← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فهذا كلام الشافعي بنصّه، ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه. وقد قال في الجديد في قتل الراهب (١): إنه القياس عنده، ولكن تركَه (٢) لقول أبي بكر الصديق ﵁. فقد أخبرنا أنه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب، فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل؟ وقال (٣): وفي الضلع بعير، قلته تقليدًا لعمر. وقال في موضع آخر (٤): قلته تقليدًا لعثمان. وقال في الفرائض (٥): هذا مذهب تلقَّيناه عن زيد. ولا تستوحِشْ من لفظة «التقليد» في كلامه، وتظنَّ أنها تنفي كون قوله حجةً بناءً على ما تلقَّيتَه من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة، فهذا اصطلاح حادث، وقد صرَّح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال (٦): قلت هذا تقليدًا للخبر. وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي. قال نعيم بن حماد (٧):

стр. 2382

حدثنا ابن المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة، وإلا فلا. قالوا: لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيفٍ، وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر. والذين قالوا «ليس بحجة» قالوا: لأن الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ، فلا يجب تقليده، ولا يكون قوله حجةً كسائر المجتهدين. ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعمُّ تقليدَ الصحابة (١) ومن دونهم. ولأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتُدَّ بخلافه [١٧٥/أ] عند أكثر الناس، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه؟ ولأن الأدلة قد انحصرتْ في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقولُ الصحابي ليس واحدًا منها. ولأن امتيازه بكونه أفضلَ وأعلمَ وأتقَى لا يوجب وجوبَ اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم. فنقول: الكلام في مقامين، أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة، الثاني: في الجواب عن شبه النُّفاة.

стр. 2383

فأما الأول فمن وجوه (١): أحدها (٢): ما احتجَّ به مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فوجه الدليل (٣) أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا فاتبعهم متبعٌ عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك وأن يستحقَّ الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين لم يستحقَّ من اتبعهم الرضوانَ إلا أن يكون عاميًّا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ. فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوك سبيل الاجتهاد؛ لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد، والدليل عليه قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، ومن قلَّدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودًا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان. وأيضًا فيجوز أن يُراد به اتباعهم في أصل الدين، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان، وإن أساؤوا؛ لقوله: «وما يُدرِيك أن الله قد اطَّلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غَفرتُ

стр. 2384

لكم» (١). وأيضًا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه. وأيضًا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه، وإنما يدلُّ على جواز تقليدهم، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء، أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى. أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه. فالجواب من وجوه: أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه، أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ونحوه= لا يتوقَّف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل. الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرقٌ بين السابقين وبين جميع الخلائق؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد، فمن قال قولًا بدليل صحيح وجب موافقته فيه. الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز، [١٧٥/ب] فإن لم تجُزْ فهو المطلوب، وإن جازت مخالفتهم فقد خُولفوا في خصوص الحكم واتُّبِعوا في جنس (٢) الاستدلال، فليس جَعْل

стр. 2385

من فعلَ ذلك متبعًا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جَعْلِه مخالفًا لمخالفته في عين الحكم. الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعًا لهم أصلًا، بدليل أن من خالف مجتهدًا من المجتهدين في مسألة بعد اجتهاده لا يصح أن يقال «اتبعَه»، وإن أطلق ذلك فلا بدَّ من تقييده بأن يقال: اتبعَه في الاستدلال أو الاجتهاد. الخامس: أن الاتباع افتعال من التَّبَع (١)، وكونُ الإنسان تابعًا لغيره نوعُ افتقارٍ إليه ومشْيٍ خلفه، وكل واحدٍ من المجتهدين المستدلّين ليس تبعًا للآخر ولا مفتقرًا إليه بمجرد ذلك، حتى يستشعرَ موافقتَه والانقيادَ له، ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلًا في اجتهاده أو فتواه اتفاقًا: إنه متَّبعٌ له. السادس: أن الآية قُصِد بها مدحُ السابقين والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير أن لا يكون قولهم موجبًا للموافقة ولا مانعًا من المخالفة ــ بل إنما يتبع القياس مثلًا ــ لا يكون لهم هذا المنصب، ولا يستحقُّون هذا المدح والثناء. السابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلُّوا به على ذلك الحكم، فلا يكون متبعًا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة، وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، لا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاصَ لها به؛ لأن ما يَنفِي الاتباع أخصُّ مما يُثبِته. وإذا وُجِد الفارق الأخصّ والجامع الأعمُّ ــ وكلاهما مؤثِّر ــ كان التفريق رعايةً

стр. 2386

للفارق أولى من الجمع رعايةً للجامع. وأما قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف؛ لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلًا عن أن يكون بإحسان، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباعٌ لهم، لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول، فلا بدَّ مع ذلك أن يكون المتبع محسنًا بأداء الفرائض واجتناب المحارم؛ لئلّا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولًا. وأيضًا فلا بدَّ أن يُحسِن المتبع لهم القولَ فيهم، ولا يقدحُ فيهم اشتراطُ (١) اللهِ ذلك، لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم. وهذا مثل قوله بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]. وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح؛ لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعًا لهم على الإطلاق لكنّا متَّبعين للمؤمنين من أهل الكتابين (٢)، ولم يكن فرقٌ بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها. وأيضًا فإنه إذا قيل «فلان يتبع فلانًا، واتبع فلانًا، وأنا متبعٌ فلانًا»، ولم يقيَّد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتَّى [١٧٦/أ] فيها الاتباع؛ لأن من اتبعه في حال وخالفه في حالٍ أخرى لم يكن

стр. 2387

وصفُه بأنه متبع بأولَى من وصفِه بأنه مخالف؛ ولأن الرضوان حكمٌ تعلَّق باتباعهم، فيكون الاتباع سببًا له؛ لأن الحكمَ المعلَّق بما هو مشتقٌّ يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببًا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، [إذ] (١) لا اختصاصَ للاتباع بحالٍ دون حالٍ؛ ولأن الاتباع يُؤذِن بكون الإنسان تبعًا لغيره وفرعًا عليه، وأصول الدين ليست كذلك؛ ولأن الآية تضمَّنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعَهم في أصول الدين والشرائع (٢) لم يكونوا أئمةً في ذلك، لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم. فصل وأما قولهم «إن الثناء على من اتبعهم كلهم»، فنقول: الآية اقتضَتْ الثناءَ على من اتبع كلَّ واحدٍ واحدٍ (٣) منهم، كما أن قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] يقتضي حصول الرضوان لكلِّ واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] وكذلك في قوله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾، لأنه حكم عُلِّق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين. وأيضًا فإن الأصل في الأحكام المعلَّقة بأسماء عامة ثبوتُها لكل فردٍ فردٍ من تلك المسمَّيات، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، وقوله: ﴿لَقَدْ

стр. 2388

رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وأيضًا فإن الأحكام المعلَّقة على المجموع يُؤتَى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، و قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فإن لفظ «الأمة» ولفظ «سبيل المؤمنين» لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ «السابقين»، فإنه يتناول كل فرد من السابقين. وأيضًا فالآية تعمُّ اتباعَهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتَّبع آحادهم فيما وُجِد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين. أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال «اتبع السابقين» لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرةً وهذا مرةً. وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قولُ (١) بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن أدَّى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضًا. أما إذا قال الرجل قولًا، ولم يخالفه غيره فلا يُعلم أن السابقين سوَّغوا خلافَ ذلك القول. وأيضًا فالآية تقتضي اتباعَهم مطلقًا، فلو فرضنا أن الطالب عَثَرعلى نصّ

стр. 2389

يخالف قول الواحد (١) منهم فقد علمنا أنه لو ظَفِر بذلك النصّ لم يَعدِلْ عنه. أما إذا رأينا رأيًا فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي. [١٧٦/ب] وأيضًا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلُّهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد عُلِم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين الأولين خلقٌ عظيم، ولم يُعلَم أنهم اجتمعوا إلا على ذلك؛ فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم بطلانه؛ إذ الاتباع في ذلك غير مؤثِّر. وأيضًا فجميع السابقين قد مات منهم أناسٌ في حياة رسول الله ﷺ ، وحينئذٍ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله ﷺ ، ثم لو فرضنَا أحدًا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يُمكِنهم اتباعُ جميع السابقين. وأيضًا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذّر، فكيف يتبعون كلَّهم في شيء لا يكاد يُعلَم؟ وأيضًا فإنهم إنما استحقُّوا منصبَ الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون كلٌّ منهم إمامًا للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة. فصل وأما قوله: «ليس فيها ما يوجب اتباعهم»، فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛ فلا يكون اتباعهم قولًا بغير علم، بل قولًا بعلم، وهو المقصود،

стр. 2390

وحينئذٍ فسواء سُمِّي (١) تقليدًا أو اجتهادًا. وأيضًا فإن كان تقليد العالم للعالم حرامًا ــ كما هو قول الشافعية والحنابلة ــ فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مَرضيٌّ، وإن كان تقليدهم جائزًا أو كان تقليدهم مستثنًى من التقليد المحرَّم فلم يقل أحد إنّ تقليد العلماء من موجبات الرضوان؛ فعُلِم أن تقليدهم خارج عن هذا، لأن تقليد العالم وإن كان جائزًا فتركُه إلى قول غيره أو إلى اجتهادٍ جائزٌ أيضًا بالاتفاق، والشيء المباح لا يستحقُّ به الرضوان. وأيضًا فإن رضوان الله غايةُ المطالب، لا يُنال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضلُ منه، فعُلِم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألةٍ (٢) اختلفوا فيها هم ومَن بعدهم، وأن اتباعهم دون مَن بعدهم هو الموجب لرضوان الله؛ فلا ريبَ أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه بلا شك، ومسائل الاجتهاد لا يتخيَّر الرجل فيها بين القولين. وأيضًا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، فأما العلماء فإما أن يكون مباحًا لهم أو محرَّمًا؛ إذ الاجتهاد أفضلُ منه لهم بغير خلاف، أو هو واجب عليهم، فلو أُريد باتباعهم التقليدُ الذي يجوز خلافه لكان للعامة في ذلك النصيبُ الأوفى، وكان حظُّ علماء الأمة من هذه الآية أبخسَ الحظوظ، ومعلومٌ أن هذا فاسد.

стр. 2391

وأيضًا فالرضوان عمَّن اتبعهم دليلٌ على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ؛ فإنه لو كان خطأً لكان غاية صاحبه [١٧٧/أ] أن يُعفَى له عنه، فإن المخطئ إلى أن يُعفَى عنه أقربُ منه إلى أن يُرْضَى عنه، وإذا كان صوابًا وجب اتباعه؛ لأن خلاف الصواب خطأ، والخطأ يحرُم اتباعه إذا عُلِم أنه خطأ، وقد عُلِم أنه خطأ بكونِ الصواب خلافه. وأيضًا فإذا كان اتباعهم موجِب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجِب الرضوان؛ لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده ولا عدمه؛ لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء، وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق هو ما يوجبه، وهذا المطلوب. وأيضًا فإنّ طلب رضوان الله واجب؛ لأنه إذا لم يُوجَد رضوانه فإما سخطه أو عفوه، والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة، وذلك لا يُباح مباشرته إلا بالنصّ، وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم، واتباعُ رضوانه واجب= كان اتباعهم واجبًا. وأيضًا فإنه إنما أثنى على المتَّبع بالرضوان، ولم يصرِّح بالوجوب؛ لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباعُ في الأفعال، ويقتضي تحريمَ مخالفتهم مطلقًا، فيقتضي ذمَّ المخطئ، وليس كذلك. أما الأقوال فلا وجهَ لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا الله . وأيضًا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضدِّه، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدَينِ وحالَينِ. أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو؛ فوجب

стр. 2392

اتباعه. فإن قيل: السابقون هم الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتباع مَن أسلم بعد ذلك؟ قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائلَ بالفرق، وكلُّ الصحابة سابقٌ بالنسبة إلى من بعدهم. فصل الوجه الثاني (١): قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١]، هذا قصَّه الله سبحانه عن صاحب ياسين على سبيل الرِّضا بهذه المقالة، والثناءِ على قائلها، والإقرارِ له عليها، وكل واحدٍ من الصحابة لم يسألنا أجرًا، وهم مهتدون بدليل قوله تعالى خطابًا لهم: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، و «لعلَّ» من الله واجب. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٦ - ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قَاتَلوا (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وكلٌّ منهم قاتلَ في

стр. 2393

سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه، فيكون الله قد هداهم، ومن هداه فهو مهتدٍ، فيجب اتباعه بالآية. الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وكلٌّ من الصحابة منيبٌ إلى الله فيجب [١٧٧/ب] اتباعُ سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبرِ سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله سبحانه أن الله سبحانه قد هداهم، وقد قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، فأخبر سبحانه أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله على بصيرة (١)، ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه؛ لقوله فيما حكاه عن الجنّ ورضِيَه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]، ولأن من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالمًا به، والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى وأذِنَ، والصحابة قد اتبعوا الرسول ﷺ ، فيجب إجابتُهم (٢) إذا دَعَوا إلى الله. الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، قال [ابن عباس] (٣): هم أصحاب محمد ﷺ (٤).

стр. 2394

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية، فيكون قد صفَّاهم من الأكدار، والخطأ من الأكدار، فيكونون مصفَّينَ منه. ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يَعْدُهم، فلا يكون قول بعضهم كدرًا؛ لأن مخالفة الكدر وبيانه يُزيل كونَه كدرًا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولًا ولم يخالف فيه، فلو كان قولًا باطلا ولم يردَّه رادٌّ لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي ﷺ في بعض أموره، فإنها لا تُخرِجه عن حقيقة الاصطفاء. الوجه السادس: أن الله تعالى شهد لهم بأنهم (١) أوتوا العلم بقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. واللام في «العلم» ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي بعث الله به نبيه ﷺ ، وإذا كانوا قد أُوتوا هذا العلمَ كان اتباعهم واجبًا. الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، شهِدَ لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يُفْتِ فيها إلا من أخطأ منهم= لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن المنكر؛ إذ الصواب معروف بلا شك،

стр. 2395

والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلًا عُلِمَ أن خطأ من تكلَّم (١) منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة. الوجه الثامن: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). ولا ريبَ أنهم أئمة الصادقين، وكل صادقٍ بعدهم فبهم يأتمُّ في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم [١٧٨/أ] في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، وحينئذٍ فيصدق عليه أنه ليس معهم، فتنتفي عنه المعية المطلقة، وإن ثبت له قِسطٌ من المعية فيما وافقهم فيه، فلا يَصدُق عليه أنه معهم بهذا القسط. وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحقُّ اسمَ المؤمن، وإن لم ينتفِ عنه مطلقُ الاسم الذي يستحقُّ لأجله أن يقال: معه شيء من إيمان. وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقهٍ وعلمٍ، وإن قيل: معه شيء من العلم. ففرقٌ بين المعية المطلقة ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله سبحانه لم يُرِد منّا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن

стр. 2396

نحصل من المعية ما يصدُق عليه الاسم. وهذا غلط عظيم في فهم مراد الربّ تعالى من أوامره؛ فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يُرِدْ منا أن نأتي من ذلك بأقلِّ ما يُطلَق عليه الاسم، وهو مطلق الماهية المأمور بها، بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك. وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدَّم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء. الوجه التاسع: قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر أنه جعلهم أمةً خِيارًا عَدْلًا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلُها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله سبحانه يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوَّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم؛ لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أَعلَمَ خلْقَه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلِّي عليهم وتدعوَ لهم وتستغفر لهم. والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدقٍ، فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقًا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به؛ فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم. فلو كان علمُهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالِفةً لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله، إما مع اشتهار فتوى الأول أو

стр. 2397

بدون اشتهارها= كانت هذه الأمة العدلُ الخيارُ قد أصفقَتْ (١) على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسمًا (٢) أفتى بالباطل، وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل، فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى مَن بعدهم قطعًا، ونحن نقول لِما (٣) خالف أقوالهم: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه. الوجه العاشر: أن (٤) قوله ﵎: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ [١٧٨/ب] وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ٧٨]، فأخبر سبحانه أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من «اجتبى الشيءَ يجتبيه» (٥) إذا ضمَّه إليه وحازَه إلى نفسه، فهم المجتَبَون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصَّته وصفوتَه من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم سبحانه أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، فيبذلوا له أنفسهم، ويُفرِدوه بالمحبة والعبودية، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحدَه إلههم ومعبودهم الذي يتقرَّبون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم وإرادتهم (٦) ومحبتهم، فيُؤثِرونه في كل حال على ما سواه، كما

стр. 2398

اتخذهم عبيدَه وأولياءه وأحبابه، وآثرهم بذلك على من سواهم. ثم أخبرهم سبحانه أنه يسَّر عليهم دينه (١) غايةَ التيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتةَ لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده سبحانه وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام؛ فيكون تعلُّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره (٢). ثم أخبر سبحانه أنه نوَّه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم، وسمّاهم عباده المسلمين قبل أن يُظهرهم، ثم نوَّه بهم وسمّاهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناءً بهم، ورفعةً لشأنهم، وإعلاءً لقدرهم. ثم أخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس؛ فيكونون مشهودًا لهم بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه وإشادة (٣) الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين. والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده سبحانه فمن المحال أن يَحرِمهم كلَّهم الصوابَ في مسألة، فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويَظفر فيها بالهدى مَن بعدهم، والله المستعان. الوجه الحادي عشر: قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر عن

стр. 2399

المعتصمين به أنهم قد هُدوا إلى الحق؛ فنقول: الصحابة معتصمون بالله فهم مهديُّون، فاتباعهم واجب. أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه، أحدها: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، ومعلومٌ كمال تولِّي الله سبحانه لهم ونصره إيّاهم أتمَّ نصرة، وهذا يدلُّ على أنهم اعتصموا به أتمَّ اعتصام، فهم مَهديُّون بشهادة الربّ لهم بلا شك، واتباع المهديّ واجب شرعًا وعقلًا وفطرةً بلا شك. وما يَرِد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه. الوجه الثاني عشر: قوله ﵎ عن أصحاب موسى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [١٧٩/أ] وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعلهم أئمةً يأتمُّ بهم مَن بعدهم لصبرهم ويقينهم؛ إذ بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله لا يتمُّ له أمره إلا بتيقُّنهِ للحق الذي يدعو إليه، وبصيرتِه به، وصبرِه على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاقِّ الدعوة، وكفِّ النفس عما يُوهِن عزمَه ويُضعِف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه. ومن المعلوم أن أصحاب محمد ﷺ أحقُّ وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أكمل يقينًا وأعظم صبرًا من جميع الأمم، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة. وهذا أمر ثابت لهم بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم، وشهادة الرسول لهم بأنهم (١) خير القرون، وأنهم خِيَرة الله وصفوته. ومن المحال على مَن هذا شأنهم أن يُخطئوا كلهم الحقَّ، ويَظفر به

стр. 2400

المتأخرون، ولو كان هذا ممكنًا لانقلبت الحقائق، وكان المتأخرون أئمةً لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حِسًّا وعقلًا فهو محال شرعًا، وبالله التوفيق. الوجه الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع كالأمَّة والأسوة. وقد قيل: هو جمعُ آمٍّ (١)، كصاحب وصِحاب، وراجل ورِجال، وتاجر وتِجار. وقيل: هو مصدر كقِتال وضِراب، أي ذَوي إمامٍ. والصواب الوجه الأول، فكلُّ من كان من المتقين وجب عليه أن يأتمَّ بهم، والتقوى واجبة، فالائتمام بهم واجب، ومخالفتهم فيما أفتَوا به مخالف للائتمام بهم. وإن قيل: «نحن نأتمُّ بهم في الاستدلال وأصول الدين» فقد تقدَّم مِن جواب هذا ما فيه كفاية. الوجه الرابع عشر (٢): ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح من وجوه متعددة أنه قال: «خيرُ القرون القرنُ الذي بُعِثتُ فيهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم» (٣). فأخبر ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي

стр. 2401

تقدُّمَهم (١) في كل باب من أبواب الخير، وإلا لكانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خيرَ القرون مطلقًا. فلو جاز أن يُخطئ الرجل منهم في حكمٍ وسائرُهم لم يُفتوا بالصواب، وإنما ظَفِرَ بالصواب مَن بعدهم، وأخطأوه هم لزِم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن. ثم هذا يتعدَّد في مسائل عدة؛ لأن من يقول «قول الصحابي ليس بحجة» يجوز عنده أن يكون مَن بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها (٢) الصحابي قولًا ولم يخالفه صحابيٌّ آخر، وفات هذا الصواب للصحابة (٣)، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، فكيف يكونون خيرًا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم [١٧٩/ب] بالصواب فيما يفوق العدَّ والإحصاء مما (٤) أخطؤوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكملُ الفضائل وأشرفها، فيا سبحان الله! أيُّ وصمةٍ أعظمُ من أن يكون الصدّيق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عُبادة بن الصامت وأضرابهم قد أخبر عن حكم الله أنه كيتَ وكيتَ في مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك (٥)، ولم يشتمل قَرنهم على ناطقٍ بالصواب في تلك المسائل، حتى نَبَغَ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق

стр. 2402

الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. الوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في «صحيحه» (١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: صلَّينا المغرب مع رسول الله ﷺ وقلنا: لو جلسنا حتى نصلِّي معه العشاء، فجلسنا، فخرج علينا فقال: «ما زِلْتم هاهنا؟» فقلنا: يا رسول الله، صلَّينا معك المغربَ ثم قلنا: نجلس حتى نصلّي معك العشاء. قال: «أحسنتم وأصبتم»، ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجومُ أَمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبتِ النجومُ أتى السماءَ ما تُوعد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدون». ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبةَ أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم هم بنبيهم ﷺ ، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضًا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنةً لهم وحِرزًا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يُخطئوا فيما أفتوا به ويَظفر به مَن بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحِرزًا لهم، وهذا من المحال. الوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد الله ابن بطَّة (٢) من حديث الحسن

стр. 2403

عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مَثَلَ أصحابي في أمتي كمَثَلِ الملح في الطعام، لا يصلُح الطعام إلا بالملح». قال الحسن: قد (١) ذهب مِلْحُنا فكيف نَصلُح؟ وروى ابن بطَّة (٢) أيضًا بإسنادين إلى عبد الرزاق أخبرنا مَعمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : «مَثلُ أصحابي في الناس كمَثَلِ الملح في الطعام». ثم يقول الحسن: هيهات! ذهب مِلحُ القوم. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا حُسين بن علي الجعفي عن أبي موسى ــ يعني إسرائيل ــ عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ أصحابي كمَثَلِ الملح في الطعام». قال: يقول الحسن: هل يَطيب الطعامُ إلا بالملح؟ ويقول الحسن: فكيف بقومٍ ذهبَ ملحُهم؟ ووجه الاستدلال أنه شبَّه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاحُ الطعام به، فلو جاز أن يُفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويَظفر به مَن بعدهم لكان مَن [١٨٠/أ] بعدهم مِلْحًا لهم، وهذا محال. يوضِّحه أن الملح كما أن به صلاحَ الطعام؛ فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطأوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملحٍ يُصلِحه، فإذا أفتى مَن بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان مِلْحًا لهم.

стр. 2404

الوجه السابع عشر: ما روى البخاري في «صحيحه» (١) من حديث الأعمش قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفقَ مِثلَ أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه». وفي لفظ (٢): «فوالذي نفسي بيده». وهذا خطابٌ منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مُسلِمة الحديبية والفتح، فإذا كان مُدُّ أحد أصحابه ونصيفُه أفضلَ عند الله من مِثلِ أحدٍ ذهبًا من مِثلِ خالد وأضرابه من الصحابة، فكيف يجوز أن يَحرِمَهم الله الصوابَ في الفتاوى ويَظفر به مَن بعدهم؟ هذا من أبينِ المحال. الوجه الثامن عشر: ما روى الحميدي حدثنا محمد بن طلحة قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عُوَيم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم وزراءَ وأنصارًا وأصهارًا» الحديث (٣). ومن المحال أن يَحرِم الله الصوابَ مَن اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره، ويُعطِيَه مَن بعدهم في شيء من الأشياء.

стр. 2405

الوجه التاسع عشر: ما روى (١) أبو داود الطيالسي (٢) حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح. ومن المحال أن يُخطئ الحقَّ في حكم الله خيرُ قلوب العباد بعد رسول الله ﷺ ويَظفَر به مَن بعدهم. وأيضًا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلُّهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنًا أو يكونوا رأوه قبيحًا، فإن كانوا رأوه حسنًا فهو حسنٌ عند الله، وإن كانوا رأوه قبيحًا ولم يُنكِروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان مَن أنكره بعدهم خيرًا منهم وأعلمَ، وهذا من أبين المحال. الوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد (٣) وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: من كان متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه

стр. 2406

الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هَدْيًا، وأحسَنها حالًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامةِ دينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم. ومن المحال أن يَحرِم الله أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلفًا، وأقومَها هديًا، الصوابَ [١٨٠/ب] في أحكامه، ويوفِّق له مَن بعدهم. الوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا معشرَ القراء، خُذوا طريقَ من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا (١). ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق مَن سبقَ إلى كل خير على الإطلاق. الوجه الثاني والعشرون: ما قاله جُندب بن عبد الله لفرقةٍ دخلت عليه من الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: يا أخابثَ (٢) خلقِ الله، في اتّباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟! اخرجوا عني (٣).

стр. 2407

ومن المعلوم أن من جوَّز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمَن بعدهم، وخالفَهم فيها= فقد اتبع الحقَّ في غير سنتهم، وقد دعاهم إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراءً على نفوسهم وعلى الصحابة. الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي (١) من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلتْ منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تعهَدُ إلينا؟ فقال: «عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشيٌّ كأنّ رأسَه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدثة [بدعة، وكل بدعة] (٢) ضلالة»، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به. فقَرَنَ سنة خلفائه بسنته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعضَّ عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفْتَوا به وسَنُّوه للأمة، وإن لم يتقدَّم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنتَه، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علَّق ذلك بما سنَّه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنُّوا ذلك وهم خلفاء في آنٍ واحد، فعُلِم أن ما سنَّه كل

стр. 2408

واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين. ورواه الإمام أحمد في «مسنده» (١) من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضَمْرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي سمع العرباض بن سارية (٢)، فذكر نحوه. الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي (٣) من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى رِبْعِي بن حِرَاش عن رِبْعِي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدُوا باللَّذَينِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهَدْي عمَّار، وتمسَّكوا بعهدِ ابن أم عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووجه الاحتجاج به ما تقدم في تقرير المتابعة. الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه» (٤) من حديث عبد الله بن رَباح عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «إن يُطِع القومُ أبا بكر وعمر يَرشُدوا». [١٨١/أ] وهو في حديث الميضأة الطويل، فجعل الرشد معلّقًا

стр. 2409

بطاعتهم (١)، فلو أفتَوا بالخطأ في حكمٍ وأصابه مَن بعدهم لكان الرشد في خلافهما (٢). الوجه السادس والعشرون: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القَعْقاع بن حكيم (٣) والأقرع بن حابس: «لو اتفقتما على شيء لم أخالِفْكما» (٤). فهذا رسول الله ﷺ يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا، ومن يقول قولهما ليس بحجة يجوِّز مخالفتهما، وبعض غُلاتهم يقول: لا يجوز الأخذُ بقولهما ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلَّدناه، وذلك موجود في كتبهم. الوجه السابع والعشرون: أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: «هذان السمع والبصر» (٥). أي هما منّي بمنزلة السمع والبصر، أو هما من

стр. 2410

الدين بمنزلة السمع والبصر، ومن المحال أن يُحرَم سمعُ الدين وبصرُه الصوابَ ويَظْفَر به من بعدهما. الوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه (١) من حديث ابن إسحاق عن مكحول عن غُضَيف بن الحارث عن أبي ذر قال (٢): مرَّ فتًى على عمر ﵁، فقال عمر: نعم الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفِرْ لي، فقال: يا أبا ذر، أَستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: استغفِرْ لي، قال: لا أو تُخبرنَّ (٣)، قال: إنك مررتَ على عمر فقال: نعم الفتى، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمر وقلبِه». ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألةٍ أفتى بها مَن جعلَ الله الحقَّ على لسانِه وقلبِه حظَّه (٤)، ولا ينكره عليه أحد من الصحابة، ويكون الصوابُ فيها حظَّ مَن بعده، هذا من أبينِ المحال.

стр. 2411

الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «قد كان فيمن خَلا من الأمم أناسٌ مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فهو عمر». وهو في «المسند» والترمذي (٢) وغيرهما من حديث أبي هريرة. والمحدَّث: هو المكلَّم الذي يُلقي الله في رُوْعِه الصوابَ يحدِّثه به المَلَك عن الله، ومن المحال أن يختلف هذا ومَن بعده في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المحدَّث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين، وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق: إما على لسان عمر، وإما على لسان غيره منهم، وإنما المحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدَّث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ، ثم يوفَّق له مَن بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة. الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مِشْرَح بن هَاعان عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر» (٣). وفي لفظ: «لو لم أُبعَثْ فيكم لبُعِثَ فيكم

стр. 2412

عمر» (١). قال الترمذي: حديث حسن. ومن المحال أن يختلف مَن هذا شأنه ومن بعده من (٢) [١٨١/ب] المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظُّ عمر منه الخطأَ وحظُّ ذلك المتأخر منه الصوابَ. الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليًّا ﵁ قال: ما كنَّا نُبعِد أن السكينة تَنْطِق على لسان عمر (٣). ومن المحال أن يكون مَن بعده مِن المتأخرين أسعدَ بالصواب منه في أحكام الله . ورواه عمرو بن ميمون وزِرّ (٤) عن علي.

стр. 2413

الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ عمر إلا وكأنَّ بين عينيه ملَكًا يسدِّده (١). ومعلوم قطعًا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة. الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: والله لو أنّ علْمَ عمر وُضِع في كِفَّة ميزانٍ وجُعِل علم أهل الأرض في كِفَّةٍ لرجَحَ علمُ عمر. فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسبُ عمر ذهبَ بتسعة أعشارِ العلم (٢). ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء. الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء وكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه (٣). فهذا ابن عباس ــ واتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف، حتى يخالف لِما قام عنده من الدليل أكابرَ الصحابة ــ يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة.

стр. 2414

الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «رضيتُ لأمتي ما رضيَ لها ابنُ أم عبدٍ» (١). كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلًا (٢). ولكن قد روى جعفر بن عون عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حُريث عن أبيه قال: قال النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: «اقْرَأْ» (٣) قال: أَقرأُ وعليك أُنزِل؟ قال: «إني أحِبُّ أن أَسمعه من غيري»، فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فاضَتْ عينَا رسولِ الله ﷺ وكفَّ عبد الله، فقال (٤) رسول الله ﷺ : «تكلَّم» (٥) فحمد الله في أول كلامه، وأثنى على الله، وصلَّى على النبي ﷺ ، وشهد شهادة الحق، وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ورضيتُ لكم ما رضي [الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 2415

«رضيتُ لكم ما رضي] (١) لكم ابن أم عبد» (٢). ومن قال: «ليس قوله بحجة، وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له» لم يرضَ للأمة ما رضِيَه له (٣) ابنُ أم عبد ولا ما رضِيَه رسول الله ﷺ . الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة: «قد بعثتُ إليكم [١٨٢/أ] عمار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاقتدُوا بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي» (٤). فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما، ومن لم يجعل قولهما حجةً يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماعُ أقوالهما إلا فيما أجمعتْ عليه الأمة، ومعلومٌ أن ذلك لا اختصاصَ لهما به، بل لا فرقَ فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة. الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عُبادة بن الصامت وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقولَ بالحق حيث كنّا، ولا نخافَ في الله لومة لائم (٥).

стр. 2416

ونحن نشهد بالله أنهم وَفَوا بهذه البيعة، وقالوا بالحق، وصَدَعوا به، ولم تأخذهم فيه لومةُ لائم، ولم يكتموا شيئًا منه مخافةَ سوطٍ ولا عصًا ولا أميرٍ ولا والٍ، كما هو معلوم لمن تأمَّله من هَدْيهم وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة (١)، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة (٢)، وأنكر ابن عمر على الحجّاج مع سطوته وبأسه (٣)، وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة (٤). وهذا كثير جدًّا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل، لم يخافوا سَوطهم ولا عقوبتهم، ومَن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة، بل كانوا يتركون كثيرًا من الحقّ خوفًا من ولاة الظلم وأمراء الجور، فمن المحال أن يوفَّق هؤلاء للصواب ويُحرَمه أصحاب رسول الله ﷺ . الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في «الصحيح» (٥) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رقِيَ المنبر فقال: «إنّ عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله». فبكى أبو بكر وقال: بل نَفْدِيك بآبائنا

стр. 2417

وأمهاتنا. فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي ﷺ عن رجلٍ خُيِّر فكان المخيَّر رسول الله ﷺ . وكان أبو بكر أعلَمَنا به، فقال النبي ﷺ : «إن أمنَّ الناس علينا في صحبته وذاتِ يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنْ أخوَّة الإسلام ومودَّتُه، لا يبقى في المسجد بابٌ إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر». ومن المعلوم أن فوتَ الصواب في الفتوى لِأعلمِ الأمة برسول الله ﷺ ولجميع الصحابة معه وظَفَرَ فلانٍ وفلان من المتأخرين به من أمحل المحال، ومن لم يجعل قوله حجةً يجوِّز ذلك، بل يحكم بوقوعه، والله المستعان. الوجه التاسع والثلاثون: ما رواه زائدة عن عاصم عن زِرٍّ عن عبد الله قال: لما قُبِض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر، فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيُّكم تَطِيْب نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر (١). ونحن نقول لجميع المفتين: أيُّكم تَطيب نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلَّدتموه بغيرها؟ ولا سيما من قال [١٨٢/ب] من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلَّدناه دينَنا، ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق ﵁.

стр. 2418

اللهم إنا نُشهِدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن نَطيبَ (١) به نفسًا. الوجه الأربعون: ما ثبت في «الصحيح» (٢) من حديث الزهري عن حمزة بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم إذْ أُتِيتُ بقَدَحِ لبنٍ، فقيل لي: اشربْ، فشربتُ منه، حتى إني لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أعطيتُ فَضْلي عمر»، قالوا: فما أوَّلتَ ذلك؟ قال: «العلم». ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فُتيا أو حكمٍ لا يُعلَم أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بهذه الشهادة. الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في «الصحيح» (٣) من حديث عبيد الله (٤) بن أبي يزيد عن ابن عباس ﵁ أنه وَضع للنبي ﷺ وضوءًا، فقال: «مَن وَضع هذا؟» قالوا: ابن عباس، فقال: «اللهم فقِّهه في الدين». وقال عكرمة (٥): ضمَّني إليه رسول الله ﷺ فقال: «اللّهمَّ علِّمه الحكمةَ». ومن المستبعد جدًّا بل الممتنع أن يفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله ﷺ بدعوة مستجابة قطعًا أن يفقِّهه في الدين ويعلِّمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ، ويفتي واحدٌ من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه، فيظفر به هو

стр. 2419

ومقلِّدوه، ويُحْرَمه ابن عباس والصحابة. الوجه الثاني والأربعون: أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديثٌ عن النبي ﷺ ولا اختلافٌ بين الصحابة، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا، ولم يُعلَم أن قوله وفتياه اشتهر في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذٍ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية والحوادث الفروعية، وتدرَّب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وارتوى من مَوْرِدها عَلَلًا ونَهَلًا= عَلِم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثَق (١) فيها بظاهر مراد، أو قياسٍ صحيح ينشرح له الصدر ويثلَج له الفؤاد، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجهٍ يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنّ رجحانٌ بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرِها، فإذا تلدَّدوا وتوقَّفوا، ولم يتقدَّموا ولم يتأخّروا= لم يكن ذلك وفي المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة؛ فإذا وُجِد فيها قولٌ لأصحاب رسول الله ﷺ والذين هم سادات الأمة وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، ونسبةُ مَن بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين= كان (٢) الظنُّ ــ والحالة هذه ــ بأن الصواب في جهتهم والحقُّ في جانبهم من أقوى الظنون، وهو أقوى من الظنّ المستفاد من كثير من الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي [١٨٣/أ] يوافق رأيَهم هو الرأي السَّداد الذي لا رأيَ سواه.

стр. 2420

وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظنٌّ راجح، ولو استند إلى استصحابٍ أو قياس علةٍ أو دلالةٍ أو شَبَهٍ أو عمومٍ مخصوص أو محفوظٍ مطلق أو واردٍ على سبب؛ فلا شك أن الظنَّ الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يُخالَف أرجحُ من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصولُ الظن الغالب في القلب ضروريٌّ لحصول (١) الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك. الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكمٍ أو أفتى بفُتيا فله مداركُ ينفرد بها عنّا، ومداركُ نشاركه فيها، فأما ما يختصّ به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شِفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ ، فإن ما انفردوا به من العلم عنّا أكثرُ من أن يُحاط به، فلم يروِ كلٌّ منهم كلَّ ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة إلى ما رووه؟ فلم يروِ عنه صدِّيق الأمة مائةَ حديث، وهو لم يغِبْ عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بُعِث بل قبل المبعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ وبقوله وفعله وهَدْيه وسيرته. وكذلك جِلَّة الصحابة روايتُهم قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه، ولو رووا كلَّ ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافًا مضاعفًا (٢)، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير. فقول القائل «لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي ﷺ لذكره» قولُ من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ
следующие страницы →