← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

دانية: قريبة متدلية ينعهِ: نضجه. ثم ينقلنا الى مشاهد الحياة المتفتحة في جنبات الارض، فيذكر آية اخرى من آيات التكوين ويبين لنا دور الماء الظاهر في إنبات كل شيء. وهو الذي أنزل من السحاب ماءً فأخرج به نبات كل صنف، جاء بعضه غضّاً طريا، يخرج منه حبٌّ كثير بعضه فوق بعض. ون غبار طلع النخل تخرج عراجين محمّلة بالثمار قريبة سهلة التناول. كذلك أخرجنا بفضل الماء جناتٍ من الأعناب والزيتون والرمان، منها ما هو متشابه الثمر حين يثمر، والى نضجه كيف تم بعد اطوار مختلفة. ثم وازنوا بين صفاته في كل من الحالين، يتبين لكمن لطف الله وقدرته. أليس في ذلك دلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم ينشدون الحق؟! قراءات: قرأ حمزة والكسائي: ثمره بضم الثاء والميم، جمع ثمرة والباقون: ثمره بفتح الثاء والميم. بعد هذا العرض الواضح لدلائل وجود الله ووحدانيته وقدرته يبين لنا الله تعالى شِرك المشركين وأوهامهم وسخفهم، فيعقّب على ذلك كلّه بالاستنكار فيقول: وجعلوا لله شركاء. . .

стр. 492

خلق الكلمة، واختلقها، وخرقها، واخترقها: ابتدعها كذباً، والخلقُ فعلُ الشيء بتدبير ورفق بديع السماوات: خالقها ومنشئتها، والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء الادراك: الوصول الى الشيء، يقال: تبعه حتى أدركه البصر: حاسة الرؤية اللطيف: ضد الكثيف، واللطف في العمل: الرفق فيه. بعد ان ذكر سبحانه البراهين الدالة على توحيده بالخلق والتدبير في هذا الكون - ذكر هنا بعض انواع الشِرك التي كانت منتشرة عند العرب وكثير من الأمم، وهي اتخاذ شركاء لله من علام الجِن المستتر عن العيون. وهم لا يعرفون من هم الجن، ولكنها الوثنية هذا كما اختروعا لله نسلاً من البنين والبنات. . . لقد قالوا ان الملائكة والشياطين شركاء لله، وقد خلقهم الله جيمعا، فإذا كان هو الذي خلقكم فكيف يكونون شركاء له في الألويهة والربوبية!! ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ . فقد قال مشركو العرب: ان الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عُزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كل هذه الادعاءات لا تقوم على أساس من علم، بل هي الجهل المطبِق. ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . تنزّه الله تعالى عن كل نقص ينافي انفراده بالخلق والتدبير. قراءات: قرأ نافع وأهل المدينة «خرقوا» بتشديد الراء. ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ . هنا يواجه كذبهم واختلاقهم بالحقيقة الالهية ويكشف لهم جهلهم وأوهامهم، فيقول: ان الله هو الذي انشأ السماوات والارض على غير مثال سبق، فكيف يكون له ولد، كما يزعم هؤلاء، مع انه لم تكن له زوجة، ولقد خلق جميع الاشياء بما فيها هؤلاء الذين اتخذوهم شركاء له، فكيف يخلقهم ويشاركون في القدرة على الخلق؟ انه هو عالم بكل شيء يحصي عليهم ما يقولون وما يفعلون. ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ﴾ . ذلكم الله المنزَّه عن كل ما يصفونه به، المتصف بصفات الكمال، لا إله غيره، خالق كل شيء مما كان ومما سيكون، فهو وحده المستحق للعبادة. فاعبدوه وحده. وهو مع تلك الصفات الجليلة الشأن متوّلٍ جميع الأمور، يدبّر ملكه بعلمه وحكمته، فيرزق عباده، ويكلؤهم بالليل والنهار. ﴿ (*) لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ . أي لا تُبصر ذاتَه العيون، لكنه يعلم الأبصار والبصائر، وهو الرفيق بعباده والخبير بخلقه فلا يخفى عليه شيء من أمرهم.

стр. 493

البصائر: جمع بصيرة، لها عدة معان: العبرة، والمعرفة الثابتة باليقين، والشاهد للأمر والحجّو، والقوة التي تدرَك بها الحقائق العلمية، وععقيدة القلب. أما البصَر فهو الذي تدرَك به الأشياء الحسية. والمراد بالبصائر هنا الآيات الواردة في هذه السورة أو القرآن كله بعد ان أقام الله الأدلة والبراهين الواضحة على توحيده وكمال قدرته وعلمه، قرّر هنا امر الدعوة والرسالة، وحدود تبليغ النبي ﷺ لأوامر ربه، قل ايها النبي للناس: مِن خالقكم جاءتكم هذه الآيات البينات كدلائل تتبصرّون فيها من الحجج الكونية والبراهين العقلية، كيما تثبت لكم عقائد الحق اليقينة التي علهيا مدار سعادتكم في دنياكم وآخرتكم وأنتم أحرار بعد ذلك فمن أبصر فلنفسه قدّم الخير وبلغ السعادة، ومن عمي عن الحق، وأعرض عن سبيله، فعلى نفسه جنى إنني لست عليكم بمحافظ ولا رقيب.

стр. 494

نصرّف الآيات: نأتي بها متواترة حالا بعد حال، مفسرين لها في كل مقام بما يناسبه. درس الكتابَ والعلم يدرسه درسا ودراسة ومدارسة: قرأه وتعلمه. يتجه الخطاب هنا الى الرسول الكريم، فيتحدث عن تصريف الآيات على مستوى لا يمكن ان يأتي به النبي الأُمّيّ من عنده. وفي ذلك إشارة الى أن المشركين يعلمون حق العلم ان النبيّ محمداً عاش بينهم ولم يدخل مدرسة، ولم يجلس إلى معلم، ومع هذا فهم يعاندون فيقولون: إن محمداً درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب. كيف هذا وما كان شيء من حياتك يا محمد خافياً عليهم، لا قبل الرسالة ولا بعدها! وكيف هذا وليس مِن أهل الكتاب من يعلم شياً على هذا المستوى! ان كتب أ÷لا لكتاب موجودة قائمة، والمسافة شاسعة بين ما فيها وما فيه هذا القرآن الكريم. ولا نريد ان نقول في هذه الكتب التي بين ايديهم شيئا، لكن علماءهم وكتابهم انتقدوها وبيّنوا كثيرا من زيفها وتحريفها. وقد صدر حديثا كتاب لعالم وطبيب فرنسي كبير هو الدكتور «موريس بوكاي» جعل اسمَه «القرآن والتوراة والانجيل والعلم» وفيه بيّن هذا العالم الكبير عبد دراسته التحليلة ان القرآن لا يتناقض مع الحقائق العلمية والتاريخية، خلافاً للتوارة والانجيل. وهو يقول: «لقد اعتبر الاسلام دائماً أن هناك اتفاقاً بين معطيات كتابه المقدس والواقع العلمي. ولم تكشف دارسه نص القرآن في العصر الحديث عن الحاجة الى اعادة النظر في هذا. وسوف نرى فيما بعد ان القرآن يثير وقائع ذات صفة علمية. وهي وقائع كثيرة جدا، خلافاً لقلّتها في التوراة. وليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جداً لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدّد الموضوعات ذات السمة العلمية وكثرتها في القرآن. وعلى سبيل المثال، نحن نجهل التاريخ التقريبي لظهور الانسان على الارض. . . لكنّنا لا نستطيع علمياً قبول صحة نص سفر التكوين الذي يورد أنساباً وتواريخ تحدّد أصل ظهور الانسان (خلق آدم) بحوالي ٣٧ قرنا قبل المسيح. . . هذا فيما نستطيع ان نطمئن إلى أنه لن يمكن أبداً إثبات أن الإنسان قد ظهر على الارض منذ ٥٧٣٦ سنة كما يقول التاريخ العبري في ١٩٧٥. وبناء على ذلك فإن معطيات التوراة الخاصة بقدم الانسان غير صحيحة. وان الدارسة التي نقدمها الآن تختص بما تُنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظاهرات الطبيعية المتنوعة الكثيرة، والتي تحيطها تلك الكتب بقليل او بكثير من التعليقات والشروح. ولا بد من الملاحظة ان الوحي القرآني غني جداً في تعدُّد هذه المواضيع، وذلك على خلاف ندرتها في العهدّين القديم والجديد. لقد قمتُ أولاً بدارسة القرآن الكريم، وكان ذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث.

стр. 495

وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات- ان القرآن يذكر انواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة ادرتت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في لاعصر الحديث. وبنفس الموضوعية قمتُ بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل: أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب الى ابعد من الكتاب الأول، أي سِفر التكوين، حيث وجدت مقولاتٍ لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا. وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة انساب المسيح. ذلك أن نص إنجيل متّة يناقض بشكل جلي إنجيلَ لوقا. اذ أن هذا الاخير يقدم لنا صراحة أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدَم الانسان على الارض. غير ان وجود هذه الامور المتناقضة وتلك التي لا يحتلمها التصديق، وتلك الآخرى التي لا تتفق والعلم- لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعِف الايمان بالله. ولا تقع المسؤلية فيها إلا على البشر. ولا يستطيع أحدا أن يقول كيف كانت النصوص الاصلية، وما نصيب الخيال والهوى في عملية تحريرها، او ما نصيب التحريف المقصود من قِبَل كتبةِ هذه النصوص، او ما نصب التعديلات غير الواعية التي ادخلت على الكتب المقدسة. ان ما يصدمنا حقاً في أيامنا هذه ان نرى المتخصصين في دراسة النصوص يتجاهلون ذلك التناقض والتعارض مع الحقائق العلمية الثابة، او نراهم يكشفون عن بعض نقاط الضعف ليحاولوا التستّر عليها، مستعيني في ذلك ببهلوانات جدلية. وسنقدم في هذا الكتباب أمثلة لاستخدام وسائل التستّر على التناقض او على امر بعيد التصديق، مما يسمونه «صعوبةً» استحياءً منهم، وأنه كان ناجحا في كثير من الاحيان. وهذا ما يفسر لنا كيف ان كثيراً من المسيحيين ظلوا يجهلون نقاط الضعف الخطيرة في كثير من المقاطع في العهد القديم وفي الأناجيل وسيجد القارئ في الجزئين الأول والثاني من هذا الكتاب امثلة صحيحة في ذلك. اما الجزء الثالث فسيد فيه القارئ أمثلة توضحيحية لتطبيق العلم على دارسة أحد الكتب المقدسة، وهو تطبيق لم يكن يتوقعه الانسان. كما سيجد القارئ في ذلك بياناً لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد، من اجل فهمٍ أكملَ لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة او غير مفهومة. ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما ان الدين والعلم توأمان متلازمان.

стр. 496

فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءاً لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. والواقع أن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى الى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الاسلامية. تلك الحضارة التي اقتان منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا. ان التقدم الذي تمّ اليوم، بفضل المعارف العلمية، في شرح بعض ما لم يكن مفهوما، أو بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن، من آيات القرآن- ليشكّل قمةَ المواجهة بينالعلم والكتب المقدسة «. هذه مقتطفات مختصرة جداً من مقدمة هذا الكتاب الرائع الذي يقدّم لنا شهادة صادقة صادرة عن دراسة وبحثٍ بأمانة وحياد وشجاعة بدون تحيز ولا تعصب. ﴿وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . وبمثل هذا التنويع في عرض الدلائل الكونية، نعرض آياتنا في القرآن منّوعة مفصّلة، لنقيم الحجة بها على الجاحدين، فلا يَجِدوا الا اخلاق الكذب، فيهتموك بأنك تعلّمت من الناس لا من الله. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو» دارست «وابن عامر ويعقوب» درستْ «بصيغة الماضي. هكذا بين سبحانه لرسوله ان الناس في شأن القرآن فريقان: فريق فسدت فطرتهم ولم يبقَ لديهم استعداد لهدية، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات، ومن ثم كان نَصيبهم منه الجحود والانكار. وفريق آخر اهتدى به وعمل بما فيه. . من ثَم أمر رسوله ان يتبع ما أوحي اليه من ربه، وان يُعرض عن المشركين، ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم. ﴿اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ . اتّبعْ أيها النبي ما جاءك به الوحي من الله، هو المعبود الواحد الذي لا شريك له فالتزم طاعته، ولا تبالِ بعناد المشركين وإصرارهم على الشرك. ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ . ولو شاء الله ان يُلزمهم الهدى لهداهم، ولكنه تركهم لاختيارهم، فلقد خلق تعالى النّاسَ بهذا الاستعداد للهدى والضلال، ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وما جعلناك يا محمد رقيباً تحصي عليهم اعمالهم، ولا أنت بمكلف أن تقوم عنهم بتدبير شئونهم وإصلاح أمرهم.

стр. 497

عدْواً: ظلما. بعد أن أمر الله تعالى رسوله الكريم بتبليغ وحيه قولاً وعملاً، وبالإعراض عن المشركين، وبيّن له أن سنة الله في البشر ان لا يتفقوا على دين واحد، لاختلاف استعدادهم وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر- وجّه الحديث هنا الى المؤمنين طالباً منهم أن يقابلوا المشركين والمخالفين بأدب، فلا يسبّوا آلهتهم مخافة ان يحملوا المشركين على سبّ الله سبحانه. فقال: لا تسبوا الله تعدّياً وسفَهاً، كذلك زينّا لكل أمة عملَهم، كفراً وايماناً، حسب استعدادهم، ثم يرجع الجميع إلينا يوم القيامة ونجازيهم على أعمالهم بما يستحقون. قراءات: قرأيعقوب «عُدُوّاً» بضم العين والدال وتشديد الواو، والباقون «عدوا» بفتح العين وسكون الدال. والمعنى واحد.

стр. 498

الطغيان: مجاوزة الحدود. يعمهون: يترددون في الضلال، والعمَهُ للبصيرة كالعمى للبصر. وأقسموا بالله بأقصى أيمانهم أنْ لو ظهرت لهم معجزة مادّية يرونها بأعينهم لآمنوا، فقل لهم ايها النبي: إن الله يُظهر الآيات متى شاء لا حسب رغباتكم بل ما يدرك أنهم لن يؤمنوا حتى لو ظهرت! هكذا فعل أسلافهم. ونقلّب قلوبهم وعيونهم فلا يعقلونها، ولا يبصرونها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمن آباؤهم بالحق اول مرة، وندعهم في ظلمهم وظغيانهم يترددون. هنا انتهى الجز السابع، والحمد لله الذي هدانا لهذا، اللهم ثبت افئدتنا وابصارنا على الحق واحفظنا واهدنا الصراط المستقيم.

стр. 499

قُبُلاً: مواجهة ومعانية، وبعضهم قال: قبلا جمع قبيل، يعني قبيلا قبيلا. الشيطان: المتمرد العاتي من الجن والانس. يوحي: يعلم بطريق خفي. الزخرف: الزينة، وكل ما يَصْرِف الساع عن الحقائق الى الأوهام. الغرور: الخداع بالباطل. تصغى: تميل الفعل الماضي صَغِي يصغى. اقترف الذنب: ارتكبه، واقترف المال اكتسبه. العدو: ضد الصديق، يطلق على الجمع والمفرد. بعد ان بين سبحانه في الآيات السابقة ان مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله لو جاءتهم آية ليؤمنن بها، وان المؤمنين ودُّوا لو أجيبَ اقتراحهم، وبيّن المخادعة في ذلك الاقترح- فصّل هنا ما أجملَه في قوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملاائكة. . الآية﴾ . وهذه الآيةُ متعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على الرسول منا لخوارق فيكون المعنى: ان اولئك الذين أقسموا ان يمؤمنوا اذا جاءتهم أيةٌ قومٌ كاذبون. فحتى لو نَزّلنا إليهم الملائكة يرونهم رأي العين، وكلّهم الموتى بعد إحيائهم واخراجهم من قبورهم، وجمعنا لهم كل شيء مواجهةً وعياناً- لظلّوا على كُفْرهم، ما لم يشأ الله تعالى أن يؤمنوا. إن اكثر هؤلاء المشركين يا محمد يجهلون الحق، قد امتلأت قلوبهم بالحقد والعناد. قراءت قرأ نافع وابن عامر «قِبَلاً» بكسر القاف وفتح الباء، والباقون «قبلا» بالضم. قال ابن عباس: كان المستهزئون بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاصي ابن وائل السهمي، والأسودَ بن يغوث الزُّهري، والأَسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة: أتوا رسول الله في رهط من أهل مكة وقالوا: أرِنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله، او ابعثْ بعض موتانا حتى نسألهم: أحقُّ ما تقول أم باطل؟ او ائتنا بالله والملائكة قبيلا. فالآية ترد عليهم باطَلهم وتعنتهم. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ﴾ . ومثلما أن هؤلاء عادَوك يا محمد وعاندوك رغم أنك تريد هدايتهم فقد واجه كل نبي جاء قبلك أعداء مثلهم. وكانوا من الإنس والجن، يوسوس بعضهم لبعض بكلام مزخرف لا حقيقة فيه، فيشحنونهم بالغرور والباطل. وكانوا يفعلون ذلك بطرق خفيّة لا يفطن الى باطلها إلا قليل. ولو شاء الله ما فعلوه، لكن ذلك كله بتقدير الله ومشيئته، لتمحيص قلوب المؤمنين. فاترك يا محمد الضالين وما يفترون من كذب، وامضِ لشأنك، فالنصرُ لك آخر الأمر. ﴿ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾ . ان قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لَتستمع الى ذلك الخداع والقول المموَّه بالباطل فهؤلاء يحصُرون همَّهم كلّه في الدينا، ويعتقدون أن الحياة هي الدنيا فقط، وينالون أبتاع النبي بالأذى. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ . يعني: تميل افئدة المشركين الى الباطل وترضاه وتخضع للشياطين، ومعجبين بزخرفهم الباطل، فليرتكبوا من هذه الدسائس ما هم مرتكبون فانهم لن يضروك بشيء.

стр. 500

الحكم: من يتحاكم الناس اليه. مفصّلا: مبينّاً فيه الحلال وكل ما يحتاجه البشر من الأحكام. الممترين: الشاكّين. كلمة ربك: القرآن الكريم. تمام الشيء: انتهاؤه الى حد لا يحتاج الى شيء خارج عنه وتمامها هنا كافية وافية. . . والصدق في الإخبار ومنها المواعيد، والعدل يكون في الاحكام لا مبدّل لكلماته: لا يتغير فيها. ذَكَر الله هنا المبدأ الاسلامي الأول وهو مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده، وتجريد البشر من ادّعاء هذا الحق او مزاولته في أي صورة من الصور، كما بيّن أنه أنزل القرآن الكريم، وهو الآية الكبرى، وأقوى الأدلة على رسالة نبيّه، وهو الذين يجب الرجوع اليه في امر الرسالة واتباع حكمه فيها. ﴿أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً﴾ . قل لهم ايها النبي: ليس لي أن أتعدّى حُكم الله، ولا أن أطلب حكَماً غيره يفصل بيني وبينمكم. لقد أنزل القرآن الكريم مفصّلاً واضحاً ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وبيّن في المبادئ الاساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة، كما تضمَن أحكاماً تفصيلية والعلمية. وبهذا وذاك كان في القرآن غَنَاء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة. ويَعلم الذين أوتوا الكتاب أن القرآن منزل من عند الله مشتملاً على الحق، كما بشّرت به كتبهم، لكنهم يحاولون إخفاء ذلك وكتمانه، فلا تكونّن يا محمد انت ومن اتّبعك من الذين يشكون في الحق بعد ان بينّاه. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ . ان حكم الله قد صدر، فتمت كلمات ربك الصادقة العادلة فيما وعدك به من نصر، وأوعد المستهزئين بالقرى، من خذلان. وليس في قدرة أحد أن يغّير كلمات الله وكتابَه، وهو سميع لك ما يقال عليم بكل شيء. قراءات: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: «منزل» بالتشديد. والباقون «منزل» بالتخفيف. وقرأ الكوفيون ويعقوب «كلمة ربك» والباقون «كلمات» بالجمع.

стр. 501

يخرصون: يقولون بالظن، ويكذبون سبيله: طريقه، وهو دين الله القويم. بعد أن أجاب الله تعالى عن شبهات المشركين- قرر هنا أنه لا ينبغي للنبيّ الالتفات الى ما يقوله اولئك الضالّون، لأنهم يريدون أن يُضلوا المؤمنين. وهم لا يتبعون في كلامهم الا الكذب والظن الفاسد. ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ. . .﴾ . واذا كان الله تعالى هو الحكم العدل الذي يُرجع الى كتابه في طلب الحق ومعرفته، فلا تتبع أيها النبي أنت ومن معك أحدا يخالق قوله الحقَّ، ولو كانوا عدداً كثيراً. إنك إن تفعل، يبعدوك عن طريق الحق المستقيم، لأنهم لا يسيرون الا وراء الظنون والأوهام. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ. . .﴾ . ان ربك هو العليم بالّذين بعدوا عن طريق الحق، وبمن هو من المهتدين.

стр. 502

بعد أن بين الله ضلال مشركي العرب ومن على شاكلتهم في عقائدهم، لأنهم خراصون ضالون- أردف ذلك بيان مسألة هامة لها خطرها هي مسألة الذبائح لغير الله. ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ. .﴾ . واذا كان الله تعالى هو الذي يعلم المهتدين من الضالين، فلا تلتفتوا أيها المؤمنين الى ضلال المشركين في تحريم بعض الانعام. كلوا منها، فقد رزقكم الله إياها، وجعلها حلالاً لكم، واذكروا اسم الله تعالى عليها عند ذبحها إن كنتم مؤمنين. وكان مشركو العرب وغيرهم من الوثنين وارباب الملل المختلفة يجعلون الذبائح من امور العبادات، ويقرنونها بأصول الدين والاعتقادات، فيتعبدون بذبحها لآلهتهم ولمن قدّسوا من رجال دينهم، وهذا شِرك بالله. ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ﴾ . ليس لكم أي مبرر او دليل يمنعكم ان تأكلوا مما يُذكر اسم الله عليه عند ذبحه من الأنعام ولقد بيّن المحرَّم في غير حال الاضطرار، كالميتة والدم، بيدَ أن كثيراً من الناس يُضلون غيرهم بأهوائهم الزائفة من غير علم او برهان. قراءات ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: «فصل» بضم الفاء، والباقون «فصل» بفتح الفاء وقرأ نافع ويعقوب وحفص: «حرم عليكم» بفتح الحاء، والباقون: «حرم» بضم الحاء. وقرأ الكوفيون: «ليضلون» بضم الياء، والباقون «يضلون» بفتح الياء.

стр. 503

ذروا: اتركوا. الاثم: كل ما حرمه الله ظاهر الاثم ما تعلق بالجوارح من الاعمال، والباطل ما تعلق باعمال القلوب، كالكبر والحسد وتدبير المكايد الضارة بالناس. يقترفون: يكتسبون. اتركوا أيها المؤمنون جميع الاعمال المحرمة وابتعدوا عنها، فالتقوى الحقيقة هي في ترك الاثم ظاهره وباطنه، أما الذين يكسبون الإثم فسيُجزَون بما اقترفوا من سيئات. وإذا كانت الأنعام حلالاً لكم بذبحها، فلا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه عند ذبحه. إن ذلك فسقٌ وخروج عن حكم الله، وإن المفسدين من شياطين الإنس والجن ليُوَسْوِسون في عقول من استولوا عليهم ليجادلوكم بالباطل، علّهم يُقنعونكم بأكل الذبائح التي يذكرون عليهم اسم آلهتهم، او ينحرونها للميسر. ومثل ذلك شأن الميتة، فقد كان المشركون يجادلون المسلمين في تحريمها، ويقولون إن الله ذبحها، فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم، ولا يأكلون مما ذبح الله؟ ان هذا من السخف، فإن قبلتموه وأطعتموهم كنتم مثلهم في الشرك بالله. ونجد الأئمة ﵏ قد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة اقوال: فبعهضم يقول: ان لك ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليها او سهواً لا يحِلُّ أكلها مطلقا. وهذا القول مرويُّ عن ابنِ عُمَرَ ومولاه نافع، ورواية عن مالك، وعن احمد بن حنبل ومذهب ابي ثور، وداود الظاهري. والقول الثاني: ان التسمية على الذبيحة ليست شرطاً بل هي مستحبة. . . فإن تركَها عمداً أو نسياناً لا يضر. وهذا مذهب الإمام الشافعي وجميع أصحابه. وروي ذلك عن ابن عباس وابي هريرة، وعطاء بن رباح، وقالوا: إن النهي كان عن الذبائح التي تذبحها قريش لآلهتهم، أما ترك التسمية فلا يضر. والقول الثالث: إن تَرَكَ التسمية سهواً لا يضر، وان تركها عمداً لم تحل. وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول ابو حنيفة واصحابه، وهو مروي عن سيدنا عليّ وابن عباس والحسن البصري وغيرهم. قال ابن جرير في تفسيره: اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل نُسخ من حكمها شيء ام لا؟ فقال بعضهم: إنها مُحكَمة ولم يُنسخ منها شيء، وقال بعضهم: إنها نُسخت بقوله تعالى: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ﴾ . ثم قال ابن جرير: والصواب: انه لا تنعارُضَ بين حِل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما يُذكر اسم الله عليه. وهذا هو الصحيح. وبعض العلماء يرى أن ما يُذبح عند استقبال مَلِك او أمير حرامٌ، ولا يجوز أكلُه وفي هذا تشديد وتزمُّت، فإن مثل هذه الذبائح حلال، وليست محرّمة، لأن الناس لا يعبدون هؤلاء الذين ذبحوا لهم عند قدومهم. وليس هذا الاستبشار بقدومهم إلا كذبح العقيقةِ للمولود وغير ذلك. . . .

стр. 504

المِثل والمَثل (بفتح الميم وكسرها) الشبهُ والنظير. الأكابر: الرؤساء اصحاب النفوذ. المجرم: فاعل الفساد والضرر. القرية: البلد المكر: الخديعة، وصرف المرء عن مقصده الى غيره بالحيلة. هنا مقارنة فبعد ان بين الله تعالى ان اكثر الناس ضالّون يتّبعون الظن، وأن كثيراً منهم يًضلون غيرهم بغير علم، وكيف أن من الشياطين متمردين على أمر ربهم، يظلّون يوسوسون الى أوليائهم، ويحاولون ان يزعزعا ايمان المؤمنين، كما بيّن الفرق بين المؤمنين المهتدين حتى يقتدي الناس به، والكافرين الضالّين للنفير من طاعتهم والحذَر من غوايتهم- أراد هنا ان يقارن بين الفتئتين فصوَّر لنا صروة تمثيلية بديعة ملخّصها: أفمَن كان ميتاً بالكفر والجهل فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نوراً يسر على هديه في علاقاته بالناس، ويكون به على بصيرة، امر دينه وآدابه- هو في حلا مثل حال ذلك الذي يعيش في ظلام الجهل والكفر، والتقليد الاعمى وفساد الفطرة!! كما زيّن الإيمان في قلوب المؤمنين، زين الشيطان الشِرك في نفوس الظالمين الجاحدين. ﴿وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا. . . الآية﴾ . لا تعجب أيها النبيُّ اذا رأيتَ أكابر المجرمين في مكة يدبّرون الشر ويتفنّنون فيه. إن سنّة الله في الاجتماع البشري قد قضت أن يكون في كل مجتمع زعماء مجرمون يمكُرون بالرسل والمصلحين، لكن عاقبة هذا المكر والإجرام لاحقة بهم، منصّبه عليهم. ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وإن كانوا لا يشعرون بذلك.

стр. 505

الصِّغار: الذل والهوان. يبين الله تعالى هنا تعنُّت المشركين وعنادَهم وحسدهم للنبي ﷺ فيقول: إن هؤلاء الكبارَ من المجرمين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من علم ونبوة وهدايته، فإذا جاءتهم حجّةٌ قاطعة تتضمن صدقَ الرسول الكريم لا يذعنون لها. بل يقولون: لن نؤمن بها حتى ينزل علينا الوحيُ كما ينزِلُ على الرسل. هكذا قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقاً لكنتُ أَولى بها من محمد، فأنا أكبر منه سنّاً، واكثر منه مالاً وولدا. وقال ابو جهل: والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا، الا ان يأتينا وحي كما يأتيه. وقد رد الله عليهم جهالتهم وبين لهم خطأهم بقوله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ . فالله تعالى وحده هو الذين يعلم من يستحق الرسالة، وهي فضلٌ من الله يمنحه من يشاء، لا ينالها أحد يكسْب، ولا يتّصل إليها بسبب ولا نسب وهي أمرٌ لا يورث حتى ينتقل من والدها الى ولد، ولا فضل لقرابة او اشتراك في الدم. وقد جعلها سبحانه حيث عِلِم، واختار لها اكرم خلقه وأخلصهم، محمدا خير الخلق وخاتم النبيين. ثم أوعد الله المكابرين وبين سوء عاقبتهم لعدم استعدادهم للإيمان فقال: ﴿سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ . اذا كان هؤلاء يطلبون الرياسة بهذا العناد، فسينالهم الصغار والذل في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، جزاء مكرهم وتدبيرهم السيء. وقد عذّب الله أكبر مجرمي مكة الذين تصدَّوا لإيذاء النبي عليه الصلاة ولاسلام، فقُتل منهم من قتل في بدر، ولحق الصغارُ والهوانُ بالباقين، وسينالهم العذبا الشديد في الآخرة، والعاقبة للمتقين. قراءات: قرأ ابن كثير وحفص (رسالته) ، والباقون (رسالاته) بالجمع.

стр. 506

شرح الصدر: توسيعه، ويراد به جعل النفس مهيأة لتقبل الحق. الضيَّيِّقِ والضَّيْق (بالتشديد والتخفيف) ضد الواسع. الحرج: شدة الضيق. الحرجة: الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث يصعب الدخول فيه يصعد في السماء: يرتفع الى أعلى فيضيق نفسه الرجس: كل ما يُستقذر، واللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. يوازن الله تعالى في هذه الآية بين الضالِّين المستكبرين، وبين المستعدّين للايمان بما جاء به الرسول الكريم. فيقول: اذا كان أولئك الاشرار قد ضلّوا واهتديتم، فبارادة الله تعالى وقضائه، فمن يكتُب له الهداية يتسع صدرهُ لنور الاسلام، ويستقبله في يسر ورغبة. ومن يكتُب عليه الضلال يجعل صدره ضيّقا شديد الضيق، كأنه من شدة الضيق كمن يصعد الى مكان شديد الاتفاع فتنقضع أنفاسه. بهذا يكتب الله الخذلان على الذين لم يهتدوا. وقد اثتب الداراسات العلمية أنه كلّما ارتفع الانسان أخذ التنقس يضعُف ويضيق لقلّة الاوكسجين في الهواء. وذلك أن الطبقات العليا من الهواء اقل كثافةً من الطبقات التي هي أدنى منها. ولذلك نرى الطائرات الحديثة الآن مكيفةً ومجهّزة بأحدث الاجهزة لوقاية الركاب فيها. ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . قراءات: قرأ ابن كثير: «ضَيْقاً» والباقون: «ضّيِقاً» بالتشديد. وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم: «حرجا» بكسر الراء، والباقون «حرجا» بفتح الحاء والراء. وقرأ ابن كثير «يصْعَد» بسكون الصاد وفتح العين بدون تشديد، وابو بكر عن عاصم: «يصاعد» بمعى يتصاعد.

стр. 507

صراط ربك: طريقه الذي ارتضاه، ودينه القويم المستقيم: الذي لا اعوجاج فيه ولا زيغ. دار السلام: الجنة. وليّهم: متولّي أمورهم، وكافيهم كل ما ما يهمهم. ان هذا الذي بينّاه هو طريق الحق المستقيم، هو الاسلام الذي يشرح له صدر من يريد هدايته، ولقد فصّلناه ووضّحناه للناس، كي ينتفع به الذين من شأنهم التذكر وطلب الهداية. ولهولاء السالكين صارط ربهم دارُ السلام وهي الجنة، حيث يظلّون في ولاية الله ومحبته، بسبب ما عملوا في الدنيا من خير.

стр. 508

المعشر: النفر والقوم. الرهط: الجمع من الرجال. استكثر الشيءَ: اخذ منه الكثير اولياؤهم: الذين تولوهم اي اطاعوهم في وسوستهم. الاستمتاع بالشيء: الانتفاع به طويلا. بلغنا اجلنا: وصلنا يوم البعث والجزاء. المثوى: مكان الاقامة. الخلود: المكث الطويل غير المحدود. في الآيات السابقة بين الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم، وان الله شرح صدورهم، وجزاؤهم الجنّة، فهم في كفالة ربهم ناعمون. وهنا يعرض حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان. وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول، في مشهد حيّ حافل بالحوار، فيقول: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم. . .﴾ . يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إنس وجنّ، ويقول ﷻ : يا معشر الجن، قد أكثرتُم من إغراء الانس حتى تَبعكم منهم عدد كثير. فيقول الذين اتّبعوهم من الانس ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ربنا، لقد انتفع بعضُنا ببعض، واستمتعنا بالشهوات، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات، ﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ ثم إننا قد وصلنا الى الأجل الذي حدّدته لنا، وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء. وما هذا الاعتراف الا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا. فيقول ﷻ : ﴿قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ . ان النار منزلكم ومقركم خالدين فيها الا ما شاء الله ان ينقذهم، فكل شيء بمشيئته واختياره، فله السلطان الكامل، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ وهو حكيم فيما يفعل ويختار، عليم بما يستحقه كل من الفريقين. وفي قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته، انه غفور رحيم. ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ . ومثلُ ذلك الذي ذُكر من استمتاع اولياء الانس والجن بعضهم ببعض، نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب ما كانوا يكسِبون من الكبائر والجرائم. روى ابو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الاعمش عن قوله تعالى ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً﴾ قال: معناه كما سمعتُ من اشياخي: «اذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شِرارهم. وذلك ان الحكّام يتصترفون في الأمم الجاهلة الضالّة تَصَرُّفَ رعاة السوءِ في الأنعام السائمة» . ولذلك تفرَّد الاسلام بوضع هذا الدستورالعظيم، جعل أمر الأُمة بين أهل الحلّ والعقد، وأمَر الرسولَ بالمشاروة، لئلا يتفرّد بالحكم طاغية يتحلل من الرقابة. وانما يولّي الله الناسَ بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن من اين كان وحيثما كان، والكافر وليُّ الكافر من اين كان وحيثما كان. وهذا ما نشاهده الآن من تجمُّع اولياء الشياطين من الكفار من صليبيّين وصهيونيين وغيرهم.

стр. 509

وكلهم في صفِّ واحد ضد الاسلام والمسلمين، وهم يدعمون اليهود ويساعدونهم لك ما لديهم من قوة وسلاح كما تفعل امريكا في الوقت الحاضر، وبريطاينا قبلها، ليحاربوا المسلمين ويسلبوا وطنهم ومالهم. إنه تجمُّع يتجلّى فيه قولُه سبحانه: ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ . والله غالبٌ على أمره، وقد بشّرنا بقوله: ﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ونحن نأمل في أن تتجمَّع قوى المسلمين على قلب واحد، لهدف واحد هو تخليص أرضنا المقدسة، فلسطين، من براثن الأعداء. قراءات: قرأ حفصل عن عاصم، وروح عن يعقوب: «يحشرهم» بالياء، كما هو في مصحفنا. وقرأ الباقون «نحشرهم» بالنون.

стр. 510

الخطاب هنا موجه الى الجنّ والإنس معا، فهل ارسل الله الى الجن رسلا منهم كما ارسل الى الإنس؟ يقول جمهور العلماء: ان الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات الاخرى. اما عالم الجن فهو غيبّي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص. وقد دل القرآن الكريم والاحاديث الصحيحة على ان النبي علي الصلاة والسلام قد أُرسل إليهم ايضا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ. . . الآيات﴾ من سورة الاحقاف. فهذا يدل على ان الرسل من الإنس وحدهم، وان الجن كانوا يستمعون لهم وينذرون أقوامهم. فالله تعالى يقول لهم يوم القيامة: يا أيها الإنس والجن، لقد جاءتكم الرسل يذكُرون لكم الحجج والبينات، ويتلون عليكم الآياتِ المبينَة لأصول الايمان، والفصِّلة لأحكام الشرائع، وينذرونكم لقاء الله في هذا اليوم العصيب، فكيف تكذبون؟ فأجابوا: قد أقررنا وشهِدنا على أنفسنا بما ارتكبنا ولكنهم: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ قد خدعتهم الحياة في الدنيا ومتاعها من الشهوات والاموال والاولاد، وحبُّ التسلط على الناس. بذلك أقرّوا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا جاحدين كافرين بالآيات والندر. ثم يلتفت بالخطاب الى الرسول الكريم والمؤمنين، والى الناس اجمعين فيقول: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ . وهذا من رحمة ربنا تعالى بنا جميعا، فهو لا يؤاخذ الناس حتى على الشِرك والكفر حتى يرسل اليهم الرسل، كما بين ذلك في عدد من الآيات منها: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ . فالله سبحانه لايهلك القرى بظلمهم وأهلها غافلون عن الحق، بل يبهُهُم على يدِ رُسله أولاً، فإن تمادَوا نالوا جزاءهم. وعلاوة على ان هذه الآيات تصوّر رحمة الله بالانسان وفضله عليه، فإنها أيضاً تقرر ان العقل والمدارك وحدها لا تكفي، ولا تعصم من الضلال، ما لم تساندْها العقيدة ويَضبطْها الدين. ثم يختم بتقرير لطيف في شأن الجزاء، للمؤمنين وغيرهم على السواء، فيقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ . أي أن لكل عامل خيرٍ أو شرِ درجاته من جزاء ما يعمله. . . ان خيرا فخير، وان شرا فشر، والله تعالى غير غافل عما يعملون، بل ان عملهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

стр. 511

يذهبكم: يهلككم. يستخلف: يأتي بغيركم، وينشء نسلاً جديداً غيركم. بمعجزين: لا تعجزونني. المكانة الحال التي هي عليها. عاقبة الدار: عاقبة الدنيا. عبد أن قرر تعالى في الآيات السابقة حجة الله على المكلفّين بعد إرساله الرسل اليهم بيّن أنَّهم يشهدون على انفسهم يوم القيامة انهم كانوا كافرين، وأوضح أنه لا يعذب أحدا ظلماً وعدواناً - بيّن أنه تعالى غنّي عن العباد وعن ايمانهم به. من ثم فإنهم إذا احسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم. بل ان رحمته للتجلّى في الإبقاء على الناس، وان كانو عصاة مشركين ظالمين، مع انه قادر على ان يهلكهم، وينشئ غيرهم ليخلفهم. ﴿وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة﴾ . انه هو الغني عن العباد والعبادة، وصاحب الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء. بعد كل ما سبق اكد الله للناس ان ما وعد حق، وهو تعقيب فيه تهديد شديد. فقال: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ . اي ان الذي ينذركم الله به من عقاب، او يبشركم، به من ثواب عد البعث والحشر والحساب- آتٍ لا محالة، فلا تظنوه بعيدا. انكم لن تُعجزوا من يطلبكم يومئذ، وليس لكم ملجأ تهربون اليه من دون الله. وتنتهي التعقيبات بتهديد عميق الايحاء والتأثير في القلوب، اذا يأمر الله رسوله الكريم ان ينذرهم بقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ . اي قل لهم يا محمد مهددا: اعملوا على النحو الذي اخترتموه بكل ما في قدرتكم، أما انا فسأعمل على طريقتي التي ربّاني عليها ربي، وسوف تعلمون حتماً من تكون له العاقبة الحسنة في هذا الدار الآخرة. ان الله تعالى لم يكتب الفوز للظالمين، فهم لا يفلحون ابدا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي «نم يكون له عاقبة الدار» بالياء، وقرأ الباقون «تكون» بالتاء كما هو في المصحف.

стр. 512

الحرث: الزرع. شركاؤنا: الاوثان التي كانوا يتقربون بعبادتها الى الله تعالى، وشركاؤهم سدنةُ الاوثان وخدمها. ساء ما يحكمون: ما اسوأ حكمهم وقسمتهم. بعد ان حاجّ الله تعالى المشركين وسائر العر ب في كثير من أصول الدين، وكان آخرهم البعث والجزاء- أخذ هنا يفنّد أفعالهم وخرافاتهم في الحرث والزرع والانعام، وفي التحليل والتحريم حسب الاهواء. لقد أوضح ان المشركين الذين يعبدون الأوثان في أوهام مستمرة، فهم يجعلون بعض الزرع والابل والبقر والغنم من نصيب الله تعالى بأن ينفقهوه على الضيوف والمحتاجين، ويجعلون البعض الآخر من نصيب الاوثان وينفقونه في خدمتها. ومعنى ذلك انهم جعلوها شركاء لله تعالى. ثم يزعمون ان منا يجعلونه للاوثان يصل إليهم وما يجعلونه لله تعالى لايصل إليه، بل يأخذه الأضياف والفقراء «ساءَ ما يَحْكُمون» فما اسوأ حُكمهم الظالم: لقد جعلوا الاوثان نظرا لله وسبحانه الخالق الأوحد، كما انهم أساءاوا حين انفقوا ما جعلوه لله في غير مصارفه. قراءات: قرأ حمزة والكسائي «من يكون له عاقبة الدار» بالياء، والباقون «من تكون» بالتاء. وقرأ الكسائي: «بزعمهم» بضم الزاي، والباقون «بزعمهم» بفتح الزاي.

стр. 513

شركاؤهم: سدنة الآلهة التي يعبدونها من الاوثان. لِيُرْدوهم: ليهلكوهم. ليلبسوا: ليخلطوا عليهم. حجر: محجور ممنوع. سيجزيهم: سيعاقبهم الله على هذه المنكرات. كما زيّنتْ لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة التي مر ذكرها في الآية السابقة من الحرث والابل ولابقر وغيرها- زيّنت لهم اوهامهم وتضليلُ شركائهم من خدّام الاوثان وشياطين الانس ان يقتلوا اولادهم. وكان ذلك يتم إما تديُّناً وتقرباً لآلهتهم في الجاهلية، او بسبب من الفقر، كما جاء في بعض الآيات. ومنهم من كان يئد البنات، اي يدفن في التراب، خوفا من العار الذي يمكن ان يُلحقنه به. وكان نَذْر قتل بعض الأولاد جاريا في دينهم، ومن ذلك نذْرُ عبد المطلب ان يقتل آخر اولاده ان وُلد له عشرة ذكور فكان العاشر عبد الله. وفداه بمئة من الابل كما أفتاه بذلك بعض الكهان. ﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ . لقد يزنوا لهم هذه الخرافات المنكرة ليلِكوهم بالاغواء، ويفسدوا عليهم فِطرتهم، حين تنقلب عواطف الوالدين من رحمة ورأفة الى قسوة ووحشية. من ثَمَّ ينحر الوالدُ ولده، ويدفن بنتَه الضعيفة وهي حية. ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ . تلك مشيئة الله في خلقه بما ينتحلونه من شرائع وما يفترون عليه من كذب، فاتركهم ايها الرسول. ان عليك ان تقوم بما أُمرت به من التبليغ، والله هو الذي يتولى أمرهم، وله سُنن فيه هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل. ثم ذكر الله تعالى ثالثا من آرائهم وديانتهم الفاسدة فقال: ﴿وَقَالُواْ هذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ﴾ . يعني: ومن أوهام انهم قسموا أنعامهم وزعهم أقساما ثلاثة: ١- أنعام وأقوات وحبوب وغيرها ممنوعة، تُجعل لمعبوداتهم، لا يأكلها أحد الا من يشاؤون من خَدَمة الاوثان، ويقولون هي «حِجْر» يا محجورة للآلهة لا تعطى لغيرهم. ٢- أنعام حَرُمت ظهروها، فلا تُركب ولا يُحمل عليها، كما جاء في قوله تعالى بسورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ . ٣- أنعام لا يذكرون اسم الله تعالى عليها عند الذبح، بل يُهدونها لألهتهم وحدها وذلك لكذبهم علىلله تعالى بشِركهم. ان الله تعالى سيجزيهم بالعذاب في الآخرة، بسبب افترائهم عليه وتحريمهم ما لم يحرمه هو. ثم ذرك نوعاً آخر من أحكامهم في التحريم بيّن فيه سخفهم وكذبهم على الله فقال: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ. . .﴾ . ومن ديانتهم الباطلة أنهم يقولون: ان ما في بطون الأنعام التي لا تُذبح ولا تُركب هو للذكور خاصة، ويحرُم على النساء.

стр. 514

لكن لك الجنين اذا سقط ميتا اشترك في أكل لحمه الذكور والاناث فكيف يجوز ذلك! ان الله سيجزيهم على كذبهم الذي وصفوا به فعلهم، اذا ادعوا ان هذا التحريم من عند الله وهو من عند أنفسهم. إن الله عليه بكل شيء، حكيم تسير جميع أفعاله على مقتضى الحكمة. ﴿قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله افترآء عَلَى الله قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ . لقد خسر اولئك قتلوا أولادهم، وَوَأَدُوا بناتهم سَفَهاً وحُمقاً، فالولد نعمةٌ من الله على العبد، ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ فاذا سعى العبد في زوال هذه النعمة خسر خسرانا عظيما، واستحق الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة. كذلك أولئك الذين حرموا على انفسهم ما رزقهم الله من زرع وحيوان. . . . لقد ضلُّوا وبعُدوا عن الحق، فهم لا يتّصفون بالهداية بحالٍ من الأحوال. قراءات: قرأ ابن عامر: «وكذلك زُيّن لكثيرٍ، المشركين قتلُ اولادَهم شركائِهم بنصب اولادهم وجرّ شركائهم، وهنا فصل بين المضاف والمضاف اليه. وقرأ الباقون» زَيَّن لكثيرٍ من المشركين قتلَ اولاَدِهم شركاؤُّهم «وقرأ ابن كثير وابن عامر:» قد خسر الذين قَتَّلوا «بالتشديد.

стр. 515

أنشأ: خلق الجنات: الحدائق والبساتين والكروم الملتفة الاشجار لأنها تجُنُّ الارض وتسترها. معروشات: محمولات على العرائش. غير معروشات: الاشجار التي تقوم عل سوقها ولا تحتاج الى دعائم. الأكُل (بضم الهمزة والكاف) : ما يؤكل متشابهاً في النظر وغير متشابه في الطعم. ان اصول الدين التي عُني بها القرآن الكريم واهتم ببيانها وكررها كثيرا هي: التوحيد، ولقد شدَد عليه لانتشار الوثنية في الجاهلية وتعدد الآلهة، والنبوة والبعث والقضاء والقدر. وقد شدد في تقرير هذه الاصول، وسفّه أراءَ المشركين وبيّن سُخفهم وجهلهم، وجاء هنا ليبيّن عظمة الخالق، والحث على توحيد وإفراده بالعبادة. وأنه خالقُ كل شيء. ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ. . .﴾ . الله وحدَه هو الذي خلق حدائق منها ما يغُرس ويُرفع على دعائم كالعنب وما شابهه، ومنها ما يقوم على ساقِه من مختلِف الأشجار. كذلك خلق النخلَ والزرع الذي يُخرجٍ ثمراً مختلفا في الون والطعم والشكل والرائحة وغير ذلك، كما خلق الزيتون والرمّان متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في الطعم، مع ان التربة قد تكون واحدة وتُسقى بماءٍ واحد. فكُلوا ايها الناس من ثمر ما خلق لكم اذا نضِج وطاب. وأخرِجوا الصدقة منه وقت حصاده، ولا تٌسرفوا في الأكل فَتَضُرُّوا أنفسكم. إن الله لا ير ضى عن المسرِفين في تصرُّفاتهم وأعمالهم. فالله سبحانه بعد ان أعلم بأنه هو الذي انشأ لهم ما في الارض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم، أعلَمَهم بأنه أباح لهم ذلك كلَّه، فليس لأحد غيره أن يُحرِّم شيئا منه عليهم، لأن التحريم حق الله وحده. فمن ادّعاه لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، كما ان من اذعن التحريم غير الله أشرك معه بعض ما خلق. قراءات: قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم: «حصاده» بفتح الحاء، والباقون بكسر الحاء وهما لغتان.

стр. 516

الحمولة: الكبيرة من الابل والبقر الذي يحمل الناس عليه الاثقال. والفرش: هو ما يتخذ من صوف الحيوان ووبره وشعره. الخطوات (واحدها خطوة بضم الخاء) : المسافة بين القدمين في المشي. ولقد خلق الله لكم من الانعام، وهي الابل والبقر والضأن والماعز، ما يحمل أثقالكم، وما تتخذون من أصوابها وأوبارها واشعارها فراشا لكم. وهي رزقٌ من الله لكم، فكلوا ما أحلّ الله منها ولا تتّبعوا الشيطان واولياءه في افتراء التحليل والتحريم، كما كان يفعل اهل الجاهلية. . . ان الشيطان لا يردي لكم الخير لانه عدوُّ لكم ظاهر مبين.

стр. 517

ثمانية ازواج: يعين أن الانعام اربعة انواع هي: الضأن والماعز، والابل والبقر، وكل نوع منه زوج. . . ذكر وانثى ما اشتملت عليه الارحام: الأجنّة. بعد ان ذكر الله تعالى أن الأنعام إما حمولة وإما فَرش، فصّلها وقسمها ثمانية ازواج. فالحمولة هي الابل والبقر، والغرش من الضأن والماعز، وكل من الاقسام الأربعة إما ذكرٌ وإما انثى. وكل هذا التفصيل ليبطِل ما تقوَّله المشركون على الله تعالى بالتحريم والتحليل. قل يا محمد للمشركين منكراً عليهم تحريمَ ما حرّموا من هذا: ما علّةُ تحريم هذه الازواج كما تزعمون؟ اهي كونها ذكورا؟ ليس كذلك، لانكم تُحلُّون الذكور أحيانا. أهي كونها اناثا؟ لي كذلك، لأنكم تحلّون الإناث احيانا. أم هي التي في بطونها «ما اشتملت عليه الارحام» ؟ وليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحرّمون الأجنَة على الدوام. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . اخبِروني بمستندٍ صحيح يُعتمد عليه، ان كنتم صادقين فيما تزعمون في التحليل والتحريم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو، وابن عامر، ويعقوب «المعز» بفتح العين، والباقون بسكونها. وخلق الله من الابل زوجين، ومن البقر زوجين، قل لهم يا محمد منكراً عليهم: ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الازواج كما تزعمون؟ اهي كونها ذكورا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الذكور احيانا أم هي كونها إناثا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الاناث احيانا. ام هي التي في بطونا؟ ليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحَرمون الاجنة على الدوام. وتزعمون ان هذا التحريم من عند الله. ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا﴾ . اكنتم حاضرين حين وجّه الله إليكم هذا التحريمَ فسمعتم نهيه؟ لم يكن ذلك قطعا، فانتهوا عما أنتم فيه. إنه ظلم، وليس هناك أظلم ممّن كذّب على الله فنسب اليهما لم يصدر عنه. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . إن مثل هذا الأفّاك إنما يريد اضلال الناس من غير علم يستند عليه. ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . إن الله لا يوفق للرشاد من افترى عليه الكذب، وقال عليه الزور والبهتان.

стр. 518

الطاعُم: الآكِلُ. المتية: البهيمة ماتت بدون ذبح. المسفوح: السائل: كالدم الذي يجري من المذبوح رجس: قذر. أُهِل لغير الله: ذبح باسم الاصنام غير باغ: غير طالب لذلك قاصدٍ له ولا عاد: ولا متجاوز قدر الضرورة. بعد ان بين الله تعالى أنه لي لأحد ان يحرّم شيئا من الطعام ولا غيره الا بوحي من ربه على لسان رسُله الكرام، وإلا كان افتراءً من عنده؛ وأبان ان من هذا الافتراء ما حرمته العرب في الجاهلية من الانعام والحرث- عطَف هنا ليبّين ما حرمه الله على عباده من الطعام على لسان خاتم المرسلين، فقال: قل ايها النبي لهؤلاء المفترين على الله الكذب، ولغيرهم من الناس: لا اجد فيما اوحاه الله اليّ طعاماً محرّما على آكلٍ الا ان يكون ميتةً لم تُذبح ذبحاً شرعيا، او دماً مسفوحاً سائلا، (فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال، فقد ورد في الحديث: «أُحلّت لنا ميتتان: السمك والجراد، ودَمان: الكبد والطحال» أو يكون لحمَ خنزيرٍ. ان ذلك كله خبيث لايجوز اكله. ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ . وان لا يكون هذا الشيء المحرم فيه خروج عن العقيدة الصحيحة، كأَنْ ذُكر عند ذبحه اسم غيرِ الله، كصنم او معبود آخر. ومع هذا فإن من دعته الضرورة الى أكل شيء من هذه المحرمات غيرَ طالب اللذّة في الطعام، وغير متجاوز قدر الضرورة- فلا حرج عليه. إن الله يقدّر المصلحة وهو غفور رحيم. قراءات: قرأ ابن كثير وحمزة «تكون ميتة» بالتاء. وقرأ ابن عامر «تكون ميتة» بالتاء وبرفع ميتة، وقرأ الباقون «يكون ميتة» بالياء وبنصب ميتة.

стр. 519

الذين هادوا: اليهود. الظفر للانسان غيره مما لا يصيد، والمخلب والناب لما يصيد. الشحم: ما يكون على الامعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية. حملت ظهورها: اي علقت بها الحوايا: الأمعاء والمصارين بأسه: عذابه. فيه هذه الآية بيان لما حرمه الله على بني اسرائيل خاصّة، عقوبةً لهم، لا على أنه من اصول شرعه. ولقد حرّمنا على اليهود أكل اللحم والشحم وغيرها من كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والسباع. كما حرّمنا عليهم البقر والغنم شحومها فقط، الا الشحوم التي حملتها ظهروها، او التي توجد على الأمعاء، او التي اختلطت بعظم. . . قد جاء هذا التحريم عقاباً لهم على ظلمهم، لأنه خبيث في ذاته. فإن كذّبك المكذِّبون من اليهود والمشركين فيما أوحيتُ اليك يا محمد، فقل لهم محذِّراً: ان ربكم الذي يجب ان تؤمنوا به وحده ذو رحمة واسعة لمن اطاعة ولمن عصاه ايضا: لذلك لا يعاجلُكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتّروا به وبسعة رحمته، فإن عذابه لا بدّ وقاع بالمجرمين.

стр. 520

يخرُصون: يحزرون، يخّمون، وهو هنا بمعنى الكذب الحجة البالغة: الدلال المبينة للقصد المستقيم. هلّم. احضُروا بربهم يعدلون: يتّخذون له عديلاً ومثيلا. سيقول المشركون اعتذاراً عن شِركهم، وتحريم ما أحلّ الله من المطاعم وتكذيباً لما أبلغتَهم من مقتِ الله لما عليه: إن الإشارك منّا، وتحريمَ الحلال- كانا بمشيئة الله ورضاه ولو شاء عدم ذلك، وكرِه منّا ما نحنُ عليه، ما أشركنا نحنُ ولا أسلاُفنا، ولا حرّمنا شيئاً مما أحلّه لنا. ولقد كذَّب الذين من قبلهم رسُلَهم، كما كذّبك هؤلاء، واستمروا في تكذيبهم حتى نزل بهم عذابُنا. فقل ايها الرسول لهؤلاء المكذّبين: هل عندكم فيما تقولونه هذا علم تعتمدون عليه وتحتجون به؟ أظهِروه لنا إذا كان عندكم ذلك. إننا نود أن نفهمه ونوازنَ بينه وبن ما جئناكم به من الآيات الواضحة. ثم يُبَيّن حقيقة حالهم بقوله تعالى: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ . أي إنكم لستم على شيء من العلم، وما تتبعون فيما تقولون الا الظنَّ الذي لا يُغني من الحق شيئا. وبعد ان نفى عنهم حقيقة العلم- أثبت لذاته الحجةَ البالغة التي لا تعلوها حجة فقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . قل أيها النبي لهؤلاء الجاهلين: إن لِلّهِ الحجةَ الواضحة على كذبكم وادّعائكم أن الله قد رضيَ بعلمكم، ولا حجةَ لكم فيما تزعمون من الشِرك والتحليل والتحريم وغيرهما، ولو شاء الله أن يَهديكم بغير هذه الطريقة التي اقام امر البشر عليها (وهي التعليم والارشاد بطريق النظر والاستدلال) - لهداكم اجمعين، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، ولجعل الطاعة فيكم بغير شعور منكم ولا ارادة. . . وحينئذ لا تكونون من نوع الانسان الذي قضت الحكمة وسبق العلم بخلقه مستعدّاً لمل الخير والشر، الحق والباطل. وبعد أن نفى عنهم العلم وسجّل عليهم اتّباع الهوى- أمَر رسوله الكريم ان يطالب المشركين بإحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات ما ادّعوه فقال: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا﴾ . هاتوا أنصاركم الذين يشهدون لكم ان الله حرم هذا الذي زعمتم انه حرام. فان حضروا وشهدوا، فلا تصدِّقهم يا محمد، لأنهم كاذبون وإياك أن تتّبع أهواء هؤلاء الذين كذّبوا بالأدلة الكونية والقرآن المتلُو، والذين لا يؤمنون بالآخرة، كما شركون بالله، ويتخذون له مثيلاً يشاركه في قدرته.

стр. 521

الاملاق: الفقر. الفواحش: مفردها فاحشة، وهي كل ما قبح من الاقوال والافعال. يبلغ أشُده: تكتمل قواه العقلية والجسمية ببلوغ سن الرشد. القسط: العدل. لا تتبعوا السُبل: لا تحيدوا عن تعاليم الإسلام فتخسروا. بعد ان بين الله بعاده جميع ما حرّم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين، لتحريمهم ما لم يحرّمه الله، ثم دحض شُبهتهم التي اتجوا بها على شِركهم بربهم- جاء بهذه الآيات الثلاث فيها بيان أصول المحرمات في الاقوال والافعال، واصول الفضائل وانواع البر. وقد عبر عنها بعض المفسرين بالوصايا العشر. قل لهم ايها النبي: تعالوا أبيّن لكن المحرمات لاتي ينبغي ان تهتموا بها وتبتعدوا عنها: ١- لا تجعلوا لله شريكاً ما، بأي نوعٍ كان من انواع الشرك. ٢- وأحسنِوا الى الوالدين غاية الإحسان والبر. ٣- ولا تقتلوا أولادكم بسبب فقرٍ نزل بكم، فلستم، انتم الرازقين، بل نحن الذين نرزقكم ونرزقهم. ٤- وابتعِدوا عن كل ما عظم قُبحه من الأعمال. وقد جاءت كلمات فاحشة وفحشاء وفواحش في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ . ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ فكل عمل قبيح هو فاحشة. وقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﵊ قال: «لا أحدٌ أَغْيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش: ما ظَهر منها وما بطَن» . ٥- ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾ ، يعني إذا استحق القاتل ذلك. وفي الحديث الشريف «لايحل دم امرئ مسلم الا بأمور ثلاثة: كفرٌ بعد ايمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» . ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . أمركم الله تعالى أمراً مؤكّدا باجتناب هذه المنهيات لتعقلوا ذلك. ٦- ولا تتصرفوا في مال اليتتيم الا بأحسنِ تصرُّف يحفظه وينميه، فاحفظوا مال اليتيم، وثمّروه، وأنفقوا منه على تربيته وتعليمه ما يصلُح به معاشه واستمرّوا على ذلك حتى يبلغ رُشده، ويستطيع ان يستغل ماله بالتصرف السليم. فإذا بلغ فسلِّموه إليه كم قال تعالى في آية اخرى. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ . ٧- وأتِمّوا الكيل إذا كِلتم للناس، او اكتلتم لأنفسكم. وأفو الميزانَ إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، او لغيركم فيما تبيعون ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ . ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فالله تعالى لا يكلّف نفساً الا ما تستطيعه دون حرج.

стр. 522

وهذا الامر وقع في الأُمم التي قبلَنا قديماً كما حكى الله تعالى عن قوم شعيب بقوله: ﴿وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ . وقال ﷺ لصحاب الكيل والميزان: «إنكم وُلِّيتم أمراً هلكتْ فيه الأمم السالفةُ قَبلكم» . ولا يزال ذلك يقع من كثي من ضعاف النفوس. ٨- ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ اذا قلتم قولاً في حكمٍ او شهادة او خير او نحو ذلك، فلا تميلوا عن العدل والصدق، دون مراعات لصِلة القرابة او المصاهرة او الجنس. فبالعدل والصدق تصلح شئون الأمم والافراد، فلا يحلُّ لأحد ان يحابي احداً لقرابة او غيرها ﴿يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط﴾ و٩- ﴿وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ﴾ وأوفوا بعهد الله، فلا تنقُضوا عهده الذي أخذه عليكم بالكاليف، ولا العهودالتي تأخذونها بينكم، فيما يتلعق بالمصالح المشروعة ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾ . فمن آمن فقد عاهد الله حين الإيمان به ان يمتثل أوامره ونواهيه، وما شرعه لناس ووّصاهم به. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمران ان النبي ﷺ قال: «أربعٌ من كنّ فيه كان مفاقاً خلاصا، ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النِفاق حتى يدَعَها: اذا حدَّث كذَب، واذا وعَد أخلف، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر» . ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ان ذلك الذي تلوتُه عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء ان يذكره بعضكم لبعض مثل قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ . ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ . وان هذا القرآن الذي ادعوكم اليه، وادعوكم به الى ما يحييكم، هو صراطي ومنهاجي الذي اسلكه الى مرضاة الله، لا يَضِلُّ سالكه، ولا يهتدي تاركه. ١٠- لا تتعبوا الطرق الباطلة المضلّة التي نهاكم الله عنها، حتى لا تتفرقوا شيعا واحزابا، وتبعدواعن صراط الله المستقيم، كما هو حاصلٌ اليوم. فنحن لنا في كل خِربةٍ دولةٌ ذات مجد!! هدانا الله وتجاوز عما نحن فهي من مخادعة! اخرج الامام احمد والنسائي وابو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال: «خطّ رسول الله خطاً بيده، ثم قالك سبيلُ الله مسقيما، ثم خط خطوكاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذِه السبُل ليس منها سبيل الا عليه شيطان يدعو اليه» ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ . وقد جعل الله تعالى المستقيم واحدا والسبلَ المخالفة متعددة، لأن الحق واحدٌ والباطل كثير. ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه يجمع الكلمة ويعز اهل الحق، كان التفرق فيه سبب الضَّعف وذلك التفرقين وضياع حقهم.

стр. 523

﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لقد أوصاكم باتباع صراط الحق المستقيم ونهاكم عن سبل الضلالات والأباطيل ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة. وقد وردت احاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا، من ذلك ما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّكم يبايعني على هؤلاء الآيات االثلاث؟ ثم تلا: قل تَعالوا أتلُ ما حرّم ربُّكم عليكم. . . ثم قال فَمن وفى بهنّ فأجرُه على الله، ومن انتقص منهنّ شيئاً فأدركه الله في الدُّنيا كانت عقوبتُه، من أخّر إلى الآخرة كان أمرُه الى الله، إن شاء أخذه وان شاء عفا عنه» . قراءات: قرأ حمزة والكسائي «وإن هذا طرطي» بكسر همزة إن. وقرأ ابن عامر ويعقوب «وأنْ هذا صرايط» بفتح همزة أَن وبتخفيف النون وقرأ ابن عامر «صراطيَ» بفتح الياء والباقون بتسكين الياء. وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وعاصم: وأنَّ، بفتح الهمزة وتشديد النون. لقد رسمتْ هذه الآيات للإنسان طريق علاقته بربه الذي يرجع اليه الاحسان والفضل في كل شيء: «ألاّ تُشرِكوا به شيئا» ، ووضعت الأساس المتين الذي يُبنى عليه صرح الأُسَر التي تكوِّن الأمةَ القوية الناجحة في الحية: «وبالوالدَين إحسانا» ، وسدّت منافذ الشر الذي يصب الانسان من الانسان في الأنفُس والأعراض والاموال، وهي عناصر لا بدّ لسلامة الأُمة من سلامتها: «ولا تقتلوا أولادَكم» ، «ولا تقتلوا النفسَ» «ولا تقربوا مال اليتيم» ثم ذكرتْ أهمّ المبادئ التي تسمو الحياة الاجتماعيةُ بالتزامِها والمحافظة عليها: «وأوفوا الكيلَ والميزان» «واذا قُلتم فاعِدلوا» «وبعهدِ الله أَوفوا» وخَتمت بأن هذه التكاليف، وتلك المبادئ، هي الصِراط المستقيم، بُعِث به محمد ﵊، كما بعث به جميع الرسل السابقين. وقد اطلق العلماء على ما جاء في هذه الآيات الثلاث «الوصايا العشر» نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقولِ الله: «ذلكُم وصّاكم به» وقد روي عن عبد الله بن مسعود انه قال: «مَن سرَّه أن ينظر الى وصيّةِ محمد التي عليها خاتَمُه فليقرأْ هذه الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. . . إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عن هـ، قال: لما امر الله نبيّه ﷺ ان يَعرِض نفسه على قبائل العرب خرج الى مِنَى وأنا وأبو بكرٍ معه. فوقف رسول الله على منازل القوم ومضاربهم، فسلَّم عليهم وردّوا السلام. وكان في القوم مفروقُ بن عمرو، وهانئ بن قَبيصة، والمثنّى بنُ حارثة والنعمانُ بن شَريك.

стр. 524

وكان مفروق أغلبَ القوم لساناً وأوضَحهم بياناً، فالتفتَ إلى رسول الله وقال له: إلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فقال النبي ﷺ : «أدعوكم إلى شهادة ان لا إلهَ الا الله وحدَه لا شريك له، وأَنّي رسولُ الله، وان تُؤوُني وتنصروني وتمنعوني حتى أوْدّيَ حقّ اللهِ الذي أمرني به، فن قريشاً قد تظاهرتْ على أمر الله، وكذّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد» . فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ : «قل تعالوا تل ما حرّم ربكم عليكم. . الآيات الثلاث» . فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسولُ الله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فقال مفروق: دعوتَ واللهِ يا قرشِيُّ إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاعمال، وقد أفِكَ قوم كذّبوك وظاهروا عليك. وقاله هانئ بن قبيصة: قد سمعتُ مقالتك واستحسنتُ قولك يا أخا قريش ويعجبين ما تكلّمت به. فبشّرهم الرسول- إن آمنوا- بأرضِ فارسَ وانهارِ كسرى. فقال النعمان: اللهمُّ وإنّ ذلك يا اخا قريش؟ فتى رسول الله قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ثم نهض رسول الله وتركَهم وكلًّهم يعجَب من هذه الفصاحة، وتلك المعاني السامية، والفضائل العليا. هذه مكانة الآيات الثلاث من ذلك الكتاب العظيم، وهذا مبلغ تأثيرها في نفوس العرب، أهلِ الجاهلية! وكيف لا تكون لها تلك المكانةُ وقد جمعتْ بأسلوبها الآخذِ بالقلوب أصولَ الفضائل، وعُمُدَ الحياة الطيبة التي تنبع من الفطرة السليمة!! وبعد، فأين المسلمون اليوم حينما يمسعون هذه الآيات، ثم ينظرون إلى ما هم فيه من تفرُّق في الآراء والأحكام، ومجافاةٍ لاحكام الله، وبُغضٍ لما لا يتفق واهواءَهم منها، ومن الارتماء في أحضان أعدائهم المستعمرين، قدامى وجُدُد!! نسأل الله تعالى ان يجمعنا على كتابه الكريم ويهدينا الصراط المستقيم.

стр. 525

تماما على الذي احسن: تماما للنعمة على المحسنين. الدارسة: القراءة والعلم. صَدَفَ عنها: اعرض عنها. ولقد أنزلنا التوراة على موسى استكمالاً للإنعام على من احسن القيام بأمر الدين، وانزلناه مفصِّلاً لكل شيء من التعاليم المناسبة لقومه، وهدى الى الطريق السويّ، ورحمةً لمن اهتدى به. . . وذلك ليؤمن بنو اسرائيل بلقاء ربهم يوم القيامة. وقعد ان وصف التوراة بتلك الصفات وصف القرآن الكريم فقال: وهذا القرآنُ كتابٌ أنزلناه، مبارَك مشتمِلٌ على الخير الإلهي، والمنافع الدينية والدنيوية، وجامع لاسباب الهداية الدائمة، فاتّبعوا يا أيها الناس ما هداكم إليه، واتّقوا ما نهاكم عنه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . وأنزلنا اليك ايها النبيّ هذا الكتاب المرشدَ الى توحيد الله وطريق طاعته، حتى لا يعتذر من تبلّغهم إيّاه ويقولوا يوم القيامة: انما أُنزل الكتاب على طائفتين من قَبْلِنا، اليهود والنصارى، وكّنا عن تلاوتهما ذلك الكتاب غافلين. بل نحن لا ندري ما هي التوراة ولا الانجيل لعدم فهمنا ما يقول أهلهما، اذا كانا بلسان غير لساننا. ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ﴾ . كذلك نزلنا هذا القرآن حتى لا تقولو: لو انزل علينا الوحيُ الذي نزل عليهم، لكنّا اكثر منهم هداية وأحسنَ حالا، لسعةِ عقولنا وطيب استعدادنا. وهنا ردّ الله عليهم بجواب قاطع لكل حجة، دافع لكل اعتذار، فقال: ﴿فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ . فلا حجة لكم بعد اليوم على عصيانكم، ولا محلَّ لقولكم هذا. لقد جاءكم القرآن علامةً واضحة عل صدق محمد ﷺ ومبيّناً كل ما تحتاجون اليه في دينكم ودنياكم. وبعد ان بيّن عظيم قدرِ هذا الكتاب بيِّن سوءَ عاقبة من كذّب به فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ . ان هذه الآيات مشتملة على الهداية الكاملة، والرحمة الشاملة، هل هناك أحدٌ أظلمُ ممن كذّب بها واعرض عنها!؟ . ﴿سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سواء العذاب بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ . وسنعاقب الذين يُعرضون عن آياتنا ولا يتدبّرون ما فيها بالعذاب البالغ غايته في الإيلام، جزاء إعراضهم وعدم تدبرهم.

стр. 526

بعد أن بين الله تعالى انه انما انزل الكتاب ازالةً للعذر، وهدى ورحمة للناس، بيّن هنا انه لا أمل في إيمان هؤلاء المعانِدين. ماذا ينتظرون؟ لقد قامت الحُجَّة على وجوب الايمان ولم يفعلوا! فماذا ينتظرون!! هل ينتظرون ان تأتيهم الملائكة رُسلاً بدل البشَر؟ او ينتظرون شاهدين على صدقك؟ او ان يأتيهم ربك ليروه عيانا، او يشهد بصدقك؟ او ان تأتيهم بعض علامات ربك لنفس الغرض؟ ثم يشير الى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم اتعدادهم بها، وانه لا امل في ايمانهم البتة. ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً. .﴾ . وعندما تأتي علامات ربك ما تُلجئهم الى الايمان لن ينفعهم إيمانهم حينئذٍ، اذ يكون قد فات الأوان، وانتهت مرحلة التكليف، فلا ينفع العاصي ان يتوب. قل لهؤلاء المعرضين المكذبين: انتظروا احد هذه الامور الثلاثة، واستمروا على تكذيبكم، انا منتظرون حكم الله فيكم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: «يأتيهم الملائكة» بالياء والباقون «تأتيهم» بالتاء.

стр. 527

فرّقوا دينهم: غيروا فيه وحعلوه اديانا. شيعا: فِرقا واحزابا. بعد ان وصى الله تعالى هذه الأمة على لسان رسوله باتّباع صراطه المستقيم ونهى عن اتّباع غيره من السبُل الضالة، ثم ذكر شريعة التوراة الاصلية ووصاياها- جاء يذكّر رسوله الكريم بان هذه الأمم التي قبله بدّلوا وغيّروا وتفرقوا. أما هو وأُمته الإسلامية فليسوا منهم، والله سبحانه سيُعْلم يوم القيامة بكل ما فعلوا. لستَ يا محمد من الذين فرّقوا الدين الحق الواحد بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة، ولا تؤاخذ بتفرقهم وعصيانهم، فأنت لا تملك هدايتهم. ما عليك الا البلاغ، والله وحده هو الذي يملك امرهم، ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: «فارقوا دينهم» والباقون «فرقوا دينهم» والمعنى واحد.

стр. 528

بعد ان بين الله في هذه السورة العظيمة أصول الايمان، وأقام عليها البراهين، وفنّد ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر اصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الاسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش- انتقل هنا ليبيّن الجزاء العام على الحسنا: كيف يزيد الله لمن يعلمها اضعافا، فيما يجزي من يعمل السيئة سيئة مثلها فقط وهذا فضل عظيم من رب رحيم. من عملَ صالحاً يضاعَف له عند ثوابه الى عشرة أمثاله فضلاً وكرما. وقد جاء في بعض الآيات ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ووعد في بعضها بالمضاعفة الى سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ والعشرة تُعطى لمن أتى بالحسنَة، أما المضاعفة فوق ذلك فتختلف بحسب ما يكون البذْلُ والعطاء والمنفعلة والمصلحة. أما من عملَ سيئا فإنه سوف يعاقب بمقدار عصيانه فقط، ذلك عدلٌ من الله، وليس هناك ظلمٌ بنقصِ ثواب، ولا زيادة عقاب. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عن النبي ﷺ انه قال: «ان الله تعالى كتَبَ الحسنات والسيئات، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعلها كتبها الله عنده عشرَ حسناتٍ الى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة. ومن همّ بيئةٍ فلم يعملْها كتبها الله حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعلَمها كتبها الله سيئةً واحدة» . قراءات: قرأ يعقوب «عشرةٌ امثالها» برفع عشرة منونة، وامثالها ايضا مرفوعة، الباقون «عشر امثالها» .

стр. 529

دينا قيما: دين يقوم به امر الناس في معاشهم. وفي قراءة: «قيما» بفتح القاف وتشديد الياء: ومعناه ايضا: مستقيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ يعني دين الامة المستقيمة. حنيفا: مخلصا لعبادة الله نسكي: عبادتي محياي ومماتي: كل ما آتيه في حياتي، وما اموت علهي من الايمان والعمل الصالح. ابغي: اطلب. الوزر: الحمل الثقيل والاثم ومعنى «لا تزر وازرة وِزْرَ اخرى» لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره خلائف: خلفاء، مفرده خليفة ليبلوكم: ليختبركم. لما كانت هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين، مع اقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم- جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها. وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هم ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون، وما حرّفه أهلُ الكتاب. وان النبي ﵊ مستمسكٌ به، معتصِمٌ بحَبْله، يدعو اليه قولاً وعملا وأنه هو الذي أكل الدينَ بعد ان انحرفت الامم السابقة عنه. ثم بيّن الجزاء عند الله على الأعمال، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره، وأن المرجعَ إلى الله، فهو الذي يستخلف في الارض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين، فلا واسطة بينه وبين عباده. قل ايها النبي لقومك ولسائر البشر: إن ربّي أرشدّني الى طريق مستقيمٍ بلغ نهاية الكمال وكان هو الدينَ الذي اتّبعه ابراهيم مخلصاً في عبادة الله وحده، مائلاً عن العقائد الباطلة، فلم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون. ثم قل: إن صلاتي وجميع عبادتي، وما آتيه حالَ حياتي من الاعمال الصالحة، وما أموت عليه من الايمان - كله خالص لوجه الله، اذي لاينبغي ان تكون العبادة إلاَّ له، فهو رب العباد وخالقهم، فاستحقّ أن يُعبد وحده ويُطاع. إنه لا شريك له في الخلق، ولا في استحقاق العبادة، وقد أمرني بالإخلاص في التوحيد والعمل، وأنا اول المنقادين الى امتثال اوامره، وترك ما نهى عنه. قل يا محمد منكِراً على المشركين دعوتهم اياك لموافقتهم في شركهم: أأطلب بالعبادة ربّاً غير الله، مع انه خالقُ كل شيء؟ وقل لهم: لا تكسِب كلُّ نفسٍ إثماً الا كان عليها جزاؤه دون غيرها، ولا تؤاخذ نفس بأخطاء غيرها «وأن ليس للإنسان الا ما سعى» ثم تُبعثون يوم الحشر إلى ربكم، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم وعقائدكم ويجازيكم عليها. ليس للإنسان إلا ما عمل من عمل صالح، وفي الحديث الصحيح فيما رواه مسلم وأبو داود والنَّائي عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: «إذا مات الانسان انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدّقةٍ جارية، اوعلم يُنتفع به، او ولدٍ صالحٍ يدعو له» .

стр. 530

إن ربكم، الذي هو رب كل شيء، هو الذي جعلكم خلفاء للأمم السابقة في عمارة الكون، ورفعَ بعضَكم فوق بعض درجات في الكمال المادّيّ والعنويّ، لخيتبركم فيما أعطاكم من النعم كيف تشكرونها، وفيما آتاكم من الشرائع كيف تعملون بها. لكنه سريع العقاب للمخالفين العاصين. وهو سبحانه على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين المخالفين، غفورٌ للتوابين رحيم بالمؤمنين المحسنين، فلقد سبقت رحمتُه غضبَه، ووسعتْ كل شيء. خلاصة ما اشتملت عليه وسورة الانعام من العقائد والاحكام: ١- العقائد وأدلتها، بأسلوب يجمع بين الاقناع والتأثير، كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسُنته في الخلق، وآياتهِ في الانفس والآفاق، وتأثير العقائد في الأعمال، مع إيراد الحقائق بطريق الجدَل والمناظرة، او على طريق السؤال والجواب، وفي أثناءِ ذلك يأتي الردّ على شبهات المشركين. ٢- الرسالة والوحي وتنيد مكابرة المشركين للرسول ﷺ ، والزمهم الحجة بآية الله الكبرى، وهي القرآن. ٣- البعث والجزاء والوعد الوعيد، بذِكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين، والبشارة للمتقين بالفوز والنعميم. هذا مع ذكر علام الغيب من الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار. وقد كان العرب كغيرهم من الأمم يؤمنون بالملائكة وبوجود الجن، ويعتقدون أنهم يظهرون لهم أحياناً في صورة الغِيلان فيسمعون اصواتهم، وأنهم يُلقون الشعرَ في هواجس الشعراء. ٤- اصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب، والنهي عن الرذائل، وأن دين الله واحد، لكنه تم تفريقُه بالمذاهب والأهواء، وان سعادة الناس وشقاءهم من اعمالهم النفسيّة والبدنية، وان الجزاء على الاعمال يكون بحسب تأثيرها في الانس، فالجزاء على السيئة سيئة مثلها، وعلى الحسنة عشرة امثالها، ولا يحمل أحد ذنْب غيره. ثم يأيت الترغيب في معرفة الكون والإرشاد الى معرفة سنُن الله فيه، وآياته الكثيرة الدالّة على علمه وقدرته، وان التوبة الصحيحة مع ما يلزمها منا لعمل الصالح موجبة لمغفرة الذنوب وابتلاء الناس بعضهم ببعض، ليتنافسوا في العلوم والاعمال النافعة، واعلاء كلمة الحق.
следующие страницы →