← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الطور: الجبل المعروف. الميثاق: العهد. واذكروا حين أخذنا على أسلافكم العكهد بالعمل بتوراة موسى وقلنا لهم خذوا ما آتيانكم بجد ومواظبة على العمل بما فيه، ورفعنا فوقكم الجبل كالمظلَة كل ذلك لعلكم تتقون بايمانكم وعملكم العذابَ والخسران يوم القيامة. . فأعرضتم بعد ذلك كله، فاستحققتم العذاب، ولكن فضل الله عليكم ورحمته أبعده عنكم. ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا والآخرة.

стр. 37

الاعتداء: تجاوز الحد في كل شيء. القرد: الحيوان المعروف. الخاسىء: المبعد المطرود من رحمة الله، الذليل. النكال: العقوبة، نكل تنكيلا ونكالا. الموعظة: التذكرة، وعظ يعظ وعظا وموعظة. من تشريع موسى لليهود ان لا يعملوا يوم السبت، أي يوم الراحة والعبادة، لكن اليهود كما هو معهود بهم لا يثبتون على عهد ولا يطيعون الا أهواءهم. هنا يذكّر الله اليهود الذي على زمن النبي وفي كل زمان ويقول لهم: لقد علمتم بلا ريب خبر أسلافكم الذين تجاوزوا الحد في السبت بأن صادوا السمك فيه، وهو يوم راحة وعيد العملُ فيه محرم، لذلك مسخناهم وصيّرناهم مبعدين عن الخير أذلاّء صاغرين، مطرودين كالكلاب الخاسئين. والمسخ كما يقول الطبري عن مجاهد مسخٌ مجازي، أي: انه ما مُسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم، فلا تقبل وعظاً، ولا تعي زجراً. وهذا ما أكده ابن كثير حيث قال: الصحيح ان المسخ معنوي كما قال مجاهد. ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾ اي فجعلنا هذه العقوبة عبرة رادعة للمخالفين.

стр. 38

الهزؤ: السخرية. فارض: كبيرة انقطعت ولادتها. بكر: صغيرة لم يركبها الفحل. عوان: نَصَف بين الكبيرة والصغيرة. فاقع: ناصع شديد الصفرة. الذلول: المدرب الذي عُوّد على العمل. تثير الارض: تقلبها وتهيئها للزراعة. مسلمة: خالية من العيوب. لا شية فيها: لونها واحد ليسي فيها ألوان مختلفة. والشية: العلامة. ادّارأتم: اختصتم، وتدافعتم بأن قال بعضكم أنتم القتَلة وقال الآخرون بل أنتم. في هذه الآية يقص علينا تعالى موضوعاً يبين فيه تعنت اليهود، ومما حكتهم واستهزاءهم بأوامر الله، وتعجيزهم لنبيهم، وتنطعهم بالدين. وأصل القصة ان جريمة قتل وقعت في بني إسرائيل ولم يعرف القاتل. فأتوا الى مسى يطلبون حكمه فيها فقال لهم: ان الله تعالى يأمركم ان تذبحوا بقرة ليكون ذلك مفتاحاً لمعرفة القاتل. فقالوا: أتسخر منا يا موسى! فقال: أعوذ بالله ان أكون من الجاهلين. وهنا بدأ تعنتهم اذ قالوا: اطلبت لنا من ربك ان يبين لنا لون هذه البقرة. فأجابهم موسى: ان الله تعالى يقول انها بقرة صفراء لونها فاقع تسر الناظرين لصفاء لونها ووضوحه. ثم لجّوا في سؤالهم فقالوا: ادعُ لنا ربك يبين شأن هذه البقرة، لأن البقر كثير وقد تشابه علينا. فقال لهم ان الله يقول انها بقرة لم تذلل بالعمل في حرث الارض وقلبها للزراعة، ولم تعمل في سقي الارض، وهي مسلَّمة بريئة من العيوب ليس فيها آية علامة أو لون آخر. فقالوا: الآن جئت بالبيان الواضح، وأخذوا يبحثون عن البقرة التي بهذه الصفات. ووجدوها عند أيتام فقراء فاشتروها بأضعاف ثمنها ثم ذبحوها، وما كادوا يفعلون ذلك لكثرة أسئلتهم وطول لجاجهم. ثم يأتي الى القصد الاول من ذبح البقرة. وهني قوله: قتل بعضكم نفساً فود كل منكم ان يدفع عن نفسه التهمة، وتخاصمتم في ذلك، والله يعلم الحقيقة وهو كاشفها ومظهرها مع أنكم تكتمونها. فقلنا على لسان موسى: اضربوا التقيل بجزء من هذه البقرة، فلما فعلتم أحيا الله التقيل وذكر اسم قالته ثم سقط ميتا. . وتلك معجزة من الله لنبيه موسى، والله على كل شيء قدير. جمع المفسرين مجمعون على أن ضرب القتيل كان بجزء من البقرة وإن اختلفوا في تعيين ذلك الجزء. ومعرفة هذا الجزء لا تنقص ولا تزيد في قدر المعجزة، وانما هي علم لا يفيد أحدا. وقد خالف المرحوم عبد الوهاب النجار في تفسير «اضربوه ببعضها» في كتابه قصص الأنبياء ص ٢٥٩٢٦٢ وقال: المراد بعض أجزاء التقيل. يعني ان يضرب المتهم بجزء من جسم القتيل، هذا ما نفهم من كلامه وهو يقول: ان قصة ذبح البقرة منفصلة عن قصة القتل. وكل واحدة على حدة. أما المراد بذبح البقرة فهو أن بني إسرائيل كانوا مع المصريين الذين يقدسون البقر. وكانت فيهم بقية من هذا التقديس بدليل أنهم عبدوا تمثال العجل، فكان لا بد لاقتلاع هذه البقية من نفوسهم تكليفهم ذبح البقرة، فكان لذلك الأمرُ بالذبح، وكان لذلك المجادلة والتلكؤ منهم، فذبحوها وما كادوا يقومون بالذبح. والرأي هنا أقرب الى التعليل المنطقي لا مجرد التفسير. ويريكم آياته وهي الإحياء وما اشتمل عليه من الأمور البديعة من ترتيب الحياة على الضرب بعضو ميت، وإخبارُ الميت بقاتله مما ترتتب عليه الفصل في الخصومة وازالة أسباب الفتن العداوة لعلكم تفقهون أسباب الشريعة وفائدة الخضوع لها.

стр. 39

القسوة: الجفاء والغلطة والصلابة. قست: جفَت وغلظت. يتفجر: يخرج بشدة ويسيل. يتشقق: يتصدع. يهبط: ينزل ويتردى من خوف الله. وصف الله بني اسرائيل في ذلك الزمان، وبعد ان رأوا الكثير من آيات الله التي عددها، بقساوة القلوب، وضعف الوازع الديني فيها، حتى أصحبت أشد من الحجارة قساوةً لأن بعض الحجارة يتشقق فيخرج منه النهر الخيّر والماء الزلال النافع، وبعضها يخرّ من خشية اللة لو كان له عقل مثل بني الانسان. أما هذه القلوب فلم تتأثر بالعظات والعبر ولم تنفذ الى أعماقها النذر والآيات. ما الله بغافل عما تعملون، فهو يُحصيه عليكم ثم يجازيكم بألوان من النقم.

стр. 40

انتقل الكلام هنا من مخاطبة اليهود في شأن أجدادهم الى الحديث مع المسلمين، فقد كان النبي شديد الحرص على دخول اليهود في الاسلام، لأن أصل الدينين واحد من حيث التوحيد والتصديق بالعبث، فافتتح الكلام بهذه الجملة الاستفهامية: افتطمعون ان يؤمنوا لكم. .؟ أبعد كل ما قصصناه يطمع طمع طامع في ايمان هؤلاء القوم وهم الوارثون لذلك التارخي الملوث؟ ثم يقص علينا من مساوىء أفعال اليهود واقاويلهم في زمان البعثة زهاء عشرين سبباً لا تبقي مطمعاً لطامع في ايمانهم. وهو لايدع زعماً من مزاعمهم الا قفى عليه بالرد والتفنيد، وقد بدأ هذا الوصف بتقسمهم فريقين: علماء يحرّفون كلام الله ويتواصون بكتمان ما عندهم من العلم لئلا يكون حجة عليهم، وجهلاء أميين هم ضحايا التلبيس الذي يأتيه علماؤهم. فمن ذا الذي يطمع في صلاح أمة جاهلها مضلَّل باسم الدين وعالمها مظلِّل يكتب من عنده ويقول هذا من عند الله! لذلك ينبهنا الله الى انه: ما كان ينبغي لكم أيها المؤمنون ان تطمعوا في ان يؤمن اليهود بدينكم، وقد اجتمعت في مختلف فرقهم اشتاب الرذائل. ان احبارهم يسمعونن كلام الله ويفهمونه ثم يحرّفونه عمداً. واذا لقي اناس منهم أصحاب النبي قالوا لهم كذباً. ونفاقاً أنّا آمنا كإيمانكم وان محمداً هو الرسول الذي بشّرت به التوراة، فاذا خلا بعضهم الى بعض عاتبهم الباقون منهم على قولهم السابق، خشية ان يكون ذلك حجة على اليهود قاطبة يوم القيامة.

стр. 41

هل غاب عن هؤلاء الذين يلومون غيرهم ويكتمون من صفات النبي ما يكتمون ويحرّفون كلام الله ان الله يعلم ما يُسِرون من كفرٍ ومكيدة وما يعلنون من اظهار الايمان ومن هؤلاء اليهود أميّون جهلة لا يعرفون شيئاً، ولا يعرفون عن التوراة الا الأكاذيب تنفق مع أمانيّهم حسب ما رسمه لهم أحبارهم. والأماني جمع أمنيَة. وهي في الاصل ما يقدّره الانسان في نفسه، ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يُتمنى وما يُقرأ. وعلى ذلك يكون المعنى: انهم يعتقدونن أكاذيب أخذوهنا تقليداً من المحّرفين، أو مواعيد فارغة سمعوها منهم، كقولهم ان الجنة قصرٌ على اليهود وحدهم وان النار لن تمسّهم الا أياماً يتركونها بعدها الى الجنة. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ أي وما هو الا قوم قصارى أمرهم الظن الواهي دون علم ولا فهم. ومع هذا فهم أكثر الناس جدلاً في الحق، وأشدهم كذباً وغرورا. ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ. . .﴾ الويل: الهلاك، اي هلاك وعذاب كبير لهؤلاء الأحبار الذين يكتبون من عندهم ثم يقولون للأميين هذه هي التوراة التي جاءت من عند الله. كل هذا الافك ليصلوا من ورائه الى أغراض تافهة قليل. فالحق أثمن الأشياء وأغلاها. وقد جنى أحبار اليهود ثلاث جنايات: تغيير صفة النبي ﷺ ، والافتراء على الله، وأخذ الرشوة، فهددهم الله على كل جناية بالويل والثبور.

стр. 42

وهنا جعل يبين منشأ اجترائهم على كل موبقة، وهو غرورهم بزعمهم ان النار لن تمسهم الا اياماً معدودات. فقل لهم يا محمد، ومن باب دحض الدعوى: أين البرهان على ما تزعمون؟ ثم ينقصه الحق تعالى ببيان مخالفته لقانون العهد الإلَهي الذي لا يعرف شيئاً من الظلم، ولا المحاباة. المس: واللمس بمعنى، وهو اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة. العهد: الخبر أو الوعد. بلى: لفظ يجاب به بعد كلام منفي سابق. الكسب: جلب المنفعة، وهنا يراد به التهكم. السيئة: الفاحشة. يزعم اليهود أنهم سيعذَّبون بالنار اربعين ليلة وذلك عدةُ أيام عبادتهم للعجل، وزعم بضعهم ان النار ستمسُّهم سبعة أيام فقط. وهنا يرد الله تعالى عليهم افتراءهم ويسألهم: هل تعاهدتم مع الله على ذلك. فاطمأننتم لأن الله لا يخلف عهده معكم؟ ثم يؤكد أن: من كسَب سيئةً وأحاطت به خطيئةٌ وفأولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون «. فحْكم الله نافذ في خقله لا فرق بين يهودي وغيره الا بما كسبت يداه. القراءات: قرأ ابن كثير وحفص: اتخذتم باظهار الذال. وقرأ الباقون بالادغام. اتخذتم. وقرأ نافع:» خطيئاته «وقرىء خطيته وخطياته.

стр. 43

بيَن سبحاه هنا ان الّذين أطاعوا وصدقوا وعملوا صالح الأعمال سيدخلون الجنة ينعمون بما أعطاهم الله. وقد جرت سنة الله في كتابه العزيز ان يتبع الوعيد بالوعد حتى يستبشر الذين آمنوا ولا يقنطوا من رحمة الله وتلك حكمة بارزة من لدنه. ويظهر من سياق الآية أن الإيمان وحده لا يكفي اذ يقول: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ فالإيمان يجب ان يقترن بالعمل به.

стр. 44

الميثاق: العهد الشديد. اليتيم: من لا أب له. المسكين: من سكنت يده عن العمل، العاجز عن الكسب. بعد ما بسطت الآيات السابقة ما انعم الله به على بني اسرائيل جاء الكتاب هنا يبين أهم ما أُمر به أسلافهم من عبادات وكيف كانوا يُصمّون أسماعهم عن سماع دعوى الحق. فأول شيء وأهمه دعاؤهم الى عبادة الله، وحده ثم الاحسان الوالدين. ويترتب على ذلك ترابط الاسرة وتماسكها. فالأمة مكونة من مجموع الأسر والبيوت، وصلاح الأمة بصلاح الأسرة. وقد أكد القرآن على ترابط الأسرة، والحفاظ عليها، وتقويتها من برِّ الوالدين أولاً. ثم ذوي القربى، ثم الاحسان الى اليتامى بحسن تربيتهم وحفظ حقوقهم من الضياع. ولقد قال النبي ﷺ : «أنا وكافلُ اليتيم في الجنة» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي عنه سهل بن سعد. وفي رواية: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» وأشار بالسّبابة والوسطى. فهل بعد ذلك منزلة أكبر! ثم قالت تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ فبعد ما أمر بالإحسان الى الوالدين والاقربين والمساكين واليتامى أمرنا، اذا لم نستطع أن نحسن الى جميع الناس بالفعل، فلنُحسن العِشرة، اذ ان الكلمة الطيبة صدقة كما ورد في الحديث الصحيح. ثم بعد ذلك قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ وهنا لم يقل «صلّوا» بل قال أقيموا الصلاة، أي صلوها على أحسن وجوهها. وهاتان فريضتان من أهم الفرائض التي تنقّي النفوس من الأدران. فاذا صلحت النفوس صلَح المجتمع بأسره. ثم ماذا حصل بعد ان أخذ الميثاق على أسلاف بني إسرائيل؟ الذي حصل أنهم تولوا وأعرضوا ونقضوا الميثاق الا قليلا منهم أذعن للحق. القراءات قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: «لا تعبدون» بالتاء الفوقية، وقرأ الباقون: «لا يعبدون» بالياء. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: «حَسَنا» والباقون «حُسنا» وقرىء: «حُسُنا» بضمتين. و «حسنى» كبشرى.

стр. 45

السفك: اراقة الدماء. التظاهر: التعاون. الأثم، العدوان: تجاوز الحد في الظلم. ذكّر الله بني اسرائيل في الآية السابقة بما أُمروا به من عبادة الله وحده والاحسان الى الوالدين وذوي القربى، وان يعاشروا الناس جميعاً بالحسنى. . ثم بيّن أنهم لم يطيعوا ما أُمروا به وتولَّوا وهم معرضون. وهنا يمضي السياق فيقص علينا عن حال اليهود، مواقفهم التي تجلى فيها العصيان ويذكّرهم بأهم الأمور التي نُهوا عنها وقد أخذ الله عليهم العهد باجتنابها. والخطاب هنا لليهود في عهد النبي ﵊، فقد كانوا في المدينة ثلاثة أحياء: بنو قينقاع، وبنو النضير، حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس. وكان العداء بين الأوس والخزرج مستحكما، فهم في أغلب الأحيان في حرب دائمة. اذ ذاك كان يقاتل كلُّ فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه وبينهم اليهودي من الفريق الآخر. وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله. وكانوا يخرجونهم من ديارهم اذا غُلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم. وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم. ثم اذا انتهت الحرب يَفدون الأسارى ويفكّون أسر المأسورين من اليهود، عملاً بحكم التوراة. هذا هو التناقض الذي يواجههم القرآن، وهو يسألهم باستنكار شديد ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ؟ ان الكتاب ينص على تحريم القتل والاخراج من الديار وأنتم تنقضون ذلك. لذا فان الله يتوعدهم بالخزي في الحياة الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة. وذلك أنه آثروا أعراض الدنيا الزائلة على نعيم الآخرة الدائم. فلن يخفَّف عنهنم عذاب جنهم، ولن يجدوا من ينقذهم منه. القراءات: قرأ عصام وحمزة والكسائي. «تظاهرون» بحذف احدى التاءين وقُرىء «تتظاهرون» بهما معاً. وقرأ حمزة «أسرى» جمع أسير كجريح وجرحى. وقرا ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر: «تفدوهم» وقرأ عاصم في رواية المفضل «تردون» بالتاء. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية ابن بكر وخلف ويعقوب «يعلمون» بالياء.

стр. 46

قفّيناه: أتبعناه. البينات: الحجج الواضحة. أيدناه: قويناه. روح القدس: جبريل. غلف: ومفرده أغلف: المغطى المقفل الذي لا يفقه ما يقال. ولقد أعطينا موسى الكتاب، أي التوراة، ثم أَتبعنا من بعده الرسل يعلّمونكم شرائع الله، وأعطينا عيسى بن مريم المعجزات الباهرة، وقويناه بروح القدس الذي يمدّه بالوحي من عندنا وهو جبريل، فلم يكن حظه بأحسن من حظ سابقيه. ثم بين الله تعالى ما كانت حظ الرسل من بني اسرائيل فقال: أفكلّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفكسم استكبرتم عن اتّباعه وبغيتم في الارض، ففريقاً كذبتموه، وفريقاً قتلتموه!! هكذا كان موقفهم من أنبيائهم. بعد ذلك كله قالوا: ان قلوبنا مغلقة لا تنفذ اليها دعوة جديدة، كدعوة محمد، فلا نكاد نفقه شيئاً مما يقول. ولم تكن قلوبهم كما يزعمون، لكنهم استكبروا وآثروا الضلالة على الهدى. . فلعنهم الله أي طردهم عن الهدى بسبب ذلك «فقليلاً ما يؤمنون» اي سبب هذا الطرد. القراءات: قرىء «آيدناه» بمد الألف وفتح الياء بدون تشديد وقرأ ابن كثير «القدس» باسكان الدال في جميع القرآن.

стр. 47

يستفتحون: يستنصرون. اشتروا: باعوا. البغي: الفساد: بغضب: رجعوا محّملين بالغضب. مهين: مذل. بما وراءه: بما سواه. كل هذا القصص الذي يقصه الله عن بني اسرائيل للمسلمين انما يُقصد به تحذيرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تُسلب منهم الخلافة في الارض. والامانة التي ناطها الله بهم. ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله. . .﴾ هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة. . ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ . ولما جاء رسولنا محمد بالقرآن، وهو كتاب من عند الله مصدّق لما أُنزل عليهم من التوراة، وعرفوا من التوراة نفسها صدق ما فيهن كفروا به عناداً وحسداً. وذلك لأن من جاء به رسول من غير بني اسرائيل. روى كثير من الصحابة ان الأوس والخزرج تغلبوا على اليهود، وأذلّوهم زمن الجاهلية فكانوا يقولون للعرب: إن نبيّاً الآن مبعثُه قد أظلّ زمانه، يقتلكم قتل عادٍ وإرمَ. وكان اليهود يستفتحون به على الكفار، يعني يستنصرون به، ويقولون: اللهمّ ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة. فلما بعث الله محمداً كفروا به. وقد قال لهم مُعاذ بن جبَل وبشرْ بن البراء: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شِرك، وتخبروننا انه مبعوث، وتصِفونه بصفاته. فقال له سلام بن مشكم بن النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالّذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله تعالى في ذلك: «ولما جاءهم، الآية. . .» ومعنى «مصدق لما معهم» : موافق له في التوحيد وأصول الدين والايمان بالبعث واليوم الآخر. ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ساء ما باعوا به أنفسهم، حين اختاروا الكفر على الايمان، حسداً أن يأتي نبي من غير اليهود، منكِرين على الله أن يكون له مطلق الخيرة في ان يوحي لمن يشاء من عباده. واذا قيل لهم، أي اليهود المعاصرين للنبي في الحجاز، صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن على محمد وابتعوه، قالوا: نحن نؤمن بما أُنزل علينا من التوراة فحسب. . مع ان القرآن مصدق لما معهم من التوراة. وعلى هذا يكون كفرهم بهذا الكتاب المصدق لما في كتابهم كفراً بكتابهم نفسه. ثم يخاطب الله الرسول الكريم بقوله تعالى: قل يا محمد لليهود، لمَ كنتُم تقتلون أنبياء الله في الماضي مع أنهم دعوا الى ما انزل عليكم؟ إنّ قتلكم للأنبياء دليل قاطع على عدم ايمانكم برسالتهم. القراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب «ان ينزل» بالتخفيف، والباقون «ان ينزّل» بالتشديد.

стр. 48

ولقد جاءكم موسى يا معشر اليهود بالآيات الواضحة المعجزات الناطقة بصدقه، والعصا التي تحولت ثعبانا، يدهِ التي أخرجها بيضاء للناظرين. وبالمنّ والسلوى وغيرها. . فكفرتم كفراً صريحاً ورجعتم الى الشِرك وموسى حيّ بينكم وبمجرد غيابه عنكم لمناجاة ربه. لقد اتخذتم العجل إلهاً وعبدتموه رجوعاً منكم الى وثنتيكم السابقة.

стр. 49

واذكروا اذ أخذنا عهودكم بأن تأخذوا ما آتيانكم من التوراة بقوة، فتعلموا بما فيها من أمري، وتنتهوا عما نهيتكم عنه، لكنكم لما رأيتم ما فيها من تكاليف شاقة. استثلقتم اعباءها وارتبتم فيها. فأريناكم على صدق هذا الكتاب آيةً بالغة اذ رفعا جبل الطور فوقكم حتى صار كأنه ظُلَة، وظننتم انه واقع بكم. عند ذاك اعلنتم الطاعة والقبول، وقلتم آمنا وسمعنا، لكن أعمالكم ظلت تكشف عن عصيانكم وتمردكم وتشير الى ان الايمان لم يخالط قلوبكم. وكيف يدخل الايمان قلوبكم. وقد شُغفت بحب المادة والذهب الممثلة في العجل الذي عبدتموه! قال يا محمد ليهود بني اسرائيل الحاضرين الذي يتبعون أسلافهم: بئس ما يأمركم به ايمانكم ان كان يأمركم بقتل الأنبياء والتكذيب بكتبه، وجحود ما جاء من عنده. ثم أمر الله نبيه الكريم ان يتحداهم في ادّعائهم صادق الإيمان، وكامل اليقين فقال: قل إن كانت. . الآيات ٩٤٩٦

стр. 50

انْ صدَقَ قولكم فيما زعمتم من ان الله خصّكم وحدكم بالنعيم بعد الممات، وان الجنة نلكم لا يدخلها الا من كان يهودياً، وانكم شعب الله المختار فتمَّنوا الموت الذي يوصِلكم الى ذلك النعيم. فامتَنعوا من اجابة النبي ﷺ لأنهم يعلمون حقاً ان دعواهم مجرد كذب. ولعلمِهم بأنهم ان فعلوا ذلك فالوعيد نازل بهم، فهم في الواقع لا يرغبون في الموت أبدا. بل إنك يا محمد لتجدَنّهم احرص الناس على الحياة، بل إنه أكثر امن حِرص المشركين الذين لا يؤمنون ببعث ولا جنة. ولذلك يود أحدهم ان يبقى على قيد الحياة ألف سنة أو أكثر. والحق ان طول حياته لن يبعده عن عذاب الله والله بصير بما يعملون. فالمرجع اليه، والأمر كله بيديه.

стр. 51

«روي ابن جرير في تفسير ان عصابة من اليهود حضرت عند الرسول الكريم فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثنا عن خلالٍ نأسلك عنهم لايعلمهن الا نبي. فقال: سلو عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعُنّي على الاسلام. فقالوا: ذلك لك. فلما سألوه وأجابهم وعرفوا انه صادق، قالوا: حدثْنا من وليّك من الملائكة، وعندها نتابعك أو نفارقك، لو كان وليك سواه ن الملائكة لتابعناك وصدّقناك. قال: فما يمنعكم ان تصدقوه؟ قالوا: انه عدوُّنا ينزل بالعذاب والنقمة ويأتي بالشدة وسفك الدماء. ولون ان ميكائيل كان ينزل عليك لتابعناك وصدّقناك، لأنه ينزل بالحرمة والغيث» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ ، لأن جبريل ما يجيء بهذا الكتاب من عنده واينما ينزله بأمر الله. وكل هذه حجج ومعاذير واهية اعتذروا بها عن الايمان بمحمد ﵇، ولاتصلح ان تكون مانعة من الايمان بكتاب. انزله الله جامعٍ لكل صفات شريفة. القراءات قرأ حمزة وال الكسائي «جبريل» ، وقرأ ابن كثير «جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء، وقرأ عاصم برواية أبي بكر «جبريل» ، وقرأ الباقون «جبريل» كقنديل.

стр. 52

نبذة: طرحه، نقضه. الفريق: الجماعة لا واحد له من لفظه. ثم يتجه الخطاب الى الرسول ﵇ ليُثبّته على ما أنزل اليه من الآيات البينات مقررا انه لا يكفر بهذه الآيات الا الفاسقون من علماء بني اسرائيل وأحبارهم. وكما تذبذبوا في العقيدة والايمان، تذبذبوا كذلك فيما يبرمونه من عهود، فكانوا كلما عادهوا النبي والمسلمين عهدا نقضه فريق منهم، لأن معظمهم لا يؤمنون بحرمة عهد ولا بقداسة ميثاق. وهذا ليس بغريب، فهو من صلب تعغاليم تلمودهم. وأساسُ ما وضعه أحبارهم ان كل من عاداهم ليس له حرمة، ولا ذمة، ولا يجوز أن يُبْرَم معه عهد. كذلك لا يرجى ايمان أكثرهم، لأن الضلال قد استحوذ عليهم، كما ان غرورهم بأنفسهم وتجبرّهم قد جعلاهم في طغيانهم يعمهون.

стр. 53

السحر: ما لطف مأخذه وخفي سببه. وسحره: خدعه، ويقال أحيانا للشيء المعجب أو الحديث اللطيف. وقد جاء في الحديث «ان من البيان لسحرا» . لما جاء محمد ﷺ الى اليهود، وهو رسول من الله اليهم والى الخلق كافة، مصدقاً لما معهم من التوراة التي فيها أوصافه ومتفقاً مع ما في التوراة من أصول التشريع، كالتوحيد بالله، والأخذ بجميع القيم نبذ فريق من اليهود القرآن وراء ظهورهم، أي جحدوه وأعرضوا عنه كأنهم لا يعلمونه. وماذا عملوا بعد ذلك! لقد آثروا السِّحر واتبعوا ما يقصُّهع الشياطين عن عهد سليمان، ما يضللون به الناس من دعاوةى مكذوبة، كزعمهم ان سليمان كان ساحراً، وانه سخر الانس والجن عن طريق السحر الذي يستخدمه. ما كفَر سليمان وما كان ساحراً بل رسولاً من عند الله. ولكن الشياطين هم الذين كفروا وتقوّلوا على سليمان هذه الأقاويل وأخذوا يعلّمون الناس السحر من عندم. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ في هذه الآية تفسيرات، فبعض المفسرين يقول ان معناها: ولم ينزل الله على هاروت وماروت في بابل أيَّ سحر. ويكون المعنى: واتَّبعة الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا. . . وقال بعضهم وهم أكثرون: يكون المعنى السحرَ الذي أُنزل على الملكين ببابل هاروت وما روت. مع ان هذين الملكين ما كانا يعلّمان احداً حتى يقولا له انما نعلّمك ما يؤدي الى الفتنة والكفر فاعرفه ولا تعمل به. ومن هنا أخذ بعض العلماء جواز تعلُّم السحر للعلم به وعدم العمل به. ولكن الناس لم ينتصحوا بهذه النصيحة التي كان الملكان يقولانها لهم فاستخدموا ما يتعلّمون منهما وجعلوا يفرقون به بين المرء وزوجه. وما هم بضارّين به من احد الا باذن الله. وهذه قاعدة عظمى يقررها القرآن وهي: ان الضرر والنفع بإذن الله. ولا يزال في وقتنا هذا مع ما تقدم العلم به من أبحاث كثيرٌ من السحر والشعوذة وغير ذلك من التنويم المغناطيسي، والتلبثة. ونحن نجد كثيراً من الناس يملكون خصائق لم يكشف العلم عن كنهها بعد. ولقد رأيت كثيراً من هؤلاء المنوِّمين يأتون بالعجب العجاب، وقرأت الكثير من القصص عن أناس عندهم خصائص عجيبة. وكل ما استطاع العلم ان يقوله تجاه هذه الأمور وهذه القوى انه اعترف بها وأعطاها أسماء، ولكنه عجز عن تفسيرها. وصدق الله العظيم: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . أما من هما الملكان: هاروت وما روت؟ وهنل هما رجلان حقيقة؟ فلا يوجد خبر صحيح يثبت شخصيتهما أو حقيقة جنسهما. وانما كانت قصتهما معروفة مشهورة ووردت في القرآن اشارات مجملة عنها، ولنسا مكلفين بالاستقصاء عنهما والأفضل عدم البحث في ذلك. القراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ولكن الشياطين كفروا» بتخفيف النون من لكن، ورفع الشياطين. وقرأ الباقون «ولكنّ» بالشديد ونصب الشياطين.

стр. 54

يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم من هؤلاء اليهود فلا تقولوا حينما يتلو الرسول عليكم الوحي (راعنا) رغبة في أن يجعلكم موضع رعايته، ويتمهل عليكم في تلاوته حتى تعوا القرآن وتحفظوه، لأن خبثاء اليهود يتظاهرون في ذلك ويستعملون كلمة «راعنوا» ، ومعناها «شرّنا أو شرير» ، فيلوون ألسنتهم بهذه الكلمة حتى تصير مطابقة للفظ شتيمةٍ ويوجهونها للرسول الكريم ليسخروا منه فيما بينهم. ولكن اسعمِلوا كلمة اخرى لا يجد اليهود فيها مجالاً لخبثهم وسخريتهم فقولوا: «أنظرنا» . واسمعوا جيداً لما يتلوه علكيم. وللكافرين يوم القيامة عذاب أليم. واعلموا ان هؤلاء الكافرين والمشركين لا يحبون ان يأتكيم أي خير من ربكم. والله يختص برحمته من يشاء من عباده. وقد خصكم بهذا الكتاب العظيم الذي جمع به شملكم، وظهر عقولكم من زيغ الوثنية، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 55

النسخ في اللغة الازالة، يقال: نسخت الشمس الظل: أزالته. الإنساء: اذهاب الشيء من الذاكرة. الولي: الصديق. النصير: المعين. يتبدل: يُبدل. يستبدل. ضل: حاد عن الطريق المستقيم. السواء، من كل شيء: الوسط. السبيل: الطريق. في هذه الآيات ردٌّ على اليهود الذين كانوا يطعنون في الاسلام والقرآن والنبي ﵊. وكانوا لا يتركون فرصة دون أن يعترضوا ويحاولوا تشويه الحقائق. فكانوا يقولون: ما بال هذا النبي يأمر قومه بام ثم يبدله بعد ذلك؟ فردَ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي ما نغير حكم آية او نؤخرها الا أتينا بما هوخير منها. وذلك لمصلحة الناس واظهار الدِّين. كل هذا من الله. القادر على كل شيء والذي له ملك السماوات والارض، يتصرف فيه كيف يشاء، وحسب مصلحة عباده. فلا تتعنتوا كما فعل اليهود من قبلكم حين سألوا رسولهم موسى ان يأتيهم بأشياء مستحيلة. وفي هذا نصيحة وتأديب للمسلمين ان يعملوا با يأمرهم به نبيهم الكريم، وينتهوا عما ينهاهم عنه. أما من لا يتأدب. بل يترك الثقة بالبينات المنزلة حسب المصلحة، ويطلب غيرها فقد اختار الكفر واستحبَ العمى على الهدى. القراءات: قرأ ابن عامر: ما نُنسخ من أنسخ الرباعي. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ننسأها» اي نؤخرها. وقرىء «تنسها» . و «تنسها» بالبناء للمفعول. وقرأ ابو عمرو «ناتِ» بدون همزة.

стр. 56

العفو: ترك العقاب على الذنب. الصفح: الإعراض عن المذنب. وهو يشمل العقاب وترك اللوم. الخطاب للمؤمنين تحذيراً من بعض أحبار اليهود مثل كعب بن الاشرف، وحييّ بن أخطب. وأبي ياسر بن أخطب وأمثالهم الذين كانوا أشد الناس عداوة للإسلام ولنبيّه ﷺ . بعد ان عرض الله حالة المنافقين والكافرين وناقش اليهود مناقشة طويلة، ثم أدّب المؤمنين كيف يخاطبون النبي وعلمهم ان التعاليم والأوامر المنزلة من عند الله بعضُها عُرضة للغير والتبديل حسب المصلح جاء هنا يحذّر جماعة المسلمين من ان كثيرا من الهيود يودون ان يردوهم عن الاسلام حسدا لهم، بعد ان تبين لليهود من كتابهم نفسه ان المسلمين على الحق. وذلك لأنهم يخشون ان ينتقل السلطان منهم ويفلت من ايديهم. بعد هذا يعلم القرآن المسلمين الأخلاق العظيمة فيأمرهم سبحانه بضبط النفس وان يعاملهم بالرفق واللين. كما وعدهم بأنهم ان تحلّوا بهذه الأخلاق فانهم منصورون. وأكد ذلك بقوله ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالله هو القادر على أن يهبكم من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى، فتتغلبوا على من يناوئكم. ثم ذكر بعض الوسائل التي تحقق النصر الذي وعدهم به فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ حافِظوا على شعائر دينكم، فأقيماو الصلاة على أحسن وجه من الخشوع وأداء اركانها، واعطوا الزكاة الى أهلها. بهذه الأعمال الطيبة ينصركم الله إنه عالم بجميع أعمالكم، لا تخفى عليه من أمركم خافية وهو مجازيكم عليها.

стр. 57

الأماني: جمع امنية: وهي كل ما يتمناه المرء ولا يدركه. البرهان: الججة والدليل. من اسلم وجهه: تعبير عن الايمان والاخلاص له والعلم بأوامهر. بلى: حرف يأتي ردا للنفي. في هاتين الآيتين يبين الله تعالى دعوى كل من اليهود والنصارى في ان الجنة لهما ولأتباعهمنا فقط. تلك أمانيّهم، وهي لا تتعدى ان تكون كذباً يزعمونه دون دليل. فقولوا لهم: هاتوا دليلكم ان كنتم صادقين. والواقع انه يدخل الجنة من لم يكن يهوديا ولا نصراينا اذا آمن بالله وأخلص نفسه له وابتع أوامره. ذلك ان رحمة الله لا تختص بشعب ولا ملّة ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٣] .

стр. 58

ومن العجيب ان اليهود يكذّبون النصارى ويعادونهم. والنصارى يكذبون اليهود ويعادونهم. . والجميع من أهل الكتاب. وهم يتلون الكتاب: التوراة والانجيل. والكتابان من عند الله ولكن المطامع الشخصية. والتعصب الاعمى جعلاهم يكفّر بعضهم بعضاً. ومن يقرأ التلمود يجد فيه أمورا بشعة قذرة في وصف المسيح ﵇. من ذلك قوله: «يسوع المسيح ارتد عن الدين اليهودي وعبد الاوثان، وكل مسيحي لم يتهود فهو وثني عدو لله ولليهود. .» وفيه أقوال تقشعر منها الأبدان. وكذلك النصارى يتهمون اليهود بالكفر والخروج عن دين الله. ولا أدري كيف يقولون ذلك مع ان المسيح ﵇ يقول في الانجيل: جئت لأتم الناموس لا لأنقُصه. وكذلك قال الوثنيون من قبلهم بأنهم هم وحدهم الذين على الحق. وكل هذه الأقوال باطلة. وليس مثل الاسلام في صراحته وسعة أفقه، فهو يصدق بالأديان السماوية ويعتبرها، ويؤمن بكتبها الحقيقة قبل ان يطرأ عليها التحريف. ما أعظم قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملاائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ. .﴾ [البقرة: ٢٨٥] . هذا هو الاسلام وهذه هي عظمته.

стр. 59

في هذه الآية انذار كبير وتحذير مخيف لكل من يمنع احدا من عبادة الله او يصد الناس عن دخول المساجد لأداء عباداتهم، أو من يسعى في خرابها. والمنى: أي امرىء أشد تعدياً وجرأة على الله ممن يفعل شيئاً من هذه المعاصي! ان لهؤلاء في الدنيا خزياً ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وهذا انذار عام يصدُق على كفار قريش حين منعوا النبي ﷺ وأصحابه من دخول مكة وتأدية العمرة عام الحديبية، كما يصدق على كل من عمل على تعطيل مسجد أو حالَ دون أداء شعائر الله فيه.

стр. 60

قال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه الى استقبال الكعبة في الصلاة. وفيها إبطال لما كان يعتقده أرباب المِلل السابقة من ان العبادة لا تصح الا في المعابد، لأن الله موجود في كل مكان. انه رب المشارق والمغارب. ثم شُرعت بعد ذلك القبلة الموحدة، وجعلت الكعبة رمزاً لذلك. ولا يزال بعض مفهوم هذه الآية سارياً الى الآن على من لم يعرف أين القبلة. والذي يرجحه ابن جرير في تفسيره ان هذه الآية ليست منسوخة بل ان حكمها باق ومعمول به على أساس انه «اينما تولّوا وجوهكم في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوّع وفي حال مسايفتكم عدوَّكم، في تطوعكم ومكتوبكم، فثم وجه لله» وفي هذا توسيعك كبير.

стр. 61

قانتون: خاضعون، طائعون. بديع السماوات: مبدعها، خالقها ومخترعها. في هاتين الآيتين انتقال الى موضوع جديد، هو نسبة الولد الى الله، فقد قال اليهود: عُزَير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال المشركون قديما: الملائكة بنات الله. وهنا ينفي سبحانه هذا كله فيقول: ان له كل ما السماوات والأرض، ومن كان هذا شأنه، وجميع ما في الكون مسخر لأمره، فهو ارفع من ان يحتاج الى نسل او يتخذ ولدا. وكيف يتخذ ولدا من أبدع هذا الكون العجيب بما فيه من سماوات وأرض ونجوم وكواكب، وقد اذعن كل ما فيه لإرادته، واذا أراد أمراً فاما يقول له: كن فيكون؟؟

стр. 62

الذين لا يعلمون: مشركوا العرب والجهلة من أهل الكتاب. ولق أمعنوا في عنادهم فطلبوا من الرسول آية حسّية أو يكلمهم الله بنفسه. وهكذا طلبت الأمم السابقة من أنبيائهم، فقد قال بنو اسرائيل لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهارا. وطلب أصحاب عيسى اليه اني ينزل عليهم مائدة من السماء. اما نحن فقد بيّنّا للناس الآيات على يديك يا محمد، بما لا يدع مجالاً للريب لدى طالبي الحق بالدليل والبرهان. ثم يلتفت تعالى الى الرسول الكريم فيخاطبه بما معناه: «إنّا ارسنلاك بالشيء الثابت الذي لا تضل فيه الأوهام وجعلناك بشيراً لمن اطاع بأنه من الفائزين، ونذيراً لمن عصى انه من الكافرين الجاحدين. فلا عليك إن أصرّوا على الكفر والعناد، فانك لن تُسأل عن أصحاب الجحيم. فأنت لم تُبعث ملزماً ولا جبارا، وانما بعثت معلماً وهادياً بالدعوة والأسوة الحسنة. وفي هذا تسلية للنبي الكريم لئلا يضيق صدره. القراءات: قرأ نافع ويعقوب: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ بالنهي. والباقون» لا تسئلُ «.

стр. 63

الملة: الطريقة، الدين، الشريعة، جمعها ملل. الاهواء: جمع هوى، وأهل الأهواء أهل البدع، قال السيد الجرجاني «الهوى ميلان النفس الى ما تستلذ من الشهوات من غمير داعية للشرع» . ولا يستعمل في الغالب الا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه. كان النبي ﷺ حريصاً على ان يبادر أهلُ الكتاب الى الايمان به، فكبُر عليه إعراضهم عن اجابة دعوته، مع انها موافقة لأصول دينهم. وهنا يخاطبه الله تعالى بأنهم لن يرضوا عنه ابدا. فيقول له: لا ترهق نفسك في استرضاء المعاندين من اليهود والنصارى، فان هؤلاء لن يرضوا عنك حتى تتبع دينهم الذي يزعمون انه هو الصواب. ولا يوجد هدى حقيقي الا ما أنزل الله على أنبيائه وماأنزلتُه عليك من الاسلام. لا ما أضافه اليهود والنصارى من تحريف وتغيير حتى فرّقوا دينهم وكانوا شيعا. ولئن اتبعتَ أهواءهم وما أضافوا الى دينهم وجعلوه أصلاً م أصول شريعتهم فان الله لن ينصرك أو يساعدك على ذلك. وهذا انذار شديد الى الرسول الكريم الذي عصمه الله من الزيغ والزلل، ولكنه في الحقيقة موجه للناس كافة. وقد جاء الكلام هنا على هذا الأسلوب الشديد ليرشد من يأتي بعده ان يصدع بالحق ولا يبالي بمن خالفه مهما قوي حزبه واشتد امره. فمن عرف ان الله ناصره لا يخاف انكار المعاندين.

стр. 64

يذكر الله سبحانه في هذه الآية ان هناك فريقاً من أهل الكتاب يرجى ايمانهم، وهم الذين يتدبرون كتابهم ويتبعون ما جاء فيه من الحق فيؤمنون به، ولا يحرّفونه عن موضعه. وقد آمن منهم جماعة وكانوا من خيرة الصحابة كعبد الله بن سلام. أما من يكفر بما أُنزل اليك يا محمد بعد ان تبيَّّن له الحق فأولئك هم الذين خسروا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.

стр. 65

هذه الآية عظة من الله تعالى لليهود في عصر الرسول الكريم، وتذكير لهم بما سلف من نعمة الله على آبائهم بانقاذهم من أيدي عدوهم، واعطائهم كثيرا من النعم. فخاطبهم على هذه الصورة. يا بني اسرائيل، اذكروا نعتمي عليكم وانقاذي اياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه، وانزالي عليكم المنَّ والسلوى في تهيكم، واختصاصي الرسل منكم، وتفضيلي اياكم على غيركم ممن كانوا في ذلك الزمان. . وذلك كله حتى يترك اليهود المعاصرون للرسول تماديهم في الغي والضلال ويثوبوا الى رشدهم. ثم يورد الآية التي بعدها «واتقوا يوما. .» ترهيبا منه للذين وعظهم بالآية التي قبلها. فيقول: اتقوا يا معشر بني اسرائيل، المبدّلين كتابي وتنزيلي، المحرفين تأويله عن وجهه، المذكبين برسولي محمد عذا يوم لا تجزىي فيه نفس عن نفس شيئا، ولا يشفع فيما وجب عليها شافع، ولا يمنعها احد من عذاب الله.

стр. 66

الابتلاء: الاختبار. الكلمات: التكاليف من أمر ونهي وتشريع. . أتَمَّهن: قام بهن خير قيام. واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم ان الله تعالى اختبر ابراهيم ببعض الأوامر والنواهي، فقام بما امره خير قيام، فقال له: اني جاعلك للناس رسولا يقتدى بهديك. قال ابراهيم: واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم. قال الله تعالى: أجبتك على ما طلبت، ولكن عهدي بالإمامة لا يناله الظالمون، فهم لا يصلحون ان يكونوا قدوة للناس. ذلك ان الإمامة الصالحة لا تكون الا لذوي النفوس الفاضلة. وفي الآية اشارة الى انه سيكون من ذريته الابرار والفجار. القراءات: قرأ ابن عامر: ابراهام بالألف جمع ما في هذه السورة.

стр. 67

البيت: الحرم المكي. مثابة: مرجعا يثوب اليه الناس. مقام ابراهيم: هو الحجر الذي كان يقوم عليه حين بناء الكعبة. وقيل ان الحرم كله مقام ابراهيم. عهد: وصّى. في هذه الآيات يأتي الحديث عن ابراهيم واسماعيل، وعن البيت الحرام وشعائره، لتقدير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جمعيا حول النسب الذي يمتُّ به ويحترمه أهل الكتاب ومشركوا العرب، وهو ملة ابراهيم ونسبه الى عقيدة المسلمين. اذكروا قصة بناء ابراهيم مع ابنه اسماعيل لبيت الله الحرام بمكة، اذ جعلنا هذا البيب للخلَف ملاذا ومأمنا، واذ امرنا الناس ان يتخذوا منه مكاناً يصلّون فيه. وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل، اي وصيناهم، بتطهير البيت، وان يصوناه من كل رجس معنوي كلاشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه، وقت اداء العبادات. كما أوصيناهما ان يجعلاه مهيَّأً للناس للطواف والصلاة والسعي. ومقام ابراهيم الذي جاءت الاشارة اليه كان ملاصقاً للكعبة، وكان الحجاج أثناء الطواف يتزاحمون عنده، وربما حدث كثير من الانزعاج لبعضهم، مما حدا بالمسئولين ان يستفتوا العلماء لإبعاده قليلا. وقد افتى بذلك جمهور من العلماء فتمت زحزحته عن مكانه. وهناك من المفسرين من يقول: مقام ابراهيم هو الحرم جميعه، سماه الله بيته لأنه أمر المصلّين ان يتوجهوا في عبادتهم اليه. والحكمة في ذلك ان الناس في حاجة الى التوجه الى خالقهم لشكره والثناء عليه، لكنهم يعجزون عن التوجه الى «ذات مجردة» لا تنحصر في جهة، فعيّن الله لهم هذا البيت المقدس نسبة اليه. واذكروا اذا طلب ابراهيم الى ربه ان يجعل مكة، البلد الحرام، بلداً آمنا، وان يرزق مَن يحل فيه من ثمرات الأرض وخيراتها. هذا ما طلبه ابراهيم، فأجابه الله تعالى اليه. اما من كفر فإني انا العلي القدير، أُمتِّعه في هذه الحياة الدنيا القصيرة الأمد ثم أسوقه الى عذاب النار يوم القيامة. القراءات: قرأ نافع وابن عام: «اتخذوا» بلفظ الماضي. وقرأ ابن عامر: «فأمتعه» من أمتع الرباعي.

стр. 68

القاعدة: ما يقوم عليه البناء من أساس. الأمة: الجماعة. والمناسك: جمع منسك العبادة، وأصبحت شائعة في عبادة الحج. الكتاب: القرآن. الحكمة: كلمة معامة تجمع معاني العلم والعدل والحلم وكل أنواع المعرفة التي تجعل المرء حكيما يسلك طريق السداد: ويزكيهم: يطهر نفوسهم من دنس الشرك والمعاصي. بعد ما مر من الآيات التي نوهت بالحرم والبيت، وان الله جعله بلدا آمناً تجبى اليه الثمرات انتقل التنويه الى ان الذي بنى ذلك البيت هو ابراهيم بمعنونة ولده اسماعيل. وكانا يدعوان بقولهما: ربنا تقبّل منا هذا العمل الخالص لوجهك الكريم، إنك انت السميع لدعائنا؛ العليم بنيّاتنا في جميع اعمالنا. وفي الآية اشارة الىأن كل من عمل عملاً صالحاً أو أدى فريضة مقررة وابتهل الى الله بالدعاء طالبا القبول فإنَّه لا يرده خائبا. ربنا واجعلنا مخلصين لك بأن لا نتوجه بقلبنا الا اليك، ولا نستعين بأحد الا بك، ولا نقصد بعملنا الا مرضاتك. واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك، وعلّمنا طريقة عبادتنا الصحيحة لك في بيتك المحرم وما حوله، في الحج وغيره، ووفّقنا للتوبة انك تقبل توبة عبادك وتغفر لهم بفضل من رحمتك. ربنا وابعث في ذريتنا رسولاً منهم، يقرأ آياتك، ويعلّمهم ما تُنزل من الوحي، ويبصّرهم بكل علم نافع وشريعة قويمة، ويطهرهم من ذميم الأخلاق، إنك انت القوي الذي لا يُغلب، ولا يناله ضيم، والعزيز الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه الحكمة والعدل والصلاح. وقد أجاب الله دعاءهما وأرسل فيهم محمداً ﵊ من ذرّية اسماعيل، فكوّن من العرب بفضل الاسلام أُمة كانت خير الأمم. واذا كانت هناك الآن وحدة اسلامية عامة أو شيء يشبه هذه الوحدة، فإنما هي بفضل القرآن وُجدت وبفضل القرآن ستبقى، مهما تختلف الظروف وتدلهمّ الخطوب. فالقرآن هو أساس هذه الوحدة الجديدة كما كان أساسا للوحدة القديمة. والعرب أجدر ان يفهموه وينفذوه، فقد نزل فيهم، وأنزل بلغتهم، واتّجه اليهم أول ما أُنزل.

стр. 69

رغب في الشيء: أحبه، ورغب عنه: لم يردّه وزهد فيه. سفِه نفسه: أذلها واحتقرها. اصطفيناه: اخترناه. أسلم: أخلص العبادة لله. هذه هي ملة ابراهيم: الاسلام الخالص. ولَنعم ما فعله ابراهيم وما دعا اليه ربه، فكيف تعرضون عنها، وتدعون أولياء من دون الله لا يملكون لكم ضراً ولا نفعا! انه لا يعرض عن ملة ابراهيم الا من امتهن نفسه واحتقرها. ولقد اصطفينا ابراهيم من بين خلقنا في الدنيا، وجعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح. اذ قال له ربه حين دعاه: أسلِم، فلبى دعوته حالاً وقال: أسلمت واخصلت ديني لله. اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما ن من المشركين. وبعد ذلك وصى ابراهيم بنيه بهذه الدعوة كا وصى يعقوب أولاده من بعده أن اتبعوا ملة أبيكم ابراهيم فالله قد اختار لكم هذا الدين الحنيف، فحافظوا على هذه النعمة، ولا تموتن الا وأنتم مسلمون. القراءات: «وصى بها ابراهيم» قرأ نافع وابن عامرب «وأوصى بها» .

стр. 70

شهداء: جمع شهيد بمعنى حاضر. وهو المقصود. روي ان اليهود قالوا للنبي الكريم: ألست تعلم ان يعقوب أوصى بنيه باليهودية؟ فجاءت هذه الآية رداً علهيم. أكنتم هناك يوم حضرته الوفاة وعرفتم الملة التي مات عليها! اعلموا ان يعقوب مات على دين ابراهيم، وكذلك ابناؤه بعده. فلقد سألهم: ماذا تعبدون من بعدي؟ فأجابوا: نعبد إلَهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق، لا نشرك به شيئا ونحن له منقادون مسلمون. وقد ارشدت الآية الكريمة الى ان دين الله واحد في كل أمة، وعلى لسان كل نبي، وروحُه التوحيد والاستسلام لله والاذعان لِهَدْي الأنبياء. تلك أمة ابراهيم ويعقوب والصالحين من بنيهما، وهي جماعة قد خلت، لها ما كسبت في اسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق، ولكم ما كسبتم من الهدى أو الضلا. انهم لا يُسألون عن أعمالكم ولا تسألون عما كانوا يعملون. اولئك لا ينفعهم الا ما اكتسبوا، وأنتم لا ينفعكم الا ما اكتسبتم.

стр. 71

هودا: يهودا. حنيفا: مائلا عن الباطل الى الحق، ثم صار علَما للاستقامة. الأسباط: جمع سبط وهو ولد الولد. الاسباط من بني اسرائيل كالقبائل من العرب: تولوا: اعرضوا. في شقاق: في نزاع. صبغة الله: فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال اهل الكتاب: كونوا ايها المؤمنون يهوداً او نصارى تهتدوا الى الطريق السوي، فقل لهم يا محمد: بل نتبع ملة ابراهيم الذي لا تنازعون في هداه ولم يكن من المشركين. ودين ابراهيم الحنيف هو الذي عليه محمد واتباعه المؤمنون. وذلك لأنهم يؤمنون بالله وبرسله كتبه. لذلك قال بعده هذه الآية: قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا من القرآن، وآمنا بما أنزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى غير محرّفة، والانجيل الذي أنزله الله عليى عيسى غير محرف أيضاً. وآمنا بما أُتي النبيون من ربهم، لا نفرّق بين أحد منهم فنكفر ببعضه ونؤمن ببعض، بل نشهد بأن الجميع رسل الله بعثهم بالحق والهدى، ونحن له مسلمون مذعنون بالطاعة والعبودية. فإن آمنوا بكل هذا وتركوا ما هم عليه من تحريف كتبهم وادعائهم حلول الله في بعض البشر، فقد اهتدوا الى الحق. اما إن اعرضوا عما تدعوهم اليه، وفرقوا بين رسل الله فاتركهم. فانهم في شقاق وعداوة، والله سوف يكفيك امرهم ويريحك من لجاجهم ونزاعهم. غن ما ذثكر آنفاً هو الايمان الحقيقي، وهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. اختار الله هذه الرسالة وجعَلها آخر رسالاته الى البشر لتقوم عليها وحدة انسانية واسعة الآفاق، كل الناس فيها سواء، أفضلهم أتقاهم وانفعهم. ومن أحسنُ من الله صبغة! وتختتم الآية بهذه العبارة اللطيفة «ونحن له عابدون» أي ان الله هدانا بهدايته، وارشدنا الى حجته، ونحن لا نخضع الا لله، ولا نتبع الا ما هدانا وأرشدنا اليه، فلا نتخذ الاحبار والرهبان اربابا يزيدون في ديننا وينقصون.

стр. 72

اتحاجوننا: اتجادلوننا. بعد ان بين الله تعالى ان الملة الصحيحة هي دين ابراهيم، وهي صبغة الله ، وان محمداً جاء متبعاً لها متمماً للراسلات التي سبقته شرع هنا يبطل الشبهات التي تعترض سبيل الحق، فقال: قل يا محمد، اتجادلوننا في الله زاعمين انه لا يصطفي الأنبياء الا منكم، وهو ربكم ورب كل شيء لا يختص به قوماً دون قوم! ان رب العالمين يصيب برحمته من يشاء ويجزي كل قوم بأعمالهم، لنا اعمالنا، ولكم أعمالكم، ونحن له مخلصون. ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق والأسباط كانوا يهوداً او نصارى مثلكم مع أن الله ما انزل التوراة والانجيل اللذين قامت علهيما اليهدية والنصرانية الا من بعد هؤلاء! لقد اخبرنا الله بذلك، فهل انتم أعلم أم الله؟ بل انه اخبركم بذلك في أسفاركم، فلا تكتموا الحق. ومن أظلمُ ممن كتم حقيقة يعلمها من كتابه! ان الله لا يترك امركم سدى فهو يعلم حقائق الأمور، وهو محيط بما تأتون وماتذرون. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ. . .﴾ اعاد القرآن الآية التي مرت منذ قليل للتأكيد على انه لا علاقة لهم بالأسلاف الماضين. . القراءات: قرأ بن عامر، وحمزة والكسائي وحفص «ام تقولون» بالتاء. والباقون: «ام يقولون» بالياء.

стр. 73

السفيه وجمعه سفهاء: الجهال، ضعاف العقول. ولاه عن الشيء: صرَفه. القبلة: ما يستقبل الانسان. . ثم خصه بالجهة التي يستقبلها المسلمون في الصلاة. الوسط: العدل والخيار. من ينقلب على عقبيه: يترك ما كان عليه من التقوى والاستقامة. لما هاجر الرسول الكريم الى المدينة مكث ستة أو سبعة عشر شهرا يصلي متوجهاً الى بيت المقدس. وفي شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة أوحي اليه ان يتوجه بالصلاة الى الكعبة كما يقول ابن عباس. فغضب اليهود من تحويل القبلة هذا وجاء نفر من أحبارهم، منهم رفاعة بن قيس وكعب بن الاشرف والربيع ابن ابي الحقيق فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم انك على ملة ابراهيم ودينه؟! ارجع الى قبلتك نتبعك وتصدقك. وما كانت أقوالهم هذه الا كذباً وما أرادوا بذلك الا فتنة النبي ﷺ . فأنزل الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس. .﴾ الآية سيقول الذين ضعُفت احلامهم وأضلتهم أهواؤهم من اليهود والمنافقين والمشركين: أي شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانواعليها؟ . قل يا محمد، إنّ جميع الجهات لله لا فضل لجهة على أُخرى، وليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور، وكذلك الكعبة والبيت الحرام. وانما جعل الله للناس قبلة، لتكون جامعة لهم في عبادتهم، والله وحده هو الذي يختار ما يشاء ليكون قبلة للصلاة. وهو يهدي بمشيئته كل أمة من الأمم ويلهمها ما فيه الخير لها. وكذلك جعلناكم امة وسطاً خياراً عُدولا، جَمَعَ دينُها بين المادة والروح فجاء وسطاً جامعاً بين حق الروح وحق الجسم. وخير الامور الوسط. وذلك لتشهدوا يوم القيامة على جميع الناس الماديين الذي فرطوا في جنب الله واخلدوا الى الملذات وعبادة المادة، وقالوا إِنْ هي الا حياتنا نموتونحيا وما يهلكنا الا الدهر. . وكذلك الذين غلَوا في الدين وتخلّوا عن جميع اللذات الجثمانية وتعلقوا بالروحانيات فقط. لقد جعلناكم كذلك لتكونوا أمة وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، وبكل معاني الوسط، سواء في الوساطة يمعنى الحسن والفضل أو الاعتدال والقصد، أو التفكير والشعور. ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ اذ هو المرتبة العليا لمرتبة الوسط. ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ. . .﴾ اما القبلة إلى بيت المقدس واليت شرعناها لك حيناً من الدهر ثم أمرناك ان تتحول عنها فانما جعلناها امتحانا للمسلمين، ليتبين منهم من يطيع أوامر الله ويتبع الرسول الكريم، من يغلب عليه هواه فيضلّ عن سواء السبيل. ولقد كان الأمر بالتوجه الى بيت المقدس ثم التحول الى الكعبة شاقاً الا على الذي وفقهم الله الى الايمان. والله رؤوف بعباده، لأنه ذو رحمة واسعة فلا يُضيع عمل عامل من عباده. القراءات: قرأ الحرميان، وابن عامر وحفص «لرؤوف» بالمد على وزن فعول. والباقون «رَؤُف» فَعُل.

стр. 74

تتقلب الوجه في السماء: التطلع الى السماء. الشطر: الجهة. كان النبي ﵊ منذ وصوله المدينة يتطلع الى ان يؤمر بان تكون قبلته الكعبة. قبلة ابيه ابراهيم. فيه قبلة بني قومه، يعظمونها ويفتخرون بها. لذلك جعل يديكم النظر الى السماء، راجيا ان يمنّ الله عليه بالوحي الذي يأمره بذلك، فأوحى الله تعالى اليه قوله ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء. . . .﴾ فها نحن أولاء نؤتكي سؤلك، فاستقبل في صلاتكم المسجد الحرام، واستقبلوه كذلك أيها المؤمنون في أي مكان تكونون. اما أل الكتاب فانهم يعلمون ان استقبال القبلة في المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على رسوله، ومع ذلك تجدهم يثيرون الشغب والفتنة، ويؤثّرون على الضعاف في دينهم، ويوهمونهم ان ما يقولونه مأخوذ من كتبهم، وما هو من كتبهم، ولكنهم يريدون بذلك الخداع والفتنة. والله ليس غافلا عنهم، وهو يجزيهم بما يفعلون. ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد. القراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «يعملون» بالياء. وبالباقون «تعملون» بالتاء.

стр. 75

ثم يؤكد تعالى عنادهم وكفرهم بهذه الآية، وتفسيرها: ولئن جئت يا محمد اليهود بكل برهان وحجة بأن الحق هو ما جئت به من فرض تحويل القبلة. . ما صدقوا به ولا اتبعوك، لأن إنكارهم ما كان لشبهة تزيلها الحجة. بل هو عناد ومكابرة، فلا يُجدي معهم برهان ولا تقنعهم حجة. واذا كان اليهود يطمعون في رجوعك الى قبلتمهم ويعلقون اسلامهم على ذلك، كما راجعك نفر منهم فقد خاب رجاؤهم ولن تتحول الى قبلتهمه. ان اليهود لن يتركوا قبلتهم ويتوجهوا الى المشرق. ولا النصارى تغير قبلتها وتتجه الى المغرب. ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم. . .﴾ ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود فابتعت قبلتهم من بعدما أوحينا إليك أنهم مقيمون على باطل فإنك اذّاك من الظالمين أنفسهم المخالفين لأمري.
следующие страницы →