والضامن فرعه، وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع. وهو جائز على أصل أهل العراق، حيث يجوِّزون الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب، وكما لو ادَّعى أنه اشترى من غائب شفعة، فإنه يقضي عليه بالبيع وبالشفعة على المدعي، وكهذه المسألة، وكما لو ادَّعت زوجةُ غائبٍ أن له عند فلان وديعةً، فإنه يفرض لها بما في يديه. المثال التاسع بعد المائة: ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن، فإن أذن له كان إباحةً أو عاريةً، له الرجوع فيها متى شاء، ويُقضى له بالأجرة من حين الرجوع في أحد الوجهين؛ فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنًا من الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها، ثم يُبرِئه من الأجرة، أو يقرّ بقبضها، ويجوز أن يردَّ عقد الإجارة على عقد الرهن ولا يُبطِله، كما يجوز أن يرهنه ما استأجره، فيُرَدُّ كلٌّ من العقدين على الآخر، وهو في يده أمانة في الموضعين، وحقُّه متعلق به فيهما، إلا أن الانتفاع بالمرهون مع الإجارة، والرهن بحاله. المثال العاشر بعد المائة: إذا كان له على رجلٍ مال، وبالمال رهن، فادّعى صاحب الرهن به عند الحاكم (١)، فخاف المرتهن أن يقرّ بالرهن،

стр. 2263

فيقول الراهن: قد أقررتَ بأن (١) لي رهنًا في يدك، وادّعيتَ الدين، فينزعه من يده، ولا يقرّ له بالدين. فقد ذكروا له حيلة تُحرِز (٢) حقَّه، وهي أن لا يقرَّ له حتى يقرّ له صاحبه بالدين، فإن ادَّعاه وسأل إحلافه أنكر وحلف، وعرَّض في يمينه بأن ينوي أن هذا ليس له قبل ملكه، أو إذا باعه، أو ليس له عاريًا عن تعلُّق الحق به، ونحو ذلك. وأحسن من هذه الحيلة أن يفصِّل في جواب الدعوى فيقول: إن ادَّعيتَه رهنًا في يدي على ألفٍ لي عليك فأنا مقرٌّ به، وإن ادعيتَه على غير هذا الوجه فلا أقرُّ لك، وينفعه هذا الجواب، كما قالوا فيما إذا ادعى عليه ألفًا، فقال: إن ادَّعيتَها من ثمن مبيع لم أقبضه منك فأنا مقرٌّ، وإلا فلا، وهذا مثله سواء. فإن كان الغريم هو المدعي للمال فخاف الراهن أن يقرَّ بالمال فيجحد المرتهن الرهن فيلزم الراهنَ المالُ، ويذهب رهنه، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: إن ادَّعيتَ هذا المال وأنك تستحقُّه من غير رهنٍ لي عندك فلا أقرُّ به، وإن ادَّعيتَه (٣) مع كوني رهنتُك به كذا وكذا فأنا مقرٌّ به، ولا يزيد على هذا. وقالت الحنفية: الحيلة أن يقرَّ منه بدرهم فيقول: لك عليَّ درهم، ولي عندك رهن [١٤٨/ب] كذا وكذا، فإذا سأل الحاكم المدَّعيَ عن الرهن، فإما أن يقرَّ به، وإما أن ينكر، فإن أقرّ به فليقرّ له خصمه بباقي دينه، وإن أنكره وحلف عليه وسِعَ الآخرَ أن يجحد باقيَ الدين ويحلف عليه إن كان الرهن

стр. 2264

بقدر الدين أو أكثر منه، وإن كان أقلَّ منه لزمه أن يعطيه ما زاد على قيمة الرهن من حقه. قالوا: لأن الرهن إن كان قد تلفَ بغير تفريطه سقط ما يقابله من الدين، وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينًا عليه، فيكون قصاصًا بالدين الذي له. وهذا بناء على أصلين لهم: أحدهما: أن الرهن (١) مضمون على المرتهن بأقلِّ الأمرين من قيمته أو قدر الدين. والثاني: جواز الاستيفاء في مسألة الظفر. المثال الحادي عشر بعد المائة: إذا قال لامرأته: «إن لم أطأْكِ الليلةَ فأنت طالق ثلاثًا» فقالت: «إن وطئتَني الليلةَ فأَمتي حرَّة»، فالمَخْلص من ذلك أن تبيعه الجارية، فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق؛ لأنها خرجت من ملكها، ثم تستردُّها. فإن خافت أن يطأ الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الأمة التي يشتريها من امرأةٍ كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية، فالحيلة أن تستردَّها منه عقيبَ الوطء فإن خافت أن لا يرد إليها الجارية ويقيم على ملكها فلا تصل إليها، فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يرد الجارية إليها عقيبَ الوطء فهي حرة. فإن خافت أن يملِّكها لغيره تلجئةً فلا يصح تعليق عتقها، فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يردَّها إليها عقيب الوطء فهي طالق، فهنا تضيق عليه الحيلُ في استدامة ملكها، ولم يجد بدًّا من مفارقة إحداهما.

стр. 2265

المثال الثاني عشر بعد المائة: إذا أراد الرجل أن يخالع امرأته الحاملَ على سكناها ونفقتها جاز ذلك، وبرئ منهما (١). هذا منصوص أحمد. وقال الشافعي: لا يصح الخلع، ويجب مهر المثل، واحتج له بأن النفقة لم تجب بعدُ فإنها إنما تجب بعد الإبانة، فقد خالعها بمعدومٍ، فلا يصح، كما لو خالعها على عوض شيء يُتلِفه عليها. وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز. وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالعها على أن لا سكنى لها ولا نفقة فلا نفقةَ لها، وتستحقّ عليه السكنى. قالوا: لأن النفقة حقٌّ لها، وقد أسقطته، والسكنى حقٌّ للشارع فلا تسقط بإسقاطها، فيلزمه إسكانها. قالوا: فالحيلة على سقوط الأجرة عنه أن يشرط الزوج في (٢) الخلع أن لا يكون عليه مُؤنة السكنى، وأن مُؤنتها تَلزم المرأةَ في مالها، وتجب أجرة المسكن (٣) عليها. فإن قيل: لو أبرأت المرأة زوجها عن (٤) النفقة قبل أن تصير دينًا في ذمته لم يصح، ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن (٥) النفقة صح. قيل: الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع [١٤٩/أ] كان إبراءً

стр. 2266

بعوض، والإبراء بعوضٍ استيفاء لما وقعت البراءة عنه؛ لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه، والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلَّفتْ نفقةَ شهرٍ جملة. وأما الإبراء من النفقة في غير الخلع (١) قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب، فلا يسقط، كما لو أسقطت حقَّها من القَسْم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت. وأما قول صاحب «المحرر» (٢): «وقيل: إن أوجبنا نفقة الزوجة بالعقد صح، وإلا فهو خلعٌ بمعدوم، وقد بينّا حكمه»، يعني إن قلنا: إن نفقة الحامل نفقة زوجة (٣)، وإن النفقة لها من أجل الحمل، وإنها تجب بالعقد، فيكون خلعًا بشيء ثابت، وإن قلنا: إن النفقة إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع، وصارت النفقة نفقة قريب، فالخلع بنفقة الزوجة حينئذٍ خلعٌ بمعدوم. هذا أقربُ ما يتوجَّه به كلامه، وفيه ما فيه، والله أعلم. المثال الثالث عشر بعد المائة: إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة، وكان دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعزَّ عليهم من التعرُّض للعنة الله ومَقْته بالتحليل، الذي لا يُحِلُّها ولا يُطيِّبها بل يزيدها خبثًا، فلو أنها أخرجت من مالها ثمنَ مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكًا ثم خطبها على مملوكه فزوَّجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبَه إياها (٤) انفسخ النكاح،

стр. 2267

ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منويٌّ ممن تؤثِّر نيتُه وشرطه، وهو الزوج؛ فإنه لا أثر لنية الزوجة ولا الولي، وإنما التأثير لنية الزوج الثاني (١)، فإنه إذا نوى التحليل كان محللًا فيستحقُّ اللعنة، ثم يستحقُّها الزوج المطلّق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل. فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضرّ ذلك العقد شيئًا. وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه، ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني، فقال: «حتى تذوقي عُسَيلتَه ويذوق عُسَيلتكِ» (٢). وقد صرَّح أصحابنا بأن ذلك يُحِلُّها، فقال صاحب «المغني» (٣) فيه: «فإن تزوَّجها مملوك ووطئها أحلَّها، وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفًا». قلت: وهذه الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد، فإنه منع من حلِّها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوَّجه بها بإذن وليها ليُحِلَّها، فهذه حيلة لا تجوز عنده، وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول ولا للثاني فيها نية، ومع هذا فيُكْره؛ لأنها نوع حيلة. المثال الرابع عشر بعد المائة: قال عبد الله بن أحمد في «مسائله» (٤): سألتُ أبي عن رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أجامعكِ اليوم، وأنتِ

стр. 2268

طالق [١٤٩/ب] إن اغتسلتُ منكِ اليوم، فقال: يصلِّي العصر ثم يجامعها، فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله «اغتسلتُ» المجامعةَ. ونظير هذا أيضًا ما نصَّ (١) في رجلٍ قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أطأكِ في رمضان، فسافر مسيرةَ أربعة أيام أو ثلاثة ثم وطئها، فقال: لا يعجبني؛ لأنها حيلة، ولا يعجبني الحيلة (٢) في هذا، ولا في غيره. قال القاضي (٣): إنما كره الإمام أحمد هذا لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بدَّ أن يكون سفرًا مقصودًا مباحًا، وهذا لا يقصد به غير حلِّ اليمين. قال الشيخ أبو محمد المقدسي (٤): والصحيح أن هذا تنحلُّ به اليمين، ويُباح له الفطر فيه؛ لأنه سفر بعيد مباح لقصدٍ صحيح، وإرادة حلِّ يمينه من المقاصد الصحيحة. وقد أَبحنا لمن له طريقان: قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة= أن يسلك البعيدة؛ ليقصر فيها الصلاة ويفطر، مع أنه لا قصدَ له سوى الترخُّص (٥)، فهاهنا أولى. قلت: ويؤيد اختيارَ الشيخ ــ قدَّس الله روحه ــ ما رواه الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» (٦): أبنا الأزهري أبنا سهل بن أحمد ثنا محمد بن

стр. 2269

محمد بن الأشعث الكوفي حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن علي في رجلٍ حلفَ فقال: امرأته طالق ثلاثًا إن لم يطأها في شهر رمضان نهارًا، قال: يسافر ثم يجامعها نهارًا. المثال الخامس عشر بعد المائة: في المخارج من الوقوع في التحليل الذي لعن رسول الله ﷺ من غير وجهٍ فاعلَه والمطلِّقَ المحلَّلَ (١) له، فأيُّ قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله ﷺ كان أعذرَ عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه، ومَباءتِه باللعنة؛ فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرةٌ بين ما دلَّ عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، أو أفتى به الصحابة بحيث لا يُعرف عنهم فيه خلاف، أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج على أقوالهم، أو هو قول جمهور الأمة (٢) أو بعضهم، إمّا من الأئمة الأربعة أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام. ولا تَخرج هذه التي نذكرها عن ذلك، فلا يكاد يُوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر. ولا ريبَ أن من نصحَ الله ورسوله وكتابه ودينه، ونصحَ نفسَه ونصحَ عباده، أن أيًّا منها ارتكب فهو أولى من التحليل. المخرج الأول: أن يكون المطلِّق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يُعذَر به أو لا يُعذَر أو وسوسة، وهذا

стр. 2270

المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يُعذَر به (١)، فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه، والثابت عن الصحابة الذي لا يُعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه. قال البخاري في «صحيحه» (٢): باب الطلاق في الإغلاق [١٥٠/أ] والمُكْرَه والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك، لقول النبي ﷺ «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى»، وتلا الشعبي ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وما لا يجوز من إقرار الموسوس، وقال النبي ﷺ للذي أقرَّ على نفسه: «أبكَ جنونٌ» (٣). وقال علي: بقَرَ حمزةُ خَواصرَ شارِفَيّ (٤) فطفِقَ النبي ﷺ يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثَمِل محمرَّةٌ عيناه، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيدٌ لآبائي؟ فعرف النبي ﷺ أنه قد ثَمِل، فخرج وخرجنا معه (٥). وقال عثمان: ليس لمجنونٍ ولا لسكرانَ طلاقٌ (٦). وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس

стр. 2271

بجائز (١). وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس (٢). هذا لفظ الترجمة، ثم ساق بقية الباب، ولا يُعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وابن عباس في ذلك، ولذلك (٣) رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يفتي بنفوذ طلاقه. فقال أبو بكر عبد العزيز (٤) في كتاب «الشافي» و «الزاد»: قال أبو عبد الله في رواية الميموني: قد كنت أقول إن طلاق السكران يجوز، حتى تبيَّنتُه، فغلب عليَّ أنه لا يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقرَّ لم يلزمه، ولو باع لم يجزْ بيعه. قال: وأُلزمه الجنايةَ، وما كان من غير ذلك فلا يَلزَمُه. قال أبو بكر: وبهذا أقول. وفي «مسائل الميموني»: سألت أبا عبد الله عن طلاق السكران، فقال: أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق. قلت: أليس كنت مرة تخاف أن يلزمه؟ قال: بلى ولكن أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه؛ لأني رأيته ممن لا يعقل. قلت: السكر شيء أدخلَه على نفسه، فلذلك يلزمه، قال: قد يشرب

стр. 2272

الرجل البَنْج (١) أو الدواء فيذهب عقلُه، قلت: فبيعه وشراؤه وإقراره؟ قال: لا يجوز. وقال في رواية أبي الحارث: أرفعُ شيءٍ فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان: ليس لمجنونٍ ولا سكرانَ طلاقٌ (٢). وقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلةً واحدة، والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خير من هذا، وأنا أتَّقي جميعًا. وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية: أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي، وحكاه صاحب «النهاية» (٣) عن أبي يوسف وزفر. ومن الشافعية: المزني وابن سُريج وجماعة ممن اتبعهما، وهو الذي اختاره الجويني في «النهاية» (٤). والشافعي نصَّ على وقوع طلاقه، ونصَّ في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهاره. فمن أتباعه من نقلَ من الظهار قولًا إلى الطلاق، وجعلَ المسألة على قولين، ومنهم من قرَّر حكم النصين، ولم يفرِّق بطائلٍ.

стр. 2273

والصحيح أنه لا عبرةَ بأقواله من طلاق، ولا عتاق، ولا بيع، [١٥٠/ب] ولا هبة، ولا وقف، ولا إسلام، ولا ردّة، ولا إقرار؛ لبضعة عشر دليلًا ليس هذا موضع ذكرها (١)، ويكفي منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمرُ النبي ﷺ باستنكاه ماعز لما أقرَّ بالزنا بين يديه، وعدمُ أمرِ النبي ﷺ حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره: «أنتم عبيد لآبائي»، وفتوى عثمان وابن عباس، ولم يخالفهما أحد من الصحابة، والقياس الصحيح المحض على زائل العقل بدواء أو بَنْجٍ أو مسكر هو فيه معذور، ومقتضى قواعد الشريعة؛ فإن السكران لا قصدَ له؛ فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي ومَن جَرى اللفظُ على لسانه من غير قصدٍ له. وقد صرَّح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس، وقالوا: لا يقع طلاق المعتوه، وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون. فصل المخرج الثاني: أن يطلِّق أو يحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره؛ فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقُه ولا وقفُه، ولو بَدرتْ منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول الله ﷺ وقوعَ الطلاق والعتاق فيه، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره. قال أبو بكر عبد العزيز في كتاب «زاد المسافر» له: باب في الإغلاق

стр. 2274

في الطلاق، قال أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة ﵂ سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغْلاقٍ» (١) يعني الغضب. وبذلك فسَّره أبو داود في «سننه» (٢) عقيبَ ذكره الحديث، فقال: والغلاق أظنُّه في الغضب. وقسَّم شيخ الإسلام ابن تيمية الغضب إلى ثلاثة أقسام (٣): قسم يُزيل العقل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب. وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصوُّر ما يقول وقصْدِه، فهذا يقع معه الطلاق. وقسم يشتدُّ بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبُّت والتروِّي ويُخرِجه عن حال اعتداله، فهذا محلُّ اجتهاد. والتحقيق أن الغَلَق يتناول كلَّ من انغلق عليه طريقُ قصْدِه وتصوُّره، كالسكران والمجنون والمُبَرْسَم والمُكْرَه والغضبان، فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق، والطلاق إنما يكون عن وَطَرٍ؛ فيكون عن قصدٍ من المطلِّق وتصوُّرٍ لما يقصده، فإن تخلَّف أحدهما لم يقع طلاقه. وقد نصَّ مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق ثلاثًا» ثم قال: أردتُ أن أقول: إن كلَّمتِ فلانًا، أو خرجتِ من بيتي بغير إذني، ثم

стр. 2275

بدا لي فتركتُ اليمين، ولم أُرِد التنجيز في الحال= أنه (١) لا تطلَّق عليه. وهذا هو الفقه بعينه؛ لأنه لم يُرِد التنجيز، ولم [١٥١/أ] يُتمَّ اليمين. وكذلك لو أراد أن يقول: «أنت طاهر»، فسبق لسانه فقال: «أنتِ طالق» لم يقع طلاقه، لا في الحكم الظاهر، ولا فيما بينه وبين الله ، نصَّ عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين، والثانية: لا يقع فيما بينه وبين الله، ويقع في الحكم. وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف. وقال ابن أبي شيبة (٢): حدثنا محمد بن مروان عن عُمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلِطَ بطلاق امرأته، فقال: ليس على المؤمن غلطٌ. حدثنا وكيع عن إسرائيل [عن جابر] عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء فغلِطَ، فقال الشعبي: ليس بشيء. فصل المخرج الثالث: أن يكون مُكرَهًا على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أحمد ومالك والشافعي وجميع أصحابهم، على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: يمين المستكْرَه إذا ضُرِب، ابنُ عمر وابنُ الزبير لم يرياه شيئًا (٣).

стр. 2276

وقال في رواية أبي الحارث: إذا طلَّق المكره لم يلزمه الطلاق، إذا فُعِل به كما فُعِل بثابت بن الأحنف فهو مكره؛ لأن ثابتًا عصروا رجلَه حتى طلَّق، فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك شيئًا (١). وكذا قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال الشافعي (٢): قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وللكفر أحكام، فلما وضعها الله تعالى عنه سقطتْ أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه. وفي «سنن ابن ماجه» و «سنن البيهقي» (٣) من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «إن الله وَضَع عن أمتي» ــ وقال البيهقي: «تجاوز لي عن أمتي ــ الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وفي «الصحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2277

«إن الله تجاوز لأمتي ما تُوسوِس به صدورُها، ما لم تعملْ به أو تتكلَّمْ به». زاد ابن ماجه (١): «وما استُكْرِهوا عليه». وقال الشافعي (٢): روى حماد بن سلمة عن حُميد عن الحسن أن عليًّا ﵁ قال: لا طلاق لمُكْرَهٍ (٣). وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن (٤) ابن عباس لم يُجِز طلاق المكره (٥). وذكر أبو عبيد (٦) عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز. وقال ابن أبي شيبة (٧): حدثنا [هُشَيم عن] عبد الله بن طلحة (٨) عن أبي يزيد المديني عن ابن عباس قال: ليس لمكْرَهٍ ولا مضطَهَدٍ طلاقٌ.

стр. 2278

وحدثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر (١) عن ثابت مولى أهل المدينة عن ابن عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاقَ المكره شيئًا (٢). حدثنا وكيع عن الأوزاعي عن رجل عن عمر بن الخطاب [١٥١/ب]﵁ أنه لم يره شيئًا (٣). قلت: قد اختُلِف على عمر، فقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الملك بن قُدامة بن إبراهيم الجمحي عن أبيه أن رجلًا تدلَّى يَشتارُ عسلًا (٤) في زمن عمر ﵁، فجاءته امرأته فوقفت على الحبل، فحلفتْ لتقطعنَّه أو لتطلِّقني ثلاثًا، فذكَّرها الله والإسلامَ، فأبتْ إلا ذلك، فطلَّقها ثلاثًا. فلما ظهر أتى عمر، فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها، فقال: ارجعْ إلى أهلك، فليس هذا بطلاق (٥). تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك، وهو المشهور عن عمر. وقال أبو عبيد (٦): حدثني يزيد عن عبد الملك بن قدامة عن أبيه عن

стр. 2279

عمر بهذا، لكنه قال: فرُفِع إلى عمر فأبانَها منه. قال أبو عبيد (١): وقد رُوي عن عمر خلافه. ولم يصحَّ عن أحد من الصحابة تنفيذُ طلاق المكره سوى هذا الأثر عن عمر (٢)، وقد اختُلِف فيه عنه، والمشهور أنه ردَّها إليه، ولو صحَّ «فأبانَها منه» لم يكن صريحًا في الوقوع، بل لعله رأى من المصلحة التفريقَ بينهما، وأنهما لا يتصافيانِ بعد ذلك، فألزمه بإبانتها. ولكنْ الشعبي (٣) وشريح (٤) وإبراهيم (٥) يجيزون طلاق المكره، حتى

стр. 2280

قال إبراهيم: لو وُضِع السيف على مَفرِقه ثم طلَّق لأجزتُ طلاقه (١). وفي المسألة مذهب ثالث: قال ابن أبي شيبة (٢): حدثنا ابن إدريس عن حُصين عن الشعبي في الرجل يُكْره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق، فقال: إذا أكرهه السلطان جاز، وإذا أكرهه اللصوصُ لم يجز. ولهذا القول غَورٌ وفقهٌ دقيق لمن تأمَّله. فصل واختلفوا في المكره يظنُّ أن الطلاق يقع به فينويه، هل يلزمه؟ على قولين، وهما وجهان للشافعية. فمن ألزمه رأى أن النية قد قارنت (٣) اللفظ، وهو لم يكره على النية، فقد أتى بالطلاق المنويّ اختيارًا فلزِمه. ومن لم يُلزِمه رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرةَ به، فلم يبقَ إلا مجرد النية، وهي لا تستقلُّ بوقوع الطلاق. فصل واختُلِف فيما لو أمكنه التورية فلم يُورِّ، والصحيح أنه لا يقع به طلاق
следующие страницы →