Полный текст (89 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ومن محاسنه الأمر باتباع جنازته، لما في ذلك من الدعاء والترحم عليه، والصلاة عليه، وجبر خواطر أهله المؤمنين.
ومن محاسن الإسلام تشميت العاطس، وإبرار المقسم، لما في ذلك من التآلف والتأخي، والدعاء لأخيك بالرحمة، ولما في إبرار القسم من جبر خاطره، وإجابة طلبه، ما لم يكن فيه شيء من مخالفة الشرع.
ومن محاسنه إجابة دعوته، ولا سيما إذا كان لعرس، ولم يكن فيها ما يخالف الشريعة، أو يخل بالمروءة والإنسانية كما تراه اليوم عند بعض الناس من الملاهي والمنكرات، لأن في حضوره والحالة هذه تشجيع للفسقة وأهل المجون، وإعانة على نشر المعاصي، وعدم المبالاة فيها.
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه حرم على المسلم ترويع أخيه المسلم، إما بإخباره بخبر يفزعه، أو يشير إليه بسلاح، أو نحو ذلك.
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه نهى عن
стр. 37
تشبه الرجال بالنساء، وبالعكس بأن تتشبه النساء بالرجال، لما في ذلك من المفاسد، التي منها التخنث فيمن يتشبه بهن، في ملابسهن وحركاتهن وكلامهن، كما هو موجود عند بعض المنحلين، المغرورين أصحاب الخنافس والتواليتات محلوقي اللحا.
ومن محاسن الإسلام اتقاء مواضع التهم والريب، كي يصون ألسنة الناس وقلوبهم عن سوء الظن بهن وورد أن صفية زوج النبي ﷺ جاءت تزوره وهو معتكف، فقام معها مودعًا، حتى بلغت باب المسجد، فرآه رجلان من الأنصار، فسلما عليه، فقال "على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي" فقالا: سبحان الله يا رسول الله؟ وكبر عليهما، فقال النبي ﷺ "إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا" فهذا أشرف الخلق وأزكاهم، أبعد التهمة والشك عن نفسهن وقال عمر ﵁: من أقام نفسه مقام التهم، فلا يلومن من أساء به الظن، ومر عمر برجل يكلم امرأته على ظهر الطريق،
стр. 38
فعلاه وضربه بالدرة، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إنها امرأتي. فقال عمر: هلا كلمتها حيث لا يراك أحد من الناس.
فالإسلام من محاسنه الابتعاد عن مواضع التهم والشبهات، فكيف لو رأى من تدخل على الخياط، يفصل على بدنها وحده، خاليًا بها، أو رأى من تدخل على المصور وحدها، أو رأى من تركب مع من ليس محرمًا لها، أو سافرت مسلمة إلى بلاد الكفر بدون محرم، أو دخلت على الدكتور وحدها باسم الكشف الطبي، أو نحو ذلك، مما حدث في زمننا الذي كثرت فيه الفتن، وقل فيه الأمر والنهي، وردع أهل الشر والفساد الذين قويت شوكتهم، وساند بعضهم بعضا عكس ما عليه أهل الخير والصلاح، من التفكك والتخاذل والمصانعات، فالله المستعان.
أيا علماء الدين مالي أراكم … تغاضيتم عن منكرات الأوامر
أما الأمر بالمعروف والنهي فرضكم … فأعرضتم عن ذاك إعراض هاجر
стр. 39
أما أخذ الميثاق ربي عليكم … بأن تنصحوا بالحق أهل المناكر
فإن هم عصوكم فاهجروهم وهاجروا … تنالوا بنصر الدين أجر المهاجر
إذا كان هذا حال قاضٍ وعالم … وحال وزيرٍ أو أميرٍ مظاهر
ولم تنتهوا عن غيكم فترقبوا … صواعق قهار وسطوة قاهر
فما الله عما تعملون بغافلٍ … ولكنه يملي لطاغٍ وفاجر
وقد أرسل الآيات منه مخوفًا … ولكن غفلتم عن سماع الزواجر
أجيبوا عباد الله صوت مناصحٍ … دعاكم بصوت ماله من مناصر
وقوموا سراعًا نحو نصرة دينكم … إذا رمتم في الحشر غفران غافر
وحسن ختام النظم أزكى صلاتنا … على المصطفى والآل أهل المفاخر
стр. 40
اللهم بارك في أسماعنا وأبصارنا ونور قلوبنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بظن واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
"فصل"
ومن محاسن الإسلام أن الإنسان إذا ابتلي بشرير من الأشرار، أو فاجر من الفجار، أو محب للإجرام، ينبغي أن يحذره ويبتعد عن شره، ويداريه ويتجنبه ما أمكن، قال أبو الدرداء: إنا لنبش في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتعلنهم، ومعنى هذا مداراة الأشرار الذين لا تقدر على درعهم، والإنكار عليهم، لخوفك من شرهم وأذيتهم، وإجرامهم وتنكر بقلبك.
ومن محاسن الإسلام الأمر بإصلاح ذات البين، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة متظاهرة.
стр. 41
ومن محاسنه الأمر بستر عورات المسلمين، وعيوبهم ونقائصهم، قال ﷺ "ومن ستر مسلمًا ستره الله" وقال ﷺ "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم" الحديث وتقدم.
ومن محاسن الإسلام إدخال السرور على قلب المسلم، ومساعدة المحتاج، قال ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال "ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته".
ومن محاسن الإسلام توقير المسلم، ولا سيما ذي الشيبة، ورحمة الصيبان، قال ﷺ "ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا" وقال ﷺ "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم" الحديث.
ومن محاسن الإسلام النهي عن الفحش، وبذاءة اللسان، قال ﷺ "ليس
стр. 42
المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذي".
ومن محاسن الإسلام النهي عن التكلم سرًا بين اثنين، مع وجود ثالث، من أجل أن ذلك يحزن الثالث، فيظن أنهم يتناجون به، فهذا ينافي الأدب، وكذلك ليس من الأدب أن تتحدث بلغة أجنبية، إذا كان هناك من لا يعرفها، قال ﷺ "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أ، ذلك يحزنه".
ومن محاسن الدين الإسلامي أن لا يتدخل الإنسان فيما لا يعنيه، وهذه من جوامع كلمه ﷺ ، كما في الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" أخذه بعضهم وصاغه بعبارة: (ابحث عن عملك الخاص). ولو تتبع المسلمون إرشادات نبيهم، ونصائحه ﷺ ، لاستراحوا وأراحوا غيرهم، ولو تتبعت أكثر المشاكل، والمنازعات والمخاصمات والمجادلات، لوجدت سببها الوحيد التدخل فيما لا يعني.
стр. 43
ومن محاسن الدين الإسلامي النهي والتحذير عن الجلوس في الطرقات، لما في ذلك من التعرض لما لا ينبغي، ولما يلزم الإنسان القيام به وربما لم يقم به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصر المظلوم، وردع الظالم، وذلك نصره، واعانة المسلم، وغض البصر، ورد السلام، وكف الأذى.
ومن محاسن الدين الإسلامي أن من استعاذنا بالله علينا أن نعيذه، وأن من سألنا بالله نعطيه، ونكافئ من صنع إلينا معروفًا إن استطعنا، فإن لم نستطع ندعو له أن يجزيه الله جزاءً حسنًا، على ما أسداه إلينا من المعروف، عملًا بالحديث "من استعاذكم بالله فأعيذوه" الحديث والله أعلم وصلى الله على محمدٍ وآله وسلم.
(فصل)
ومن محاسن الدين الإسلامي أن تنصف من نفسك، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتضع نفسك موضع إخوانك المسلمين، وتعاملهم المعاملة التي تحب أن يعاملوك بها، وتؤدي حقوقهم، قال
стр. 44
ﷺ "لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال، الإنفاق من الاقتار، والانصاف من نفسه، وبذل السلام" وقال تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وقال ﷺ "طعام الاثنين يكفي الثلاثة" إلى آخر الحديث، وفي الحديث الآخر "ومن كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له" فذكر من أصناف المال ما ذكر، قال أبو سعيد: حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. رواه مسلم.
ومن محاسن الإسلام، وأخلاقه السامية، أن يصون الإنسان عرض أخيه المسلم، ونفسه وماله، من ظلم أصابه بقدر استطاعته، ويرد عنه الظلم والعدوان، ويدافع ويناضل عنه حسب قدرته، فروى أبو الدرداء ﵁ أن رجلًا نال من رجل عند رسول الله ﷺ ، فرد عنه رجل، فقال النبي ﷺ "من رد عن عرض أخيه، كان له حجابًا من النار" وورد عنه صلى الله عليه
стр. 45
وسلم أنه قال "من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" رواه الترمذي.
ومن محاسن الإسلام الأمر بالتوسط بين البخل والاسراف، قال تعالى ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ وقال ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
ومن محاسن الإسلام الحث على الصبر بأنواعه الثلاثة، الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
ومن محاسن الإسلام العطف على الضعفاء، والشفقة على الفقراء، والرأفة باليتامى، والخدم والعبيد والاماء، والإحسان إليهم، ودفع الأذى عنهم، وحسن معاملتهم والتواضع معهم، وملاطفتهم وخفض الجناح لهم، ولين الجانب معهم، قال تعالى لرسوله ﷺ ﴿وَاخْفِضْ
стр. 46
جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وقال ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ وقال ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وقال ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ وقال ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ الآية.
فصل
ومن محاسن الدين الإسلامي الرأفة والرحمة والشفقة، لا القسوة والغلظة والتعذيب، حتى في حق الحيوانات البهيمية، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" متفق عليه.
وروى الشيخان وغيرهما مرفوعًا "أن رجلًا دنا
стр. 47
من بئرٍ فنزل وشرب منها، وعلى البئر كلب يلهث من العطش، فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه، فشكر الله له ذلك فأدخله الجنة".
وروى مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ مر على حمار قد وسم في وهه فقال "لعن الله الذي وسمه".
شعرا:
أنا العبد الذي كسب الذنوبا … وصدته الأماني أن يتوبا
أنا العبد الذي أضحي حزينا … على زلاته قلقا كئيبا
أن العبد الذي سطرت عليه … صحائف لم يخف فيها الرقيبا
أن العبد المسيء عصيت سرا … فما لي الآن لا أبدى النحيبا
أنا العبد المفرط ضاع عمري … فلم أرع الشيبة والمشيبا
стр. 48
أنا العبد الغريق بلج بحرٍ … أصيح لربما ألقى مجيبا
أنا العبد السقيم من الخطايا … وقد أقبلت التمس الطبيبا
أنا العبد المخلف عن أناس … حووا من كل معروفٍ نصيبا
أنا العبد الشريد ظلمت نفسي … وقد وافيت بابكم منيبا
أنا العبد الفقير مددت كفى … إليكم فادفعوا عني الخطوبا
أنا الغدار كم عاهدت عهدًا … وكنت على الوفاء به كذوبا
أنا المقطوع فارحمني وصلني … ويسر منك لي فرجًا قريبا
أنا المضطر أرجو منك عفوًا … ومن يرجو رضاك فلن يخيبا
فيا أسفى على عمر تقضي … ولم أكسب به إلا الذنوبا
стр. 49
وأحذر أن يعاجلني ممات … يحير هول مصرعه اللبيبا
ويا حزناه من حشري ونشري … بيوم يجعل الولدان شيبا
تفطرت السماء به ومارت … وأصبحت الجبال به كثيبا
إذا ما قمت حيرانًا ظميئًا … حسير الطرف عريانًا سليبا
ويا خجلاه من قبح اكتسابي … إذا ما أبدت الصحف العيوبا
وذلة موقف وحساب عدل … أكون به على نفسي حسيبا
ويا حذراه من نار تلظى … إذا زفرت وأقلقت القلوبا
تكاد إذا بدت تنشق غيظًا … على من كان ظلاما مريبا
فيا من مد في كسب الخطايا … خطاه أما يأني لك أن تتوبا
стр. 50
ألا فاقلع وتب واجهد فإنا … رأينا كل مجتهد مصيبا
وأقبل صادقًا في العزم واقصد … جنابًا للمنيب له رحيبا
وكن للصالحين أخًا وخلا … وكن في هذه الدنيا غريبا
وكن عن كل فاحشة جبانًا … وكن في الخير مقدامًا نجيبا
ولاحظ زينة الدنيا ببغض … تكن عبدًا إلى المولى حبيبا
فمن يخبر زخارفها يجدها … مخالبةً لطالبها خلوبا
وغض عن المحارم منك طرفًا … طموحًا يفتن الرجل الأريبا
فخائنة العيون كأسد غابٍ … إذا ما أهملت وثبت وثوبا
ومن يغضض فضول الطرف عنها … يجد في قلبه روحًا وطيبا
стр. 51
ولا تطلق لسانك في كلام … يجر عليك أحقادًا وحوبا
ولا يبرح لسانك كل وقتٍ … بذكر الله ريانًا رطيبا
وصل إذا الدجى أرخى سدولا … ولا تضجر به وتكن هيوبا
تجد أنسًا إذا أودعت قبرًا … وفارقت المعاشر والنسيبا
وصم ما تستطيع تجده ريًا … إذا ما قمت ظمآنا سغيبا
وكن متصدقا سرًا وجهرًا … ولا تبخل وكن سمحًا وهوبا
تجد ما قدمته يداك ظلًا … إذا ما اشتد بالناس الكروبا
وكن حسن السجايا وذا حياءٍ … طليق الوجه لاشكسًا غضوبا
اللهم وفقنا توفيقا يقينا عن معاصيك، وأرشدنا برشدك إلى السعي فيما يرضيك، وأجرنا
стр. 52
يا مولانا من خزيك وعذابك، وهب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبابك، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
"فصل"
ومن محاسن الإسلام مراعاة الحكمة، وذلك أن نضع كل إنسان من المؤمنين في منزلته، ونراعي كرامته وشعوره، ونجعله في المكان الذي يليق به.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "أنزلوا الناس منازلهم" رواه أبو داود، وروى أن عائشة ﵂ كانت مسافرةً، فنزلت منزلًا تستريح فيه، وتتناول طعامها، فجاء سائل فقير، فقالت: ادعوه إلى الطعام. فقيل لها: لماذا تعطين المسكين قرصًا، وتدعين هذا الغني إلى الطعام، فأجابت إن الله تعالى أنزل الناس
стр. 53
منازل، لا بد لنا أن ننزلهم تلك المنازل، هذا المسكين يرضى بقرصٍ، وقبيح بنا أن نعطي هذا الغني-وهو على هذه الهيئة-قرصا، فرحمها الله ما أحسن هذا من جواب ردٍ، دل على الحكمة، وحسن الذوق، ونبل الخلق، وكرم المعاملة، والاقتداء التام بإرشادات الله ورسوله ﷺ .
وروى أن رسول الله ﷺ دخل بيتًا من بيوته، فدخل عليه أصحابه، حتى امتلأ المجلس، فجاء جرير ابن عبد الله البجلي، فلم يجد مكانًا، فقعد على الباب، فلف رسول الله ﷺ رداءه، وقدمه له ليجلس عليه، وقال له "اجلس على هذا" فأخذ جرير الرداء، ووضعه على وجهه، وجعل يقبله ويبكى، متأثرًا من إكرام النبي ﷺ له، ثم لفه ورده إلى النبي ﷺ شاكرًا مقدرًا، وقال: ما كنت لأجلس على ثوبك يا رسول الله أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني، فنظر المصطفى صلى الله
стр. 54
عليه وسلم يمينًا وشمالًا، ثم قال "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه".
فانظر إلى هذه المعاملة الجميلة، تجد المثل الكامل في معاملة الرسول له، حيث راعي شعور جرير وأكرمه، وكيف تأثر جرير بهذه المعاملة الكريمة النبيلة اللطيفة.
ومن محاسن الإسلام أنه أثبت للزوجات على الأزواج حقوقًا، مثل الحقوق التي للرجال بالمعروف، وحسن العشرة، وترك الإضرار، وجعل (للرجال عليهن درجة) أي في الفضيلة في الخلق والمنزلة، وطاعة الأمر، والانفاق، وأداء المهر، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة.
ومن محاسن الإسلام أن المرأة عند بعض العرب في الجاهلية تعد جزأ من ثروة أبيها أو زوجها، وكان ابن الرجل يرث أرملة أبيه بعد وفاتها، وكان العرب قبل الإسلام يرثون النساء كرهًا، بأن يأتي الوارث ويلقى ثوبه على زوجة أبيه، ثم يقول ورثتها
стр. 55
كما ورثت مال أبي، فإذا أراد أن يتزوجها تزوجها بدون مهرٍ، أو زوجها لأحدٍ عنده وتسلم مهرها ممن يتزوجها، أو حرم عليها أن تتزوج كي يرثها، فمنعت الشريعة الإسلامية هذا الظلم وهذا الإرث، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وكان العرب في الجاهلية يمنعون النساء من الزواج، فالابن الوارث كان يمنع زوجة أبيه من التزوج، كي تعطيه ما أخذته من ميراث أبيه، والأب يمنع ابنته من التزوج حتى تترك له ما تملكه، والرجل يطلق زوجته ويمنعها من الزواج، حتى يأخذ منها ما يشاء، والزوج المبغض لزوجته يسيء عشرتها، ويمللها، ولا يطلقها حتى ترد إليه مهرها، فالعرب قبل الإسلام يظلمون المرأة، ويتحكمون فيها، قال تعالى ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وكانوا لا يعدلون بين النساء، في النفقة والكسوة والمعاشرة، فأمر الإسلام بالعدالة بينهن، قال تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وقال ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وقال ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ
стр. 56
مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وقال في ناحية الدين ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي ناحية الأهلية والملك قال تعالى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
وحسب الإسلام ما كفل للمرأة من مساواة دينية، ومن مساواة في التملك والكسب، وما حقق لها من ضمانات في الزواج، بإذنها ورضاها دون إكراه ولا إهمال، قال ﷺ "لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، وإذنها الصموت" وفي مهرها قال ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
ومن محاسن الإسلام أن العرب قبل الإسلام يئدون البنات، ويدفنونهن وهن على قيد الحياة، خوفًا من العار، يهل على ابنته التراب حتى تموت،
стр. 57
فجاء الإسلام وحرم وأدهن وقتلهن، تحريمًا قاطعًا، ومنحهن الحق في الحياة، وبهذا أنصف الإسلام المرأة كل الانصاف، وحافظ على حياتها وحقوقها الإنسانية.
اللهم أعذنا من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال وشماتة الأعداء واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ومن محاسن الإسلام أبطال الكهانة وتحريمها، وتحريم زجر الطير، وتحريم الميسر، وهو نوع من القمار، ومنها الأزلام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
ومنها رمي البعرة، كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها دخلت حشفًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا، حتى تمضي عليها سنة، ثم تؤتى
стр. 58
بدابةٍ، حمار أو طير أو شاةٍ فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج بعد ذلك، فتعطي بعرةً، فترمى بها، ثم تراجع ما شاءت.
ومنها قتل الأولاد خشية الفقر، فكان الرجل يقتل ولده خشية أن يطعم معه إلى أن نهى الله عن ذلك بقوله ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه حول الوثنيين والمشركين والكفار إلى مؤمنين صالحين، أتقياء زهادًا ورعين، يخافون الله، ويعبدونه وحده لا شريك له، ويقفون بجانب الحق، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
ومن محاسن الإسلام تحريم الغدر، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقول تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾؟ وورد عنه ﷺ أنه قال "لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان" وقال "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا"
стр. 59
وعد منها "وإذا عاهد غدر" وقال "يقول الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر" الحديث رواه البخاري.
ومن محاسن الدين الإسلامي الحث على العمل، وكسب الرزق، وترك الكسل، وسؤال الناس إلا عند الضرورة، فالإسلام دين سعي وعمل واجتهاد، لا دين كسل وعجز وتوانٍ، دين يحافظ على العزة الإنسانية، والكرامة الشخصية، قال تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وقال ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ويحث على الجمع بين العمل للدين والدنيا، فيقول جل وعلا ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ويقول ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
ومن محاسن الإسلام القصد في الطعام والشراب، قال الله جل وعلا ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وعن المقداد بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ "ما ملأ ابن آدم وعاء
стр. 60
شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" أخرجه الترمذي وابن ماجه.
ومن محاسن الإسلام النهي عن المماطلة في الحقوق، قال ﷺ "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" رواه البخاري ومسلم.
ومن محاسن الدين الإسلامي الأمر بإنظار المعسر، قال تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا، قال لفتيانه: تجاووزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" رواه البخاري، وقال ﷺ "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة".
ومن محاسن الإسلام النهي عن الرشوة، عن أبي هريرة ﵁، قال قال رسول الله ﷺ "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" رواه الترمذي، وورد "لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما".
стр. 61
ومن محاسن الدين الإسلامي الحث على إقالة النادم، لما في ذلك من الإحسان، والمعروف وجبر خاطره، ففي الحديث "من أقال مسلمًا أقال الله عثرته" وفي رواية "من أقال نادمًا، أقاله الله يوم القيامة وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(فصل)
ومن محاسن الدين الإسلامي، بذل النصيحة للهن ولكتابه ولرسوله، وللأئمة المسلمين، وعامتهم فالنصيحة لله الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الألحاد في أسمائه وصفاته، ووصفه بأوصاف الكمال، وتنزيهه عن النقائص والعيوب، وطاعة أمره واجتناب نهيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وغير ذلك مما يجب له، وأما النصيحة لكتاب الله، فالإيمان به بأنه كلام الله، منزل غير مخلوق، وتحليل ما حلله، وتحريم ما حرمه، والاهتداء بهديه والتدبر لمعانيه، والقيام بحقوقه، والاتعاظ بمواعظه، والاعتبار بزواجره، وأما النصيحة لرسول الله ﷺ ، فتصديقه فيما جاء به، ومحبته، وتقديمه فيها على النفس والمال والولد،
стр. 62
وتوقيره حيًا وميتًا، ومعرفة سنته، ونشرها، والعمل بها، وتقديم قوله على قول كل أحد كائنا ما كان، أما النصيحة لأئمة المسلمين، فهي إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتذكيرهم بحوائج العباد ونصحهم برفق ولين وعدل واعتقاد ولايتهم والسمع والطاعة لهم في غير معصية الله، وحث الناس على ذلك، وبذل ما تستطيعه من إرشادهم، وتنبيههم إلى ما ينفعهم، وينفع الناس والقيام بواجبهم، وأما النصيحة لعامة المسلمين، فهي إرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم، وكف الأذى عنهم، وتعليمهم ما جهلوا من أمر دينهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويسعى في ذلك حسب الإمكان.
ومن محاسن الدين الإسلامي النهي عن قطيعة الرحم، قال الله تعالى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ وقال ﷺ "الرحم متعلقة بالعرش، تقول: من وصلتي وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" رواه البخاري، ورواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفي عن النبي ﷺ قال "إن
стр. 63
الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم".
ومن محاسن الدين الإسلامي النهي عن التشدد في الدين، وعن الزهد في الطيبات، لأن الإسلام دين اليسر والسهولة والاعتدال، فعن أنس ﵁، قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء إليهم رسول الله ﷺ ، فقال "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه الشيخان.
قصيدة في غربة الإسلام
أقول وأولى ما يرى في الدفاتر … وأحسن فيضًا من عيون المحابر
стр. 64
هو الحمد للعبود والشكر والثناء … تقدس عن قول الغواة الغوادر
وجل عن الأنداد لا رب غيره … وعن شافع في الابتدا أو موازر
وصلى على من قام لله داعيًا … وشيد أعلام الهدى والشعائر
وأوضح دين الله من بعد ما سفت … عليه السوافي في القرى والجزائر
وعادا ووالى في رضى الله قومه … ولم يثنه عن ذاك صولة قاهر
محمد المبعوث للناس رحمة … نذارته مقرونة بالبشائر
وبعد فإن تعجب لخطب تبلبلت … لفادحه أهل النهي والبصائر
فلا عجبًا يوم من الدهر مثل ما … أناخ بنا من كل بادٍ وحاضر
وما ذاك إلا غربة الدين يا لها … مصيبة قومٍ من عظام الفواقر
стр. 65
ترى أهله مستضعفين أذلةً … فما بين طعانٍ عليهم ونافر
ومستهزء منهم فينغض رأسه … ويرمونهم شزر العيون النواضر
وعاداهم من يدعى العلم والحجى … وكل خليلٍ أو قريبٍ مصاهر
فما شئت من شتم وقذف وغيبة … وتنقيصهم في كل نادٍ لفاجر
وأكبر من هذا وأعظم فرية … مولاة أهل الشرك من كل كافر
وأعينهم في فعل ذاك قريرة … فمن صامتٍ في فعله أو مجاهر
ومن قام بالإنكار فهو مشدد … يكادون أن يبدوه فوق المنابر
فإن يحكموا بالسوط ضربا فإن يكن … رجوع وإلا بالضبا والخناجر
وأصبح ذو الإيمان فيهم كقابضٍ … على الجمر أو في الجنب صلي المجامر
стр. 66
وإخوانه النزاع في كل قرية … لدى أهلها في ذلهم كالأصاغر
وما زادهم إلا ثباتا مع الرضى … بقلبٍ سليمٍ للمهيمن شاكر
فأكرم بهم من عصبة الحق إنهم … لحفظ نصوص الدين أهل تناصر
إذا ما بدا نص الكتاب وسنةٍ … تنادوا عباد الله هل من مثابر
وعضوا عليها بالنواجذ فاهتدوا … وما رغبوا عنها لخرص الخواطر
عليك بهاتيك الصفات منافسًا … فلله ما أسناسناها لسائر
هم القوم لا يثيهم عن مرادهم … ملامة لوامٍ وخذلان ناصر
بنفسي فتى مازال يدأب دائمًا … إلى ربه أكرم به من مهاجر
مكبًا على آي الكتاب ودرسه … بقلب حزين عند تلك الزواجر
стр. 67
فيا ليتني ألقاه يومًا لعله … يخبرني عما حوى في الضمائر
ونرفع أيدينا إلى الله بالدعا … لينصر دين المصطفى ذي المفاخر
وينصر أحزاب الشريعة والهدى … ويقمع أهل الزيغ من كل فاجر
فآهٍ على تفريق شمل فهل لما … مضر عودة نحو السنين الغوابر
عسى نصرة للدين تجمع شملنا … تقر بها مما ترى عين ناظر
فيرتاح أهل الدين فيها أعزةً … وأعداؤه تحت القنا والحوافر
وأختم نظمي بالصلاة مسلمًا مدى … الدهر ما ناضت بروق المواطر
على أحمدٍ والآل والصحب والذي … لهم تابع يسعى بفعل الأوامر
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا
стр. 68
ولا يرحمنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ومن محاسن الدين الإسلامي الترغيب في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
ومن محاسن الدين الإسلامي حث المرء على انتهاز فرصة الحياة، لعمل ما ينفعه في الآخرة، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له" رواه مسلم. وقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
стр. 69
ومن محاسن الدين الإسلامي الحث على وجوب الاعتماد على الله، ثم على إيمانه وعمله الصالح، لا على ماله من صلة بالمقربين إلى الله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ فقال "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمدٍ، سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا"، رواه الشيخان والترمذي.
ومن محاسن الإسلام الأمر بتعهد النفس بالإصلاح، فيلزمها بأداء أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. والآيات في الحث على التقوى كثيرة.
ومن محاسن الإسلام أنه يجعل الإنسان على صلةٍ دائمةٍ بربه، حين تفد عليه النعمة، وحين تنزل به الشدة، قال ﷺ "عجبًا لأمر المؤمن، إن
стр. 70
أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" رواه مسلم.
ومن محاسن الإسلام أنه يحث الخلق، ويوجههم إلى إصلاح أنفسهم ومجتمعهم، ويرشدهم، ويبين لهم كيف يحررون عقولهم، ويسمون بها عن مهاوي الضلال، إلى أن يخصوا الله جل وعلا بالعبادة، ويوضح لهم كيف يصقلون نفوسهم، ويغذون أرواحهم، بالصلاة كل يوم خمس مرات، ويوضح لهم كيف يطهرون أموالهم، بأداء حق الله، وكيف يبنون الأسرة المسلمة، التي هي نواة المجتمع، على أسسٍ سليمة قويةٍ، وذلك بتواصلهم، ومعرفتهم لحق قرابتهم، والآيات والأحاديث تدل على ذلك، فعن أبي أيوب الأنصاري، أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ماله؟ فقال رسول الله ﷺ "أرب ماله تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" الحديث رواه الشيخان.
стр. 71
ومن محاسن الدين الإسلامي تحريم الخصومة بالباطل لمن يعلم، وتحريم الشفاعة التي تعطل إقامة الحدود التي شرعها الله، وتحريم القول عن المؤمن بما ليس فيه، فمن الغايات التي حرص الإسلام على تحقيقها أن يقيم المجتمع الإنسان على أسس قويةٍ، من العدالة والتراحم، وأن تسود أعضاءه روح المودة، والتعاون المثمر، ويسلم من عوامل الضعف، فعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله ، ومن خاصم في الباطل وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال" أخرجه أحمد أبو داود.
ومن محاسن الدين الإسلامي تحريم شهادة الزور، وقول الزور، لما في ذلك من الأضرار والمفاسد، التي منها بيعه آخرته بدنيا غيره، ومنها إساءته إلى من شهد عليه، بإضاعة حقه، ومنها إساءته إلى القاضي، بإضلاله عن
стр. 72
المحجة، ومنها إساءته إلى الأمة، بزلزلة الحقوق فيها، وعدم الاطمئنان عليها.
ومن محاسن الدين الإسلامي أبطال ما عليه أهل الجاهلية وتحريمه، وهما الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، لما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال "اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت".
ومن محاسن الدين الإسلامي النهي عن لطم الخدود، وشق الجيوب في المصيبات، وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁، قال قال رسول الله ﷺ "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
ومن محاسن الدين الإسلامي النهي عن الاستيلاء على الماء الذي لا يختص بأحدٍ، ومنعه ابن السبيل، عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم لله يوم القيامة،
стр. 73
ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بفلاة، يمنعه ابن السبيل" متفق عليه، وفي رواية وقال فيه "ورجل منع فضل ماء، فيقول الله له: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألحقنا بعبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
"فصل"
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه يحرم الاعتداء، أو النيل من النفس أو المال أو العرض أو العقل، وكل جريمة من جرائم الاعتداء عليها عقوبة، من قصاص أوحد، والأخلاق الإسلامية من الصدق والأمانة والوفاء والعفة وغيرها، ليست أمورًا كمالية في نظر الإسلام، كما يتوهمه بعض الناس، بل هي واجبات، يحرص عليها، ومعرض كل من يخرج عن دائرتها، بأنه سيقتص منه في
стр. 74
الآخرة إن لم يتب ويتدارك، وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال "أتدرون من المفلس" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار" رواه مسلم.
ومن محاسن الدين الإسلامي إنه يرشد معتنقه إلى أن صلاح حياته يتطلب منه أ، يكون عفا في كلامه، فلا يغتاب، ولا ينم، ولا يسب، ولا يقذف مسلمًان ولا يلعنه، ولا يستهزئ به، ولا يفتري، ولا يكذب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" وقال "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام".
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه يحث المؤمن على
стр. 75
أداء واجبه، وأن لا يدخر جهدًا في توحيه اهله وإخوانه، وأقربائه وجيرانه، وكل من تربطهم به صلة وثيقة إلى الخير، ووسيلته إلى هذا التوجيه هي التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن محاسن الدين الإسلامي الأمر بالحياء الذي هو أصل كل فضيلةٍ، وعصمة من كل شرٍ، لمن وفقه الله، وفي حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال "استحيوا من الله حق الحياء" قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله. قال "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا" رواه الترمذي وأحمد والحاكم بسند صحيح.
ومن محاسن الدين الإسلامي النهي عن اتخاذ شيء فيه روح غرضًا يرمي إليه، لما في الصحيحين أن ابن عمر مر بفتيان من قريش، قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟
следующие страницы →