Полный текст (1 460 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الرجفة: الحركة والاضطراب، والمراد بها الزلزلة غَنِي بالمكان: نزل به واقم فيه الأسى: شدة الحزن.
بعد أن يئس القوم من مطاوعة شعيب وأصحابه لهم، وعلموا انهم ثابتون على دينهم، خافوا ان يكثُر المهتدون بظهرو قوة شعيبٍ وثباته على دعوته، فاتّجه زعماؤهم الى أبتاعهم يهددونهم قائلين:
﴿وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ .
وقال زعماء قوم شعيب الكافرون: واللهِ إن طاوعتُم شعيباً في قَبول دعوته وآمنتم به، لتخسَروا شرفَكم وثروتكم، كما تكونون قد تخلّيتهم عن ملّتكم التي مات عليها آباؤكم من قبل.
بعد هذا ذكرا لله تعالى عاقبةَ أمرِهم وما أصابهم من نكالٍ فقال:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي دهمْتُهم الزلزلة فأهلكمتهم في ديارهم وظلّموا منكّبين على وجوههم لا حياة فيهم.
﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين﴾ .
هذا شأن الله مع الذين كذّبوا شعيبا، وهدّدوه وأنذروه بالإخلاج من قريتهم. . . لقد هلكوا وهلكت قريتهم فحُرِموها كأن لم يعيشوا فيها بحال، وهكذا فان الذين كذّبوا شعيبا وزعموا ان من يتّبعه هو الخاسر قد باتوا هم الخاسرين.
فلما رأى شيعب ما نزل بهم نم الهلاك المدمِّر، أعرض عنهم، وقال مبرّئاً نفسه من التقصير معهم: لقد أبلغتُكم رسالات ربي، وأديتُ إليكم ما بعثني به ربي، كما بالغتُ في إسداءِ النصح لكم، فكيف أحزنُ على قومٍ كافرين؟
стр. 562
القرية: المدينة. البأساء: الشدة والمشقة كالحرب والجذب وشدة الفقر. الضراء: ما يضر الانسان في بدنه او نفسه. التضرع: اظهار الخضوع والضعف. عَفَواْ: كثروا ونموا. بغتة: فجأة.
اشار الله تعالى هنا الى سُنته في الأمم التي تكذّب رسلَها، فهو يُنزل بها البؤسَ وشظَف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرّعوا الى ربهم ويُنيبوا إليه بالتوبة. ثم ذكرَ أنه بدّل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكرون، لكنهم لم يفعلوا، فاخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر.
وما بعثنا نبيّاً من الأنبياء في مدينةٍ من المدن، يدعو أهلَها الى الدين القويم، ثم أعرضوا عن قبول تلك الدعوة- إلا أصبناهم بالفقر والمرض، كي يتذللوا ويخضعوا ويبتهلوا إلى الله راجين كشفَ ما نزل بهم.
ثم إنهم لمّا لمْ يفعلوا ذلك، بل تابعوا كفرهم وعنادهم، امتحنهم الله بالعافية مكان البلاء، فوهبهم رخاءً وسعة وصحةً وعافية، حتى كثُروا ونَموا في أموالهم وأنفسهم، وقالوا جهلاً منهم: إن ما أصاب آباءنا من المحَن وبالبلاء كان شأنَ الدهر، يداول الضرّاءَ والسّراءَ بين الناس. لم ينتبهوا أنَّ ذلك كان جزاءَ كفهرم فيرتدعوا، فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم اللهُ بالعذاب المدمّر فجأة وهم غافلون عما سيحلُّ بهم.
فلنعتبر نحن المسلمين، فإننا قد تركنا ديننا والعمل به، وأهملنا قرآننا وتعاليمه فسلّط الله علينا شرّ خلقه وأخسَّ الناس، يسلبوننا مقدّساتِنا وأرضينا، ويُذلّوننا شرَّإذلال. كل هذا ونحن لا ينقصُنا المال ولا الرجال، ولكن ينقصُنا الإيمان بالله والحزم والثقة بأنفسنا، وهدايةُ الحكّام فينا كي يتبعدوا عمّا هم فيه من انصراف عن الله وتناحر بينهم وفرقة.
стр. 563
بركات السماء: تشمل الروحية والمادية، وبركات الارض الخصب، وما فيها من معادن وخيرات. البأس: العذاب بياتا: ليلا. الضحى: اولها النهار يلعبون: يلهون من فرط غفلتهم المكر: التدبير الخفي، والخداع وان تَصْرِف غيرك عن مقصده بحيلة. ومكرُ الله مجازاتُهُ على المكر. هداه السبيل: دله عليه.
بعد ان بين الله أخْذّه لأهل القرى الذين كذّبوا رسُلهم- ذكر هنا لأهل مكةَ ما يكون من إغداقِ النعم لو آمنوا بالرسول واهتَدوا بهدْية، واعتبروا بسنّة الله في الأُمم من قبلهم.
لو أن أهل تلك القرى آمنوا بما جاء به انبياؤهم، وعملوا بوصاياهم، وابتعدوا عما حرمه الله- لفتحْنا عليهم أنواعاً من بركات السماء والارض نِعماً لا تحصى، كالمطر والنبات والثمار والمعادن والأرزاق، والسلامة من الآفات. . لكنهم جحدوا وكذبوا أولئك الرسل، فأنزلنا بهم عقوبتنا، لِما كانوا يقترفونه من الشرك والمعاصي. ثم عجب الله من حالهم وغفلتهم فقال:
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ. . .﴾ .
هل جهِلَ أهل هذه القرى فاطمأنّوا الى أنه لن يأتيَهم عذابنا وقتَ بياتِهم! وفي هذا تحذير للناس أجمعين.
أو أن ينزل بهم العذاب في النهار وقتَ الضحى وهم منهمكون في أعمالهم العابثة حتى كأنها لَعِب!!
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: «أوْ أمن» بتسكين الواو. والباقون اَوَ أمن بفتح الواو.
﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ .
هل جَهِلوا سُنّة الله في المكذّبين، فأمِنوا عذابه ليلا او نهارا؟ إنه لا يحهل تدبير الله وقُدرتَه في عقوبة المكذّبين برسُله الا الذين خسروا أنفسَهم غباءً، فلم يفقهوا ما فيه سعادتهم.
فلا يجوز لأحد ان يأمن مكر الله ويظلّ مسترسلاً في المعاصي، اتّكالاً على عفوه ومغفرته ورحمته. وقد كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بقوله: «اللهم يا مقلّبَ القلوب والأبصار ثبِّتْ قلبي عل دينك» وقد بين لنا الله تعالى ان الراسخين في العلم يدعونه فيقولون: «ربّنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذا هديتَنا وهبْ لنا من لدُنْك رحمة» .
وكما ان الآمن من مر الله خُسران ومفسدة، فاليأس من رحمة الله كذلك لذا وجب ان يظل المؤمن بين الخوف والرجاء دائما.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ .
هذا تحذير للسامعين، وخطابٌ لجميع الناس حتى يتّعضوا ويستقيموا. ومعناه: أغابَتْ عن الذين يخلْفونَ مَن قَبلهم من الأمم سُنّةُ الله فيمن قبلهم!! وإن شأننا فيهم كشأنِنا فيمن سبقوهم، لو نشاء ان نعذّبهم أصبنْاهم كما أصبنْا أمثالَهم.
ولا يرد الله للناس بهذا التحذير الشديد ان يعيشوا خائفين قلقين، كلا، بل يلطب منهم اليقظة ومراقبة النفس والعظة من تجارب البشر.
هكذا ينبغي ان نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يُفع، ومن مكر الله الذي لايُدرك. إنه لا يدعو الى القلق وانما الى اليقظة، ولا يؤدي الى الفزع بل الى الحساسية، وهو لايعطل الحياة وإنما يحرسها من الاستهتار والطغيان.
стр. 564
يطبع الله على قلوب الكافرين: يختمها ويقفلها. العهد: الوصية والميثاق. الفسوق: الخروج عن كل عهد، وعصيان اوامر الله.
هذا الخطاب موجه الى النبي ﷺ تسليةً له على الصبر في دعوته، وذلك عن طريق تذكيره بما في قصص أولئك الرسُل مع اقوامهم من العِبر والمواعظ، وبيان ان ما يلاقيه هو مِنْ قومه من ضرورة العناد والإيذاء ليس بِدعاً.
تلك القرى التي بعدُ عهدها وجَهِل قومُك حقيقة حالها، نقصّ عليك الآن بعض أخبارها. لقد جاء أهلَ تلك القرى رسلُهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم، فلم يؤمنوا بها. . .
﴿يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾ .
هكذا جعل الله حجابا على قلوب الكافرين وعقولهم فيخفَى عليهم طريق الحق وينأون عنه.
إننا لم نجد لأكثرِ أولئك الاقوام وَفَاءً بِمَا أوصيناهم بهمن الايمان، على لسان الرسل، بل وجدنا اكثرهم خارجين على كل عهد، فطريّ وشرعي، فهم ناكثون غادرون.
وفي التعبير ب «اكثرهم» إيماءٌ الى ان بعضهم قد آمن. وهذا من دأب القرآن الكريم في تحقيق الحقائق على وجه الصدق، فهو لا يسلب احداً حقه، ولا يعطيه حق غيره.
стр. 565
موسى: نبي الله ورسوله إلى بني اسرائيل. فرعون: لقب لملوك مصر القدماء، والفرعون الذي تربى موسى في قصره هو رعمسيس الثاني، اما الذي حصل في زنمه الخروج فهو منفتاح بن رعمسيس، وجثته موجودة بالمتحف المصري، وقد كتب بجانب هيكله هذه الآية الكريمة ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ .
الملأ: اشراف القوم ظلموا بها: جحدوا وكفروا حقيق: جدير وخليق به. نزع يده: اخراجها لهم. فماذا تأمرون: فماذا تشيرون في امره أرجِه: أرجئه أي أخِّره في المدائين: في مدائنك وبلادك. حاشرين: جامعين للحسرة. ساحر عليم: علام بفنون السحر ماهر فيها.
هذه قصة سيدنا موسى، وقد ذُكرت بتطويلٍ وتفصيل في اثنتين وخمسين آية. وقد جاء ذِكر موسى في نحو اثنتين وعشرين سورةً بين مختصَر ومطوّلة، وذكر اسمه اكثر من مائة وثلاثين مرة. وسرُّ هذا التكرار ان قصص موسى شبيه بقصص النبي ﷺ ، فقد كانت شريعتُه دِينيةً ودينوية، ولقيب من أُمته عَنَتاً كبيرا.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى﴾ .
ثم بعثنا من بعد أولئك الرسلِ موسى بالمعجزات الّتي تدلّ على صِدقه فيما كلفناه تبليغه الى فرعون وقومه فبلّغهم موسى الدعوة، وأراهم آية الله لكنهم ظلموا انفهسم وقومهم بالكفر، فاستحقّوا من الله عقوبة صارمة كانت فيها نهاية امرهم.
قراءات:
قرأ ابو بكر وأبو عمرو ويعقوب: «أرجئْهُ» وقرأ حمزة والكسائي: «بكل سحَّار» .
وقال موسى: يا فِرعون، إن مرسَلٌ من الله ربّ العالمين، لأبلِّغَكم دعوتَه، وأدعوكم الى شريعته وأنا حريص على قول الصدق، فاستمعوا اليّ.
ثم بيّن ان الله أيّده بآيات تدل على صدقه في دعواه فقال:
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ﴾ .
ها أنا قد جئتكم بآيةٍ عظيمة الشأن، ظاهرةِ الحجّة، في بيان الحق الذي جئت به، فاترك بني إسرائيل لأُخرجَهم من العبوديّة في ديارك الى دارٍ غيرها يعبدون فيها ربهم بِحرّيَّةٍ.
قال فرعون لموسى: ان كنت جئتَ مؤيَّداً بآية من عند من أرسلكَ فأَظهِرها لديَّ إن كنتَ صادقا.
فوقف موسى وألقى عصاه التي كانت بيده اليمنى أمام فرعون وقومه، فاذا العصا حيّة تسعى من مكانٍ الى مكان، لم تخفَ على أحد.
واخرج يدَه من جيبه فإذا هي بيضاء ناصعةُ البياض تتلألأ للناظرن مع ان موسى أسمرُ البشرة.
فلما أظهر موسى آية الله تعالى، ثارت نفوسُ بطانةِ فرعون وعظماءِ قومه وقالوا: «إن هذا لَساحرٌ عليم» ماهرٌ في فنون السِحر، وليس ذلك بآيةٍ من الله. انظروا، لقد وجّه إرادته لسلب مُلككم، وإخراجكم من أرضكم بسِحره. فكِّروا يا قوم فيما يكون سبيلاً للتخلص منه.
وحين استشارهم فرعون بقوله: فماذا تأمرون؟ أجابوه: أَخّرِ الفصل في موسى وأخيه هارون الذين يعاونه في دعوته، وأرسلْ في مدائن ملكك رجالاً من جُندك يجمعون لك عظماء السَّحَرة من كل البلاد.
والسِّحر أعمالٌ غريبة وحِيَلٌ تخفَى حيقتُها على جماهير الناس، لخفاءِ أسبابها ومهارةِ من يزاولها من السّحَرة. وقد كان السحر فناً منا لنفون العالية التي يتعلمها قدماء المصريين في معاهد خاصة لهم. وكان شائعا في لك العصر ولا يزال السحر، او خفة الحركمة موجودا الى الآن، وفي امريكا وأوروبا عدد كبير من السحرة والمشعوِذين. اما في البلاد الجاهلة المتأخرة، وبين القبائل الهمجيّة فله شأن عظيم.
стр. 566
لقف الشيء: تناوله بحذق وسرعة. يأفكون: يصرفون الناس عن الحق وأُلقي السحَرة ساجدين: خرّوا ساجدين.
ولما جاء السحَرة من جميع المدائن، واجتمع الناس ليروا ذلك المشهد الكبير، قال السحَرةُ لفرعون: إننا نريد مكافأةً عيظمة اذا غلبنا موسى وأخاه، فقال فرعون مجيباً لهم: نعم، ان لكن أجراً عظيماً على ما تقومون به، وأنتم أولا وأخيراً من أهل الحظوة لدى العرش.
ثم توجه السحرة الى موسى، بعد ان وعدهم فرعون ومنّاهم، واظهروا الثقة بأنفسهم واعتدادَهم بسحرهم، فقالوا: يا موسى: اما ان تلقي ما عند اولاً، وإما أن نبدأ نحن.
فاجابهم موسى اجابة الواثق بالغلبة والنصر، «أَلقوا» فلما ألقى كل واحد من السحرة ما كان معه من حبال وعصي، سحروا بها أعينَ الناس المشاهدين ومَوَّهوا عليهم ان مافعلوه هو حقيقة.
﴿واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ .
فهالَ الأمر الحاضرين وأوقع في قلوبهم الرهبة والرعب. وبخاصة حين جعلت حبالهم وعصُّيهم التي ألقوها تسير وتتحرك كأنها حقيقة.
عند ذلك أصدر الله امره الى موسى بقوله: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ فالقاها موسى، فاذا تلك العصا تبتلع ما لفّقه السحرة من التمويه.
وهكذا، فان الباطل يكبُر ويتزايد، ويسترهب القلوب ويُخَيَّل الى الكثيرين أنه غالب، وما إن يواجه الحق حتى يبطُل وينكشف زيفهُ.
﴿فَوَقَعَ الحق﴾ وعندئدٍ ثبت الحق وذهب ما عداه، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ ومن ثَم ذلّ السحرة وصغُروا بعد الزهو الذي استشعروه قبل قليل. كما هُزم فرعون وملؤه في ذلك المجمع العظيم.
﴿وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾ .
أما السحرة فقد بهرهم الحقُّ لما عاينوا قدرة الله فخرُّوا ساجدين لربهم مذعِنين للحق.
وقالوا: آمنا برب العالمين، ورب موسى وهارون، فانه الإله المعبود لا اله الا هو. لقد صدقنا بما جاءنا به موسى، وزالت من نفوسهم عظمة فرعون.
стр. 567
المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. التقطيع من خلاف: ان تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس بالعكس. الصلب: وضع الانسان على خشبة وتعليقه مدة من الزمن نقمت الشيء: انكرته أفرغ علينا صبرا: أفِض علينا صبرا يغمرنا، كأن الصبر في دلو من الماء يفرغ عليهم، وهو مجاز.
قراءات:
قرأ حفص آمنتم على الإخبار، وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر: أأَمنتم. . . بهمزتين، على الاستفهام، وقرأ الباقون أآمنتم بتحقيق الهمزة الأولى وتليين الثانية.
هال ذلك الامرُ فرعون، وأثار حميته فقال للسحرة: هل آمنتم وصدقتم برب موسى وهارون قبل أن آذن لكم؟ ان ما فعلتموه انتم وموسى وهارون، ليس الا مكراً دبّرتموه في المدينة (مصر) كي تُخرجوا منها أهلَها بخِدعكم وحيلكم لسوف ترون ما يحلّ بكم من العذاب، جزاء ذلك إنني أٌقسِم لأُنكّلنّ بكم أشد التنكيل: لأقطعنّ ايديكم وارجلكم من خِلاف، اليد من جانب والرِجل من الآخر، ثم لأصلِبنّ كل واحد منكم وهو على هذه الحالة المشوّهة. . لِتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لفرعون والخروج عن أمره.
سمع السحرةُ هذا التهديد والوعيد من ذلك الجبّار المتكبر، فرجعوا الى ربهم، وأبجابوا فرعون قائلين: «إنّا إلي ربِّنا مُنقَلِبون» ، أي أنهم لم يأبهوا لتهديداته. ثم أضافوا: هل تعاقبنا يا فرعون لأنّنا صدّقنا موسى، وأذعنّا لآيات ربنا! انها واضحة دالّة على الحقّ، وقد جاءتنا، فهل تريدنا أن لا نعتبر بها!؟
ثم توجهوا الى الله ضارعين: ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ يا ربّنا هبْ لنا صبراً واسعاً نقوى معه على احتمال الشدائد، وتوفّنا على الإسلام غير مفتونين بتهديد فرعون، ولا مطيعين له في قوله ولا فعله.
стр. 568
أتذَرُ موسى: اتتركه نستحْيِ: نستبقي نساءهم أحياء.
بعد ان شاهد فرعون وقومه ما شاهدوا، من ظهور موسى وغلبتِه وايمان السحرة به، قال الاشراف الكبراء من القوم، يا فرعون الجبار، هل تترك موسى وقومه احرارا آمنين؟ إنَّ عاقبتهم إن ظلّوا في هذه الديار ان يفسدوا عليك قومك بادخالهم في دينهم، وعندئذ يظهر لأهل مصر عجزُك وعجز آلهتك.
قال فرعون مجيبا للملأ: سنتقل أبناء قوم موسى كلّما تناسلوا، ونستبقى نساءهم أحياء، فهن يخدمننا. بذلك لا يكون لهم قوة، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ نقرهم بالغلبة والسلطان. سنظل معهم كما كنا من قبل، فلا يقدرون على أذانا، ولا الافساد في أرضنا.
ولما رأى موسى أثر الخوف والجزع في نفوس قومه، شدّ من عزمهم وطمأنهم، فقال لهم: أُطلبوا معونة الله وتأييدَه، واصبِروا ولا تجزعوا. إن الأرض في قَبضة الله، يجلعها ميراثاً لمن يشاء من عباده، لا لفرعون. والعاقبةُ الحسنة للّذين يقون الله، بالاعتصام به، والاستمساك بأحكامه.
لكن هذه الوصية وتلك النصائح لم يؤثّر لم تؤثّر في قلوبهم، ففزعوا من فرعون وقومه، ﴿قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ لقد نالَنا الأذى يا موسى، قبل مجيئك وبعده.
وكانوا قبل مجيء موسى مستضعَفين في يد فرعون، يرهقهم بالضرائب، ويتخدمهم في القيام بالاعمال الشاقة، ويقتل ابناءهم ويتسحيي نساءهم ثم جاء موسة، لكنه لم يستطع انقاذهم لذلك قالوا: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ .
عندئذٍ فتح لهم موسى باب الأمل وقال لهم:
﴿قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ .
إن رجائي من فضلِ الله ان يُهلك عدوّكم الذي ظلمكم وآذاكم، ويجعلَكم خلفاءَ في الأرض التي وعدكم إياها، ﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .
فيعلم سبحاه ما أنتم عاملون بعد هذا التمكين: أتشكرون النعمةَ ام تكفرون؟ وتصلحون في الارض أم تفسدون؟ .
стр. 569
اخذنا آل فرعون: عاقبناهم وجازيناهم. آل فرعون: قومه وخاصته واعوانه. بالسنين: بالجذب والقحط. بالحسنة، المراد هنا: الخصب والرخاء، وبالسيئة: ما يسوؤهم من جدب او مصيبة يطيّروا: يتشاءَموا، لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر من حركة الطير، فاذا طار من جهة اليمين تيّمنت به ورجتْ الخير والبركة، واذا طار من الشِمال تشاءمت وتوقعت الشر، وسموا الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيراً. الطوفان: كثرة المياه وطغيانها وتخريبها الارض والزرع. القُمّل (بضم القاف وفتح الميم المشددة) : حشرة صغيرة تلصق بالحيوانات وتؤذيها. وتطلب ايا على حشرة تقع في الزرع فتأكل السنبلة وهي غَضَّة. والجراد معروف، وكذلك الضفادع الدم: الرعافُ يصيب الناس.
ولقد عاقبنا فرعونَ وقومه بالجدب والقحط وضيق الميعشة، بنقص ثمرات الزروع والأشجار. . . رجاءَ ان ينتبهوا الى ضعفهم وعجزِ ملكهم الجبار أمام قوة الله، فيتعّظوا ويرجعوا عن ظلمهم، ويستجيبوا لدعوة موسى ﵇.
ولكن فرعون واعوانه أخذهم الاغترار بقوّتهم وجبروتهم. كانوا اذا جاءهم الخِصب والرخاء قالوا: نحن المستحقون له لما لنا من الامتياز على الناس. ان اصبهم ما يسوؤهم، كجدب او مصيبة في الابدان والرزاق، قالوا: انما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه. لقد غفلوا عن ظلمهم لقومِ موسى كما غفلوا عن فجورهم فيما بينهم. ألا فلْغلموا ان ما نزل بهم كان من عند الله، وبسبب أعمالهم القبيحة، لا نحساً رافقهم لسوء طالع موسى ومن معه. ولكن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله في تصرفه مع خلقه.
ثم اخبر الله تعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوِّهم، وإصراهم على الجحود فقال:
﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا. . . .﴾ .
قالوا ذلك لموسى: مهما جئتنا أيها الرجل بانواع الآيات التي تستدل بها على حقيقة دعوتك، كيما تصرفنا عما نحن عليه من ديننا، ومن استعباد قومك- فلن نصدّقك او نتّبع رسالتك التي تدّعيها.
فأنزل الله عليهم مزيدا من المصائب والنكبات، بالطوفان الذي يغشى اماكنهم وبالجراد الذي يأكل زروعهم، وبالقُمّل الذي يُهلك حيواناتهم وسنابل غلّتهم، وبالضفادع التي تنشر فتُنَغّص عليهم حياتهم، وبالدم الذي ينزف منهم ولا يتوقف نزيفه- أصابهم الله بهذه المصائب، فلم يتأثروا بها. لقد قسَت قلوبهم، وفسد ضميرهم، فعتَوا عن الإيمان والرجوع الى الحق، وأصروا على الذنوب «وكانوا قوماً مجرِمين» موغِلين في الإجرام كما هو شأنهم.
стр. 570
الرجز: العذاب الذي يطرب هل الناس في شئونهم. العهد: النبوة والرسالة. النكث: نقض العهود والمواثيق. اليمّ: البحر.
بعد أن ذكر سبحانه الآيات الخمسة التي أرسلها على قوم فرعون، بيّن هنا ما كان من أثرها في نفوس المصريين جيمعا. لقد طلبوا من موسى ان يرفع الله عنهم العذاب، فاذا هو فعلَ آمنوا به. ثم تبيّن نقضُهم للعهد، وخُلفهم للوعد حتى حلّ بهم عذابُ الاستئصال بالغرق.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز. . .﴾ .
ولما وقع ذلك العذابُ بهم اضطربوا وفزِعوا أشد الفزع وقالوا: يا موسى، سل ربّك ان يكشف عنا هذا الرِجز، ونحن نقسِم أن نؤمن لك ونرسل معك بني اسرائيل كما أردت، إن كشفت عنا هذا العذاب.
فلما كشفنا عنهم العذاب، مرة بعد أخرى، اذا هم ينقُضون عهدهم، ويحنثون في قَسمهم، ويعودون الى ما كانوا عليه، ولم تُجدِ فيهم هذه المحن الزاجرة.
﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾ فانزلنا عليهم نقمتنا، بأن اغرقناهم في البحر جزاء استمرارهم التكذيب بآياتنا، وتمام غفلتهم عما تقتضيه هذه الآيات من الايمان والاذعان.
والخلاصة: لقد كانوا يُظهرون الايمان عند لكل آية من آيات العذاب ثم يكذّبو، حتى اذا انقضى الأجل المضروب لهم انتقمنا منهم بسب استمرارهم على الكذب. وكانوا غافلين عما يعقب ذلك من العذاب في الدنيا والآخرة.
стр. 571
مشارق الارض ومغاربها: جميع نواحيها، والمراد بالأرض بعض بلاد الشام تمت كلمة ربك: مضت، وهي وعدُه اياهم بالنصر. باركنا فيها: بالخصب وسعة الرزق. دمرنا: خربنا وأهلكنا. ما كانوا يعرِشون: ينصبون العرائش من الجنّات، ويشيدون من الأبنية.
هذا آخر ما قصّة الله علينا وأخبرنا به من نبأ فرعون وقومه، وتكذيبهم بآيات الله. ثم أبتعه بقصَص بني إسرائيل، وما عينوه من الآيات العظام مثل: مجاوزتهم البحر، وما أحدثوه بعد إنقاذهم من ظلم فرعون مثل: عبادتهم العجل، وطلبهم ان يروا الله جهرة، وغير ذلك من المعاصي، وذلك ليعلم حال الانسان وانه كما وصفه «ظلوم كفاّر» الا من عَصمه الله، «وقيلٌ من عباديّ الشَّكور»
وهذا كلّه ليسلّي رسول الله ﷺ بما أظهر بنو اسرائيل من العناد. ومع كل ذلك فقد أعطيناهم الأرض التي حباها الله بالخِصب والخير الكثير، في مشارقها ومغاربها. وقد نفذت كلمة الله الحسنى وتمّت أما وعد الله بالنصر شاملا لبني اسرائيل، فكان جزاء صبرهم على الشدائد. وأما تدمير ما كان يصنع فرعون وقومه من الصروح والقصور المشيدة، وما يقيمون من عُرُوش للنبات والشجر المتسلق فهو جزاء ظلهمهم وكفرانهم بالله.
стр. 572
جاوزنا: عدّيناهم. يعكفون: يلازمان الأصنام ويعبودنها. الاصنام، واحدها صنم: ما يُصنع من الحجارة والخشب والمعدن من التماثيل للعبادة من دون الله. وبعض العرب كان يصنع من التمر، فاذا جاع أكل الربّ الذي صنع متبر ما هو هم فيه: مدمَّر، والتتبير التدمير والهلاك باطل: زائل وهالك اغير الله ابغيكم ربا: اطلب لكم ربا غيره.
وجاز بنو اسرائيل البحر، بعنايتنا وتأييدنا، فلما قطعوه مروا على قوم كانوا منكبّين على عباده أصنام لهم، فلما شاهدوا ذلك غلبَ عليهم ما ألِفوه قديماً من عبادة المصريين للأصنام، فطلبوا نم موسى ان يجعل لهم صنماً يعبدونه كما رأوا القوم يفعلون. عندئذٍ سارع موسى الى توبيخهم قائلاً لهم: حقاً انكم قوم سفهاء لا عقول لكم، لا تعرفون العبادة الصحيحة، ولا من هو الإله الذي يستحق ان يُعبد.
ان القوم الذيين ترونهم عاكفين على عبادة الاصنام قوم هالكون، وما يفعلون باطل وزائل، فهو من بابِ عبادة غيرِ الله.
ويْحَكُم يا بني اسرائيل! أأطلبُ لكم، معبوداً غير الله رب العالمين وخالق السماوات والأرض! أما منحَكم من فضله، لقد خصّكمن بنعمٍ لم يعطها غيركم من أهلِ زمانكم؟ ولقد فضّلكم على أهل عصركم هذا بأن هداكم الى وحدانيته!
اذكروا إذ أنجاكم بعنايته من آل فرعون وظلمهم. وأنتم تعلمون انهم كانوا يذيقونكم، اشد العذاب، ويسخّرونكم لخدمتهم، ولا يرون لكم حرمة الا كما للبهائم. كانوا يقتلون ما يولد لكم من الذكرو، ويسبقون الاناث لتزدادوا ضعفا بكثرتهن، وليجعلوهن خدماً لهم ويستمتعوا بهن. ان فيما نزل بكم من تعذيب فرعون وانجائكم منه اختبار عظيم من ربكم ليس وراءه بلاء واختبار.
стр. 573
الميقات: الوقت المحدد. اخلفني: كن خليفتي. تجلي: ظهر نوره وعم الجبل. جعله دكا: مفتتا منهارا. خر موسى: وقع صعقا: مغشيا عليه من هول ما رأى. اصطفيتك: اخترتك. فخذها بقوة: بجد وحزم وعزيمة.
بعد أن بيّن الله تعالى ما أنعم به على بني اسرائيل من نجاة لهم من عدوهم وتحريرهم من العبودية- ذكر هنا بدء التشريع المنزل على موسى ﵇، وكيف انه واعد موسى ثم أنزل عليه التوراة.
لقد ضرب الله تعالى موعدا لموسى لمناجاته وإعطائه الألواح فيها أصولُ الشريعة في مدة ثلاثين ليلة، ثم اتم مدة الوعد بعشر ليال يستكمل فيها موسى عبادته، ويتلقى أوامر ربه فصارت المدة أربعين ليلة. وعندما توجّه موسى للماجاة قال لأخيه هارون: كمن خليفتي في قومي، أصلحْ ما يحتاجون اليه من امروهم، وراقبهم فيما يأتون وفيما يذرون، واحذر ان تتبع سبيل المفسِدين.
ولما جاء موسى في الموعد الّذي وقّته له ربه لمناجاته كلّمة ربه، لكن موسى قال: رب أرني ذاتك لأتمتع بها وأحصل على فضيلتَي الكلام والرؤية، وأزداد شرفا. فقال له ربّه: لن تطيق رؤيتي يا موسى. ثم اراد الله سبحانه ان يُقنع موسى بانه لا يطيق رؤية ما يطلب فقال: انظر الى الجبل الذي هو أقوى منك، فإن ثبت في مكانه عند التجلّي فسوف تراني اذا تجلّيت لك. فلما تجلى الله للجبل انهدّ الجبل وبات أرضا مستوية. عند ذاك سقط تنزيهاً عظيما عما لا ينبغي في شأنك مما سألت، إن تُبْت إليك من الإقدام على السؤال بغير إذن، وأنا أول المؤمنين من قومي بجلالك وعظمتك.
ولما منع الله موسى من رؤيته عدَّد عليه نعمه ليتسلى بها فقال: يا موسى، لقد اخترتك مفضّلاً إياك على اهل زمانك، بتبليغ التوراة، وبتكليمي إياك من غير واسطة، فخذ ما فضّلتك به، واشكرني كما يجب.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها إمكان رؤية الله عن اكثر من عشرين صحابياً، لكنه ورد عن السيدة عائشة خلافُ ذلك. فقد رُوي عن مسروق قال: قلت لعائشة، يا أمّاه، هل رأى محمد ﷺ ربَّه ليلة المعراج؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلتَ، ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك ان محمداً رأى ربه فقد كذب، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ومن حدثك انه كتم شيئا من الدين فقد كذب. قال مسروق: وكنت متكئا فجلست وقلت: الم يقل الله: «ولقد رآه نزلةً اخرى» فقالت: أنا أول من سأل رسول الله عن ذلك فقال «إنما هو جبريل» .
وهذه الرؤية هي في الدنيا، أما الآخرة فانها تختلف عن هذه الدنيا، وكل ما في الحياة الآخرة يختلف اختلافا كليا عن حياتنا الدنيا.
стр. 574
وترى جمهرة المسلمين ان رؤية العباد لربهم في الآخرة حق.
بعد ان اخبر سبحانه في الآيات السالفة انه منع موسى من رؤيته في الدنيا، اخبرنا هنا بما آتاه يؤمئذ فقال:
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ. . . الآية﴾ .
أي أعطيناه ألواحاً بيّنا له فيها كل شيء من المواعظ والاحكام المفصلة التي يحتاج الناس اليها وقلنا له: خذ الالواح بجدٍّ وحزم، وامُر قومك ان يأخذوا بأفضل ما فيها وأيسره وان لا يشدّدوا على انفهسم. وسأجعلهم يرون دار الخارجين على أوامر الله، وما صارت اليه من الخراب، كما سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي، فلا تخالفوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم.
стр. 575
الرشد: الصلاح والاستقامة، وضده الغي والفاسد كل آية: كل بينة كذبوا بآياتنا: الآيات المنزلة من عند الله حبطت اعمالهم: بطلت.
بعد ان بيّن الله تعالى لما لحق فرعون وقومه بسبب من استكباره وظلموه وفساده في الأرض، بيَّن هنا ضلال البشر وتكذيبهم للرسل، وذكر ان السبب في كل ذلك هو التكبر.
ومعنى الآية:
سأمنع اولئك الذين يتطاولون في الأرض ويتكبّرون عن قبول الصواب بغير الحق من التفكير في دلائل قدرتي إنهم يروا كل آية تدل على صدق رسُلنا لا يصدقوا بها، أما حين يشاهدون طريق الضلال فسرعان ما يلكونه راغبين، وذلك لأنهم كذّبوا بآياتنا المنزلة، وغفلوا عن الاهتداء بها.
وامثال هؤلاء كثيرون اليوم في بلادنا من المسلمين، لقد درسوا في الغرب ورأوا رخرف المدنيّة الأوروبية، وغرَّهم بَهْرَجها، وأخذوا منها ما يوفر لهم اللذات والمتع ولم يأخذوا العلم النافع ولا الصناعة المفيدة، والأنظممة النافعة. ان هذه تكلهم جهاً كبيراً فيما هم لا يريدون غير المتع والملذات.
والذين كذّبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا للهداية، كما كذّبوا بلقائنا يوم القيامة، ومن ثم أنكروا البعث والجزاء- بطلت أعمالُهم التي كانا يرجون نفعها. لذا فإنهم لن يلاقوا إلا جزاء ما استمروا عليه من العصيان، وانكار دعوة الرسل.
стр. 576
الحلي: بضم الحاء وقرئ بكسرها، مفردها حَلْي وهو كل ما يتُزين به من المصوغات المعدنية والحجارة الكريمة. العجل: ولد البقرة. له خوار: له صوت البقر سُقِط في أيديهم: ندموا، وهذا من تعابير القرآن الكريم البليغة.
بعد ان ذكر الله خبر مناجاة موسى واصطفاءه له بالرسالة، وأمرَه إياه ان يأخذ الاواح بقوة- بين هنا ما حدث اثناء غياب موسى عن قومه، حيث بدّلوا الوثنية بديانتهم.
لقذ ذهب موسى الى الجبل لمناجاة ربه، فما أسرع ما اتخذ قومه من مصوغاتهم وزينتهم جسماً على صورة عجلٍ من الحيوان، لا يعقل، له صوت كصوت البقر، كان قد صنعه لهم السامريُ وأمرهم بعابدته. لقد عَمُوا، فلم يروا حين عبدوه انه لا يكلمهم ولا يقدر على هاديتهم الى طريق الصواب! ومع هذا فقد اتخذوه إلهاً لهم، وبذلك ظلموا أنفهسم باقترافهم مثل هذا العمل الشنيع.
ولما شعروا بزلتهم وخطيئتهم، تحيَّروا فيما يفعلون، وندموا اشد الندم وتبيّنوا ضلالهم، وقالوا: واللهِ لئن لم يتبْ علينا ربنا، لنكوننّ من الذين خسروا سعادة الدنيا والآخرة.
стр. 577
الاسف: الحزن أعجِلتم امر ربكم: اسبقتم. القى: طرح، شمت بعدوه: فرح بمكروه اصابه.
قراءات:
قرأ حفص يا ابن ام بفتح الميم، وقرأ الكسائي وحمزة وابن عارم: يا ابن أمِّ بكسر الميم.
بعدما ذكرت الآياتُ ما احديه السامريّ من صناعته العجل لبني اسرائيل وعبادتهم له، ثم ندمهم على ذلك وطلبهم الرحمة من ربهم- تورد هذه الآيات ما حدث من غضب موسى وحزنه حين رأى قومه على تلك الحال من الضلال والغّي، وتصف ما وجّهه موسى من التعنيف واللوم لأخيه هارون، الذي سكت عن قومه حين رآهم في ضلالتهم يعمهون.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً. . .﴾ .
ولما رجع موسى من مناجاة ربّه ووجد قومه على تلك الحال غضب عليهم، وحزن لأنهم وقعوا في تلك الفتنة، وقال: ما أقبح ما فعلتم بعد غيبتي عنكم! اسبقتم بعبادتكم العجلَ ما أمركم به ربكم من انتظاري حتى أتيكم بالتوراة!؟ آنئذٍ وضع الألواح، واتجه الى اخيه هارون، واخذ يشدّهُ من رأسه، ويجره نحوه من شدة الغضب، ظنّاً منه انه قصر في ردعهم. فقال هارون: لا تعجل بلومي وتعنيفي يا أخي، ولا تظن اني قصرت في ردع القوم. لكنّهم استضعفوني وكادوا يقتلونني حين نهيتهم عن عبادة العجل. لا تدع الأعداء يفرحون لتخاصُمنا ويشتمون بي، ولا تجعلني في زمرة هؤلاء الظالمين فأنا بريء منهم ومن ظلمهم.
قال موسى: ربِّ اغفر لي ما صنعتُ بأخي، واغفر لأخي إن كان قصّر، وأَدخلنا جميعاً في رحمتك التي وسعت كل شيء فأنت أرحكم الراحمين، بل وأرحم بنا منا على انفسنا.
والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل، في القرآن الكريم. أما التوراة ففيها ان هارون هو الذي صنعه. وهذا احد مواضع التحريف الذي جرى فيها، كما نص عليه القرآن الكريم.
стр. 578
الغضب: هنا، هو ما امروا به من قتل انفسهم.
بعد ان ذكرت الآيات عتاب موسى لأخيه هارون، ثم استغفاره لنفسه ولأخيه، استطردتْ تذكر ما استحقه بنو اسرائيل من الجزاء على اتخاذ العجل.
ان الذين اتخذوا العجل إلهاً واستمروا على ذلك، كالسامريّ وأتباعه، سيواجهون مذلّة ومهانة شديدة.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين﴾ .
بمثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي كل من اختلق الكذب على الله وعبَدَ غيره.
هذا بخلاف الذين اقترفوا السيئات من الكفر والمعاصي ثم تابوا ورجعوا الى الله وصدقوا به، فإن الله سيغفر لهم ويعفو عنهم، فعفو الله أكبر وأجلّ، وكرمه أعظم، بشرط التوبة والندم والاستغفار.
стр. 579
السكوت: ترك الكلام، وهنا معناه: لما ذهب الغضب عن موسى. وفي نسختها: ما كتب منها هدى: بيان للحق الرهبة: اشد الخوف.
بعد ان ذكر الله حال القوم وبين انهم قسمان: قسم مصرّ على الذنب وعبادة العجل، وقسم تائب منيب الى ربه- هنا بيان حال موسى بعد ان سكنتْ سَورة غضبه.
ولما ذهب عن موسى الغضبُ باعتذار أخيه، عاد الى الالواح التي ألقاها، فأخذها، وكان فيها الهدى والرشاد، واسباب الرحمة للّذين يخافون الله ويرجون ثوابه.
стр. 580
اختار موسى قومه: اختار موسى من قومخ. اختار: انتقى واصطفى. الرجفة: الصاعقة. السفهاء: الجهلاء. الفتنة: الاختبار والامتحان والابتلاء انت ولينا: المتولي امورنا الحسنة: في الدنيا: حسن المعيشة، والعافية. . . وفي الآخرة: دخول الجنة. هُدنا اليك: تبنا ورجعنا اليك. النبي: هو من اوحى اليه الله وانبأه بما لم يكن يعلم. والرسول: نبي امره الله بتبليغ شرع ودعوة دين. الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. واهل الكتاب يلقبون العرب بالاميين كما قال تعالى: ﴿٨;لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] المعروف: ما تعرف العقول السليمة حسنة. والمنكر ما تنكره القلوب وتأباه الطيبات: كل ما تستطيبه الاذواق من الاطعمة وتستفيد منه التغذية النافعة. الخبائث: كل ما حرم اكله وذبحه، والخبيث من الأموال: ما أُخذ بغير حق. الإصر: الثقل الذي يتعب صاحبه الأغلال: واحدها غُلّ بضم الغين، هو القيد الذي يقيَّد به الأسير والجاني. وهنا معناه الشدائد والمحن. عظّروه: نصروه وهي من الكلمات التي لها معنيان مختلفان.
ثم أمر الله موسى أن يأتيه في جماعة من قومه يعتذرون عمّن عبدوا العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لم يشاركوا في عبادة العِجل، وذهب بهم الى الطور. وهنالك سألوا الله أن يكشف عنهم البلاء، ويتوب على من عبد العجل من قومه. فأخذتهمفي ذلكالمكان رجفة شديدة غُشي عليهم بسببها، وكان هذا جزاءً لهم لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم ينهوهم عن المنكر فلما رأى موسى ذلك قال: يا ربِّ، لو شئتَ إهلاكَهم أهلكتَهم من قبل خروجهم الى الميقات، وأهلكتني معهم، ليرى ذلك بنو إسرائيل فلا يتهموني، فلا تهلكنا يا رب بما فعل الجهّال منا، فما محنة عبَدَة العجل الا فتنة منك، أضللتَ بها من شئتَ إضلاله ممن سلكوا سبيل الشر، وهدَيت بها من شئت هدايته. . إنك أنت المتولِّي امرونا والقائم علينا، فتجاوزعن سيئاتنا، وتفضل علينا باحسانك، وانت أَكرم من يفعل ذلك.
كذلك قَدِّر لنا في هذه الدنيا حياة طيبة، وهبْنا من لدنك عافية وتوفيا لطاعتك، وامنحنا من فضلك في الآخرة مثوبة حسنة ومغفرة ورحمة ندخل بها جنتك وننال رضوانك، فقد تُبنا ورجعنا اليك.
فقال له ربه: إن عذابي أصيبُ به من أشاء ممن لم يتب، ورحمتي وسعت كل شيء.
ثم بين من ستكتب له الرحمة فقال:
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
سأكتبها للذين يتّقون شرَ المعاصي من قومك، ويؤدون الزكاة المفروضةَ عليهم، ويصدّقون بجميع الكتب المنزلة وسوف أخصُّ بها أولئك الذين يتبعون الرسول محمدا، الأميَّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو الّذي يجدون وصفه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بكل خير وينهاهم عن كل شر، ويُحِل لهم ما يستطيبه الطبع من الأشياء، ويحرِّم عليهم ما يستخبثه منها، ويزيل عنهم الاثال والشدائد التي كانت عليهم:
فالّذين صدّقوا برسالته وآزروه وأيّدوه ونصروه على أعدائه، واتبعوا القرآن الذي أُنزل معه - هؤلاء هم الفائزون بالرحمة والرضوان دون سواهم.
стр. 581
لقد ظهر في هذه الايام كتاب جديد بعنوان «محمد في الكتاب المقدس» تأليف خوري طائفة الكلدانيين، واستاذ اللاهوت؛ البروفسور «عبد الحق داود» فقد اعتنق الاسلام والف هذا الكتاب وبين فيه المواضع التي ذكر فيها سام سيدنا محمد أو الاشارة اليه في التوارة والانجيل وكيف حرفت تلك الأصول.
وقد ترجم الكتاب الى اللغة العربية صديقنا السيد فهمي شما.
стр. 582
كلماته: كل ما أَنزل من تشريع على أَلسنَةِ رسُله الكرام.
بعد ان ذكر تعالى ما في التوراة والانجيل من صفات النبي ﷺ ، وشرفَ من يتبعه من اهل الكتاب، ونيلَهم السعادة في الدنيا والآخرة- بيّن هنا عموم رسالته، ودعوة الناس كافّة الى الايمان به.
قل يا أيها النبيّ لجميع بين البشر: إني رسول اليكم جيمعا، أرسلني الله، الذي له وحده ملك السماوات والارض، فهو يدبّر أمرهما بحكمته، ويتصرف فيها كيف يشاء. انّه لا معبودَ بحق إلا هو، وهو وحده الذي يُحيي ويُميت. . . آمنوا به وحده، وصدّقوا رسوله، فهو النبيّ الأمّيُّ الذي لا يقرأ ولا يكتب. واتّبِعوه في كل ما ينقل منا لدن ربّه، واسلكوا طريقه واقتفوا أثره. بذلك تهتدون وترشدون.
стр. 583
قطعناهم: صيرناهم فِرقا كل فرقة سبط، والسبط ولد الولد، واسباط بني اسرائيل: سلائل اولاده. الامة: الجماعة التي تؤلف بين افرادها رابطة او نظام او مصلحة. الاستسقاء: طلب الماء للشرب. انبجس: انفجر. الغمام: السحاب. المن: مادة بيضاء تنزل من السماء مثل الندى حلوة الطعم. السوى: طائر قدْر الحمام طويل الساقين والعُنق سريع الحركة.
بد ان بيّن تعالى ان من يتبع النبيَّ الكريمَ من قوم موسى مفلحون مهتدون - ذكر هنا حال خواصّ أتباع موسى ﵇ الذي اتّبعوه حق الاتباع، ثم ذكرحالّين من أحوال بني اسرائيل:
أولاهما: انه قسمهم اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباطهم الاثني عشر.
ثانيتهما: أنهم لما استسقَوا موسى ضرب موسى الحجر (اشارة الى امكانية الحفر) ، فانبجستْ منه اثنتا عشرة عيناً، بقدر عدد الأسباط وقد تقدم ذكر هاتين الواقعتين في سورة البقرة.
ومن قوم موسى جماعة تمسَّكوا بما جاء به موسى من الدين الصحيح، فظلوا يهدون الناس الى الحق الذي جاء به نبيُّهم، فلا يتّبعون هوى، ولا يأكلون سُحتاً ولا رشوة.
ثم عدّد الله نعمة على قوم موسى، فذكر انه صيّرهم اثنتي عشرة فرقة، وميّز كل جماعة بنظامها، منعا للتحاسُد والخلاف. وأنه اوحى الى موسى حين طلب قومه الماء في التيه، ان يضرب الصخر في الأرض، ففعل موسى ذلك، فانفجرت عنه ذلك اثنتا عشرة عيناً قد عرف كل سبط من القوم مورد شربهم الخاص بهم. هذا كما جعل لهم السحابَ يلقي عليهم ظلّة في اليته ليقيَهم حر الشمس، وانزل عليهم المنّ وهو طعام حلو شهيّ والسلوى وهو طائر يشبه السُّمانَي. وقال لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم. لكنهم ظلموا انفهسم وكفروا بتلك النعم، وتمسَّكوا بالجحود والانكار. وهذا دأبهم وتلك اخلافهم لم تتغير ولم تتبدل.
стр. 584
تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة الآية رقم (٥٩) والآية رقم (٦٠) وهناك بعض الفروق: (١) قال هنا: «اسكُنوا القريةَ» وفي سورة البقرة قال «ادخُلوا» (٢) وقال هنا: «وكُلوا منها حيثُ شئتم» وفي سورة البقرة قال: «فكُلوا من حيث شئتم رغَدا» (٣) وقال هنا: «وقولوا حِطّة وادخلوا الباب سُجَّدا» وقال في سورة البقرة «وادخلوا البابَ سجَّدا وقولوا حِطّة» (٤) وقال هنا: «سنزيد المحسِنين» وقال في سروة البقرة: «وسنزيد المحسنين» بالعطف والمعنى واحد (٥) وقال هنا: «فبدَّلَ الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قِيلَ لهم» فزاد هنا لفظة منهم، وقال في سورة البقرة: «فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم» (٦) وقال هنا: «فأرسلْناعليهم رِجْزاً من السماء بما كانوا يظلمون» ، وقال في سورة البقرة «وأنزلنا على الّذين لظموا رِجزاً من السماء بما كانوا يفسقون» . والفرق بين الإرسال والانزال فرقٌ لفظيّ. وكذلك بين (عليهم) و (على الذين ظلموا) ، ومثله (يظلمون) و «يفسقون) .
стр. 585
القرية: أيلة. حاضرة البحر: على شاطئه، قريبة منه يعدون في السبت: يخالفون امر الله بالصيد المحرم عليهم يوم السبت. يوم سبتهم: يوم عطلتهم وراحتهم شُرَّعا: ظاهرة على وجه الماء نبلوهم: نختبرهم. امة منهم: جماعة منهم معذرة الى ربكم: اتعذروا الى ربكم نسوا ما ذكروا به: تركوه بئيس: شديد. عتَوا: تكبروا وعصوا. خاسئين: اذلاء صاغرين.
هذه الآية الى قوله تعالى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ. . . . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مدنيّة نزلتْ في المدينة، وقد ضُمت الى هذه السورة المكيّة في هذا الموضع، تكلمةً للحديث عما ورد فيها من قصة بين اسرائيل.
وهنا عَدَل في أُسلوب الحكاية عن ماضي بني اسرائيل، إلى أسلوب المواجهة لذاراريهم التي كانت تواجه رسولَ الله ﷺ في المدينة وتحاروه وتجادله.
يأمر الله تعالى رسلوه الكريم ان يسأل يهود المدينة المنوَّرة في زمانه عن هذه الواقعة المعلومة لهم من تاريخ أسلافهم، وهو يواجههم بهذا التاريخ باعتبارهم أمةً متصلة الأجيال، ويذكّرهم بعصيانهم القديم، فيقول:
اسأل أيها النبي اليهودَ المجاورين لك في المدينة عن فعل اهل القرية التي كانت على شاطئ البحر، كيف كان يفعل أسلافهم فيها فيخالفون أوامر الله بصدد صيد السمك يوم السبت. كانت تأيتهم الحيتانُ ظاهرةً على وجه الماء يوم السبت، مع أنهم مأمورون بالتفرُّغ فيه للعبادة، وأما في غير السبت فلم تكن تأتيهم، كل ذلك ابتلاءٌ واخبتارٌ من الله ليظهر المحسِنَ من المسيء منهم.
وقد انقسم سكان القرية الى ثلاث فرق: فرقة كانت تحتال على صيد السمك يوم السبت الذي حُرّم عليهم الصيد فيه، وفرقة كانت تحدذِر هؤلاء العصاة مغبَّة عملهم واحتيالهم وتنكر عليهم ذلك، وفرقة اخرى تقول لهؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة تحذيركم لهؤلاء العصاة- وهم لا يرجعون عن غيِّهم وعصيانهم؟ لقد كتب الله علهيم الهلاك والعذاب! وذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً. . .﴾ .
وإذ قالت جماعة من صلَحاء أسلافهم لمن يعظون أولئك الأشرار، لأي سبب تنصحون قوماً سيهلكهم الله بسبب ما يرتكبون من مخالفات، أو يعذّبهم في الآخرة عذابا شديدا؟ لم تعدْ هناك جدوى لنصحهم وتحذيرهم.
قالوا: لقد وعظناكم اعتذاراً الى الله، وأدّينا واجبنا نحوه، لئلا نُنسَب الى التقصير، ولعلّ النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فَيَسْتثيرُ فيها وِجدان التقوى.
فلمّا تركوا ما ذكّرهم به الصالحون وأعرضوا عنه، أنجينا الذين ينهون عن المنكر من العذاب، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب شديد بسبب تماديهم في الفسق، والخروج عن طاعة الله.
﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ. . .﴾ .
فلما تمردوا وأبَوا أن يتركوا ما نُهوا عنه، ولم يردعهم العذاب الشديد جعلناهم كالقِرَدة في مسخ قلوبهم، وعدم توفيقهم لفهم الحق، فكانوا قردة مَهينين، وانتكسوا الى عالَم الحيوان حين تخلّوا من خصائص الانسان.
стр. 586
تأذن: أعلم. ليبعثن: ليسلطن عليهم يسومهم: يذيقهم.
ثم كانت اللعنةُ الأبدية على جميع اليهود إلا الذين يؤمنون بالنبي الأميّ ويتبعونه. وقد بعث الله على اليهود في فترات من الزمن من يسومهم سوءَ العذاب، وسيظل هذا الأمر نافذا في عمومه الى الأبد، فيبعث الله عليهم بين آونةٍ وأخرى من يسومهم سوء العذاب، وكلّما انتعشوا وطغَوا في الأرض، جاءتهم الضربة ممن يسلّطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية.
وقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توفقت، وان اليهود عزُّوا واستطالوا كما هو ظاهر للعيان في فلسطين الآن، لكن ذلك ما هو إلى فترة عارضة من فترات التاريخ، قود تم ذلك لتنابذ الحكام العرب وفُرقهم فيما بينهم، تفضيلاً للمصلحة الفردية على المصحلة العامة، حتى على حساب الجميع، وبسبب ما تمدهم به امريكا المتصهينة. وذلك لا يدوم أبدا، ولا يدري الا الله من ذا الذي سيسلَّط عليهم في الجولة التالية، وما بعدها الى يوم القيامة، ونحن بانتظار مواكب المجاهدين الفاتحين، وكلآتٍ قريب مهما طال الزمن.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والله تعالى يعقّب دائما بعد ذكره العذابَ بالرحمة والمغفرة للمحسنين.
стр. 587
قطعناهم: فرقناهم. امما: جماعات. دون ذلك: منحطون عنهم. بلوناهم: امتحناهم. خلْف بسكون اللام: نسل شرير. الكتاب: التوراة العرض بفتح الراء: متاع الدنيا وحطامها. الادنى: الدنيا. نتقنا الجبل: رفعناه وابرزناه فوقهم الظُّلَّة: كل ما يظلل الناس.
تأتي بقية الآيات المدنية الواردة هنا تكملةً لقصة بين اسرائيل بعد موسى، إذ تفرّق اليهود في الأرض جماعاتٍ مختلفة المذاهب، مختلفة المشارب والمسالك، فكان منخم الصالحون وكان منهم دون ذلك، وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات تارة، وبالنعماء أخرى، علّهم يرجعون لاى ربهم ويستقيمون.
وقد فصّل سبحانه عقابهم فذكر بدء إذلالهم بإزالة وحدتهم وتمزيق جمعهم فقالك
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً. . . .﴾ .
وقد فرّقناهم في الأرض جماعات وجعلنا كل فرقة منهم في قطر، منهم الصالحون وهم الذين آمنوا واستقاموا، ومنهم اناس منحطُّون عن الاتصاف بالصلاح. لقد اختبرناهم جميعا بالنعم والنقم ليتوبوا عما نهوا عنه.
فجاء من بعد الّذين ذكرناهم خَلْفُ سوءٍ ورِثوا التوراةَ من أسلافهم، لكنهم لم يعملوا بها، ولم تتأثّر قلوبهم ولا سلوكهم، وكلما رأَوا عَرَضاً من أعراض الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا: «سيُغفرُ لنا» ، فهم مصرون على الذنْب مع طلب المغفرة.
ثم وبَّخهم الله على طلبهم المغفرةَ مع إصرارهم على ما هو عليه فقال: إنّا انفَذْنا عليهم العهدّ في التوراة- وقد درسوا ما فيها- أن يقولوا الحق، فقالوا الباطل. . . . لم يعقِلوا بعدُ ان نعيم الدار الآخرة الدائم خير من مناع الدنيا الفاني، فقل لهم يا محمد: من العجب ان تستمروا على عصيانكم، افلا تعقلون ان ذلك النعيم خير لكم! .
وفي هذه إيماء الى ان الطمع في متاع الدنيا هو الذي افسد على بني إسرائيل امرهم.
وفيه عبرة للمسلمين الذي سرى إليهم كثير من الفساد، وغلب عليهم حبُّ الدنيا وعرضها الزائل، والقرآن الكريم بين أيديهم لكنهم لا يعملون به بل هم عنه غافلون.
﴿والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب. . .﴾ .
والذين يتمسّكون بالتوراة وأقاموا الصلاة المفروضة عليهم، ويعتصمون بحبله في جميع شئونهم - لن يضيع اجرهم عند الله، لأنهم قد اصحلوا اعمالهم.
ثم ختم الله هذه القصة مذكِّراً بِبَدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم عقب بيان مخالفتهم لأمور دينهم حتى بعد أَنْ أخذ الله عليهم الميثاق. وقد ردّ عليهم في قولهم: إن بين اسرائيل لم تصدر منهم مخالفة في الحق، فقال جلّ وعلا:
﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل. . .﴾ .
اذكر لهم أيها النبيّ حين رفعنا الجبل فوق رؤوسهم كأنه غمامة، يؤمئذٍ فزِعوا مما رأوا، إذ ظنوا ان الجبل واقع عليهم، فقلنا لهم: خذوا ما أعطيناكم من هدى التوراة بجد وعزم على الطاعة، وتذكّروا ما فيه لعّكم تعتبرون وتهذب نفوسكم بالتقوى. لكن اليهود هم اليهود، فقد نقضوا العهد، ونسوا الله، ولجّوا في العصيان حتى استحقوا غضب الله ولعنته، وحقَّ عليهم القول.
стр. 588
الظهور: جمع ظهر وهو معروف. الذرية: سلالة الانسان من ذكور واناث.
بيّن الله هنا هداية بين آدم بنصْب الأدلّة في الكائنات، بعد ان بينها عن طريق الرسل والكتب، فقال: واذكر ايها النبيّ للناس حين أخرج ربُّك من أصلاب بني آدم ما يتوالدون قرنا بعد قرن، ثم نصب لهم دلائل روبيّته في الموجودات، وركّز فيهم عقولاً وبصائر يتمكّنون بها من معرفتها، والاستدلال بها على التوحيد والربوبية، فقال لهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى انت ربنا شهِدنا بذلك على أنفِسنا. وإنما فعل الله هذا لئلا يقولوا يوم القيامة: إنّا كمنّا عن هذا التوحيد غافلين.
وقد اكثرَ المفسرون الكلام في تفسير هذه الآية وأوردوا عدداً من الاحاديث والأقوال، لكنه منا لصعب الوثوق بها، كما أنها غير صحيحة الإسناد.
وأحسنُ ما يقال: إن هذه الآية تعرِض قضية الفطرة في صورة مشهدٍ تمثيلي على طريقة القرآن الكريم. وإن مشهدّ الذرية المستكنّة في ظهور بني آدم قبل ان تظهر الى العالم المشهود لمشهدٌ فريد حتى في عالَم الغيب. وهذه الذرية هي التي يسألها الخالق المربي: ألستُ بربكم، فتعترف له بالربوبية وتقرّ له بالعبودية.
أما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدَهم على أنفسهم، وكيف خاطبهم- فكل هذه الأمور من المغيَّبات التي تخالف حياتنا الدنيا.
وأقربُ تفسير لأفهامنا ان هذا العهد الذي اخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة، فقد انشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوية وحده، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه او ينصرّانه او يمجّسِانه» اخرجه البخاري ومسلم.
وفي سورة [الروم الآية: ٣٠] ﴿فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ ﴿أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ .
او تقولوا إنما أشرَك آباؤنا من قبلنا. ولقد خرجنا إلى هذا الوجود فوجدنا آباءنا على دينِ فاتّبعنهم، فهل تؤاخذنا يا ربّ بما فعل السابقون من آبائنا، فتجعل عذابنا كعذابهم فلا حجّة لكم أبدا.
﴿وكذلك نُفَصِّلُ الآيات وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
يرجعون الى فطرتهم وعهِدها مع الله، فاللهُ لا يقبل الاعتذار من أي إنسان بانه يقلّد آباءه واجداده، وقد بين له الرسل الكرام الطريق الى الهدى.
стр. 589
التلاوة: القراءة. النبأ: الخبر. انسلخ منها: نبذها وكفر بها فاتبعه الشيطان: ادركه. من الغاوين: من الضالين. يلهث: يتنفس بشدة مع اخراج اللسان، والسبب في ان الكلب يلهث دائما، ان جلده أملس لا توجد فيه مسامات كافية.
بعد ان ذكر اللهُ تعالى أخْذ العهد والميثاق على بني آدم جميعا، وأشهدّهم على أنفسهم أن الله ربهم. . أيُّ عذر سيكون لهم يوم القيامة في الإشراك بالله جهلاً او تلقيدا!
هنا نفيٌ بضرب المثَل للمكذّبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد ان أيّدها بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثَل من آتاه الله آياتِه فكان عالماً بها قادراً على بيانها، لكنه لا يعمل بها، بل يأتي عمله مخالفا لعلمه. لذا سلبه الله ما آتاه، فكان ذلك الانسان كمثَل الكلب يظل يلهث دون جدوى.
اقرأ اتيها النبيُّ على قومك خبرها الإنسان الذي آتاه الله علماً بآياته المنزلة على رسُله، فأهملها، بل انسلخ منها، كأنما الآيات جلد له متلبِّس بلحمه فهو ينسلخ منه بعد جهد ومشقة، وينحرف عن الهدى ليتّبع الهوى، فلاحقه الشيطان، وتسلط عليه باغوائه، فصار في زُمرة الضالين.
ولو شاء ربك رفعه الى منازل الأبرار لفعل، وذلك بتوفيقه للعمل بتلك الآيات، لكن الرجل اخلد الى الأرض، وهكذا هبط من الأفق المشرق فالتصق بالطين المعتم، ولم يرتفع الى سماء الهداية. لقد ابتع هواه، فبات في قلق دائم، وانشغل بالدنيا وأعراضهم، لذا فإن مثله مثل الكلب في اسوأ حواله. . . يظل يلهث على غير طائل، تماماً مثل طالب الدنيا الشرِه، يظل يلهث وراء متعه وشهواته، وهي لاتنقضي ولا هو يكتفي منها.
اما من هو الرجل الذي يشير إليه هذا المثل فقد وردت روايات عديد ة تجعله بعضها «بلعام ابن باعوراء» من بني اسرائيل، والبعض الآخر «أميّة بن أبي الصلت» الشاعر العربي المشهور، أو هو «ابو عامر الفاسق» وهناك روايات أخرى لا حاجة لنا بها اصلاً، فلسنا مكلَّفين ان نعرف من هو.
стр. 590
ذرأنا: خلقنا. الجن: خلاف الانس الفقه: العلم بالشيء والفهم به. ويرد في القرآن الكريم المعنى دقة الفهم والتعمق في العلم.
بعد ان أمر الله تعالى نبيه الكريم ان يقصّ خبر ذلك ضلّ على علم منه، يقصَّه الى اولئك الضالين لعلهم يهتدون ويتركون ما هم عليه من الاخلاد الى الضلالة، والكفر - بيّن هنا ان اسباب الهدى والضلال ينتهيان للمستعدّ لأحدهما الى احدى الغايتين بتقدير الله والسيرِ على سنّته في استعمال مواهبه الفطرية، وان الهدى هدى الله.
فمن يوفقه الله لسلوك سبيل الحق فهو المهتدي حقا، الفائز بسعادة الدارين؛ ومن يُحرم من هذا التوفيق بفعل سيطرة هواه فهو الضال خسِر سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
ثم فصّل سبحانه ما أجملَه في الآية السالفة مع بيان سببه فقال:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ. . . .﴾ .
ولقد خلقْنا كثيراً من الجن والانس مآلهم النار يوم القيامة. وتتساءل لماذا؟ فتأتي الإجابة: لأن لهم قلوباً لا يَنقُذون بها الى الحق، وأَعيُناً لاينظرون بها دلائل القدرة، وآذاناً لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماعَ تدبُّرٍ واتعاظ، أفليس اصحاب هذه الصفات كالبهائم، ما داموا لم ينتفعوا بما وهبهم الله من عقول للتدبر، بل الحقّ إنهم اضل منها، فالبهائم تسعى الى ما ينفعها، وتهرب مما يضرها، وهؤلاء لا يدركون ذلك، فيظلون غافلين عما فيه صلاحهم في الدارين.
ثم بعد ذلك ذكرت الآيات الدواء لتلك الغفلة والوسائل التي تخرج الى ضدها وهي ذِكْر الله ودعاؤه في السرّ والعلَن في جميع الاوقات.
ولله دون غيره الأسماءُ الدالة على أكمل الصّفات فاذكروه بها، دعاءً ونداءً وتسمية، واتركوا جميع الذين يلحدون في اسمائه فيما لا يليق بذاته العلّية، لأنه سيلقَون جزاءَ علمهم، وتحلُّ بهم العقوبة.
وللذِكر فوائد، منها: تغذية الإيمان، ومراقبة الله تعالى والخشوع له والرغبة فيما عنده، ونسيان آلام الدنيا. وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الدعاء والالتجاء الى الله، منها الحديث الصحيح: «من نزل به غَم او كربٌ، أو أمرٌ مهم فليقل: لا إله الا الله العظيم الحليم، لا إله الا الله ربّ العرش العظيم، لا إله الا الله ربّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
وروى الحاكم في (المستدرك) عن أَنس رضي الله عن هـ قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة رضي الله عن ها: «ما يمنعكِ أن تسمعي ما أُوصيكِ به؟ ان تقولي إذا أصبحتِ واذا أمسيتِك يا حيّ يا قيّوم، برحمتِكَ أَسغيث، أصلحْ لي شأني، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفة عين» .
ثم بيّن وصْف أُمة الإجابة، وهي الامة الاسلامية، الذين أجابوا وأطاعو وهدوا بالحق وبه يَعدِلون.
وممن خلَقْنا للجنة طائفةٌ يدعون غيرهم للحق بسبب حُبِّهم له، ويدلّون الناس على الاستقامة، وبالحق يحكمون.
أخرج ابنُ جَرير وابن المنذِر وابو الشيخ عن ابن جُريج قال: ذَكر لنا النبي ﷺ قال: «هذه أمتي، بالحق يحكُمون ويقضون ويأخذون ويعطون» .
فهذه الأمة الثابتة على الحق، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس. وفي الحديث الصحيح: «لا تزلا طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحق» .
стр. 591
سنستدرجهم: سنأخذهم درجة بعد درجة، اي شيئا فشيئاً الى العذاب. أُملي لهم: امهلهم. الكيد، كالمكر: هو التدبير الخفي. الجِنة: ما يصيب الانسان من صرع وغيره من الجنون. الملكوت: الملك العظيم فبأي حديث بعده يؤمنون: الحديث هنا القرآن الكريم الطغيان: تجاوز الحد في الباطل والشر. العمَة: التردد والحيرة بحيث لايدري اين يتوجه.
والّذين كذّبوا بآيات الله سندعهم يسترسلوه في غيّهم وضلالهم حتى يصلوا أقصى غاياتهم، وذلك بإدرار النعم عليهم، ومع انهماكم في الغي، حتى يفاجئهم الهلاك وهم غافلون.
إنني أُمهل هؤلاء المكذّبين وسأمد لهم في الحياة بدون اهمال، لكن أخْذي لهم سيكون شديدا، بقدر سيئاتهم الّتي كثُرت بتماديهم فيها، وفي الحدث الصحيح: «ان الله لَميلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته» رواه البخاري ومسلم عن ابي موسى الاشعري رضي الله عن هـ.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ .
كان زعماء قريش يقولون للناس: إن محمداً مجنون. . فردّ الله عليهم بقوله: او لم يتفكروا في حاله من بدءِ نشأته! إنهم يعرفونه حقا. أما كان اسمه الامين! وهم يعرفون حقيقة دعوته ايضاً، انه سليم العقل، لا جنون به، بل هو منذر لهم، ناصح ومبلّغ عن الله رسالتَه الى الناس كافة. ولو تأمل مشركو مكة في نشأته ﷺ وما عُرف عنه من الامانة والاستقامة والصدق لما نزعوا الى هذه الفِرية على رجلٍ عرفوه، ولأدركوا أن ما يأتي به من عند ربه لن يصدر عن مجنون.
لقد كذّبوا محمداً فيما يدعوهم اليه من التوحيد، ولم يتأملوا في هذا الملكوت العظيم من السماوات والأرَضِين وما فيها، مما يدل على قدرة الصانع ووحدانيته. كذلك لم يفكروا في انه قد اقترب أجلُهم، فيسارعوا الى طلب الحق قبل مفاجأة الاجل. والحقّ أنهماذا لم يؤمنوا بالقرآن فباي حديث بعده يؤمنون!!
ثم يعقب تعالى بتقرير سنّته الجارية بالهدى والضلال، وفق ما ارادته مشيئته: هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه، واضلال من يصرف قلبه عنه فيقول:
﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
وتفسير ذلك: إن من يكتب الله عليه الضلال لسوء اخياره هو يظل في بُعدِهِ عن الحق وعماه عنه، وحيرته بحيث لا يدري أين يتوجه. وليس في هذا الإهمال ظُلم لأنه جاء بعد البيان والتحذير.
стр. 592
الساعة: القيامة، ايان: متى. مرساها: وقت حصولها. يجلِّيها: يظهرها. بغتة: فجأة حفيّ عنها: عالم بها، مختم بالسؤال عنها.
بعد أن أرشد اللهُ من كانوا في عصر التنزيل الى النظر والتفكير في اقتارب اجلهم بقوله: ﴿عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ﴾ قفّى على ذلك بالإرشاد الى النظر والتفكير في أمر الساعة التي ينتهي بها أجل جميع من على هذه الارض. وقد كانت عقيدة الآخرة والحشْر وما فيها من حساب وجزاء غريبةً عن أهل الجزيرة العربية، وكانوا يعجبون من الحياة بعد الموت، ومن البعث للحساب والجزاء. لذلك كله كان التوكيد في القرآن شديداً على عقدية الآخرة.
يسألك مشركو مكة يا محمد عن الساعة والقيامة في اي وقت تكون؟ قل لهم عِلمُ وقتها عند ربي وحده، لا يكشف الخفاء عنها احد سواه، فقد ثَقُلت وعظُم هلوها، وهي لن تأتيكم الا فجأة بلا إشعار ولا انذار وهم يسألونك هذا، وكأنك عالِم بها حريصٌ مهتم بالسؤال عنها، فكرر عليهم الجواب بأن علمها عند الله، ولكن اكثر الناس لا يدركون الحقائق التي تغيب عنهم.
قل لهم أيها الرسول: إني لا أملِك لنفسي جَلْب نفعٍ ولا دفع ضرر الا ما شاء الله ان يقدِّرني عليه. ولو كنت اعلم الغيبَ كما تظنون، لاستكثرت من كلّ خير، ولدفعتُ عن نفسي كل سوء. لكن الحقّ أني لست الا نذيراً للناس أجمعين فالذين يؤمنون ينتفعون بما جئت به، ويذعنون للحق.
فالرسول ﵊ كغيره من الرسل، بشر لا يدّعي الغيب، بل إنه مأمور ان يَكِلَ الغيب الى الله، فذلك من خصائص الألويهة، أما الرسل فهم عباد مكرّمون لا يشاركون الله في صفاته ولا أفعاله، وانما اصطفاهم تبليغ رسالته لعباده، وجَعَلَهم قدوةً صالحة للناس في العمل لما جاؤا به من هدى وفضيلة.
стр. 593
ليسكن اليها: ليأنس بها ويطمئن إليها. تغشّاها: باشرها في الاتصال الجنسي، وهو من التعابير القرآنية المهذَّبة. فمَرَّت به: استمرت بالحمل ولم تُسقطه. اثقلت: حان وقت الولادة. صالحا: ولد سوياً تام الخلقة.
فيه هاتين الآيتين تمثيل لطبع الإنسان وكيف انه: إذا نزل به ما يكره، أو أراد الحصول على ما يجب- اتلجأ الى الله يتضرع، ويقطع على نفسه العهود والمواثيق ان يشكر الله ويطيعه اذا حقق له ما يريد، فاذا تمّ له ما طلب تولى مُعرِضا ولم يوفِ بالعهود والمواثيق.
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل زوجها من جنسها، وكانا يسكنان معا فلما قاربَ الذكرُ الانثى عَلِقت منه. وكان الحمل في اول عهده خفيفا لا تكاد تشعر به، فلما ثقل الجنين دعا الزوج والزوجة ربهما قائلَين: والله لئن رزقتنا ولدا سليما تام الخلقة، لنكونن من الشاكرين لنعمائك. ونالا ما طلبا، لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة، وتقربا إليها بالشكر، والله وحده هو المستحق لذلك فتعالى اللهُ يُشِركون.
وهناك بعض الروايات المأخوذة من الاسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء وهذا خلط وتخريف.
стр. 594
افتُتحتْ صورة الأعراف بدعوة القرآن إلى دين التوحيد والأمر باتّباع ما انزل الله والنهي عن اتّباع من دونَه، وتلاه التذكير بنشأة الانسان الاولى في الخلق والتكوين، والعداوة بينه وبين الشيطان، ثم اختتمت بهذه المعاني، وفيها التذكير بالنشأة الاولى والنهي عن التشِرك. والآية ههنا تتساءل:
هل يصحّ ان يشركوا مع الله أصناماً لا تقدِر أن تخلُق شيئا من الاشياء، بل هي أضعف مخلوقاته! ان الخلق والأمر لله، هو وحده يخلق كل شيء.
ولا تستطيع هذه الاصنام ان تنصر من يعبدونها، بل حتى ان تردّ الأذى عن نفسها اذا تعدى عليها احد.
وإنْ تدْعوا ايها العبادون لغير الله هذه الاصنام طالبين ان ترشدكم الى ما تحبون، فإنها لن تجيبكم. ان دعاءكم إياها وعدمه سواء، فهي لا تنفع ولا تضر، ولا تهدي ولا تهتدي. أما الرب المعبود الذي بيده كل شيء فهو الله.
ثم بالغ في الردّ عليهم واثبت أنّها أحط منزلة من الناس، ووبخهم على عبادة تلك الحجارة والاصنام، فقال:
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ. . .﴾ .
بل ان هذه الاصنام اقل منكم في الخلق والتكوين، فهل لهم ارجل يمشون بها؟ او أيدٍ يدفعون بها الضر عنكم وعنهم؟ او اعين يبصرون بها؟ او حتى آذان يسمعون بها ما تطلبون منهم؟ ليس لهم شيء من ذلك، فكيف تشركونهم مع الله؟
وهذ التحديث للمشركين ليبني جهلهم وعجز آلهتهم، وقد تحداهم في اكثر من آية ولهم عجز هذه الآلهة. من ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] .
وبعد ان تحدى المشركين وآلهتهم قال لهم: ان الله هو مولِّي أمري وناصري، الذي نزّل عليّ القرآن، وهو وحده الذي ينصر الصالحين من عباده
ثم اكّد هذا التحدي بقوله تعالى: ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ولاا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ وقد تقدم هذا في الآية ١٩٢، وجاء التكرار ليؤكد ان هذه الأصنام لن تناله بأذى وأنها أعجزُ من أن تنصر أحداً.
وبعد ذلك أضاف. . . وإن تسألوهم الهدايةَ إلى ما فيه خيركم لا يسمعوا سؤالكم، وإنّك يا محمد لتراهم ينظرون إليك، وهم في الحقيقة ولا يَرَوْن شيئا، لأنهم مجرد حجارة وتماثيل لا حياةَ فيها ولا حِسّ.
стр. 595
العفو: الذي يأتي من غيرِ كُلفة. ينزغ: يوسوس بالشر. والنزغ: وساوس الشيطان وما يحمل به الإنسانَ على المعاصي. طائفٌ من الشيطان: ما يدور في خيال المرء من وساوس. اجتبيتها: افتعلتها.
جاءت هذه التوجيهات الربانية الى الرسول الكريم وأصحابه، وهم لا يزالون في مكّة المكرمة، وفي مواجهة المشركين فيها ومواجهة الأعراب من حولهم في الجزيرة وأهل الأرض كافة.
يا محمد، خذ العفو الميسَّر الممكِنَ من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة، ولا تطلب منهم ما يشقّ عليهم، واعفُ عن أخطائم وضعفهم. ذلك ان التعامل مع النفوس البشرية بغية هدايتها يقتضي سعةَ صدرٍ، وسماحة طبعٍ، ويسراً في غير إفراطٍ ولا تفريط في دين الله، وهكذا كان رسول الله ﷺ مثال الكمال والخلق العظيم.
وامرْ يا محمد بالعُرف، وهو الخير المعروف، والعُرف اسمٌ جامعٌ لك ما عرف من طاعة الله والتقرب اليه والإحسان الى الناس.
وأعرض أيها الرسول الهادي عن الجاهلين، وهم الذين لا تُرجى هدايتهم، إذ قد يكون إهمالهم والإعراض عنهم أجدي في هدايتهم.
روي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عن هـ انه قال: «ليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه» وقال بعض العلماء: تضمنت هذه الآية قواعد الشريعة، فلم يبق حسنة الا وعتْها، ولا فضيلة الا شَرَحتها.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ان عُيَبْنَةَ بن حِصْن، وكان فيه غلظة وجفاء، قال لعمر بن الخطاب رضي الله عن هـ: هِيْ يا ابن الخطاب، أفو اللهِ ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر، حتى همّ ان يوقع به. فقال له الحُرّ بن قيس: يا امر المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه: «خُذِ العفوَ وأمرْ بالعُرف وأعرِض عن الجاهلين» وهذا من الجاهلين.
قال ابن عباس: والله ما جوزَها عمرُ حين تلاها عليه، كان وقّافاً عند كتاب الله.
وان تعرَّض لك يا محمد من الشيطان وسوسةٌ لصرفِك عما أُمرت، كأن تغضب من لجاجتهم بالشر فاستجرْ بالله يصرفه عنك، إنه سميع لكل ما يقال عليم به.
ثم بيّن الله طريق سلامةِ مَن يستعيذ من الشيطان من الوقوع في المعصيةِ فققال:
﴿إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ .
ان اخبار المؤمنين المتقين، إذا ألمَّ بهم من الشيطان وسوسةٌ تذكّروا أن ذاك من إغواء الشيطان عدوِّهم، وعند ذاك يبصرون لاحق فيرجعون عن الأخذ بتلك الوسوسة.
هذا حال المتقين أما اخوان الشياطين من الكفار، فان الشياطين تزيدهم ضلالا بالوسوسة، بذلك فهي تمدهم في غيّهم وافسادهم. ومن ثم تراهم يستمرون في شرورهم وآثامِهم.
واذا لم تأت يا محمد الكفار الذين يعاندونك بآية مما يطلبون، قالوا هلا اختلقتها؟ قل لهم: إنني لا أتّبع الا القرآن الذي يوحي اليّ من ربي، وفيه بصائر وحجج تهديكم الى وجوه الحق والخير، فهو نبع هدى يرشد، ورحمةٍ تغمر المؤمنين وتفيض عليهم البركات.
стр. 596
استمعوا له: اصغوا. انصتوا: اسكتوا. خيفة: حالة الخوف والخشية في الغدو والآصال: اوقات الصباح والمساء. يسبّحونه: ينزهونه عما لا يليق به.
لما ذكّر اللهُ مزايا القرآن الكريم، وانه بصائر تكشف وتنير وهدى يرشد ويهدي، ورحمة تغمر وتفيض- امر في هذه الآية بالاستماع والانصات له، لتدبُّرِ ما فيه من ذلك. فنذوه إلى أنه:
اذا تُلي القرآن عليكم ايها المؤمنون فأصغوا اليه بأسماعكم، واستجمِعوا حواسكم لتتدبروا مواعظه، وتفوزوا برحمة ربكم.
وبعد أن جاء الأمر بهذا العلاج فيه يختص بالمعاملة، وفيما يختص بقراءة القرآن، يأتي الأمر والتوجيه الى مَلاك الأمر كله وهو ذِكر الله في القلب بعظَمته وجلاله رجاءَ الثواب، على ان يكون ذلك بهدوء واطمئنان لا ازعاج فيه، كيما تهدأ الاعصاب ويسبح الفكر في معاني الجلال والجمال، كما يرشد الى ان يكون ذلك شأن المؤمن في كل وقت.
﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول بالغدو والآصال وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين﴾ .
استحضِرْ عظَمة ربك من مشاهداتك في كونه الذي خلق، وفي آثاره العظيمة فيه، وانعاماته المادية والروحية عليك، فتعرَّف من كل هذا على ربوبيته بالتقرب اليه والخضوع له والخوف منه. واذكر ربّك هادئ النفس مطمئن البال في لاصباح وفي المساء تَنغمر نفسك بقيض من الرضا الرّباني، يبعث منك واليك الخير كله، وتكون في مراقبة دائمة وشهود مستمر، بذلك لا تكون في عامة اوقاتك من الغافلين عن ذكر الله.
ثم تختم السورة بالارشاد الى ان الملائكة مع عظيم شرفهم وسمو مرتبتهم معترفون بعوديتهم، خاضعون عزّ الربوبية، لا يخالجهم في عبادتهم كِبر، وهم دائما يسبّحون الله وله يسجدون. فما احوج الانسان وقد ركّبت فيه مبادئ الشهوة والغضب ان يتخذ الى ربه سبيلا، فيعبد بحق.
وهذه الآية إحدلا الآيات التي طُلب الى المؤمنين ان يسجُدوا عند تلاوتها او سماعها، وهي اربع عشرة آية في القرآن الكريم.
وهذه هي السجدة المعرفوة بسجدة التلاوة: وهي سجدة بين تكبيرتين: تكبيرة لوضع الجبهة على الأرض، وأخرى للرفع من السجود، دون تشهد ولا تسليم. ويشترط لها ما يشترط لصلاة م الطهارة والنية واستقبال القبلة.
والحكمة في هذه السجدة انها نوع من التربية العملية الروحية في اعلان التمسك بالحق والاعراض عن الباطل، ومراغمة المبطلين، والسير في طريق المثل العليا للذين حمَّلهم الله امانة الحق والدعوة اليه. وبذلك كانت سجدة الثلاوةو شعارا عاما للمؤمنين في اعلان تقديسهم عبادتهم، وشدتهم في مخلافة البالطل كلَّما قرأوا القرآن أو سموه جعلّنا الله من المسبحين بحمده، الساجدين له، المقتدين بانبيائه، المتشبيهن بالملأ الأعلى، انه سميع مجيب.
стр. 597
الانفال: جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة. ذات بينكم: فيما بينكم. وجلت قلوبم: فزت وخافت.
خرج النبي ﷺ من مكة مهاجراً الى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله، وليكون للمسلمين دولة. وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والانصار، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء، ليكلا يُفتَن أهلُ الايمان. فكانت غزوة بدر، وكان فيها النصر المبين والغنائم. وكان وراء الغنائم فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع الى المادة، وهو من اكبر اسباب الفشل.
فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية ان يتلقى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم.
يسألونك أيها الرسول عن الغنائم. لمن هي؟ وكيف تقسم، أللشُبّان أم للشيوخ؟ أو للمهاجرين هي، أم للانصار؟ ام لهم جميعا؟ .
قل لهم أيها الرسول:
إنها لله والرسول، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها، فاتركوا الاختلاف بشأنها، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم، وأصلحوا ما بينكمن فاجعلواالصلاة بينكم محبة وعدلا. هذه صفةُ أهل الايمان.
ثم وصف الله تعالى المؤمنين المخلصين في ايمانهم بأنهم هم الذين اجتمعت فيهم خصالٌ خمس: (١) ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الذين اذا ذكَروا الله بقلوبهم فزِعوا لعظمته وسلطانه، وامتلأت قلوبهم هيبة.
(٢) ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وكلّما تليت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخا، وازداودا إعاناً وعلما.
(٣) ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ولا يعتمدون الا على الله الذي خلَقَهم، ولا يفوّضون أمرهم الى سواه. ومعنى التوكل: ان نسعى للعمل كما أمرنا الله راجين منه التوفيق في سعينا مؤمنين بان العمل شرط أساسيُّ للتوكل.
(٤) ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ واولئك المؤمنون الصادقون في ايمانهم، يؤدون الصلاة مستوفية الاركان، كاملة الخشوع والخضوع، وبهذا تحصل ثمرة الصلاةالتي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
(٥) ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وينفقون بعض ما رزقناهم من المال في الجهاد والبِرِّ ومعاونة الضعفاء، وفي مصالح الأمة ومرافعها العامة.
﴿أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً. . .﴾ هؤلاء، هم الذين يوصفون بالامان حقا وصدقا. ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله، وهو الذي يمنحهم رضاه، ويغفر لهم سيئاتِهم، ويرزقهم رزقاً طيباً كريما في الحياة الدنيا، ونعيماً دائماً في الآخرة.
стр. 598
الشوكة: القوة والبأس، والسلاح، ومعنى ذات الشوكة: الطائفة المسلّحة القوية. احدى الطائفتين: الأولى هي الطائفة التي جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان ومعها العِير وفيها اموال قريش. والثانية: قريش وقد خرجت بصناديِدها ورجالها المسلّحين ليحموا العير. دابر الكافرين: آخرهم ليحق الحق: ليعزّ الإسلام ويبطل الباطل: يزيل الشرك والكفر.
الكلام هنا عن غزوة بدر التي كانت أول فوزٍ للمؤمنين وخذلانٍ للمشركين. وملخص القصة: ان رسول الله ﷺ سمع أن أبا سفيانَ رجع من الشام يقود قافلةً ضخمة فيها معظم اموال قريش وتجارتها. فأخبر أصحابه ونَدَبَهم الى الخروج ليصادروا هذه القافلة لكن البعض تثاقل وكره الخروج وخرج الرسول في ثلاثمائة رجل ونيف، ولم يعلموا انهم مقبلون على واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ.
وعِلم أبو سفيان بخروج الرسول وأصحابه فبعث الى قريش يطلب النجدة. ولم يبق أحد قادر على حمل السلاح في مكة إلا خرج. اما ابو سفيان فحوّل طريقه الى ساحل البحر ونجا، وبعث الى قريش يخبرهم بذلك ليرجعوا. فأبى أبو جهل وسار بالقوم الى بدر. فشاور النبي ﷺ اصحابه وقال لهم: ان الله وعَدَني إحدى الطائفتين، فوافقوه على القتال، وكره ذلك بعضهم وقالوا: لم نستعدَّ له، لكنهم ساروا وأجمعوا على لقاء قريش وكانت المعركة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة وقد انتصر المسلمون انتصراً عظيما، فقتلوا من قريش سبعين رجلا، وأسروا سبعين، وفر الباقون، واستُشهد من المسلمين اربعة عشر رجلا فقط. وكانت هذه المعركة أول نصر للمسلمين، فبدأ ينحاز كثير من العرب الى جانبهم بعد ذلك.
﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾ .
إن حال المؤمنين في خلافهم حول الغنائم مثل حالهم عند ما أمرك اللهُ بالخروج من المدنية لقتال المشركين ببَدْر.
يومئذٍ كانوا يجادلونك ايها لارسلو في لقاء قريش وقتالهم مع ان هذا اللقاء والقتال مع ان هذا اللقاء والقتال حق وخير. ولقد آثروا لقاء العِير لأن فيها الأموال، ولأن حراسها قليلون. لكن الحق تبيَّنَ بحيث لم يبقَ للجدل فيه وجه كما يقول تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ وكانوا في ذهابهم الى القتال كالذي يُساق الى الموت وهو ينظر أسبابه ويعاينُها. وهذه صورة يرسمها القرآن لشدَّة خوفهم من قريش، لأنها أكثرُ عددا، وأقوى عدة.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين. . . الآية﴾ اذكروا أيها المؤمنون اذ يَعِدكم الله ان ينصركم على احدى الطائفتين، قريش وفرسانها، أو العِير وما فيها من أموال. انتم تودّون أن تَلقوا الطائفة التي فيها المال، لكنّ الله تعالى يريدكم ان تلقوا قريشاً وينصركم عليهم، ليثبت الحقُّ بإرادته ويُعز الإسلام ويُظهره على الدِّين كلّه، وليقطع دابر الكافرين بعد ان يزيل الباطل، وهو الشِرك، لقد أردتم أنتم حطام الدنيا الزائل، واراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم، كيما يحقِّق لكم وعدَه بالنصر. هذا أفضلُ لكن وللاسلامن وفيه العزة والكرامة، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام الدنيا الزائل، واراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم، كيما يحقِّق لكم وعدّه بالنصر هذا أفضلُ لكم وللاسلام، وفيه العزة والكرامة، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام.
стр. 599
مردفين: متتابعين، وأردفه اركبه خلفه. وأردف: تتابع يغشيكم النعاس: يغلبكم رجز الشيطان: وسوسته، وله معان اخرى كالذنب، وعبادة الاوثان. ليربط على قلوبكم: ليثبتها ويصبرها. فوق الاعناق: الرؤوس، والبنان: اطراف الاصابع. مفرده: بنانة. شاقّوا الله: عادوه.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ. . . .﴾ روى ابن جرير عن عبد الله بن عباس رضي الله عن هـ قال: حدثني عمر بن الخطّاب رضي اله عنه قال: لما كان يومُ بدرٍ نظر النبي ﷺ الى اصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر الى المشركين فإذا هم ألفٌ او يزيدون، فاستقلَ القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه: اللهمّ أنجِزْ لي ما وعدتني، اللهم إن تهلَك هذه العصابةُ لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط راداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه لعى منكبيه ثم التزمخ من وارئه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربَّك فإن سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ. . . الآية﴾ .
اذكروا وقتَ استغاثتكمن ربَّكم، فأجاب الله دعاءكم، وأمدكم بألف من الملائكة متتابعين. وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد بالملائكة إلا بِشارةً لكم بالنصر، لتطمئنّوا وتُقْدِموا، وما النصر الا من عند الله دون غيره من الملائكة او سواهم، وقد تقدمت هذه الآية في سورة آل عمران ١٢٦.
قراءات:
قرأ ابو عمرو: «فاستجبا لكم إنّي ممدكم» بكسر همزة إنَّ والباقون «أَنّي» بفتح الهمزة وقرأ نافع ويعقوب: «مُرْدَفين» بفتح الدال. والباقون «مردفين» «بكسر الدال» .
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً. . . .﴾ اذكروا ايها المؤمنون، وقتَ أن خفتم من قلة الماء، ومن الأعداء، فوهبكم الله الأمن وداهمكم النعاسُ فنمتم آمنين. وعند ذاك انزل الماءَ من السماء لتطَّهَّروا به ولتذهبوا وساوس الشيطان عنكم، وتثبت قلبوكم واثقة بعون اللهن ولتتماسك به الأرض فتثُبت منكم الاقدام.
قراءات:
قرأ ابن كثير وابو عمرو: «يغاشكم النعاسُ» بضم السين.
فقد أنزل الله في تلك الليلة مطرا طهَّركم به وأذهب عنكم رجس الشيطان، ووطَّأ به الارضَ وصلُب الرمل، وثبتت الأقدام. وقد سبق رسول الله واصحابه الى الماء فنزلوا عليه وصنعوا الحِياض ثم عوَّروا ما عداها، وبذلك تمكّنوا من الشرب والأعاداء عِكاش. وتفصل ذلك في كمتب السيرة والحديث.
كذلك اذكروا أيها المؤمنون أن الله أوصى الملائكة أن تودِع في نفوسكم أن الله معكم بالتأييد والنصر، قائلا لهم: ثبِّتوا الذين آموا، قوُّوا قلوبهم. . وسأجعل الرعب يستولي على قلوب المشركين، فاضربوا رؤوسهم التي فوق اعناقهم، وقطِّعوا ايديهم التي يحملون بها السيوف.
﴿ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار﴾ ان هذا هو العقاب الذي عجَّلتُ لكم به ايها الكافرون من هزيمة وخِزي وذلّ امام فئة قليلة العَدد والعُدد من المسلمين، فذوقوه في الدنيا عاجلا، واعلموا ان لكم في الآخرة عذاب النار.
стр. 600
زحفا: مشياً بثقل في الحركة. زحف الجيش الى العدو مشى اليهم في نقل كأنه جسم واحد الأدبار: واحدها دُبر مؤخرة الانسان، يراد بها الهزيمة. متحرفا لقتال: منحرفا الى جانب آخر. متحيزا الى فئة: منضمّا اليهم. مأواه جهنم: مصيره اليها. موهن كيد الكافرين: مضعف كيدهم وتدبيرهم.
يا ايها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا في الميدان وهم زاحفون عليكم بكثرتهم فلا تقرّوا منهم، إلا أن يكون ذلك مكيدَة حرب، وحيث تختارون موقعاً أحسن، او تدبّرون خطة، او يكون ذلك التحيز انضماماً إلى فئمة أخرى من المسلمين، لتعاودوا القتال. ان من تولّي منكم وانهزم من وجه العدو يغضب الله عليه، ومصيره الى النار.
والتولِّي يوم الزحف كبيرةٌ من السبع الموبقات، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عن هـ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنِبوا السبعَ الموبقات، قيل يا رسول الله وما هنّ؟ قالك الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق، وأكلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يومَ الزحف، وقذف المحصنَات الغافلات المؤمنات» .
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ . إذا كنتم ايها المؤمنون قد انتصرتم عليهم وقتلتموهم، فانكم لم تفعلوا ذلك بقوتكم، بل إن الله هو الذي نصركم عليهم بتأييده لكم والقاء الرعب في قلوبهم، وما رميتَ أيها الرسول اذ كمت ترمي التراب والحصا في وجوههم، ولكن الله تعالى هو الذي رمى فافزعهم.
﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلااء حَسَناً﴾ والله قد فعل ما ذكر ليبلي المؤمنين بالشدة، ليظهر اخلاصهم، ويُنعم عليهم بالنصر والغنيمة، وليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه.
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم.
﴿ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين﴾ ذلك هو النصر العظيم، وان الله مضعف بأسَ الكفارين وتدبيرهم بنصركم وخذلانهم. وهذه بشارة أخرى مع ما حل من النصر، فانه أعلمَهم بانه مضعفٌ كيدَ الكافرين فيما يُستَقْبل من الأيام.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر «مُوهِنٌ كيدَ الكافرين» بالتنوين ونصب كيد، وقرأ ابو عمرو وابن كثير ونافع: «مُوَهّنٌ كيد» بتشديد الهاء. وقرأ حفص: «مُوهِن كيد» بالاضافة وهي قراءة المصحف. وقرأ نافع وابن عامر وحفص «وأنَّ» بفتح الهمزة والباقون بكسرها.
﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ يتجه الخطاب هنا الى الكافرين فقد قال أبو جهل: «اللهُمَّ أيُّنا كانَ اقطع للرحم، وآتى بما لا يعرف فأَحْنِهِ الغداة» ويعني بذلك الرسول الكريم، وقوله: «كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد» ومعنى أحْنِهِ أَمِتْهُ. يعني اجعله ينحني ويسقط على الأرض.
إن تستفتحوا فتطلبوا من الله ان يفتح بينكم، وبين المسلمين، وأن يُهلك أضلَّ الفريقين وأقطعَهُا للرحم فقد استجاب الله، فجعل النصر للمسلمين، والهزيمة عليكم.
﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وعلى ضوء هذه الحقيقة، يرغِّبهم الله في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر ومحاربة الله ورسوله وان تعودوا للاعتداء نعدْ عليكم بالهزيمة.
﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ لن تغنَي عنكم جماعتكم المجتمعة على الإثم شيئا، ولو كان عددها كثيرا، وماذا تفعل الكثرة اذا كان الله في جانب المؤمنين!
﴿أَنَّ الله مَعَ المؤمنين﴾ اذا صدقوا وأخلصوا لله وللرسول، وقاموا بواجبهم، ونصروا الله ورسوله.
следующие страницы →