ويبقى أصل الطلاق»، فهذا هو أكبر عمدة المُوقِعين، ولا ريبَ أنه إن أراد بقوله أنت طالق إن كان الله قد شاء تكلُّمي بهذا اللفظ أو شاء طلاقك بهذا اللفظ طلُقتْ، ولكن المستثني لم يُرِد هذا، بل ولا خطَرَ على باله، فبقي القسم الآخر، وهو أن يريد إن شاء الله وقوع الطلاق عليك فيما يأتي، فهذا تعليق صحيح معقول يمكن العلم بوجود ما علّق عليه بوجود سببه، كما تقدم بيانه.
وأما قولكم: «إنه علّق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب نفوذُه، كما لو قال: أنت طالق إن علِمَ الله أو إن قدَّر أو سمِعَ ــ إلى آخره» فما أبطَلَها من حجة! فإنها لو صحَّت لبطلَ حكم الاستثناء في الأيمان لِما ذكرتموه بعينه، ولَما نفع الاستثناء في موضع واحد، ومعلوم أن المستثني لم يخطر هذا على باله، وإنما أراد تفويضَ الأمر إلى مشيئة الله وتعليقه به، وأنه إن شاءه نفذَ، وإن لم يشأه لم يقع، ولذلك كان مستثنيًا، أي: وإن كنت قد التزمتُ اليمين أو الطلاق أو العتاق فإنما ألتزمُه بعد مشيئة الله وتبعًا لها، فإن شاءه فهو سبحانه ينفذه بما يُحدثِه من الأسباب، ولم يُرِد المستثني إن كان لله مشيئة أو علمٌ أو سمعٌ أو بصرٌ فأنت طالق، ولم يخطر ذلك بباله البتةَ.
يوضحه: أن هذا مما لا يقبل التعليق، ولا سيما بأداة «إنْ» التي هي للجائز الوجود والعدم، ولو شكّ في هذا لكان ضالًّا، بخلاف المشيئة الخاصة، فإنها يمكن أن تتعلَّق بالطلاق وأن لا تتعلَّق به، وهو شاكٌّ فيها كما يشكُّ العبد فيما يمكن أن يفعله الله به وأن لا يفعله هل شاءه أم لا؟ فهذا هو المعقول الذي في فِطَرِ الحالفين والمستثنين.
وحذفُ مفعول المشيئة لم يكن لِما ذكرتم، وهو عدم إرادة مفعول
стр. 2312
معين، بل للعلم به، ودلالةِ الكلام عليه ومعنَى (١) إرادته؛ إذ المعنى: إن شاء الله طلاقك فأنت طالق، كما لو قال: «والله لأسافرنَّ إن شاء الله» أي: إن شاء سفري، وليس مراده إن كان لله صفة هي المشيئة؛ فالذي قدَّرتموه من المشيئة المطلقة هو الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلِّق، وإنما الذي لم يخطر بباله سِواه هو المشيئة المعينة الخاصة.
قولكم: «إن المستثني لو سئل عما أراد لم يُفصِح بالمشيئة الخاصة، بل تكلم بلفظ الاستثناء بناء على ما اعتاده الناس من التكلُّم بهذا اللفظ» كلام غير سديد، فإنه لو صحَّ لما نفع الاستثناء في يمين قطُّ، ولهذا نقول: إن قصَدَ التحقيق والتأكيد بذكر المشيئة تنجَّز الطلاق، ولم يكن ذلك استثناء.
قولكم: «إن الاستثناء بابه الأيمان» إن أردتم به اختصاصَ الأيمان به فلم تذكروا على ذلك دليلًا. وقوله ﷺ : «من حلفَ فقال إن شاء الله فقد استثنى»، وفي لفظ آخر: «من حلفَ [١٥٩/أ] فقال إن شاء الله فهو بالخيار؛ إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل» (٢) فحديث حسن، ولكن لا يوجب اختصاص الاستثناء بالمشيئة باليمين، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهذا ليس بيمين.
ويُشرع الاستثناء في الوعد والوعيد والخبر عن المستقبل، كقوله: غدًا أفعلُ إن شاء الله، وقد عتبَ الله على رسوله ﷺ حيث قال لمن سأله من أهل
стр. 2313
الكتاب عن أشياء: «غدًا أُخبِركم»، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحيُ عنه شهرًا، ثم نزل عليه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١) أي: إذا نسيتَ ذكْرَه بالاستثناء عقيبَ كلامك فاذكُره به إذا ذكرتَ. هذا معنى الآية، وهو الذي أراده ابن عباس بصحة الاستثناء المتراخي، ولم يقل ابن عباس قطُّ ولا مَن هو دونه: إن الرجل إذا قال لامرأته: «أنت طالق» أو لعبده: «أنت حر» ثم قال بعد سنة «إن شاء الله» = إنها لا تطلُق ولا يُعتق العبد. وأخطأَ من نقلَ ذلك عن ابن عباس، أو عن أحد من أهل العلم البتةَ، ولم يفهموا مراد ابن عباس. والمقصود أن الاستثناء لا يختصُّ باليمين، لا شرعًا ولا عرفًا ولا لغةً، وإن أردتم بكونِ بابه الأيمان كثرتَه فيها؛ فهذا لا ينفي دخوله في غيرها.
قولكم: «إنه لا يدخل في الإخبارات ولا في الإنشاءات، فلا يقال: قام زيد إن شاء الله، ولا قُمْ إن شاء الله, ولا بعتُ إن شاء الله, فكذا لا يدخل في قوله: أنت طالق إن شاء الله» فليس هذا بتمثيل صحيح، والفرق بين البابين أن الأمور الماضية قد عُلم أنها وقعت بمشيئة الله، والشرط إنما يؤثّر في الاستقبال، فلا يصح أن يقول: قمت أمسِ إن شاء الله، فلو أراد الإخبار عن وقوعها بمشيئة الله أتى بغير صيغة الشرط، فيقول: فعلتُ كذا بمشيئة الله وعونه وتأييده، ونحو ذلك، بخلاف قوله: غدًا أفعلُ إن شاء الله. وأما قوله: «قُمْ إن شاء الله» و «لا تقُمْ إن شاء الله» فلا فائدة في هذا الكلام؛ إذ قد عُلِم أنه لا يفعل إلا بمشيئة الله، فأيُّ معنى لقوله: إن شاء الله لك القيام فقُمْ، وإن لم
стр. 2314
يشأه فلا تقم؟
نعم لو أرادَ بقوله قُمْ أو لا تقُمْ الخبرَ، وأخرجه مُخرَجَ الطلب تأكيدًا، أي: تقوم إن شاء الله، صحَّ ذلك، كما إذا قال: مُتْ على الإسلام إن شاء الله، ولا تمُتْ إلا على توبة إن شاء الله، ونحو ذلك. وكذا إذا أراد بقوله «قم إن شاء الله» ردَّ المشيئة إلى معنى خبري، أي: ولا تقوم إلا أن يشاء الله؛ فهذا صحيح مستقيم لفظًا ومعنى. وأما «بعتُ إن شاء الله، واشتريتُ إن شاء الله» فإن أراد به التحقيق صح وانعقد العقد، وإن أراد به التعليق لم يكن المذكور إنشاء، وتنافَى الإنشاء والتعليق؛ إذ زمنُ الإنشاء يقارن وجود معناه، وزمنُ وقوع المعلَّق يتأخَّر عن التعليق، فتنافَيَا.
وأما قولكم: «إن هذا الطلاق المعلَّق على المشيئة إما أن يريد طلاقًا ماضيًا أو مقارنًا أو مستقبلًا ــ إلى آخره» فجوابه [١٥٩/ب] ما قد تقدَّم مرارًا أنه إن أراد به ردَّ المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور، وأن الله إن كان قد شاءه فأنت طالق= طلقتْ، ولا ريبَ أن المستثني لم يُرِد هذا، وإنما أراد أن لا يقع الطلاق، فردّه إلى مشيئة الله، وأن الله إن شاءه بعد هذا وقع، فكأنه قال: لا أريد طلاقك، ولا أرَبَ لي فيه إلا أن يشاء الله ذلك فينفُذُ رضيتُ أم سخطتُ، كما قال نبي الله شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: نحن لا نعود في ملتكم، ولا نختار ذلك، إلا أن يشاء الله ربنا شيئًا فينفُذ ما شاءه. وكذلك قال إبراهيم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: لا يقع بي من مَخُوفٍ من جهة آلهتكم أبدًا، إلا أن يشاء ربي شيئا فينفُذ ما شاءه. فردَّ الأنبياء ما أخبروا أنه لا يكون إلى مشيئة الرب تعالى وإلى علمه استدراكًا
стр. 2315
واستثناءً، أي: لا يكون ذلك أبدًا، ولكن إن شاءه الله كان، فإنه سبحانه عالم بما لا نعلمه نحن من الأمور التي تقتضيها حكمته وحمده (١).
فصل
فالتحقيق في المسألة أن المستثني إما أن يقصد بقوله: «إن شاء الله» التحقيق أو التعليق؛ فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلَّق. هذا هو الصواب في المسألة، وهو اختيار شيخنا (٢) وغيره من الأصحاب. وقال أبو عبد الله ابن حمدان في «رعايته»: قلت: إن قصد التأكيد والتبرك وقع، وإن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة فلا، وهذا قول آخر غير الأقوال الأربعة المحكية في المسألة، وهو أنه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق وكان جاهلًا باستحالة العلم بمشيئة الله تعالى، فلو علم استحالة العلم بمشيئته سبحانه لم ينعقد الاستثناء. والفرق بين علمه بالاستحالة وجهله بها أنه إذا جهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علَّق الطلاق بما هو ممكن في ظنّه فيصح تعليقه، وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علّقه على محال يعلم استحالته فلا يصح التعليق، وهذا أحد الأقوال في تعليقه بالمحال.
قلت: وقولهم: «إن العلم بمشيئة الربّ محال» خطأ محض، فإن مشيئة الرب تُعلم بوقوع الأسباب التي تقتضي مسبباتها؛ فإن مشيئة المسبّب مشيئة لحكمه، فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقًا علمنا أن الله قد شاء طلاقها.
стр. 2316
فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين، ولا يخفى ما تضمَّنه من رجحان أحد القولين، والله أعلم.
فصل
وقد قدّمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها، وأن أضيقَ الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام، وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه، وأوسع منه قول من يجوِّز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام، كما يقوله أصحاب أحمد وغيرهم.
وأوسعُ منه قول من يجوِّزه بالقرب، ولا يشترط اتصاله بالكلام، كما نص عليه أحمد في رواية المرُّوذي فقال: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «والله لأغزونَّ قريشًا، [١٦٠/أ] والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا» ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» (١)، إذا هو استثنى بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره.
وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألتُ أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين، فقال: من استثنى بعد اليمين فهو جائز، على مثل فعل النبي ﷺ إذ قال «والله لأغزونَّ قريشًا» ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» ولم يطل ذلك. قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء، يعني من لم يرَ ذلك إلا متصلًا. هذا لفظ الشالنجي في «مسائله».
وأوسعُ من ذلك قول من قال: ينفعه الاستثناء ويصحُّ ما دام في
стр. 2317
المجلس، نصَّ عليه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، وهو قول الأوزاعي كما سنذكره.
وأوسعُ منه من وجهٍ قولُ من لا يشترط النية بحال، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة. وقال صاحب «الذخيرة» (١) في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه: ولو قال لها: «أنتِ طالق إن شاء الله» ولا يدري أي شيء «إن شاء الله» لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهلُه يكون سواء، ولو قال لها: «أنتِ طالق» فجرى على لسانه من غير قصد «إن شاء الله» وكان قصدُه إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وُجِد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا.
وقال الجُوزجاني في «مترجمه» (٢): حدثني صفوان ثنا عمر قال: سئل الأوزاعي ﵁ عن رجل حلف: والله لأفعلنَّ كذا وكذا، ثم سكت ساعة لا يتكلَّم ولا يحدِّث نفسه بالاستثناء، فيقول له إنسان إلى جنبه: قلْ إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، أيكفِّر يمينَه؟ فقال: أراه قد استثنى.
وبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل وصلَه قريبُه بدراهم فقال: والله لا آخذُها، فقال قريبه: والله لتأخذنَّها، فلما سمعه قال: «والله لتأخذنَّها» استثنى في نفسه فقال: إن شاء الله، وليس بين قوله «والله لا آخذها» وبين قوله «إن شاء الله» كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه، أيكفِّر يمينَه إن هو أخذها؟ فقال: لم يحنث؛ لأنه قد استثنى.
стр. 2318
ولا ريبَ أن هذا أفقهُ وأصحُّ من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين؛ فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلًا من النبي ﷺ وحكايةً عن أخيه سليمان أنه لو قال: «إن شاء الله» بعدما حلف وذكَّره الملَك كان نافعًا له، وموافقًا (١) للقياس ومصالح العباد ومقتضى الحنيفية السمحة. ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد لزالت رخصة الاستثناء، وقلَّ من انتفع بها إلا من قد درسَ على هذا القول وجعله منه على بالٍ.
وقد ضيَّق بعض المالكية (٢) في ذلك فقال: لا يكون الاستثناء نافعًا إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتمِّم اليمين، كما قال بعض الشافعية. وقال ابن الموَّاز (٣): شرط نفعه أن يكون مقارنًا، ولو لآخر حرفٍ من حروف اليمين.
ولم يشترط مالك شيئًا من ذلك، بل قال [١٦٠/ب] في «موطئه» ــ وهذا لفظ رواية عبد الله بن يوسف (٤) ــ: أحسن ما سمعتُ في الثُّنيا في اليمين أنها لصاحبها ما لم يقطَعْ كلامه، وما كان نَسَقًا يتبع بعضه بعضًا قبل أن يسكت، فإذا سكتَ وقطع كلامه فلا ثُنيا له. انتهى.
ولم أرَ عن أحدٍ من الأئمة قطُّ اشتراطَ النية مع الشروع ولا قبل الفراغ، وإنما هذا من تصرُّف الأتباع.
стр. 2319
فصل
وهل من شرط الاستثناء أن يتكلَّم به، أو ينفع إذا كان في قلبه وإن لم يتلفَّظ به؟ فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفَّظ به، ونصَّ عليه (١) أحمد فقال في رواية ابن منصور (٢): لا يجوز له أن يستثني في نفسه حتى يتكلَّم به.
وقد قال أصحاب أحمد (٣) وغيرهم: لو قال: «نسائي طوالق» واستثنى بقلبه «إلا فلانة» صحَّ استثناؤه، ولم تَطْلُق. ولو قال: «نسائي الأربع طوالق» واستثنى بقلبه «إلا فلانة» لم ينفعه. وفرّقوا بينهما بأن الأول ليس نصًّا في الأربع، فجاز تخصيصه بالنية، بخلاف الثاني.
ويلزمهم على هذا الفرق أن يصحَّ تقييده بالشرط بالنية؛ لأن غايته أنه تقييدُ مطلق؛ فعملُ النية فيه أولى من عملها في تخصيص العام؛ لأن العام متناول للأفراد وضعًا، والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع، فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية. وقد قال صاحب «المغني» (٤) وغيره: إذا قال: «أنت طالق»، ونوى بقلبه من غير نطق: إن دخلت الدار أو بعد شهر، أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى. وهل يُقبل في الحكم؟ على روايتين، وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا يدخل الدار وقال: «نويت شهرًا»: قُبِل منه، أو قال: «إذا دخلت دار فلان فأنت طالق»
стр. 2320
ونوى تلك الساعة أو ذلك اليوم قُبلت نيته. قال: والرواية الأخرى لا تُقبل؛ فإنه قال: إذا قال لامرأته: [«أنت طالق»] (١)، ونوى في نفسه «إلى سنةٍ» تطلَّق، ليس ينظر إلى نيته. وقال: إذا قال: «أنت طالق» وقال: نويت إن دخلت الدار، لا يصدَّق.
قال الشيخ (٢): ويمكن أن يُجمع بين هاتين الروايتين بأن يُحمل قوله في القبول على أنه يدين، وقوله في عدم القبول على الحكم؛ فلا يكون بينهما اختلاف.
قال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها ــ يعني مسألة «نسائي طَوالق» وأراد بعضهن ــ أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير، وإرادة الشرط من غير ذكره غير شائع، وهو قريب من الاستثناء، ويمكن أن يقال: هذا كلُّه من جملة التخصيص. انتهى كلامه.
وقد تضمَّن أن الحالف إذا أراد الشرط دُيِّن وقُبِل في الحكم في إحدى الروايتين، ولا يفرِّق فقيه ولا محصِّلٌ بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط، وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب (٣): إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه رجوتُ أنه يجوز إذا خاف على نفسه. ولم ينصَّ على خلاف هذا في المظلوم، وإنما (٤) أطلق القول، وخاصُّ كلامِه ومقيَّده يقضي على مطلقه وعامّه؛ فهذا مذهبه.
стр. 2321
[١٦١/أ] فصل
وهل يُشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرُّك لسانه بالاستثناء، وإن كان بحيث لا يسمعه؟ فاشترط أصحاب أحمد وغيرهم أنه لا بدَّ وأن يكون بحيث يسمعه هو أو غيره. ولا دليلَ على هذا من لغةٍ ولا عرفٍ ولا شرعٍ، وليس في المسألة إجماع.
قال أصحاب أبي حنيفة ــ واللفظ لصاحب «الذخيرة» (١) ــ: وشرط الاستثناء أن يتكلَّم بالحروف سواء كان مسموعًا أو لم يكن، عند الشيخ أبي الحسن الكرخي. وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لا بدَّ وأن يسمع نفسه، وبه كان يفتي الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول (٢)، وبالله التوفيق.
وهذا بعض ما يتعلَّق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب.
فصل
المخرج الخامس: أن يفعل المحلوفَ عليه ذاهلًا ، أو ناسيًا، أو مخطئًا، أو جاهلًا، أو مُكرَهًا، أو متأولًا، أو معتقدًا أنه لا يحنَث به تقليدًا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبًا على عقله، أو ظنًّا منه أن امرأته طلِّقت فيفعل المحلوف عليه بناءً على أن المرأة أجنبية فلا يؤثِّر فعلُ المحلوف عليه في طلاقها شيئًا.
стр. 2322
فمثال الذهول أن يحلف أنه لا يفعل شيئًا هو معتاد لفعله، فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله.
والفرق بين هذا وبين الناسي أن الناسي يكون قد غابت عنه اليمين بالكلية، فيفعل المحلوف عليه ذاكرًا له عامدًا لفعله، ثم يتذكر أنه كان قد حلف على تركه. وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناسٍ ليمينه، ولكنه لَهِيَ عنها أو ذَهَل، كما يذهَل الرجل عن الشيء في يده أو حِجْره بحديثٍ أو نظرٍ إلى شيء أو نحوه كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ٨ - ١٠].
يقال (١): لَهِيَ عن الشيء يلهَى كغَشِي يغشَى إذا غفل عنه، ولَها به يلهو إذا لعب. وفي الحديث: «فلَهِيَ رسولُ الله ﷺ بشيء كان في يديه» (٢) أي اشتغل به، ومنه الحديث الآخر: «إذا استأثَر الله بشيء فَالْهَ عنه» (٣). وسئل الحسن عما يجده الرجل من البِلَّة بعد الوضوء والاستنجاء، فقال: «الْهَ عنه» (٤). وكان ابن الزبير إذا سمع صوتَ الرعد لَهِي عن حديثه (٥). وقال
стр. 2323
عمر ﵁ لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال للرسول: «تَلَهَّ عنه ثم انظُرْ ماذا يصنع به» (١). ومنه قول كعب بن زهير (٢):
وقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُه ... لا أُلهِينَّك إنّي عنك مشغول
أي لا أَشْغَلُك عن شأنك وأمرك. وفي «المسند» (٣): «سألتُ ربّي أن لا يعذِّب اللاهينَ من أمتي»، وهم البُلْه الغافلون الذين لم يتعمَّدوا الذنوب، وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترِفوا ذنبًا.
فصل
وأما الناسي فهو ضربان: ناسٍ لليمين، وناسٍ للمحلوف عليه. فالأول ظاهر، والثاني: كما إذا حلف على شيء ففعله وهو ذاكر ليمينه، لكن نسي أن
стр. 2324
هذا هو المحلوف عليه بعينه، وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا، فأُنْسِيَه، ثم أكله وهو ذاكرٌ ليمينه، ثم ذكر أن هذا هو الذي حلف عليه؛ فهذا إن كان يعتقد أنه غير المحلوف عليه ثم بان [١٦١/أ] أنه هو فهو خطأ. وإن لم يخطر بباله كونُه المحلوفَ عليه ولا غيرَه فهو نسيان.
والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ أن الجاهل قصد الفعل ولم يظنَّه المحلوفَ عليه، والمخطئ لم يقصده، كما لو رمى طائرًا فأصاب إنسانًا.
والمُكْرَه نوعان: أحدهما: له فعل اختياري لكن محمول عليه، والثاني: مُلْجَأٌ لا فعَلَ له، بل هو آلة محضة.
و المتأوّل كمن يحلف أنه لا يكلِّم زيدًا وكاتبُه يعتقد أن مكاتبته ليست تكلُّمًا، وكمن يحلف أنه لا يشرب خمرًا فشرب نبيذًا مختلَفًا فيه متأولًا، وكمن حلَف لا يُرابِي فباع بالعِينة، أو لا يطأ فرجًا حرامًا فوطئ في نكاح تحليلٍ مختلفٍ فيه، ونحو ذلك. والتأويل ثلاث درجات: قريب وبعيد ومتوسط، ولا تنحصر أفراده.
والمعتقد أنه لا يحنث بفعله تقليدًا سواء كان المفتي مصيبًا أو مخطئًا، كمن قال لامرأته: إن خرجتِ من بيتي فأنت طالق، أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي، فأفتاه مفتٍ بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناءً على أن الطلاق المعلَّق لغوٌ كما يقوله بعض أصحاب الشافعي كأبي عبد الرحمن الشافعي وبعض أهل الظاهر كما صرَّح به صاحب «المحلى»، فقال (١):
стр. 2325
والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم.
و المغلوب على عقله كمن يفعل المحلوف عليه في حال سُكْر أو جنون أو زوالِ عقلٍ بشرب دواء أو بَنْج أو غضب شديد ونحو ذلك.
والذي يظن أن امرأته طلُقت فيفعل المحلوف عليه بناءً على أنه لا يؤثِّر في الحنث، كما إذا قال: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم قال: إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق ثلاثًا، فقيل له: إن امرأتك قد كلَّمتْ فلانًا، فاعتقد صدقَ القائل وأنها قد بانت منه، ففعل المحلوف عليه بناءً على أن العصمة قد انقطعت، ثم بان له أن المخبر كاذب.
وكذلك لو قيل له: قد كلَّمتْ فلانًا، فقال: طلُقتْ مني ثلاثًا، ثم بان أنها لم تكلِّمه. ومثل ذلك لو قيل له: إن امرأتك قد مُسِكَتْ تشرب الخمر مع فلان، فقال: هي طالق ثلاثًا، ثم ظهر كذبُ المخبر، وأن ذلك لم يكن منه شيء. فاختلف الفقهاء في ذلك اختلافًا لا ينضبط.
فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك؛ إذ هو الصواب بلا ريب، وعليه تدل الأدلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها، وهو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة (١) والمعصية في الأمر والنهي، ولو فعل المكلَّف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيًا، فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثًا.
يوضِّحه أنه إنما عقد يمينه على فعلِ ما يملكه، والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته، فما فعله في تلك الأحوال لم
стр. 2326
يتناوله يمينه، ولم يقصد منع نفسه منه.
يوضِّحه أن الله سبحانه قد رفع (١) المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره، فإلزامه بالحنث أعظمُ مؤاخذةً لما تجاوز الله عن المؤاخذة به، كما أنه سبحانه لما تجاوز للأمة عما حدَّثتْ به أنفسها [١٦٢/أ] لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام.
يوضِّحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به، ولهذا هو عفْوٌ لا يكون به مطيعًا ولا عاصيًا.
يوضِّحه أن الله سبحانه إنما رتّب الأحكام على الألفاظ؛ لدلاتها على قصدِ المتكلم بها وإرادتِه، فإذا تيقَّنَّا أنه قصد كلامها، ولم يقصد معانيها، ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث، فإن الشارع لا يُلزِمه بما لم يقصده، بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك.
يوضِّحه أن اللفظ دليل على القصد، فاعتُبِر لدلالته عليه، فإذا علمنا يقينًا خلافَ المدلول لم يجزْ أن نجعله دليلًا على ما تيقّنا خلافه.
وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرةً إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأً، ولم يُلزِمه شيئًا من ديته، بل حمَّلها غيرَه، فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الأيمان؟ هذا من الممتنع على الشارع.
وقد رفع النبي ﷺ المؤاخذة عمن أكل أو شرب في نهار رمضان ناسيًا لصومه (٢)، مع أن أكله وشربه فعلٌ لا يمكن تداركُه، فكيف يؤاخِذه بفعل
стр. 2327
المحلوف عليه ناسيًا ويطلّق عليه امرأته ويُخرِب بيته ويشتِّت شَمْلَه وشمْلَ أولاده وأهله، وقد عفا له عن الأكل والشرب في نهار الصوم ناسيًا؟
وقد عفا عمّن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدًا غير ناسٍ لمَّا تأوَّل الخيط الأبيض والأسود بالحبلين المعروفين، فجعل يأكل حتى تبينَا له وقد طلع النهار، وعفا له عن ذلك (١)، ولم يأمره بالقضاء لتأويله، فما بال الحالف المتأول لا يُعفَى له عن الحنث، بل يخرب بيته، ويفرِّق بينه وبين حبيبته، ويشتِّت شملَه كل مشتَّت؟
وقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدًا، ولم يأمره بالإعادة لما كان جاهلًا بالتحريم لم يتعمَّد مخالفة حكمه، فألغى كلامه، ولم يجعله مُبطِلًا للصلاة، فكيف لا يَقتِدي به ويُلغي قولَ الجاهل وفعلَه في باب الأيمان ولا يُحنِّثه كما لم يؤثِّمه الشارع؟
وإذا كان قد عفا عمن قدَّم شيئًا أو أخَّره من أعمال المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانًا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانًا، فكيف يحنث من قدَّم ما حلف على تأخيره أو أخَّر ما حلف على تقديمه ناسيًا أو جاهلا؟
وإذا كان قد عفا عمن حمل القذَرَ في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا به، فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به؟ وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق؟ وكيف يحنِّث الشارعُ من لم يتعمَّد الحنث؟ وهل هذا إلا بمنزلة تأثيمه مَن لم يتعمد الإثم وتكفيره من لم يتعمد
стр. 2328
الكفر؟ وكيف يُطلّق أو يُعتق على من لم يتعمَّد الطلاق والعتاق، ولم يطلّق على الهازل إلا لتعمُّده فإنه تعمَّد الهزل ولم يُرِد حكمه، وذلك ليس إليه بل إلى الشارع، فليس الهازل معذورًا، بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي.
وبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي أن [١٦٢/ب] لا يحنث الحالف (١) في جميع ما ذكرنا, ولا يطَّرِد على القياس ويَسْلَم من التناقض إلا هذا القول.
وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وإن سَلِم من التناقض لكن قوله مخالف لأصول الشريعة وقواعدها وأدلتها.
ومن حنَّث في بعض ذلك دون بعض تناقضَ، ولم يطَّرد له قول، ولم يَسْلَم له دليل عن المعارضة.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك؛ ففيه (٢) ثلاث روايات:
إحداها: أنه لا يحنَث في شيء من الأيمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه، سواء كانت من الأيمان المكفَّرة أو غيرها. وعلى هذه الرواية فيمينه باقية لم تنحلَّ بفعل المحلوف عليه مع النسيان والجهل؛ لأن اليمين كما لم تتناول حالة الجهل والنسيان بالنسبة إلى الحنث لم تتناولها بالنسبة إلى البر؛ إذ لو كان فاعلًا للمحلوف عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلًا له بالنسبة إلى الحنث.
стр. 2329
وهذه الرواية اختيار شيخ الإسلام (١) وغيره، وهي أصح قولَي الشافعي اختاره جماعة من أصحابه.
والثانية: يحنَث في الجميع، وهي مذهب أبي حنيفة ومالك.
والثالثة: يحنَث في اليمين التي لا تكفّر كالطلاق والعتاق، ولا يحنث في اليمين المكفَّرة، وهي اختيار القاضي وأصحابه.
والذين حنَّثوه مطلقًا نظروا إلى صورة الفعل، وقالوا: قد وُجدت المخالفة.
والذين فرَّقوا قالوا: الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط، فإذا وُجد الشرط وجد المشروط، سواء كان مختارًا لوجوده أو لم يكن.
كما لو قال: «إن قدم زيد فأنت طالق» فإن فعل المحلوف عليه في حال جنونه، فهل هو كالنائم فلا يحنث أو كالناسي فيجري فيه الخلاف؟ على وجهين في مذهب الإمام أحمد والشافعي، أصحهما أنه كالنائم لأنه غير مكلَّف.
ولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده وأجيره، ففعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا، فهو كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيًا أو جاهلًا، هو على الروايات الثلاث (٢)، وكذلك هو على القولين في مذهب الشافعي، فإن منعه لمن يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه؛ فلو حلف لا يسلِّم على زيد، فسلَّم على جماعة هو فيهم ولم يعلم، فإن لم نحنِّث الناسي فهذا أولى
стр. 2330
بعدم الحنث لأنه لم يقصده، والناسي قد قصد التسليم عليه، وإن حنَّثنا الناسي هل يحنث هذا؟ على روايتين:
إحداهما: يحنث لأنه بمنزلة الناسي؛ إذ هو جاهل بكونه معهم.
والثانية ــ وهي أصح ــ: أنه لا يحنث، قاله أبو البركات (١) وغيره.
وهذا يدّل على أن الجاهل أعذرُ من الناسي، وأولى بعدم الحنث. وصرَّح به أصحاب الشافعي في الأيمان، ولكن تناقضوا كلهم في جعل الناسي في الصوم أولى بالعذر من الجاهل، ففطَّروا الجاهلَ دون الناسي. وسوَّى شيخنا بينهما، وقال (٢): الجاهل أولى بعدم الفطر من الناسي. فسَلِم من التناقض.
وقد سوَّوا بين الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا [١٦٣/أ] ولم يعلم حتى فرغ منها، فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين. وقد سوَّى الله سبحانه بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة، وسوَّى بينهما النبي ﷺ في قوله: «إن الله تجاوزَ لي عن أمتي الخطأَ والنسيانَ» (٣)، فالصواب التسوية بينهما.
فصل
وأما إذا فعل المحلوف عليه مُكرَهًا فعن أحمد روايتان منصوصتان، إحداهما: يحنث في الجميع، والثانية: لا يحنث في الجميع، وهما قولان
стр. 2331
للشافعي. وخرَّج أبو البركات (١) رواية ثالثة أنه يحنث في اليمين (٢) بالطلاق والعتاق دون غيرهما من الأيمان، مِن نصِّه على الفرق في صورة الجاهل والناسي.
فإن أُلجِئ وحُمِل أو فُتح فمه وأُوجِرَ (٣) ما حلف أن لا يشربه: فإن لم يقدر على الامتناع لم يحنث، وإن قدر على الامتناع فوجهان. وإذا لم يحنث فاستدام ما أُلجِئ عليه كما لو أُلجِئ دخولَ دارٍ حلفَ أن لا يدخلها، فهل يحنث؟ فيه وجهان. ولو حلف على غيره ممن يقصد منعه على ترك فعلٍ ففعلَه مُكرَهًا أو مُلجَأً فهو على هذا الخلاف سواء.
فصل
أما المتأوِّل فالصواب أنه لا يحنث كما لم يأثم في الأمر والنهي، وقد صرَّح به الأصحاب فيما لو حلف أن لا يفارق غريمَه حتى يقبض حقَّه فأحاله به، ففارقه يظنُّ أن ذلك قبض، وأنه برَّ في يمينه، فحكوا فيه الروايات الثلاث. وطَرْد هذا كلّ متأول ظنَّ أنه لا يحنث بما فعله؛ فإن غايته أن يكون جاهلًا بالحنث، وفي الجاهل الرواياتُ الثلاث.
وإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلد أو (٤) أولى، فإذا حلف بالطلاق أن لا يكلِّم فلانًا أو لا يدخل داره فأفتاه مفتٍ بعدم وقوع
стр. 2332
الطلاق في هذه اليمين، اعتقادًا لقول علي بن أبي طالب (١) وطاوس (٢) وشُريح (٣)، أو اعتقادًا لقول أبي حنيفة والقفّال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط، أو اعتقادًا لقول أشهب ــ وهو أجلُّ أصحاب مالك ــ إنه إذا علّق الطلاق بفعل الزوجة لم يحنث بفعلها، أو اعتقادًا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب الشافعي إن الطلاق المعلَّق لا يصح، كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلّق، وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر= لم يحنث (٤) في ذلك كله، ولم يقع الطلاق.
ولو فُرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولًا مقلّدًا ظانًّا أنه لا يحنث به، فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي، وغاية ما يقال (٥): إنه مفرِّط حيث لم يستقصِ، ولم يسأل غيرَ من أفتاه، وهذا بعينه يقال في الجاهل: إنه مفرِّط حيث لم يبحثْ ولم يسأل عن المحلوف عليه، فلو صحَّ هذا الفرق لبطل عذر الجاهل البتةَ. كيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرًا واحدًا أو أجرين؟ والنبي ﷺ لم يؤاخذ خالدًا في تأويله حين
стр. 2333
قتل بني جَذِيمة بعد إسلامهم (١). [١٦٣/ب] ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل التأويل (٢). ولم يؤاخذ من أكل نهارًا في الصوم عمدًا لأجل التأويل (٣). ولم يؤاخذ أصحابه حين قتلوا من سلَّم عليهم وأخذوا غُنَيْمتَه لأجل التأويل (٤). ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصومَ والصلاة لأجل التأويل (٥). ولم يؤاخذ عمر حين ترك الصلاة لما أجنبَ في السفر ولم يجدْ ماء لأجل التأويل (٦). ولم يؤاخذ مَن تمعَّكَ في التراب كتمعُّك الدابة وصلَّى لأجل التأويل (٧).
وهذا أكثر من أن يُستقصى.
وأجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدرٌ في قتالهم في الفتنة، قال الزهري: وقعت الفتنةُ وأصحابُ رسول الله ﷺ كلهم متوافرون، فأجمعوا على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدرٌ، أنزلوهم منزلةَ الجاهلية (٨).
стр. 2334
ولم يؤاخذ النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ حين رمى حاطب بن أبي بَلْتَعة المؤمن البدريَّ بالنفاق لأجل التأويل (١). ولم يؤاخذ أُسَيد بن حُضَير بقوله لسعد سيد الخزرج: «إنك منافق تُجادِل عن المنافقين» لأجل التأويل (٢). ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدُّخْشُم: «ذاك منافقٌ، نرى وجهَه (٣) وحديثَه إلى المنافقين» لأجل التأويل (٤). ولم يؤاخذ عمرَ بن الخطاب ﵁ حين ضرب صدر أبي هريرة حتى وقع على الأرض، وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله ﷺ بأمره، فمنعه عمر وضربه وقال: «ارجِعْ»، وأقرَّه رسول الله ﷺ على فعله، ولم يؤاخذه لأجل التأويل (٥).
وكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الأموال والقضاء في العبادات، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يفرِّق بين رجل وامرأته لأمرٍ يخالف مذهبه وقوله الذي قلّد فيه بغير حجة إذا كان الرجل قد تأوَّل وقلَّد من أفتاه بعدم الحنث، ولا يحلُّ له أن يحكم عليه بأنه حانثٌ في حكم الله ورسوله، ولم يتعمَّد الحنث، بل هذا فِريةٌ على الله ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل الهوى إلى هذا الحدّ فصاحبه تحت الدرك، وله مقامٌ وأيُّ مقامٍ بين يدي الله يومَ لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلَّده، والله المستعان.
стр. 2335
وإذا قال الرجل لامرأته: «أنتِ طالق ثلاثًا لأجل كلامكِ لزيد وخروجكِ من بيتي» فبانَ أنها لم تكلِّمه ولم تخرج من بيته= لم تَطْلُق، صرَّح به الأصحاب. قال ابن أبي موسى في «الإرشاد» (١): فإن قال: «أنتِ طالق أن دخلتِ الدار» بنصب الألف، والحالف من أهل اللسان، فإن كان تقدَّم لها دخولٌ إلى تلك الدار قبل اليمين طلُقتْ في الحال؛ لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل، وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تَطْلُقْ، وإن دخلت الدار بعد اليمين، إذا كان الحالف قصدَ بيمينه الفعلَ الماضي دون المستقبل، لأنّ ذلك يَعني: إن كنتِ دخلتِ الدار فأنتِ طالق. وإن كان الحالف جاهلًا باللسان. [١٦٤/أ] وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل، فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقتْ بما حلف به قولًا واحدًا. وإن كان تقدَّم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا؟ على وجهين أصحهما لا يحنَث.
والمقصود أنه إذا (٢) عُلِّل الطلاق بعلة ثم تبيَّن انتفاؤها فمذهب أحمد أنه لا يقع به الطلاق، وعند شيخنا (٣) لا يشترط ذِكْره التعليلَ بلفظه، ولا فرقَ عنده بين أن يطلِّقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبيَّن انتفاؤها لم يقع به الطلاق. وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره. فإذا قيل له: امرأتك قد شربتْ مع فلان وباتَتْ عنده، فقال: اشهدوا عليَّ أنها طالق ثلاثًا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمةً
стр. 2336
تصلِّي، فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعًا. وليس بين هذا وبين قوله «إن كان الأمر كذلك فهي طالق ثلاثًا» فرقٌ البتةَ، لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع، فإيقاع الطلاق بهذا وهمٌ محض؛ إذ يُقطَع بأنه لم يُرِد طلاق من ليست كذلك، وإنما أراد طلاقَ من فعلَتْ ذلك.
وقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي ــ منهم الغزالي والقفَّال وغيرهما ــ الرجل يمرُّ على المَكَّاس (١) برقيقٍ له، فيطالبه بمَكْسهم، فيقول: «هم أحرار» ليتخلَّص من ظلمه، ولا غرضَ له في عتقهم= أنهم لا يعتقون. وبهذا أفتينا نحن تجَّارَ اليمن لما قدِموا منها ومرُّوا على المكّاسين فقالوا لهم ذلك.
وقد صرَّح أصحاب الشافعي (٢) في باب الكتابة بما إذا دفع إليه العوض فقال: «اذهبْ فأنت حرٌّ» بناء على أنه قد سلّم له العوض، فظهر العوض مستحقًّا ورجع به عليه صاحبه= أنه لا يعتق. وهذا هو الفقه بعينه.
وصرَّحوا (٣) أن الرجل لو علَّق طلاق امرأته بشرطٍ، فظنّ أن الشرط قد وقع فقال: «اذهبي فأنتِ طالق» وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط، فبان أن الشرط لم يوجد= لم يقع الطلاق. ونص على ذلك شيخنا (٤)
стр. 2337
قدَّس الله روحه (١).
ومن هذا القبيل: لو قال «حلفتُ بطلاق امرأتي ثلاثًا أن لا أفعلَ كذا» وكان كاذبًا ثم فعَلَه= لم يحنث، ولم تطلَّق عليه امرأته. قال الشيخ في «المغني» (٢): إذا قال: حلفتُ، ولم يكن حلفَ، فقال الإمام أحمد: هي كذبةٌ ليس عليه يمين. وعنه: عليه الكفارة؛ لأنه أقرَّ على نفسه. والأول هو المذهب لأنه حكمٌ فيما بينه وبين الله تعالى، فإذا كذبَ في الخبر به [لم يلزمه حكمه]، كما لو قال: «ما صلّيتُ» وقد صلَّى.
قلت: قال أبو بكر عبد العزيز: باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق واليمينِ كاذبًا. قال في رواية الميموني: إذا قال: «قد حلفتُ بيمين» ولم يكن حلفَ فعليه كفارة يمين، فإن قال: «قد حلفتُ بالطلاق» ولم يكن حلف يلزمه الطلاق، ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث. وقال في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول: قد حلفتُ، ولم يكن حلفَ: فهي كذبةٌ ليس عليه [١٦٤/ب] يمين. فاختلف أصحابنا على ثلاثة طرق:
إحداها: أن المسألة على روايتين.
والثانية وهي طريقة أبي بكر، قال عقيب حكاية الروايتين: قال عبد العزيز في الطلاق: يلزمه، وفيما يكون (٣) من الأيمان: لا يلزمه.
والطريقة الثالثة: أنه حيثُ ألزمه أراد به في الحكم، وحيث لم يُلزِمه
стр. 2338
يعني فيما بينه وبين الله. وهذه الطريقة أفقهُ وأطردُ على أصول مذهبه، والله أعلم.
فصل
وأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل والخطأ وبين الإكراه والعجز، ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك.
قالوا (١): من حلف أن لا يفعل حنِثَ بحصول الفعل، عمدًا أو سهوًا أو خطأً، واختار أبو القاسم السُّيُوري ومن تبعه من محققي الأشياخ أنه لا يحنث إذا نسي اليمين، وهذا اختيار القاضي أبي بكر ابن العربي.
قالوا: ولو أكره لم يحنث.
فصل
في تعذُّر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه .
قال أصحاب مالك (٢): من حلف على شيء ليفعلنَّه، فحِيلَ بينه وبين فعله، فإن أجَّل أجلًا فامتنع الفعل لعدم المحلّ وذهابه، كموت العبد المحلوف على ضربه، أو الحمامة المحلوف على ذبحها= فلا حنثَ عليه بلا خلاف منصوص. وإن امتنع الفعل لسبب مَنْعِ الشرعِ، كمن حلفَ ليطأنَّ زوجته أو أمتَه فوجدها حائضًا، فقيل: لا شيء عليه.
قلت: وهذا هو الصواب، لأنه إنما حلف على وطءٍ يملكه، ولم يقصد
стр. 2339
الوطء الذي لم يملِّكه الشارع إياه، فإن قصده حنث. وهكذا في صورة العجز الصوابُ أنه لا يحنث؛ فإنه (١) إنما حلف على شيء يدخل تحت قدرته، ولم يلتزم فعْلَ ما لا يقدر عليه، فلا تدخل حالة العجز تحت يمينه، وهذا بعينه قد قالوه في المُكْرَه والناسي والمخطئ، والتفريق تناقض ظاهر؛ فالذي يليق بقواعد أحمد وأصوله أنه لا يحنث في صورة العجز، سواء كان العجز لمنع شرعي أو منع كوني قدري، كما هو قوله فيما لو كان العجز لإكراهِ مكرِهٍ، ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرَّجة من أصوله المذكورة، وهذا من أظهر التخريج.
فلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلَّص من الحنث؟ فيه وجهان في مذهب أحمد ومالك، أحدهما: يتخلَّص وإن أثِمَ بالوطء، كما لو حلف بالطلاق ليشربنَّ هذا الخمر فشربه فإنه لا تطلَّق عليه زوجته. والثاني: لا يبرُّ؛ لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح، فلا تتناول يمينُه المحرَّم. فيقال: إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعًا لم تتناول يمينه المحرَّم فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل، وهذا ظاهر. وحرفُ المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوز عنه لا شرعًا ولا قدرًا، فلا يحنث بتركه.
وإن كان الامتناع بمنع ظالمٍ كالغاصب والسارق أو غيرِ ظالم كالمستحق، فهل يحنث أم لا؟ قال أشهب: لا يحنث، وهو الصواب لما ذُكر. وقال غيره من أصحاب [١٦٥/أ] مالك: يحنث؛ لأن المحلَّ باقٍ، وإنما حِيلَ بينه وبين الفعل فيه، وللشافعي في هذا الأصل قولان.
стр. 2340
قال أبو محمد الجويني: ولو حلف ليشربنَّ ما في هذه الإداوة غدًا فأُرِيقَ قبل الغد بغير اختياره فعلى قولي الإكراه، قال: والأولى أن لا يحنث، وإن حنَّثنا المُكْرَه لعجزِه عن الشرب وقدرةِ المكره على الامتناع.
فجعل الشيخ أبو محمد العاجز أولى بالعذر من المكره، وسوَّى غيره بينهما، ولا ريبَ أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد لهذا القول؛ فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في اليمين، وكما أن أمره ونهيه مَنوطٌ بالقدرة فلا واجبَ مع عجزٍ ولا حرامَ مع ضرورةٍ، فكذلك الحضّ والمنع في اليمين إنما هو مقيَّد بالقدرة.
يوضحه أن الحالف يعلم سرَّ نفسه أنه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز عنه، وإنما التزمه مع قدرته عليه، ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أو إكراه، ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل، وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية، وهو مقتضى أصول الإمام أحمد، وإن كان المنصوص عنه خلافه، فإنه قال في رواية ابنه صالح (١): إذا حلف أن يشرب هذا الماء الذي في هذا الإناء فانصبَّ فقد حنث، ولو حلف أن يأكل رغيفًا فجاء كلب فأكله فقد حنث؛ لأن هذا لا يقدر عليه.
وقال في رواية جعفر بن محمد: إذا حلف الرجل (٢) على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله، فهرب منه مخاتلةً، فإنه يحنث.
стр. 2341
وهذا وأمثاله من نصوصه بناء على قوله في المكره والناسي والجاهل «إنه يحنث» كما نص عليه، فإنه قال في رواية أبي الحارث: إذا حلف أن لا يدخل الدار فحُمِل كرهًا فأُدخِل فإنه يحنث (١). وكذلك نصَّ على حنث الناسي والجاهل، فقد جعل الناسي والجاهل والمكره والعاجز بمنزلة.
ونصَّ في رواية أبي طالب: إذا حلف لا يدخل الدار فحُمل كرهًا فأُدخِل فلا شيء عليه.
وقد قال في رواية أحمد بن القاسم: والذباب يدخل حلق الصائم، والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلقَ (٢) الآخر، وكل أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره.
وتواترت نصوصه فيمن أكل في رمضان أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه؛ فقد سوَّى بين الناسي والمغلوب، وهذا محض القياس والفقه، ومقتضى ذلك التسوية بينهما في باب الأيمان كما نصَّ عليه في المُكْرَه، فتخرج مسألة العاجز والمغلوب على روايتين، بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي والجاهل، كما تقدَّم بيانه، وبالله التوفيق.
فصل
المخرج السادس: أخْذُه بقول من يقول: إن التزام الطلاق لا يلزم، ولا
стр. 2342
يقع به طلاق إذا (١) حنِث، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام، كقوله: «الطلاق يلزمني، أو [١٦٥/ب] لازمٌ لي، أو ثابت عليَّ، أو حقٌّ عليَّ، أو متعينٌ عليَّ أو واجبٌ عليَّ إن فعلتُ، أو إن لم أفعلْ». وهذا مذهب أبي حنيفة، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه، وبه أفتى القفَّال في قوله: «الطلاق يلزمني». ونحن نذكر كلامهم بحروفه.
قال صاحب «الذخيرة» (٢) من الحنفية: لو قال لها: «طلاقكِ عليَّ واجب، أو لازم، أو فرض، أو ثابت»، ذكر أبو الليث خلافًا بين المتأخرين؛ فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: في قوله: «واجب» يقع بدون النية، وفي قوله: «لازم» لا يقع وإن نوى. وعلى هذا الخلاف إذا قال: «إن فعلتِ كذا فطلاقكِ عليّ واجب، أو قال: لازم، أو ثابت» ففعلتْ. وذكر القدوري في «شرحه» أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكلّ، وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكلّ، وعن محمد أنه يقع في قوله «لازم» ولا يقع في قوله «واجب». ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوعَ ومن اختار عدمه، فقال: وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل.
وقال القفال في «فتاويه»: إذا قال: «الطلاق يلزمني» فليس بصريح ولا كناية، حتى لا يقع به وإن نواه. ولهذا القول مأخذان:
أحدهما: أن الطلاق لا بدّ فيه من الإضافة إلى المرأة، ولم تتحقق الإضافة هاهنا، ولهذا لو قال: «أنا منك طالق» لم تطلُق، ولو قال لها: «طلِّقي
стр. 2343
نفسكِ» فقالت: «أنت طالق» لم تَطْلُق.
والمأخذ الثاني ــ وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة ــ: أنه التزام بحكم الطلاق، وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه، وكأنه قال: «فعليَّ أن أطلِّقك»، وهو لو صرح بهذا لم تطلُق بغير خلاف؛ فهكذا المصدر.
وسرُّ المسألة أن ذلك التزام لأن يطلِّق أو التزامٌ لطلاق واقع؛ فإن كان الالتزام لأن يطلِّق لم تطلُق، وإن كان التزامًا لطلاق واقع فكأنه قال: «إن فعلتِ كذا فأنت طالق طلاقًا يلزمني» طلُقت إذا وُجد الشرط. ولمن رجَّح هذا أن يحيل فيه على العرف؛ فإن الحالف لا يقصد إلا هذا، ولا يقصد التزام التطليق، وعلى هذا فيظهر أن يقال: إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلُق، وإن نوى وقوع الطلاق طلُقت، وهذا قول أبي يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي. ومن جعله صريحًا في وقوع الطلاق حكَّم فيه العرفَ وغلبةَ استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق، وهذا قول أبي المحاسن الروياني. والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح «التنبيه» وغيره.
وفي المسألة قولان آخران، وهما للحنفية:
أحدهما: أنه إن قال: «فالطلاق عليَّ واجب» يقع، نواه أو لم ينوه، وإن قال: «فالطلاق لي لازم» لا يقع، نواه أو لم ينوِه. ووجه هذا الفرق أن قوله «لازم» التزام لأن يطلِّق؛ فلا تطلُق بذلك، وقوله «واجب» إخبار عن وجوبه عليه، ولا يكون واجبًا إلا وقد وقع. ولمن سوَّى بينهما أن يقول: هو إيجابٌ للتطليق، أو إخبار عن وقوع الطلاق، ولا ريبَ أن [١٦٦/أ] اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله: «الطلاق يلزمني» سواء. وهذا هو الصواب، والفرق تحكُّم.
стр. 2344
والثاني: قول محمد بن الحسن، وهو عكس هذا القول، أن الطلاق يقع بقوله: «الطلاق لي لازم، أو يلزمني»، ولا يقع بقوله: «هو عليَّ واجب». وعلى هذا الخلاف قوله: «إن فعلتُ كذا فالعتق يلزمني، أو فعليَّ العتقُ، أو فالعتق لازم لي، أو واجب عليَّ».
فصل
المخرج السابع: أخْذُه بقول أشهب من أصحاب مالك، بل هو أفقههم على الإطلاق، فإنه قال: إذا قال الرجل لامرأته: «إن كلَّمتِ زيدًا، أو خرجتِ من بيتي بغير إذني» ونحو ذلك مما يكون من فعلها «فأنت طالق»، وكلّمتْ زيدًا أو خرجتْ من بيته تقصِد أن يقع عليها (١) الطلاق= لم تطلُق. حكاه أبو الوليد ابن رشد في كتاب الطلاق من كتاب «المقدِّمات» (٢) له.
وهذا القول هو الفقه بعينه، ولا سيما على أصول مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده، كحرمان القاتل ميراثَه من المقتول، وحرمان الموصى له وصيةَ مَن قتلَه بعد الوصية، وتوريث امرأة من طلَّقها في مرض موته فرارًا من ميراثها، وكما يقوله مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما ــ وقبلهما عمر بن الخطاب ﵁ ــ فيمن تزوَّج في العدة وهو يعلم: يفرَّق بينهما، ولا تحلُّ له أبدًا (٣)، ونظائر ذلك كثيرة. فمعاقبة المرأة هاهنا بنقيض قصْدِها هو محض الفقه والقياس، ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة
стр. 2345
المخيَّرة ومَن جعلَ طلاقها بيدها؛ لأن الزوج قد ملَّكها ذلك وجعله بيدها، بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه، ولا جعله بيدها باليمين، حتى لو قصد ذلك فقال: «إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق» أو «إن أبرأتِني من جميع حقوقك فأنتِ طالق» فأعطتْه أو أبرأتْه طلُقتْ.
ولا ريبَ أن هذا الذي قاله أشهب أفقهُ من القول بوقوع الطلاق؛ فإن الزوج إنما قصد حضَّها ومنعها، ولم يقصد تفويض الطلاق إليها، ولا خطرَ ذلك بقلبه، ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة. ومكانُ أشهب من العلم والإمامة غير مجهول؛ فذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «الانتقاء» (١) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: أشهب أفقهُ من ابن القاسم مائة مرة. وأنكر ابن كنانة (٢) ذلك وقال: ليس عندنا كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلِّمه. قال أبو عمر: أشهب شيخه، وابن القاسم شيخه، وهو أعلمُ بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذِه عنهما.
فصل
المخرج الثامن: أخْذُه بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم، ولا يقع على الحانث به (٣) طلاق، ولا يلزمه كفارة ولا غيرها. وهذا مذهب خلقٍ من السلف والخلف، صح ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٤).
стр. 2346
قال بعض فقهاء المالكية وأهل الظاهر: ولا يُعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظ أبي القاسم التميمي في «شرح أحكام عبد الحق» (١)، وقاله قبله أبو محمد ابن حزم (٢). وصح ذلك عن طاوس أجلِّ أصحاب ابن عباس [١٦٦/ب] وأفقهِهم على الإطلاق.
قال عبد الرزاق في «مصنفه» (٣): أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا. قلت: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.
وهذا أصحُّ إسنادٍ عمن هو من أجلِّ التابعين وأفقهِهم، وقد وافقه أكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس، ومن آخرهم أبو محمد بن حزم، قال في كتابه «المحلى» (٤): مسألة: واليمين بالطلاق لا يلزم، سواء برَّ أو حنِثَ، لا يقع به طلاق، ولا طلاقَ إلا كما أمر الله ، ولا يمينَ إلا كما شرع الله على لسان رسوله. ثم قرّر ذلك، وساق اختلاف الناس في ذلك، ثم قال (٥): فهؤلاء علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يُعرف لعلي في ذلك (٦) مخالفٌ من الصحابة ﵃.
стр. 2347
قلت: أما أثر علي فرواه حماد بن سلمة (١) عن حميد عن الحسن أن رجلًا تزوَّج امرأة، وأراد سفرًا، فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه إلى علي، فقال علي ﵁: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردَّها عليه.
ولا متعلَّق لهم بقوله «اضطهدتموه» لأنه لم يكن هناك إكراه، فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط، ومعلومٌ أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين، وليس في القصة أنهم أكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس وأخذ المال على اليمين حتى يكون يمينَ مُكْرَه، والسائلون لم يقولوا لعلي شيئًا من ذلك البتة، وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط، فنزَّل علي ﵁ ذلك منزلةَ المضطهد حيث لم يُرِد طلاق امرأته، وإنما أراد التخلُّص إلى سفره بالحلف، فالحالف والمضطهد كل منهما لم يُرِد طلاق امرأته، فالمضطهد محمول على الطلاق تكلَّم به ليتخلَّص من ضرر الإكراه، والحالف حلف به ليتوصَّل إلى غرضه من الحضّ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرهًا أو مختارًا لسأله علي ﵁ عن الإكراه وشروطه وحقيقته، وبأيِّ شيء أُكرِه، وهذا ظاهر بحمد الله، فارضَ للمقلِّد بما رضي لنفسه.
وأما أثر شُريح ففي «مصنف عبد الرزاق» (٢) عن هشام بن حسّان عن محمد بن سيرين عن شريح أنه خوصم إليه في رجل طلَّق امرأته إن أحدث
стр. 2348
في الإسلام حدثًا، فاكترى بغلًا إلى حمام أَعْينَ، فتعدَّى به إلى أصبهان، فباعه واشترى به خمرًا، فقال شريح: إن شئتم شهدتم عليه أنه طلَّقها، فجعلوا يردِّدون عليه القصة ويردِّد (١) عليهم. فلم يَرَه حدثًا.
ولا متعلَّقَ بقول الراوي ــ إما محمد وإما هشام ــ: «فلم يره حدثًا»، فإنما ذلك ظنٌّ منه.
قال أبو محمد (٢): وأيُّ حدثٍ أعظم ممن تعدَّى (٣) من حمام أعين، وهو على مسيرة أميالٍ يسيرة من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغْلَ [١٦٧/أ] مسلمٍ ظلمًا واشترى به خمرًا؟
قلت: والظاهر أن شريحًا لما ردَّ عليه (٤) المرأةَ ظنَّ مَن شاهد القصة أنه لم يرَ ذلك حدثًا؛ إذ لو رآه حدثًا لأوقع عليها الطلاق، وشريح إنما ردَّها لأنه علم أنه لم يقصد طلاق امرأته، وإنما قصد اليمين فقط، فلم يُلزِمه بالطلاق، فقال الراوي وفهِمَ (٥): فلم يرَ ذلك حدثًا، وشريح أفقهُ في دين الله أن لا يرى مثلَ هذا حدثًا.
وممن رُوي عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث: عكرمة
стр. 2349
مولى ابن عباس، كما ذكره سُنيد بن داود في «تفسيره» في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يكلِّم أخاه، فكلَّمه، فلم يرَ ذلك طلاقًا، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨].
ومن تأمَّل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع: صريح في عدم الوقوع، وصريح في الوقوع، وظاهر في عدم الوقوع، وتوقُّف عن الطرفين. فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريح في عدم الوقوع، وعن علي وشُريح ظاهر في ذلك، وعن ابن عيينة صريح في التوقُّف.
وأما التصريح بالوقوع فلا يؤثَر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط، كالمنقول عن أبي ذر (١)، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق، ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال: القياس أن الطلاق مثله، إلا أن تجمع الأمة عليه، فتوقَّف في الطلاق لتوهُّم الإجماع.
وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق، وهو ظنُّهم الإجماعَ (٢) على الوقوع، مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع، وإذا تبيَّن أنه ليس في المسألة إجماع تبيَّن أن لا دليل أصلًا يدل على الوقوع، والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غايةٍ من القوة والكثرة، وكثير منها لا
стр. 2350
سبيل إلى دفعه، فكيف يجوز معارضتها (١) بدعوى إجماع قد عُلم بطلانه قطعًا؟ فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب الله ولا أثرٌ عن رسول الله ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح. والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيًا، فكيف ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأَولى؟ والباقي من القياس المساوي، وهو قياس النظير على نظيره، والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحِكَم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما (٢) لم يدفعهم منازعوهم عنه بحجة أصلًا؟
وقولهم وسطٌ بين قولين متباينين غايةَ التباين:
أحدهما: قول من يعتبر التعليق فيُوقِع به الطلاقَ على كل حال، سواء كان تعليقًا قسميًّا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقًا شرطيًّا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط.
والثاني قول من يقول: [١٦٧/ب] إن هذا التعليق كله لغوٌ (٣) لا يصح بوجهٍ مَّا، ولا يقع الطلاق به البتةَ، كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء الله.
فهؤلاء توسَّطوا بين الفريقين، وقالوا: يقع الطلاق في صورة التعليق المقصود به وقوع الجزاء، ولا يقع في صورة التعليق القسمي، وحجتهم