← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسَّعوهما أكثر مما يسَعانه. فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموه (١) منه نفَوه، وحمَّلوه الاستصحابَ (٢). وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في ردِّ الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقضَ أهلها في نفس القياس وتركِهم له، وأخذِهم بقياسٍ وتركِهم ما هو أولى منه. ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه (٣): أحدها: ردُّ القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علّته التي يجري النصُّ عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ. ولا يتوقَّف عاقل في أنَّ قول النبي ﷺ لمَن (٤) لعن عبدَ الله حمارًا على كثرة شربه للخمر: «لا تلعنه، فإنه يحبُ الله ورسوله» (٥) بمنزلة قوله: لا تلعنوا كلَّ من يحبُّ الله ورسوله، وفي أنَّ قوله: «إن الله ورسوله ينهاكم (٦) عن لحوم الحُمُر، فإنها رجس» (٧)

стр. 807

بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كلِّ رجس، وفي أنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نهىٌ عن كلِّ رجس، وفي أنَّ قوله في الهِرِّ: «ليست بنجَس، إنها من الطوّافين عليكم والطوّافات» (١) بمنزلة قوله: كلُّ ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس. ولا يستريب أحد في أنَّ من قال لغيره: «لا تأكل هذا (٢) الطعام، فإنه مسموم» نهْي له (٣) عن كلِّ طعام [٢٠٤/ب] كذلك، وإذا قال: «لا تشرب هذا الشراب، فإنه مسكِر» نهي له عن كلِّ مسكِر، و «لا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة» وأمثال ذلك. الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص. فكم من حكمٍ دلَّ عليه النصُّ ولم يفهموا دلالته عليه! وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرَّد ظاهر اللفظ، دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤) ضربًا ولا سبًّا ولا إهانةً غير لفظة «أفٍّ»، فقصَّروا في فهم الكتاب، كما قصَّروا في اعتبار الميزان. الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقُّه، وجزمهُم بموجَبه، لعدم علمهم بالناقل، وليس عدمُ العلم علمًا بالعدم.

стр. 808

وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ومراتبها. فالاستصحاب: استفعال من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفيِ ما كان منتفيًا (١). وهو ثلاثة أقسام: استصحابُ البراءة الأصلية، واستصحابُ الوصفِ المثبِت الحكمَ (٢) الشرعي حتى يثبُتَ خلافُه، واستصحابُ حكم الإجماع في محلِّ النزاع. فأما النوع الأول فقد تنازع الناس فيه. فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء، كما قاله بعض الحنفية. ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يُدفَع به من ادَّعى تغييرَ الحال، لا لإبقاءِ (٣) الأمر على ما كان، فإنَّ بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المغيِّر له. فإذا [٢٠٥/أ] لم نجد دليلًا نافيًا ولا مثبِتًا أمسكنا، لا نُثبِت الحكم ولا ننفيه، بل ندفع بالاستصحاب دعوى من يُثبته (٤). فيكون حال المتمسِّك بالاستصحاب كحال المعترِض مع المستدِلّ، فهو يمنعه الدلالةَ حتى يُثبتها، لا أنه يقيم دليلًا على نفي ما ادَّعاه. وهذا غير حال المعارِض، فالمعارض لون والمعترض لون. فالمعترض يمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلِّم دلالته ويقيم دليلًا على نقيضه.

стр. 809

وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه. قالوا: لأنه إذا غلب على الظن انتفاءُ الناقل غلب على الظن بقاءُ الأمر على ما كان عليه. ثم النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبِت للحكم حتى يثبت خلافه، وهو حجة، كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدَث، واستصحاب بقاء النكاح وبقاء المِلك وشَغْل الذمة بما تشتغل (١) به حتى يثبت خلاف ذلك. وقد دلَّ الشارعُ على تعليق الحكم به في قوله في الصيد: «وإن وجدتَه غريقًا فلا تأكله، فإنك لا تدري: الماءُ قتَله أو سهمُك» (٢)، وقوله: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على غيره» (٣). لما كان (٤) الأصل في الذبائح التحريم، وشكَّ هل وُجِد الشرط المبيح أم لا= بقَّى (٥) الصيدَ على أصله في التحريم. ولما كان الماء طاهرًا في الأصل بقَّاه (٦) على طهارته ولم يُزِلْها بالشكّ. ولما كان الأصل بقاء المتطهِّر [٢٠٥/ب] على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشكِّ في الحدث، بل

стр. 810

قال: «لا ينصرِفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا» (١). ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمرَ الشاكَّ أن يبني على اليقين، ويطرح الشكَّ (٢). ولا يعارض هذا رفعُه للنكاح المتيقَّن بقول الأمة السوداء: إنها أرضعت الزوجين (٣). فإن أصل الأبضاع على التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية. وقد عارض هذا الظاهرَ ظاهرٌ مثلُه أو أقوى منه، وهو الشهادة. فإذا تعارضا تساقطا، وبقي أصلُ التحريم لا معارض له. فهذا الذي حكم به النبيُّ ﷺ هو (٤) عين الصواب ومحض القياس. وبالله التوفيق. ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذُب المسألةِ أصلين متعارضين. مثاله: أن مالكًا منع الرجلَ إذا شكَّ هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ؛ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة، فإن أصلَ (٥) بقاءِ الصلاة في ذمته. فإن قلتم: لا نُخرجه من الطهارة [بالشك] (٦)، قال مالك: ولا نُدخِله في الصلاة بالشك، فيكون قد خرج منها بالشكِّ. فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم (٧):

стр. 811

ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك. قالوا: والحديث الذي تحتجُّون به من أكبر حججنا، فإنه منع المصلِّيَ بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقَّنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك؟ (١). ومن ذلك: لو شكَّ هل طلق واحدةً أو ثلاثًا، فإنّ مالكًا [٢٠٦/أ] يُلزِمه بالثلاث، لأنه تيقَّن طلاقًا، وشكَّ هل هو مما تُزيل أثرَه الرجعةُ أم لا؟ وقول الجمهور في هذه المسألة أصح، فإن النكاح متيقَّن، فلا يزول بالشك. ولم يعارض يقينَ النكاح إلا شكٌّ محضٌ، فلا يزول به. وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شكَّ في انتقاضها، فإن الأصل هناك شغلُ الذمة، وقد وقع الشكُّ في فراغها. ولا يقال هنا: الأصلُ (٢) التحريمُ بالطلاق وقد شككنا في الحِلِّ، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقَّن، وقد حصل الشكُّ فيما يرفعه. فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقَّن، ثم شكَّ في زواله. فإن قيل: هو متيقِّن للتحريم بالطلاق شاكٌّ في الحِلِّ بالرجعة، فكان جانبُ التحريم أقوى. قيل: ليست الرجعية بمحرَّمة، وله أن يخلو بها، ولها أن تتزيَّن له وتتعرَّض له، وله أن يطأها. والوطء رجعة عند الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعيُّ وحده (٣). وهي زوجه (٤) في جميع الأحكام إلا في القَسْم خاصّة. ولو سُلِّم أنها محرَّمة، فقولكم: «إنه متيقِّن للتحريم» إن أردتم

стр. 812

به التحريم المطلق، فهو (١) غير متيقَّن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث، فإن مطلق التحريم أعمُّ من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا يلزم من ثبوت الأعمِّ ثبوتُ الأخصِّ. وهذا في غاية الظهور. فصل (٢) القسم الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع. وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة؟ على قولين: أحدهما: أنه [٢٠٦/ب] حجة، وهو قول المزَني، والصَّيرفي (٣)، وابن شاقْلا، وابن حامد (٤)، وأبي عبد الله الرازي (٥). والثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد (٦)، وأبي الطيب الطبري، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب، والحُلْواني (٧)، وابن

стр. 813

الزاغوني. وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محلِّ النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة. فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يُستصحَب، إذ يمتنع دعوى الإجماع في محلِّ النزاع. والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته، أو لأمرٍ منتفٍ فيستصحب نفيه. قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محلِّ النزاع. وهذا حق، ونحن لم ندَّعِ الإجماع في محلِّ النزاع، بل استصحبنا حال المجمَع عليه حتى يثبت ما يزيله. قال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع، وقد زال الإجماع، زال الحكم لزوال دليله. فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبَتَ بغير دليل. قال المثبتون: الحكم كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثبوته، فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتَّى يلزمَ من زوال العلة زوالُ معلولها، ومن زوال السبب زوالُ حكمه. وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس الأمر مستند إلى نصٍّ أو معنى نصٍّ؛ فنحن نعلم أن الحكم المجمَع عليه ثابت في نفس الأمر. والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيًا [٢٠٧/أ] ويجوز أن يكون منتفيًا. لكن الأصل بقاؤه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته. وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الأول (١)، وإلى ما يُحدث الثاني، وإلى ما يُبقيه (٢)، فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر

стр. 814

إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير (١). وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ (٢) أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة. والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. ولكن (٣) لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل، ولا يجوز الاستدلال به (٤) لمن لم يعرف الأدلّة الناقلة، كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لم يعرف (٥) الأدلة الناقلة. وبالجملة، فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل. فإن قطَع المستدلُّ بانتفاء الناقل قطَع بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمد ﷺ وأنها (٦) غير منسوخة. وإن ظنَّ انتفاءَ الناقل، أو ظنَّ انتفاءَ دلالته= ظنَّ انتفاء النقل. وإن كان الناقل معنًى مؤثِّرًا (٧)، وتبيَّن له عدمُ

стр. 815

اقتضائه= تبيَّن له بقاءُ (١) النقل، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء، وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضًا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء. وهكذا كلُّ من وقع النزاعُ في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه، فإن الأصل بقاء طهارته؛ كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمسِّ [٢٠٧/ب] النساء لشهوة وغيرها، وبأكل ما مسَّته النار، وغسلِ الميت، وغير ذلك= لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتبيَّن (٢) له بطلانُ ما يوجب الانتقال، وإلا بقي شاكًّا. وإن لم يتبيَّن له صحة الناقل ــ كما لو أخبره فاسق بخبر ــ فإنه مأمور بالتبيُّن والتثبُّت، لم يؤمر بتصديقه (٣) ولا تكذيبه (٤)، فإن كليهما ممكن منه. وهو مع خبره لا يستدلُّ باستصحاب الحال، كما كان يستدلُّ به بدون خبره. ولهذا جُعِل لَوْثًا وشبهةً. وإذا شهد مجهولُ الحال فإنه هناك شاكٌّ في حال الشاهد، ويلزم منه الشكُّ في حال المشهود به. فإذا تبيَّن كونُه عدلًا تمَّ الدليل. وعند شهادة المجهولين تضعُف البراءةُ أعظمَ مما تضعُف عند شهادة الفاسق، فإنه في الشاهد قد يكون دليلًا ولكن لا تُعرَف دلالتُه، وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن يمكن وجودُ المدلول (٥) في هذه الصورة، فإنَّ صدقَه ممكن.

стр. 816

فصل ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع حجَّة: أنَّ تبدُّلَ حال المحلِّ المجمَع على حكمه أولًا كتبدُّلِ زمانه ومكانه وشخصه، وتبدُّلُ هذه الأمور وتغيُّرها لا يمنع استصحابَ ما ثبت له قبل التبدُّل (١). فكذلك تبدُّلُ وصفه وحاله لا يمنع الاستصحابَ حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضدِّه؛ كما جعل الدِّباغَ ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليلَ الخمرة (٢) ناقلًا لحكم تحريمها (٣)، وحدوثَ الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية. وحينئذ فلا يبقى التمسُّك بالاستصحاب [٢٠٨/أ] صحيحًا. وأما مجرَّدُ النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع. والنزاعُ في رؤيةِ الماء في الصلاة، وحدوثِ العيب عند المشتري، واستيلادِ الأمة= لا يوجب رفعَ ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام. فلا يُقبَل قولُ المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث، فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم، فلا يمكن المعترضَ رفعُه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم. وحينئذ فيكون معارضًا في الدليل، لا قادحًا في الاستصحاب. فتأمَّلْه، فإنه التحقيق في هذه المسألة.

стр. 817

فصل الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلَّها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه. فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم، بلا برهان من الله، بناءً على هذا الأصل. وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح، فإن الحكم ببطلانها حكمٌ بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله (١)، ولا تأثيم إلا ما أثَّم الله ورسوله به فاعلَه؛ كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه، ولا حرام إلا ما حرَّمه (٢)، ولا دين إلا ما شرَعه. فالأصل (٣) في العبادات: البطلان [٢٠٨/ب] حتّى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات: الصحة حتّى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يُعبَد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقُّه على عباده، وحقُّه الذي أحقَّه هو، ورضي به، وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفوٌ حتى يحرِّمها. ولهذا نعَى الله سبحانه على المشركين مخالفةَ هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرِّمه، والتقرُّب إليه بما لم يشرعه. وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه

стр. 818

لكان (١) عفوًا لا يجوز الحكمُ بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحلَّه الله، والحرام ما حرَّمه، وما سكت عنه فهو عفو. فكلُّ شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمةً منه، من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرَّحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرَّمه؟ وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلِّها، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وهذا كثير في القرآن. وفي «صحيح مسلم» (٢) من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو [٢٠٩/أ] قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعَها: إذا حدَّث كذَب، وإذا عاهد غدَر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجَر».

стр. 819

وفيه (١) من حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «من علامات المنافق ثلاث، وإن صلَّى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان». وفي «الصحيحين» (٢) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : «يُرفَع لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان». وفيهما (٣) من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ : «إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفُوا بها ما استحللتم به الفروجَ». وفي «سنن أبي داود» (٤) عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيتُه أُلقِيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدًا. فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أَخِيسُ بالعهد (٥)، ولا أحبِس البُرُدَ (٦). ولكن ارجعْ إليهم، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع». قال: فذهبتُ، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فأسلمتُ (٧).

стр. 820

وفي «صحيح مسلم» (١) عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلّا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيلٌ، فأخَذَنا كفارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منَّا عهدَ [٢٠٩/ب] الله وميثاقَه لَننصرفَنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسولَ الله ﷺ ، فأخبرناه الخبرَ، فقال: «انصرفا نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم». وفي «سنن أبي داود» (٢) عن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمِّي يومًا، ورسولُ الله ﷺ قاعدٌ في بيتها، فقالت: تعالَ أُعطِك. فقال لها رسول الله ﷺ : «ما أردتِ أن تعطيه؟». فقالت: أُعطيه تمرًا. فقال لها رسول الله ﷺ : «أمَا، إنكِ لو لم تعطيه شيئًا كُتِبَتْ عليكِ كَذْبةٌ». وفي «صحيح البخاري» (٣) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أَعطَى بي، ثم غدَر. ورجل باع حُرًّا، فأكل ثمنه (٤). ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره».

стр. 821

وأمر النبيُّ ﷺ عمر بن الخطاب أن يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلةً عند المسجد الحرام (١). وهذا كان عُقِد (٢) قبل الشرع. وقال ابن وهب: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «وَأْيُ (٣) المؤمنِ واجب» (٤). قال ابن وهب: وأخبرني إسماعيل (٥) بن عياش، عن أبي إسحاق أن رسول الله ﷺ كان يقول: «ولا تَعِدْ أخاك عِدةً وتُخلِفَه، فإن ذلك يُورِث بينك وبينه عداوة». قال ابن وهب: وأخبرني الليث بن سعد، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قال لصبيٍّ: تعال، هاهْ لك (٦)؛

стр. 822

ثم لم يُعطه [٢١٠/أ] شيئًا= فهي كَذْبة» (١). وفي «السنن» من حديث كثير بن عبد الله بن زيد (٢) بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جدِّه، يرفعه: «المسلمون (٣) عند شروطهم». وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البَيْلَماني، عن أبيه، عن ابن عمر يرفعه: «الناس على شروطهم ما وافق الحقَّ» (٤).

стр. 823

وليست العمدة على هذين الحديثين، بل على ما تقدم. فصل وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارةً بنسخها، وتارةً بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارةً بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارةً بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق» (١)، وكقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» (٢)، وبقوله (٣) تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونظائر هذه الآية. قالوا: فصحَّ بهذه النصوص إبطالُ كلِّ عهد وعقد ووعد وشرط ليس في

стр. 824

كتاب الله الأمرُ به أو النصُّ على إباحته. قالوا: وكلُّ شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن (١) فيه، فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبُه قد التزم فيه إباحة ما حرَّم الله ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه؛ ولا خامس لهذه الأقسام البتة. فإن ملَّكتم المشترط والمعاقد والمعاهد [٢١٠/ب] جميعَ ذلك انسلختم من الدين، وإن ملَّكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلًا. فصل قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة، تتضمَّن أن هذه النصوص ليست من دين الله، ولا يحِلُّ العمل بها، وتجب مخالفتها. وليس معكم برهان قاطع بذلك، فلا تُسمَع دعواه، وأين التحاكم (٢) إلى الاستصحاب والتشبُّث (٣) به ما أمكنكم؟ وأما تخصيصها، فلا وجه له. وهو يتضمن إبطال ما دلَّت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله. وأما ضعفُ بعضها من جهة السند، فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.

стр. 825

وأما معارضتها بما ذكرتم، فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض. وهذا إنما يُعرَف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله». ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلِمت من السنة. فعُلِم أن المراد بكتاب الله حكمه، كقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول النبي ﷺ : «كتابُ الله: القصاص» (١) في كسر السِّنِّ. فكتابه سبحانه يطلق على كلامه، وعلى حكمه الذي حكَم به على لسان رسوله. ومعلوم أن كلَّ شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلًا. فإذا كان الله ورسوله قد حكم بأن الوَلاء [٢١١/أ] للمُعتِق، فشُرِط خلافُ ذلك كان (٢) شرطًا مخالفًا لحكم الله. ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا؟ (٣) وتعدِّي حدود الله هو تحريم ما أحلَّه الله، أو إباحة ما حرَّمه، أو إسقاط ما أوجبه؛ لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه. بل تحريمه هو نفس تعدِّي حدوده. وأما ما ذكرتم من تضمُّن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة، ففاتكم قسم خامس، وهو الحقُّ، وهو ما أباح الله سبحانه للمكلَّف تنويعَ أحكامه بالأسباب التي ملَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحِلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه. وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كلُّ ذلك من أحكامه سبحانه. فهو الذي أحلَّ وحرَّم، وأوجب وأسقط؛ وإنما إلى

стр. 826

العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا. فكما أن شِرى (١) الأمة ونكاح المرأة يُحِلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها وبيعها بالعكس يحرِّمها عليه ويُسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها= كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط. فإذا ملَك تغيير الحكم بالعقد ملَكه بالشرط الذي هو تابع له. وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فأباح التجارة التي تراضى بها المتبايعان. فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه، وإلزامهما بما لم يلتزماه، ولا ألزمهما الله ورسوله (٢) به. فلا يجوز (٣) إلزامهما بما لم يُلزمهما الله ورسوله به ولا هما التزماه. ولا إبطالُ ما شرطاه مما لم يحرِّم الله (٤) عليهما شرطه. ومحرِّم الحلال كمحلِّل الحرام. فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يُلْغِه الله ورسوله، وقابلهم آخرون من القيَّاسين (٥)، فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله (٦) ورسوله. وكلا القولين خطأ، بل الصواب: إلغاءُ كلِّ شرط خالف حكم الله، واعتبارُ كلِّ شرط لم يحرِّمه (٧) ولم يمنع منه. وبالله التوفيق.

стр. 827

فصل وأما أصحاب الرأي والقياس، فإنهم لما (١) لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافيةً بالأحكام ولا شاملةً لها، وغلاتُهم على أنها لم تَفِ بعُشْر معشارها= وسَّعوا (٢) طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَّبَه، وعلَّقوا الأحكام بأوصاف لا يُعلم أن الشارع علَّقها بها، واستنبطوا عِللًا لا يُعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها. ثم اضطرَّهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا، فتارة يقدِّمون القياس، وتارةً يقدِّمون النص، وتارةً يفرِّقون بين النص المشهور وغير المشهور. واضطرَّهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شُرِعت على خلاف القياس، فكان خطؤهم من خمسة أوجه: أحدها: ظنُّهم قصورَ النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني: معارضة كثير من [٢١٢/أ] النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس. والميزان هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. الرابع: اعتبارهم عللًا وأوصافًا لم يُعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم

стр. 828

عللًا وأوصافًا اعتبرها الشارع، كما تقدَّم بيانه. الخامس: تناقضهم في نفس القياس، كما تقدَّم أيضًا. ونحن نعقد هاهنا (١) ثلاثة فصول: الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس. الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص. الثالث (٢): في بيان أن أحكام الشرع كلَّها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول ﷺ حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح. وهذه الفصول الثلاثة من أهمِّ فصول الكتاب، وبها يتبيَّن للعالم المنصف مقدارُ الشريعة وجلالتها، وهيمنتها، وسعتها، وفضلها وشرفها على جميع الشرائع؛ وأن رسول الله ﷺ كما هو عامُّ الرسالة إلى كلِّ مكلَّف، فرسالته عامة في كلِّ شيء من الدين: أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله. فكما لا يخرج أحد عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكمٌ تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له. ونحن نعلم أنا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنها أجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبِّه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح [٢١٢/ب] أبوابها ويُنْهِج طرقَها. والله المستعان، وعليه التكلان.

стр. 829

الفصل الأول في شمول النصوص وإغنائها عن القياس وهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجَودة قريحته (١)، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ (٢) ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك. وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمرو (٣) أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له. وكان الصدِّيق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد الله بن عباس أيضًا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمرو (٤). وقد أنكر النبيُّ ﷺ على عمر فهمَه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: «إنك ستأتيه وتتطوَّف به» (٥)، فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على

стр. 830

تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العِقالين (١). وأنكر على من فهم من قوله: «لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقالُ ذرَّة (٢) من كِبْر» شمولَ لفظه لحسن الثوب وحسن النعل، وأخبرهم أنه «بطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس» (٣). وأنكر على من فهم من قوله: «من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءه، ومن كرِه لقاءَ الله كره اللهُ لقاءه» (٤) أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر [٢١٣/أ] إذا احتُضِر وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاءَ الله، واللهُ يكره لقاءه؛ وأن المؤمن إذا احتُضِر وبُشِّر بكرامة الله أحبَّ لقاء الله، وأحبَّ الله لقاءه. وأنكر على أم سلمة (٥) إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] معارضته لقوله ﷺ : «من نوقش الحساب عُذِّب» (٦) وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة (٧). وأنكر على من فهم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]

стр. 831

أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلَم أحد من عمل السوء؛ وبيَّن أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهمِّ والحزن والمرض والنَّصَب (١)، وغير ذلك من مصائبها. وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبيَّن أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) [لقمان: ١٣]، مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقَّه من التأمل يبيِّن ذلك، فإن الله سبحانه لم يقل: ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. ولبسُ الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطِّي الإيمانَ ويحيط به ويلبسه إلا الكفر. ومن هذا: قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] [٢١٣/ب] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به. ومع أن سياق قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ

стр. 832

بِالْأَمْنِ﴾ (١) [الأنعام: ٨١]، ثم حكم الله أعدلَ حكمٍ وأصدقَه أن من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحقُّ بالأمن والهدى، فدلَّ على أن الظلم: الشرك (٢). وسأله عمر بن الخطاب عن الكلالة، وراجعه فيها مرارًا، فقال: «تكفيك آية الصيف» (٣). واعترف عمر بأنه خفي عليه فهمُها، وفهِمَها الصدِّيق (٤). وقد نهى النبيُّ ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تُخمَّس (٥). وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حَمولةَ القوم وظهرَهم (٦). وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوَّالَ القرية (٧). وفهم علي بن أبي طالب وكبار الصحابة ما قصده النبي ﷺ بالنهي، وصرَّح بعلَّته من كونها رجسًا (٨). وفهمت المرأة من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] جواز المغالاة في الصَّداق، فذكرته لعمر، فاعترف به (٩).

стр. 833

وفهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تلد لستَّة أشهر. ولم يفهمه عثمان، فهمَّ برَجْم امرأةٍ ولَدت لها، حتى ذكَّره به ابن عباس فأقرَّ به. (١). ولم يفهم عمر من قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني [٢١٤/أ] دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها» قتالَ

стр. 834

مانعي الزكاة حتى بيَّنه (١) له الصديق، فأقرَّ به (٢). وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٣) [المائدة: ٩٣] رفعَ الجناح عن الخمر، حتى بيَّن له عمر أنه لا يتناول الخمر (٤). ولو تأمَّل سياقَ الآية لَفهِم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعِموه مُتَّقين له فيه. وذلك إنما يكون باجتناب ما حرَّمه من المطاعم، فالآية لا تتناول المحرَّم بوجه ما. وقد فهم مَن فهِم (٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] انغماس الرجل في العدو، حتى بيَّن له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو تركُ الجهاد (٦) والإقبالُ على الدنيا وعمارتها (٧).

стр. 835

وقال الصدِّيق ﵁: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، تضعونها (١) على غير مواضعها (٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقابٍ (٣) من عنده» (٤). فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلافَ ما أريد بها (٥). وأشكل على ابن عباس أمرُ الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نُهِيت عنه من اليهود: هل عُذِّبوا أو نجَوا، حتى بيَّن له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذَّبين (٦). وهذا هو الحق، لأنه سبحانه قال عن [٢١٤/ب] الساكتين:

стр. 836

﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]، فأخبر أنهم أنكروا فعلَهم، وغضبوا عليهم. وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به مَن أدَّى الواجب عنهم؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم. وأيضًا فإنه (١) سبحانه إنما عذَّب الذين نَسُوا ما ذُكِّروا به، وعتَوا عما نُهوا عنه. وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا. فلما بيَّن عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذَّبين كساه بُردةً، وفرح به. وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة؟ قالوا: أمر الله نبيَّه إذا فَتَح عليه أن يستغفره. فقال لابن عباس: ما تقول أنت؟ قال: هو أجَلُ رسول الله ﷺ ، أعلَمَه إياه. فقال: ما أعلم منها غيرَ ما تعلم (٢). وهذا من أدقِّ الفهم وألطَفه، ولا يدركه كلُّ أحد. فإنه سبحانه لم يعلِّق الاستغفار بعمله (٣)، بل علَّقه بما يُحدثه هو سبحانه من نعمة، مِن فتحِه على رسوله ودخولِ الناس في دينه. وهذا ليس بسبب للاستغفار (٤)، فعُلِم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقُه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه (٥)، ليلقى ربه طاهرًا مطهَّرًا من كلِّ ذنب، فيقدَم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًّا عنه.

стр. 837

ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (١) وهو ﷺ كان يسبح بحمده دائمًا. [٢١٥/أ] فعُلِم أن المأمور به من التسبيح (٢) بعد الفتح ودخول الناس في الدين (٣) أمرٌ أكبر (٤) من ذلك المتقدِّم، وذلك مقدمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقِّيه إلى ذلك المقام بقيةٌ، فأمره بتوفيتها. ويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال. فشرَعها في خاتمة الحج، وقيام الليل. وكان النبي ﷺ إذا سلَّم (٥) استغفر ثلاثًا (٦) وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين» (٧). فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب

стр. 838

الأعمال الصالحة. فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا. فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشَرع له الاستغفار عقيبَها (١). والمقصود: تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمَين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرَّد اللفظ، دون سياقه ودون إيمائه وتنبيهه (٢) وإشارته واعتباره. وأخَصُّ من هذا وألطَف ضمُّه إلى نصٍّ آخر متعَلِّق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده. وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبَّه (٣) له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقِه به. وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ [٢١٥/ب] يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تلد لستة أشهر (٤). وكما فهم الصدِّيق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة

стр. 839

من لا ولد له ولا والد، وأسقط الإخوة بالجد (١). وقد أرشد النبيُّ ﷺ عمر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة، وراجعه السؤال فيها مرارًا، فقال: «يكفيك آية الصيف» (٢). وإنما أشكل على عمر قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]، فدلَّه النبيُّ ﷺ على ما يبيِّن له المراد منها، وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف، فإنه ورَّث فيها ولد الأم في الكلالة السدس، ولا ريب أن الكلالة فيها من لا ولد له ولا والد، وإن علا. ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السلف ومن بعدهم، وقد بيَّنتها النصوص؛ ومسائل قد احتُجَّ فيها بالقياس، وقد بيَّنها النصُّ وأغنى فيها عن القياس. المسألة الأولى: المشرَّكة (٣). وقد دلَّ القرآن على اختصاص ولد الأم فيها بالثلث، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ

стр. 840

شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وهؤلاء ولد الأم. فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث، بل يزاحمهم فيه غيرهم. فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم، إلغاء لقرابة الأب. قيل: هذا وهم، لأن الله سبحانه قال في أول الآية: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١) فذكَر حكمَ واحدهم وجماعتهم [٢١٦/أ] حكمًا يختصُّ به الجماعة منهم كما يختصُّ به واحدهم. وقال في ولد الأبوين: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]. فذكَر حكمَ ولد الأب والأبوين واحدِهم وجماعتِهم، وهو حكمٌ يختصُّ به جماعتهم كما يختصُّ به واحدهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم. وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخر، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر. وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين والأب (٢) بالإجماع، والأول هو ولد الأم بالإجماع، كما فسَّرته قراءة بعض الصحابة: «من أم» (٣). وهي تفسير وزيادة إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق. ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين، وهم أصحاب فرض مقدَّر

стр. 841

لا يخرجون عنه، ولا حظَّ لأحد منهم في التعصيب. ولم يذكر فيها أحدًا من العصبة، بخلاف من ذُكِر في آية العمودين الآية التي قبلها، فإن لجنسهم حظًّا في التعصيب. ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ولم يقل ذلك في آية العمودين، فإن الإنسان كثيرًا ما يقصد ضرار الزوج وولد الأم، لأنهم ليسوا من عصبته؛ بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارُّهم في العادة. فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجُز تنقيصهم منه. وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر، وهم عصبته، وقد قال النبي ﷺ : «ألحِقُوا [٢١٦/ب] الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأولى رجُلٍ ذكَرٍ» (١). وفي هذه المسألة لم تُبْقِ الفرائض شيئًا، فلا شيء للعصبة بالنص. وأما قول القائس: «هَبْ أن أبانا كان حمارًا»، فقول باطل حسًّا وشرعًا، فإن الأب لو كان حمارًا لكانت الأم أتانًا. وإذا قيل: يقدَّر وجوُده كعدمه، قيل: هذا باطل، فإن الموجود لا يكون كالمعدوم. وأما بطلانه شرعًا، فإن الله سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. فإن قيل: الأب إن لم ينفعهم لم يضرَّهم. قيل: بلى (٢)! قد يضرُّهم كما ينفعهم، فإنَّ ولدَ الأم لو كان واحدًا وولدَ الأبوين مائةً، وفضَل نصفُ سُدُسٍ انفرد ولدُ الأم بالسدس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس. فهلَّا قبلتم قولهم هاهنا: هَبْ أن أبانا كان حمارًا! وهلَّا قدَّرتم الأب معدومًا، فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص! وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم.

стр. 842

وأيضًا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرَّق أحكامُها. هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب، وأخ من أم؛ فنعطيه السدس فرضًا بقرابة الأم، والباقي تعصيبًا بقرابة الأب. فإن قيل: فقد فرَّقتم أحكامَ القرابتين (١)، فقلتم في ابني عَمٍ أحدُهما أخٌ لأم: يعطى الأخ للأم بقرابة الأم السدس، ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة. قيل: نعم، هذا قول الجمهور، وهو الصواب؛ وإن كان شُريحٌ ومن قال بقوله أعطى الجميع لابن العمِّ الذي هو أخٌ لأم [٢١٧/أ]، كما لو كان ابنَ عمٍّ لأبوين. والفرق بينهما على قول الجمهور أن كليهما في بنوة العم سواء، وأما الأخوة للأم فمستقلَّة، ليست مقترنة بأبوة، حتى يجعل كابن العم للأبوين. فهنا قرابة الأم منفردة عن قرابة العمومة، بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب. ومما يبيِّن أن عدم التشريك هو الصحيح: أنه لو كان فيها أخوات لأب لَفُرِض لهن الثلثان، وعالت الفريضة. فلو كان معهن أخوهن سقطن به، ويسمَّى الأخَ المشؤومَ. فلما كنَّ بوجوده يصِرن عصَبةً صار تارةً ينفعهن، وتارةً يضرُّهن، ولم يُجعل وجودُه كعدمه في حال الضِّرار. فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عصَبةً صار ينفعهم تارة ويضرُّهم أخرى. وهذا شأن العُصوبة (٢)، فإنَّ العصبة تارةً تحوز المال، وتارةً تحوز أكثره، وتارةً (٣)

стр. 843

أقلَّه، وتارة تخيب. فمن أعطى العصَبةَ مع استغراق الفروض المال خرج عن قياس الأصول وعن موجَب النص. فإن قيل: فهذا استحسان. قيل: لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان، فإنه ظلمٌ للإخوة من الأم، حيث يؤخذ حقُّهم، فيُعطاه (١) غيرُهم. وإن كانوا يعقِلون عن الميِّت وينفقون عليه لم يلزم من ذلك أن يشاركوا من لا يعقِل ولا يُنفق في ميراثه. فعاقلة المرأة من أعمامها وبني عمِّها وإخوتها يعقلون عنها، وميراثها لزوجها وولدها، كما قضى بذلك رسول الله ﷺ (٢). فلا يمتنع أن يعقِل ولد الأبوين، ويكون الميراث لولد الأم. المسألة الثانية: [٢١٧/ب] العُمَريتان (٣). والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت: إنَّ للأم ثلثَ ما يبقى بعد فرض الزوجين (٤). وهاهنا طريقان: أحدهما: بيان عدم دلالته على إعطائها الثلث كاملًا مع الزوجين، وهذا

стр. 844

أظهر الطريقين. والثاني: دلالته على إعطائها ثلث الباقي، وهو أدقُّ وأخفى من الأول. أما الأول، فالله (١) سبحانه إنما أعطاها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بالميراث، فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ شرطان في استحقاق الثلث: عدمُ الولد، وتفرُّدُهما بميراثه. فإن قيل: ليس في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ما يدل على أنهما تفرَّدا بميراثه. قيل: لو لم يكن تفرُّدُهما شرطًا لم يكن في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ فائدة، وكان تطويلًا يغني عنه قوله: «فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث». فلما قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عُلِم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين. وهو سبحانه ذكر أحوال الأم كلَّها نصًّا وإيماءً، فذكر أن لها السدس مع الإخوة، وأن لها الثلث كاملًا مع عدم الولد وتفرُّدِ الأبوين بالميراث. بقي لها حال (٢) ثالثة، وهي مع عدمِ الولد وعدمِ تفرُّد الأبوين بالميراث. وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تعطى في هذه الحال الثلث كاملًا، وهو خلاف مفهوم القرآن؛ وإما أن تعطى السدس، فالله سبحانه لم يجعله فرضها إلا في موضعين مع الولد ومع الإخوة. وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقُّه الأبوان، [٢١٨/أ] ولا يشاركهما فيه مشارك. فهو بمنزلة المال كلِّه إذا لم يكن زوج ولا زوجة. فإذا تقاسماه أثلاثًا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك.

стр. 845

فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم ومَن دون الأب كالجدِّ والعمِّ والأخ وابنه؟ قيل: إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب، فأخذُها له مع من دونه من العصبات أولى. وهذا من باب التنبيه. فإن قيل: فمن أين أعطيتموها الثلث كاملًا إذا كان معها ومع هذا (١) العصبة الذي هو دون الأب زوج أو زوجة، والله سبحانه إنما جعل لها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بميراثه على ما قرَّرتموه. فإذا كان جدّ وأمّ، أو عمّ وأمّ، أو أخ وأمّ، أو ابن عمٍّ أو ابن أخ مع أحد الزوجين= فمن أين أُعطِيت الثلث كاملًا، ولم ينفرد الأبوان بالميراث؟ قيل: بالتنبيه ودلالة الأَولى، فإنها إذا أخذت الثلث كاملًا مع الأب، فلَأن تأخذه مع ابن العمِّ أولى. وأما إذا كان أحد الزوجين مع هذا العصبة فإنه ليس له إلا ما بقي بعد الفروض. ولو استوعبت الفروض المالَ سقط، كأم وزوج وأخ لأم، بخلاف الأب. فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العصبة ذو فرض غير البنات والزوجة؟ قيل: لا يكون ذلك إلا ولد الأم (٢) أو الأخوات للأبوين أو للأب، واحدة أو أكثر والله تعالى قد أعطاها السدس مع الإخوة، فدلَّ على أنها تأخذ الثلث [٢١٨/ب] مع الواحد إذ ليس بإخوة.
следующие страницы →