← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

هاؤم: خذوا. ظننتُ: علمت، أيقنت. راضية: يرضى بها صاحبها. عالية: في القدر والمكان. قطوفها: جمع قِطف بكسر القاف، ما يقطف من الثمر. دانية: قريبة سهلة التناول. هنيئا: يعني كلوا واشربوا سائغا بلا تنغيص ولا كدر. أسلفتم: قدمتم. الأيام الخالية: الايام الماضية في الدنياز يا ليتها كانت القاضية: على حياته فيرتاح ولم يُبعث. ما أغنَى عني ماليه: لم يغن عني مالي الذي جمعته في الدنيا شيئا. هلكَ عني سُلْطَانِيَهْ: ذهب عني كل ما املك من قوة ومال وصحة. غُلّوه: شدوه بالقيود، والغلّ هو القيد الذي يجمع بين اليدين والعنق. صَلّوه: ألقوه في النار حتى يصلاها. ذرعُها: طولها. فاسلكوه: فاجعلوه في هذه السلسلة الطويلة. حميم: قريب او صديق. غِسلين: صديد اهل النار. بعد ان قدّم وصفاً رهيباً ليوم القيامة، وكيف تزول الأرضُ والجبال عن مواقعها وتُدكّ وتنشقّ السماء، وتقفُ الملائكة على جوانبها، ويوضع العرشُ، ويُفتح حسابُ البشر وفي ذلك اليوم لا يخفى على الله شيء - بعد هذا كله أتى بذِكر صورتين متقابلتين من أحوالِ البشَر، وهم: السعداءُ أصحاب اليمين، والأشقياءُ أصحاب الشمال. فأما السعداء فإنهم يتلقَّون كتابَهم بأيمانهم، ويغدُون مسرورين فرحين، يعرِضون كُتبَهم على الناس ليقرأوها. وكل واحدٍ منهم يقول: إني علمت أن ربّي سيحاسبني حسابا يسيرا، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ مرضيّة خاليةٍ مما يكدِّر، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ وهي جنة الخلد ذاتُ المكان الرفيع والثمارِ المختلفة التي يسهُل تناولها. وكلهم في نعيمٍ وحبور ويقول لهم ربهم: ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية﴾ . . كُلوا من ثمار جنةِ الخلد هنيئاً، واشربوا من شرابها مريئا، وذلك كلّه جزاءَ ما قدّمتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية. واما الأشقياء، وهم الذين كذّبوا الرسلَ، ولم يؤمنوا بالله ولا البعث والحساب - فإن الواحدَ منهم حين ينظر في صحيفة أعماله بعد أن تلقّاها بشماله - ينفر منها ويقول: ﴿ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ . يا ليتني لم أتلقّ كتابي، ولم أعلم أي شيء عن حسابي، ويا ليتَ الموتةَ التي مِتُّها كانت نهايةَ الحياة، لم أُبعث بعدَها ولم ألقَ ما أنا فيه من عذابٍ وسوء منقلَب. ﴿مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ . لم ينفعني مالي وما جمعتُ في الدنيا، وذهَب عنّي كلُّ عزٍّ وجاهٍ وصحة وقوة. . ذهبَ ذلك كلُّه وبقيَ العذابُ والوبال. وعندها يقال لزبانية جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ . خذوه وأدخِلوه في النار مقيَّدا، في سلسلة طولها سبعون ذراعا لُفُّوها على جسمه حتى لا يستطيعَ حَراكا. وليس المرادُ أن طولَها كذلك، ولكن القصدَ إهانته وبيانُ هول العذاب. فقد كان لا يؤمن بالله العظيم، وكان بخيلاً ممسِكاً لا يُطعِم الفقراء والمساكين ولا يحثّ الناسَ على إطعامهم. لذلك: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ ليس له صديقٌ ولا قريب يدفع عنه في هذا اليوم. وطعامُه من صديدِ اهل النار، الذي لا يأكله الا الخاطئون المذنبون أمثاله ممن أصرّوا على الكفر والجحود وماتوا عليه.

стр. 1367

فلا أقسِم: معناها، فأُقسِم. بما تبصرون: بما تشاهدون من المخلوقات وما في هذا الكون العجيب. وما لا تبصرون: كل ما غاب عنكم وما اكثره. ولا بقول كاهن: الكاهنُ مَنْ يتنبأ بالغيب كذباً وزورا، وكان هذا النوع من الناس شائعا عند العرب في الجاهلية. ولو تقوّل: لو افترى علينا. الأقاويل: الأكاذيب، الاقوال المفتراة. لأخذْنا منه: لأمسكناه. باليمين: بيمينه. الوتين: الشريان الرئيسي الذي يغذي الجسمَ بالدم النقي الخارج من القلب، فاذا قطع هذا العِرقُ مات الانسان حالا. حاجزين: مانعين. وإنَّه لحقُّ اليقين: وان القرآن الكريم لحقٌّ ثابت من عند الله. بعد هذه الجولةِ مع الجاحدين وما ينتظرُهم من عذاب في ذلك اليوم الشديد الهول - يعود الكتابُ ليؤكّد أن ما يتلوه الرسولُ الكريم هو القرآنُ الكريم من عندِ ربّ العالمين، وأن الأمرض لا يحتاج إلى قَسَم أنه حقٌ، صادرٌ عن الحق، وانه ليس شعرَ شاعرٍ، ولا كهانةَ كاهنٍ، ولا افتراءَ مفترٍ، فما هو بحاجة الى توكيدِ يمين. ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ . تكرر هذا التعبيرُ ﴿لاَ أُقْسِمُ﴾ في القرآن الكريم، وهو يمين عظيم. وهو كما يقول المتأكد من أمرٍ من المور: لا حاجة الى اليمين عليه. . . . . لقد حارتْ قريش في أمرِ الرسولِ الكريم، وتبلبلت آراء زعمائها في ما يتلوه عليهم، فقال بعضُهم إنه كاهن، وقال بعضُهم إنه مجنون، وقال بعضهم إنه شاعر، وقال بعضهم إنه ساحر. . ولم يستقرّ رشأيهم على شيء، حتى إن أكبرَ أعدائه - وهو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، صاحبُ لواء قريش يوم بدر - قال مسفّهاً هذه الآراء كلها بقوله: «يا معشرَ قريش، انه واللهِ قد نزل بكم أمر ما أتيتم به بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حَدَثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صِدغيه الشَّيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحرٌّ لا واللهِ، ما هو بساحر. لقد رأينا السحرةَ ونَفَثْهم وعقدهم. وقلتم كاهن! لا واللهِ ما هو بكاهن. قد رأينا الكهنةَ وتخالُجَهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر! لا واللهِ ما هو بشاعر. قد رأينا الشِعر، وسمعنا أصنافه كلَّها: هَزَجَه وَرجَزه. وقلتم مجنون! لقد رأينا الجنون فما هو كذلك. يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه واللهِ قد نزل بكم امر عظيم. . . . .» . أُقسِم بما تشاهدون من هذا الكون العجيب وما فيه حولَكم من مخلوقات، وبما غابَ عنكم مما لا تشاهدونه، وما أكثره. . . أنّ هذا القرآن هو قولُ رسولٍ كريم أنزلَه اللهُ عليه، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ حيث كان بعض زعماء قريش يقول عنه إنه شاعر ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ وليس هو بقولِ كاهن من كهنةِ العرب كما تزعمون، بل هو: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ أنزله على عبده محمد بن عبد الله ﷺ .

стр. 1368

وبعد ان أثبت اللهُ تعالى أن القرآن الكريم تنزيلٌ من رب العالمين، ليس بشعرٍ ولا كهانة - أكّد هنا أن الرسولَ الأمين لا يمكن ان يتقوَّلَه، اذ لو فعلَ ذلك لأخذْنا منه بيمينه، وقطَعْنا منه نِياطَ قلبه فيموتُ حالا، فلا يستطيعً أحدٌ منكم مهما بلغتْ قوَّتُه ان يحجِزَ عقابنا عنه. وهذا معنى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ . ثم بين الله تعالى أنّ هذا القرآن تذكِرةٌ وعِظةٌ لمن يتقي الله ويخشاه، وأنه حسرةً على الكافرين حينما يَرَوْنَ ثوابَ المؤمنين، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ فهو حقٌّ ثابت لا ريبَ فيه. ولو ان منكم مكذِّبين. ثم امر رسوله الكريم أن يسبِّح ربه العظيم وينزّهَه، ويشكره على ما آتاه من النِعم، وعلى ما أوحى به إليه من القرآن العظيم.

стр. 1369

سأل: طلب. ليس له دافع: لا يستطيع أحد رده. المعارج: الدرجات، والمصاعد. واحدها معرج بكسر الميم ومعرج بفتحها، ومعراج. الروح: جبريل. المُهل: المعدن المذاب كالفضة والحديد وغير ذلك، وعكر الزيت. العهن: الصوف. حميم: قريب، صديق. الفصيلة: العشيرة. لظى: جهنم. الشَّوى: واحدها شواة، جلدة الرأس. جمعَ فأوعى: جمع المال وخبأه في وعاء، وبَخِل به ولم يصرف منه في وجوه الخير. كان زعماءُ قريش كثيراً ما يسألون الرسولَ الكريم عن موضوع القيامة، ويقولون إنّ محمداً يخوّفُنا بالعذاب، فما هذا العذاب؟ ومتى يكون؟ وكان النضرُ بن الحارث ومعه كثيرون يقولون، منكرين ومستهزئين: متى هذا الوعد؟ وينكرون البعثَ والجزاءَ أشدَّ الإنكار. فردّ الله عليهم بهذه السورة الكريمة. إن العذابَ الذي طلبه السائلون واقعٌ بهم لا محالة، لن يستطيع أحدٌ ردَّه، وسيأتيهم من الله تعالى خالقِ السموات وما فيها من مسالك، والذي يعصَدُ جبريل والملائكة اليه في يومٍ طويلٍ شاقّ على الكافرين مقدارُه خمسون الف سنة من ايامنا هذه. ويجوز ان يكون أطول، فليس المرادُ من ذِكر الخمسين تحديدَ العدد، بل بيان شدةِ ذلك اليوم وعظم هوله. فاصبرْ يا محمدُ على استهزائهم واستعجالهم العذابَ ﴿صَبْراً جَمِيلاً﴾ . ثم بين الله تعالى ان هذا اليومَ آتٍ لا شكّ فيه فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ . إن الكفار الجاحدين يرون يوم القيامة مستحيلاً لا يَقَع، ونراه واقعاً قريباً غير متعذَّر على قدرتنا، فَلْيحذروه. ثم ذكر وقتَ حدوث ذلك اليوم وشيئاً من أهواله فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ إنه يوم شديدُ الهول تذوب فيه السماءُ كالمعادن المنصهرة ويصيرُ لونُها مثل عَكْرِ الزيت أما الجبال فتغدو مثل الصوف المنفوش تتطاير في أرجاء الكون. وفي ذلك الهول الشديد يصير كل انسان مشغولاً بنفسه، لا يسألُ عن أقاربه ولا أصدقائه. . . . وإنهم لَيرون بعضهم البعض لكنه لا يسال أحدٌ عن احد، ويتمنى الكافر لو يفدي نفسَه من عذاب يوم القيامة ببنيه، وزوجته، وأخيه وعشيرته التي ينتمي اليها، بل وبجميع من في الأرض، علّه ينجو من العذاب. . ﴿كَلاَّ﴾ لا يمكن ان ينجيه شيء، ولا يُقبل منه فداءٌ ولو جاء بأهل الأرض جميعا. بل إن مصيرَهُم الى لظى جهنّم الشديدةِ الحرارة حتى تنزعَ جلدةَ الرأس عنه. ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى وَجَمَعَ فأوعى﴾ انها تنادي أولئك المجرمين الذين تولَّوا عن الدعوة في الدنيا، وأعرضوا عن الحق، وجمعوا المالَ وكدّسوه في خزائنهم، ولم يؤدوا حقّ الله فيه. فهل هناك اكبر من هذا التهديد والوعيد لمن بَخِلَ بماله، وأعرضَ عن الله ورسوله. . . . فاعتبِروا يا أولي الألباب. قراءات: قرأ الجمهور: سأل سائل بالهمزة. وقرأ نافع وابن عامر: سال بغير همزة. وقرأ الجمهور: تعرج بالتاء. وقرأ الكسائي: يعرج بالياء. وقرأ الجمهور: ولا يسأل بفتح الياء. وقرأ ابن كثير: ولا يسأل بضم الياء مبنيّاً للمجهول. وقرأ حفص وحده: نزاعة بالنصب. والباقون: نزاعة بالرفع.

стр. 1370

خلق هلوعا: ضجورا سريع الحزن اذا اصابه مكروه، واذا أصابه الخير فهو منّاع له. حق معلوم: نصيب معيَّن للسائل من الفقراء، وللمحروم الذي لا يسال الناس. مشفقون: خائفون. حافظون: يحفظون انفسهم عن الحرام. راعون: لا يخلّون بشيء من حقوقها. في هذه الآيات الكريمة يبيّن اللهُ تعالى حقيقة النفس البشرية عندما يمسُّها شرّ أو خير، ويبين حقيقةَ الجاحدين المانعين للخير، الذين يَضْجَرون بسرعة اذا مسّهم الشر، ويمنعون أداءَ حقِّ المال اذا أصابهم خير. ثم قال: ﴿إِلاَّ المصلين الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ. . . .﴾ ان هؤلاء المتّصفين بهذه الصفات الطيبة، وهي إقامةُ الصلاة والمداومة عليها، والّذين يجعلون في أموالهم نصيباً معيّنا للفقراء والمساكين، ويصدِّقون بيوم القيامة، ويخافون عذابَ ربّهم، ويتحلَّون بالعفة فلا يَقْربون إلا نساءَهم او جواريَهم - فإنهم غيرُ مَلُومين. ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون﴾ فالذين لا يتعفّفون، ويَجْرون وراءَ شهواتِهم في الحرام أولئك هم المعتدون الذين تجاوزوا أوامرَ الله ورسوله. ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ والّذين يؤدّون الأماناتِ ويحافِظون على العهود ويؤدّون شهاداتِهم بصِدق، ويحافظون على صلاتهم ﴿أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ ، هؤلاء الذين يتحلَّون بهذه الصفات الرفيعة - لهم الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قَلْبِ بشر. قراءات: قرأ حفص: شهاداتهم بالجمع. وقرأ الباقون: شهادتهم بالإفراد. وقرأ ابن كثير: لأمانتهم بالافراد. والباقون: لأماناتهم بالجمع.

стр. 1371

قبلك: بكسر القاف وفتح الباء، نحوك جهتك، في الجهة التي تليك. مهطعين: مسرعين، والفعل أهطع: يأتي بمعنى نظر في ذلٍّ وخشوع، وبمعنى أسرع. عِزين: جماعات مفردها عِزَة بكسر العين وفتح الزاي. بمسبوقين: بمغلوبين. الأجداث: القبور، واحدها جَدَث بفتح الجيم والدال. النصُب: كل ما نصب للعبادة من دون الله، كالأصنام وما شابهها. يوفضون: يسرعون. خاشعة أبصارهم: أبصارهم ذليلة. ترهَقُهم: تغشاهم. ما بالُ هؤلاء الّذين كذّبوا برسالتك مسرِعينَ إليك، يجلِسُون حوالَيْك جماعاتٍ جماعات، ليسمعوا ما تتلوه عليهم من آياتِ الله، ثم يردّدونها فيما بينَهم ساخرين!! ولا يعون ما تُلقيه عليهم من رحمة الله وهدْيه! ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] . ثم بين مآلهم وأنهم لا يدخلون الجنةَ أبداً فقال: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ . أيطمعَ هؤلاء في ان يدخلوا الجنةَ، وقد كذّبوك ايُّها الرسول ولم يؤمنوا برسالتك، وهم معرِضون عن سماع الحق!! كلا: لا مطمعَ لهم في ذلك ولا نصيب. وكيف يطمعون في دخولِ الجنة، وهم يكذّبون بالبعث والجزاء؟ وقد خلقناهم من ماء مهين. ثم أوعدهم بأنهم إن لم يؤمنوا ويرجعوا عن كفرهم - أهلكَهم واستبدلَ بهم قوماً غيرهم خيراً منهم فقال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب إِنَّا لَقَادِرُونَ على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ . لقد أقسَم الله تعالى بربِّ المشارقِ والمغارب (وهي مشارقُ الشمس ومغاربها) وببقية النجوم والكواكب، فهي تُشرق كل يومٍ من مكان، وتغرب كذلك (فمشارقُ الشمس متعدّدة وكذلك مغاربها) إنه لَقادر على ان يُهلكَهم ويأتي بخلْقٍ خيرٍ منهم، وما هو بعاجز عن هذا التبديل. ثم سلّى ﷻ رسولَه الكريم عما يقولون ويسخرون بأنهم سيلاقون يومهم الذي وعدَهم الله، وهناك سيلقون جزاءهم. في ذلك اليوم يَخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعي كأنهم يهرولون الى النُصُب التي كانوا يعبدونها في الدنيا، ولكنّ حالَهم مختلفٌ، فإنهم يأتون وأبصارُهم خاشعة أذلاَّء تعلو وجوهَهكم الكآبة والحزن. ﴿ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ ذلك اليوم هو يوم القيامة وما فيه من أهوال عظام هو موعدُهم، وفيه ينالون جزاءَهم، وبئس المصير. قراءات: قرأ حفص وابن عامر: نُصُب بضم النون والصاد. وقرأ الباقون: نَصَب بفتح النون والصاد، وهما لغتان. او ان النصب بضم النون والصاد جمع نصب بفتح النون وسكون الصاد. والله اعلم.

стр. 1372

ليلا ونهارا: دائما. جعلوا أصابعهم في آذانهم: سدّوا آذانهم حتى لا يسمعوا. استغشَوا ثيابهم: تغطوا بها لئلا يروا. يُرسِل السماءَ عليكم: يرسل المطر. مدرارا: غزيرا. لقد اخبر الله تعالى في أول هذه السورة الكريمة أنه أرسل نوح اً الى قومه لينذرَهم بأسه قبل أن يأتيَهم عذابٌ شديد. فقال نوح: يا قوم إنّي نذيرٌ لكم، فعليكم أن تعبدوا اللهَ وحده وتطيعوه، فإن أطعتُم وآمنتم يغفرْ لكم ذنوبَكم ويمدّ في أعماركم ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ووقتٍ محدّد، إن أمر الله اذا جاء لا يُردّ ولا يؤجَّل ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . فعصاه قومُه ولم يستجيبوا له فقال: يا رب، لقد دعوتُ قومي لعبادتك ليلاً ونهاراً فلم تزدهم دعوتي لهم إلا فِرارا من دِينك، وإني كلّما دعوتُهم لتغفرَ لهم، سدُّوا مسامعَهم بأصابعهم وغطوا رؤوسهم بثيابهم حتى لا يسمعوا الحقَّ وأصروا على كفرهم ﴿واستكبروا استكبارا﴾ . ثم إنتي دعوتُهم بأعلى صوتي جهارا، كما دعوتُهم سِرا، وقلت لهم: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ يُغِيثْكم ويُرْسِلِ الأمطار عليكم غزيرةً تُخصِب أرضَكم وتُحيي زروعكم، ويمدُّكم بالأموالِ والبنين، ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ تجري من تحتِها، لتعيشوا بأحسنِ حال. قراءات: قرأ عاصم وحمزة وابو عمرو: انِ اعبدوا الله بكسر النون لالتقاء الساكنين. والباقون: أنُ اعبدوا الله بضم النون. وقرأ الجمهور: دعائي بفتح الياء. وقرأ الكوفيون ويعقوب: دعائي باسكان الياء كما هو في المصحف.

стр. 1373

ترجون: معناه هنا تخافون، وقد يستعمل للأمل. وقارا: عظمة واجلالا. اطوارا: في حالات متعددة. طباقا: بعضها فوق بعض، او يشبه بعضها بعضا في الإتقان. بساطا: مبسوطة واسعة. فجاجا: واسعة. قعد أن دعاهم نوح الى الله في السرّ والعلَن، وطلبَ إليهم ان يَستغفِروه حتى يرزقَهم الغيثَ كي يحسِّن وضعَهم، ويمدّهم بالأموالش والبنين. . وحاولَ ان يهذِّب نفوسهم بأن يتّبعوا مكارمَ الأخلاق - استنكر نوحٌ على قومه وتعجّب من إعراضِهم كيف لا يهابون الله ولا يخافون من قُدرته وعظَمته. ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ مختلفةً فكنتم نطفةً في الأرحام، ثم علقةً، ثم مُضغةً، ثم عِظاما، ثم كسا العظام لحماً، ثم انشأكم خَلْقاً آخر ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] . ثم ينبّهُهُمْ إلى هذا الكونِ العجيب وهذه السماواتِ وإتقان صُنْعِها، إذ جعلَ القمرَ فيها يشعُّ بالنور، وجعلَ الشمسَ كالسراجِ تُوَلّد الضوءَ. ولقد خلقكم اللهُ من هذه الأرضِ مثلَ ما أنبتَ النباتَ منها، ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ بعد الموتِ، فيخرجُكم يومَ القيامة. واللهُ جعلَ لكم الأرضَ مبسوطةً لتسلكوا فيها الطرقَ المريحةَ الواسعةَ أين ش~ئتُم من نواحيها وأرجائها وتسعوا في مناكبها.

стр. 1374

كُبارا: بضم الكاف وفتح الباء المشددة: كبيرا عظيما. لا تذَرُنّ: لا تتركن. وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونَسْراً: اسماء اصنام كانوا يعيدونها. مما خطيئاتِهم أغرقوا: من اجل ذنوبهم اغرقوا بالطوفان. ديّارا: احدا يعمر الديار. تبارا: هلاكا. بعدَ ان يئس نوحٌ من قومه في هذه المدَّة الطويلة التي قضاها بينَهم توجّه الى ربه وقال: ربّ إنهم عَصَوني واتَّبعوا طواغيتَهم من الأغنياءِ الأقوياء الذين لن تزيدَهم أموالُهم وأولادُهم الا خُسرانا. وقد مكروا بي وبدِينك مكراً كبيرا جدًا، وقالوال لأتباعهم: لا تتركوا آلهتكم التي تعبُدونها ولا تتركوا وَدّاً ولا سُواعاً ولا يغوثَ ويعوقَ ونَسْرا. وقد أطاعهم الناسُ فأضلّوهم ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً﴾ . ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً﴾ . وبسببِ ذُنوبهم أغرقَهم الله بالطوفان، وأُدخِلوا بعدَ ذلك ناراً عظيمة. وذلك يومَ القيامة، ولم يجِدوا لهم أنصاراً يَحْمُونَهم من عذابِ الله. ثم قال نوح بعدَ يأسِه الشديد: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً. . .﴾ يا ربّ، لا تترك على الأرضِ أحَداً من الكافرين، إنّك يا ربّ إن تَتركْهم دونَ هلاكٍ ﴿يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ . ثم طلب نوح الغفرانَ ولأبوَيه وللمؤمنين والمؤمنات، وأعادَ الدعاءَ على الكافرين مرّةً اخرى فقال: ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ . أي خُسراناً وبُعداً من رحمتك. أما سيدُنا محمد الرسولُ العربي الكريم فإنه لم يَدْعُ على قومه بل دَعا لهم أكثرَ من مرَةٍ وكان يقول: «اللهمّ اهدِ قومي فإنهم لا يَعلمون» وقد استجابَ له. ونسأل اللهَ تعالى ان يهديَ العربَ الى سَواء الطريق ويجمع كلمتَهم، ويوحّد صفوفَهم ليواجهوا عدوَّهم المشترك، وان يقوّوا صِلَتَهم بجميع المسلمين ﴿وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] . قراءات: قرأ نافع: ودا بضم الواو. والباقون: ودا بفتح الواو. وقرأ ابو عمرو: مما خطاياهم، والباقون: مما خطيئاتهم.

стр. 1375

النفر: ما بين الثلاثة والعشرة. عجبا: عجيبا بعديعا لا يشبهه شيء من كلام الناس. الجد: بفتح الجيم العظمة والوقار والقدر. يقال جد يجد جدا: عظم، وفي الحديث «تبارك اسمك وتعالى جَدّك» السفيه: الجاهل، الطائش. سفه يسفه سفها وسَفاها وسفاهة: خفّ وجهل وطاش. شططا: غلوا، وافراطا. يعوذون: يستجيرون ويلتجئون. كان الرجل في الجاهلية اذا امسى في مكان خالٍ يقول: أعوذُ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، ولا يعوذ بالله. رهقا: إثما، وحَمْلَ المرء على ما لا يطيق. قل يا محمد لأمتك: أوحى اللهُ إليَّ أنه استمعَ إلى تلاوة القرآنِ جماعةٌ من الجنِّ فدُهِشوا من عَظَمتِه وبلاغته فقالوا لقومهم: إنّا سَمِعْنا قرآناً بديعاً لم نسمَعْ مثلَه من قبلُ، فدُهِشوا من عَظَمت~هـ وبلاغته فقالوا لقومهم: إنّا سَمِعْنا قرآناً بدينعاً لم نسمَعْ مثلَه من قبلُ، يدعو الى الهُدى ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ . وقل لهم: إنه جلَّ وعلا ما اتخذَ زوجةً ولا ولدا. وعلى لسان الجنّ أخبرهم يا محمد انه كان يقول سفهاؤنا على الله قولاً بعيداً عن الحقّ والصواب، وأنّا كنا نظنّ أن لن يَكذِب احد على الله تعالى فينسبَ اليه الزوجة والولد، ويصفه بما لا يليق به. وكذلك أخبر قومك يا محمد أن بعض الجن يقولون إن رجالاً من الانس كانوا يستعيذون برجال من الجن ولا يستعيذون بالله فزادهم الجن ضلالا وطغيانا. وأن الجنّ ظنّوا كما ظننتم معشَرَ الانس، ان الله لن يبعثَ أحداً بعد الموت ولن يبعثَ رسولاً من البشَر إليهم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وحفص: وأنه تعالى بفتح الهمزة وكل ما هو معطوف عليها، وذلك في احد عشر موضعا الى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله. . .﴾ . وقرأ الباقون بكسر الهمزة في هذه المواضع كلها الا في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ [الجن: ١ ٨] فانهم اتفقوا على الفتح. اما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على قوله «فآمنا به» كأنه قيل فصدقناه وصدّقنا انه تعالى جدّ ربنا الخ. . . واما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا. . .﴾ .

стр. 1376

لقد أراد الجن ان يستمعوا خبر السماء فوجدوها ﴿مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ تنقضّ عليهم، وقالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ يهلكه ويحرقه. وان الجن قالوا: نحن لا نعلم، أعذابٌ أُريد بمن في الأرضِ من هذه الحِراسَة الشديدة على السّماء لمنعِ الاستماع، أم أرادَ بهم ربُّهم خيراً وهدى. وان الجن منهم الأبرارُ الصالحون، ومنهم دون ذلك ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ وفرقاً شتّى وأهواءَ مختلفة. وأنا أيقنّا أنا لن نُعجز اللهَ أينما كنّا في الأرض، ولن نُعجِزَه هَرَباً من قضائه، فإنّ الله قادرٌ علينا حيث كنّا. وأما لما سَمِعْنا القرآن آمنّا به، فمن يؤمن بربِّه فلا يخافُ نَقْصاً من حَسَناته، ولا ظُلماً يلحقه أبدا. وأنا فريقان: مسلمون مُقرون بالحق، وقاسِطون جائرون عادِلون عن الحق، فمن أسلمَ ﴿فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ وقصَدوا سبيلَ الحق، ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ يوم القيامة. الى هنا انتهى كلام الجن. ثم عاد الحديث الى ذِكر ما أُوحيَ الى الرسول الكريم فقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً﴾ . أوحى الله إلى الرسولِ الكريم ﷺ أنه لو استقام الانسُ والجنُّ على الحقّ والعملِ بشريعة العدل، ولم يَحِيدوا عنها - لأسقيناهم ماءً غزيرا، ولرزقناهم سَعة في الرزق ورخاءً في العيش. يقال سقاه وأسقاه. والفعلان وردا في القرآن الكريم. ولنختبرهم، كيف يشكرون لله نِعمه عليهم. ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ . أي عذاباً شديداً. ومن يغيّر او يبدّل، ولا يتّبع أوامرَ الله ونواهيَه يُدْخِله اللهُ عذاباً شاقاً لا يطيقُ له حملا. قراءات: قرأ هل الكوفة ويعقوب: يسلكه بالياء. والباقون نسلكه بالنون.

стр. 1377

المساجد: جمع مسجد، موضع السجود للصلاة والعبادة، وتشمل جميع المعابد. فلا تدعوا: فلا تعبدوا. عبد الله: محمد ﷺ . لبدا: بكسر اللام وفتح الياء، جماعات والمراد: متراكمين متزاحمين. وسيأتي انه قرئ: لُبدا بضم اللام وفتح الباء، وهما لغتان. ولا رشدا: ولا نفعا. ملتحَدا: ملجأ وملاذا. امدا: غاية. رصدا: راصدا يرصده. قل أوحي إليّ أن المساجدَ لله فلا تعبُدوا فيها مع الله أحدا. وانه لمّا قامَ محمد ﷺ يعبدُ اللهَ ويقرأُ القرآن كاد الجِنُّ يكونون مزدَحِمين عليه جماعاتٍ، نعجُّباص مما رأوه وسمِعوه. وقال بعض المفسّرين: لمّا قامَ عبدُالله بالرسالة يدعو الله وحدَه مخالفاً المشركين في عبادَتِهم الأوثان، كادَ الكفّارُ لِتظاهُرِهم عليه وتعاوُنِهم على عَداوته يزدَحِمون متراكمين جماعاتٍ جماعات. قل يا محمد لأولئك الّذين خالَفوك: إنما أعبدُ الله ربِّي ولا أُشركُ به في العبادة أحدا. ثم بين انه لا يملك من الأمر شيئا وأن كل شيءٍ بيدِ الله: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾ . لستُ أملك لكم دفعَ ضرر ولا تحصيلَ هدايةٍ ونفع، وانما الّذي يملِكُ ذلك كلَّه هو الله تعالى. ثم بين الكتاب عجز الرسول عن شئون نفسِه بعد عجزِه عن شئون غيره فقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ . إنه لا يجيرني من الله ولا يدفع عني عذابَ الله إن عصيتُه أحد، ولن أجِد من دونه ملجأً ولا ملاذا، ولن ينصرني منه ناصر. ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ﴾ إنني لا أملِك إلا تبليغاً عن اللهِ ورسالاته التي بعثني بها. ثم بيّن جزاء الذين يعصُون الله ورسوله فقال: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ . ومن يعصِ الله فيما أمَرَ به، ويكذّب برسوله - فإن جزاءه نارُ جهنم يَصلاها خالداً فيها ابدا. ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ . وعندما يرون جهنم والعذابَ الذي أُعدَّ لهم سيعلمون من هم المستضعَفون؟ المؤمنون الموحدون لله تعالى أم المشركون الذين لا ناصرَ لهم ولا معين! ثم أمر الله رسولَه الكريم ان يقول للناس: إنه لا عِلمَ له بوقتِ الساعة، ولا يدري أقريب وقتُها أم بعيد، فهو لا يعلم شيئاً من الغَيب إلا اذا أعلمه اللهُ به. وهذا معنى قوله: ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ . الا رسولاً ارتضاه لِعِلْمِ بعضِ الغيب، فإنه يُدخِل من بين يدي الرسولِ ومن خَلْفِه حفظةً من الملائكة تحولُ بينه وبين الوساوس، فالله يصونُ رُسلَه ويحفظهم من كل شيء. ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾ وقد عَلِمَ تفصيلاً بما عندهم، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ فعلم عدد الموجودات كلّها، لا يغيبُ عنه شيءٌ منها. قراءات: قرأ ابن عامر: لُبدا بضم اللام. والباقون لبدا بكسر اللام وفتح الباء. وقرأ عاصم وحمزة: قل انما ادعو ربي بفعل الأمر، والباقون: ق لانما ادعو ربي بالفعل الماضي. وهكذا انتهت هذه السورة الكريمة بردّ كل شيء اليه تعالى، وانه يراقب كل شيء حتى رسُله الكرام.

стр. 1378

المزمل: المتلفف بثيابه ومثله المتزمل، يقال ازَّمَّل وتزمل بثوبه التفّ به وتغطى، وزمَّل غيره اذا غطاه. . رتّلِ القرآن ترتيلا: اقرأه على مهل وبين حروفه بوضوح. قولاً ثقيلا: الوحي وما فيه من كلام عظيم وتكاليف شاقة. ناشئةَ الليل: الاستيقاظ من النوم والقيام للصلاة. أشدّ وطأ: اكثر مشقة. وأقومُ قيلا: أثبتُ قراءة وأصوب، لحضور القلب وهدوس الاصوات. سَبْحا: تقلبا وتصرفا في مهام امورك، واشتغالا في امور الرسالة. وتبتَّلْ اليه تبتيلا: انقطع الى الله وأخلص اليه. واتخذْه وكيلا: فوض كل امورك اليه. هذه الآياتُ من أولِ ما نزلَ من الوحي على الرسولِ الكريم ﷺ ، وقد روي في الاحاديث الصحيحة أنه لما جاءه جبريلُ وهو في غار حِراء في أول الوحي خافه الرسول، وظنّ ان به هو مسّاً من الجنّ، فرجع من غار حِراء مرتعِدا يرجُف فؤادُه، فقال لأهله: زمِّلوني وملوني، لقد خشيتُ على نفسي. واخبر خديجةَ الخبر. فنزلت هذه الآياتُ: ﴿ياأيها المزمل قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ . يا أيها المتلفّف بثيابه، قُم في الليلِ وانشَط للصلاة، لتستعدَّ للأمرِ الجليل، وهو تبليغُ دعوة ربّك للناس. ثم بيّن له المقدارَ الذي يصلّيه: نصفَ الليل، أو أقلَّ من النصف، او زِدْ عليه بقدْرِ ما تستطيع، واقرأ القرآن ببيانٍ ووضوحٍ وترتيب. . . . وهذا قبل ان تُفرضَ الصلواتُ الخمس. ثم أخبره تعالى بأنه سيُلقي عليه قرآناً عظيماً فيه تكاليفُ شاقة على المكلَّفين، فاستعدَّ لهذا الأمر يا محمد. ثم بيّن له بوضوحٍ أن الصلاةَ بالليل والنهوضَ للعبادة شديدُ الوطأة، ولكنّه أقْوَمُ وأثبتُ لقراءة القرآن، لِحضورِ القلب، ولأن الليلَ تهدأ فيه الأصواتُ وتنقطعُ الحركة، فيكون الذهنُ أجْمَعَ، والنفسُ أصفَى للتدبُّر والتأمل في أسرار القرآن الكريم. ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ ان لك في النهارِ وقتاً طويلاً تَصْرِفه في العملِ والاشتغال بأمور الرسالة، ففرّغ نفسَك في اللّيل لعبادةِ ربّك. ثم انتقلَ بعد ذلك إلى أمرِ الرسول الكريم بتبليغ الدعوةِ والانقطعاِ لذلك وتفويضِ أموره كلّها إليه: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ استعنْ على تبليغ دعوتك بذِكر الله، وانقطعْ إليه في عبادَتِك وأمورك جميعها. ثم بين له أنه ليس هناك إلا اللهُ وحدَه، فاتجهْ إليه بالعبادة، هو مالكُ هذا الكون العجيب الكبير، ﴿فاتخذه وَكِيلاً﴾ وفوِّض أمورك إليه، واستمدَّ القوةَ والعون منه لتحملَ العِبء الثقيلَ الذي القي عليك. قراءات: قرأ ابن عامر وابو عمرو: وطاء بكسر الواو وفتح الطاء وبعدها الف. والفعل واطأ يواطئ مواطأة ووطاء. وقرأ الباقون: وطئا بفتح الواو وسكون الطاء. والفعل وطئ وطئا. وقرأ أهل الكوفة غير حفص ويعقوب: رب المشرق، بكسر الباء. والباقون: رب المشرق برفع الباء.

стр. 1379

هجراً جميلا: تبعّد عن خصمك بلا عتاب ولا اذى. أولي النَعمة: بفتح النون، اصحاب النعيم المتنعمين بأموالهم واولادهم. النعمة بفتح النون: الرفاهية وطيب العيش. والنِعمة بكسر النون: ما أنعم الله به على الانسان من رزق ومال وغيره. مهِّلهم وأمهلهم: اتركهم برفق وتأنّ ولا تهتم بشأنهم. أنكالا: جمع نكل (بكسر النون) وهو القيد الشديد. ويقال: فلان نكل شر. وطعاماً ذا غصة: هو الطعام الذي لا يستساغ، يقف في الحلق فلا يدخل ولا يخرج. الكثيب: الرمل المجتمع كالتل، جمعه كثبان وكثب وأكثبة. مَهيلا: ينهال ويتحرك من الرياح ولا يثبت. أخذاً وبيلا: اخذا ثقيلا. منفطر: متصدع، متشقق. بعد ان بيّن اللهُ لعبادِه كيف تكون العبادةُ وكان ذلك في أوائل الدعوة - أدَّب الرسولَ الكريم بآدابٍ رفيعة يعامِل بها المكذّبين. اصبر أيها الرسولُ على أذى سفهاء قومك، ولا تكترثْ بما يتقوّلون عليك مثل قولهم: «ساحر أو شاعرٌ أو مجنون» او غيرِ ذلك من الأباطيل. ابتعدْ عنهم، ولا تتعرّضْ لهم بأذى وخالفْهم في الأفعال، مع المداراة والحِلْم والصبر. ثم أمر رسولَه ان يترك أمرَ المشركين إليه، أولئك الذين أبطرتْهم النعمةُ، فالله هو الكفيلُ بمجازاتهم وسوف لا يكون ذلك طويلا. ثم ذكر أنه سيعذّبهم بالأَنكالِ والقيودِ الشديدة والنارِ المستعرة، وبالطعام الذي لا يُستساغ بل ينشبُ في الحَلْق، وبالعذابِ الأليم. متى يكون هذا؟ سيكون: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ . ذلك يومً القيامة، يومَ تُزلزَلُ الأرضُ وتصير الجبال مفتتة كالرمال التي تنهالُ ولا تثبُتُ على حال ثم تُنْسَفُ نسفاً، فلا يبقى منها شيء. وبعد ان خوّف المكذّبين بأهوالِ القيامة بيّن لهم ما لقيَ مَن قبلَهم من المم السالفة وما حلّ بهم من العذابِ والدمار فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ . إنا أرسلْنا اليكم يا أهلَ مكة والعربَ والعالمَ اجمعَ محمداً يشهدُ عليكم يومَ القيامة، كما أرسلنا الى فرعونَ موسَى يدعوه إلى الحق، فعصَى فرعونُ الرسولَ الذي أرسلناه اليه، فأخذناه أخذاً شديداً، حيث أهلكناه ومن معه بالغَرق. فاحذَروا ان تكذّبوا رسولكم، فيصيبكم مثلُ ما أصابه. ثم أعاد تهديدَهم وتخويفَهم بعذابِ الآخرة فقال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ إن كفرتم وأصرَرْتُم على جُحودكم فكيف تَتّقون عذابَ ذلك اليوم الذي يَشِيبُ لِهولِهِ الأطفال، وتنشقُّ السماء! ووعدُ الله واقعٌ لا محالة، واللهُ لا يُخلِفُ وعْدَه. ثم بعد ما بيّن ما يقع في ذلك اليوم من أهوالٍ مخيفةٍ أخذَ يذكّرهم بأنّ هذه الأشياءَ التي قدّمها ما هي الا موعظة، فمن شاءَ الانتفاعَ بها ﴿اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فاختارَ طريقَ السلامة بالإيمان والتقوى. . . . وهذا من الترغيب في الأعمال الصالحة بعدَ ذلك الترهيبِ والتخويف.

стр. 1380

أدنى: اقل. يقدّر الليل والنهار: يقدر طول الليل والنهار وقصَرهما ويعلم مقاديرهما واجزاءهما وساعاتهما. فتاب عليكم: فخفّفَ عنكم بأن تصلّوا ما تستطيعون وما تطيقون. فاقرأوا ما تيسّر من القرآن: فصلّوا ما يمكنكم وما يتيسر لكم من صلاة الليل. ثم تُختم السورةُ بهذه الآية الطويلة وفيها تخفيفٌ ورحمةٌ للمؤمنين. ويقول معظم المفسّرين إن هذه الآية نزلت بعدَ عامٍ من نزول سورة المزمل. إن ربك يا محمد يعلمُ انك تقوم أقل من ثلث الليل احيانا، وتقوم نصفه وثلثه في بعض الاحيان، وان طائفة من اصحابك كذلك تقوم من الليل كما تقوم انت، والله يقدّر طول الليل والنهار، وهو يعلم انكم لا تستطيعون احصاء اجزاء الليل والنهار (لانه لم يكن عندهم ساعات يضبطون فيها الاوقات) . فخفف الله عليكم للاعذار التي تحيط بكم من مرض او سفر او جهاد للعدو، ولذلك صلّوا ما تستطيعون من صلاة الليل، وواظبوا على الصلاة وأداء الزكاة. وتصدقوا في سبيل الخير، على الفقراء والمساكين والاعمال العامة. ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ . أي شيء تفعلوه من وجوهِ البرّ والخير والإحسان تلقَوا ثوابَهُ عندَ الله بأضعاف ما قدّمتموه. . . . فاستغفِروا الله من فعلِ السيّئات والتقصيرِ في الحسناتِ، إن الله غفور رحيم دائماً وأبدا. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ دليلٌ من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، والجهادُ لم يُفرض إلا بعدَ الهجرة. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وابو عمرو: ونصفه وثلثه بالجر، والباقون: ونصفه وثلثه بالنصب. والحمد لله اولا وآخرا.

стр. 1381

المدّثر: اصلُه المتدثر وهو الذي يتغطَّى بثيابه ويلتفّ بها. أنذِر: حذّر قومك من عذاب الله ان لم يؤمنوا. كبِّر: عظم. وثيابك فطهّر: اعتن بالنظافة في ثيابك وفي نفسك. تقول العرب عن الرجل اذا نكث العهد ولم يف به: انه لَدَنِس الثياب. واذا وفى ولم يغدر: انه طاهرُ الثوب. فالمطلوب: تطهير النفس والثياب والجسم. الرجز: الذنب، وكل محرّم، وعبادة الاوثان. ولا تمنن تستكثر: لا تمنَّ بعملك على غيرك، ومعنى تستكثر: لا تستكثر ما أعطيتَ وبذلت. الناقور: الصور الذي ينفخ فيه يوم القيامة. يا أيها الذي تدثَّر بثيابه رعباً وخوفاً من رؤية الملَكِ، قُمْ وشمِّرْ عن ساعِدِ الجد، وأنذِر الناسَ عذابَ يوم عظيم، وادعُهم الى الدِين القويم، ولْيتركوا عبادةَ الأوثان وما عندهم من الخرافات. . ادعُهم إلى معرفة الحق لينجُوا من هول شذلك اليوم العظيم. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظّم ربك، وخُصَّه وحدَه بالتعظيم. وطهِّر ثيابك وجسمك ونفسَك، والطهارةُ اساسٌ عظيم في دين الاسلام. يقول الاستاذ بثنام في كتابه أصول الشرائع: ان كثرةَ الطهارة في دين الإسلام تدعو معتنقية إلى رقيّ الأخلاق والفضيلة إذا قاموا باتّباع أوامره خير قيام. ﴿والرجز فاهجر. . . .﴾ اهجر المعاصي والآثام وابتعدْ عن الغرور والمنِّ فيما تعلِّمُ وتعطي، ولا تمنُنْ على أصحابك فيما تعلّمهم وتبلّغهم عن الوحي مستكثراً ذلك عليهم، ولا تستكثر أي شيء بَذَلْتَه للناس، لأن الكريم يستقلُّ ما يُعطي وان كان كثيراً، وأعطِ عطاءَ من لا يخاف الفقر. وفي هذا تعليمٌ لنا أ، نعطيَ ما استطعنا من غيرِ منٍّ ولا أذى. ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ اصبر في أداء رسالتك على أذى قومك، ابتغاءَ وجه ربك، ولا تجزَعْ من أذى من خالفَك. وبعد ان وجّه اللهُ الرسولَ الكريم الى التحلّي بمكارم الاخلاق، والبعدِ عن الجفاء والسَّفَه وكلِّ ما لا يليق بأصحابِ المقامات العالية - أتى بوعيدِ الاشقياء وما سيلقونه من عذابٍ فقال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . فاذا جاء وعدُ ربك ونُفخ في الصُّور فذلك اليومُ يومٌ شديد الهول على الكافرين، غيرُ هيّنٍ ولا يسير، وليس له مثيل ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . هل يوجد اعظم من هذه الصورة لذلك اليوم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل!!

стр. 1382

ذرْني ومن خلقتُ وحيدا: اتركني واياه ولا تشغل قلبك به. وهذا الفعل لا يستعمل منه الا فعل الأمر والمضارع، فلم تستعمل العرب منه الفعل الماضي. ذرني وفلانا: كِلْه إليّ. . . . وحيدا: خلقته في بطن امه وحيدا لا مال له ولا ولد. وكان يقال للوليد بن المغيرة: الوحيد، لانه وحيد في قومه، فمالُه كثير، من إبلٍ وخيل وغنم وتجارة وزرع وعبيد وله عشرة ابناء الخ. . . . ممدودا: كثيرا. شهودا: حضورا معه يتمتع بمشاهدتهم. ومهّدت له تمهيدا: بسطت له الرياسة والجاه العريض. سأرهقه صعودا: ساكلفه عقبة شاقة لا تطاق، وهذا كناية عن العذاب الشديد. وقدَّر: هيأ ما يريده. فقُتل كيف قدر: لعنه الله كيف قدّر ما قاله من الطعن في القرآن. عبس: قطب ما بين عينيه. وبَسَر: كلح وجهه وظهرت الكراهية عليه. سِحر يؤثر: ينقَل ويروى. سأصليه سَقر: سأُدخله في جهنم. لا تبقي ولا تذر: لا تبقي لحما، ولا تترك عَظماً الا أحرقته. لواحة للبشر: تسوِّدُ بشرتهم. عدّتهم: عددهم. فتنة: اختبار وامتحان. ذكرى: تذكرة وموعظة للناس. في هذه الآيات عرضٌ لذِكر أحدِ زعماء قريش الكبار، هو الوليدُ بن المغيرة. وكان من اكبر أثرياء قريش ورؤيائها، يُقال له «العَدْل» لأنه كان عَدْلَ قريشٍ كلّها، إذ كانت قريش تكسو البيتَ، والوليد يكسوه وحدَه. وكان ممن حرَّم الخمرَ في الجاهلية، ولكنه أدركَ الإسلامَ وهو شيخٌ كبير وعادى النبيّ ﵊ وقاوم دعوته بشدّة. وقد سمع القرآنَ وتأثر به وقال عنه: لقد سمعُ من محمدٍ كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن. . والله إن لَه لحلاوةً، وان عليه لَطلاوة، وإن أعلاه لمثْمِر، وان أسفلَه لَمُغْدِق، وانه يعلو ولا يُعلى عليه. ومع ذلك فقد بقي على عنادِه وكفره وجمع قريشاً وقال لهم: «إن الناسَ يأتونكم أيامَ الحج فيسألونكم عن محمد، فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: كاهنٌ، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يُشبه واحداً مما يقولون. ولكن أصلَحُ ما قيل فيه أنه ساحر، لأنه يفرق بين المرء وأخيه والزوج وزوجته» . وقد مات بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وأسلمَ من اولاده خالدُ بن الوليد وهشام وعمارة، والوليدُ بن الوليد. دَعني ومن خلقتُه وحيداً فإني سأكفيكَ أمره، هذا الذي أنعمتُ عليه بمالٍ كثير، وعَشَرة بنين يحضرون معه المحافلَ ويتمتع بمنظرهم و ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ وبسطتُ له الرياسةَ والجاه العريضَ والسيادة في قومه، فكان سيّداً مطاعاً عزيزا، ثم يطمع ان أَزيدَ في ماله وبنيه وجاهه بدون شكر، ﴿كَلاَّ﴾ لا أفعلُ ولا أزيدُ. وقال المفسّرون: وقد تبدّلت حال الوليد بعد نزول هذه الآية وماتَ على أسوأ حال.

стр. 1383

﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ انه كان للقرآن معانِدا مكذِّبا. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ سأكلفه عذاباً شاقاً لا راحة فيه. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ انه فكر وزوّر في نفسه كلاما في الطعنِ في القرآن بعدما سمعضه وأعجبه، قاتلَه الله ولعَنه، كيف قدّر وقال لقريش إن محمّداً ساحر، وان هذا القرآن سِحر يؤْثَر ويروى. ﴿ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر﴾ ثم نظر في وجوه الناس، ثم قطَب وجهه وزادَ في كُلوحه، ثم أعرضَ عن الحق الذي عرفه، وتعاظَمَ ان يعترفَ به ﴿فَقَالَ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ينقله الرواة عن الأولين، ونقله محمد عن غيره ممن كانَ قبلَه من السحرة. ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾ ما هذا الا قولُ الخلق تعلَّمه محمدُ وادّعى أنه من عند الله. ثم بين الله تعالى ما هو جزاؤه يوم القيامة فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ سأدخِله جهنم ليحترقَ بها ويذوقَ أشدّ العذاب، وما أدراك ما جهنم؟ إنها لا تبقي لحماً ولا تترك عظماً الا أحرقَتْه، تأكل الأخضَر واليابسَ كما يقولون، وانها تُلَوِّحُ الوجوهَ والبشرةَ وتسوِّدُها، عليها تسعةَ عشرَ من الملائكة موكَّلون بها، كما جاءَ في قوله تعالى ايضا: ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً. . . .﴾ . وما جعلْنا خزنةَ النار الا ملائكةً تقدَّم وصفُهم بالشِدة والغِلظة، وما جعلنا عِدَّتَهم تسعةَ عشر الا فتنةً واختبارا للذين كفروا، وذلك. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ . ليحصل اليقينُ لليهود والنصارى بنبوة محمدٍ لموافقةِ ما جاءَ في القرآن لكتُبهم، فقد شهِدَ عددٌ من علماءِ اليهود والنصارى آنذاك ان عدَّةَ الخزنة تسعةَ عشر. ﴿وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً﴾ . ولكيَ تطمئن قلوبُهم بذلك، ولا يشكّ أهلُ التوراة والإنجيل والمؤمنون بالله في حقيقةِ ذلك العدد. ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ . وليقول المنافقون والمشركون الكافرون: ما الذي أراده اللهُ بهذا العدَدِ المستغرَبِ استغرابَ المثل؟ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ . والله تعالى كما أضلَّ المنافقين والمشركين يُضِلُّ مِنْ خلْقه من يشاءُ فيخذُله عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء منهم فيوفّقه إلى الخيرِ والهدى. وما يعلم جنودَ ربّك ومقدارهم إلا هو . ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾ وما سَقَرُ إلا تذكرة للبشَر وتخويفٌ لهم.

стр. 1384

كلاّ: تأتي لمعانٍ أربعة: الأول: ان تكون للردع والزجر، وهو الغالبُ في استعمالها، مثل قوله تعالى ﴿قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢] والمعنى انتهوا عن القول. الثاني: ان تكون للرد والنفي فتردّ شيئا وتثبت آخر مثل ان يقول المريضُ الذي لم يعمل ينصح طبيبه: شربتُ ماء، فيقول الطبيب: كلا، بل شربتَ لبنا. معناه ما شربت ماء، ولكنْ شربتَ لبنا. الثالث: تكون بمعنى ألا، يُستفتح بها الكلامُ للتنبيه، مثل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦، ٧] . الرابع: ان تجيء جواباً بمعنى حقاً وتكون مع القسَم، مثل قوله تعالى هنا: ﴿كَلاَّ والقمر﴾ ومعناه حقاً، وأُقسم بالقمر الخ. . . . أدبر: ولى. أسفر: اضاء. انها لإحدى الكبر: غن جهنم لاحدى الدواهي الكبيرة. رهينة: مرتهنة بعملها. ما سَلككم: ما ادخلكم. نخوض مع الخائضين: نخالط اهل الباطل في باطلهم وكثر من الكلام الذي لا خير فيه. حتى أتانا اليقين: حتى اتانا الموت. مستنفرة: نافرة، هاربة. القسورة: الأسد. منشَّرة: منشورة. كلا: لا سبيلَ لكم إلى إنكار سقَرَ وصفتها المخيفة. وأُقسِم بالقمر، وبالليلِ إذا ولّى وذهب، وبالصُّبح إذا تبلّج وأضاء - إن جهنّم لإحدى البلايا الكبار والدواهي العِظام لإنذار البشَر لمن شاءَ ان يقبلَ الإنذارَ او يتولّى عنه. وهذا تهديد وإعلام بأن من تقدم الى الطاعة والايمان بمحمد ﷺ جازاه الله بثواب لا ينقطع ابدا، ومن تأخر عن الطاعة ولم يؤمن بمحمد عوقب عقابا لا ينقطع ابدا. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ فهي محبوسة بعملها، مرهونة عند الله بكسْبها. ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ لأنهم فكّوا رقابَهم بحُسْنِ أعمالهم، وبطاعتهم وإيمانهم. . ولذلك فانهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ؟ . فقد جزاهم الله أحسنَ الجزاءِ فهم في غرفاتِ الجناتِ يسألُ بعضهم بعضاً عن المجرمين. ويقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟﴾ ما الذي أدخلكم جهنم؟ فاجابوهم أن هذا العذابَ الذي هم فيه سببه اربعة أمور: الاول: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ لم نصلِّ مطلقا لاننا لم نكن نعتقد بوجوب الصلاة علينا. الثاني: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ ولم نكن من المحسنين، ولم نتصدق بفضل اموالنا على الفقراء والمساكين. الثالث: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ وكنا لا نبالي بالخوض في الباطل مع من يخوض فيه، ونكثر من الكلام الذي لا خير فيه: في حق محمد واصحابه، وفي امر القرآن فنقول انه سحر وشعر وكهانة. الرابع: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ وكنا نكذب بيوم القيامة، ولم يؤمن بالبعث والنشور والجزاء والحساب، ﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ حتى جاءنا الموت فعرفنا اننا كنا في ضلال تائهين. ولذلك قال الله تعالى معقبا على اعترافهم بجرمهم ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ فهم بعد اتصافهم بهذه الصفات واعترافهم بجريمتهم لا يمكن ان يشفع لهم احد، لأن لهم النار خالدين فيها ابدا.

стр. 1385

ثم اكد توبيخهم والتقريع عليهم بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ؟﴾ فما لهم عن التذكير بالقرآنِ والعظة به منصرفين، كأنهم حميرٌ فرَّت من اسدٍ يطاردُها ليفترسَها. ثم بين انهم بلغوا في العناد حداً لا يتقبله عقل، فقال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ فكل واحدٍ منهم يريد ان ينزِلَ عليه كتابٌ مفتوح من السماء. وكانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبحْ عندَ رأسِ كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءة من النار (كلا) : زجرٌ وتوبيخٌ على اقتراحهم لتلك الصحف، ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ لانهم لم يؤمنوا بها. ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ حقا ان القرآن تذكرة بليغة ك افية، فمن شاء ان يذكره ولا ينساه فعل. وما يذكرون الا بمشيئة الله، هو أهل لأن يتقى، وأهل لان يغفر لمن اتقاه. . بابه مفتوح دائما. والحمد لله رب العالمين. قراءات: قرأ الجمهور: اذا دبر اذا بالف بعد الذال، ودبر بوزن ضرب. وقرأ نافع وحمزة وحفص: اذ ادبر، اذ بسكون الذال، وأدبر بوزن أكرم. ودبر وأدبر لغتان.

стр. 1386

لا أُقسِم بيوم القيامة: ان الامر لا يحتاج الى قسم لأنه في غاية الوضوح. ولا أُقسِم بالنفس اللوامة: لأن البعث حق لا شكل فيه. اللوامة: هي النفس التوافة الى المعالي التي تندم على الشر لِمَ فعلته، وعلى الخير لمَ لم تستكثر منه. البنان: مفردها بنانة ونهي اطراف الاصابع. لِيَفجُر أمامه: ليدوم على فعل المعاصي ولا يتوب الى الله. أيان يوم القيامة: متى يوم القيامة. برق البصر: تحير من الخوف والفزع. خسف القمر: ذهب ضوؤه. لا وزر: لا ملجأ. ينبأ: بخبر. معاذيره: اعذاره. لتعجَل به: لتأخذه على عجل مخافة ان ينفلت منك. قرآنه: قراءته. اقسم الله تعالى تعظمة يوم القيامة، وبالنفس الكثيرة اللوم لصاحبها على الذنب والتقصير في الخير - لَتُبعثُنَّ أيها الناسُ ولتحاسَبنّ على ما فعلتم. أيحسب الانسان بعد ان خلقناه من عدم ان لن نجمع ما بلي من عظامه بعد ان تفرقت في الأرض! بلى نحن قادرون على ذلك وعلى أعظمَ منه، فنحن قادرون على ان نسوي بنانه على صغرها ولطافتها، وضم بعضها الى بعض، فكيف بكبار العظام! ان من يقدر على جمع العظام الصغار فهو على غيرها من الكبار أقدَر. واعلم ان عظام اليدين ثلاثون، وعظام اصابع الرجلين ثمانية وعشرون، فيكون مجموعهما ثمانية وخمسين، وهذه عظام دقيقة وضعت لمنافع لولاها ما تمت تلك المنافع كالقبض والبسط واستعمال اليدين في الجذب والدفع وغير ذلك مما لا يحصى. فلولا دقة هذه العظام وحسن تركيبها ما انتظمت الاعمال المترتبة على اليدين. وكذلك الفقرات، تعدّدت ولم تجعل عظمة واحدة، لانها لو جُعلت واحدة لعاقت حركة الانسان. وقد جُعلت فقراتٍ متتالية ليمكنه الحركة والسكون، ويكون ذلك سهلا عليه اينما كان، فلولا الفقرات وتفصيلها لم يقدر الانسان على الانحناء للاعمال والحركات المختلفة، بل يكون منتصبا كالخشبة. ومجموع العظام في جسم الانسان مئتان وثمانية واربعون قطعة، ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١ ٤] . ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ . بل يريد الانسان ان يتمادى في عصيانه وفجوره الى آخر لحظة من عمره ولا يتوب الى الله. ويسأل مستهزئا: متى يومُ القيامة؟ ونحو الآية قولُه تعالى وقد تكرر كثيرا: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨، الأنبياء: ٣٨، النمل: ٧١، سبأ: ٢٩، يس: ٤٨، الملك: ٢٥] . وقد أجاب الله تعالى على هذا السؤال بان لها علامات بيّن ثلاثاً منها بقوله الكريم: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر وَخَسَفَ القمر وَجُمِعَ الشمس والقمر يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر؟﴾ . فاذا تحير البصر وزاغ من شدة الهول ومن عظيم ما يشاهد، وذهب نور القمر، وجُمع الشمس والقمر إيذانا بخراب هذا الكون - عند ذلك تقوم القيامة، ويتحقق الانسان من صحة قيامها ويقول من دهشته وتحيره: اين المفر من هذه الكارثة التي حلت فيه؟ فيأتي الجواب: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ .

стр. 1387

كلا ايها الانسان، لا شيء يعصِمك من أمر الله، ولا ملجأ ولا جبل ولا شيء يقيك من العذاب. كما قال تعالى ايضا: ﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] . ثم بين حقيقة الحال فيقول: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . المرجع الى الله في ذلك اليوم الرهيب. ﴿يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ . وفي ذلك اليوم تنشَر الصحف ويخبر الانسان بجميع اعماله: أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] . ثم بين الله تعالى ان اعظم شاهد على المرء هو نفسه فقال: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ﴾ . الانسان يعلم ما فعل وما ترك وهو حجة بيِّنة على نفسه، فلا يحتاج الى ان ينبئه غيره، فسمعه وبصره وجوارحه تشهد عليه، وسيحاسَب على فعله مهما أتى بالاعذار ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] . ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ . في هذه الآيات الأربع توجيه وطمأنينة للرسول الكريم بان امر الوحي، وحفظ القرآن وجمعه وبيان مقاصده - كل أولئك موكول الى الله، فالخطاب للرسول ﷺ : اذا تلا عليك جبريل القرآن فلا تعجل وتتابعه في القراءة مخافة ان يفوتك شيء منه، فنحن نجعله بكامله في قلبك، ان علينا جمعه في قلبك. . واثبات قراءته في لسانك، فاذا قرأه رسولنا عليك فاتبع يا محمد قراءته منصتاً لها، ثم علينا بعد ذلك بيانه، وعصمتك من الخطأ والنسيان وبيان احكامه. وفي سورة طه ١١٤: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ . وفي هذا تعليم لنا حتى نتأدب بأدب القرآن ونتدبر آياته. قراءات: قرأ الجمهور: برق البصر بكسر الراء، وقرأ نافع: برق بفتح الباء والراء.

стр. 1388

ناضرة: حسنة مشرقة، متهللة بما ترى من النعيم. ناظرة: تنظر الى ربها. باسرة: عابسة كالحة. فاقرة: داهية عظيمة تكسر عظام الظهر. التراقي: جمع ترقوة، عظم في اعلى الصدر. من راق: من يرقيه وينجيه مما هو فيه. الفراق: فراق الدنيا والاحباب والاصحاب. التفّت الساق بالساق: التوت احدى الساقين على الأخرى عند نزع الروح. المساق: المرجع والمآب الى الله. يتمطى: يتبختر في مشيته تكبرا وخيلاء. أَولى لك فأَولى: هذه العبارة دعاء على العاصي المتكبر بمعنى ويل لك ثم ويل لك وهلاك لك ايها المكذب. سدى: مهملا لا يسأل. نطفة: ماء قليلا، والجمع نطاف ونطف. يمنى: يراق ويصب في الارحام. علقة: قطعة دم جامد. ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة. وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ . الخطاب هنا يعود لكل من انكر البعث والجزاء وآثر الدنيا ومتاعها، ولم يعمل للآخرة ليس الأمرُ كما تقولون من أنكم لا تُبعثون بعد مماتكم، بل أنتم تحبون الدنيا وملذّاتها، وتتركون الآخرةَ ونعيمها. ثم وصف ما يكون يوم القيامة بأن الناس ينقسِمون الى فريقين: أبرار وجوهُهم مشرقة حسنة مضيئة تشاهد عليها نَضْرة النعيم، تنظُر الى ربها عِياناً بلا حجاب. ووجوه يومئذ كالحة شديدة العبوس، تتوقع ان تنزل بها داهية تقصم الظهر. وبعد ذِكر اهوال القيامة، ووصفِ سعادة السعداء وشقاوة الاشقياء - بين ان للدنيا نهاية، وأن الموتَ مصيرُ كل الناس. وان الكافر أضاع الفرصةَ في الدنيا، فلا هو صدَّق بأوامر الدين ولا أدى فرائضه، وبين انه لا بدّ من الجزاء على صالح الأعمال وسيئها، وإلا تساوى المطيع والعاصي، وهذا خلافُ العدل، ولا يَليقُ بخالِق الكون العادل الحكيم. وانه كما قَدر على الخلق الأول وأوجدَ الانسانَ من منيّ يُمنَى، فأهون عليه أن يُعيده خَلقاً كما قَدر على الخلق الأول وأوجدَ الانسانَ من منيّ يُمنَى، فأهون عليه أن يُعيده خَلقاً آخر. ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾ ازدجِروا وتنبهوا الى مصيركم وارتدعوا عن حب الدنيا التي تفارقونها، اذا بلغت الروح عظام النحر، وقال أهل الميت والحاضرون: هل هناك أحد يرقيه ويشفيه مما به؟ وأيقن المحتضر أنه مفارق الدنيا والأهل والمال والأصحاب وبلغت به الشدة اقصاها ﴿والتفت الساق بالساق﴾ فالتوت احداهما على الأخرى وخرجت الروح. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ الى خالقك المرجع والمآب، فإما الى جنة واما الى النار ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى ولكن كَذَّبَ وتولى ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى﴾ . فما صدق هذا الجاحد بوحدانية الله، ولا أدى ما عليه من الصلوات، ولكن كذّب القرآن، فاعرض عن الايمان، وتولةى عن طاعة الله، ثم راح يمشي مشية تكبر وخيلاء افتخارا بما صنع. ﴿أولى لَكَ فأولى ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ ويل لك مرة بعد أخرى، وهذا تهديد ووعيد معناه أولاك الله ما تكرهه، والنار أولى بك وأجدر.

стр. 1389

ثم اقام الله الديل على البعث بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ وهذا ليس عدلا، اذ لا بد من حياة اخرى يجازى فيها كل انسان بما فعل، ولا بد من الجزاء على صالح الاعمال وسيئها، والا تساوى المطيع والعاصي، وذلك ليس عدلا، وهذا لا يليق بالحكيم العادل، الذي خلق هذا الكون المنتظم. ثم بين انه خلق الانسان من شيء صغير لا يُرى، وجعله بهذه المنزلة وهذا التركيب وإعادته اهون عليه فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ . الم يكن الانسان نطفة في صلب ابيه، وأودعها الرحم، وخُلق من شيء لا يرى بالعين المجردة، فصار علقة، ثم سواه الله بشرا باحسن تقويم، وجعل منه ذكرا او انثى عمروا هذا الكون فاذا كان الله قادرا على خلقه من لا شيء، ألا يمكنه ان يعيده مرة اخرى؟ بلى انه على كل شيء قدير. وليس خلق الانسان بشيء إذا قيس بخلق هذا الكون العجيب الفسيح الكبير كما قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] . قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: كلا بل يحبون العاجلة ويذَرون الآخرة، بالياء، والباقون: بالتاء. وقرأ حفص وابن عامر ورويس: من مني يمنى بالياء كما هو في المصحف. والباقون: من مني تمنى بالتاء. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1390

هل أتى: قد أتى، استفهام معناه التقرير والتأكيد. حين: وقت من الزمن غير محدود. أمشاج: أخلاط واحدها مشج ومشيج. نبتليه: نختبره. هديناه السبيل: بينّا له طريق الخير والشر. أعتدنا: هيأنا، أعددنا. الأغلال: القيود، واحدها غل بضم الغين. سعيرا: نارا. الأبرار: الصادقون، أهل الطاعة والاخلاص. مزاجُها: ما يمزج به. الكافور: شجر من الفصيلة الغاريّة، يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل رائحتها عطرية. يخبر الله تعالى عباده في هذه الآيات انه قد مضى على الانسان وقتٌ من الزمن غير معلوم لديه لم يكن شيئا يُذكر، ولا يعرف. ثم أتبعه بذِكر العناصر الداخلة في تكوين الانسان فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ . خلقنا هذا الانسانَ من نطفة فيها أعدادٌ لا تحصى من الحُويّنات التي لا تُرى بالعين المجردة، وهذه النطفة تختلط ببيضةِ المرأة، وباتحادِهما يتكون الجنين، وهاتان النطفتان مخلوقتان من عناصر مختلفة، وتلك العناصرُ آتيةٌ من النبات والحيوان الداخلَين في طعام الآباء والأمهات، ومن الماء الذي يشربونه. . فهي أخلاط، كُونت ومزجت وصارت دماً، فنطفةً، فعلقة الخ. . . . . وقد خلقنا هذا الانسان لِنبتليَه بالتكاليف فيما بعدُ، ثم أعطيناه السمع والبصر ليتمكن من استماع الآياتِ ومشاهدة الدلائل، ويعقِل ويفكر. ثم ذكر أنه بعد ان ركّبه من هذه الأخلاط وأعطاه الحواسّ الظاهرة والباطنةَ - بين له سبيل الهدى وسبيل الضلال فقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ وبعد أن أعيناه السمعَ والبصر والعقل، نصبنا له الدلائل في الأنفس والآفاق، ليتميز شكرُه من كفره، وطاعته من معصيته. ثم بين الله تعالى ان الناسَ انقسموا في ذلك فريقين: فريقاً جحدوا ولم يؤمنوا فأعدّ الله لهم عذاباً أليما منه قيود في أعناقهم وأيديهم، وناراً تشوي الوجوه والاجسام. وفريقَ الأبراب الصادقين في إيمانهم يشربون شراباً لذيذا ممزوجاَ بماءِ الكافور ومن ماءٍ عذْب زلالٍ من عينٍ صافية يجرونها حيث شاؤا ويتمتعون بهذا النعيم المقيم. قراءات قرأ نافع والكسائي وابو بكر: سلاسلاً بالتنوين. والباقون: سلاسل بفتح اللام بغير تنوين.

стр. 1391

مستطيرا: منتشرا، فاشيا. عبوسا: تعبس فيه الوجوه. قمطريرا: شديد الشر مظلما. والفعل اقمطرّ الشر: اشتد وتجمع. لقّاهم: اعطاهم. نضرة: حسنا وبهاء. الأرائك: واحدتها أريكة: السرير، والمقعد الوثير المنجد. الزمهرير: أشدُّ البرد. دانية: قريبة منهم مظللة لهم. وذُللت قطوفها تذليلا: سخرت لهم ثمارها بحيث تكون في تناول أيديهم. القطوف: واحدها قِطف بكسر القاف وهو ما قطف من الثمر، والعنقود. بآنية من فضة: واحدها إناء بكسر الهمزة وهو كل ما يوضع فيه الشراب. والأكواب: واحدها كوب وهو الكوز الذي لا عروة له. والقوارير: واحدها قارورة: اناء رقيق من الزجاج. قدّروها تقديرا: قدرها الساقون بأحجام تناسِب الذوق والحاجة مما يحقق المتعة والجمال. مزاجها زنجبيلا: الزنجبيل نوع من النبات طيب الرائحة. السلسبيل: الشراب السائغ اللذيذ، واسم عينٍ في الجنة. وِلدان مخلدون: دائمون في بهائهم وحسنهم. السندس: نوع من الحرير الرقيق. الاستبرق: نوع من الحرير الغليظ. في هذه الآيات الكريمة عرضٌ وتفصيل لصور النعيم الذي أفاضه الله تعالى على عباده الأبرار في جنة الخلد، وهذا العرض من أطولِ ما وردَ في القرآن الكريم لصُورِ النعيم ومشاهده. وقد بدأ ببيان أعمالهم وما قدّموا من خير للناس فقال: ﴿يُوفُونَ بالنذر وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ . هؤلاء الابرارُ يوفون بما أوجبوه على انفسهم من نَذْرٍ في طاعة الله، ويخافون من هولِ يوم القيامة، ذلك اليوم المخيفِ الذي يعمّ شرُّه ويستطير بين الناس إلا من رحمَ الله. وهم يُطعِمون الطعام رغم حاجتهم إليه الى المسكين واليتيم والفقير. . والمرادُ من اطعام الطعام الاحسانُ الى المحتاجين ومواساتهم بأي وجه. وبعد ان ذكر ان الأبرار يحسِنون الى المحتاجين بين ان لهم في ذلك غرضَين: طلبَ رضا الله عنهم، وخوفَ يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾ لا نريد عن عملنا هذا عِوَضاً ولا نريد منكم ثناء. ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ . إنا نفعل ذلك ليرحمنا ربُّنا يوم القيامة، ويتلقّانا بلطفه في ذلك اليوم الشديد الهولِ والشر. ثم بين الله تعالى انه أمَّنَ لهم مَطلبهم فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ فحماهم اللهُ من شر ذلك اليوم وشدائده، وأعطاهم نضرةً وحُسناً في وجوههم وسروراً في قلوبهم. ثم زاد من كرمه وإحسانه فقال: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ ، أعطاهم على صبرهم، واحسانهم للناس، وإيمانهم الصادق - هذا النعيمَ في الجنة والخلودَ فيها، ولباسَ الحرير الذي كان ممنوعا في الدنيا. ثم وصف شرابَهم وأوانيه والسقاةَ الذين يطوفون عليهم به، وما هم فيه من سعادةٍ أبدية فقال: ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ . يجلسون على أفخرِ الأسرّة والمقاعد متكئين عليها يتحدّثون ويتسامرون، لا يجِدون في الجنة حَرّاً ولا بردا.

стр. 1392

وهم في جنةٍ وارفة الظلال، ثمارُها قريبة من متناول أيديهم، تغمرهم السعادةُ. ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ ويطوف عليهم الولدانُ من خَدَمهم بأوعية شرابٍ م نفضة، وبأكواب من زجاجٍ شفاف عليها غشاءٌ من فضة، قدّرها لهم السقاةُ الذين يطوفون عليهم على قَدْرِ كفايتهم وحاجاتهم وحسب ما يشتهون. ثم وصف مشروبهم بأنه شرابٌ لذيذ منعش ممزوج بالزنجبيل، ويُسْقَون من عين في الجنة اسمها السلسبيل، لسلاسَتها وسهولةِ مساغها. . وهذا كله ما هو الا أسماء لما هو شبيهٌ بما في الدنيا. وهناك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، وكل ما في الآخرة مغاير لما في حياتنا الدنيا. ثم بين أوصافَ السقاةِ الذين يطوفون عليهم بذلك الشراب فقال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ . ويطوف على هؤلاء الأبرار من أهل الجنة ولدان يظلّون على ما هم عليه/ من الشباب والنضارة والحُسن، منظرُهم مبهج مفرح، وإذا رأيتَ جماعةً منهم حسبتَهم لحُسنِ ألوانهم ونضارة وجوههم ورشاقتهم في الخدمة كأنهم لؤلؤ منثور. وبعد ان ذكَر اللهُ تعالى نعيم أهل الجنة بما تقدَّم - بين أن هناك امورا أعلى وأعظم من كل ما ذُكر فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ واذا رأيتَ ما في الجنة من النعيم وما تفضّل الله به على عباده الابرار من مظاهر الأنس والسرور، رأيت نعيماً لا يكاد يوصف، ومُلكاً كبيرا واسعا لا غاية له، يختلف كل الاختلاف عما نراه في هذه الدنيا الفانية. وفي الحديث القدسي: «أعددتُ لعبادي الصالحين، ما لا عين رأتْ، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ في هذه الآية الكريمة يصف الله تعالى ملبسَهم أنه من حريرٍ ناعم رقيقِ هو السندس، وحريرٍ غليظ هو الديباج، ويلبسون الحليةَ من فضة وذهب كما جاء في آية اخرى في سورة فاطر: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] . ثم ذكر شرابا آخر يُسقَونه يفوق النوعَين السابقين اللذَين مر أنهما يمزجان بالكافور والزنجبيل. فقال هنا: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ يطهُر شاربه، ويتلذّذ به فيصبح في منتهى السعادة والسرور. ثم بين الله تعالى ان هذا كله جزاءٌ لهم على ما قدموا من صالح الأعمال، وما زكَّوا به أنفسَهم من صفات الكمال فقال: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ . ان هذا الذي أعطيناكم من الكرامة جاءَ ثواباً لكم على ما كنتم تعملون، وكان عملكم مشكورا، رضيَه ربُّكم وحَمِدَكم عليه، فأثابكم بما اثابكم به من الكرامة. ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية﴾

стр. 1393

[الحاقة: ٢٤] . كل هذا يتلقَّونه من الله العليّ القدير، وهذا يعدِلُ كل ما تقدّم من أصناف النعيم، ويمنحها قيمة اخرى فوق قيمتها، ويزيد في سرورهم وحبورهم. قراءات قرأ حفص وابو عمرو وابن ذكوان ﴿قَوَارِيرَاْ، قَوَارِيرَاْ﴾ بالألف من غير تنوين وقرأ ابن كثير: قواريراً بتنوين الاول وقوارير الثانية من غير تنوين. وقرأ نافع والكسائي وابو بكر: ﴿قَوَارِيرَاْ، قَوَارِيرَاْ﴾ بالتنوين لهما. وقرأ حمزة: قوارير قوارير بعدم التنوين فيهما. وقرأ نافع وحمزة وابن محيصن: عليهم بإسكان الياء وكسر الهاء. وقرأ الباقون عاليهم بنصب الياء وضم الهاء. وقرأ ابن كثير وابو بكر وابن محيصن ثياب سندس خضر بجر خضرٍ نعتاً لسندس، ورفع استبرق عطفا على ثياب. وقرأ نافع وحفص برفع خضر واستبرق. وقرأ حمزة والكسائي بجر خضر واستبرق.

стр. 1394

آثما: فاجرا مجاهرا بالمعاصي. كفورا: مشركا. بكرة وأصيلا: صباحا ومساء. فاسجد له: صلّ له. وسبّحه: تهجّد له. ويذرون وراءهم: لا يهتمون به. يوماً ثقيلا: يوم القيامة. شددنا أسرهم: أَحكمنا خَلقهم. إنا نحن انزلنا عليك يا محمد القرآن من عندنا، وهو حقٌّ لا ريب فيه لِتذكِّرَ الناسَ بما فيه من الوعد والوعيد، وتعلّمهم وتهذّبهم، ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ من مقاساة الشدائد في تبليغ الرسالة، فان العاقبة والنصر لك. ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أي من المشركين، مهما أغْرَوْكَ به من متاع الدنيا، ودُم على ذكر ربك، فصلّ الصلواتِ في الصباح والمساء، وأكثِر السجودَ في الليل وتهجّد به وسبّحه ليلاً طويلا مستغرقا في صلواتك ومناجاة ربك. ثم أنكر الله تعالى على الكفار حُبَّ الدنيا والإقبال عليها، وإهمالَهم الآخرةَ ونسيانها فقال: ﴿إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ . إن هؤلاء المشركين يحبون الدنيا وتُعجِبُهم زينَتُها فهم يؤثرونها على الآخرة، وينسَون ان أمامهم يوماً شديدا فيه الحساب والجزاء. ثم نعى عليهم شِركهم، وغفلتهم عن طاعة الله فقال: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ . نحن خلقناهم وأحكمنا خَلقهم في أحسنِ تقويم، واذا شئنا اهلكناهم وأتينا بخير منهم بدلاً منهم. ثم ارشد الله تعالى الى ان هذا الذِكر تذكرةٌ وموعظة للناس، لمن أراد ان يتعظ ويُقبلَ على الله فقال: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ . ان هذه الآيات بما فيها من ترتيب بديع، ومعنى لطيف -لهي تذكرة للعقلاء المتبصرين، فمن شاء اتخذ بالإيمان والتقوى الى ربه طريقا يوصله الى مغفرته وجنّته، فبابُه مفتوح دائما، ومغفرته وسعت كل شيء. ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ . وما تشاؤون ان تتخذوا الى الله سبيلا الا ان يشاء الله، فالأمرُ اليه سبحانه، والخير والشر بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطيَ لما منع. . ان الله عليم بأحوالكم، حكيم فيما يشاء ويختار، يُدخل من يشاء في جنته، فدخولُها بفضله ورحمته. ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ في الآخرة هو عذاب دهنم وبئس المصير. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: وما تشاؤون بالياء، والباقون وما تشاؤون بالتاء. انتهى سورة الانسان نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الأبرار، والمقربين الأخيار ويجعل سعينا لديه مشكورا.

стр. 1395

المرسَلات: الملائكة. عُرفا: للعرف والخير. العاصفات: الرياح الشديدة، عصفت الريح عصفا وعصوفا اشتد هبوبها. الناشرات: تنشر الرياح السحب في الفضاء. فالفارقات: بين الحق والباطل. فالملقيات ذِكرا: الملقيات العلم والحكمة الى الأنبياء. عُذراً او نُذرا: للإعذار والانذار. طمست: محيت وذهب نورها. فُرجت: شقت. نسفت: اقتلعت من اماكنها. أُقتت: عين لها وقت. أُجلت: اخِّرت. ليوم الفصل: يوم القيامة الذي يفصل فيه بين العباد. ماء مهين: نطفة صغيرة. في قرار مكين: في الرحم. الى قدر معلوم: مدة الحمل. فقدرنا: على كل شيء. كفاتا: جامعة للأحياء والأموات. كَفَتَ الشيءَ: ضمه وجمعه. رواسي: جبالا ثوابت. شامخات: مرتفعات. فراتا: عذبا. أقسم اللهُ تعالى بطوائف من الملائكة، منهم المرسَلون الى الأنبياء بالإحسان والمعروف والخير ليبلغوها للناس، ومنهم الذين يعصِفون ما سوى الحق ويُبعدونه كما تُبعِد العواصف التراب وغيره، ومنهم الذين ينشرون آثار رحمة الله في النفوس الحية، ومنهم الذين يفرقون بين الحق والباطل، ومنهم الملقونَ العلمَ والحكمة لينذروا الناس. اقسم بكل ما تقدم بأنّ يوم القيامة الذي توعدون به لواقعٌ آتٍ لا ريب فيه. وذلك حين تُمحقُ النجوم ويذهب نورها، وتتشقق السماءُ، وتُنسف الجبال، ويُعيَّن للرسُل الوقت الذي يشهدون فيه على أُممهم. ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفصل﴾ ليوم القيامة، اليوم الذي يكون فيه الفصل بين الخلائق. ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾ . ما أعلَمك يا محمد بيوم الفصل وشدّته وهوله، ما الذي تعرفه عن ذلك اليوم العظيم؟ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . الهلاك والويل في ذلك اليوم للذين كفروا وكذّبوا رسُلَهم. وبعد ان حذّر الكافرين وخوّفهم وأنذَرهم بأن يوم الفصل آتٍ لا ريب فيه، اردف ذلك بإعلامهم بانه أهلكَ الكفارَ من الأمم الأولين المكذبين. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾ . ثم نحن نفعل ذلك بأمثالهم من الآخرين. . فاذا سلكتم سبيلهم فستكون عاقبتكم كعاقبتهم، وستُعذَّبون في الدنيا والآخرة. ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ . الذين كذّبوا محمدا ﷺ ، وبكل مجرم كذّب وكفر بالله واليوم الآخر. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . هلاك لكل مكذّب وجاحد في ذلك اليوم الشديد. ثم ذكّرهم بجزيل نعمه عليهم في خَلقهم وايجادهم بهذه الصورة الحسنة في أحسن تقويم. ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون﴾ . الم نخلقكم أيها الناس من ماءٍ حقير من تلك النطفة، فجعلنا هذا الماءَ المهينَ في مكان حريز في الرحم، الى زمنٍ معلوم محدّد، فقد! رنا على خلْقِه وتصويره في احسن تقويم، فنعم القادرون والخالقون. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بنعمة الله تعالى وبقدرته على كل شيء. وبعد ان ذكّرهم بالنِعم التي أنعم بها عليهم في الأنفس ذكّرهم بما أنعم عليهم في الآفاق فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾ . ألم نجعل الأرضَ ضامَّةً على ظهرها أحياءً لا يُعدّون، وفي بطنها امواتا لا يحصرون، وجعلنا فيها جبالا ثوابت شامخاتٍ عاليات، وأسقيناكم ماء عذباً سائغا تشربون منه، وتسقون دوابكم وزروعكم!؟ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . قراءات: قرأ الجمهور: عُذرا ونُذرا بإسكان الذال فيهما. وقرأ الحرميان وابن عامر وابو بكر: عذرا باسكان الذال، ونُذُرا بضمها.

стр. 1396

لا ظليل: لا يقي من الحر. ولا يغني من اللهب: لا يقي الانسان من لهب النار. بشررٍ كالقصر: ان جهنم ترمي بشرر من النار كل واحدة كالقصر الكبير. جمالة: جمال. صفر: لونها أصفر. ظلال: واحدها ظل، وهي ظلال الاشجار، والبيوت وغير ذلك، ويعبر بالظلال عن الرفاهية والنعيم. وعيون: مياه جارية عذبة تسر الناظرين. اركعوا: صلوا. يبين الله تعالى في الآيات من رقم ٢٩ ﴿انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ الى رقم ٤٠، نوعَ ذلك العذاب الشديد الهائل، فأخبر تعالى بأنهم يقال لهم: انطلقوا الى ما كنتم به تكذّبون في الدنيا، الى ظلٍ من دخانِ جهنم، المتشعبِ لكثرته وتفرقه الى ثلاثِ شعب عظيمة. وهو مع ذلك لا يُظلُّهم، ولا يمنع عنهم حرَّ اللهب الذي تقذف به جهنم، حيث ترمي بشررٍ عظيم كل واحدة كالقصر الكبير، وكأنه جمالٌ صفر تنطلق وتتفرق في أعداد غير محصورة. ثم أتبع ذلك بأن الويلَ للمكذبين بذلك اليوم الذي اقسَم الله تعالى بأنه وقاع لا محالة. وهم في ذلك اليوم لا ينطِقون من شدة الدهشة والخوف والحيرة، ولا يُسمح لهم بالاعتذار فيعتذرون. وكرر أن لهم الويل والهلاك يومئذٍ، حيث يتم الفصل بين المُحقِّ والمبطِل ويجازَى كل واحد بما يستحق. ثم بين كيف يكون الفصل في ذلك اليوم فقال: ﴿هذا يَوْمُ الفصل جَمَعْنَاكُمْ والأولين فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ لقد جمعنا بينكم وبين من تقدَّمكم من الأمم، فان كان لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخلِّصوا أنفسكم منه، ولكن هيهات ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بوعيد الله. ثم بين ما يكون للمؤمنين من السعادة والنعيم والكرامة في ذلك اليوم، فانهم يكونون في ترفٍ ونعيم، ويأكلون فواكه مما يشتهون، فيقال لهم: ﴿كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الصالحات ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ وكما جزينا هؤلاء المتقين، نجزي أهل الاحسان لطاعتهم وعبادتهم لنا، فلا نضيع لهم اجرا. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . وفي كل هذا تهديد ووعيد. . كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها الفانية فان البقاء فيها قليل، وأنتم مجرمون لا تستحقون التكريم. وهلاكٌ يومئذ للمكذبين، فهم اذا قيل لهم صلّوا لله واخشَعوا، لا يُصلّون ولا يخشعون، بل يصرّون على كفرهم واستكبارهم فالهلاك لهم في ذلك اليوم. ثم ختم السورة بالتعجب من هؤلاء الجاحدين الذين لم يؤمنوا ولم يستجيبوا لنصح الداعي ولم يتبعوا المرسلين، فقال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ اذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل والمعجزات، ولم يستمعوا لهذا القرآن العظيم، فبأي كلامٍ بعده يصدّقون. قراءات قرأ الجمهور: فقدرنا بفتح الدال من غير تشديد. وقرأ نافع والكسائي: فقدّرنا بتشديد الدال المفتوحة. وقرأ الجمهور: جمالات بكسر الجيم والجمع، وقرأ حفص وحمزة والكسائي: جمالة. وقرأ الدمهور: فبأيّ حديث بعده يؤمنون بالياء. وقرأ ابن عامر ويعقوب: تؤمنون بالتاء.

стр. 1397

عم، أصلها عن ما: عن أي شيء يتساءلون. النبَأ: الخبر، نبأ الشيء نبْئاً ونبوءاً ارتفع، وظهر. وعلى القومِ، طلع عليهم. ونبأ الرجل نبئا: أخبر. والنبوءة: النبوَّة. والنبيءُ، النبيّ المخبر عن الله . كلا: للردع ونفي الزعم الباطل. مهادا: فراشا ممهدا للناس، وقد جعل الله الأرض موطئا للناس وجميع المخلوقات يقيمون عليها، فهي فراش لهم. أوتادا: جمع وتد، والجبال كالأوتاد المغروزة في الارض تحفظ توازنها، وتمنعها من الاضطراب والميلان. ازواجا: ذكرا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على هذه الحياة وحفظ النسل وتكميله بالتربية. سباتا: راحة، سَبَتَ سَبْتا: نام واستراح وسكن. لباسا: سترا، لباس الجسم ما يستره. والليل شبيه باللباس لأنه يستر الاشخاص بظلمته. معاشا: وقتا لتحصيل اسباب المعاش. سبعا شدادا: سموات قوية محكَمة. سراجا وهاجا: وهذا السراج العظيم هو الشمس. المعصِرات: السحب التي تجيء بالمطر الذي يحيي الأرض ويغيث الناس. ثجّاجا: منصبّا بكثرة، وهو المطر الغزير. حَبا: وهو ما يقتات به الناس من جميع انواع الحبوب. ونباتا: جميع انواع الخضار. جنات: واحدها جنة، وهي الحدائق والبساتين، الفافا: ملتفة الاغصان، كثيرة الشجر. كان الناس في مكة وغيرها في أول بعثة النبي ﷺ يسأل بعضُهم بعضا عن رسالة النبي، ويسألون غيرهم ممن عنده عِلم فيقولون: هل هو رسول من عند الله؟ وما هذا الخبر الذي جاء به ويدعي أنه مرسَل من قِبل الله، ويدعو الى توحيده والى الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر؟ وكان هذا شيئا جديدا عليهم، فردّ الله عليهم بقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ عن أي شيء يتساءلون؟ عن هذا الخبر العظيم الذي اختلفوا فيه، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته. إنهم لم يسمعوا به من قبل، لذلك استغربوا خبرَ البعث والحياة بعد الموت. وقالوا: هذا مستحيل، ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] ؟ ثم ردّ الله عليهم الإنكارَ والترددَ بقوله: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ ليس الأمرُ كما يزعم هؤلاء المنكِرون للبعث بعد الموت، ستنكشِفُ لهم الحقيقةُ وسيعلمون حقيقةَ الأمرِ حين يُبعثون ويَرَون صحةَ الخبر، يومَ تقومُ الساعة ويفصِل الله بينهم في كل ما اختلفوا فيه. ثم شرع يبيّن لهم عظيمَ قُدرته، وآياتِ رحمته التي غَفَل عنها أولئك المنكِرون مع أنها أمامهم وبين أعينِهم في كل حِين. فذكر من مظاهرِ قدرته تسعةَ أمور يشاهِدونها فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً﴾ ١ - الم نبسُط لهم هذه الأرضَ التي يعيشون عليها، ونمهّدها لهم لِيسيرَ الناسُ عليها والحيوان، ويستقروا بها. ٢- ﴿والجبال أَوْتَاداً﴾ فالجبالُ جعلها الله مثلَ الأوتاد، تحفظ توازنَ الأرض، اذ يبلغ سُمكُ الجزء الصلب من القشرة الارضية نحو ستين كيلومتراً، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث تتكون الجبالُ، وينخفض لتكونَ بطونُ البحار وقيعان المحيطات والأودية.

стр. 1398

وهو في حالة التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال. . فقشرةُ الأرض اليابسة تُرسيها الجبال، فهي كالأوتاد التي تحفظ الخيمةَ من السقوط. ولولا الجبالُ لكانت الارض دائمةَ الاضطراب بما في جوفها من المواد الشديدة الغليان، الدائمة الجَيَشان، والتي نشاهد بعضاً منها عندما تنفجر البراكين. ٣- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ جعلناكم ذكراً وأنثى لحِفظ النسل، وليتمَّ التعاون على سعادةِ هذه الحياة، وتربية النسل. ٤- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ وجعلنا النومَ راحةً لكم من عَناءِ الأعمال التي تزاولونها في النهار، وانقطاعاً عن السعي. وفيه نعمةٌ كبيرة على الانسان، ففيه يتوقف نشاط الجزء المدرِك الواعي من المخّ، ويحصل هبوط كبير في نشاط كافة أعضاء الجسم وأنسجته مما يترتب عليه انخفاضٌ في توليد طاقة الجسم وحرارته. وهكذا يأخذ الجسم أثناءَ النوم نصيباً من الهدوء والراحة بعد عناء المجهودات العضلية والعصبية، فتهبط جميع وظائف الجسم الحيويّة، ما عدا عمليات الهضم وإفراز البول من الكليتين، والعَرق من الجلد. . . أما التنفس فيبطئ ويصير أكثر عمقا، كما ينخفض ضغطُ الدم، وتبطئ سرعة النبض، ويقل مقدار الدم الذي يدفعه من القلب. وكل هذا يسبّب الراحةَ للإنسان في مدة نومه، ويحدّد نشاطه حين يفيق. ٥- ﴿وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً﴾ وجعلْنا الليلَ بظلامه ساتراً لكم، كاللّباس الذي يغطي الجسمَ ويستُره، اللّيل شبيه باللّباس لأنه يستر الأشخاصَ بظُلمته. وللناسِ في هذا السَّتر فوائدُ اللباس. ٦- ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾ وجعلنا النهارَ وقتَ سعيٍ لكم، تسعون فيه لتحصيل ما به تعيشون وتتصرّفون. فكما كان النومُ انقطاعاً عن الحياة، كانت اليقظةُ حياة. والنهارُ زمنُ هذه الحياة، فيه يستيقظ الناس ويتقلبون في حوائجهم ومكاسبهم. ٧- ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ وأقمنا فوقكم سبعَ طرائق للكواكبِ السيّارة التي تشاهدونها. . وقد خصّها بالذِكر لظُهورها ومعرفةِ العامة لها، ولم يفصِّل ما في هذا الكونِ العجيب الواسع من عوالمَ ومجررّاتٍ لا حصرَ لها لأنهم لا خبرة لهم فيها، ولا علم. فاكتفى بما يرون ويشاهدون من إحكام الصنعة ودقة نظام دورانها وسَبْحها في هذا الفضاء. ٨- ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ وخلقنا لكم في نظامِكم هذا شمساً منيرةً ساطعة الوهج، دائمة الحرارة. والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها الوهج، دائمة الحرارة. والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها المشِعّ ستةَ آلاف درجة مطلقة، اما المركز فتزيدُ فيه درجة الحرارة على ثلاثين مليون درجة، بسبب الضغوطِ العالية في الموادّ التي فيه، فهي سِراج وهّاجٌ حقيقةً لما فيها من الحرارة. ٩- ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً﴾ وانزلنا من السُحب والغبوم ماءً دافقاً منهمِراً بشدة. ثم بيّن عظيم نفع الماء وجليل فائدته فقال: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ لنخرِجَ لكم بهذا الماءِ العظيمِ حَبّاً ونباتا، غذاءً لكم وللحيوان، وحدائقَ وبساتينَ ذاتَ أشجارٍ ملتفة، وأغصانٍ متشابكة. والمطرُ هو المصدر الوحيد للماءِ العذْب على الأرض. والأصل فيه تكاثُف أبخِرةِ الماء المتصاعدة من المحيطات والبحار وتشكُّله في صورة سحب، تتحولُ الى نقط من الماء او قطع من الثلج، وتتساقط على الأرض بقدرة الله تعالى على هيئة مطر او ثلج او بَرَد. قراءات قرأ الجمهور: كلا سيعلمون بالياء، وقرأ ابن عامر: ستعلمون بالتاء.

стр. 1399

يوم الفصل: يوم القيامة لأن الله تعالى يفصل فيه بين الناس. ميقاتا: وقتاً للحساب والجزاء. أفواجا: جماعات، واحده فوج. وسُيرت الجبال: زالت عن أماكنها. سرابا: السراب ما يرى في نصف النهار كأنه ماء وهو خيال ليس بشيء، وكذلك تسير الجبال. مرصادا: مكان الارتقاب والانتظار. للطاغين: للمعتدين الظالمين. مآبا: مرجعاً. لابثين: مقيمين. أحقابا: واحدها: حُقب وحِقب، وهو المدة الطويلة من الدهر. حميما: ماء حارا. غسّاقا: صديدا وعرقا دائم السيلان من اجسادهم. وِفاقا: وفق أعمالهم السيئة. كِذّابا: تكذيبا. كتابا: كتابة. بعد ان نبّه الله عبادَه الى هذه الظواهر الباهرة، ووجه انظارهم الى آياته في هذا الكون العجيب - أخذ يبيّن ما اختلفوا فيه ونازعوا في إمكان حصوله وهو يومُ الفصل، ويذكُر لهم بعضَ ما يكون فيه، تخويفاً لهم من الاستمرار على التكذيب بعد ما وضَحت الأدلةُ واستبانَ الحق. ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً﴾ إن يوم القيامة هو يومُ الفصلِ بين الخلائق، وهو ميعاد مقدَّر للبعث. ثم بيّن هذا اليومَ وزاد في تهويله فقال: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ في ذلك اليومِ يُنفخ في البوق فتُبعثون من قبورِكم وتأتون الى المَحْشَرِ جماعاتٍ جماعاتٍ. ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ وانشقّت السماءُ من كل جانب وتصدّعت فصارت أبوابا، وذلك هو خرابُ العالم ونهايتُه. وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا ان نَعلم ما في حقيقة ذلك الصور، لأن الحياةَ الآخرة وجميعَ ما فيها تختلف عن حياتنا الدنيا. ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ وزالت الجبالُ عن أماكنها وتفتَّتَتْ صخورُها وذهبت هَباءً كالسراب. فالآخرةُ عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر عنها ولا نبحث. فالنشأةُ الاخرى قد تكون غير هذه الحياة فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابا ندخُل من أيها شئنا بإذن الله. وقد يكون معنى تفتُّح السماء ما عنى بقوله: إذا السماءُ انشقّت. . اذا السماءُ انفطرت. . يوم تَشَقَّقُ السماءُ بالغمام. . يعني يومَ يقعُ الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسُك بينها ولا يكون فيها ما يسمّى سماء الا مسالكَ وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خرابُ الكون. وقد ذُكر زوالُ الجبال في القرآن في عدة آيات منها قوله تعالى ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] . وقوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ، وقوله ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٥، ٦] . وبعد ان عدّد الله تعالى وُجوهَ إحسانه، ودلائلَ قدرته على إرسال رسوله الكريم، وذكَرَ يومَ الفصل وما فيه من أهوال وشدائد - ذكر هُنا وعيدَ المكذّبين وبيانَ ما يلاقونه فقال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً. . .﴾ ان جهنّم تترصَّد وتنتظر الجاحدين، وهي منزلُهم، ومرجعُهم إليها، حيث يستقرّون دهوراً متلاحقة كلّما انقضى زمن تجدَّد لهم زمن آخر.

стр. 1400

أما أحوالهم فيها وما يذوقونه من عذاب فقد بيّنه بقوله: ﴿لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً. . . . .﴾ إنهم لا يذوقون في جهنّم نَسيماً يُنَفِّسُ عنهم حَرَّها، ولا شراباً يسكِّن عطشهم فيها، بل يجدون ماء بالغاً الغاية من الحرارة، وصديداً مُنِتنا يزيد في عذابهم، وهو جزاء موافق لأعمالهم السيئة. والسببُ في ذلك كله: إنهم لم يؤمنوا بالله ولا بالبعثِ والحساب والجزاء. كما أنهم: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾ أي بالغوا في التكذيب بآياتنا وما فيها من براهينَ وبيّنات. ثم بين الله تعالى أن كل شيء من أعمالهم مكتوبٌ يُنْشَر يومَ القيامة. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ أي أحصيناه مكتوباً في كتابٍ ﴿لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] . ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ فذوقوا ما أنتم فيه من العذابِ الأليم، فلنْ يكون لكم منا إلا عذابٌ أشدّ وأقوى. وكما جاء في قوله تعالى: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٧، ٥٨] . قال عبد الله بن عمر رضي الله عن هما: لم ينزِل على أهل النار آيةٌ أشدّ من هذه الآية ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ . قراءات قرأ أهل الكوفة: وفتحت السماء: بالتخفيف، وقرأ الباقون: وفتّحت بتشديد التاء. وقرأ حمزة وروح: لَبِثينَ بكسر الباء من غير الف بعد اللام، وقرأ الباقون: لابثين بالف بعد اللام. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: غسّاقا بالتشديد، والباقون غَسَاقا بفتح الغين والسين من غير تشديد.

стр. 1401

مفازا: فوزا عظيما بالجنة. كواعب: جواري صغيرات السّن، واحدها كاعب. أترابا: متقاربات في السن واحدها تِرب. دهاقا: ممتلئة، مترعة. لغواً: اللغو هو الباطل وكل ما لا فائدة فيه. كِذّابا: تكذيبا. عطاءٌ: تفضلا منه واحسانا. حسابا: كافيا وافيا. خطابا: مخاطبة. الروح: جبريل. مآبا: مرجعا. ما قدّمت يداه: ما عمل من خير أو شر. بعد أن بيّن حالَ المكذّبين الجاحدين وما يلاقونه من عذاب أليم، ذكر هنا ما يفوز به التقاةُ من الجنات، ووصفها ووصف ما فيها. ثم ذكر أن ذلك عطاء لهم من مالِكِ السموات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام، الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض ان يخاطبَه في شأنِ الثواب والعقاب، بل هو المتصرِّفُ فيه وحدَه يومَ يقوم الروحُ والخَلق المقدَّس من عالَم الغيب والملائكة صفاً، ولا يمكن لأحدٍ ان يتكلّم الا من أذِن له الرحمنُ ونطق بالصواب، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً﴾ ان للمؤمنين الذين اتقَوا وعملوا الصالحاتِ فوزاً كبيرا ونجاةً من العذاب، وظَفَراً بالجنة، التي تشتمل على الحدائق والأعناب وجميع ما لذَّ وطابَ من الثمرات، ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ من جواري الجنة، عذارى متقاربات في السن. وهناك يشربون بكؤوس مملوءة من الذّ شرابِ الجنة، ولا يسمعون شيئاً من الباطل واللغو، ولا كذبا من القول. وكل هذا الفضل والاحسان والنعيم: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾ ينالونه تفضلاً منه وإحساناً جزاءَ اعمالهم الخيرة. فالله الّذي رضي عنهم هو ربُّ السموات والأرض الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيء ولا يملك أحد مخاطبتَه تعالى بالشفاعة إلا بإذنِه، يوم يقوم جبريلُ والملائكة مصطفّين خاشِعين لا يتكلّم أحدٌ منهم الا من أذِن له الرحمنُ بالكلام، ونطق بالصواب. ثم بيّن الله تعالى أن ذلك اليومَ حقٌّ لا ريبَ فيه، ﴿ذَلِكَ اليوم الحق﴾ ، حيث الناس فريقان: فريق بعيد من الله ومآله الى النار، وفريق مآبُه القُرب من الله. ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ مَآباً﴾ . بن يعملَ عملاً صالحا يقرّبه منه ويُحِلّه دارَ النعيم. ثم عاد الى تهديدِ المعانِدين وتحذيرِهم من عاقبة عنادهم. . بأنهم سَيَعلمون غداً ما قدّمت أيديهِم ويندمون حيثُ لا ينفع الندم. فقال في خاتمة هذه السورة الكريمة: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ . قراءات قرأ الجمهور: كذابا بتشديد الذال، وقرأ الكسائي: كذابا بتخفيفها. وقرأ ابو عمرو: ربُّ السموات والأرض الرحمن، برفع رب والرحمن، والباقون بالكسر. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: الرحمن بالجر. وقرأ حمزة والكسائي بجر رب السموات، ورفع الرحمن. نسأل الله تعالى ان يثبّتنا بالقول الثابت، ويجعلَنا من الذين ينطقون بالصواب، ويهديَنا إلى العملِ بكتابه وسًنة نبيه، وان يجمع كلمتنا ويوحّد صفوفنا لنحميَ أنفسَنا ونصون أوطاننا مما يهدّدنا من الأعداء. . .

стр. 1402

النازعات: الملائكة، أو الكواكب. غرقاً: بشدة. الناشطات: التي تنشط في اجابة أمر ربها. السابحات: الطائرات في هذا الكون الفسيح كأنها تسبح سبحا. السابقات: المسرعات في أداء ما وكل اليها. المدبّرات: التي تدبر الأمور بإذن الله. ترجُفُ: تضطرب. الراجفة: الارض. الرادفة: السماء. واجفة: خائفة. خاشعة: ذليلة. الحافرة: الحياة الاولى، يقال رجع الى حافرته: رجع الى طريقته الأولى. النخِرة: البالية. كرّة خاسرة: رجعة يخسَر أصحابها. زجرة واحدة: صيحة واحدة. الساهرة: أرض المحشَر. لقد جاء في القرآن الكريم ضروبٌ من القسَم بالأزمنة والأمكنة وبعض الاشياء، ولو استعرضْنا جميع ما أقسم الله به لوجدناه إما شيئاً أنكره بعضُ الناس، أو احتقره لغفْلتِه عن فائدته، أو ذُهل من موضع العبرة فيه، ولم ينتبه الى حكمة الله في خَلْقه أو اعتقدَ فيه غيرَ الحق. فاللهُ سبحانه يقسِم به إما لتقرير وجودهِ في عقلِ من يُنكره، أو تعظيمِ شأنِه في نفسِ من يحتقرُه. فالقسَم بالنجوم، جاء لأن قوماً يحقّرونها لأنها من جُملة عالَم المادّة ويغفلون عن حكمة الله فيها وما ناطَ بها من المصالح، وآخرين يعتقدونها آلهة تتصرّف في هذه الأكوان، فأقسَمَ اللهُ بها على أنها من المهلوقات التي تعرفُها القدرة الإلهية، وليس فيها شيء من صفات الألوهية. ولقد بدأ اللهُ سبحانه هذه السورة بالحَلْف بأصنافٍ من مخلوقاته، إظهاراً لإتقان صُنعها وغزارة فوائدها بأن البعثَ حق، وأن من قَدر على صُنعِ هذا الكونِ وما فيه لهو قادرٌ على إحياء الموتى. فأقسَم بالنازعاتِ، وهي الملائكةُ التي تنزع أرواح الكافرين بشدّة؛ والناشطات، وهي الملائكةُ التي تأخذ أرواحَ المؤمنين بسهولة ويسر؛ وبالسابحات التي تسبحُ في أجواء هذا الكون الفسيح، والسابقات وهي التي تسبقُ في أداء ما وُكِلَ إليها وتؤدّيه على أحسن وجه، والمدبّراتِ أي التي تدبّر الأمورَ بإذن الله وتصرفها بما أودع فيها من خصائص. ويقول بعض المفسّرين إن النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبّرات هي الكواكب. ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء من هذه الأقوال لأنها لا تستند الى دليل. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة. . . .﴾ يومَ تقوم القيامةُ تضطربُ الأرض بمن فيها وترجفُ الأرضُ والجبال. . وتتبعها الرادِفةُ، وهي النَّفخة الثانية، فتنشقّ السماء وتَنتثِر الكواكب ويقوم الناسُ لربّ العالمين. كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . ويكون الناس في ذلكَ اليومِ في ذهولٍ عظيم، وخوفٍ وهلع، كما صوّرهم الله بقوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . يومئذٍ يرى المرءُ قلوباً مضطربةً قلِقة خائفة ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ ذليلةً من الهلعَ والخوف.

стр. 1403

ثم يتساءل المجرمون وهم يظنّون أنهم رُدّوا الى حياتهم الأولى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً؟﴾ أنحنُ مردودون الى الحياةِ، عائدون في طريقنا الأُولى؟! وهذا من شدّة ذهولهم ودَهشتهم كيف يرجعون بعد ان كانوا عظاماً بالية! ثم يعودون إلى رُشدهم فيقولون (بعد أن يعلموا أنها حياة اخرى ويشعروا بالخسارة) ﴿قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ لم يحسِبوا حسابها، ولم يقدّموا لها. ثم يأتي الرد الشديد من الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بالساهرة﴾ لا تستبعِدوا ذلك وتظنّوه عَسيرا علينا، فإنما هي صَيْحة واحدةٌ، وهي النفخة الثانية التي يبعثُ الله بها الموتَى، فإذا الناسُ كلّهم حضورٌ بأرض المحشر. قراءات: قرأ الجمهور: عظاما نخرة بفتح النون وكسر الخاء، وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر: ناخرة بألف بعد النون.

стр. 1404

الواد المقدس: الوادي المبارك، طوى: اسم ذلك الوادي، وهو بين العقبة ومصر. طغى: تجاوز الحد فتكبر وكفر. تزكّى: اصلها تتزكى بتاءين: تتطهر من الشرك. أهديك: أدلّك. الآية الكبرى: العلامة الدالة على صدق موسى، وهي انقلاب العصا حية. أدبر يسعى: ذهب يدبّر المكايد لموسى. فحشر: فجمع السحرة. النكال: العذاب. رفع سَمكها فسوّاها: خلقها بأحسن نظام. أغطشَ ليلها: جعله مظلما. أخرجَ ضحاها: اظهر نورها وضياء شمسها. دحاها: مهّدها وجعلها قابلة للسكنى. مرعاها: نباتها. ارساها: أثبتها. متاعا: متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم. يذكر الله تعالى قصةَ موسى وفرعون تسليةً للرسول الكريم على ما يلاقيه من قومه، بحكْمِ تكذيبهم له وإنكارهم للبعث، وتماديهم في العُتُوِّ والطغيان. وذلك أن فرعون مع أنه كان أقوى من كفار قريشٍ وأشدَّ منهم شوكةً وأعظمَ سلطانا فإن الله أخَذه حينَ تمرد على ربه ولم يؤمن بموسى، فاحذَروا أن يصيبَكم ما أصابه. وقصة موسى وفرعون من أكثر القصص التي ترِدُ في القرآن في اساليب متنوعة. وهنا جاءت مختصرة سريعة في اسلوب استفهام رشيق مشوّق لتناسب طبيعة السورة. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى. . . . الآيات﴾ هل أتاك - يا محمد - حديث موسى مع فرعون، حين ناداه ربُّه في وادي طوى المقدّس في سيناء، حيث أمره أن يذهب الى فرعون وقومه ليهديهم الى الطريق المستقيم، بعد أن طغى واستكبر واستعبد الناس! ثم طلب الله تعالى الى موسى ان يُلينَ له القولَ فذلك أنجحُ للرسالة. ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ هذا كلام جميل في غاية الرقة واللطف. قل له يا موسى: هل ترغبُ أن تطهِّر نفسَك من الآثام التي انغمستَ فيها، وتعملَ بما أدلُّك عليه من طُرُق الخير، فترجعَ الى ربك وتؤمن به، وتخشى عاقبة مخالفته. ثم أراه الدليلَ الحسّيَّ على صدق نبوته ﴿فَأَرَاهُ الآية الكبرى﴾ وتلك هي قلبُ العصا التي معه حيّةً تسعى. فلم يقنع فرعون بما رأى وقال إنّ هذا سِحرٌ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى﴾ في تدبير سحرٍ مثله، ﴿فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ حيث جَمَعَ السحرةَ وخطب فيهم قائلا إنه هو الربّ الأعلى، لا سلطانَ يعلو سلطانه. ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يخشى﴾ . فعذّبه الله تعالى بالغَرَقِ في الدنيا، وبعذاب جهنم في الاخرة. . وفي هذا عبرة وموعظة لمن يخاف الله وله عقل يَتدبر وينظر في عواقب الأمور. إن الله سينصرك يا محمد على قومك كما نَصَرَ موسى على فرعون، وكان أشدَّ بأساً وأكثر جنداً من قومك هؤلاء. فاتبع يا محمد نهج موسى، ولِنْ لهم في الحديث، واصبر فإن الفوز لك. وبعد أن أورد قصص موسى وفرعون هذه عاد الى مخاطبة الجاحدين المنكرين من قريش بأن من خَلَقَ هذا الكونَ العجيب الكبير وما فيه - لا يُعجِزه بعثهم من جديد بعد موتهم.

стр. 1405

فإن كانوا قد غفلوا عن أنه خالقُهم، فلْينظروا الى السماءِ والى الأرضِ ليعلموا من خَلَقَهما وانسأهما. ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ . أيّهما أعظم: اعادةٌ الناس كما بدأهم أولَ مرة أم إنشاء السماء في هذا النظام البديع الذي لا يختلف ولا يختلّ بل يسير فيه كل جرم في مداره! لقد رفع صانعُها أجرامها فوق رؤوسنا ووضعَ كل جرمٍ في وضعه. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ . لقد جعل ليلها مظلماً عندما تغيبُ الشمس، وأضاءها بشروق الشمس وارتفاعها وقت الضحى، وهو أشرفُ اوقاتها وأطيبها. ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ . ثم بسط الأرضَ ومهّدها للسكنى وسيّر الناسَ والأنعام عليها. فلفظةُ دحاها تعني التكويرَ والبسطَ في ذات الوقت، فتكون أدلَّ الالفاظ على الأرض المبسوطة في الظاهر المكوّرة في الحقيقة. . وهذا منتهى الإحكام في اختيار اللفظ المناسب. ثم بيّن ما لا بدّ منه في تأتّي سكناها من أمرِ المآكل والمشارِب وإمكان القرار عليها فقال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ فجّر منها العيون والينابيع والانهار لأن الماء أساس الحياة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] . وأنبت فيها النبات الذي يأكله الناسُ والحيوان. ثم بعد ذلك ثبَّتَ الجبالَ في أماكنها وجعلَها كالأوتاد، حتى تحفظَ توازن الأرض. وهذا كله جعله الله ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ أي لخيرِ الإنسان يتمتع به. فهل الذي أوجده وأنشأه أولَ مرة يعجز عن إعادته وإنشائه مرة أخرى؟ ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . قراءات: قرأ الجمهور: تزكّى بفتح الزاي من غير تشديد، وقرأ نافع وابن كثير: تزكى بتشديد الزاي، وقرأ أهل الحجاز والبصرة: طُوى بغير تنوين. والباقون بالتنوين.
следующие страницы →