← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

لا يسخر قوم من قوم: لا يحتقر احد منكم أخاه بذكر عيوبه واظهار نقائصه. يقال سخر به ومنه، هوئ به ومنه. القوم: شاع اطلاقه على الرجال دون النساء. ولا تلمزوا انفسكم: لا يعيب احد منكم اخاه، وعبّر بأنفسكم كأنهم جميعا نفسٌ واحدة فاذا عابَ المؤمن أخاه المؤمنَ كأنه عاب نفسَه. يريد الله تعالى ان يكون المجتمع الاسلامي مجتمعاً فاضلا، فأدّبنا بهذا الأدب الرفيع، فلكل انسان كرامتُه، وهي من كرامة الجميع، فإذا حصل ضرر لأي فرد فانه ضرر للناس كلهم. لذلك ينهى الله تعالى ان يسخَرَ رجالٌ من رجال آخرين لعلّهم خير منهم عند الله، او نساء من نساءٍ لعلّهن خير منهن عند الله. ﴿وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ﴾ لا يعب بعضُكم بعضا بقول او إشارة على وجه الخفية، فانكم أيها المؤمنون كالجسدِ الواحد ان اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذا حديث صحيح رواه مسلم. ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب﴾ ولا يدعو بعضكم بعضاً بالألقاب المستكرَهة، ولا تدعوا احدا بما لا يحبّ من الألقاب القبيحة. اما الألقاب اللطيفة التي تدل على معانٍ حسنة فلا مانع من استعمالها كما قيل لأبي بكر عتيق، ولعمر بن الخطاب: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين الخ. . ﴿بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان﴾ بئس الاسم ان تُسمَّوا فاسقين بعد ان تكونوا مؤمنين. ومن لم يتبْ ويرجع عما نهى الله عنه فأولئك هم الظالمون الذين ظلموا أنفسَهم وغيرهم بعصيانهم أوامر الله.

стр. 1262

اجتنبوا: ابتعِدوا. الاثم: الذنب. ولا تجسّسوا: اصلها تتجسسوا بتائين: لا تبحثوا عن عورات الناس ومعايبهم. الغيبة: ذِكر الانسان بما يكره في غيابه. في هذه الآية الكريمة أدبٌ رفيع للمؤمنين حتى يعيشوا في مجتمع فاضل، تكون فيه حرياتُهم مكفولة، وحقوقهم محفوظة، فلا يؤخذون بالظن، ولا يحاكَمون بريبة، فالانسان بريء حتى يثبت عليه الجرم. روى الطبراني عن حارثة بن النعمان ان النبي ﷺ قال: «اذا ظننتَ فلا تحقّق» وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ انه قال: «لا تظننّ بكلمة خرجتْ من أخيك إلا خيرا، وانتَ تجدُ لها في الخير محملا» . يا ايها الذين آمنوا: ابتعِدوا عن كثير من ظنّ السوء بالناس، إن بعض الظن إثمٌ يستوجب العقوبة. وهذا تهذيبٌ رفيع لنا يرفع من مستوى مجتمعنا، ويديم الوئامَ والمودة بيننا، ويزيد توثيقَ رباط المجتمع الاسلامي الفاضل قُوةً ومنعة. ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ وهذا أمر ثانٍ من أوامر الله العليا يُبعدنا فيه عن الاعمال الدنيئة، لتطهير قلوبنا ونظافة اخلاقنا، حتى يكفُلَ حرياتِ الناس وحرماتِهم وكرامتهم، التي لا يجوز ان تُنتهَك ولا تمسّ بحال من الاحوال. فما دام الانسان في بيته قد ستر نفسه عن الناس فلا يجوز لنا ان نتتبّع عوراتِه، ولا البحث عن سرائره، لأن الاسلام يريد ان يعيش الناس آمنين على أنفسهم مطمئنين في بيوتهم، ولنا الظواهُر، ولا يجوز لنا أن ن تعقب بواطن الناس وما أخفوه. قال عبد الرحمن بن عوف: حرستُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عن هما بالمدينة، إذ تبين لنا سراجٌ في بيتٍ بابه مغلقٌ على قوم لهم اصوات مرتفعة ولَغَط، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن يشربون، فما ترى؟ قلت: أرى أنّا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ وقد تجسّسنا. فانصرفَ عمر وتركهم. وفي الحجيث الصحيح: «من ستر عورةً فكأنما استحيا موْؤدة من قبرِها» رواه ابو داود والنسائي. وفي الحديث ايضا عن سفيان الثوري عن معاوية بن ابي سفيان: قال سمعت النبي ﷺ يقول: «انك إن اتبعت عوراتِ الناس أفسدتَهم أو كِدتَ تفسدهم» رواه ابو داود. ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ولا يذكرْ بعضكم بعضا بما يكره في غيبته ولو بإشارة او نحو ذلك، لما في ذلك من اذى للناس. والمراد بما يكره: ما يكرهه في دينه او دنياه او خلُقه او خلْقه او ماله او ولده او زوجته وفي كل ما يؤذيه. قال الحسن البصري: الغيبة ثلاثة اوجهٍ كلّها في كتاب الله: الغيبة، والافك والبهتان.

стр. 1263

فأما الغيبة: فهي ان تقول في أخيك ما هو فيه. واما الافك: فان تقول فيه ما بلغك عنه وقد يكون ذلك غير صحيح. واما البهتان: فان تقول فيه ما ليس فيه. والغيبة من الجرائم الكبيرة، والذي يريد التوبة منها عليه ان يستغفر لمن اغتابه، او يذهب اليه ويطلب العفو منه. ولبشاعة الغيبة، وكراهتها يعبّر عنها الله تعالى بهذا التعبير العجيب للتنفير منها والبعد عن إيذاء الناس فيقول: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تصوروا هذا التمثيلَ الفظيع الذي تتأذى منه النفوس. وقد وردتْ أحاديثُ كثيرة عن النبي ﷺ تنفر المسلمين من الغيبة، ليرفع الله من نفوسهم ويطهرها، ويبني مجتمعا طاهرا مثاليا. واستثنى العلماء من تحريم الغيبة، الملحدَ في الدين، والحاكمَ الجائر، والفاسقَ المجاهِر بالفسق، وتجريحَ الشاهد عند القاضي، والمتظلّمَ في أمر هام، وراوي حديث الرسول الكريم، ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] . ثم بعد ذلك يأتي تعبير لطيف ﴿واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ بابُه دائماً مفتوح للتوبة، وهو مع كل ما يأتيه الناس من مخالفات ومعاصي رحيم يقبل التوبة فلا تقنطوا من رحمة الله. قراءات: قرأ يعقوب: ميتا بتشديد الياء. والباقون: ميتا باسكان الياء.

стр. 1264

الشعوب: جمع شعب وهو الحيّ العظيم المنتسب الى أصل واحد كربيعة ومُضَر، والقبيلة دونه، وسُمي الشَعب شَعباً لتشعب القبائل منه كتشعب الاغصان من الشجرة. الأعراب: سكان البادية. آمنا: صدّقنا بما جئت به من الشرائع، فالايمان هو التصديق بالقلب. اسلمنا: انقدْنا لك ونطقنا بالشهادتين وعملنا بما تأمرنا به. لا يَلِتْكم: لا ينقصكم. يمنّون عليك أن أسلموا: يذكرون ذلك ذِكر من اصطنع لك صنيعة، واسدى اليك معروفا. بعد ان أدّب الله تعالى المؤمنين بالآداب الرفيعة بيّن هنا ان الناسَ جميعاً من أبٍ واحد وأمٍ واحدة، فكيف يسخَر الأخ من اخيه او يغتابه او يظلمه!؟ وبين للناس ان القرآن يدعو الى أمةٍ انسانية واحدة، وعالمٍ واحدٍ يسوده العدل والمحبة، واعلن هنا حقوقَ الانسان بصرف النظرِ عن لونه وجنسه، فالناس إخوة في النسَب، كرامتُهم محفوظة، والانسان مخلوق الله المختار، وهو خليفته في الارض. يا أيها الناس: إنّا خلقناكم متساوين من اصلٍ واحد هو آدم وحواء، وجعلناكم جموعا عظيمة، شعوباً وقبائل متعددة، لتتعارفوا وتتعاونوا على ما فيه خيرُكم وصلاحكم، إن أكرَمَكُم عند الله وأرفعَكم منزلة في الدنيا والآخرة هو اتقاكم له وأنفعكم لخلْقِه، ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ بكم وباعمالكم وبباطن احوالكم، فاجعلوا التقوى زادَكم لمعادِكم. ثم بعد ان بيّن الله لنا أن الناس جميعاً إخوة لأمٍ وأبٍ وحثّنا على التقوى والعمل الصالح، بين هنا ان الإيمان وحده لا يكفي، والايمانُ هو التصديق بالقلب، وان الاسلام هو التصديقُ والطاعة الظاهرة بأداء الواجبات واجتناب النواهي. وكان في زمن الرسول الكريم أناسٌ من الاعراب في إيمانهم ضَعف، وقلوبهم مشغولة تريد المغانم وعرض الدنيا. فقال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا. . . . .﴾ قالت الأعراب بألسنتهم: آمنا، فقل لهم يا محمد: إنكم لم تؤمنوا، لأن قلوبكم لم تصدّق ما نطقتم به، ولكن قولوا أسلمنا وانقدنا ظاهراً لرسالتك، لأن الإيمان لم يدخل في قلوبكم بعد. وإن تطيعوا اللهَ ورسوله صادقين لا يَنقصُكم الله من ثواب اعمالكم شيئا. ثم يؤكد الله رحمته ولطفه بعباده فيقول: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ سَتّارٌ للهفوات غفارٌ للزلات، فسارِعوا الى التوبة. ثم بين الله تعالى حقيقة الايمان بقوله: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله أولئك هُمُ الصادقون﴾ . المؤمنون حقاً هم الذين صدّقوا ولا تشوبهم الريبة في عقائدهم، ويبذلون النفسَ والنفيس لإحقاقِ الحق وإزهاق الباطل، أولئك هم الصادقون. قل لهم يا محمد: اتخبرون الله بأن يصدقكم، واللهُ وحده يعلم ما في قلوبكم، ويعلم كلَّ ما في السموات والأرض، ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ يعدون إسلامَهم ومتابعتهم لك منةً يطلبون منك أجرَها.

стр. 1265

فقد قال بعضهم: جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ﴿قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ﴾ بل الله تعالى هو الذي يمنّ عليكم إذ هداكم الى الايمان، ان كنتم صادقين في دعواكم. ثم اكد الله تعالى الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصَرِه بأعمال المخلوقات، وختم بذلك هذه السورة الكريمة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فهو يعلم الايمان الصادق، والكاذب، ويميز بين الاعمال التي يطلبون بها الدنيا، والأعمال التي يقصدون بها وجه الله. قراءات: قرأ اهل البصرة: لا يألتكم بالهمزة، والباقون: لا يَلتكم بلا همزة، وهما لغتان: ألت يألت، ولات يليت. واللغتان في القرآن الكريم. ففي سورة الطور ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] .

стр. 1266

مجيد: وافر المجد، واسمٌ من اسماء الله الحسنى، ي ق ال: مجُد بضم الجيم مَجادة فهو مجيد. ويقال: مجَد بفتح الجيم يمجُد بضمها فهو ماجد. والمجد: المروءة والسخاء والكرم والشرف. رجعٍ بعيد: البعث بعد الموت بعيدٌ كما يقولون. ما تنقص الأرض: ما تبليه الأرض من الاجسام بعد الموت. حفيظ: حافظ لتفاصيل الأشياء كلها. كذّبوا بالحق: كذبوا بالنبوة الثابتة. مريج: مختلط، مضطرب. ما لها من فروج: ليس فيها شقوق. مددناها: بسطناها. رواسي: جبالا ثوابت تمنع الأرض من ان تميد. من كل زوج: من كل صنف. بهيج: ذو بهجة وحسن. منيب: راجع. حَب الحصيد: حب الزرع المحصود. باسقات: طويلات، يقال بسقت النخلة بسوقا طالت. الطلع: أول ما يخرج من ثمرها. نضيد: منضود بعضه فوق بعض. كذلك الخروج: مثلَ ما ننبت النباتَ، كذلك نخرجكم من قبوركم. ﴿ق﴾ : حرفٌ من حروف الهجاء افتتحت السورة به على طريقة القرآنِ الكريم في افتتاح بعض السور ببعض هذه الحروف للتحدّي وتنبيه الأذهان. أُقسِم بالقرآن ذي المجد والشرف: إنا أرسلناك يا محمد لتنذرَ الناس به فلم يؤمنْ به أهلُ مكة، بل عجِبوا أن جاءهم رسولٌ منهم ينذِرهم بالبعثِ بعد الموت، وزادوا في هذا الانكار فقالوا: هذا شيء عجيب. ثم زادوا في الانكار والتعجب بقولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ أبعدَ ان نموتَ ونصير تراباً نرجع أحياء مرة اخرى! ذلك البعثُ بعد الموت رجوعٌ بعد الوقوع. ثم اشار الله تعالى الى دليل جوازِ البعث وقدرته تعالى عليه فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ . قد علمنا ما تأكلُ الأرض من أجشامهم بعد الموت وتُبليهم، ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، والى أين صارت، فلا يصعُب علينا بعثُهم من جديد، وعندنا كتابٌ حافظٌ لتفاصيل الأشياء كلها. ثم بين الله تكذيبهم بالنبوة الثابتة فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ في أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ إنهم لم يتدبروا ما جاءهم به الرسولُ، وهو الحقُّ الثابت، بل كذّبوا به دون تدبُّرٍ وتفكر، فهم في قلقٍ من أمرهم واضطرابٍ لا يستقرون منه على حال. ثم وجّه انظارهم الى دليلٍ يدحض كلامهم لو فكروا فيه: ألم ينظُروا إلى السماء والأرض وإلى الحبال الرواسي عليها، وكيف زيَّنَ السماءَ بالكواكب وليس فيها شقوق، وإلى الماء النازل من السماء الذي أنبت به الجنّاتِ من مختلف الأصناف والألوان، والنخلَ الباسقاتِ وطلعها المنضدَ الجميل. . كل هذه الاشياء من أجلِ العباد ليعيشوا آمنين في هذه الحياة الدنيا متمتعين. وكما أنزلنا الماء من السماء وأحيينا به الأرض - كذلك نُخرجكم أيها الناس من قبوركم ونبعثكم حياة اخرى. ﴿كَذَلِكَ الخروج﴾ .

стр. 1267

الرسّ: البئر التي لم تبنَ بالحجارة. واصحاب الرسّ: قوم شعيب. الأيكة: الشجر الكثير الملتف، وهم من قوم شعيب ايضا. تُبَّع: احد ملوك حمير في اليمن. أفعَيِينا: أفَعجِزنا. في لبس: في شك. الوسوسة: حديث النفس، وما يخطر بالبال. حبل الوريد: عِرق كبير في العنق. قعيد: مقاعد له كالجليس بمعنى المجالس. رقيب: مراقب. عتيد: مهيأ، حاضر. سكرة الموت: شدّته. تَحيد: تميل. يوم الوعيد: يوم وقوع العذاب الذي وُعدوا به. سائق وشهيد: سائق يسوقها الى المحشر، وشاهد يشهد عليها. الغطاء: الحجاب. وهو الغفلة والانهماك في اللذات، وقصر النظر. حديد: قوي نافذ. بعد ان ذكر اللهُ تعالى تكذيبَ المشركين للنبيّ - ذكر المكذِّبين للرسُل من الأقوام السابقة مثل قوم نوحٍ وأصحابِ الرسّ وثمود، وعادٍ وفرعون وقوم لوط وقوم تُبَّع وغيرهم، وما آل اليه أمرُهم من الدمار والعذاب. وكل ذلك تسلية لرسوله ﷺ وتهديد لكفار قريش بأنهم سيصيبهم ما أصابَ الذين قبلهم إن أصرّوا على الكفر والعناد. ثم بعد هذا العرض يقول الله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هل عجَزنا عن ابتداء الخلْق الأول، حتى نعجِزَ عن إعادتهم مرة اخرى! بل هم في ريبٍ من ان نخلقهم من جديد. ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . ثم ذكر الله تعالى دليلاً اخر على إمكانه وقدرته، وهو علمُه بما في صدور الناس جميعا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فلا يخفى علينا شيءٌ من أمرِ البشر. ثم بين أكثر من ذلك بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ ونحن لعلمِنا بأحواله كلها اقربُ اليه من عِرق الوريد، الذي هو في جسده ذاته. أخرج ابنُ مردويه عن أبي سعيد الخدريّ ان النبي ﷺ قال: «نزل اللهُ في ابن آدم أربع منازل: هو أقربُ اليه من حبل الوريد، وهو يحُول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصيةِ كل دابة، وهو معهم أينما كانوا» . ثم ذكر اللهُ تعالى ان الانسانَ موكَّلٌ به مَلَكان يكتبان ويحفظان عليه عملَه وأقواله، فهو تحت رقابة دائمةٍ شديدة دقيقة، وكل شيء مسجَّلٌ عليه تسجيلاً دقيقا. ثم بعد ذلك يبين الله تعالى أن الانسانَ عند الموت ينكشفُ له كل شيء فقال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ . ومعنى ذلك أن النفسَ وهي في سكرات الموت ترى الحقَّ كاملاً واضحاً، تراه بلا حجاب في تلك الساعة، وتدرك ما كانت تجهل، وهو الحق الذي كنتَ تفرّ منه ايها الكافر، ها قد جاءك فلا حيدَ عنه ولا مناص. ثم بعد ذلك ينعطف الحديث الى يوم القيامة: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور ذَلِكَ يَوْمُ الوعيد. . .﴾ ونفخ في الصور نفخةَ البعث، وذلك اليوم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ [المطففين: ٦] ، هو يومُ الوعيد الذي اوعد اللهُ الكفّارَ أن يعذّبهم فيه بعد الحساب. يومذاك تأتي كل نفسٍ إلى ربّها ومعها سائقٌ يسوقها اليه، وشاهدٌ يشهد عليها بما عملتْ في الدنيا من خير او شر. ثم يقال للمكذَِّب: لقد كنتَ في الدنيا في غفلةٍ تامة عن هذا الذي تراه من الأهوال والشدائد، فأزلنا عنكَ الحجابَ الذي كان يغطّي عنك أمور الآخرة، ﴿فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ قويّ نافذٌ لا يحجبه شيء، فلا مهرب عن عذاب الحريق.

стр. 1268

القرين: المصاحب، الملَكُ الموكل بالمرء. معتدٍ: متجاوز للحق ظالم. مريب: شاكّ في الله وفي دينه، يقال: أرابَ الرجلُ صار ذا ريبة، وأرابَ الرجلَ اقلقه وازعجه. قال قرينه: الشيطان الذي أطغاه. كان في ضلال بعيد: بعيد عن الحق. وأزلفت الجنة: قُربت وأُدْنِيَتْ. غير بعيد: في مكان قريب. لكل أواب: لكل تائب راجع عن المعصية الى الطاعة. حفيظ: حافظ لحدود الله وشرائعه. منيب: مخلص. ولدينا مزيد: مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لا يزال الحديث عن يوم القيام وما يجري فيه. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ وقال الملَكُ الموكَّل به الذي كان يسوقه الى الموقف: هذا الذي وكَّلتني به يا ربُّ من بني آدم قد أحضرتُه وما هو مسجَّل عليه من قولٍ وعمل. فيقال للملَكَين (السائق والشهيد) : ألقِيا في جهنمَ كلَّ كفّار عنيد، منّاعٍ للخير، ظالمٍ متجاوزٍ للحق، قد عَبَدَ غير الله. ألقياه في العذاب الشديد. فيقول ذلك الكافر عندما يرى العذاب: ربِّ إن قريني من الشياطين أطغاني. فيردّ عليه قرينه بقوله: ﴿رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ولكن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ كان طبعهُ الكفرَ والضلال والبعد عن الحق. قال تعالى للكافرين وقرنائهم: لا تختصِموا لديَّ في هذا الموقف، وقد قدّمتُ اليكم في الدنيا وعيداً على الكفر مع رسُلي إليكم فلم تؤمنوا. ﴿مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ لا يغيَّر قضائي الذي قضيته، ولا أَظلم أحداً، فلا أعذبه بغير جرم اجترمه، ولا أعذبُ احداً مكان احد. وبعد ذلك يذكر مكان حلول الوعيد بقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ؟﴾ وهذا يقال تقريعاً للكافرين إذ تطلب جهنمُ المزيدَ منهم. وبعد هذا الحوار يأتي ذِكرُ حال المتقين. وهو مشهد يختلف كل الاختلاف، وديعٌ أليف تقرَّب فيه الجنة من المتقين حتى تتراءى لهم ويشهد المؤمنون فيه الترحيب والتكريم من رب العالمين. ﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ وقُرّبت الجنة للذين آمنوا واتقوا ربهم بحيث تكون بمرأى العين منهم، إكراماً لهم، فيرون ما أعدّ اللهُ لهم من نعيم وحبور، ولذةٍ وسرور، ويقال لهم: ﴿هذا مَا تُوعَدُونَ﴾ من كل خير. ثم يصفهم الله تعالى بأوصاف كريمة بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ ثم يؤذَن لهم بالدخول بسلام خالدين فيها أبدا، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخلود﴾ . وبعد ذلك يعلن المولى تعالى ببشارة عظيمة: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ . إنهم يجدون فيها كل ما يشتهون. ثم يمنُّ الله تعالى بكرمه أن يزيدَهم فوق ما سألوا مما لم تره أعينُهم ولم يدرْ بخَلَدِهم، وتلك الضيافة الكبرى من الرحمن الرحيم. قراءات: قرأ نافع وابو بكر: يوم يقول لجهنم. . . . بالياء. والباقون: نقول بالنون.

стр. 1269

القرن: الجيل من الناس. أشدّ منهم بطشا: اشد منهم قوة. فنقّبوا في البلاد: طافوا في البلاد طلباً للرزق. مَحيص: مَهْرب. لَذِكرى: لعبرة. او ألقى السمعَ وهو شهيد: أصغى الى ما يتلى عليه وهو حاضر، ويفطن لما يقال. لغوب: تعب. أدبار السجود اعقاب الصلوات، والأدبار جمع دُبُر ومعناه الأصلي الظهر ومؤخرة كل شيء. الصيحة: النفخة الثانية يوم القيامة. بالحق: بالبعث. يوم الخروج: من القبور. بجبّار: بمسيطر ومسلَّط، انما انت داعٍ ومنذر. يبين الله تعالى لرسوله الكريم أنه مهما بلغت قوة قومه وغناهم فإنهم لم يبلغوا قوة الذين كانوا قبلهم من الأمم، فقد كان السابقون أشدَّ قوة وبطشا، وطوّفوا في البلاد وامعنوا في البحث والطلب ولم يغنِ عنهم كل ذلك من الله شيئا. وفي هذا الذي نتلوه عليك من أخبار الماضين ذكرى وعبرةٌ لمن كان له قلبٌ يدرك الحقائق ويفهم ما يقال له، ويصغي وهو حاضرٌ شاهد. ثم أعاد الدليلَ مرة أخرى على إمكان البعث، فبيّن ان الله خلق السمواتِ والأرضَ وما بينهما في ستة أطوار مختلفة وما أصابه تعب. . وما دام الله قادراً على خلْق هذا الكون العجيب فإنه قادرٌ على إعادة الحياة مرة أخرى. ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ اصبر على ما يقوله المشركون في شأنِ البعث من الأباطيل التي لا مستَنَدَ لها ولا دليل. وسبِّحْ بحمدِ ربك وقت الفجر ووقتَ العصر وبعضَ الليل وفي أعقاب جميع الصلوات. وقد وردت احاديث صحيحة في تحديد التسبيح بأن يقول: سبحانَ الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمدُ لله ثلاثاً وثلاثين مرة، واللهُ اكبر ثلاثاً وثلاثين مرة، ويختمها بقول لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملْكُ وله الحمدُ يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، بعد كل صلاة. ﴿واستمع يَوْمَ يُنَادِ المناد﴾ أصغِ ايها الرسول لما أُخبرك به من اهوال يوم القيامة، يوم ينادي الملَكُ من مكان قريب من الناس، يوم يسمعون النفخةَ الثانية بالحق الذي هو البعث. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخروج﴾ من القبور. ثم لخص ما تقدم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا المصير﴾ إلينا رجوع الناس جميعهم يوم البعث والجزاء. وفي ذلك اليوم يخرجون من الأرض بعد ان تتشقق عنهم مسرعين الى المحشَر. ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ . هو عظيم بما فيه من الاهوال ولكنه علينا سهلٌ يسير. ثم يخاطب الرسولَ الكريم مسلياً له بقوله: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ فاتركهم إلينا، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ ولا مسيطِر حتى تجبرهم على الإيمان. ما عليك الا البلاغ، ولذلك ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ .

стр. 1270

الذاريات: الرياح تذرو الترابَ وغيره، وهي تحمل معها الحياة لأنها تسوق السحاب، كما تحمل الدمار احيانا. فالحاملات وقرا: الوقر هو السحاب، تحمله الرياح موقَرة بالغيث يسوقها الله الى حيث يشاء. فالجاريات يُسرا: السفن تجري في يسر على سطح الماء. فالمقسّمات أمرا: الملائكة التي تحمل أوامرَ الله لتبليغها الى رسُله. انما توعَدون: هو البعث وهو صدق، والدين: هنا الحساب والجزاء. والسماءِ ذات الحبك: السماء ذات الطرق المحكمة النظام. إنكم لفي قول مختلف: مضطرِب متناقض. يؤفكُ عنه مَن أُفك: يُصرف عنه من صرف عن الايمان. الخرّاصون: الكذابون. في غمرة: في جهل يغمرهم. ساهون: غافلون عما أُمروا به. أيان يوم الدين: متى يوم الجزاء. يفتنون: يحرقون. فتنتكم: عذابكم العدّ لكم. أقسَم الله تعالى بهذه الأشياء: بالرياح المثيراتِ للتراب وغيره، وبحملها للسُحب فالحاملات منها ثقلاً عظيما من الماء، وبالسفن الجارية تمخرُ البحار، وبالملائكة تقسِم أوامرَ الله وتبلّغُها إلى رسله الكرام - أنّ البعث لحقٌّ صادق، وان الدّين (وهو الجزاء على اعمالكم) لحاصِل. واقسم الله تعالى بالسماء ذاتِ الجمال والبهاء، المحكَمةِ البنيانِ والنظام، أنكم أيّها المشرِكون المكذِّبون للرسولِ لَفي قولٍ متناقضٍ مضطرب ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي يُصرف عن الدين والحق، من صرَفَه عنه جهلُه وهواه. ﴿قُتِلَ الخراصون الذين هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ هلك الكذّابون القائلون في شأن القيامة بالظنّ، الذين هم مغمورون في الجَهل، غافِلون عما أُمروا به. وهم يسألون استهزاءً فيقولون: متى يومُ الجزاء؟ قل لهم يا محمد إن يومَ الدّين ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ﴾ أيْ في جهنمَ يُحرقون، ويُقال لهم: ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ذوقوا هذا العذاب الذي كنتم تظنون انه غير كائن وتستعجلون وقوعه مستهزئين.

стр. 1271

ما يهجعون: ما ينامون. الأسحار: أواخر الليل. وفي أموالهم حق: نصيب. للسائل: للطالب. المحروم: المتعفف الذي لا يسأل. يُطلق على الواحد والجمع. قوم منكَرون: مجهولون غير معروفين. فراغَ الى أهله: فذهب الى اهله خفية وسرا. فقرّبه اليهم: وضعه بين أيديهم. فأوجس منهم خيفة: أضمر في نفسه الخوف منهم. امرأته: سارة. في صرة: في ضجة. فصكت وجهها: ضربت بيدها على جبهتها. وقالت: عجوز عقيم: أنا كبيرة السن لا ألد. بعد ان ذكر الكفارَ المنكرينللبعث والزاءِ وما ينتظرهم يومَ القيامة - ذكَرَ هنا حالَ المؤمنين المتقين وما يتمتعون به من النعيم المقيم في جَنّة الخُلد، لأنهم آمنوا وكانوا محسِنين في الدنيا، وكانوا يقيمون صلاةَ الليل ويتهجّدون في معظمِه، ويستغفِرون اللهَ تعالى في وقت الأسحار كما جعلوا في أموالِهم جزءاً للفقراءِ والمساكين، والذين لا يَجِدون ولا يَسالون. ثم ذَكرَ بعد ذلك بعضَ الآيات الكونية في الأرض والنفس. وفي الأرضِ دلائلُ على وجود الخالق العظيم، وفي أنفسِكم ايها الناسُ كذلك آياتٌ واضحةٌ أفلا تُبصِرون دلالتها؟ . وفي السماء أسبابُ رِزقكم، وكذلك ما توعَدون من كل شيء، فاعملوا وتوكّلوا على اللهِ الرزاقِ الكريم ولا تخافوا. ثم أقصِمَ اللهُ تعالى بعزّته وجلاله ان البعثَ حقٌّ ﴿مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ فلا تشكّوا فيه، يعني أن بَعْثَ الناسِ يومَ القيامة حقٌّ كأنكم تسمعون وترون. ثم تطرّقَ إلى قصة إبراهيم مع ضيوفه، تسليةً لرسوله الكريم. وقد تكرر ذكر ابراهيم كثيراً لأن النبيَّ على دينه، ولأنّ قريش كانت تقول إنّهم على دِين إبراهيم. هل علمَت يا محمد قصةَ الملائكة، ضيوفِ إبراهيم، الذي وفدوا عليه فأكرمهم وهو لا يعرفُهم، ولذلك قال لهم: ﴿سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ مجهولون لنا لا نعرفهم. ثم أسرع إبراهيم الى أهله خِفية وقدّم لضيوفه عجْلا سمينا مشويّا، فقرّبه إليهم، فلم يأكلوا منه، فقال منكِرا لحالهم: ألا تأكلون؟ ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ خافَ منهم في نفسِه، ظناً منه ان امتناعَهم عن الأكل إنما كان لشرّ يريدونه. ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ﴾ وطمأنوه بقولهم: لا تخفْ منا، إنا رسُل ربك إلى قوم لوطٍ، كما جاء في قوله تعالى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] . ثم زادوا طمأنتهم له: فقالوا: أبْشِر يا إبراهيم بغلامٍ عليم. هذا هو ابنه اسحاق من زوجته سارة. فلمّا أقبلت سارة وفوجئت بالبِشارة صاحت وضربت بيدها على جبينها، وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألِد؟ كما جاء واضحاً في سورة هود ٧٢ ﴿قَالَتْ ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليم﴾ كذلك قضى ربك بحكمتِه، إنه هو الحكيم في كل ما يقضي، العليم الذي لا يخفى عليه شيء. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو بكر: انه لحقٌّ مثلُ ما انكم تنطقون برفع مثل، والباقون: مثلَ بالنصب.

стр. 1272

ما خطبكم: ما شأنكم الذي أُرسلتم من أجله، والخطب: الشأن الخطير. الى قوم مجرمين: هم قوم لوط. مسوَّمة: معلّمة، عليها علامة خاصة. للمسرفين: الذين جاوزوا الحد في الفجور. آية: علامة. بسلطان مبين: بحجّة واضحة. فتولى بركنه: فتولى بقوته معتزاً بها وبجنوده. نبذناهم: طرحناهم، ألقيناهم في البحر. مُليم: فعلَ ما يلام عليه من الكفر والعناد. الريح العقيم: التي لا خير فيها، لا تلقح شجرا، ولا تحمل مطرا. كالرميم: كالبالي من كل شيء. فعتَوا: فاستكبروا عن امتثال الأوامر. الصاعقة: نار تنزل من السحاب بالاحتكاكات الكهربائية. قال إبراهيمُ يخاطب الضيوفَ بعد ان سلَّم عليهم وهو لا يعرفهم: ما شأنُكم، وفيم أُرسِلتم؟ فقالوا له: إنّا أُرسِلنا الى قومِ لوطٍ المجرِمين، ومعنا أوامرُ من الله تعالى بإهلاكهم. ولم يجِدوا فيها غيرَ أهلِ بيتٍ من المسلمين. ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم﴾ وجعلنا بَلَدهم عِبرةً بما أنزلنا بِها من العذابِ والدّمارِ، وذِكرى للّذين يخافون الله. وكذلك أرسل اللهُ موسى إلى فرعونَ وقومه بحجّةٍ واضحة ومعجزاتٍ باهرة، فأعرض فرعونُ عن الإيمان برسالة موسى معتدّاً بقوّته وما عندَه من جنودٍ ومُلكٍ، وقال عن موسى: إنه ساحر او مجنون. فأغرقه الله هو وجنودَه في البحر ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ مقترفٌ من الأعمال ما يُلام عليه. وكذلك في قصة عادٍ عبرةٌ وعظةٌ، حيث أهلكهم اللهُ بالرِيح العقيمِ العاتية. ومثلُهم قومُ ثمودٍ، أهلكهم اللهُ بالصاعقة، وقبلَهم قومُ نوحٍ أغرقَهم الله بذُنوبهم،. وقد تقدمت قصة الجميع اكثر من مرة في سورة الأعراف وهود بأوسعَ من ذلك. قراءات: قرأ الكسائي: فاخذتهم الصعقة: والباقون: الصاعقة.

стр. 1273

والسماءَ بنيناها بأيدٍ: بنيناها بقوة. وإنا لموسِعون: يعني ان هذا الكون فيه أمور تذهل لما يتسع فيه من المجرّات والاجرام السماوية التي تتمدد وتتسع دائما. والأرضَ قرشناها: مهّدناها كالفراش ليعيش الناس عليها. فنِعم الماهدون: فنعم المهيّئون لها نحن. ومن كل شيء خلقنا زوجين: ذكراً وانثى. ففِروا الى الله: التَجِئوا اليه، واعتصموا به. أتواصَوا به: هل أوصى بعضهم بعضا بهذا القول؟ فما أنتَ بملوم: ما أنت بمسئول عن عدم استجابتهم. فان للذين ظلموا ذنوبا: نصيبا. مثلَ ذَنوبِ اصحابهم: مثل نصيب أصحابهم من الكفار من الأمم الماضية. بعد إشارات سريعة الى قصصِ بعضِ الأنبياء الكرام، وذِكر شيءٍ من أفعال أقوامهم - يأتي ذِكرُ قدرة الله تعالى على خلْق هذا الكون ببناءِ السماء بهذا الإحكام المنفرد، وبأن التوسِعةَ مستمرةٌ على الزمن، وأن في الكون أجراماً من السُدُم والمجرّات تتمدَّد وتتوسّع دائما الى ما شاء الله. . وهذه ابحاثٌ في عِلم الفلك مذهلةٌ لمن شاءَ ان يطّلع عليها، فانه سيجدُ العَجَبَ العُجاب. . وان الله تعالى فرشَ لنا هذه الأرضَ ومدّها لنا لنعيشَ عليها بأمانٍ وسلام، وخلَق من كل شيء ذكراً وأنثى لاستمرار الحياة وبقائها الى أن يشاءَ خالقُها. ولذلك ينصحنا الله تعالى أن نلجأ اليه، ونسارعَ إلى طاعته، كما نصَح من أرسَل رسله اليهم من المشركين. كذلك شأن الأمم مع رسلهم، ما جاء رسولٌ إلى قومه إلا قالوا عنه ساحر أو مجنون. ﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أأوصى بعضُهم بعضاً بهذا القول؟ بل هم قوم طاغون تجاوزوا كلَّ حدٍّ في طعنِهم على الرسُل والأنبياء. ثم خاطب الرسولَ الكريم مسلّياً له بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ أَعرِض عن هؤلاء المعانِدين المنكِرين يا محمد، فما أنتَ بملومٍ على عدَم استجابتهم ولا بمسئول، وداوِم على التذكير فإن الذِكرى تنفع مَن في قلوبهم استعدادٌ للهداية من المؤمنين. ثم بين بعد ذلك كلّه ما هو المرادُ من خلْق الجِنّ والإنس فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ لا أريدُ منهم رِزقاً لأني غنيٌّ عن العالمين، ولا أريدُ ان يطعموني لاني أطعِم ولا أطعَم. ان الله وحدَه هو المتكفّل برزقِ هذا الخلق ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ . ثم بيّن ان للذين ظلموا أنفسَهم بالكفر نصيباً من العذاب مثلَ نصيبِ أصحابهم من الأمم الماضية، فلا يستعجلني قومُك أيها الرسول بإنزالِ العذاب قبل أوانه. ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ ختم السورة الكريمة بهذا الانذار الشديد الذي سينالهم يوم القيامة.

стр. 1274

الطور: هو طور سيناء، والطور في اللغة: الجبلُ، وفناء الدار، وجبلٌ قرب العقبة يضاف الى سيناء وسينين، وجبلٌ بالقدس عن يمين المسجد، وجبلٌ مطلّ على طبرية. «القاموس» . ويقال لجميع بلاد الشام الطور. «معجم البلدان» . كتاب مسطور: كل كتاب نزل من عند الله، مسطور: مكتوب بسطور منتظمة. ورَقٍّ منشور: الرق بفتح الراء: جلدٌ رقيق يكتب فيه. منشور: مفتوح للناس. البيت المعمور: الكعبة المعمورة بالحجّاج والطائفين. والسقف المرفوع: السماء وما فيها من عجائب. والبحر المسْجور: المملوء، يقال: سجر النهر ملأه، والمسجور: البحر الذي ماؤه اكثر منه «القاموس» . تمور: تضطرب وترتج. في خوضٍ يلعبون: الذي يلْهون بالباطل، وأصل الخوض: السيرُ في الماء، ثم غلبَ على الخوض في الباطل. يدعّون: يدفعون دفعا عنيفا. اصلَوها: ذوقوا حرها. اقسم الله تعالى بخمسة مقدَّسات في الأرض والسماء، بعضُها مكشوفٌ معلوم وبعضُها مغيَّب مجهول، بطورِ سيناء الذي كلّم الله عليه موسى، وبالكتُب المنزلة من عنده (وعبر عنها بكتابِ، بالإفراد، لأنها وحدةٌ واحدة تدعو الى نهجٍ واحد) في صحفٍ ميسّرة للقراءة، وبالبيت المعمور بالعبادةِ ليلَ نهار، وبالسماء وما فيها من عجائب الكون، وبالبحر المملوء بالمخلوقات. اقسم الله تعالى بهذه المقدسات أن عذابه لا بدّ أن يقع بالكافرين لا يستطيع أحدٌ دفعه عنهم، وذلك يوم القيامة، يوم تضطربُ السماء اضطراباً شديداً بما فيها، وتسير الجبال سيراً شديداً وتمرُّ مر السحاب. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ اعداءِ الله الذين يخوضون في الباطل ويتخذون الدينَ لَهواً ولعبا. ففي ذلك اليوم يُدفعون الى النار دفعاً شديدا ويقال لهم: ﴿هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فادخلوها وقاسوا حَرَّها وعذابها. وسواء عليكم أصبرتم ام لم تصبروا، فليس لكم منها مَهرب، وأنتم تلاقون اليوم ذلك الجزاء الذي كنتم توعَدون به على أعمالكم السيئة في الدنيا.

стр. 1275

فاكهين: نفوسُهم طيبة متمتعين بما أعطاهم الله من نعيم الجنة. وقاهم: حفظهم. وزوّجناهم بحورٍ عين: الحور: نساء الجنة. وما ألَتناهم من عملهم: ما أنقصناهم. رهين: مرعون بعمله عند الله. يتنازعون: يتعطَون ويتجاذبون. لا لغو فيها ولا تأثيم: ان خمر الجنة لا تذهبُ بعقل الشارب، فيلغو ويأثمُ في كلامه. غلمان: مماليك مختصون بهم. مكنون: مصون. مشفِقين: خائفين. السّموم: النار. البر: الواسع الاحسان. بعد ان بيّن ما يصيب الكافرين الكذّابين من العذاب، ذكَر هنا بالمقابل ما أعدّ الله للمؤمنين وما يتمتعون به في جنّات النعيم من مختلِفِ أنواع الملذّات في المسكَن والمأكل والأزواج هم وذريّاتهم الطيبة، لا ينقُصُهم شيئاً من ثواب أعمالهم، وكل انسان يعطى على قدْر ما قدّم من عمل صالح. ويُنعم الله عليهم بأنواع الفاكهة واللّحم ومما يشتهون، ويجلسون على الأسرّة يتجاذبون أطراف الاحاديث، ويشربون من شراب الجنة ﴿كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ فيها شرابٌ لا يَعْبَث بالعقل، ولا يدع شاربها يتكلم باللغو او الباطل. ويقوم على خدمتهم غلمانٌ غاية في الحسن والجمال ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ من حيث الصفاء والبياض وحُسن الرونق. ثم يُقبل بعضهم على بعض يتساءلون ويتحدّثون في أخبار الدنيا وما مرّ عليهم، ويقولون: كنا في دار الدنيا خائفين من عذاب الآخرة، ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾ ، اذ تفضّل برحمته لنا، ووقانا عذاب النار. ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم﴾ انا كنّا نعبده في الدنيا، ونسأله ان يمنَّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجابَ لنا وأعطانا مآلنا، انه هو المُحسِن الواسعُ الرحمة والفضلز قراءات: قرأ ابو عمرو: واتبعناهم ذرياتهم بدمع ذريات. وقرأ ابن عامر ويعقوب: واتبعتهم ذرياتهم بالجمع. والباقون: واتبعتهم ذريتهم بالإفراد وكلمة ذرية تقع على الواحد والجمع.

стр. 1276

الكاهن: الذي يوهم الناسَ أنه يعلم الغيب عن طريق اتصاله بالجنّ. نتربص: ننتظر. المنون: المنية، والدهر. ريب المنون: حوادثُ الدهر وصروفه. أحلامهم: عقولهم. قومٌ طاغون: ظالمون تجاوزوا حد المكابرة والعناد. تقوّله: اختلقه من عند نفسه. من غير شيء: من غير خالق. خزائن ربك: خزائن رزقه. المصيطرون: بالصاد وبالسين: القاهرون، المسلَّطون، سيطر عليه: تسلط عليه. بسلطان مبين: بحجة واضحة. من مَغرم مثقلون: من غرامة ثقيلة عليهم. كيداً: شراً. مَكيدون: يحيق بهم الشر ويعود عليهم وباله. كسفا: جمع كسفة وهي القطعة من الشيء. مركوم: متراكم بعضه فوق بعض. يأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يداوم على التذكير والموعظة، وعدم المبالاة بما يكيد المشركون، فما أنت ايها الرسول، بفضل ما أنعم الله به عليك من النبو ورجاحة العقل بكاهن، ولا بمجنون كما يزعمون، ولا انت شاعرٌ كما يقولون حتى يتربّصوا بك حوادثَ الدهر ونكباته. ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ قل لهم ايها الرسول: انتظِروا، فإني معكم من المنتظرين. ثم سفّه أحلامَهم بقوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بهاذآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ هل تأمرهم عقولهم بهذا القول المتناقِض، فالكاهنُ والشاعر من أهلِ الفطنة والعقل والذكاء، والمجنونُ لا عقل له، فكيف بكون شاعراً أو مجنوناً!؟ ، بل الحقّ أنهم قومٌ طاغون، يفتَرون الأقاويل دون دليل عليها. ثم زادوا في الإنكار ونسَبوا الى النبيِّ الكريم أنه اختلق القرآن من عنده، بل هم بمكابرتهم لا يؤمنون. فإن صحَّ ما يقولون فليأْتوا بحديثٍ مثل القرآن، ان كانوا صادقين في قولهم ان محمداً اختلقه. ثم انتقل الكتابُ الى الردّ عليهم في إنكارهم وجودَ الخالق كما هو شأن الدهريين فقال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون؟﴾ هل خُلقوا من غير إله، ام هم الّذين خلَقوا أنفسَهم، فلا يعترفون بخالقٍ يعبدونه. وهل هم الذين خلَقوا السمواتِ والأرضَ على هذا الصنع البديع؟ بل حقيقةُ أمرهم أنهم لا يوقنون بما يقولون. وهل عندهم خزائنُ ربّك يتصرفون بها، ﴿أَمْ هُمُ المسيطرون﴾ القادرون المدبِّرون للأمور كما يشاؤون. الحقيقة ان الأمرَ ليس كذلك، بل اللهُ هو المالكُ المتصرف الفعال لما يريد. قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي المسيطرون بالسين. والباقون بالصاد. يقال: سيطر وصيطر. روى البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرِب بالطّور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون؟ أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المسيطرون﴾ قال: كادَ قلبي يطير، وأثّرت فيه هذه الآياتُ وكان ذلك من أسباب دخوله الاسلام.

стр. 1277

وكان جبير من الذين وفَدوا على النبي الكريم بعد وقعةِ بدرٍ في فداء أسرى قريش. فاذا كانت أقوالُهم هذه غيرَ صحيحة فهل يدَّعون انهم ارتقوا بمصعَدٍ إلى السماء وسمعوا شيئاً من الله؟ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ فليأتِ الذي استمع شيئاً بحجّة واضحةٍ تصدِّق دعواه. ثم رد على الذين قالوا ان الملائكة بناتُ الله، وسفّه احلامهم، اذ اختاروا له البناتِ ولأنفسِهم البنينَ فقال: ﴿أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون﴾ كما تشاؤون وتحبّون؟ ولماذا يكذِّبون رسول الله؟ هل طلبَ منهم أجرة باهظة تُثقل كواهلهم ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ ؟ أم عندَهم عِلم الغيب، فهم يكتبون منه ما يشاؤن؟ بل يريد هؤلاء المشركون بقولهم هذا وافترائهم كيداً في رسول الله وفي الناس. فإن كان هذا ما يريدون فكيدُهم راجعٌ إليهم ووبالُه على أنفسهم. ام لهم الهٌ يعبدونه غير الله يمنعهم من عذاب الله؟ ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ . ان هؤلاء القوم معانِدون مكابرون، فحتى لو رأَوا بعضَ ما سألوه من الآيات، فعاينوا بعضَ السماءِ ساقطاً لكذّبوا وقالوا: هذا سحابٌ بعضُه فوق بعض. وذلك لن الله ختم على قلوبهم، وأعمى أبصارَهم.

стр. 1278

يُصعقون: يهلكون. دون ذلك: غيره. بأعيُننا: في حِفظنا ورعايتنا. إدبار النجوم، بكسر الهمزة: وقتُ مغيبها. يتّجه الخطاب هنا الى الرسول الكريم تسليةً له بأن يدعَ هؤلاء الكفار وشأنهم حتى يلاقوا يومَهم الذي يهلكون فيه. . لا تكترثُ تكذيبم وعنادهم، فإن لهم يوما لا يجدون فيه من يدافع عنهم أو ينصرهم. بل ان لِلذين ظلموا انفسهم بالكفر، مثل هؤلاء، عذاباً آخر قبل يوم القيامة، ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . فاصبر يا محمد لحكم ربك بإمهالهم، وعلى ما يلحقُك من أذاهم، فإنك في حِفظِنا ورعايتنا فلا يضرّك كيدهم، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ في الليل، وسبِّحه حين تغيبُ النجوم، واذكر الله في جميع الحالات والأوقات، آناءَ الليل وأطرافَ النهار.

стр. 1279

النجم: جنس النجوم. هوى: سقطَ وغرب. ما ضلّ: ما حادَ عن الطريق المستقيم. صاحبكم: هو محمد ﷺ . وما غوى: ما اعتقد باطلا، ولا حاد عن الهدى. وما ينطِق عن الهوى: وما يقول عن هوى نفسه. شديد القوى: الملَكُ جبريل. ذو مِرة: ذو حصافة عقل وقوة عارضة. فاستوى: فاستقام، واستوى لها عدة معان اخرى. وهو بالأفق الأعلى: وهو بالجهة العليا من السماء. ثم دنا: ثم قرب. فتدلّى: فنزل. فكان قاب قوسين أو أدنى: فكان قربُه قَدْرَ قوسين أو أقرب، والقابُ: المقدار. أفتمارونه: افتجادلونه على ما يراه. نزلةٌ اخرى: مرة أخرى. سِدرة المنتهى: شجرة عظيمة مباركة. جنة المأوى: جنة الخلد التي تؤوي المؤمنين. يغشى: يستر ويغطي. ما زاغ البصرُ: ما مال بصر محمد عما رآه. وما طغى: وما تجاوز ما أُمر به. آيات ربه الكبرى: عجائب ملكوته. لقد أقسَم الله تعالى بخلْق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتَها الا هو، وهي نجومُ السماء، بأن محمّداً، صاحبَكم يا معشرَ قريش وتعرفونه حقَّ المعرفة، وهو محمد الأمين كما سمَّيتموه - ما عَدَلَ عن طريق الحق، وما اعتقدَ باطلا، ولا يتكلّم إلا بوحيٍ من الله تعالى. وقد نقل إليه هذا الوحيّ من ربه الأعلى وعلّمه إياه جبريلُ الأمين، شديدُ القوى، ذو حصافة عقل ورأي سديد، فاستقام على صورته الحقيقية. ولقد رآه النبيُّ ﵊ مرَّتَين: مرةً على الأرض في غارِ حِراء، ومرةً أخرى ليلةَ المعراج. ورأى من عجائبِ صنع الله ما رأى، مما استطاعَ أن يخبركم به. وقد اوحى الله الى عبدهِ ما أوحى، ﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾ ، بل لقد رأى جبريلَ ببصرِه حقيقةً، فلا العينُ اخطأت فيما رأت، ولا القلبُ شكّ فيما رأت العين بل أيقنَ وجزم بصدقها. ﴿أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى﴾ وبعد هذا كلّه تجادِلونه على ما يراه وتكذّبونه!! كذلك رآه مرةً أخرى عند سِدرة المنتهى بقرب الجنة، ﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ من فضلِ الله ما لا يحيط به وصف. . لقد رأى من عجائب آياتِ ربه الكبرى ما يَبْهَرُ الفؤاد ويجِلُّ عن الوصف. قراءات: قرأ هشام: ما كذّب بتشديد الدال. والباقون: ما كذَب بدون تشديد. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب: افَتمرونه بفتح التاء، اي تغلبونه. والباقون: افتمارونه.

стр. 1280

اللات والعزَّى ومناة: اصنام كانت تعبدها العرب في الجاهلية وأبطلَها الاسلام. اللات: كانت صخرة مربعة بالطائف، وبها سمى العربُ في الجاهلية زيدَ اللات، وتَيْم اللات. وكانت في موضع منارةِ مسجد الطائف اليسرى اليوم. وبعد فتحِ الطائف بعث الرسولُ الكريم المغيرةَ بنَ شُعبة فهدمها وحرقها بالنار. العُزّى: شجرة من السَمُرِ كانت بوادِ حَراضِ عن يمين الذاهب الى العراق، وأولُ من اتخذها ظالم بن اسعد، وكانت أعظمَ الاصنام عند قريش. وبها سمت العرب: عبدَ العزى. فلما كان عامُ الفتح دعا النبي خالدَ ابن الوليد فقال له: انطلق الى شجرةٍ ببطن نَخْلَةَ فاعصرها، فقتلَ سادِنَها وقطع الشجرة. مَناة: وهي أقدم هذه الاصنام، وكان صنمه منصوباً على ساحل البحر بناحية المشلل بِقَديدٍ، بين المدينة ومكة. وكانت العرب جميعا تعظّمه وتذبح حوله. وكانت الأوسُ والخزرج تعظّمه أكثرَ من جميع العرب، وكانوا يحلقون رؤوسهم عند مناة. وبعد فتح مكة أرسل الرسول الكريم ﷺ عليَّ بنَ ابي طالب كرم الله وجهه فهدَمها وأخذ ما كان لها. وكان من جملة ما وجدَ عندها سيفان، فوهبَهما الرسولُ الى علي رضي الله عن هـ. والعرب تسمى: عبدَ مناة وزيدَ مناة، وكانت أقدم الاصنام الثلاثة. ضِيزى: جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزا: اعوجّ وجار، وضازه حقَّه ظَلَمه. من سلطان: من حجة. يخاطب الله تعالى قريشاً فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات. . . .﴾ أخبِروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله وهي اللات والعزى ومناة. . . . هل لها قدرة توصف بها؟ وبعد ان أنّبهم على سُخف عقولهم بعبادة الاصنام، التي كانوا يزعمون انها هياكل للملائكة وان الملائكة بناتُ الله، قال: ﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ ان هذه القسمة جائرة، وغير عادلة. ثم أنكر عليهم ما ابتدعوه من الكذِب والافتراء في عبادةِ الأصنام وتسميتها آلهةً بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ هي أسماء لفّقتموها، وما تتبعون الا الظنَّ الذي تهواه أنفسكم في هذا الشأن. أما الآن وعلى لسان محمدٍ، فقد جاءكم من ربكم الهدى لو تتبعونه. ومع هذا فإن هذه الأصنام لا تنفعكم، ولا تشفع لكم عند الله، وما هي الا أباطيل من صنع الكهنة والسَدَنة ليأكلوا أموالَ الناس بالباطل. . اما كل ما في هذا الكون دنيا واخرى، فهو مِلك له تعالى، لا شريك له ولم يلد ولم يولد. وان كثيرا من الملائكة لا تفيد شفاعتهم شيئا، ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى﴾ ، فاذا كان هذا حالُ الملائكة المقربين عند الله، فكيف حال الأصنامِ الجامدة الميتة!! قراءات: قرأ رويس ويعقوب: اللاتّ بتشديد التاء، والباقون: اللات من غير تشديد. وقرأ ابن كثير: مناءة بمدّ الالف والهمزة المفتوحة، والباقون: مناة.

стр. 1281

مبلغهم من العلم: منتهى علمهم. كبائر الإثم: الجرائم الكبرى كالقتل والسرقة وما يترتب عليه حد. والفواحش: ايضا من الكبائر وهي ما عظُم قبحها. اللّمم: مقاربة الذنب والدنو منه، او ما صغُر من الذنوب. أنشأكم: خلقكم. أجنّة: جمع جنين، وهو الولد ما دام في بطن أمه. بعد ان عاب الله عبادةَ الأصنام التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا شفاعة، وكرر هنا تسفيه أحلامهم بأنهم سمّوا الملائكة بناتِ الله، فمن أين أتاهم ان الله له اولاد هي الملائكة!؟ إنه تعالى غني عن المساعدة وعن الصاحبة والولد، وكلامهم هذا كله دعوى من غير دليل، ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ . فأعرِض أيها الرسول عن هؤلاء الذين لا همَّ لهم الا جمع حطام الدنيا، لأن ذلك الذي يتبعونه هو منتَهى ما وصلوا اليه من العلم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى﴾ فهؤلاء قومٌ لا تجدي فيهم الذكرى ولا تؤثر فيهم الموعظة، فلا تبتئس بإنكارهم وكفرهم، اللهُ أعلمُ بهم. ثم بين بعد ذلك ان الله تعالى هو مالك هذا الكون المتصرفُ فيه، ولذلك فهو القادرُ على الجزاء. وهو عادلٌ يحب العدل، ولذلك يبيّن جزاء الذين أساؤا والذين أحسنوا. وقد بيّن أوصافَ المحسِنين بقوله تعالى: ﴿الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم﴾ يعني ان المحسنين هم الذين يبتعدون عن كبائرِ المعاصي والفواحش، فإذا وقعوا في معصيةٍ وتابوا فَ ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة﴾ يغفر كل ذنب كما قال تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣] . وعلى هذا يكون اللَّمَمُ هو الإتيان بالمعصِية (من أيّ نوعٍ) ثم يتوب عنها. ولذلك ختم الآية بان هذا الجزاء، بالسُّوءى والحسنى، مستند الى علم الله بحقيقة دخائل الناس فقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى﴾ فهو أعلمُ بأحوالكم، وعندَه الميزانُ الدقيق، وجزاؤه العدْل، واليه المرجع والمآل. ويرى كثير من المفسرين ان الآية تعني أن الذي يجتنب الكبائرَ يكفِّر الله عنه الصغائرَ، كما قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ، وهذه الآية مدنية. وعلى كل حالٍ فالله تعالى واسعُ المغفرة، رؤوف بعباده حليم كريم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: الذين يجتنبون كبير الإثم بالافراد، والباقون: كبائر الاثم بالجمع.

стр. 1282

تولى: أعرضَ عن اتباع الحق. أكدى: قطع العطاء وأمسك وبخِل. ينبَّأ: يخبر. صحف موسى: التوراة. ووفى: أتم ما أُمر به وأكمل. ان لا تزر وازرةٌ وزر اخرى: لا تحمل نفس ذنب نفس اخرى، كل انسان يؤخذ بذنبه. ثم يُجزاه: يجازيه الله على عمله، يقال: جزاه على عمله، وجزاه عملَه. الأوفى: الأكمل. أَعلمتَ يا محمدُ بأمر ذلك الجاحد الذي أعرضَ عن اتّباع الحق، وقد أعطى قليلا من المال ثم قطع عطاءه، أأ، زل عليه وحيٌ فصار عندَه علمُ الغيب فرأى ان ما صنعه حق؟ . ان الشرائع التي يعرفها ذلك الرجل على غير هذا. ألَم يُخْبرَ بما في صُحف موسى، وابراهيمَ الذي بلغَ الغايةَ في الوفاء بما عاهد الله عليه!! وكانت قريش تدّعي أَنها على دِين ابراهيم، بينما أن دين ابراهيم يخالفُ ما يقولون وما يعملون. لقد اتفقت الأديان على أنه لا تحمل نفسٌ ذنوبَ نفسٍ أخرى، وانه ليس للانسان الا جزاء، وأن عمله سوف يُعلَن يومَ القيامة فيراه الناس، ثم يجزيه الله على عمله أوفَى جزاءٍ فيضاعِفُ له الحسنةَ اضعافا كثيرة، ويجازيه بالسيئة مثلَها فقط او يعفو عنها، ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ [الحجر: ٤٩] .

стр. 1283

المنتهى: المعاد يوم القيامة. تُمْنَى: تصبّ في الرحم وتدفع فيه. النشأة الاخرى: البعث يوم القيامة. أغنى: كفى عبده وأغناه عن سؤال الناس. أقنى: أعطاه فوق الغنى من لمال ما يُقتنى ويُدّخر. الشّعرى: نجم مضيء وهي معروفة بالشّعرى اليمانية، أشدّ نجمٍ لمعاناً في السماء، يبلغ قطرها ضِعف قطر الشمس، وأكثر لمعاناً من الشمس بِ ٢٧ مرة. وكان بعض العرب يعبدونها في الجاهلية. عاداً الأولى: قوم هود. المؤتفكة: قرى قوم لوط، ائتفكت الأرض: انقلبت بمن عليها. أهوى: أسقطها في الأرض، خسف بها الارض. غشّاها: غطاها العذاب. آلاء رَبِّكَ: نِعمه. مفردها إلي بفتح الهمزة وكسرها. تتمارى: تشك. أزفت: دنت واقتربت. الآزفة: الساعة يوم القيامة. كاشفة: من الكشف والإظهار. أفمن هذا الحديث: يعني القرآن. سامدون: لاهون. في ختام هذه السورة الكريمة يعجَب اللهُ تعالى من أمر الانسان، وانه كيف يتشكّك في أمر الله وقدرته، ويجادل ويماري في أمر الرسالات!! فمهما طالَ وجودُ الانسان في هذه الحياة فان مصيره الموتُ والرجوعُ إليه. ان الله تعالى وحده خلَقَ ما يسرُّ وما يُحزِن، فأضحك وأبكى، وذلك بأن أنشأ للانسان دواعي الضحك ودواعي البكاء. وقد يضحك غداً مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس في غير جنون ولا ذهول، إنما هي الحالاتُ النفسية المتقلبة بيدِ مقلِّب القلوب. وأنه هو يهب الحياة ويأخذُها، وانه خلَقَ الزوجين: الذكر والانثى، من نطفةٍ فيها آلاف الحيوانات الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجردة. وهو الذي يحيينا مرةً أخرى يومَ البعث، وانه سبحانه ﴿هُوَ أغنى وأقنى﴾ فأعطى ما يكفي، وزادنا رضىً بما يُقْتَنَى ويُدّخر. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى﴾ وقد نصّ بشكل خاص بانه ربّ الشعرى اليمانية (ألمع نجمٍ في كوكبة الكلب الأكبر، وأَلْمع ما يُرى من نجوم السماء) - لان بعض العرب كانوا يعبدونها. وكان قدماء المصريين يعبدونها ايضا، لأن ظهورها في جهة الشرق نحو منتصف شهر تموز قبل شروق الشمس - يتفق مع زمن الفيضان في مصر الوسطى، وهو اهم حادث في العام، وابتداء عام جديد. لقد أهلك الله عاداً الأولى قومَ هود، وأهلم ثمودَ قوم صالح، فما أبقى عليهم. كذلك أهلك قوم نوح من قبلهم، وقد كانوا اكثر ظُلماً وأشدَّ طغياناً من عاد وثمود. أما المؤتفكة قم لوط، فقد قلَب بهم الارض وخسفها لطغيانهم وكفرهم. ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ فأحاط بها من العذاب الشديد المرعب ما لا يوصف. ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكَ تتمارى﴾ فبأيّ نِعمِ ربك عليك أيها الانسانُ تشكّ وترتاب!! وكما قال تعالى: ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم؟ . . . .﴾ [الإنفطار: ٦] . إن هذه كلَّها أدلةٌ على وحدانية ربك وربوبيته. ﴿هذا نَذِيرٌ مِّنَ النذر الأولى﴾ هذا هو محمد بن عبد الله ﷺ جاءكم نذيراً بالقرآن الكريم، وهو من النذُر الأولى التي أُنذرت بها الأمم السابقة.

стр. 1284

﴿أَزِفَتِ الآزفة﴾ قربتْ القيامة، ولا ينشِف عن وقتها الا الله، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . فما لكم ساهون لاهون!! وهل بعدَ هذا كلّه ينبغي أن تعجَبوا من هذا القرآن، وهو حديثٌ عظيم فيه كل ما يقودكم الى الهدى والصلاح والسعادة!! وتضحكون استهزاء وسخريةً ولا تبكون، كما يفعل الموقنون! . ﴿فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا﴾ بهذا يختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة، فاسجدوا لله الذي انزلَ القرآنَ هدىً للناس، واعبدوه وحدَه لا اله الا هو. وهنا موضعُ سجدةٍ واجبة. قراءات: قرأ نافع وابن كثير: عاداً الَّولى بإدغام التنوين باللام. والباقون: عاداً الأولى. وقرأ حفص: وثمودَ بغير تنوين. والباقون: وثموداً بالتنوين. وقرأ الجمهور: تتمارى بتاءين. وقرأ يعقوب: تمارى بتاء واحدة.

стр. 1285

وإن يروا آية: وان يروا دليلاً على نبوة محمد. مستمر: دائم. أهواءهم: ما زينه لهم الشيطانُ من الوساوس والأوهام. مستقر: منتهٍ الى غاية ينتهي اليها. مزدجَر: ما فيه الكفاية لزجرهم. حكمة بالغة: واصلةٌ غايةَ الإحكام والابداع. فما تُغني النذر: فما يفيد المنذِرون لمن انصرف عنهم. نُكُر: بضم النون والكاف، كل ما تنكره النفوس وتعافه. خشّعا: جمع خاشع وهو الذليل. الأجداث: القبور. مهطِعين الى الداع: مسرعين منقادين لمن يدعوهم الى الحشر. عُسُر: صعب شديد الهول. يخبرنا الله تعالى باقترابِ يوم القيامة، ونهايةِ الدنيا وانقضائها، وأنّ الكونَ يختلُّ كثيرٌ من نظامه عند ذاك، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ وَإِذَا النجوم انكدرت﴾ [التكوير: ١ -٢] ، والتكدُّر هو الانتثار، فعبّر بالماضي، وهنا التعبير جاء بالماضي، وكما قال في آخر سورة النجم ﴿أَزِفَتِ الآزفة﴾ [النجم: ٥٧] . وقد روى الامام أحمد عن سهلِ بن سعد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بُعثتُ أنا والساعةُ هكذا، وأشار باصبعَيه السبّابةِ والوسطَى» . وهنا يقول: اقتربت القيامة، وسينشقُّ القمرُ لا محالة. وتشير الابحاثُ الفلكية الى ان القمر يدنو من الأرض ويستمرُّ بالدنوّ منها حتى يبلغَ درجةً يتمزقُ عندها ويصير قِطعاً كلّ واحدةٍ تدور في فلكها الخاص. وهذا طبعاً سيحدُث عند انتهاء هذه الحياةِ الدنيا، ولا يعلم وقتَ ذلك الا الله. ويقول المفسّرون الأقدمون: ان انشقاق القمر قد حدَث فعلا، ويرون عدة أحاديث أسندوها الى أنس بن مالك وعبد الله بن عباس، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عن هم. ويقول ابن كثير: قد كان هذا في زمان رسول الله كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. والروايةُ عن خمسة من الصحابة فقط فكيف تكون متواترة؟ واللهُ اعلم. لقد كذّب هؤلاء الكفار النبيَّ الكريم، وأعرضوا عن الإيمان به، وقالوا: إنه كاهن وساحر يُرهِب الناسَ بسحره. بذلك كذّبوا بالحق إذ جاءهم ﴿واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ فهو منتهٍ الى غاية يستقر عليها. ان هذا الكون يا محمد يسير وفق قوانينَ منتظِمة محدّدة مستقرة. وان امرك ايها الرسول سينتهي الى الاستقرار بالنصر في الدنيا والفوزِ بالجنّة في الآخرة. ولقد جاء لهؤلاء المكذِّبين من الأخبار عن الماضِين الذين كذّبوا الرسلَ، فهلكوا، ما يردعُهم ويزجُرهم عما هم فيه من الغيِّ والشرك والفساد. وهو ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النذر﴾ . إنه حكمةٌ عظيمة بالغةٌ غايتها في الهداية والارشاد الى طريق الحقّ لو انهم فكّروا واستعملوا عقولهم، ولكن أيّ نفعٍ تفيد النذُر لمن اتَّبع هواه وانصرف عنها!؟ . أعرِضْ أيها الرسول عن هؤلاء الكفار، وانتظِر يومَ يدعو الداعي الى أمرٍ شديدٍ تنكره النفوس، ولم يروا مثلَه لما فيه من هول وعذاب.

стр. 1286

انه يوم الفزَع الاكبر، يوم تراهم: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ . يخرجون من قبورهم في حالةِ هلع عظيم، خاشعة أبصارهم من شدة الهول، كأنهم من كثرتهم وسرعة انتشارهم جرادٌ منتشر. كما قال تعالى ايضا: ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤] ، فهم في أول أمرِهم يكونون كالفَراش حين يموجون فزِعين لا يهتدون أين يتوجهون، ثم يكونون كالجراد المنتشِر عندما يتوجهون للحشْر. في ذلك اليوم يخرجون مسرعين الى الداعي، ينظرون إليه في ذلٍّ وخضوع، لما يرون من الهول حتى ﴿يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ هذا يوم صعب شديد. قراءات: قرأ ابن كثير: نُكْر بضم النون واسكان الكاف، والباقون: نُكُر بضم النون والكاف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: خُشّعاً بضم الخاء وتشديد الشين جمع خاشع. والباقون: خاشعاً ابصارهم على الافراد.

стр. 1287

ازدُجر: زجروه عن التبليغ. فانتصِر: فانتقم لي منهم. منهمر: منسكب بقوة. فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر: فالتقى ماء السماء بماءِ الأرض، على حال قدّره الله. ذات ألواحٍ ودُسُر: الواحٍ من الخشب ومسامير، ودسر جمعُ دسار. بأعيننا: بحِفظنا وحراستنا. تركناها آية: تركنا السفينة آية وحجّة. مدّكر: معتبر، متذكر، متعظ. ونذُر: جمع نذير بمعنى إنذار. يبيّن الله تعالى هنا ان شأنَ الرسول الكريم مع قومه كشأنِ نوحٍ مع قومه. فبعد ان أخبرَ أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجرٌ لو تذكّروا - ذَكَر هنا قصة قوم نوح الذين كذّبوا نبيَّهم قديماً قبل قريش، ورمَوه بالجنون ومنعوه من تبليغ رسالته بأنواع الأذى والتخويف. فدعا نوح ربه: لقد غلبتُ على أمري، فانتقِم منهم بعذابك. فاخبره الله تعالى أنه أجاب دعاءه فقال: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ أي بماء متدفق من السماء، وفجَّر من الأرض عيوناً فالتقى ماءُ السماء بماءِ الأرض وأهلك الكذّابين من قوم نوحٍ بالطوفان ﴿على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ وفق أمرٍ قدَّره الله تعالى. ﴿وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ وحملنا نوحاً ومن معه على سفينة مصنوعة من الخشب والمسامير، تجري على الماء بحِفظ اللهِ ورعايته، وذلك جزاءً منا لنوحٍ الذي كذّبه قومه ولم يؤمنوا به. ثم بين الله تعالى انه أبقى أخبارَ السفينة وإغراقَهم عبرةً لمن بعدهم فقال: ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ فهل يوجَدُ مِن بينِهم من يتّعظ ويعتبر!! ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ انظروا كيف كان العذابُ الذي حلّ بهم ما أشدَّه، وما أفظع إنذاري لهم بما أحللته بهم. وقد تقدمت قصة نوح في أكثرَ من سورة وذكر في القرىن في ثلاثةٍ وأربعين موضعا. ثم بين ان هذا القصص وامثاله إنما يُروى في القرآن للعبرة، وانه يسَّر معناه، وسهله للتذكّر والاتعاظ، فهل من متعظ؟ قراءات: قرأ ابن عامر ويعقوب: ففتّحنا بتشديد التاء، والباقون: ففتحنا بغير تشديد.

стр. 1288

الريح الصرصر: الباردة اشد البرد. نحس: شؤم. مستمر: دائم. تنزع الناس: تنقلهم. أعجاز نخل: أصول النخل. منقعِر: منقلع، يقال قعرت النخلة، قلعتُها من أصلها فانقعرت. بالنذُر: بالرسل. وسُعر: جنون. يقال: سَعِرَ فلان فهو مسعور: جنّ فهو مجنون. كذّاب أشِر: شديد البطر، متعاظم. فارتقبْهم واصطبر: فانتظرهم واصبر على أذاهم. كل شِرب محتضَر: الشِرب بكسر الشين: النصيب، ومحتضر: بفتح الضاد: يحضره صاحبه في نوبته. صاحبهم: هو الذي قتل الناقة. فتعاطى: فاجترأ على هذه الجريمة. فعقر: فضرب قوائم الناقة بالسيف. كهشيم المحتظِر: الهشيم: كل زرع ونبات وشجر يابس، والمحتظر: الذي يعمل حظيرة لغنمه ويتساقط منه بعض اجزائه وتتفتت حال العمل. في هذه الآيات الكريمة يذكر الكتاب قصةَ عاد، قوم هود، وقصة ثمود قوم صالح، وقد ذُكر هود سبع مرات في القرآن وصالحٌ تسعاً. ولقد كذّبت عادٌ نبيَّهم هودا ولم يؤمنوا به، فانظُروا يا معشر قريش كيف أنزلتُ بهم عذاباً شديداً، ريحاً باردة مدوَّية في يومِ شؤمٍ دائم، تقتلع الناسَ من أماكنهم وترميهم كأنهم أعجازُ نخلٍ قد انقلَع من الأرض ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ . وقد كرر هذه الآية لبيان هولِ ما نزلَ بهم من عذاب. ثم اردف ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ لقد أنزلناه سهلاً ميسَّراً ليبيّن للناس العبر والعظات فهل يتعظون؟ . ثم اردف بقصة ثمود، وكيف كذّبت نبيّهم صالحاً، وكيف تعجّبوا من ان يأتيه الوحي والنبوة من بينهم، وفيهم من هو أحقُّ منه، ثم شتموه بأنه كذاب أشِر. وقالوا: ﴿إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ لو اتبعنا صالحاً هذا فيما يدعونا إليه لكُنّا ضللنا، وصرنا مجانين. ثم بين الله تعالى بأنهم: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾ سيعلمون قريباً يوم ينزل بهم العذابُ من هو الكذّاب المنكِر للنعمة، هم أم رسولنا إليهم صالح. ثم بين الله لصالح انه مرسلٌ لهم الناقة آيةً، وامتحاناً، فانظِرْهم يا صالح واصبر على أذاهم وخبِّرهم أن ورود الماءِ مقسومٌ بينَهم وبين الناقة، ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ كل نصيب يحضره صاحبه في يومه. فلم تعجبْهم القِسمة، فدعوا صاحبَهم (وهو الذي عبَّر الله عنه في سورة الشّمس بقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١١-١٢] ليفعل فِعْلته. ﴿فتعاطى فَعَقَرَ﴾ فتهيأ لعقر الناقة وضرَب قوائمها بالسيف فعقَرها، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ؟ ثم أخذتهم صيحةُ العذاب فكانوا مثلَ الهشيم اليابس الذي يجمعه صاحبُ الحظيرة لماشيته. ثم يكرر قوله تعالى: ﴿وَلَقَد يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ليوجّههم الى القرآن ليتذكروا ويتدبروا. قراءات: قرأ ابن عامر وحمزة ورويس: ستعلمون بالتاء. والباقون: سيعلمون بالياء.

стр. 1289

حاصبا: ريحا تحمل الحصباء. السحَر: آخر الليل. بطشَتَنا: عذابنا الشديد. فتماروا بالنذر: فشكّوا وجادلوا في الانذارات. راودوه عن ضيفه: نازعوه في ضيوفه ليفجُروا بهم، وهم يظنون انهم من البشر. الضيف يطلق على الواحد والجمع. فطمسنا أعينهم: حجبناها عن الإبصار فلم تر شيئا. بكرة: أول النهار. مستقر: دائمٌ وثابتٌ مستمر. ثم يذكر قصص قوم لوطٍ وفرعونَ باختصار، فقد كذّبت قوم لوط بما جاءهم من انذار، فأرسل الله عليهم ريحاً شديدةً ترميهم بالحصى، ونجّى آل لوط المؤمنين من هذا العذاب في آخر الليل، وذلك كله نعمةٌ من الله ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغابرين﴾ [النمل: ٥٧] . ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بالنذر﴾ لقد أنذرهم رسولُهم لوط من عذابِ الله فشكّوا في ذلك وسخِروا منه، بل توعّدوه كما جاء في سورة الشعراء: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين﴾ [الشعراء: ١٦٧] . ثم طلبوا منه ضيوفَه ليأخذوهم ويفجُروا بهم لَمّا رأوهم على صورة شبابٍ مُرْدٍ حسان، فَطَمَسَ الله أعينَهم وحجَبها عن الإبصار. وذهبَ الملائكةُ بعدَ أن أفهموا لوطاً بأنْ يخرج ليلاً من تلك القرية الظالمة. وصبَّحَهم عذابٌ مستقر أهلكهم ودمّر بلادَهم وقال الله لهم: ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ثم كرر الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يسّرناهُ على الأفهام للاتعاظ والتذكُّر من قبل أصحابها. ثم ذكر قصة فرعون وآله بآيتين، وأنهم كذّبوا رسولهم موسى، ولم يؤمنوا بآيات الله. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ لقد أهلكهم الله إهلاك قويّ لا يُغلب، عظيمِ القدرة على ما يشاء. وقد ذُكرت قصة فرعون وموسى بعدد من السور بين مطول ومختصر.

стр. 1290

أم لكم براءة: أم عندكم كتابٌ فيه نجاتكم من العذاب. الزُبُر: جمع زبور، وهي الكتب السماوية. ويولّون الدبُر: يعطونكم ظهورهم عندما ينهزمون. أدهى: أعظم. وأمر: اشد مرارة. سعر: نيران مستعرة. سقَر: اسم من اسماء جهنم، ومسّ سقر: حرها، بقدَر: بتقدير حسب حكمة بالغة. وما أمرُنا الا واحدة: كن فيكون. كلمح بالبصر: كلمح البصر لشدة سرعته. أشياعكم: أشباهكم، وأتباعكم وانصاركم. مستطر: مكتوب. ونهَر: أنهار. في مقعد صدقٍ: في مكان مرضي. عند مليكٍ مقتدر: عظيم القدرة. يوجَّه الخطابُ هنا الى قريشٍ ومن والاهم. أكفاركم يا معشَر قريشٍ أقوى من تلك الأقوامِ التي ذُكرت، فأنتم لستم بأكثرَ منهم قوة، ولا أوفرَ عددا. وهل عندكم صكٌّ مكتوب فيه براءتكم من العذاب! . ام ان المشركين يقولون: نحن واثِقون بقوّتنا ونحن منتصِرون. وقد ردّ الله عليهم مقالَهم بأنهم سيُهزمون ويولّون الدبُر. وقد صدق الله وعدَه فهزمهم جميعاً ونصرَ رسولَه الكريم ﷺ . ثم بيّن الله أن الهزيمةَ هي عذابُ الدنيا، وان موعدَهم يومُ القيامة، فيه العذاب الشديد الذي ليس له مثيل، وكل عذابٍ دونض جهنمَ بسيط وقليل. ففي ذلك اليوم يكون المجرمون من المشركين في هلاكٍ وجحيم مستعر، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ ويقال لهم: ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ قاسوا عذابَ جهنم. ثم بين الله تعالى أن كلّ ما يوجد في هذا الكون يحدُث بقضائه وأمرِه وتقديره على ما تقتضيه حكمته، وان أمْرَه ينفَذُ بكلمة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] بأسرعَ من لمح البصر. ثم بين لهم انه أهلكَ اقواماً كثيرا أشباههم فهل يعتبرون؟ وان كل شيء فعلوه في الدنيا سيَجِدونه مكتوباً مسجّلاً لا يغيبُ منه شيء. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ كلّ صغيرٍ وكبير من الأعمال مسجَّل مسطور. وبعد ان بين مقام الكافرين وما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، ذكر ما ينالُه المتقون من الكرامة عند ربهم في جنّاتٍ وأنهارٍ متعددة. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ في مجلسٍ كريم في ضيافةِ الرحمن الرحيم، القويّ العزيز، عظيمِ القدرة ﷻ .

стр. 1291

الرحمن: اسمٌ من اسماء الله الحسنى لا يجوز أن يسمّى به غيره. البيان: تعبير الانسان عما في نفسه. بحسبان: بحساب دقيق منتظم. النَّجم: النباتُ الذي لا ساق له. الشجر: كل ما له ساق كالنخل وغيره. يسجدان: يخضعان لله تعالى. والسماءَ رفعها: خلقها مرفوعة. ووضع الميزان: شرع العدل. وأقيموا الوزن بالقسط: قوّموا وزنكم بالعدل. ولا تخسِروا الميزان: ولا تنقصوا الميزان. الأنام: الخلق. ذات الأكمام: واحدها كم بكسر الكاف، وهي وعاء طَلْع النخل، وبرعوم الثمرة. العصف: ورقُ النبات الذي على السنبلة. الرَّيحان: كل مشموم طيب الرائحة من النبات. الآلاء: النعم واحدها إِلىً بفتح الهمزة وكسرها، وألْيٌ، وأَلْوٌ. يبين الله تعالى في هذه الآياتِ أنه علّم القرآن وأحكام الشرائع لهداية الخلق، وإتمام سعادتِهم في معاشِهم ومَعادهم. وخلَقَ الانسانَ على أحسنِ تقويم، وكمّله بالعقل وجمّله بالنطق ﴿عَلَّمَهُ البيان﴾ كي يُبينَ عما في نفسه. وتلك ميزةٌ له عن سائر الحيوان. وسخّر الشمسَ والقمرَ يجريان بحسابٍ دقيق وتقديرٍ منتظم وقوانين ثابتة. والنباتُ الذي لا ساقَ له، والشجرُ بجميع انواعه - مسخَّرة خاضعة لارادة الله في كل ما يريد. كما خلَق السماءَ مرفوعة، ووضعَ العدلَ حتى لا يظلم بعضكم بعضا. وأقيموا الوزن بالعدل في كل معاملاتكم، ولا تنقصوا الميزان. ولقد أوجد الله في الأرض لكم أنواعاً كثيرة من الفواكه، فيها النخْل ذاتُ الأكمام، وفيها الحبُّ ذو القشر، جعله رزقاً لكم ولأنعامكم. وفيها كل نبتٍ طيب الرائحة. وقد خص النخلَ بالذِكر لأن ثمره فاكهة وغذاء. ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الخطاب للانس والجن وقد جاء بعد ذِكر كثير من النعم، فبعد كل هذه النعم فبأي نعمة من ربكما تجحدان وتكذّبان؟؟ . قراءات: قرأ ابن عامر: والحبَّ ذا العصف والريحانَ بفتح الحب والريحان. وقرأ حمزة والكسائي والريحانِ بالجر. والباقون: والحبّ ذو العصف والريحان بالرفع.

стр. 1292

الصلصال: الطين اليابس الذي له صوت اذا نُقر. والفَخّار: الطين المطبوخ المصنّع. المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد التى لا دخان فيها. رب المشرقَين ورب المغربين: الشمس تشرق كل يوم من مكان، وتغرب في مكان، ولذلك ورد ايضا ﴿وَرَبُّ المشارق﴾ [الصافات: ٥] في سورة الصافات. مرجَ البحرين: أرسلهما واجراهما. يلتقيان: يتجاوران. برزخ: حاجز. لا يبغيان: لا يطغى احدهما على الآخر فيمتزجان. اللؤلؤ: هو الدر المعروف المخلوق في الأصداف. المرجان: نوع احمر من حيوان البحر ايضا يُتخذ حلياً. الجواري: السفن الكبيرة. المنشآت: المصنوعات. كالأعلام: كالجبال، والعلَم هو الجبل العالي. بعد ان منّ الله على الخلق بما هيأ لهم من نعمٍ لا تحصى في هذا الكون، ينتقل هنا الى الامتنان عليهم بنعمه في ذواتِ أنفسهم، وفي خاصةِ وجودهم وإنشائهم. خلَقَ جنسَ الانسان من طينٍ يابس غير مطبوخ، وخلق الجانَّ من لهيبٍ مشتعل من نار، وهو ربُّ مشرِقَي الشمسِ في الصيف والشتاء، ورب مغربَيها اللذين يترتب عليهما تقلُّبُ الفصول الأربعة وتقلب الهوا ءوتنوعه، وما يلي ذلك من الأمطار والشجر والنبات والأنهار الجارية. ثم ذكر نعمه تعالى على عبادِه في البحر وما فيه من فوائدَ وخيرات فقال: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ أرسل البحرَ المالحَ والبحرَ العذب متجاورَين متلاقيين لا يبغي أحدُهما على الآخر، فقد حجَز بينهما ربُّهما بحاجزٍ من قدرته. . فبأيّ هذه المنافع تكذّبان ايها الثّقلان!! . ومن البحر المالح والعذب يخرجُ اللؤلؤ والمرجان، يتّخذ الناس منهما حِليةً يلبسونها. وفيهما تجري السفن الكبار المصنوعات بأيديكم كالجبال الشاهقة، حاملةً ما ينفع الناس ويقضي مصالحهم. وبعد ذكر هذه النِعم التي أوجدها في البر والبحر - بيّن ان هذا كله فانٍ لا يدوم، وانه لا يبقى الا الله تعالى، وكل من في الوجود مفتقِر إليه، وهو الحي الباقي في شئونه يُحيي ويميت، ويرزقُ ويعزّ ويذلّ، ويعطي ويمنع. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ فجميعُ أهل الأرض يذهبون ويموتون، وكذلك أهلُ السموات، ولا يبقى سوى الله، فَهو ذو الجلال وحده. ولا يقال ذو الجلال الا في النسبة الى الله. ثم قال والاكرام لأن الله تعالى كريمٌ يكرم الانسان وينظر اليه بعين العطف والعناية، والكريم لا يُخاف بل يُحَبُّ ويطاع. وكل من في السموات والارض مفتقِر إليه تعالى، محتاجٌ الى رحمته ونواله ولذلك يقول: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ . فهو يحيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب. قال عبد الله بن حنيف: تلا علينا رسول الله صلى الله عليه سولم هذه الآية فقلنا: يا رسول الله، وما ذلك الشأن؟ قال: ان يغفر ذنبا، ويفرّج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين. قراءات قرأ الجمهور: يخرُج بفتح الياء وضم الراء. وقرأ نافع وابو عمرو ويعقوب: يُخرَج بضم الياؤ وفتح الراء على البناء للمجهول. وقرأ الجمهور: المنشَئات بفتح الشين. وقرأ حمزة وابو بكر: المنشِئات بكسر الشين.

стр. 1293

سنفرُغ لكم: هو مجرد تهديد لأن الله تعالى لا يشغله شيء، والمعنى سنحاسبكم. ايها الثقلان: الانس والجن. أن تنفذوا: تخرجوا. أقطار السموات والأرض: جوانبهما. بسلطان: بقوة وقهر. الشواظ: لهب خالص بلا دخان. النحاس: الدخان لا لهب فيه. وهذا من بعض معانيه. وردة: لونها كحمرة الورد. كالدهان: وهو ما يدهن به. السيما: العلامة. النواصي: واحدها ناصية وهي مقدم الرأس، والأقدام معروفة، يعني يُجرّون من نواصيهم واقدامهم. الحميم: الماء الحار. آن: متناهٍ في الحرارة. سنحاسِبُكم أيها الانسُ والجنّ يومَ القيامة، وهذا وعيدٌ شديد من الله لعباده، فان الله تعالى لا يَشغَله شيء. ثم بين الله انه لا مهربَ في ذلك اليوم من الحساب والجزاء، كل واحد يحاسَب على عمله فقال: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ ان استطعتم ان تخرجوا من جوانب السموات والارض هارِبين فافعلوا. . . والحقيقةُ أنكم لا تستطيعون ذلك، إلا ان تَفِرّوا الى اللهِ بالتوبة الخالصة. ﴿لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ وأعظمُ سلطان يتحصّن به الانسانُ هو التوبة، فإنها أكبر حصنٍ يقي التائب المخلص من عذاب الله. فبأيّ نعمة من نعم ربّكما تجحدان!؟ . ثم بين بعض اهوال الساعة بقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ يُصَبّ عليكما لهبٌ من نارٍ ونحاسٌ مذاب، فلا تقدران على دفع هذا العذاب، بل يُساق المجرمون الى الحشْر سَوقاً نعوذ بالله منه. ثم بين الله تعالى أنه إذا جاء ذلك اليوم الشديد اختلّ نظام العالم، فتتصدّع السموات ويصير لونها أحمر كالدِهان، وتصير مذابةً غير متماسكة. ويكون للمجرمين حينئذٍ علاماتٌ يمتازون بها عن سواهم كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ فيُجَرّون إلى جهنم من مقدَّم رؤوسهم وأَرجلِهم ويقال لهم توبيخاً وتقريعا: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ فهم يترددون بين نارِها وبين ماءٍ متناهٍ في الحرارة. فاذا استغاثوا من النار يُغاثوا بالماءِ الحار الذي يشوي الوجوهَ كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩] . قراءات: قرأ حمزة والكسائي: سيفرغ لكم بالياء. والباقون: سنفرُغ لكم بالنون. وقرأ ابن كثير: شواظ بكسر الشين، والباقون: شواظ بضم الشين. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب: ونحاس بالجر، والباقون: ونحاس بالرفع.

стр. 1294

ذواتا: تثنية ذات. أفنان: جمع فَنَن وهو الغصن. زوجان: صنفان من جميع الانواع. بطائنُها: بطاناتها يعني أنها مبطنة بالحرير وهو الاستبرق. وجنَى الجنتين: ثمرُ الجنتين. دانٍ: قريب في متناول اليد. قاصرات الطرف: نساء عفيفات لا ينظرن الا الى ازواجهن. لم يطمثهن: لم يمسَسْهن أحد. . كأنهن الياقوت في الصفاء والمرجان في الجمال والبهاء. مدهامتان: خضراوان، الدهمة السواد، والعرب تقول لكل أخضرٍ هو اسود. ومنه سواد العراق لكثرة نخيله. نضّاختان: فوارتان بالماء. حُور: واحدتهن حوراء: بيضاء. خيرات: بسكون الياء يعني خيّرات بتشديدها. مقصورات في الخيام: مخدَّرات، ملازمات بيوتهن. رفرف: واحدهُ رفرفة: وهي الوسادة، المخدة. عبقري حسان: معناه النادر الموشى من البسُط والفرش، والعرب تُسنِد كلَّ عملٍ عجيب الى عبقر. بعد ان بيّن مقام المجرمين، وما يشاهدونه من أهوال، وما ينالهم من عذاب، وذكَر ان مقامهم النار وبئس القرار - ذكر هنا مقام المؤمنين الذين يخافون ربهم، ويطيعونه فيما أمرهم، وفصّل تفصيلا جميلاً في ذلك النعيم الرباني، جزاءً من العليّ الكريم. ولمن خافَ مقام ربه، وأطاعه وأخلص في إيمانه وعبادته جنتان. ومعنى هذا ان في الجنة مقاماتٍ ومنازلَ للمؤمنين حسب ما قدّموه من اعمال صالحة، لأنه سيأتي ايضا قوله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ فهناك ايضاً جنّتان أُخريان. وهاتان الجنتان ذواتا أفنان، أي ان فيهما أغصاناً نضرة حسنةً من جميع الشجر وألوان الثمار المتنوعة. وفي هاتين الجنتين داخل الجنة عَيْنان تجريان بالماء الصافي العذْب. أما الجنة الكبرى فان فيها انهاراً متعدّدة كما ورد في عدة آيات. فكيف تكذّبون بهذه النعم الجليلة التي لا تُحصَى أيها الجاحدون!؟ . هذا ويجلس أهل الجنتين متكئين على انواع من فُرش الحرير، وفي متناول أيديهم ثمارُ الجنتين يقطفون منها متى شاؤا ما يلذّ لهم وما يطيب. وعندهم ما يشاؤون من الحُور العفيفات اللاتي لا ينظُرن الى أحدٍ سوى أزواجهن، كأنهن في الحسن والجمال الياقوتُ والمرجان، عذارى لم يمسَسهنّ أحد قبل ازواجهن. ذلك كله جزاء من خافَ مقام ربه، وعَبدَه وأخلص في عبادته، وسعى في إعمار الدنيا وأعطى من ماله وجاهه وبذل ما يستطيع. ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ . ثم هناك داخل الجنة جنتان أخريان. وهما كما يقول تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ فهناك ايضاً جنّتان أُخريان. وهاتان الجنتان ذواتا أفنان، أي ان فيهما أغصاناً نضرة حسنةً من جميع الشجر وألوان الثمار المتنوعة. وفي هاتين الجنتين داخل الجنة عَيْنان تجريان بالماء الصافي العذْب. أما الجنة الكبرى فان فيها انهاراً متعدّدة كما ورد في عدة آيات. فكيف تكذّبون بهذه النعم الجليلة التي لا تُحصَى أيها الجاحدون!؟ . هذا ويجلس أهل الجنتين متكئين على انواع من فُرش الحرير، وفي متناول أيديهم ثمارُ الجنتين يقطفون منها متى شاؤا ما يلذّ لهم وما يطيب.

стр. 1295

وعندهم ما يشاؤون من الحُور العفيفات اللاتي لا ينظُرن الى أحدٍ سوى أزواجهن، كأنهن في الحسن والجمال الياقوتُ والمرجان، عذارى لم يمسَسهنّ أحد قبل ازواجهن. ذلك كله جزاء من خافَ مقام ربه، وعَبدَه وأخلص في عبادته، وسعى في إعمار الدنيا وأعطى من ماله وجاهه وبذل ما يستطيع. ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ . ثم هناك داخل الجنة جنتان أخريان. وهما كما يقول تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ لفريق آخر من المؤمنين العاملين المخلصين. وهما ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ خضراوان لونهما يميلُ الى السواد من شدّة الخضرة. وفي هاتين الجنتين عينان من الماء العذب تفوران بالماء لا تنقطعان، كما أن ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وأنواع منوعة من افخر الفاكهة. وقد خص النخلَ والرمان لأن الله تعالى اودع فيهما كثيراً من المزايا الهامة. فثمر النخل غذاء كامل، فيه نسبة عالية من الكالسيوم والحديد والفوسفور التي يحتاج اليها الجسم. وفيه عدد من الفيتامينات المفيدة، وهو يحتوي ايضا على نسبة من البروتينات والدهنيات. كذلك في الرمان نسبة مرتفعة من حمض الليمونيك الذي يساعد عند احتراقه على تقليل أثر الحموضة في البول والدم، مما يكون سببا في تجنب النِّقرِس وتكوين بعض حصى الكلى، مع احتوائه على نسبة لا بأس بها من السكّريات السهلة الاحتراق، والمولِّدة للطاقة. وهناك فوائد هامة في قشر ثمر الرمان، وقشور سُوقِ اشجاره. وفي هاتين الجنتين زوجات طيّبات الأخلاق وفيّات جميلات، من الحور العين الملازمات لمجالسهن في الخيام، لم يقربْهن أحدٌ من الانس ولا الجان. وهؤلاء المؤمنون مع ازواجهم في غاية السعادة والسرور، متكئين على فُرشٍ عليها وسائد وأغطية خُضْر وطنافس حسان عجيبة الصنع من صنع وادي عبقر. والعربُ تنسب كل شيء عجيب الى وادي الجن، ويكنّون عنه بِعَبْقَرَ. فبأي نعمة من نعم ربكما تكذبان ايها الثقلان!؟ . قراءات: قرأ الكسائي: لم يظمُثْهن: بضم الميم، والباقون: لم يطْمِثهن بكسر الميم. وقرأ ابن عامر: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ .

стр. 1296

إذا وقعت: اذا حدثت. الواقعة: القيامة. لوقْعتها: لوقوعها وحدوثها. كاذبة: كذب. رُجّت: زلزلت وحركت تحريكاً شديدا. بُسَّت: فتتت. هباء: غبارا متفرقا. أزواجا: أصنافا. أصحاب الميمنة: هم الناجون الذين كتابهم بيمينهم. أصحاب المشْأمة: الكافرون الذي يأخذون كتابهم بشمالهم. السابقون: هم الذين سبقوا الى عمل الخير في الدنيا. والمقرَّبون: هم ارباب الحظوة والكرامةم عند ربهم. ثلّة: جماعة قد يكون عددها كثيرا، وقد يكون قليلا من غير تحديد. موضونة: وضنَ الشيءَ جعل بعضه على بعض، ويقال وضَنَ السريرَ بالجوهر نسجه فهو موضون. وِلدان مخلّدون: أولاد صغار للخدمة يبقون على هذه الصفة داءماً. أكواب: واحدها كوب. . معدّة للشراب. أباريق: واحدها إبريق، معروف. وكأس من مَعين: إناء من شراب الجنة. لا يصدّعون عنها: لا يصيبهم صداع بشرابهم يصرفهم عنها. ولا ينزفون: لا تذهب عقولهم. حور عين: نساء بيض. عيونهن جميلة واسعة. المكنون: المصون الذي لم تمسه الأيدي. لغواً: سقط القولِ. تأثيماً: ما يستوجب الإثم. إذا قامت القيامة فلا يستطيع أحدٌ أن يكذِّب بها، لأن قيامها حقٌّ لا شُبهة فيه. وهي خافضةٌ للاشقياء، رافعة للمؤمنين السّعداء. ويومئذ تُزلزل الأرضُ، ويضطرب الكون، وتحِلّ بالعالم أهوالٌ وكوارث، وتتفت الجبال، وتصير كالهَباء المتطاير في غير أماكنها. والناس في ذلك اليوم ثلاثة اصناف، اصحاب الميمنة الذين يأخذون كتبَهم بأيمانهم ويكونون في أسعدِ حال؛ وأصحابُ المشأمة وهم الذين كفروا ويأخذون كتبهم بشِمالهم. والطبقة الثالثة، وهم السابقون الى الخيرات في الدنيا، يرتقون إلى الدرجات العليا في الآخرة. وأولئك هم المقرّبون عند الله، وهم في جنّات النعيم يتمتعون فيها عند أكرم الأكرمين في أحسن مقام. وهؤلاء المقرّبون جماعة كثيرة من الأمم السابقة وأنبيائهم، وقليلٌ من أمة محمد ﷺ بالنسبة اليهم، يجلسون على سُرر منسوجة بالجواهر النفيسة، متكئين عليها متقابلين، يتحدّثون بذكرياتهم وبكل ما يسرّهم. ويدور عليهم للخدمة وِلدانٌ مخلَّدون بأكوابٍ وأباريقَ مملوءة مما لذّ وطاب من شراب الجنة، وبكأس مملوءة خمراً من عيونٍ جارية، لا يصيبهم من شُربها صداعٌ يصرفهم عنها، ولا تذهب بعقولهم. ثم لهم طعامٌ فاخر يشتمل على ما يشتهون من لحم طيرٍ وفاكهة منوعة، يختارون منها ما يحبون، وعندهم نساءٌ حورٌ عين في منتهى الجمال كأمثال اللؤلؤ المصون في صَدفِهِ. . كل هذا يعطَوْنه جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من أعمال الخيرات. وهم يعيشون في الجنّة في أحسن حالٍ لا يسمعون فيها كلاماً لا ينفع، ولا حديثا يأثم سامعه، إلا سلاماً، لأنهم في دار السلام. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: وحورٍ عين بالجر. والباقون: بالرفع.

стр. 1297

السِدر: شجر يحمل ثمراً يقال له النَبْق. مخضود: لا شوك فيه. الطَّلح: الموز. منضود: منسق. ممدود: ممتد بشكل لطيف. مسكوب: مصبوب يسكب لهم كما يشاؤون. مرفوعة: عالية. عُرُبا: جمع عَروب، وهي المرأة الصالحة المتوددة الى زوجها. اترابا: متساويات في السن. يبيّن الله تعالى هنا حالَ أصحابِ اليمين بعد أن بين مراتبَ المقرَّبين السابقين، ويذكر أنهم في جنات الخلد حيث يوجد شجر السِدر الذي يحمل النبق وهو بلا شوك، وفيها شجر الموز المنسق ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . وفيها ظلٌّ ممدود لا يَغيب، وماءٌ مسكوبٌ في آنيتهم حيث شاءوه، وفاكهة كثيرةُ الأنواع والأصناف، دائمة لا تنقطع، وغير ممنوعة على من يريدها في اي وقت، وفُرُشٌ منضّدة مرتفعة ناعمة مريحة. وقد أعد الله لأصحاب اليمين مع كلّ هذه النعم الحورَ العِين، فجعلهن أبكاراً، محبَّبات الى أزواجهن، لطيفاتٍ مطيعات، متقاربات في السن. واصحاب اليمين جماعاتٌ كثيرة من الأمم السابقة، ومن أمة محمد ﷺ . قراءات: قرأ حمزة وابو بكر: عربا بضم العين واسكان الراء. والباقون: عربا: بضم العين والراء وهما لغتان.

стр. 1298

السموم: ريح حارة تنفُذ في مسام البدن. الحميم: الماء الحار. وظلٍّ من يحموم: في ظلٍ من دخان حارٍ شديد السواد. مترفين: منعمين. الحنث العظيم: الذنب العظيم وهو الشِرك بالله. ميقات: وقت معلوم، والمراد به يوم القيامة. شجر الزقّوم: شجر ينبت في أصل الجحيم. الهِيم: الإبل يصيبها داءٌ تشرب معه ولا تروى. النزل: مكان مهيّأ للضيف. يوم الدين: يوم الجزاء. بعد ان بيّن الله مقام الصِنفين: السابِقين واصحاب اليمين، وما يلقاه كل منهم من عز ونعيم مقيم وشرف عظيم - بين هنا الصنف الثالث المقابل وهم الجاحِدون المعاندون، اصحاب الشمال. ولا يدري أحدٌ ما ينال أصحابَ الشمال من العذاب، فهم في ريح حارة تشوي الوجوه، وماءٍ متناهٍ في الحرارة، وفي ظلٍ من دخانٍ حارّ شديد السواد، لا بارد يخفّف حرارةَ الجو، ولا كريمٍ يعود عليهم بالنفع إذا استنشقوه. والسبب في ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مسرِفين في الاستمتاع بنعيم الدنيا. وكانوا يصرّون على الشِرك بالله، ويحلفون بأنه لن يُبعث من يموت. كما جاء في سورة النحل الآية ٣٨ ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ وكانوا يزيدون في الانكار فيقولون: أنُبعث إذا متنا، وصارت أجسامُنا تراباً وعظاما بالية؟ هل نعود الى حياة ثانية، ونُبعث نحن وآباؤنا الأقدمون الذين ماتوا من زمن قديم!؟ . قل لهم أيها الرسول الكريم: سوف يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد في ذلك اليوم العلوم، ثم إنكم أيها الجاحدون المكذّبون بالبعث، ستأكلون في جهنّم من شجرةِ الزقّوم التي وصفها الله تعالى في سورة الصافّات بقوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ [الصافات: ٦٤، ٦٥] ، فمالئون من هذا الشجرِ الخبيثِ بطونَكم، فشاربون ماءً شديدَ الحرارة لا يروي ظمأكم، كما تشرب الابلُ المصابةُ بمرض العطَش فلا تروى أبدا. وكل ما ذكر فهو ضيافتهم يوم الدِّين على سبيل التهكّم بهم، لأن قوله تعالى ﴿هذا نُزُلُهُمْ﴾ ، معناه: هذا ما يهيّأ لضيافتهم. وفي هذا توبيخٌ لهم وتهكم بهم. قراءات: قرأ عاصم ونافع وابن عامر وحمزة: شُرب الهيم بضم الشين. والباقون: شَرب الهيم بفتح الشين. وهما لغتان.

стр. 1299

تُمنون: تقذِفون المني في الارحام. قدَّرنا: وقَّتنا موت كل احد بوقت. نبدّل أمثالكم: نميتكم، ونأتي بقوم آخرين أشباهكم. النشْأة الأولى: الخلقة الأولى. فلولا تذكّرون: فهلا تتذكرون. حطاما: هشيماً متكسرا. تفكّهون: تتعجبون. مغرمون: معذبون مهلكون. المُزن: السحاب واحدته مزنة. أُجاجاً: مالحاً لا يصلح للشرب. فلولا تشكرون: فهلاّ تشكرون. تورون: توقِدون. تذكرة: تذكيرا موعظة. متاعا: منفعة. للمقْوين: للفقراء الذين ينزلون بالقفر، أقوى الرجلُ: افتقر، ونزل بالقفر، ونفد طعامه. ويقال للمسافرين والمستمتعين: المقوون أيضا. بعد ان بين الله تعالى لنا الأزواج الثلاثة، ومآل كل منهم ذكَرَ هنا الأدلّةَ على الألوهية من خلْقٍ وزرق للخلق، وأقام الدليلَ على البعث والجزاء، وأثبتَ النبوةَ، فقال: نحنُ خَلقناكم من عَدَمٍ، فهلاّ تصدّقون وتقرّون بقدرتنا على إعادتكم ثانية يوم القيامة!؟ . أفرأيتم هذا المَنِيَّ الذي تقذِفونه في الأرحام، أأنتم تخلُقونه وتجعلونه بَشَراً بهذه الصورة ﴿أَم نَحْنُ الخالقون﴾ !؟ . نحن قضَيْنا بينكم بالموت، وجعلْنا لِموتكم وقتاً معيّناً، وما نحنُ بمسبوقين ولا عاجزين عن ان نُذْهِبكم ونأتيَ بأشباهكم من الخلق، ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في الأطوار والأحوال. ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ لقد علمتم أن الله أنشأكم النشأةَ الأولى من العَدَم، فهلاّ تتذكّرون انّ مَن قَدَرَ على خلْقكم من البداية لهو أقدَر على ان يأتيَ النشأةَ الأخرى لكم! أفرأيتم ما تبذُرونه من الحَبّ في الأرض، أأنتم تُنبتونه أم نحنُ نفعل ذلك! ان في قُدرَتنا لو نشاء لصيَّرنا هذا النباتَ هشيماً يابساً متكسرا. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ لظللتم تتعجّبون من سوءِ ما أصابه وما نزل بكم، وتقولون إنا لمعذَّبون، لا بل نحنُ محرومون من الخيرِ والرِزق لِنحسِ طالعنا وسوءِ حظنا. أفرأيتم الماءَ العذبَ الذي تشربونه والذي هو أصلُ الحياة، أأنتم أنزلتموه من السحاب ام نحن المنزلون له رحمةً بكم؟ وهذا من اكبر الادلة على قدرة الاله وعظمته، فقد حاول الانسان استمطار السّحُب صناعياً إلا ان هذه المحاولاتِ لا تزال مجردَ تجاربَ، وعلى نطاق ضيق جدا، مع وجوب توافر بعض الظروف الملائكة طبيعيا. إننا لو نشاءُ لجعلْنا هذا الماءَ العذبَ مالحاً لا يمكن شربه، فهلاّ تشكرون الله على هذه النعمة وعلى ان جعله عذباً سائغا!؟ . أفرأيتم النارَ التي توقدونها، أأنتم أنبتُّم شجرتها وأودَعتم فيها النار، أم نحن المنشئون لها؟ والنارُ نعمة كالماء، وعندما عرف الانسانُ كيف يستعمل النارَ كان ذلك في حياته خطوةً كبيرة الى التقدم، وبدْء الحضارة الانسانية. نحن جعلنا هذه النار تذكرةً وتبصِرة لكم تذكّركم بالبعث لتعلموا أن من أخرجَ من الشجر الأخضر ناراً قادرٌ على إعادة الحياة مرة أخرى. ولقد جعلنا في النار منفعةً لمن ينزلون في المفاوز والصحارى من المسافرين، ولمن يحتاج إليها في كل مكان. . فاذكروا ذلك واعتبروا منه. فسبّح باسم ربك العظيم أيها الرسول على هذه النعم الجليلة التي لا تُعد ولا تحصى. قراءات: قرأ ابن كثير: نحن قدَرنا بينكم الموت، بفتح الدال من غير تشديد. والباقون: قدرنا بالتشديد. وقرأ ابو بكر: أإنا لمغرمون على الاستفهام. والباقون: إنا لمغرمون على الخبر.

стр. 1300

فلا أقسم: هذا قسَم تستعمله العرب في كلامها، ولا للتأكيد. مواقع النجوم: مَداراتها ومراكزها. مكنون: مصون. المطهَّرون: المنزّهون عن الأدناس. مدهنون: متهاونون، مخادعون. الحُلقوم: مجرى الطعام. غير مدينين: غير محاسَبين. فروح: راحة الجسم. ريحان: راحة الروح. تصلية جحيم: ادخال النار. حق اليقين: هو بمعنى اليقين الحق، وهو اليقين المطابق للواقع. بعد ذِكر الأدلة على الألوهية والخلْق والبعث والجزاء جاء بذِكر الأدلة على النبوة وصدق القرآن الكريم. وقد أقسم الله تعالى على هذا بما يشاهدونه من مواقع النجوم، وإن هذا القسَم لعظيم حقا، لأن هذا الكون وما فيه شيء كبير لا نعلم عنه الا القليل القليل. ويقول الفلكيون: ان من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، ومنها ما لا يرى الا بالمكبّرات، وقد يكون اكبر من شمسنا بآلاف المرات ولكننا لبعده الشاسع لا نراه. وهي تسبح في هذا الفلك الواسع الذي لا نعلم عنه شيئا. والبحث في هذا واسع جدا، ولذلك فان هذا القسَم عظيم حقا. ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ هو قرآن جامع لكل المحامد، وفيه الخير والسعادة لبني الانسان اجمعين. ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ وهو مصون في اللوح المحفوظ، لا يمسّ هذا اللوح ولا يطلع عليه غير المقربين من الملائكة. لقد فسر بعضُهم هذه الآية بأنه لا يَمَسُّ القرآن من كان مُحْدِثا، واختلف العلماء في ذلك، فقال جمهور العلماء لا يجوز ان يمسّ احدٌ القرآن الا اذا كان متطهّرا، وقال عدد من العلماء بالجواز. ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ ان هذا القرآن نزله الله على سيدنا محمد خات مالأنبياء والمرسلين. وبعد ان ذكر مزاياه، وانه من لدن عليم خبير ذكر انه لا ينبغي التهاون في أوامره ونواهيه، ويجب التمسك به فقال: ﴿أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ . اتتهاونون بالقرآن وتُعرضون عنه، وتمالئون من بتكلّم فيه بما لا يليق به، وتكذّبون ما يقصه عليكم من شأن الآخرة، وما يقرره لكم من امور العقيدة! أتجعلون بدل الشكر على رِزقكم انكم تكذّبونه، فتضعون الكذب مكان الشكر! ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ . فماذا انتم فاعلون إذا بلغت روحُ أحدكم الحلقوم في حال النزاع عند الموت، وانتم حوله تنظرون اليه، ونحن بالواقع أقربُ اليه وأعلمُ بحاله منكم، ولكن لا تدركون ذلك ولا تبصرون. ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلو كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعثٌ ولا حسابٌ ولا جزاء، وأنكم غيرُ مدينين لا تحاسَبون ولا تجزون - هلاّ تُرجعون النفسَ التي بلغتِ الحلقومَ الى مكانها، وتردون الموت عمن يُحتضر امامكم! . ثم بين الله تعالى ان حال بعد الوفاة ثلاثة اصناف فقال: ١- ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ.
следующие страницы →